هو لغة: الإثبات؛ من قر الشيء يقر قرارًا إذا ثبت، وشرعًا: إخبار عن حق سابق، ويسمى اعترافًا أيضًا، والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥] وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار، وقوله تعالى: ﴿ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فليمدل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: فليقر بالحق، دل أوله على صحة إقرار الرشيد على نفسه، وآخره على صحة إقرار الولي على موليه، وخبر "الصحيحين": "اغد يا أنيس إلى امرأة هنا، فإن اعترفت .. فارجمها"، والقياس: لأنا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار .. فلأم نقبل الإقرار أولى.
وله أربعة أركان: مقر، ومقر له، ومقر به، وصيغة.
(وإنما يصح مع تكليف طوعا ولو في مرض مخوف)
(والرشد إذا إقراره بالمال وصح الاستثناء باتصال)
(عن حقنا ليس الرجوع يقبل بل حق ربي، فالرجوع أفضل)
(ومن بمجهول أقر قبلا بيانه بكل ما تمولا)
[الركن الأول: المقر وشروطه]
أي: إنما يصح الإقرار مع تكليف المقر؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا، فلا يصح إقرار غير المكلف؛ كصبي ومجنون، إلا السكران طوعًا؛ أي: اختيارًا، فلا يصح إقرار مكره عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] أسقط حكم الكفر به فغيره أولى.
ويصح إقرار من ذكر ولو مع مرض ومخوف من المقر، فيصح إقرار المريض والمال عينًا كان أو دينًا لأجنبي أو وارث؛ لأنه في حالة يصدق فيها الكاذب، وينوب فيها الفاجر، فالظاهر صدقه.
[ ٦٣٧ ]
ولو أقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر .. لم يقدم الأول، بل يتساويان؛ كما لو أقر بهما في الصحة أو المرض.
ولو أقر في صحته أو مرضه بدين لإنسان، وأقر وارثه بعد موته بدين لآخر .. لم يقدم الأةل في الأصح؛ لأن إقرار الوارث كإقرار المورث، فكأنه أقر بالدينين.
ويشترط مع ما مر في الإقرار بالمال: وشد المقر؛ أي: إطلاق تصرفه في المال، ولهذا قال الناظم: (والرشد إذا إقراره بالمال) فلا يصح إقرار السفيه بمال عين أو دين معاملة أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده، وكذا بإتلاف المال في الأظهر.
وخرج بقوله: (إذ إقراراه بالمال): إقراره بغيره؛ كالحد والقصاص فيصح، ويصح خلعه وطلاقه، وظهاره ونفيه النسب ونحوها.
وأما المفلس .. فيصح إقراره بعين، أو بدين أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر بمعاملة أو مطلقًا أو إتلاف، أو إلى ما بعده بجناية، فيزاحم المقر له فيها الغرماء.
وأما الرقيق .. فيقبل إقراره بموجب عقوبة، وأظهر القولين: أنه يضمن مال السرقة في ذمته تالفًا كان أو باقيًا في يده أو يد السيد إذا لم يصدقه فيها.
ولو أقر بدين جناية لا توجب عقوبة: كجناية الخطأ وإتلاف المال، فكذبه السيد .. تعلق بذمته دون رقبته، فيتبع به إذا عتق، وإن صدقه السيد .. تعلق برقبته فيباع فيها، إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته وقدر الدين.
وإذا بيع وبقي شيء من الدين .. لا يتبع به إذا عتق، وإن أقر بدين المعاملة .. لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذونًا له في التجارة، بل يتعلق المقر به بذمته يتبع به إذا اعتق وإن صدقه السيد، ويقبل على السيد إن كان مأذونًا له في التجارة، ويؤدى من كسبه وما في يده، إلا أن يكون المقر به مما لا يتعلق بالتجارة كالقرض؛ فلا يقبل على السيد.
ولو أقر بعد حجر السيد عليه بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن .. لم تقبل إضافته في الأصح، وقبل الحجر لو أطلق الدين .. لم ينزل على دين المعاملة في الأصح.
[الركن الثاني: المقر له]
الركن الثاني: المقر له، ويشترط فيه أهلية استحقاق المقر به، فلو قال: (لهذه الدابة على كذا) .. فلغو؛ لأنها ليست أهلًا للاستحقاق، ولو قال: (علي بسببها لمالكها كذا) ..
[ ٦٣٨ ]
صح على الصحيح، وحمل على أنه جنى عليها أو اكتراها، أو (علي بسببها) .. لم يلزم لمالكها الآن، بل يسأل ويعمل ببيانه.
