وهو لغة: القصد، وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائطه مخصوصة، وخصت به هذه الأمة، وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء .. فعزيمة، أو لعذر .. فرخصة. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ﴾ الآية، وخبر مسلم: "وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وترتبها طهورًا"، وغيره من الأخبار الآتي بعضها في الباب.
(تيمُّم المحدث أو من أجنبا يُباح في حالٍ وحالٍ وجبا)
أفاد كلامه مسألتين:
[التيمم للمحدث والجنب]
الأول: تيمم المحدث حدثًا أصغر أو أكبر من حيض أو نفاس أو ولادة والجنب .. [مباح]، أما المحدث .. فبالإجماع، وأما الجنب .. فلما في "الصحيحين" عن عمار بن ياسر وغيره، فقوله: (أو من أجنبا) من عطف الخاص على العام، واقتصر على المحدث والجنب؛ لأنهما الأصل ومحل النص، وإلا .. فالمأمور بغسل مسنون يتيمم له أيضًا، والقياس كما قاله جمع من المتأخرين: أن الوضوء المسنون كذلك، وييمم الميت أيضًا.
وخرج بما ذكر: المتنجس، فلا يتيمم للنجاسة؛ لأن التيمم رخصة فلا تتجاوز محل ورودها.
[التيمم قد يكون مباحًا وقد يكون واجبًا]
الثانية: أن تيمم من ذكر يباح في حالٍ، وهو وجود عذر يسوِّغه من قدرة المتيمم على استعمال الماء؛ كقادر على شراء الماء وجده يباع بأكثر من ثمن مثله، وكمن تيمم أول الوقت وقد علم أو ظن وجود الماء آخره، ويجب في حالٍ، وهو عجز المتيمم عن استعمال الماء.
[ ٢١٥ ]
وقوله: (تيمم) مبتدأ خبره (يباح ) إلى آخره، وألف (أجنبا) و(وجبا) للإطلاق، والله أعلم.
[شروط التيمم]
(وشروطه: خوفٌ من استعمال ما أو فقد ماءٍ فاضلٍ عن الظَّما)
(دخول وقتٍ، وسؤالٌ ظاهر لفاقد الما وترابٌ طاهر)
(ولو غبار الرمل، لا مستعملا ملتصقًا بالعضو أو منفصلا)
ذكر في هذه الأبيات من شروطه التيمم أمورًا.
أولها: إما أن يخاف من استعمال الماء لمرض أو شدة برد تلف نفس أو عضو أو منفعة، أو مرضًا مخوفًا، أو زيادة التألم وإن لم تزد المدة، أو بطء البرء وإن لم يزد الألم، أو شدة الضنا، أو بقاء شين فاحش في عضو ظاهر.
والأصل في التيمم للمرض: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى ﴿فتيمموا﴾ إلى آخره؛ أي: حيث خفتم من استعمال الماء ما ذكر.
و(الشَّين): الأثر المنكر من تغير لون أو نحول واستحشاف، وثغرة تبقى ولحمة تزيد، و(الظاهر): ما يبدو عند المهنة غالبًا كالوجه واليدين.
ويعتبر فيما ذكر: أن يخبره به طبيب مسلم بالغ عدل عارف، أو يعلم ذلك بنفسه، وإلا .. فلا يجوز له التيمم، وخرج بما ذكر: ما لو خاف شينًا يسيرًا، أو قبيحًا في عضو باطن، أو تألمًا في الحال، أو مرضًا يسيرًا كالصداع .. فإنه لا يتيمم؛ لوجود الماء وعدم الضرر الشديد.
وإما أن يفقد ماء فاضلًا عن الظمأ؛ بأن يفقد حسًا، أو شرعًا بأن يتوهمه فوق حد الغوث، أو يتيقنه فوق حد القرب، أو يخاف من طلبه فوت نفس، أو عضو أو منفعة، أو مال، أو وقت، أو انقطاعًا عن رفقة، أو وجد ماء مُسبَّلًا للشرب، أو يباع بأكثر من ثمن مثله في ذلك الزمان والمكان، أو بثمن وهو محتاج إليه لشراء سترة، أو لوفاء دين، أو مؤنة سفر، أو حيوان محترم، أو ملكه وهو محتاج إلى ثمنه لذلك، أو إليه لعطش حيوان محترم من نفسه وغيره في الحال في المآل، وخرج بالمحترم: غيره كالمرتد والكلب العقور.
[ ٢١٦ ]
ثانيها: دخول وقت ما يتيمم له، سواء أكان فرضًا أو نفلًا ولو نذرًا؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت.
