وهو لغة، قطع النزاع، وشرعًا: عقد يحصل به ذلك، وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار، وبين الإمام والبغاة، وبين الزوجين عند الشقاق، وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب، والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، وخبر: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا" رواه ابن حبان وصححه، والكفار كالمسلمين، وإنما خصهم بالذكر؛ لانقيادهم إلى الأحكام غالبًا، فالصلح الذي يحل الحرام؛ كأن يصالح عن خمر أو نحوه، والذي يحرم الحلال؛ كأن يصالح على ألا يتصرف في المصالح به، ولفظه يتعدى للمتروك بمن وعن، وللمأخوذ بالباء وعلى.
(الصلح جائز مع الإقرار إن سبقت لخصومة الإنكار)
(وهو ببعض المدعى فى العين هبة أو براءة في الدين)
(وفى سواه: بيع أو إجازه والدار للمكنى هو الإعارة)
(بالشرط أبطل، وأجز في الشرع على مروره ووضع الجذع)
(وجاز إشراع جناح معتلي لمسلم في نافذ من سبل)
(لم يؤذ من مر، وقدم بابكا وجاز تأخير بإذن الشركا)
[الصلح عن المدعى به على غيره]
أي: والصلح عما يدعى به عينًا أو دينًا على غير المدعى به، أو على بعضه جائز مع الإقرار به من المدعى عليه إن سبقت خصومة الإنكار، وفي بعض النسخ بدل هذا: (بعد خصومة بلا إنكار)، وخرج بما ذكره: ما إذا جرى الصلح من غير سبق خصومة؛ كأن قال له من غير سبقها: (صالحني عن دارك على كذا) فإنه لا يصح؛ لأن لفظ الصلح يستدعي سبق الخصومة، لكنه كناية في البيع، فإن نوياه به .. صح.
وخرج بقوله: (مع الإقرار): الصلح مع إنكار المدعى عليه، وكذا مع سكوته؛ كما نقله في "المطلب" عن سليم الرازي وغيره؛ فإنه لا يصح سواء أصالح على نفس المدعى به، أو
[ ٦٠٦ ]
على بعضه عينًا كان أو دينًا، أو على غيره؛ إذ لا يمكن تصحيح التمليك مع الإنكار؛ لاستلزامه أن يملك المدعي ما لا يملكه، ويتملك المدعى عليه ما يمكله، وسواء أصالح عن المدعى به أم عن الدعوى.
فلو قال المنكر: (صالحني عن دعواك على كذا) .. لم يصح، بل الصلح عن الدعوى لا يصح مع الإقرار أيضًا؛ لأن الدعوى لا يعتاض عنها ولا يبرأ منها.
ولو أقام المدعي بينة بعد الإنكار .. صح الصلح؛ لثبوت الحق بها كثبوته بالإقرار، قاله الماوردي، ووافقه الغزالي بعد القضاء بالملك، واستشكله قبله؛ بأن له سبيلًا إلى الطعن، قال الماوردي: ولو أنكر فصولح ثم أقر .. فالصلح باطل.
ولو ادعى عليه عينًا فقال: رددتها إليك ثم صالحه، قال البغوي: إن كانت في يده أمانة .. لم يصح الصلح؛ لأن القول قوله فيكون صلحًا على إنكار، وإن كانت مضمونة .. فقوله في الرد غير مقبول، وقد أقر بالضمان، فيصح الصلح، ويحتمل بطلانه؛ فإنه لم يقر أن عليه شيئًا.
نعم؛ إذا قال أجنبي: (إن المدعى ليه أقر عندي سرًا ووكلني في مصالحتك) فصالحه .. صح؛ لأن قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في المعاملات.
ومحله كما قال الإمام والغزالي: إذا لم يعد المدعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة، فلو أعاده .. كان عزلًا، فلا يصح الصلح عنه، ولو قال: (هو منكر، ولكنه مبطل في إنكاره؛ فصالحني له لتقطع الخصونى بينكما) فصالحه .. صح إن كان المدعى به دينًا لا عينًا، وإن قال: (فصالحني لنفسي): فإن كان المدعى به دينًا .. لم يصح، وإن كان عينًا .. فهو شراء مغصوب؛ إن قدر على انتزاعه .. صح، وإلا .. فلا.
[الصلح عن المدعى به ببعضه في العين أو الدين]
قوله: (وهو) أي: الصلح عما يدعى به ببعض المدعى به في العين؛ كأن صالح من دار على بعضها .. هبة للبعض الآخر؛ لصدق الهبة عليه، قيثبت فيها ما يثبت من الإيجاب والقبول والرفض بالإذن، أو مضي زمن إمكانه، ويصح بلفظ الهبة أيضًا.
[ ٦٠٧ ]
وببعض المدعى به في الدين؛ كأن صالح من ألف في الذمة على بعضها .. إبراء من المدعي للمدعى عليه عن البعض الآخر؛ لصدق الإبراء عليه، فيثبت فيه ما يثبت في الإبراء، ويصح بلفظ الإبراء والحط والإسقاط ونحوها؛ كـ (أبرأتك من خمس مئة من الألف الذي لي عليك)، أو (حططتها عنك)، أو (أسقطتها عنك)، و(صالحتك على الباقي)، ولا يشترط في ذلك القبول على الأصح.
وإن اقتصر على لفظ الصلح؛ كقوله: (صالحتك عن العشرة التي لي عليك على خمسة) .. اشترط القبول؛ لأن لفظ الصلح يقتضيه، وهذان القسمان يسميان صلح الحطيطة.
