بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح عند الجوهري، والكسر أكثر عند الأزهري، وهي لغة: المرة من الرجوع، وشرعًا: الرد إلى نكاح في عدّة طلاق غير بائن على وجه مخصوص.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: رجعة، كما قاله الشافعي ﵁، وقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والرد والإمساك مفسران بالرجعة، وقوله ﷺ لعمر ﵁: «مره فليراجعها» كما مر.
ولها أربعة أركان: مرتجع، وزوجة، وطلاق، وصيغة، وقد أخذ في بيانها فقال:
(تَثْبُتُ فِي عِدَّةِ تطليقٍ بلا تَعَوُّضٍ إِذ عَدَدٌ لَم يَكْمُلا)
(وبِانْقِضَا عِدَّتِهَا يُجَدَّدُ ولَم تَحِلَّ إذ يَتِمُّ العَدَدُ)
(إلا إذا العِدَّةُ مِنهُ تَكْمُلُ ونَكَحَتْ سِوَاهُ ثُم يَدْخُلُ)
(بِهَا وَبَعدَ وَطْءِ ثانٍ فُورِقَتْ وعِدَّةُ الفُرْقَةِ مِن هذا انْقَضَتْ)
(وليسَ الاِشْهَادُ بِهَا يُعْتَبَرُ نَصَّ عليهِ الأُمُّ والمُخْتَصَرُ)
(وفي القَدِيمِ لا رُجُوعَ إلا بِشَاهِدَيْنِ قَالَهُ في الاِمْلا)
(وَهْوَ كَمَا قالَ الرَّبِيعُ آخِرُ قَوْلَيْهِ فالتَّرجِيحُ فيهِ أَجْدَرُ)
(وَهْوَ على القَوْلَيْنِ يسْتَحَبُّ وأَعْلِمِ الزوجةَ فَهْوَ نَدْبُ)
[شروط الرجعة وما تثبت فيه]
أي: تثبت الرجعة لمن له أهلية النكاح بنفسه، وصيغتها: (راجعتك)، أو (رجعتك)، أو (ارتجعتك)، أو (أمسكتك)، ويستحب الإضافة معها؛ كأن يقول: (راجعتك إلي)، أو (إلى نكاحي)، ولا بد منها في (رددتك).
[ ٧٩٣ ]
في عدّة تطليق؛ بأن وطئها أو استدخلت منيه المحترم، بلا عوضٍ وإن شرط أن لا رجعة أو قال: (أسقطت حق الرجعة).
وخرج بقوله: (في عدّة): مَن طلقت قبل ذلك، و(بعدة التطليق): عدة الفسخ؛ لأن الرجعة إنما وردت في الطلاق، ولأن الفسخ شرع لدفع الضرر؛ فلا يليق به جواز الرجعة، وما لو وطنها في العدة .. فلا رجعة له إلأ في البقية التي دخلت في عدة الوطء.
نعم: لو خالطها بلا وطء مخالطة الأزواج في عدة أقراء أو أشهر .. لم تنقض عدتُها، ولا رجعة له بعد انقضاء الأقراء أو الأشهر؛ للاحتياط، ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة.
وبقوله: (بلا عوض) عدّة الطلاق بعوضي؛ لبينونتها، ولا بد أن تكون الرجعة منجزة فلا تقبل تعليقًا؛ كالنكاح ونحوه، بل لو قال: (راجعتك إن شئت)، فقالت: شئت .. لم تصخ، بخلاف نظيره في البيع؛ لأن ذلك مقتضاه بخلافه في الرجعة.
وأن تكون المرتجعة معينة، فلو طلق إحدى امرأتيه مبهمة، ثم قال: (راجعت المطلقة)، أو طلقهما جميعًا، ثم قال: (راجعت إحداهما) .. لم تصح؛ إذ ليست الرجعة في احتمال الإبهام كالطلاق؛ لشبهها بالنكاح وهو لا يصح معه.
إذ عدد الطلاق لم يكمل؛ بألا تكون ثالثة للحرّ ولا ثانية لغيره.
[الحكم إذا انقضت العدة أو تم عدد الطلاق]
وبانقضا عدّتها يجدد؛ أي: نكاحها؛ لبينونتها.
ولم تحل المطلقة لمطلقها إذ يتمُ عدد طلاقها؛ بأن طلقها الحر ثلاثًا وغيره طلقتين، إلاّ إذا العدة منه تكمل ونكحت سواه ثم يدخل بها، وبعد وطاع ثان فارقت، وعدة الفرقة من هذا انقضت؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، مع خبر «الصحيحين»: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، والمراد بها: الوطء.
والمعتبر في الوطء: إيلاج الحشفة، أو قدرها من مقطوعها ولو بحائل كخرقة في قبلها ممن يمكن جماعه ولو عبدًا أو خصيًا أو مجنونًا أو صبيًا ولو في نهار رمضان، أو في عدّة شبهة أو
[ ٧٩٤ ]
إحرام، أو في حال نومها، أو نومه بشرط الانتشار للآلة ولو انتشارًا ضعيفًا ليحصل ذوق العسيلة، وأدناه في البكر أن يفتضها بآلته؛ حكاه الشيخان عن البغوي وأقرّاه، والمحاملي عن نص «الأم»، وحمل ابن الرفعة النص على أن الغالب إزالتها بتغييب الحشفة وإن لم تزل بكارتها.