فلو نقل التراب قبله ومسح به الوجه بعده .. لم يصح، وكذا لو شك هل نقله قبله أم فيه وإن تبين أنه نقل فيه، فيصح التيمم للثانية في جمع التقديم وقت الأولى عقب فعلها، فلو دخل وقت الثانية قبل أن يصليها .. بطل التيمم، بخلاف ما لو تيمم لفائتة قبل وقت الحاضر .. فإنها تباح به؛ لأنه استباح ما نوى فاستباح غيره بدلًا، وهنا لم يستبح ما نوى بالصفة التي نوى فلم يستبح غيره.
ويتيمم للأولى في جمع التأخير في وقتها، أو في وقت الثانية، ويتيمم للفائتة عند تذكرها، ويصح التيمم في وقت الكراهة للمؤقتة وذات السبب لا للنافلة المطلقة، ولا يبطل تيممها بدخول وقت الكراهة.
[سؤال الماء لفاقده قبل التيمم]
ثالثها: سؤال ظاهر لفاقد الماء؛ بأن يطلبه في الوقت بنفسه أو مأذونه إذا لم يتيقن عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، ولا يقال: لم يجد إلا بعد الطلب، أما إذا تيقن عدمه .. فلا طلب؛ لأنه عبث، فإن جوَّز وجوده في شيء .. وجب عليه طلبه منه؛ كأن يفتش رحلة وينظر حواليه يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا، ويتأمل موضع الخضرة والطيران إن كان بمستو، وإلا .. تردد إلى حد الغوث؛ وهو ما يلحقه فيه غوث الرفاق مع ما هم عليه من التشاغل بأشغالهم، والتفاوض في أقوالهم، وعبَّر عنه في "الشرح الصغير": بغلوة سهم.
ويعتبر في سؤاله كونه ظاهرًا؛ بأن ينادي في رفقة منزله المنسوب إليه نداء يعمهم، إلا أن يضيق وقت الصلاة: (من معه ماء)، أو (من يجود بالماء)، أو (يبيع الماء)، ولا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه، ويكفي أن تأذن الرفقة لثقةٍ يطلب لهم.
وإن تيقنه .. لزمه طلبه إن كان بحد القرب؛ وهو ما يقصده الرفقة للاحتطاب ونحوه، وإلا .. فلا، ولو تيقنه آخر الوقت .. فانتظاره أفضل، أو جوَّز وجوده .. فتعجيل التيمم أفضل؛ كمريض ينتظر القدرة، وعار ينتظر السترة.
أما المقيم .. فلا يتمم، ويجب عليه أن يسعى إليه وإن فات الوقت، ولا ينتظر مزاحمٌ على بئرٍ أو ثوبٍ أو مقامٍ نوبةً عَلِم أنها لا تصل إليه إلا بعد الوقت، بل يصلي فيه بتيمم أو عاريًا أو قاعدًا ولا إعادة.
[ ٢١٧ ]
ولو كان معه ثوب متنجس ولو اشتغل بغسله لخروج الوقت .. لزمه غسله والصلاة بعد الوقت، ولا يصلي عاريًا.
ولو وجد ماء لا يكفيه .. وجب استعماله، ثم يتيمم للباقي، ويراعي المحدث الترتيب لا ذو الحدث الأكبر، وأعضاء الوضوء أولى.
ولو لم يجد إلا ثلجًا أو بردًا لا يقدر على إذابته .. لم يلزمه استعماله، ولو لم يجد إلا ترابًا لا يكفيه .. وجب استعماله، ولو لم يجد إلا ثمن بعض الماء .. لزمه شراؤه، ومن وجد ماءً يغسل به بعض نجاسات به .. وجب عليه غسله، ولو وجد من عليه حدث ونجاسة ماء يكفي أحدهما .. تعين للنجاسة ووجب غسلها قبل التيمم.
وأما إذا تيمم لمرض ونحوه .. فلا طلب.
[كون التيمم بتراب طاهر]
رابعها: التراب الطاهر؛ قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ أي: ترابًا طاهرًا؛ كما فسره ابن عباس وغيره، والطاهر هنا بمعنى: الطهور؛ لما سيأتي من أنه لا يصح التيمم بالتراب المستعمل، وسواء في التراب الأعفر والأصفر، والأسود والأحمر، والسَّبْخ وهو الذي لا ينبت، وما يداوى به كالطين الإرمني بكسر الهمزة، ولو كان التراب غبار رمل؛ لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له.
وخرج بـ (التراب): غيره؛ كمعدن وسحاقة خزف ولو قليلًا مختلطًا بالتراب، وبـ (الطاهر): المتنجس؛ بأن أصابه مائع نجس فلا يصح التيمم بشيء منها؛ لما مر.
وقوله: (لا مستعملًا) أي: إن كان التراب مستعملًا متصلًا بالعضو الممسوح أو منفصلًا عنه بعد إصابته .. فلا يصح التيمم به كالماء؛ لأنه قد تأدى به فرض فانتقل إليه المنع، بخلاف ما انفصل ولم يصب العضو.