والصلح على عين غير المدعى به؛ كأن صالح عن دار، أو دين على ثوبه، أو عشرة في الذمة .. بيع من المدعي عليه للشيء المدعى به بلفظ الصلح، تثبت فيه أحكامه؛ كالخيار والشفعة، والرج بالعيب، ومنع تصرفه في المصالح عليه قبل قبضه، واشتراط التقابض في المصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا.
أو على منفعة؛ كأن صالح من دار، أو ثوب على خدمة عبده شهرًا .. إجازة لمحل المنفعة بالعين المدعاة تثبت فيها أحكامها.
وقول الناظم: (وفي سواه) أي: المدعى به، لفظة (في) فيه بمعنى الباء أو على.
قوله: (والدار للسكنى هو الإعاره) يعني: إذا صالح على منفعة المدعى به، أو منفعة بعضه كسكنى الدار المدعاة .. فهو إعارة للمدعى به يرجع فيها متى شاء، فإن عين مدة .. كانت إعارة مؤقتة، وإلا .. فمطلقة.
وقد يكون الضلح سلمًا؛ بأن يجعل المدعى به رأس مال سلم، وجعالة؛ كقوله: (صالحتك من كذا على رد عبدي)، وخلعًا؛ كـ (صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة)، ومعاوضة عن دم؛ كـ (صالحتك من كدا على ما استحقه عليك من القصاص)، وفداء؛ كقوله للحربي: (صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير)، وفسخًا؛ كأن صالح من المسلم فيه على رأس المال، وقربة في أرض وقفت مسجدًا فادعاها شخص، وأنكر الواقف فصالحه آخر.
قوله: (بالشرط أبطل) أي: أنت؛ كـ (صالحتك بكذا على أن تبيعني)، أو (تؤجرني المكات الفلاني بكذا)، أو (على إبرائك من كذا إن أعطيتن الباقي) لأنه إما هبة أو إبراء، أو بيع أو إجارة، وكل منها لا يصح مع هذا الشرط ونحوه، فكذلك ما كان بمعناها.
[ ٦٠٨ ]
ولو صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة .. لم يصح؛ لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها، والخمسة إنما تركها في مقابلة ذلك، فإذا انتفى الحلول .. انتفى الترك.
[الصلح على حق المرور ووضع الجذع]
قوله: (وأجز في الشرع على ووضع الجذع) أي: وأجز أنت الصلح بمال على مروره في درب مثلًا منع أهله استطراق من ليس له فيه حق؛ لأنه انتفاع بالأرض، ثم إن قدر مدة .. فهو إجارة، وإن طلق أو شرط التأييد .. فهو بيع لجزء شائع من الدرب؛ تنزيلًا للمصالح منزلة أحدهم؛ كما لو صالح على إجراء نهر في أوضه .. ويكون ذلك تمليكًا للنهر.
ويجوز الصلح بمال على وضع الجذع - بإعجام الذال - على جدار بين دارين يختص به أحد المالكين، أو يكون مشتركًا ولا يجبر عليه؛ لما روى البيهقي من قوله ﷺ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس"، فلو رضي بالوضع بلا عوض .. فهو إعارة يرجع فيها قبل الوضع وبعده كسائر العواري، أو بعوض على مدة معلومة .. فهو إجازة، وإن أذن فيه لفظ البيع أو الصلح وبين والثمن .. فالأصح: أن هذا العقد فيه شوب بيع وإجازة؛ لكونه على منفعة، لكنها مؤبدة للضرورة.
[حكم إشراع الجناح]
ويجوز إشراع جناح؛ أي: خشب خارج، وكذا ساباط: وهو سقيفة على حائطين هو بينهما، عال؛ بحيث يمر المار تحته منتصبًا وعلى رأسه الحمولة العالية، سواء أكان الشارع واسعًا أضيقًا، وإن كان ممر الفرسان والقوافل .. اعتبر أيضًا أن يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة؛ لأن ذلك وإن ندر قد يتفق لمسلم، فلا يجوز الإشراع للكافر في نافذ - فإعجام الذال - من سبل؛ أي: طرق، أما غير النافذ .. فلا يجوز ذلك فيه إلا بإذن أهله لم يؤذ من مر، فإن آذاه ولو بإظلام الموضع .. لم يجز، وللحاكم إزالته، ولا يجوز الصلح على ذلك بمال وإن كان المصالح هو الإمام، ولم يضر المارة؛ لأن الهواء لا يفرد بالعقد وإنما يتبع القرار، وما لا يضر في الشارع .. يستحق الإنسان فعله فيه من غير عوض كالمرور.
واحترظ بـ (الجناح) أي: وما في معتاه من التصرف عن غيره؛ كبناء دكة أو غرس شجرة، فإن ذلك لا يجوز وإن لم يضر؛ لأن شغل المكان بما ذكر مانع من الطروق، وقد تزدحم المارة فيصطكون به.
[ ٦٠٩ ]
قوله: (وقد بابكا) أي: جوازًا في درب غير نافذ إلى رأس الدرب؛ لأنه تصرف في ملكك مع تركك لبعض حقك، لكن يلزمك سد الأول.
وجاز لك تأخير لبابك عن رأس الدرب بإذن شركائك في الدرب، وأهل الدرب غير النافذ: من نفذ باب داره إليه، لا من لا صقه جداره، وهل الاستحقاق في كله كلهم، أم تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني.
وقول الناظم: (أو براءة) (أو إجازة) بدرج الهمزة فيهما للوزن)، والألف في قوله: (بابكا) للإطلاق.
* * *
[ ٦١٠ ]