ولو أقر لرقيق .. فلسيه، أو لحمل بسبب إرث أو وصية .. ثح؛ لأن ما أسنده ممكن، فإن انفصل ميتًا .. فلا حق له، وتكون لورثة المورث أو الموضي، أو حيًا وانفصل لدون ستة أشهر .. استحق، أو لأكثر من أربع سنين .. فلا، أو لما بينهما وهي فراش .. فكذلك، وإلا .. فالأظهر: الاستحقاق، واعتبر الشيخان هذه المدة من الإقرار، وصوب الإسنوي والبلقيني اعتبارها من سبب الاستحقاق.
ثم إن استحق بوصية .. فله الكل، أو بإرث من أب وهو ذكر .. فكذلك، أو أنثى .. فلها النصف، وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه؛ كقوله: (أقرضنيه) أو (باعني به شيئًا) .. فلغو، وقيل: صحيح وبلغو الإسناد؛ لأنه غير معقول، وقيل فيه قولا تعقيب الإقرار بما يرفعه، وفي "الشرح" تصحيح الطريق الثاني، وتعقبه في "الروضة" بأن الأصح: البطلان، وبه قطع في "المحرر"، قال في "الأنوار": وهم وهم، بل الضمير في قوله "المحرر": (فهو لغة) للإسناد، وأما الإقرار .. فصحيح، وذكر الأذرعي نحوه، وإن أطلق .. صح في الأظهر، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه.
وعدم تكذيبه المقر، فلو كذب المقر .. ترك المال في يده في الأصح؛ لأن بده تشعر بالملظ ظاهرًا إقراره بمعارضة الإنكار.
فلو رجع المقر به وصدق المقر .. لم يسلم له إلا بإقرار جديد، أو المقر وقال: (غلطت)، أو (تعمدت الكذب) .. قبل في الأصح.
وتعيينه نوع تعيين بحيث تتوقع منه الدعوى والطلب، فلو قال: (لإنسان)، أو (واحد من بني آدم)، أو (من أهل البلد على ألف) .. لم يصح على الصحيح، فلو قال واحد: (أنا المراد ولي عليك ألف) .. صدق المقر بيمينه.
[ ٦٣٩ ]
[الركن الثالث: المقر به]
الركن الثالث: المقر به، ويشترط ألا يكون ملكًا للمقر وقت الإقرار، فلو قال: (داري) أو (ثوبي) أو (ديني الذي على زيد لعمرو) .. فلغو؛ لأن الإضافة إليه تقتضي الملك له فتنافي الإقرار لغيره؛ إذ هو إخبار بحق سابق عليه، ويحمل كلامه على الوعد بالهبة.
ولو قال: (مسكني لزيد) .. فهو إقرار؛ لأنه قد يسكن ملك غيره، ولو قال: (هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت) .. فأول كلامه إقرار وآخره لغو، فيطرح ويعمل بأوله.
ولو قال: (الدين الذي على زيد لعمرو، واسمي في الكتاب عارية) .. صح.
ويشترط أن يكون المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار للمقر له في الحال، وإن لم يكن في يده .. فهو دعوى أو شهادة، فلو صار بيده .. عمل بمقتضى الإقرار؛ بأن يسلم للمقر له في الحال، فلو قال: (العبد الذي في يد زيد مرهون عند عمرو بكذا)، ثم حصل العبد في يده .. أمر ببيعه في دين عمرو.
ولو أقر بحرية عبد في يد غيره، أو شهد بها فردت ثم اشتراه .. صح وحكم بحريته، فترفع يده عنه، ثم إن قال: (أعتقه) .. فشراؤه افتداء من جهة المشتري في الأصح، وبيع من جهة البائع، فيثبت له وحده الخياران وولاؤه موقوف، فإن مات وترك مالًا وله وارث بنسب .. فله؛ وإلا فإن صدقه البائع .. أخذه ورد الثمن، أو كذبه وأصر .. فللمشتري منه قدر الثمن، والباقي موقوف، وإن قال: (هو حر الأصل)، أو (عتق قبل شرائك) .. فافتداء من جهته وبيع من جهة البائع، وإذا مات ولا وارث له .. فماله لبيت المال، وليس للمشتري أخذ شيء منه، ولو مات قبل القبض .. لم يكن للبائع مطالبته بالثمن.
ولو أقر بحريته ثم استأجره .. لم يحل له استخدامه، وللمؤجر مطالبته بالأجرة.