ويؤخذ من حصر المستعمل فيما ذكره: جواز تيمم الواحد والجماعة من تراب يسير مرات كثيرة ولا مانع منه.
[ ٢١٨ ]
[بعض شروط التيمم]
ومن شروطه: إسلام المتيمم، لا في كتابية انقطع حيضها أو نفاسها لتحل لمسلم، وتمييزه لا في مجنونة لتحل لواطئ، وعدم الحيض والنفاس لا في تيمم مسنون لإحرام ونحوه، وعدم ما يمنع من وصول التراب إلى البشرة، وتقديم الاستنجاء، وإزالة النجاسة عن أعضاء التيمم وكذا عن غيرها على الأصح، وتقديم الاجتهاد في القبلة على رأي.
[أركان التيمم]
(وفَرْضُهُ: نقل التراب، لو نقل من وجهه لليد أو بالعكس حل)
(وقصده، ونية استباح فرضٍ أو الصلاة، وانمساح)
(الوجه لا المنبت واليدين مع مرفقٍ، ورَتِّب المسحين)
ذكر في هذه الأبيات أن فرض التيمم ستة، فإن قوله: (فرضه) مفرد مضاف فيعم أي: فروضه ستة كما في "المجموع" وغيره، وزاد في "أصل الروضة" كـ"الوجيز": (التراب)، وجعل في "المنهاج" كـ"أصله": القصد شرطًا، قال الرافعي: وحذفهما جماعة وهو أولى؛ إذ لو حسن عد التراب ركنًا .. لحسن عد الماء ركنًا في الطهر به، وأما القص .. فداخل في النقل الواجب قرن النية به. انتهى.
فأركانه ستة:
أولها: نقل التراب؛ أي: نقل المتيمم أو مأذونه ولو بلا عذر التراب الذي له غبار الموصوف بما تقدم إلى عضو تيممه؛ لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا﴾ أي: فاقصدوه؛ بأن تنقلوه إلى العضو، فل كان بعضو تراب فردده عليه .. لم يكف وإن قَصَد بوقوفه في مهب الريح التيمم؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له، ولو أحدث بين نقله والمسح .. بطل وعليه النقل ثانيًا، بخلاف نظيره في الوضوء وفيما لو نقل مأذونه؛ لعدم وجوب نقل الماء في
[ ٢١٩ ]
الأولى، وعدم وجود القصد الحقيقي منه في الثانية فصار فيها؛ كما لو اكتراه ليحج عنه، ثم جامع في زمن إحرام الأجير .. لا يفسد حجه، ذكره القاضي.
ولو نقل التراب من وجهه إلى يده؛ بأن حدث عليه بعد مسحه أو بالعكس؛ أي: نقله من يده إلى وجهه .. حل؛ أي: جاز وصح؛ كما لو نقله من غير عضو التيمم، وكذا لو أخذ من العضو ثم رده إليه، أو نقله من إحدى يديه إلى الأخرى .. يكفي في الأصح.
ثانيها: قصده؛ أي: قصد المتيمم التراب؛ لما مر.
ثالثها: نية استباحة فرض؛ من صلاة وطواف، أو استباحة الصلاة المسنونة أو غيرها مما يفتقر إلى التيمم كمس مصحف، بخلاف ما لو نوى رفع الحدث، أو فرض التيمم.
ثم إن نوى به فرضًا ونفلًا، أو فرضًا، أو فروضًا .. استباح الفرض والنقل قبل الفرض وبعده في الوقت، والفائتة، والحاضرة، والمعينة وغيرها، فإن عين وأخطأ؛ كمن نوى فائتة ولا شيء عليه، أو ظهرًا وعليه عصر .. لم يصح، وإن نوى نفلًا أو الصلاة .. استباح النفل لا الفرض على المذهب، ولو نوى نافلة معينة أو صلاة جنازة .. جاز له فعل غيرها من النوافل معها.
وله بنية النقل صلاة الجنازة في الأصح، وسجود التلاوة، والشكر، ومس المصحف، وحمله؛ لأن النفل آكد منها.
ولو نوى استباحة مس المصحف أو حمله ولو بدار كفر أو مفازة واضطر إلى حمله، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو منقطعة الحيض أو النفاس استباحة الوطء، أو ذوي الحدث الأكبر استباحة الاعتكاف، أو قراءة القرآن .. استباح ما نواه، ولا يستبيح الفرض ولا النقل.
ووقت النية: أول الأركان؛ وهو نقل التراب، والمراد به: الضرب كما في "المجموع" و"الكفاية"، ويشترط استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح؛ لأن أول الأركان في التيمم مقصود لغيره بخلاف في الوضوء، والمتجه كما قاله جمع من المتأخرين: الاكتفاء باستحضارها عند النقل والمسح ولو عزبت بينهما؛ ويؤيده التعليل السابق وقول أبي خلف الطبري في "شرح المفتاح": وقت النية في التيمم: أن ينوي عند القصد إلى التراب، ويكون ذكرًا للنية عند مسح الوجه.
