جمع يمين، والأصل فيها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة ٢٢٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، وأخبار؛ منها: أنه صلى الله علية وسلم كان يحلف: "لا ومقلب القلوب" رواه البخاري، وقوله: "والله؛ لأغزون قريشًا" ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: "إن شاء الله" رواه أبو داوود.
واليمين والحلف والإيلاء والقسم ألفاظ مترادفة، وأصلها في اللغة: اليد اليمنى، وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه، وقيل: لأنها تحفظ الشيء على الحالف كما تحفظه اليد.
وفي الشرع: تحقيق ما لم يجب وقوعه ماضيًا كان أو مستقبلًا، نفيًا أو إثباتًا، ممكنًا؛ كحلفه ليدخلن الدار، أو ممتنعًا؛ كحلفه ليقتلن زيدًا الميت، صادقة كانت اليمين أو كاذبة، مع العلم بالحال أو الجهل به، والكاذبة مع العلم بالحال تسمى اليمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار، وهي من الكبائر.
وخرج بـ (التحقيق): لغو اليمين وسيأتي، وبـ (ما لم يجب): الواجب؛ كقوله: (والله؛ لأموتن)، أو (لا أصعد إلى السماء)، فليس يمينًا؛ لتحققه في نفسه، فلا معنى لتحقيقه، ولأن لا يتصور في الحنث، وفارق انعقادها بما لا يتصور فيه البر؛ كحلفه ليقتلن الميت أو ليصعدن السماء: بأن امتناع الحنث لا يخل اسم الله تعالى، وامتناع البر يخل به فيحوج إلى التكفير، وقد ذكر الناظم أشياء منها فقال:
(وإنما تصح باسم الله أو صفة تختص بالإله)
(أو التزام قربة أو نذر لا اللغو إذا سبق اللسان يجري)
(وحالف لا يفعل الأمرين لا حنث بالواحد من هذين)
[ ٩٥٨ ]
(وليس حانثًا إذا ما وكلا في فعل ما يحلف ألا يفعلا)
(كفارة اليمين: عتق رقبه مؤمنة سليمة من معيبه)
(أو عشرة تمسكوا قد أدى من غالب الأقوات مدا مدا)
(أو كسوى بما يسمى كسوة ثوبًا قباء أو ردًا أو فروه)
(وعاجز صمام ثلاثًا كالرقيق والأفضل الولا، وجاز التفريق)
فيها أربع مسائل:
[ما تصح به اليمين]
الأولى: إنما تصح اليمين وتنعقد باسم الله، وهو ما لا يحتمل غيره، ولهذا لو قال: أردت به غير الله تعالى .. لم يقبل ظاهرًا ولا باطنًا؛ لأن اللفظ لا يصلح لغيره، وساء كان من أسمائه الحسنى؛ كالله والرحمن ورب العالمين ومالك يوم الدين، أم لا كالذي أعبده، أو أسجد له، أو أصلي له، أو الغالب إطلاقه على الله تعالى؛ بأن ينصرف إليه عند الإطلاق؛ كالرحيم والخالق والرازق والرب، إلا أن يريد به غيره، وأما ما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي والغني .. فليس بيمين، إلا بنية له تعالى، أو بصفة تختص بالإله؛ كوعظمة الله تعالى، وعزته وجلاله وكبريائه، وكلامه وعلمه، وقدرته وسمعه، وبقائه ومشيئته وحقه، والقرآن والمصحف .. فينعقد بكل منها اليمين، إلا أن يريد به ظهور آثارها على الخلق، وبالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور، وبالحق العبادات، وبالقرآن الخطبة أو الصلاة، وبالمصحف الورق والجلد، وبالكلام الحروف والأصوات الدالة عليه، وبالسمع المسموع.
وخرج بذكر اسم الله تعالى وصفته: الحلف بغيرهما؛ كالنبي والكعبة فلا تنعقد به اليمين، بل بكره؛ لخبر "الصحيحين": "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبآئكم، فمن كان حالفًا .. فليحلف بالله أو ليصمت"، وكقول الشخص لمن حلف: (يميني في يمينك)، أو (يلزمني مثل ما يلزمك)، وكقوله: (إن فعلت كذا .. فأنا يهودي) أو (نصراني)، أو (بريئ من الله) أو (رسوله)، أو نحو ذلك؛ فلا كفارة بفعل ذلك، ثم إن قصد تبعيد نفسه
[ ٩٥٩ ]
عنه .. لم يكفر، وليقل ندبًا؛ كما صرح به النووي في "نكته": (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويستغفر الله تعالى، وإن قصد الرضا بذلك إذا فعله .. كفر في الحال.