[الركن الرابع: صيغة الإقرار]
الركن الرابع: الصيغة، فقوله: (لفلان عندي) أو (علي) أو (معي كذا) .. صيغة إقرار، ثم (علي) و(في ذمتي) للدين ظاهرًا فلا يقبل تفسيره بوديعة، ولا دعواه التلف، بل يضمنه، و(معي) و(عندي) للعين؛ أي: محمول عند الإطلاق على الإقرار بالعين، حتى إذا ادعى أنها وديعة وأنها تلفت، أو ردها .. يقبل قوله بيمينه.
[ ٦٤٠ ]
ولو قال: (لي عليك ألف)، فقال: (زن) أو (خذ) أو (استوف) .. فليس بإقرار، أو (زنه) أو (أخذه)، أو (هي صحاح)، أو (اختم عليه)، أو (شده في هميانك)، أو (اجعله في كيسك) .. فكذا على الصحيح؛ لأن ذلك يذكر للاستهزاء، أو (بلى)، أو (نعم)، أو (أجل)، أو (صدقت)، أو (أنا مقر به)، أو (بما تدعيه)، أو (لست منكرًا له)، أو (لا أنكر ما تدعيه)، أو (لا أنكر أن تكون محقًا فيما تديعه)، أو (أبرأتني منه)، أو (قضيته)، أو (له على ألف في علمي)، أو (فيما أعلم)، أو (أشهد) .. فإقرار بالألف، وعليه بينة الإبراء أو القضاء.
أو (أنا مقر)، أو (أقر به)، أو (لست منكرًا)، أو (لا أقر)، أو (لا أنكر أن تكون محقًا)، أو (أقررت بأنك أبرأتني)، أو (استوفيت مني)، أو (لعل)، أو (عسى)، أو (أظن)، أو (أحسب)، أو (أقدر)، أو (لا أقر به ولا أنكره) .. فليس بإقرار.
وإذا انضم إلى اللفظ قرائن تشعر بالاستهزاء والتكذيب؛ كالأداء [والإبراء]، وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار، فيشبه ألا يكون إقرارًا، ويحمل قولهم: (: أن صدقت" وما في معناه .. إقرار) على غير هذه الحالة، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة، فإن المتولي حكى وجهين فيما لو قال: (لي عليك ألف)، فقال مستهزئًا: (لك علي ألف).
ولو قال: (أليس عليك كذا؟) فقال: (بلى) .. فإقرار، أو (نعم) .. فكذا على الصحيح، وقيل: أنه ليس بإقرار،؛ لأنه موضوع للتصديق فيكون مصدقًا له في النفي، بخلاف (بلى) فإنه لرد النفي، ونفي النفي إثبات، وأجيب بأن النظر في الإقرار إلى العرف، وأهله يفهمون الإقرار بـ (نعم) فيما ذكر.
ولو قال: (اقض الألف الذي لي عليك)، فقال: (نعم)، أو (أقضي غدًا)، أو (أمهلني يومًا)، أو (حتى أقعد)، أو (أفتح الكيس)، أو (أجد المفتاح) .. فإقرار في الأصح.
[ ٦٤١ ]
ويصح الإقرار بكل لغة فهمها المقر، فلو أقر عجمي بعربية أو بالعكس، وقال: لقنت .. صدق بيمينه إن أحتمل أن يخفي عليه، وكذا حكم جميع العقود والحلول.
ولو قال: كنت يوم الإقرار صبيًا وهو محتمل، أو مجنونًا وقد عهد له .. صدق بيمينه، أو مكرهًا وعليه أمارة .. فكذلك، وإلا .. لم يقبل قوله، وإنما تثبت الأمارة ببينة، أو اعتراف المقر له، وحبسه لزيد لا بقدح في إقراره لعمرو.
ولو تعرضت البينة لبلوغه وعقله واختياره، وادعى المق خلافه .. لم يقبل، ولا يشترط في الشهادة تعرض لبلوغ وعقل واختيار وحرية ورشد على المذهب، وما يكتب في الوثائق .. فهو احتياط، ولو قيدت بينة الإقرار بالاختيار، وأقام الخصم بينة بالإكراه .. قدمت، ولا تقبل شهادة الإكراه إلا مفصلة.
[حكم الاستئناف في الإقرار وشروطه]
قوله: (وصح الاستثناء باتصال)، أي: وصح الاستثناء من المقر؛ لأن الاستثناء - وهو إخراج ما لولاه لدخل فيما قبله - بـ (إلا) أو نحوها معهود في القرآن وغيره حال كونه متصلًا بالإقرار؛ بحيث يعد معه كلامًا واحدًا، فلو فصل بينهما بكلام أجنبي أو سكوت .. لم يصح.