[ ٢٢٠ ]
رابعها: مسح وجهه، وظاهر لحيته - وإن خرج عن حد الوجه - ولو بغير يده؛ بأن يستوعبه بالمسح حتى ما يقبل من أنفه على شفته؛ لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، لا المنبت للشعر، وإن خف أو ندر .. فلا يجب إيصال التراب إليه، ولا يندب؛ لما فيه من المشقة.
خامسها: مسح اليدين مع المرفقين؛ لآية التيمم، وقد صح عنه ﷺ: (انه مسح وجهه وذراعيه)، قال الشافعي رحمه الله تعالى: هذا الخبر هو الذي منعنا أن نأخذ برواية عمار في الوجه والكفين.
سادسها: ترتيب المسح؛ أي: مسحي الوجه واليدين ولو في المتمعك كما في الوضوء وإن كان حدثه أكبر، وخرج بـ (المسحين): النقلان فلا يجب الترتيب بينهما؛ إذ المسح أصل والنقل وسيلة، فلو ضرب بيديه على الترتيب ومسح بالثانية وجهه وبالأولى يديه .. جاز.
وقوله: (وانمساح الوجه) أي: مسحه؛ كما علم من كون النقل فرضًا.
[سنن التيمم]
ولما فرغ من ذكر معتبرات التيمم .. شرع في ذكر مسنوناته فقال:
(وسُنَّ تفريجٌ، وأن يُبسملا وقدِّم اليمنى، وخلِّل، والولا)
(ونزع خاتمٍ لأولى يضرب أما لثاني ضربةٍ فيجب)
أي: يسن للمتيمم أمور:
منها: تفريج أصابعه، وفي بعض النسخ: (تفريق) أول كل ضربة؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فلا يحتاج إلى الزيادة على الضربتين، والغبار الحاصل في الأولى بين الأصابع .. لا يمنع صحة التيمم وإن منع وصول الغبار في الثانية؛ إذ لو اقتصر على التفريج في الأولى .. أجزأه؛ لعدم وجوب ترتيب النقل، فحصول التراب الثاني إن لم يزد الأول قوة .. لم ينقصه، وأيضًا: الغبار على المحل لا يمنع المسح؛ بدليل أن من غشيه غبار السفر .. لا يكلف نفضه
[ ٢٢١ ]
للتيمم كما ذكره الرافعي، وقول البغوي: يكلف نفض التراب .. محمول على تراب يمنع وصول التراب إلى المحل.
ومنها: أن يبسمل أول التيمم ولو جبنًا أو حائضًا؛ كما في الوضوء.
ومنها: أن يقدم يمناه على يسراه؛ أي: وأعلى وجهه على أسفله؛ كما في الوضوء، ويسن إذا مسح اليمنى .. أن يضع أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام؛ بحيث لا يخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا يجاوز أنامل اليمنى بمسبحة أطراف أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كف اليمنى، فإذا بلغ الكوع .. ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع .. أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ندبًا لا وجوبًا؛ لتأدي فرضهما بضربهما بعد مسح الوجه، وإنما جاز مسح الذراعين بترابهما؛ لعدم انفصاله وللحاجة؛ إذ لا يمكن مسح الذراع بكفها فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه، ذكر ذلك في "المجموع"، ومراده بنقل الماء: تقاذفه الذي يغلب؛ كما عبر به الرافعي حيث قال: وإنما يثبت للمتناثر حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه؛ لعسر إيصاله إلى العضو، فيعذر في رفع اليدين ودروهما؛ كما في رد المتقاذف الذي يغلب في الماء.
ومنها: أن يخلل بين أصابع يديه بالتشبيك؛ كما في الوضوء.
ومنها: الولاء بين المسحين كما في الوضوء بتقدير التراب ماء، وبين التيمم والصلاة؛ خروجًا من خلاف من أوجبه، ويجب الولاء في تيمم دائم الحدث ووضوئه.
ومنها: نزع خاتم في الضربة الأولى؛ ليكون مسح جميع الوجه بجميع اليد؛ اتباعًا للسنة، وأما نزعه في الضربة الثانية .. فيجب؛ لتصل التراب إلى محله، ولا يكفي تحريكه، بخلاف في الوضوء؛ لأن التراب لا يدخل تحته، بخلاف الماء، فإيجاب النزع إنما هو عند المسح لا عند الضرب كما نبه عليه السبكي.
