هو مأخوذ من الظهر؛ لأن صورته الأصلية أن يقول لزوجته: (أنت عليّ كظهر أمي)، وخضوا الظهر؛ لأنه موضع الركوب، والمرأة مركوب الزوج، وكان طلاقًا في الجاهلية؛ كالإيلاء فغيّر الشرع حكمه إلى تحريمها بعد العود، ولزوم الكفارة كما سيأتي.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] الآية، نزلت في أوس بن الصامت لما ظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة على اختلاف في اسمها ونسبها. وله أربعة أركان: مظاهر، ومظاهر منها، وصيغة، ومشبه به.
وقد أخذ في بيانها مع تعريفه شرعًا فقال:
(قَولُ مُكَلَّفٍ وَلَو مِن ذِمِّي لِعِرْسِهِ أنتَ كَظَهْرِ أُمِّي)
(أو نَحوِهِ فإِن يَكُن لا يُعْقِبُ طلاقَهَا فعائِدٌ يَجْتَنِبُ)
(الوَطْءَ كالحائِضِ حتى كَفَّرَا بالعِتْقِ يَنوِي الفَرضَ عَمَّا ظَاهَرَا)
(رَقَبَةً مؤمِنَةً باللهِ جَلْ سليمَةً عَمَّا يُخِلُّ بالعَمَلْ)
(إِن لَم يَجِدْ يَصُومُ شَهْرَيْنِ على تَتَابُعٍ اِلا لِعُذْرٍ حَصَلا)
(وعاجِزٌ سِتِّينَ مُدًَّا مَلَّكَا سِتِّينَ مِسكينًا كَفِطْرَةٍ حَكَى)
[تعريف الظهار وبيان صيغته] أي: الظهار: قول زوج مكلفي؛ أي: بالغ عاقل ولو كان ذلك القول من ذمي أو رقيق، أو مجبوب أو خصي لعرسه بكسر العين؛ أي: زوجته ولو رجعية وكافرة، ومعتدة عن شبهة، وصغيرة ومجنونة، وحائضًا ونفساء: (أنت كظهر أمي) ونحوه، من تشبيهها بجملة أنثى أو بجزء منها لم يذكر للكرامة محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، لم تكن جلًا له؛ كقوله: (أنت عليّ - أو مني أو عندي - كظهر أمي)، أو (جسمك)، أو (بدُنِك)، أو (نفسك كبدن أمي)، أو (جسمها)، أو (جملتها)، أو (أنست كيد أمي)، أو (بطنها)، أو (صدرها)، أو (شعرك)، أو (رأسك)، أو (يدك)، أو (رجلك)، أو (نصفك)، أو
[ ٨٠٢ ]
ربعك كظهر أمي)، أو (يدها) أو (شعرها) لأنه تصرف يقبل التعليق فتصح إضافته إلى بعض محله؛ كالطلاق والعتق، بخلاف ما لا يقبله؛ كالبيع.
فخرج بذلك تشبيه غير المكلف إلا السكران .. فكالمكلف، والتشبيه بجزء ذكر كالأب؛ لأنه ليس محل التمتع، أو بجزء أنثى غير مخرّم كالملاعنة، وأزواجه ﷺ، أو مَخرّم لكن كانت حلًا له؛ كمرضعته وزوجة أبيه بعد ولادته وأم زوجته؛ لأنهن لا يشبهن المحارم في التحريم المؤبد.
والتشبيه بما يذكر للكرامة؛ كقوله: (أنت كأمي) أو (كرأسها)، أو (كعينها) أو (كروحها) فإنه كناية في الظهار؛ لأنه يذكر في معرض الإكرام، فلا ينصرف إلى الظهار إلا بنيةٍ.
وصرح الناظم بالذمي مع دخوله في المكلف؛ الخلاف أبي حنيفة فيه؛ فإنه لا يصحح ظهاره؛ لأن الكفارة لا تصخ منه وهي الرافعةً للتحريم، ويبطل هذا بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم، ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ إذ يصح منه الإعتاق والإطعام، ولا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة؛ كما في حق العبد.