وتنعقد اليمين بالكناية مع النية؛ كما لو قال: (الله) ورفع أو نصب أو جر (لأفعلن كذا) فيمين إن نواها.
ولو قال: (أقسمت) أو (أقسم)، أو (حلفت) أو (أحلف)، أو (أولي بالله لأفعلن كذا) .. فيمين إن نواها، أو أطلق، وإن قصد خبرًا ماضيًا، أو مستقبلًا .. صدق.
ولو قال لغيره: (أحلف) أو (حلفت)، أو (أقسم) أو (قسمت)، أو (أولي) أو (آليت عليك بالله)، أو (أسألك) أو (سألتك بالله لتفعلن كذا) وأراد يمين نفسه .. فيمين يستحب للمخاطب إبراره فيها، وإلا .. فلا، ويحمل كلامه على الشفاعة في فعله.
وتنعقد اليمين بالتزام قربة أو نذر أو كفارة يمين؛ كقوله: (إن كلمت زيدًا)، أو (إن لم أكلمه .. فعلي صلاة) مثلًا، أو (نذر) أو (كفارة يمين)، وهذا نذر اللجاج، فإذا وجد المعلق به .. لزمه كفارة يمين.
وأما في الثالث .. فللتصريح بها، أما في الأولين .. فلخبر مسلم: "كفارة النذر كفارة يمين"، ولأن القصد منهما المنع أو الحث، فأشبها اليمين بالله تعالى، وما ذكره هنا من لزوم الكفارة فيهما .. هو ما صححه الرافعي في "المحرر"، واعتمده البلقيني وقال: إنه الذي أفتى به الشافعي ﵁، والصحابة والتابعون ﵃، وصححه كثير من أصحابه.
وصحح النووي: التخيير بينهما وبين ما التزمه؛ لوجود شبه اليمين والنذر، أما شبه اليمين .. فمن جهة الامتناع، وأما شبه النذر .. فمن جهة التزام قربة، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، ولا إلى تعطيلهما فوجب التخيير، وقال الرافعي: إن إيراد العراقيين يقتضي أنه المذهب، وعليه: يتخير في قوله: (فعلي نذر) بين كفارة يمين وقربة من القرب التي تلتزم بالنذر، وقال الماوردي: تتعيم الكفارة؛ تغليبًا لحكم اليمين؛ لأن كفارتها معلومة، وموجب النذر المطلق مجهول.
[ ٩٦٠ ]
أما الكفارة في الثالث .. فمتعينة كما جزم به في "الروضة" و"أصلها"، وسيأتي في كلامه في (باب النذر) حكاية الخلاف.
وخرج (بنذر اللجاج): نذر التبرر الشامل لنذر المجازاة، فيجب فيه ما التزمه كما سيأتي في بابه، والفرق بين نذر اللجاج ونذر المجازاة: أن السبب في الأول يرغب عنه، وفي الثاني يرغب فيه كالشفاء، ويرجع في ذلك كما قاله الرافعي إلى القصد، فلو قال: (إن رأيت فلانًا .. فعلي صوم): فإن ذكره لكراهته الرؤية .. فندر لجاج، أو لرغبته فيها .. فنذر مجازاة.
وخرج بـ (التحقيق): لغو اليمين؛ بأن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد؛ كقوله في حالة غضب أو لجاج، أو صلة كلام: (لا والله) تارة، و(بلى والله) أخرى، فلا تنعقد؛ إذ لا يقصد بها تحقيق شيء، ولقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩]، وجعل منه صاحب "الكافي": ما إذا دخل على صاحبه، فأراد أن يقوم له فقال: (لا والله)، وهو مما تعم به البلوى.
ولو قال: لا والله وبلى والله في كلام واحد .. قال الماوردي: الأولى لغو، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك مقصود منه، وفي معنى اللغو: ما لو حلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره.