[ ٢٢٢ ]
وألف (يبسملا) للإطلاق، ويجوز في كل من (قدم) و(خلل) أن يكون ماضيًا وفاعله المتيمم، وأن يكون أمرًا، ويجوز في (يضرب) أن يكون مبنيًا للفاعل؛ أي: يضربها المتيمم؛ فيكون بمثناة تحتية وهو أنسب بآخر البيت، وأن يكون مبنيًا للمفعول ونائب الفاعل ضمير يعود على الأولى؛ فيكون بمثناة فوقية.
واللام في قوله: (لثاني ضربه) يصح أن تكون للتعليل، وبمعنى: (في) و(عند) و(بعد) أي: بعد الضربة الثانية عند المسح فيكون موفيًا بما نبه عليه السبكي.
ومن سننه: تخفيف التراب، وعدم الزيادة على ضربتين، وإدامة يده على العضو حتى يفرغ من مسحه، وإمرار التراب على العضد؛ تطويلًا للتحجيل، وإتيانه بالشهادتين مع ما بعدهما؛ كما في الوضوء والغسل.
[آداب التيمم ومكروهاته]
(آدابه: القبلة أن يستقبلا مكروهه: التُّرب الكثير استعملا)
فيه مسألتان:
الأولى: من آداب التيمم: استقبال المتيمم القبلة؛ لشرفها كالوضوء، وقد تقدم الكلام على التعبير بالآداب.
الثانية: يكره لمتيمم استعمال التراب الكثير؛ فإنه يشوه الخلقة، فإن السنة: أن يخفف التراب؛ بأن ينفضه إن كان كثيرًا أو ينفخه؛ بحيث لا يبقى إلا قدر الحاجة، وألا يكرر المسح، ويكره له الزيادة على مسحةٍ واحدة للوجه ومسحةٍ واحدة لليدين.
وقوله: (آدابه) من إطلاق الجمع على الواحد مجازًا، وألف (يستقبلا) و(استعملا) للإطلاق، ويصح بناء كل منهما للفاعل وهو المتيمم، وللمفعول وهو القبلة في الأول فيكون بمثناة فوقية، والتراب في الثاني، و(التراب) لغة في التراب.
[ ٢٢٣ ]
[ما يحرم التيمم به]
(حرامه: تراب مسجدٍ، وما في الشرع الاستعمال منه حُرِّما)
فيه مسألة:
وهي: أنه يحرم التيمم بتراب المسجد؛ تعظيمًا له لأنه جزؤه، والمراد به: الجزء الداخل في وقفه، لا ما يجتمع فيه من حمل الريح ونحوه، وبكل تراب حرم الشارع استعماله كالمغصوب والمسروق؛ لما فيه من استعمال ملك الغير بغير إذنه.
ويؤخذ من كلام المصنف: صحة التيمم بالتراث الذي يحرم التيمم به؛ لإضافته (حرام) لضمير المتيمم وهو الأصح، وقيل: لا يصح إذا قلنا بأنه رخصة.
وقوله: (وما في الشرع ) إلى آخره من عطف العام على الخاص؛ فإن تراب المسجد مما حرم الشارع استعماله، وألف (حرما) للإطلاق، ويصح بناؤه للفاعل وللمفعول.
[مبطلات التيمم]
ثم شرع فيما يبطل التيمم فقال:
(مبطله: ما أبطل الوضوء مع توهُّم الماء بلا شيءٍ منع)
(قبل ابتدا الصلاة، أمَّا فيها فمن عليه واجبٌ يقضيها)
(أبطل، وإلا لا، ولكن أفضل إبطالها كي بالوضوء تفعل)
أي: أن التيمم يبطله ما أبطل الوضوء من الأسباب السابقة، ويزيد التيمم ببطلانه بتوهم الماء؛ أي: بأن يقع في وهم المتيمم لفقده - أي: ذهنه - وجوده بأن جوَّزه وإن زال سريعًا أو لم يكفه الماء أو ضاق الوقت؛ كأن يسمع قائلًا يقول: (عندي ماء أودعنيه فلان) بلا مانع منه، قبل ابتداء الصلاة؛ بأن لم يفرغ من تكبيرة الإحرام؛ لوجوب الطلب حينئذ، ولأنه لم يشرع في المقصود .. فصار كما لو توهمه في أثناء التيمم، وهذا معنى قوله: (مع توهم الماء ) إلى آخره، وهذا بخلاف توهمه السترة؛ لعدم وجوب طلبها.
وفهم من كلامه: بطلان التيمم بتيقن الماء بالأولى، وخرج بقوله: (بلا شيء منع) ما لو
[ ٢٢٤ ]
اقترن بمانع من استعماله؛ كعطش، وسبع يحول بينه وبينه، وسماع من يقول: (أودعني فلان ماء) وهو يعلم غيبته .. فلا يبطل التيمم حينئذ، وبقوله: (قبل ابتدا الصلاة) ما لو شرع فيا .. فلا يبطل تيممه بتوهم ولا شك ولا ظن.