ويصح تعليقه؛ كقوله: (إن ظاهرت من زوجتي الأخرى فأنت عليَّ كظهر أمي)، فظاهر من الأخرى صار مظاهرًا منهما، أو (إن دخلت الدار .. فأنت على كظهر أمي) فدخلها صار مظاهرًا منها.
ولو قال: (إن ظاهرت من فلانة الأجنبية .. فأنت علي كظهر أمي) فخاطبها بظهار .. لم يصر مظاهرًا من زوجته؛ لانتفاء المعلق عليه شرعًا، إلا أن يريد اللفظ .. فيصير مظاهرًا من زوجته؛ لوجود المعلق عليه، فلو نكحها وظاهر منها صار مظاهرًا من زوجته تلك، ولو قال: (إن ظاهرت منها وهي أجنبية .. فأنت علي كظهر أمي) فخاطبها بظهار قبل النكاح أو بعده .. فلغو.
ولو قال: (أنت طالق كظهر أمي) ولم ينو به شيئًا، أو نوى به الطلاق أو الظهار، أو هما أو نوى الظهار ب (أنت طالق)، والطلاق بـ (كظهر أمي) .. طلقت ولا ظهار، أما وقوع الطلاق .. فلإتيانه بصريح لفظه، وأما انتفاء الظهار في الأوليين .. فلعدم استقلال لفظه مع عدم نيته، وأما في الباقي .. فلأنه لم ينوه بلفظه، ولفظ الطلاق لا ينصرف إلى الظهار وعكسه؛ لأن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه لا يكون كناية في غيره.
[ ٨٠٣ ]
أو نوى الطلاق ب (أنت طالق) والظهار بالباقي .. طلقت وحصل الظهار إن كان طلاق رجعة؛ لصحة ظهار الرجعية مع صلاحية قوله: (كظهر أمي) لأن يكون كناية فيه؛ فإنه إذا نواة .. قدرت كلمة الخطاب معه ويصير كأنه قال: (أنت طالق، أنت كظهر أمي)، فإن كان -. الطلاق بائنًا .. فلا ظهار.
[العود إذا لم يعقب الظهار بالطلاق]
قوله: (فإن يكن لا يعقب طلاقها .. فعائد) أي: فإن لم يعقب الظهار بطلاقها عقبه؛ بأن أمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة، وليست رجعية .. فهو عائذ؛ هذا إذا لم يعلقه بفعل غيره، وإلا .. فإنما يصير عائدًا بإمساكها عقب معرفته بوجود المعلق به الظهار، فتحرم عليه المرأة حتى يكفر كما سيأتي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الآية، والعود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولًا ثم عادَ له وعادَ فيه: إذا خالقه، بخلاف العود إلى القول؛ فإنه قول مثله، ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه.
وهل وجبت الكفارة بالظهار والعود، أو بالظهار والعود شرط، أو بالعود؛ لأنه الجزء الأخير؟ أوجه بلا ترجيح، والأول هو ظاهر الآية، قال الزركشي وغيره: وهو الموافق لترجيحهم أن كفارة اليمين تجب باليمين والحنث جميعًا.
وخرج بما تقرر: ما لو قطع النكاح عقيب الظهار أو معرفة ما ذكر بطلاق ولو رجعيًا، أو بموت، أو فسخ أو انفساخ، أو شراء بأن تكون رقيقة، أو تعذر قطعه بجنون ونحوه، وما لو لم يعرف وجود المعلق به .. فلا عود فيهما، وما لو علق بفعل نفسه، حتى لو علق به ففعل عالمًا، ثم نسي عقبه الظهار .. كان عائدًا؛ إذ نسيانه الظهار عقب فعله عالمًا به بعيدٌ نادرًا، أما لو فعل ناسيًا للظهار .. فلا ظهار كما في الطلاق، وإذا اشتغل بالقطع .. فلا يضر طول الفصل، فقوله: (يا فلانة بنت فلان أنت طالق) كقوله: (طلقتك) في منع العود.