نعم؛ يغتفر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو عي أو تذكر أو انقطاع صوت؛ كما نص عليه في "الأم"، قال في "الروضة" و"أصلها": والاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلام الاثنين ما لا يحتمل بين كلام الواحد، ولما ذكر فيها أن تخلل كلام الأجنبي يبطل الاستثناء .. قال: هكذا قاله أصحابنا، وقال صاحبا "البيان" و"العدة": إذا قال: (علي ألف - أستغفر الله - إلا مئة) .. صح الاستثناء عندنا، خلافًا لأبي حنيفة، لنا أنه فصل يسير، فصار كقوله: (علي ألف - يا فلان - إلا مئة)، وما نقلاه فيه نظر. انتهى، ونظيره في المقيس عليه ظاهر، وأما في المقيس .. فجوابه ما قاله الخوارزمي: أن قوله (أستغفر الله) استدراك لما سبق منه فكان لازمًا للاستثماء، فلا يمنع الصحة.
ويشترط أيضًا لصحة الاستثناء: قصده قبل فراغ الإقرار، فلا يكفي بعده، وعدم استغراقه
[ ٦٤٢ ]
للمستثنى منه؛ كـ (عشرة إلا تسعة)، فإن استغفره كـ (عشرة إلا عشرة) .. لم يصح؛ لأنه رفع لما أثبته، وليس من المستغرق: (له على مال إلا مالًا)، أو (شيء إلا شيئًا)، أو نحوها؛ لإمكان حمل الثاني على أقل من الأول، ومحل ذلك: ما لك يخرجه عن الاستغراق، وإلا .. صح، فلو قال: (له علي عشرة إلا عشرة إلا خمسة) .. لزمه خمسة؛ إذ الكلام بآخره، وآخره يخرجه عن الاستغراق؛ لأن عشرة إلا خمسة وخمسة، ويكون المقر به في مثل ذلك الأخير.
ولو قال: (له على عشرة إلا خمسة إلا عشرة)، أو (عشرة إلا خمسة إلا خمسة) .. لزمه خمسة، وألغي ما حصل به الاستغراق، ومهما كان في المستثنى أو المستثنى عنه عددان معطوفان أحدهما على الآخر .. ففي الجمع بينهما وجهان، أصحهما وهو المنصوص في (الطلاق) وبه قطع الأكثرون: لا يجمع؛ لأن واو العطف وإن اقتضت الجمع لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ الذي يدور عليه الاستثناء.
فلو قال: (له على درهم ودرهم إلا درهمًا)، أو (له علي درهمان ودرهم إلا درهمًا) .. لزمه ثلاثة دراهم، لأن المستثنى منه إذا لم يجمع مفرقه .. لم يلغ، إلا ما يحصل به الاستغراق، وهو درهم.
ولو قال: (له علي إلا درهمًا ودرهمين) .. لزمه درهمان لذلك.
ولو قال: (له علي درهم ودرهم إلا درهمًا ودرهمًا ودرهمًا) .. لزمه ثلاثة؛ لأنه إذا لم يجمع مفرق الاستثناء والمستثنى منه .. كان المستثنى درهمًا من درهم، وهو من الإثبات نفي وعكسه؛ لأنه مشتق من الثني وهو الصرف، وإنما يكون الصرف من الإثبات إلى النفي وبالعكس.
فلو قال: (له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية) وهكذا إلى الواحد .. لزمه خمسة، وطريقة: أن تسقط الأعداد المنفية من المثبتة والباقي هو اللازم، فالأعداد المثبتة هنا ثلاثون والمنفية خمسة وعشرون، والعدد المذكور أولًا إن كان شفعًا .. فالأشفاع مثبتة، والأوتار منفية، أو وترًا .. فبالعكس، وشرطه: أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي المعتاد، وأن يتول كل شفع وترًا وبالعكس، أو تخرج المستثنى الأخير مما قبله، وما بقي منه .. يخرج مما قبله .. وهكذا حتى ينتهي إلى الأول.
ولو قال: (ليس له عشرة إلا خمسة) .. لم يلزمه شيء؛ لأن (عشرة إلا خمسة) خمسة كما مر، فكأنه قال: (ليس له على خمسة).
[ ٦٤٣ ]
ولو قال: (ليس له علي شيء إلا عشرة) .. لزمه عشرة.
ولو قال: (له علي شيء إلا خمسة) .. لزمه تفسير الشيء بما يزيد على الخمسة وإن قلت الزيادة؛ لتلزمه تلك الزيادة.