وقد ذكر حكم اليقين في قوله: (أما فيها) يعني: إن تيقن القدرة على استعمال الماء في الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا؛ بأن تيقن وجوده إن تيمم لفقده، أو حصل الشفاء إن تيمم لمرض أو نحوه .. يبطل التيمم إن وجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يندر فيه فقد الماء كالحضر، والثاني لبرد أو كان بجرحه دم كثير، أو وضع الساتر على حَدَث، أو عضو تيمم كما سيأتي، أو نحو ذلك؛ إذا لا فائدة في استمراره فيها حينئذ، وإلا بأن لم يجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يكثر فيه فقد الماء كالسفر، والثاني لغير ما ذكر .. فلا يبطل تيممه؛ لتلبسه بالمقصود بلا مانع من استمراره فيه؛ كوجود المكفر الرقبة في الصوم، ولأن إحباط الصلاة أشد ضررًا عليه من تكليفه شراء الماء بزيادة يسيرة.
ويبطل تيممه بسلامه من صلاته وإن علم تلفه قبله؛ لأنه ضعف بوجود الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التي هو فيها، ولكن بقاءها لحرمتها.
وقوله: (ولكن أفضل ) إلى آخره؛ أي: الأفضل قطعها ليتوضأ، ويصلي بدلها لإتمامها فرضًا كانت أو نفلًا؛ كوجود المُكفِّر الرقبة في أثناء الصوم، وللخروج من خلال من حرم إتمامها، ويحرم قطع فريضة ضاق وقتها؛ لئلا يخرجها أو بعضها عنه مع إمكان أدائها فيه.
واستشكل عدم البطلان فيما ذكر بالبطلان فيما لو قلد الأعمى غيره في القبلة، ثم أبصر في الصلاة، مع أن الضرورة زالت فيهما؟ وأجيب عنه بأنه هنا قد فرغ من البدل وهو التيمم، بخلافه هناك؛ فإنه ما دام في الصلاة فهو مقلد.
ولو يُمِّم ميتٌ وصلي عليه ثم وُجِد الماء .. وجب غسله والصلاة عليه، سواء أكان في أثناء الصلاة أو بعدها، ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألا يجب، وما قاله في الحضر، أما السفر .. فلا يجب شيء من ذلك كالحي كما جزم به ابن سراقة في "تلقينه"، لكنه فرضه في الوجدان بعد الصلاة، فعلم أن صلاة الجنازة كغيرها، وإن تيمم الميت كتيمم الحي، ومن نوى شيئًا .. أتمه، ومن لم ينوه .. وجب الاقتصار على ركعتين، فإن رآه في ثالثة مثلًا .. أتمها.
[ ٢٢٥ ]
ولو رأت حائض الماء وهو يجامعها .. وجب النزع، لا إن رآه هو، ولو رآه مسافر قاصر فنوى الإقامة أو الإتمام .. بطلت صلاته.
وقد علم مما قررته: أنه لا يصح حمل قول المصنف: (أما فيها) على توهم الماء كما سبق إلى بعض الأوهام من ظاهره؛ ويدل لما قررته: تقييده بطلان التيمم بتوهم الماء قبل ابتداء الصلاة.
وقوله: (ابتدا) بالقصر للوزن، وقوله: (ابطل) يصح كونه ماضيًا مبنيًا للفاعل وهو ضمير يعود إلى التيقن الذي قدرته، ومفعوله ضمير يعود على التيمم؛ أي: أبطل تيقن القدرة على استعمال الماء تيمم المتيقن، أو مبنيًا للمفعول وهو التيمم، ويصير التقدير: أما تيمم متيقن القدرة على استعمال فيها إلى قوله: (أُبطل) أي: التيمم، أو أمرًا؛ أي: أما تيمم المتيقن المذكور .. أَبِطله أنت، وقد يتوهم أن المصنف توسع بحذف الفاء من قوله: (وإلا لا) وليس كذلك؛ إذ الإتيان؛ إذ الإتيان فيه بالفاء جائز لا واجب.
(وَرِدَّةٌ تُبطل لا التوضِّي جدِّد تيمُّمًا لكل فرض)
[الرِّدة تبطل التيمم]
أي: الردة تبطل التيمم لا الوضوء؛ أي: والغسل؛ لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع الردة، والوضوء والغسل يرفعان الحدث.
[وجوب تجديد التيمم لكل فرض]
وقوله: (جدد) أي جدد أنت وجوبًا تيممًا لكل فرض، سواء أكان مكتوبة، أم طوافًا، أو منذورًا؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتمموا﴾، فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة، خرج الوضوء بالسنة، فبقي التيمم على مقتضاه؛ ولما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه قال: (تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث)، ولأنه طهارة ضرورية فيتقدر بقدرها.