ولو حلف وقال: (لم أقصد اليمين) .. صدق، وفي الطلاق والعتاق والإيلاء .. لا يصدق في الظاهر؛ لتعلق حق الغير به، ولأن العادة جرت بإجراء لفظ اليمين بلا قصد بخلاف الطلاق وتالييه، فدعواه فيها تخالف الظاهر فلا تقبل.
ولو اقترن باليمين ما يدل على القصد .. لم يقبل قوله في الحكم.
ولو حلف لا يدخل الدار، ثم قال: (أردت شهرًا): فإن كانت اليمين بطلاق أو عتاق .. لم يقبل في الحكم، ويلحق بهما الإيلاء؛ لتعلقه بحق آدمي، وإن كانت بالله تعالى ولم تتعلق بحق آدمي .. قبل ظاهرًا وباطنًا.
[لو حلف لا يفعل أمرين]
الثانية: إذا حلف لا يفعل أمرين؛ كأن لا يلبس هذين الثوبين، أو لا يأكل هذين الرغيفين، أو اللحم والعنب، أو التمر والزبيب، أو لا يدخل الدارين .. لم يحنث بأحدهما.
[ ٩٦١ ]
وخرج بقول الناظم: (وحالف لا يفعل الأمرين) ما لو حلف لا يفعل كلا منهما؛ بأن أعاد حرف النفي؛ كقوله: (والله؛ لا آكل اللحم ولا العنب)، أو (لا آكل التمر ولا الزبيب) .. فإنه يحنث بأحدهما؛ كما لو أعاد المحلوف به؛ كأن قال: (والله؛ لا آكل اللحم، والله؛ لا آكل العنب)، (والله؛ لا آكل التمر، والله؛ لا آكل الزبيب).
وصوره ما ذكره: ما إذا كان العطف بالواو، فإن كان بالفاء، أو بـ (ثم) .. كان حالفًا على عدم أكل العنب بعد اللحم، أو الزبيب بعد التمر بلا مهلة في الفاء، وبمهلة في (ثم) في قوله: (والله؛ لا آكل اللحم فالعنب)، أو (ثم العنب)، أو (التمر فالزبيب)، أو (ثم الزبيب) .. فلا يحنث إذا أكلهما معًا، أو العنب قبل اللحم، أو الزبيب قبل التمر أو بعده بمهلة في الفاء، وبلا مهلة في (ثم).
[إذا حلف لا يفعل شيئًا فوكل في فعله]
الثالثة: لو جلف ألا يفعل شيئًا، فوكل من فعله .. لم يحنث بفعل وكيله، فلو حلف لا يبيع أو لا يشتري، أو لا يزوج أو لا يطلق، أو لا يعتق أو لا يضرب، فوكل من فعله .. لم يحنث؛ لأنه لم يفعله، سواء أجرت عادته بالتوكيل فيه أم لا، وسواء لاق به أم لا.
نعم؛ إن نوى ألا يفعل ذلك بنفسه ولا بغيره .. حنث، أو لا ينكح أو لا يتزوج .. حنث بعثد وكيله له، لا بقبوله هو لغيره؛ لأن الوكيل في قبول النكاح سفير محض لا بد له من تسمية الموكل؛ وهذا ما جزم به في "المنهاج" كـ"أصله"، وحكاه في "الروضة" و"أصلها" عن البغوي، ومقابله عن الصيدلاني والغزالي.
ويحري مثل ذلك: فيما لو حلف لا يراجع من طلقها رجعيًا، ثم وكل من يراجعها، سواء أقلنا: الرجعة ابتداء نكاح أم استدامة.
ولو حلف لا يبيع مال زيد، فباعه بإذنه .. حنث، وإلا .. فلا حنث؛ لفساد البيع، وهو في الحلف منزل على الصحيح، أو لا يهب له، فأوجب له فلم يقبل .. لم يحنث؛ لعدم تمام العقد، وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح؛ لأن مقصود الهبة من نقل الملك لم يحصل، ويحنث بعمرى ورقبى وصدقة؛ لأنها أنواع من الهبة، لا بإعارة ووصية ووقف؛ لأنها ليست بهبة، أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح؛ لأنها الصدقة أخص من الهبة، أو لا يأكل
[ ٩٦٢ ]
طعاماُ اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه مع غيره شركة، وكذا لو قال: (من طعام اشتراه) في الأصح، ويحنث بما اشتراه سلمًا؛ لأنه نوع من الشراء.
