(سئل) هل كان - ﷺ - له ظل إذا مشى؟ وما سر ذلك؟.
(أجاب) لم يكن له - ﷺ - ظل أصلا، كما نص على ذلك، وسر ذلك أن ذاته الشريفة نورانية لا كثافة فيها أصلا، فلم يظهر لها ظل كما وقع في بعض الأوهام أن الظلال تحكي قدم وجود النفوس، كما وقع لبعض مدعي الفضل وهو منه بريء؛ لأنه باطل لأنا لا نقول بقدم النفوس بل الكل حادث من النفوس والأجسام والأعراض، وهذا يقتضي قدم نفوس غير الأنبياء وحدوث نفوسهم، وذلك باطل بالعقل والنقل، قال صاحب الهمزية:
شمس فضل تحقق الظن فيه
أنه الشمس رفعة والضياء فإذا ما ضحى محى نوره الظلـ
ـل وقد أثبت الظلال الضحاء
[ ١ / ٥٦ ]
أي أنه - ﷺ - شمس فضل يستمد من فضله أرباب الفضائل، صار الظن فيه محققا، وأن ذاته بالنسبة إلى ذواتهم الشمس رفعة في الرتبة، وأن نوره بالنسبة إلى أنوارهم الضياء المفيض تلك الأنوار عليهم، فبسبب أن ذاته الشمس ونوره الضياء اختص من غيره بأنه إذا ما ضحى محى نوره الظل؛ أي ظل ذاته الكريمة، والحال أنه قد أثبت الظلال للذوات الضحاء، وما ذكرناه من حمل الظل في كلامه على ظل ذاته الكريمة هو الموافق للمنقول في سيرته الشريفة، وفهم الناظم رحمه الله تعالى أن المراد به ظل ذاته وغيرها، وأن نوره يمحو كل ظل، فمن ثم أجاب عما يرد على ذلك من أن الغمامة أظلته قبل النبوة، وكأن الغمامة بقاء ظلها مع نوره استودعته أي استودعت النبي - ﷺ - من
أظلتهم من ظله - ﷺ - الرفقاء؛ أي رفقاءه أي إخوانه من المرسلين، والمراد بمن أظلتهم المرسلون من ظله أممهم المؤمنون بهم وبإظلالهم لهم إدخالهم تحت ظلهم المعنوي الذي هو من ظله - ﷺ - فإن شرائعهم المبعوثين بها هي شرائعه وهم نوابه فيها، وحاصل الجواب أن بقاء ظلها مع نوره استيداعها؛ أي استحفاظها إياه - ﷺ - للموجودين من الأمم السابقة؛ لأنهم مأمورون باتباعه - ﷺ - وقد أخذ عليهم أنبياؤهم لئن أدركوه ليؤمنن به وليحفظنه ولينصرنه من الأعداء، كما وقع لبحيرا الراهب، وقال في تائيته السبكي:
لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى على الأرض يلقى فانطوى كمزية
وأثر في الأحجار مشيك ثم لم يؤثر برمل أو ببطحاء مكة
قال شارحها المحلي: قيل: إنه - ﷺ - لا يقع ظله على الأرض تشريفا؛ لأنه - ﷺ - كان نورا شريفا روحانيا، وجسما لطيفا نورانيا، والنور لا ظل له كما أن الملائكة ﵈ حالين بين أظهرنا لا ينكر ذلك عاقل، ولذلك لا نراهم ولا نرى لهم ظلا للطافتهم ونورانيتهم؛ لأنهم خلقوا نورا صرفا. وقيل: بل تكرما لذاته الشريفة أن يوطأ ظلها بالأرجل ولا يمتهن، وشبه هذا ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان مسافرا يسايره يهودي، فلما أراد المفارقة قال عبد الله بن عمر لليهودي: بلغني أنكم تدينون بإيذاء المسلمين، فهل قدرت على شيء من ذلك؟ وأقسم عليه، فقال له اليهودي: إن أمنتني أخبرتك، فقال له: قد فعلت، فقال له: لم أقدر عليك بأكثر من أني كنت إذا رأيت ظلك وطئته بقدمي وفاء بأمر ديننا. وقيل: بل كانت الغمامة تظله - ﷺ - فلا يرى له ظل. وعن النيسابوري: إنما لم يكن له ظل لأنه - ﷺ - كان لا يكتب، وهو نبي؛ أي لم يقع ليده الكريمة ظل على اسم
[ ١ / ٥٧ ]
الله تعالى بعد التخلق بما ينبغي له التخلق به من أسماء الله تعالى، فرفع الله تعالى ظله أن يقع على الأرض. وقيل غير ذلك. وأما كونه - ﷺ - كان يؤثر مشيه في الأحجار ولا يؤثر في الرمل، قيل: كان ذلك ليلة دعائه - ﷺ - إلى غار ثور، كان إذا وضع قدمه على الرمل يقول لأبي بكر ﵁: ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا ينم عليه، وكان طريقه - ﷺ - أكثرها رملا، فأراد الله تعالى إخفاء أثر سيره في مسيره ليتحير المشركون في طلبه ويرجعوا بسوء منقلبهم. وقيل غير ذلك. وأما الحجر فكان يلين لمكان قدميه - ﷺ - ليكون شاهدا لتشريفه بمروره عليه، ويشبه هذا أن وليا من أولياء الله تعالى طاف بالكعبة فسمع أحجار المطاف يفتخر بعضها على بعض ويقول ما معناه: قد تشرفت بوطء أقدام ولي الله تعالى في عبادته وملامسة جسده لجسدي. وقيل: بل يلين الحجر ليكون فيه سمة وعلامة ينجو بها دون غيره من الأحجار من نار وقودها الناس والحجارة. وفي بعض الآثار أن نبيا من الأنبياء صلى الله على سيدنا محمد وعليهم وسلم، مر بحجر يخرج منه الماء فسأل ربه عن ذلك فأنطق الله تعالى له الحجر فقال: منذ سمعت أن لله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة، وأنا أبكي بهذا الدمع خوفا من تلك النار، فاشفع لي عند ربك، فشفع له فشفع فيه، ثم بشره بقبول الشفاعة فيه وتركه مدة، ثم مر به ذلك النبي فوجد الماء يخرج من الحجر فقال له ﵊: ألم أبشرك أن الله تعالى أنجاك من النار، فما هذا الماء؟ فقال: يا نبي الله ذاك بكاء الخوف والخشية وهذا بكاء الفرح والمسرة. ولا يبعد أن يتفق ذلك لرسول الله - ﷺ - لأن هذه الآية نزلت على النبي - ﷺ - ولا يبعد أن يكون نزل معناها على بعض المرسلين، صلى الله عليهم وسلم. وقيل أنه لان الحجر لقدمه - ﷺ - حياء من أن يستقسى أو يتصلب على شريف قدميه، ﷺ. وقيل: بل إظهارا لقوة النبي - ﷺ - وشدة بأسه، فلا يثبت لبطشه الحجر فكيف أجساد البشر. وقيل: في لين الصخر لقدميه - ﷺ - إشارة إلى أن يكون الكفار أقسى من صم الأحجار، وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وقلوب الكفار قاسية جافلة غليظة غلف التفظيع عليها ختم الله تعالى عليها غشاوة عليها حجاب إلا إذا أدركتها العناية فألحقتها بأهل الهدايه فأزالت الموانع ومنعت العوائق، فوقع عليها إكسير الرضا فصير الزئبق ذهبا والمدر جواهرا، والله تعالى أعلم.