أما تمكين الحائض مرارًا، وجمعه مع فرض آخر بتيمم .. فإنهما جائزان.
[ ٢٢٦ ]
وخرج بقوله: (لكل لفرض) النفل؛ فإنه يستبيح منه بالتيمم مع الفرض ما شاء، وصلاة الجنازة كالنافلة وإن تعينت، وله جمع الطواف الواجب وركعتيه بتيمم لا الجمعة وخطبتها، ولو صلى بتيمم فرضًا وأعاده به ولو وجوبًا .. جاز على الأصح.
[حكم الجبيرة وما يتعلق بها من مسائل]
(يمسح ذو جبيرةٍ بالماء مع تيممٍ، ولم يعده إن وضع)
(على طهارةٍ، ولكن من على عضو تيمُّمٍ لصوقًا جعلا)
(وجنبًا خيره أن يقدِّما ألغسل أو يُقدَّم التيمما)
وليتيمم محدثٌ إذ غسلا عليه ثمَّ الوضوء كمَّلا)
فيها أربع مسائل:
الأولى: أن صاحب الجبيرة يمسحها جميعًا بالماء إذا كانت بأعضاء الطهر، ومثلها: للصوف حين يغسل المحدث حدثًا أصغر العليل، فلا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلًا ومسحًا وتيممًا عنه، ويمسحها ذو الحدث الأكبر متى شاء مع تيمم، أما مسحها .. فلقوله ﷺ في مشجوج احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب رأسه بخرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده"، رواه أبو داود وغيره، وأما تعميمها به؛ فلأنه مسح للضرورة كالتيمم.
وفهم من تقييده بالماء: أنها لو كانت في عضو التيمم .. لم يجب مسحها بالتراب؛ لأنه ضعيف لا يؤثر من فوق حائل، بخلاف الماء؛ فإن تأثيره فوقه معهود في الخف، لكنه يسن خروجًا من الخلاف، والتيمم بدل عن غسل العليل، ومسح الساتر له بالماء بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في "التحقيق" وغيره، وعليه يحمل قول الرافعي: إنه بدل عما تحت الجبيرة.
وقضية ذلك: أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسيل الزائد كله .. لا يجب المسح وهو ظاهر، فإطلاقهم وجوب المسح .. جري على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على
[ ٢٢٧ ]
محل العلة، ومعلوم: أنه يجب غسل الصحيح من أعضاء الطهر ولو ما تحت أطراف الساتر من صحيح ولو بأجرة فاضلة عما مر في نظيره من الوضوء؛ لأن علة بعض العضو لا تزيد على فقده، ولو فقد .. وجب غسل الباقي.
الثانية: أن من غسل الصحيح ومسح الساتر وتيمم وصلى .. لا يعيد ما صلاه بذلك إن وضع الساتر على طهارة؛ أي: ولم يأخذ من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك؛ لأنه حينئذ وقد مسح بالماء كما تقدم وجوبه شبيهٌ بالخف، وماسحه لا يعيد.
وخرج بقوله: (إن وضع على طهارة) ما لو وضعه على حدث .. فإنه تجب عليه الإعادة؛ لانتفاء شبهه حينئذ بالخف؛ لأنه كان يجب عليه نزعه إن لم يخف منه ضررًا ليتطهر فيضعه على طهر.
الثالثة: أن من وضع الجبيرة، أو اللَّصوق على عضو تيممٍ ومسحه وغسل الصحيح كما مر وصلى .. تجب عليه إعادة ما صلاه به؛ لنقصان البدل والمبدل.
و(الجبيرة): ألواح تهيأ للكسر أو الخلع، و(اللَّصوق) بفتح اللام: ما كان على جرح من قطنة أو خرقة أو نحوها.
الرابعة: أن العليل إذا لم يكن عليه ساتر .. فالواجب حينئذ أمران: غسل الصحيح، والتيمم، ثم إن كان حدثه أكبر .. تخيَّر بين أن يقدم الغسل وأن يقدم التيمم؛ إذ لا ترتيب يبهما؛ لأن بدنه كعضو واحد، وإن كان حدثه أصغر .. وجب عليه التيمم وقت غسل العليل؛ رعاية لترتيب الوضوء، ثم يكمل الوضوء.
والأولى في القسمين تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثر التراب.
وأفهم كلامه: أنه لو كانت العلة على أكثر من عضو في الوضوء .. وجب لكل عضو عليل تيمم وقت غسله، وهو كذلك.