ولا يحصل التحليل بالوطء حال ضعف النكاح؛ بأن وطئها في عدّة طلاقها الرجعي وإن راجعها، أو في مدة الردّة وإن أسلم المرتد فيها.
وتتصور العدة بلا دخول؛ بأن وطئها في الدبر، أو باستدخالِ الماء المحترم، ويشترط في تحليل الكافر الكافرة للمسلم: كون وطنه في وقت لو ترافعوا إلينا .. لقررناهم على ذلك النكاح.
وعلم: أنه لا يكفي الوطء بملك اليمين، ولا بالنكاح الفاسد، ولا في الدبر.
ولو طلق زوجته الأمة ثلاثًا ثم اشتراها .. لم يحل له الوطء بملك اليمين حتى يحللها، ولو لم يكن انتشار أصلًا لعنة أو شلل أو مرضي .. لم يكف تغييب الحشفة.
[حكم الإشهاد على الرجعة]
قوله: (وليس الاشهاد بها يعتبر نص عليه «الأم» و«المختصر») ولو لم ترض الزوجة بها، ولم يحضر الولي ولم يعلم بها؛ لأنها في حكم استدامة النكاح السابق، ولقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولقوله ﷺ لعمر: «مره فليراجعها»، ولم يذكر فيهما إشهادًا، وإنما اعتبر الإشهاد على النكاح لإثبات الفراش، وهو ثابت هنا، فتصح بالكناية مع النية.
قوله: (وفي القديم. «لا ارتجاع إلا بشاهدين» قاله في «الإملا») أي: وهو من الجديد لا لكونها بمنزلة ابتداء النكاح، بل لظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] أي: على الإمساك الذي هو بمعنى الرجعة وعلى المفارقة، وأجيب بحمل ذلك على الاستحباب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] للأمن من الجحود، وهو؛ أي: وجوب الإشهاد كما قال الربيع: آخر قولي الشافعي؛ فيكون مذهبه، والترجيح فيه أجدر؛ أي أحق.
وقال البلقيني: ينبغي أن يرجح ولم يرجحوه.
والإشهاد عليها على القولين جميعًا مستحب؛ أي: مطلوب قطعًا، وعلى الأول: فإن ترك
[ ٧٩٥ ]
الإشهاد .. استحب أن يشهد على إقراره بها؛ فقد يتنازعان فلا يصدق فيها، ويندب إعلام الزوجة بالمراجعة؛ دفعًا للاختلاف فيها.
[الاختلاف في الرجعة] وإن ادعت انقضاء عدة أشهر وأنكر .. صدّق بيمينه؛ لرجوع ذلك إلى الاختلاف في وقت طلاقه، والقول قوله فيه، أو وضع حمل لمدة إمكان وهي ممن تحيض لا آيسة .. صدقت بيمينها؛ لأنها مؤتمنة على رحمها.
فإن ادعت ولادة تام .. فإمكانه ستة أشهر ولحظتان من وقت النكاح؛ لحظة للوطاء ولحظة للولادة، أو ولادة سقط مصور .. فمئة وعشرون ولحظتان من وقت النكاح، أو ولادة مضغة بلا صورة .. فثمانون يومًا ولحظتان من وقت النكاح.
وقولهم: (من وقت النكاح) بنوه على الغالب من إمكان اجتماع الزوجين من وقت النكاح، وفي غير الغالب؛ كالمشرقي مع المغربية تكون المدد المذكورة من حين إمكان الاجتماع.
أو ادعت انقضاء أقراء: فإن كانت حرة وطلقت في طهر: فإن سبق بحيض .. فأقل الإمكان اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان، وإلا .. فثمانية وأربعون يومًا ولحظة، أو في حيض .. فسبعة وأربعون يومًا ولحظة، أو أمة وطلقت في طهر: فإن سبق بحيض .. فستة عشر يومًا ولحظتان، وإلا .. فاثنان وثلاثون يومًا ولحظة، ويحرم الاستمتاع بها، فإن وطاء .. فلا حد، ولا يعزر إلا معتقد تحريمه، ويجب مهر مثل وإن راجع.
وإذا ادّعى بعد انقضائها رجعة فيها وأنكرت: فإن اتفقا على وقت الانقضاء؛ كيوم الجمعة وقال: (راجعت يوم الخميس)، فقالت: (بل السبت) .. صدقت بيمينها، أو على وقت الرجعة؛ كيوم الجمعة وقالت: (انقضت الخميس)، وقال: (السبت) .. صدق بيمينه، وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق .. فالأصح: ترجيح سبق الدعوى وإن لم تكن عند حاكم، فإن ادعت الانقضاء، ثم ادعى رجعة قبله .. صدقت بيمينها، ولو ادعاها قبل انقضاء فقالت: بعده صدق بيمينه، وان ادعيامعًا صدقت بيمينها، ومتي ادعاها فيها صدق بيمينه، ومتى أنكرتها وصدقت، ثم اعترفت بها .. قبل اعترافها.
والألف في قول الناظم: (يكملا) بدل من نون التوكيد، وقوله: (وبانقضا) بالقصر؛ للوزن، وقوله: (الإشهاد) بحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن.
[ ٧٩٦ ]