ولا فرق كما صححه الشيخان في (باب الأيمان) بين تقديم المستثنى منه على المستثنى وتأخيره؛ كقوله: (له على إلا عشرة مئة)، ويصح الاستثناء من غير الجنس؛ كقوله: (له على ألف درهم إلا ثوبًا) أو (عبدًا)، ثم عليه أن يبينه بما لا تستغرق قيمته الألف، فإن استغرقته .. بطل الاستثناء.
[حكم الرجوع عند الاقرار]
قوله: (عن حقنا ليس الرجوع يقبل بل حق ربي فالرجوع أفضل) أي: لا يقبل الرجوع من المقر بما أقر به من حقوق الآدميين، سواء أكانت مالية أم غيرها؛ كالقتل والقذف وغيرهما؛ لأنها مبنية على المشاحة، بل يقبل رجوعه عما أقر به من عقوبة لله تعالى، سواء أكانت حدًا أم تعزيزًا؛ كالزنا وشرب الخمر وغيرهما؛ لأنها مبنية على المسامحة، فرجوعه عن إقراره بها أفضل؛ لقصة ماعز، ولهذا استحب لمن ارتكب معصية توجب عقوبة لله تعالى أن يستر على نفسه، بخلاف من قتل أو قذف مثلًا .. فإنه يستحب له أن يقر، بل يجب عليه ليستوفى منه الحق؛ لما في حقوق الآدميين من التضييق، بخلاف عقوبة الله تعالى، أما رجوعه عما أقر به من حق مالي لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة .. فلا يقبل.
[الإقرار بالمجهول]
قوله: (ومن بمجهول أقر قبلا ببانه بكل ما تمولا) أي: يصح الإقرار بمجهول؛ كقوله: (له علي شيء) لأنه إخبار عن حق سابق كما مر، والشيء قد يخبر عنه مبينًا، وقد يخبر عنه مبهمًا، إما للجهل به، أو لثبوته مجهولًا بوصية أو نحوها، ويلزمه بيان ما أبهمه فيطالب بتفسيره، فإن امتنع منه .. حبس على الأصح؛ لامتناعه من أداء الواجب عليه؛ كما يحبس من امتنع من أداء الحق، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كرغيف وفلس، لأن الشيء صادق عليه.
ولو فسره بما لا يتمول، لكنه من جنسه؛ كحية حنطة، أو بما يحل اقتناؤه، ككلب معلم
[ ٦٤٤ ]
وسرجين .. قبل في الأصح؛ لأن ذلك يحرم أخذه، ويجب على آخذه رده، ويقبل تفسيره بحق شفعة، أو حد قذف.
ولا يقبل تفسيره بما لا يقتنى؛ كخنزير وكلب لا نفع فيه؛ إذ لا يجب رده فلا يصدق به قوله: (علي)، بخلاف ما إذا قال: (له عندي شيء) .. فيصدق به.
ولا يقبل تفسيره أيضًا بعيادة ورد سلام؛ لبعد فهمهما في معرض الإقرار؛ إذ لا مطالبة بهما.
ولو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير، أو كثير أو جليل، أو أكثر من مال السلطان .. قبل تفسيره بما قل منه وإن لم يتمول؛ كحبة حنطة، ويكون وصفه بالعظم ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله، وكذا يقبل تفسيره بالمستولدة في الأصح؛ لأنها ينتفع بها وتستأجر وإن كانت لا تباع، ولا يقبل تفسيره بمنفعة وكلب جلد ميتة؛ لأنها لا يصدق عليها اسم المال.
وقوله: (له علي كذا) كقوله: (له على شيء)، وقوله: (شيء شيء)، أو (كذا كذا) كما لو لم يكرر؛ لأن الثاني تأكيد، ولو قال: (شيء شيء)، أو (كذا وكذا) .. وجب شيئان يقبل كل منهما في تفسير شيء، لاقتضاء العطف المغايرة، ولو بين المبهم بما يقبل، وكذبه المقر له في أنه حقه .. فليبين جنس المقر به وقدره، وليدع به، والقول قول المقر في نفيه، فإذا بين المقر به مئة درهم، فقال المقر له: (ما لي عليك إلا مئة دينار)، وادعي بها .. حلف المقر أنه ليس عليه إلا مئة درهم.
ولو قال: (له علي كذا درهمًا)، أو رفع الدرهم أو جره أو سكنه .. لزمه درهم، والمذهب: أنه لو قال: (كذا وكذا درهمًا) بالنصب .. وجب درهمان وإن لم ينصبه، أو حذف الواو .. فدرهم في الأحوال.
والألف في قول الناظم: (قبلا) و(تمولا) للإطلاق.
* * *
[ ٦٤٥ ]