ولو اختلط ما اشتراه بمشترى غيره .. لم يحنث بالأكل من المختلط حتى يتيقن أكله من ماله؛ بأن يأكل كثيرًا كالكف والكفين؛ بخلاف القليل كعشر حبات وعشرين حبة، فيمكن أن يكون من مال الآخر.
[كفارة اليمين]
الرابعة: يتخير في كفارة اليمين بين عتق رقبة مؤمنة سليمة من عيب يخل بالعمل؛ كما سبق في الظهار، وإطعام عشرة مساكين، كل مسكين مد حب من غالب قوت بلده، وكسوتهم بما يسمى كسوة؛ للآية السابقة أول الباب، فلا يجوز أن يصرف إلى دون عشرة ولو في عشرة أيام، ولا إلى عشرة أو أكثر كل واحد دون مد، ولا أن يطعم خمسة ويكسو خمسة.
ويجوز أن يفاوت بينهم في الكسوة وقد بين نوعها بقوله: (ثوبًا قباء أو ردا أو فروه) أي: أو إزارًا أو عمامة أو سراويل، أو منديلًا أو مقنعة، أو طيلسانًا صوفًا وكتانًا وقطنًا، وشعرًا ولبدًا اعتيد لبسه ولو نادرًا، وحرير للنساء والرجال وإن لم يكن لهم لبسه، ولو كان ذلك عتيقًا لم تذهب قوته، أو ملبوس طفل أعطاه لكبير لا يصلح له؛ لوقوع اسم الكسوة عليه؛ كما يعطي ما للمرأة للرجل وعكسه.
ولا يشترط كونه مخيطًا، ولا سائر العورة، بخلاف الخف أو المنطقة، أو الدرع من حديد، أو نحوه من آلات الحرب، أو النعل أو المداس، أو القبع أو الخاتم، أو التكة أو القصادية؛ إذ لا تسمى هذه الأشياء كسوة، وإن كانت لبوسًا .. يجب على المحرم الفدية بلبسها، والمبعض لا يعتق وإن كان له مال يفي بالعتق؛ لنقصه عن أهلية الولاء المستلزم للولاية والإرث.
وإذا عجز الحر أو المبعض عما مر .. صام ثلاثة أيام كالرقيق ولو مكاتبًا لم يأذن له سيده.
والأفضل الولاء بين صومها؛ خروجًا من خلاف من أوجبه، وجاز التفريق بينها؛ لإطلاق الآية، ولبنائها على التخفيف، بخلاف كفارة الظهار والقتل، وإنما تعين الصوم على من ذكر؛ للآية السابقة، ويزيد العبد بانتفاء أهلية الملك، لكن ذلك لا يشمل المكاتب فهو ملحق بالقن؛ لعجز السيد عليه في الجملة.
والسفيه يصوم كالعبد، فلو فك حجره قبل الصوم: فإن اعتبرنا حال الأداء .. لم يجزه، أو
[ ٩٦٣ ]
الوجوب .. فوجهان، فإن كان من أهل الصوم إلا أنه كان موسرًا.
والمكاتب إن أذن له سيده في التكفير أو الكسوة .. جاز، أو بالإعتاق .. فلا، فإن كان الرقيق الحانث أمة أو عبدًا وضره الصوم؛ لطول النهار وشدة الحر، وكان حلف وحنث بإذن سيده فيهما .. صام بلا إذن منه، أو وجدا بلا إذن .. لم يصم إلا بإذن منه؛ لأن حقه على الفور والكفارة على التراخي، وإن أذن في أحدهما فقط .. فالأصح: اعتبار الحنث لا الحلف؛ لأن الإذن في الحنث إذن في التكفير؛ كالإذن في الإحرام بالحج، فإنه إذن في أفعاله، والإذن في الحلف لا يستلزم الإذن في الحنث المستلزم للكفارة، فلا يكون الإذن فيه إذنًا في التكفير.
والألف في قول الناظم: (وكلا) و(يفعلا) للإطلاق، وقوله: (ردًا) بالتنوين، و(الولا) بالقصر للوزن.
* * *
[ ٩٦٤ ]