بتثليث الجيم كما قاله ابن مالك وغيره، وهي لغة: اسم لما يجعل للإنسان على فعل شئ، وكذا الجعل والجعيلة، وشرعًا: التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو مجهول.
والأصل فيها: الإجماع، وخبر اللديغ الذي رقاه الصحابي بـ (الفاتحة) على قطيع من الغنم كما في "الصحيحين"
] أركان الجعالة وما يشترط في كل منها [
وأركانها: عاقد، وصيغة، وعمل، وجعل؛ كما يؤخذ من كلامه حيث قال:
(صِحَّتُهَا مَن مُطلَقِ التَّصَرُّفِ بِصِيغَةٍ، وَهيَ بِأَن يَشرِطَ فِي)
(رُدُودِ آبِقٍ وَمَا قَد شَاكَلَه مَعلُومَ قَدرِ، حَازَةُ مَن عَمِلَه)
(وَفَسخُهَا قَبلَ تَمَامِ اُلعَمَلِ مِن جَاعِلٍ عَلَيهِ أَجرُ اُلمِثلِ)
الأول: العاقد؛ فشرطه: أن يكون مطلق التصرف؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا غير محجور عليه بسفهٍ، فلا يصح التزام الصبي وزوائل العقل بما لم يتعدَّ به والسفيه، ولا شيء للراد عليهم.
وأما العامل إذا كان معيَّنًا .. فيشترط فيه كما في "الروضة" و"أصلها" أهلية العمل فيدخل فيه العبد وغير المكلف؛ كما قاله السبكي وغيره، ويخرج عنه العاجز عن العمل كصغير لا يقدر عليه؛ لأن منفعته معدومة، فأشبه استئجار الأعمى للحفظ، كما قاله ابن العماد.
عامًّا أم خاصًّا؛ كقوله: (من ردَّ آبقي-أو آبق زيد مثلًا-فله درهم)، ولا يشترط القبول لفظًا وإن كان العامل معينًا، فلو رد آبقًا أو ضالًا بغير إذن مالكه، أو بإذن بلا التزام .. فلا شيء له، ولو قال لزيد: (إن رددته فلك دينار)، أو (رده ولك دينار)، فرده عمرو .. فلا شيء له،
[ ٦٨٦ ]
ولو رده عبد زيد .. استحقه زيد، أو وكيله أو مكاتبه .. فلا شيء لواحد منهم؛ لأن النيابة لا تجري فيها.
ولو قال: (من رده .. فله كذا) فرده من لم يبلغه النداء .. لم يستحق وإن اعتقد أن مثل هذا العمل ملزم لا يحبط.
ولو قال: (إن رده زيد .. فله كذا) فرده زيد جاهلًا بإذنه .. لم يستحق، ولو التزام غير المالك وقال: (من رد عبد زيد .. فله كذا) .. استحقه الراد على القائل.
ولو قال كاذبًا: (قال فلان: من رد عبدي .. فله كذا)، فرُد .. لم يستحق الراد لا على المالك ولا على القائل ولو كان صادقًا، فإن كان ممن يعتمد قوله .. استحقه على المالك، وإلا .. فكأن لا خبرَ؛ فلا يستحق على أحد، ولو شهد المخبر على المالك بالإذن وكان عدلًا .. لم يقبل.
الثالث: العمل، وهو كل أمر فيه كفلة أو مؤنة؛ كرد آبق أو ضال، أو حج أو خياطة، أو تعليم علم أو حرفة، أو إخبار فيه تعب، فلو قال: (من رد مالي .. فله كذا) فرده من هو في يده .. استحقه، أو (من دلني عليه) فدله من هو في يده .. لم يستحق، أو غيره .. استحق، وما شرط في عمل الإجارة .. شرط في عمل الجعالة، إلا كونه معلومًا.
الرابع: الجعل، ويشترط كونه معلومًا، وشروطه إن كان معينًا: شروط المبيع المعين، وإن كان في الذمة: شروط المبيع في الذمة، فلو قال: (من رد عبدي .. فله ثوب) أو (دابة)، أو (أُرضيه) أو (أعطيه شيئًا) .. فسدت واستحق أجرة المثل؛ وكذا لو جعله خمرًا أو خنزيرًا أو مغصوبًا.
ولو قال: (فله سلبه) أو (ثيابه): فإن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم .. استحقها، وإلا .. فأجرة المثل.
ولو قال: (من رده من بلد كذا) .. فله دينار، فرده من نصف الطريق .. استحق نصف المسمى، أو من ثلثه .. فثلثه وهكذا، أو من أبعد منه .. فلا شيء للزيادة.
وقول الناظم: (شاكله) أي: ماثله.
قوله: (حازه) أي: جمعه؛ يعني: مَلَكه؛ أي: العوضَ من عمل العمل جمعيه بنفسه أو بعبده، أو بمعاون له بعد بلوغه النداء، فلا يستحق من لم يتم العمل؛ كأن رد الآبق فمات على باب دار مالكه، أو غُصِب أو هرب؛ إذ لم يحصل شيء من المقصود، بخلاف ما إذا
[ ٦٨٧ ]
اكترى من يحج عنه .. فأتى ببعض الأعمال ومات؛ حيث يستحق من الأجرة بقدر ما عمل؛ لأن المقصود من الحج الثواب وقد حصل ببعض العمل.
نعم؛ إن وقع العمل مسلَّمًا أو ظهر أثره على المحل .. استحق بقسطه من الجعل.
والجعالة جائزة من الجانبين ما لم يتم العمل؛ لأنها تعليق استحقاق بشرط كالوصية، فتفسخ بفسخ أحدهما وجنونه وإغمائه وموته، ولا شيء لما عمله بعد موت المالك، ولا أثر للفسخ بعد تمام العمل، فإن فسخ العامل قبل تمامه .. فلا شيء له، إلا أن يكون بسبب زيادة الملتزِم في العمل، وإن فسخ الجاعل .. لزمه أجرة مثل ما قبل الفسخ.
* * *
[ ٦٨٨ ]