ولو قال: (أنت زانية أنت طالق) .. فهو عائذ؛ لاشتغاله بالقذف قبل الطلاق، لا إن قال: (يا زانية؛ أنت طالق) كما لو قال: (يا زينب .. أنت طالق).
وأما الرجعية .. فإنما يصير عائدًا برجعتها سواء أظاهر بعد طلاقها رجعيًا أم قبله، أمسكها بعد ذلك أم لا؛ لأنها قبل رجعتها جارية إلى البينونة، بخلاف ما لو ارتدّ عقب الظهار ثم أسلم في العدة .. لا يكون عائدًا بالإسلام، بل لا بد من الإمساك بعده؛ لأن الرجعة إمساك في ذلك النكاح، والإسلام بعد الردة تبديل للدين الباطل بالحق، والحلّ تابع له؛ فلا يحصل به إمساك
[ ٨٠٤ ]
وأما الظهار المؤقت .. فلا يحصل العود فيه بإمساك، بل بوطء في المدة؛ لحصول المخالفة لما قاله به دون الإمساك؛ لاحتمال أن ينتظر به الحل بعد المدة، ويجب النزع بمغيب الحشفة؛ لحرمة الوطاء قبل التكفير أو انقضاء المدة، واستمرار الوطاء .. وطاء، والوطاء الأول جائز، ولو لم يطأ أصلًا حتى مضت المدة .. فلا شيء.
[وجوب اجتناب الوطء حتى التكفير]
وبعوده بالإمساك أو بالرجعة أو بالوطء في المدة يجتنب وجوبًا الوطء للمرأة كالحائض؛ فتحرم مباشرتها فيما بين سرتها وركبتيها دون ما عدا ذلك، حتى كفرا؛ أي: استمر التحريم حتى يكفر بما سيأتي؛ لأنه تعالى أوجب التكفير في الآية قبل الوطء حيث قال في التحريم والصوم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، ويقدر مثله في الإطعام حملًا للمطلق على المقيد.
ومراد الناظم: لزوم الكفارة مع توقف الحل عليها.
وتتعدد الكفارة بعدد الزوجات وإن اتحد اللفظ؛ كقوله لأربع: (أنتن عليّ كظهر أمي)، فإذا عاد .. لزمه أربع كفارات، أو بعدد اللفظ وإن اتحد المحل؛ كقوله لامرأته: (أنت كظهر أمي)، وكرره مرارًا وفصل، أو وصل وقصد الاستئناف، فإن وصل وقصد التأكيد أو أطلق .. فلا تعدد.
[خصال الكفارة]
وخصال الكفارة ثلاث:
الأولى: عتق رقبة مؤمنة بالله ﷿ سليمة عما يضر بالعمل؛ ليقوم بكفايته فيتفرغ للعبادات ووظائف الأحرار، فيأتي بها تكميلًا لحاله وهو مقصود العتق، والعاجز عن العمل والكسب لا يتأتى له ذلك، فلا يحصل بعتقه مقصود العتق فلا يجزئ، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية، وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فحمل الشافعي رضي الله تعالى عنه المطلق في الأول على المقيد في الثاني.
وينوي وجوبًا بالعتق أو الصوم أو الإطعام الفرض عن ظهاره، أو نية الكفارة؛ كأن يعتق بنية الكفارة، فلا تكفي نية العتق الواجب؛ لأنه قد يكون عن نذر، وكذا يقال في الصوم والإطعام، فتشترط نيتها لا تعيينها؛ بأن يقيد بالظهار أو غيره، حتى لو كان عليه كفارة ظهار
[ ٨٠٥ ]
وجماع صوم رمضان، فأعتق عبدًا بنية الكفارة .. وقع محسوبًا عن واحدة منهما، وكذا الحكم في الصوم والإطعام.