نعم؛ إن كانت في يديه أو رجليه .. كفاه تيمم واحد؛ لعدم وجوب الترتيب بينهما، لكن لسنِّيَّته يسن تيممان، قال في "المجموع": فإن قيل: إذا كانت العلة في وجهه ويده، وغسل صحيح الوجه أولًا .. جاز توالي تيممهما، فلم لا يكفيه تيمم واحد؛ كمن عمت العلة أعضاءه؟ فالجواب: أن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب، فلو كفاه تيمم .. حصل تطهير الوجه واليد في حالة واحدة، وهو ممتنع، بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها؛ لسقوط الترتيب بسقوط الغسل. انتهى.
[ ٢٢٨ ]
وما قيل: من أن هذا الجواب لا يفيد؛ لأن حكم الترتيب باقٍ فيما يمكن غسله ساقطٌ في غيره، فيكفيه تيمم واحد عن والوجه واليدين .. رُدَّ بأن الطهر في العضو الواحد لا يتجزأ ترتيبًا وعدمه، ومن ثمة لو عمت الرأس دون الثلاثة .. وجب أربعة تيممات.
وألف (جعلا) و(يقدِّما) و(التيمما) و(غسلا) للإطلاق.
[حكم من أراد صلاة فرض آخر بوضوء غسل فيه الصحيح وتيمم عن العليل]
(وإن يرد من بعده فرضًا وما أحدث فليُصلِّ إن تيمَّما)
(عن حدثٍ أو عن جنابةٍ، وقيل: يعيد محدثٌ لما بعد العليل)
أي: إن يرد من غسل الصحيح وتيمم كما مر وصلى به فريضة فرضًا آخر ولم يحدث .. صلى إن أعاد التيمم وحده، وما قيل: إنه لو تعدد؛ كأن تيمم في الأول أربعة تيممات أعادها .. مفرع على رأي الرافعي، ولا يعيد غسل الصحيح، سواء أكان حدثه أصغر أم أكبر؛ لأن الوضوء الكامل لا يعاد فكذا بعضه، ولأن ما غسله .. ارتفع حدثه وناب التيمم عن غيره فتم طهره، وإنما أعيد التيمم؛ لضعفه عن أداء الفرض لا لبطلانه، وإلا .. لم يتنقل به، واللازم باطل، بخلاف إغفال اللمعة.
وقيل: يعيد المحدث غسل ما بعد عليله ورجحه الرافعي؛ فإنه لما وجب إعادة تطهير عضو .. خرج ذلك العضو عن كونه تام الطهر، فإن أتمه .. وجب إعادة ما بعده؛ كما لو أغفل لمعة من وجهه مثلًا، بخلاف الغسل؛ غذ لا ترتيب فيه.
وخرج بـ (الفرض): النفل، فلا يعيد له شيئًا، وبقوله: (وما حدث): ما إذا أحدث؛ فإنه يعيد الطهر كله.
ولو غسل ذو الحدث الأكبر الصحيح، وتيمم عن علة في غير أعضاء الوضوء، ثم أحدث قبل أن يصلي فرضًا .. لزمه الوضوء لا التيمم؛ لأن تيممه عن غير أعضاء الوضوء فلا يؤثر فيه الحدث، ولو صلى فرضًا، ثم أحدث .. توضأ للنفل ولا يتيمم.
وألف (تيمما) للإطلاق.
[ ٢٢٩ ]
[فاقد الطهورين]
(ومن لماءٍ وترابٍ فقدا الفرض صلى، ثم مهما وجدا)
(من ذين فردًا حيث يسقط القضا به فتجديدٌ عليه فُرضا)
فيهما مسألة:
وهي: أن من فقد الماء والتراب؛ كأن حبس بموضع لم يجد فيه واحدًا منهما، أو وجد التراب نديًا ولم يقدر على تجفيفه بنار نحوها .. لزمه أن يصلي الفرض؛ لحرمة الوقت، ولاستطاعة فعله؛ كالعاجز عن السترة وإزالة النجاسة والاستقبال، وتكون صلاته صحيحة على الأصح، ولهذا تبطل بالحدث، وكذا برؤية أحد الطهورين في أثنائها في الأصح، قاله في "المجموع".
وخرج بفرض الوقت المشار إليه بآلة التعريف: الفائتة، والنافلة، ومس المصحف، وحمله، ومكث ذي الحدث الأكبر في المسجد، وقراءته القرآن في غير الصلاة، وقراءته فيها غير (الفاتحة)، ووطء منقطعة الحيض أو النفاس؛ فإنها تحرم، ولا يعرف من يباح له فرض دون نفل .. إلا من عدم الماء والتراب، أو السترة، أو عليه نجاسة عجز عن إزالتها، ولا يلزمه قضاء ذلك الفرض إلا إذا وجد الماء، أو التراب بمحل يسقط فيه الفرض بالتيمم.
وألف (فقدا) و(وجدا) و(فرضا) للإطلاق، ويجوز بناؤه للفاعل وهو الله تعالى، وللمفعول له وهو التجديد.
* * *
[ ٢٣٠ ]