هي لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وشرعًا: ما سيأتي؛ وهي أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكمًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ ولخبر البخاري: «من بدل دينه .. فاقتلوه».
(كفر المكلف اختيارً ذي هدى .. ولو لفرض من صلاة حجا)
(وتجب استتابة، لن يمهلا إن لم يتب فواجب أن يقتلا)
(من دون جحد عامدًا ما صلى عن وقت جمع استتب، فالقتلا)
(بالسيف حدًا، بعد ذا صلاتنا عليه ثم الدفن في قبورنا)
فيها أربع مسائل:
[تعريف الردة شرعًا]
الأولى: الردة شرعًا: كفر المكلف المسلم المختار بنية كفر، أو قول مكفر، أو فعل مكفر، سواء في القول أكان استهزاء أم عنادًا أم اعتقادًا؛ كأن تردد في الكفر، أو عزم عليه في المستقبل، أو اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو كذب رسولًا، أو حلل محرمًا بالإجماع معلومًا من الدين بالضرورة كالزنا، أو حرم حلالًا بالإجماع معلومًا من الدين بالضرورة كالنكاح، أو جحد وجوب مجمع عليه معلومًا من الدين بالضرورة؛ كركعة من الصلوات الخمس، وقد أشار إليه الناظم بقوله: (ولو لفرض من صلاة جحدًا) أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كذلك، كصلاة سادسة، أو ألقى مصحفا بقاذورة، أو سجد لصنم أو شمس، أو قذف عائشة رضي الله تعالى عنها، أو ادعى نبوة بعد نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أو صدق مدعيها، أو استخف باسم الله أو رسوله، أو رضي بالكفر أو أشار به.
[ ٨٨٩ ]
[استتابة المرتد قبل قتله]
الثانية: تجب استتابة المرتد قبل قتله؛ لأنه كان محترمًا بالإسلام، وربما عرضت له شبهة فتزال؛ إذ لو مات على حاله .. مات كافرًا، بخلاف تارك الصلاة؛ فإنه لو مات .. مات مسلمًا، في الحال بلا مهلة، فإن لم يتب .. وجب قتله؛ لخبر البخاري: «من بدل دينه .. فاقتلوه» وهو شامل للمرأة وغيرها، لأن المرأة تقتل بالزنا بعد الإحصان، فكذلك بالكفر بعد الإيمان كالرجل، وأما النهي عن قتل النساء .. فمحمول بدليل سياق خبره على الحربيات، ولكن لا يقتل المرتد في جنوبه أو سكره؛ فربما رجع، فلو قتله إنسان قبل الاستتابة .. فمسيء يعزر ولا شيء عليه، ويستحب أن تؤخر توبة السكران إلى إفاقته.
قال الماوردي: ولا يدفن المرتد في مقابر المسلمين؛ لخروجه بالردة عنهم، ولا في مقابر الكفار؛ لما تقدم له من حرمة الإسلام.
وإن أسلم المرتد ذكرًا كان أو أنثى .. صح إسلامه، ولو كان زنديقًا يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أو باطنيًا يقول بأن للقرآن باطنا، وأنه المراد منه دون ظاهره، أو سكران أو تكررت ردته؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله ﷺ: «فإذا قالوها .. عصموا مني دماءهم وأموالهم»، ويعزر من تكررت ردته؛ لزيادة تهاونه بالدين.
ولو أسلم من كفر بقذف نبي .. صح إسلامه، وترك كسائر المرتدين؛ قاله أبو إسحاق المرزوي، ورجحه الغزالي وغيره، وتبعه في «الحاوي الصغير» ونقله ابن المقري عن الأصحاب، وقال أبو بكر الفارسي: يصح إسلامه ويقتل حدًا؛ لأن القتل حد قذف النبي ﷺ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وادعى فيه الإجماع، ووافقه القفال،
[ ٨٩٠ ]
وصوبه الدميري رحمه الله تعالى، وقال الصيدلاني: يصح إسلامه، ويجلده المحاكم ثمانين جلدة؛ لأن الردة ارتفعت بإسلامه وبقي جلده.
ولابد في إسلام المرتد وغيره من الشهادتين وإن كان مقرًا بإحداهما، وتكفيان ممن ينكر الرسالة إلا من خصها بالعرب .. فلا يصح إسلامه حتى يقول: (محمد رسول الله إلى جميع الخلق) أو يبرأ من كل دين يخالف الإسلام.
ولو كان كفره بجحود فرض، أو استباحة محرم .. لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده، ويستحب أن يمتحن عند إسلامه بإقراراه بالبعث.
[حكم تارك الصلاة]
الثالثة: إذا ترك المسلم المكلف صلاة من الخمس غير جاحد وجوبها عامدًا بلا عذر حتى خرج وقتها أو وقت ما تجمع معه .. استتيب قبل القتل كالمرتد؛ لأنه ليس أسوأ حالا منه، وهي في الحال، وفي قول: يمهل ثلاثة أيام، ومستحبة على الأصح في «التحقيق» وقيل: واجبة المرتد؛ وهو ظاهر قول الناظم: (استتب) بصيغة الأمر، والفرق على الأول: أن جريمة المرتد تقتضي الخلود في النار فوجبت الاستتابة؛ رجاء نجاته منه، بخلاف تارك الصلاة فإن عقوبته أخف، بل مقتضى ما قاله النووي في «فتاويه» من أن الحدود تسقط الإثم: لأنه لا يبقى عليه شيء بالكلية؛ لأنه قد حد على هذه الجريمة، والمستقبل لم يخاطب به.
فإن تاب .. وجب القضاء مضيفًا، وإن لم يتب قتل بالسيف حدًا لا كفرًا؛ لأنه تعالى أمر بقتل المشركين، ثم قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ولقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد ًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك .. عصموا مني دماءهم وأموالهم، وإلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» رواه الشيخان، قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن .. كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن. فليس له عند الله عهد، إن شاء .. عفا عنه، وإن شاء عذبه» رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان وغيره، فلو كفر .. لم يدخل تحت المشيئة.
[ ٨٩١ ]
وأما خبر مسلم: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» .. فمحمول على تركها جحدًا، أو على التغليظ، أو المراد: بين ما يوجبه الكفر من وجوب القتل؛ جمعًا بين الأدلة.
وقد علم أنه لا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق وقتها، ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن الوقت، إن أصر وأخرج .. استوجب القتل.
ومن ترك الصلاة ركن من أركانها، أو شرط من شروطها أجمع عليها، وقد علم أن تارك الجمعة يقتل، فإن قال: (أصليها ظهرًا) .. فقال الغزالي: لا يقتل، وأقره الرافعي، وجرى عليه في «الحاوي الصغير» وزاد في «الروضة» عن الشاشي: أنه يقتل، واختاره ابن الصلاح، قال في «التحقيق»: وهو القوي.
[حكم تارك الصلاة بعد قتله]
الرابعة: بعد أن يقتل تارك الصلاة يغسل ويكفن، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولا يطمس قبره كسائر أصحاب الكبائر من المسلمين، بل أولى لما ذكرناه من سقوط الإثم بالحدود.
والألف في قول الناظم: (جحدًا)، و(يمهلا) و(يقتلا)، و(فالقتلا) للإطلاق، ويجوز أن تكون في (يمهلا) بدلًا من نون التوكيد الخفيفة.
[ ٨٩٢ ]