وإنما لم يشترط تعيينها في نيته بخلاف الصلاة؛ لأنها في معظم خصالها نازعة للغرامات فاكتفي فيها بأصل النية، فإن عيّن فيها وأخطأ؛ كأن نوى كفارة قتل وليس عليه إلا كفارة ظهار،. لم يجزئه ما أتى به بتلك النية عمّا عليه، وتشترط نية الذمي في الإعتاق والإطعام؛ كما جزم به في أصل «الروضة».
وعلم مما مر: أنه يجزئ صغير وأقرع، وأعرج يمكنه تباع مشي؛ بأن يكون عرجه غير شديد، وأعور وأصم، وأخرس يفهم الإشارة، وأخشم وفاقد أنفه وفاقد أذنيه، وفاقد أصابع رجليه، وفاقد خنصر من يد وبنصر من الأخرى، وفاقد أنملة من غير الإبهام، أو أنامله العليا من الأصابع الأربع؛ لأن كلًا من الصفات المذكورة لا يخل بالعمل والكسب.
وأنه لا يجزئ زمن ولا هرم، ولا فاقد رجل أو يد أو أصابعها، ولا فاقد إصبع من الإبهام والسبابة والوسطى، أو خنصر وبنصر من يد، أو أنملتين من غيرهما، أو أنملة إبهام؛ لإخلال كل من الصفات المذكورة بالعمل والكسب.
وأنه لا يجزئ الجنين وإن انفصل لدون ستة أشهر من الإعتاق؛ لأنه لا يُعطى حكم الحي، ولا مريض لا يرجى برؤه كصاحب السل؛ فإنه كالزمن، بخلاف من يرجى برؤه فيجزئ، وإن مات بعد إعتاقه: فإن برئ من لا يرجى برؤه بعد إعتاقه .. بان الإجزاء؛ لأن المنع كان بناء على ظن وقد بان خلافه.
ولا يجزئ شراء من يعتق عليه بنية كفارة، ولا إعتاق أم ولد وذي كتابة صحيحة، ويجزئ مدبر ومعلق بصفة ينجز عتقهما بنية الكفارة عنها؛ لجواز التصرف فيهما، والمدبر من علق عتقه بموت السيد.
وله تعليق عتق الكفارة بصفة؛ كأن يقول: (إن دخلت الدار .. فأنت حر عن كفارتي) .. فيعتق عنها بالدخول، وله إعتاق عبديه عن كفارتيه عن كل منهما نصف ذا العبد ونصف ذا العبد، فإن فعل ذلك .. وقع العتق كذلك؛ لحصول المقصود من إعتاق العبدين عن الكفارتين بما فعل.
ولو أعتق معسر نصفين له من عبدين عن كفارة عليه .. فالأصح: الإجزاء إن كان باقيهما
[ ٨٠٦ ]
حرًّا، ولو أعتق عبدًا عن كفارة بعوض .. لم يجز ذلك الإعتاق عن كفارة؛ لأنه لم يجرد الإعتاق لها، بل ضم إليها قصد العوض.
الثانية: الصيام إن لم يجد؛ أي: الرقبة؛ بأن لم يملكها، ولا ثمنها فاضلًا عن كفاية نفسه وعياله نفقة وكسوة وسكنى وأثاثًا لا بد منه وقت الأداء؛ كأن يقدر عليها ببيع ضيعة ورأس مال لا يفضل دخلهما عن كفايته، أو ببيع مسكن وعبد نفيسين ألفهما.
أو ملكها وهو محتاج إلى خدمتها لمرض أو كبر، أو ضخامة مانعة من خدمته نفسه، أو منصب يأبى أن يخدم نفسه.
قال الرافعي: وسكتوا عن تقدير مدة النفقة وما ذكر معها، ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب، وأن تقدر بسنة؛ لأن المؤنات تتكرر فيها، وصوب في «الروضة» الثاني، وقضية ذلك: أن لا نقل فيها مع أن منقول الجمهور الأول، وجزم البغوي في «فتاويه» بالثاني على قياس ما صنع في (الزكاة).
