(سئل) هل للحسبة أصل من السنة؟ وهل اتخذ - ﷺ - أحدا من الصحابة محتسبا؟
(أجاب) نعم استعمل - ﷺ - سعد بن أبي وقاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وهذا هو المسمى الآن بالحسبة ومولاها بالمحتسب، ففي أصلها خصلة شريفة لأنها لضبط أحوال السوق في البيع والشراء والمعاملات والموازين والنقود والعقود والحرف والصنائع، وإن كانت الآن مبتدعة لا يتولاها إلا الأخساء لتعاطيهم لظلم وأخذ أموال الناس بالباطل وعدم سؤالهم عما تقدم وإنما قصدهم الأخذ من الأموال فقط، قال في الروض وشرحه لشيخ الإسلام: وعلى الإمام أن ينصب محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان لا يختصان بالمحتسب، فيتعين
[ ١ / ٥٥ ]
عليه الأمر بصلاة الجمعة إذا اجتمعت شروطها، وكذا بصلاة العيد وإن قلنا أنها سنة لأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة، ولا يأمر المخالفين له في المذهب بما لا يجوزونه، ولا ينهاهم عما يرونه فرضا عليهم، ويأمر المسلمين بالمحافظة على الفرائض والسنن ولا يعترض عليهم في تأخيرها والوقت باق؛ لاختلاف العلماء في فضل تأخيرها، ويأمرهم فيما يعم نفعه كعمارة سور البلد وشربه ومعونة المحتاجين من أبناء السبيل وغيرهم، ويجب ذلك من بيت المال إن كان فيه مال، وإلا فعلى من له مكنة، وينهى الموسر عن مطل الغريم إن استعدى؛ أي استعداه الغريم عليه، ولو قيل أنه ينهاه من حيث المعصية وإن لم يستعد، لم يكن بعيدا. وينهى الرجل عن الوقوف مع المرأة في طريق خال لأنه موضع ريبة، فينكر عليه ويقول له: إن كانت محرمك فصنها عن مواقف الريب، وإلا فخف الله تعالى من الخلوة معها، ويأمر بنكاح الأكفاء وإيفاء العدد والرفق بالمماليك وتعهد البهائم، وينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله، ويشهر أمره لئلا يغتر به، وينكر على من أسر في صلاة جهرية أو زاد في الأذان، وعكسهما، ولا يطالب الدائن بحق قبل الاستعداء من ذي الحق عليه، ولا يحبس للدين ولا يضرب عليه، وينكر على القضاة إذا احتجبوا عن الخصوم أو قصروا في النظر في الخصومات، وعلى أئمة المساجد المطروقة إن طولوا الصلاة، كما أنكر - ﷺ - على معاذ ذلك، ويمنع الخونة من معاملة النساء لما يخشى فيها من الفساد. ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بمسموع القول بل عليه - أي على كل مكلف - أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فلا يسقط ذلك عن المكلف هذا العلم؛ لعموم خبر «من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» والله تعالى أعلم.