يصوم شهرين على تتابع؛ أي: متتابعين بالنص بنية كفارة لصوم كل يوم في ليلته؛ كما هو معلوم في صوم الفرض، فيجب الاستئناف بفوت يوم ولو اليوم الأخير، أو اليوم الذي مرض أو سافر أو أكره على الفطر فيه، أو نسي النية له.
قوله: (إلا لعذر حصلا) أي: كأن فات بجنون أو إغماء، أو حيض أو نفاس، وحيث وجب الاستئناف .. فهل يحكم على ما مضى بالفساد، أو ينقلب نفلًا؟ فيه القولان فيما إذا نوى، الظهر قبل الزوال ونظائره، ذكره في «الروضة» و«أصلها».
ولا يشترط نية التتابع؛ لأنه هيئة في العبادة، والهيئة لا يجب التعرض لها في النية، فإن بدأ بالصوم في أثناء شهر .. حسب الشهر بعده بالهلال، وتمم الأول من الثالث ثلاثين يومًا؛ لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال.
والعبد لا يكفر إلا بالصوم؛ لأنه لا يملك شيئًا، وليس لسيده منعه من صوم الظهار؛ الضرر استمرار التحريم عليه، بخلاف صوم كفارة اليمين على تفصيل فيه.
الثالثة: الإطعام؛ والعاجز عن الصوم بهرم، أو مرض يدوم شهرين فيما يظن بالعادة أو
[ ٨٠٧ ]
بقول الأطباء، أو يلحقه به مشقة شديدة؛ أو بخوفه زيادة مرضه به، أو بشدة الشبق .. ملك ستين مسكينًا ستين مدًا كل مسكين مدًا؛ للآية السابقة، وذلك بدل عن صوم ستين يومًا، فلا يكفي دفع ذلك إلى أكثر من ستين؛ لانتفاء تمليك كل واحد منهم مدًا، ولا دفع إلى أقل من ستين ولو في ستين دفعة؛ لاشتمال الآية على العدد؛ كالوصف بالمسكنة، فكما لا يجوز الإخلال بالوصف .. لا يجوز الإخلال بالعدد.
والتعبير بـ (المسكين) يشمل الفقير كعكسه، وخص بالذكر تبركًا بالآية، ولأن شموله
للفقير أظهر من شمول الفقير له.
ولو وضع ستين مدًّا بين يدي ستين مسكينًا، وقال لهم: (ملكتكم هذا)، وأطلق، أو
قال: (بالسوية) فقبلوه .. كفى، ولا نظر إلى ضرر مؤنة القسمة؛ لخفة أمرها.
وظاهر أنه لا يشترط لفظ التمليك، ولهذا لو قال: (خذوه) ونوى به الكفارة، و(أخذوه بالسوية) .. أجزأه، أو (بالتفاوت) فكل من علم أنه أخذ مدًّا .. أجزأه، ومن لا يعلم أنه آخذه .. لزمه تكميله له.
نعم؛ إن أخذوه مشتركًا ثم اقتسموه .. فقد ملكوه قبل القسمة، فلا يضر التفاوت في المأخوذ بعدها.
قوله: (كفطرة حكى) أي: بأن يكون ذلك من الحب ونحوه؛ الذي هو غالب قوت بلد المكفر؛ كالبر والشعير والأقط، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز، ولا التغدية والتعشية، وتقدم في (قسم الصدقات): أن المكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيرًا ولا مسكينًا في الأصح"، فلا يعطى من الكفارة؛ كالكافر والهاشمي، والمطلبي والعبد والمكاتب، ومن تلزمه مؤنته؛ كالزوجة والقريب.
ومن عجز عن جميع خصال الكفارة .. استقرت في ذمته في الأظهر، فإذا قدر على خصلة .. فعلها.
والألف في قول الناظم: (كفرا) و(ظاهرا) و(حصلا) و(ملكا) للإطلاق.
[ ٨٠٨ ]