هي مأخوذة من العدد؛ لاشتمالها عليه غالبًا، وهى مدة تتربص فيها المرأة؛ لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو لتفجعها على زوج كما سيأتي، وذلك يحصل بالأقراء وبالأشهر وبالولادة كما سيأتي، والأصل فيها قبل الإجماع: الآيات والأخبار الاتية.
والعدة ضربان: الأول: يتعلق بفرقة وفاة، والثاني: يتعلق بفرقة حي بطلاق أو فسخ، وبدأ بالأول فقال:
(لِمَوْتِ زَوجِهَا ولَو مِن قَبْلِ الوَطْءِ باسْتِكمالِ وَضْعِ الحَمْلِ)
(يُمْكِنُ مِن ذِي عِدَّةٍ فِإِن فُقِدْ فَثُلْثَ عامٍ قَبلَ عَشْرٍ تَسْتَعِدْ)
(مِنْ حُرَّةٍ وَنِصْفُهَا مِن الأَمَهْ وللطلاقِ بعدَ وَطْءٍ تَمَّمَهْ)
(بالوَضْعِ إِن يُفْقَدْ فَرُبْعُ السَّنَةِ مِن حُرَّةٍ وَنِصفُهَا مِن أَمَةِ)
(إِن لم تَحِيضَا أو إِيَاسٌ حَلا لكِنْ بِشَهْرَيْنِ الإِمَاءُ أَوْلَى)
(ثلاثُ أطهَارٍ لحُرَّةٍ تَحِيضْ والأَمَةُ اثنَانِ لِفَقْدِ التَّبْعِيضْ)
(لحامِلٍ وذاتِ رَجْعَةٍ مُؤَنْ وذاتُ عِدَّةٍ تُلازِمُ السَّكَنْ)
(حيثُ الفِرَاقُ لا لِحَاجَةِ الطَّعَامْ وخَوْفِهَا نَفْسًَا ومالًا كانْهِدامْ)
(ولِلْوَفَاةِ الطِّيبُ والتَّزَيُّنُ يَحْرُمُ كالشَّعْرِ فلَيسَ يُدْهَنُ)
[عدة المتوفى عنها زوجها]
أي: وعدتها لموت زوجها - ولو من قبل الوطاء – باستكمال وضع الحمل ممكنًا كونه من ذي العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فهو مخصص لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية، ولأن القصد من العدة براءة الرحم، وهي حاصلة بالوضع.
وخرج بـ (وضع الحمل): خروج بعضه ولو بعد خروج أحد التوءمين؛ بأن يكون بينهما دون ستة أشهر فلا تنقذ به العدة، بل حكمه حكم المجتن في بقاء العدة والرجعة، ولحوق الطلاق، والتوارث بين أبويه، وعدم توريثه، وسراية عتق الأم إليه، ووجوب الغرة بالجناية
[ ٨١٧ ]
عليها، (وعدم إجزائه عن الكفارة، وتبعيته للأم في إزالة الملك، وعدم تعلق التحريم بارتضاعه، وكذا سائر أحكام الجنين، كذا ذكره الرافعي هنا وفي (الفرائض).
نعم؛ لو خرج رأس جنين وصاح، فحرّ رجل رقبته .. فالأصح: وجوب قصاص أو دية. وقول الناظم: (باستكمال) كقول غيره: (بتمام) تأكيد وإيضاح؛ لأن الغرض منه مفهوم من الوضع.
وخرج ب (إمكان كونه من ذي العدة) ما إذا لم يمكن؛ بأن كان الزوج صبيًّا أو ممسوحًا، أو ولدته لدون ستة أشهر من العقد، أو لأكثر ودون أربع سنين وكانت بينهما مسافة لا تقطع في تلك المدة، أو لفوق أربع سنين من الفرقة، فلا تنقضي العدة بوضعه، لكن لو ادعت في الأخيرة أنه راجعها، أو وطئها بشبهة وأمكن .. فهو وإن انتفى عنه تنقضي به العدة؛ كذا نقله الماوردي عن الجمهور، والشيخان عن الأئمة.
وشمل كلامه: المنفي بلعان؛ لإمكان كونه من الملاعن، ولهذا لو استلحقه .. لحقه وما إذا كان الزوج مجبوبًا أو خصيًّا .. فإنه يلحقه، فتعتد به عنهما.
وشمل الحمل الحي والميت، والمضغة التي فيها صورة خفية أخبر بها القوابل؛ أو قلن: هي أصل آدمي، وخرج به العلقة؛ إذ لا تسمى حملًا، وإنما كانت غير الموطوءة كالموطوءة في لزوم عدة الوفاة دون عدة الطلاق؛ لأن عدة الطلاق إنما وجبت لحق الزوج صيانة لمائه، وعدة الوفاة وجبت لحق الله تعالى.
قوله: (فإن فقد) أي: الحمل .. فثلث عام، وهو أربعة أشهر قبل عشر من الليالي بأيامها تستعل من حرة؟ أي: تعتد بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ أي: عشر ليال بأيامها، ويستوي في ذلك الصغيرة والكبيرة، والموطوءة وغيرها، وذات الأقراء وغيرها، وزوجة الصبي وغيره؛ لإطلاق الآية المحمولة على الغالب من الحرائر الحائلات.
وتعتبر الأشهر بالأهلة ما أمكن، فإن مات أول الهلال .. فواضح، أو في خلال شهر بقي منه عشرة أيام أو أقل .. ضمت إلى ذلك أربعة أشهر بالأهلة، وأكملت بقية العشر مما بعدها، أو أكثر من عشرة أيام .. ضمت إلى ذلك ثلاثة أشهر بالأهلة وأكملت عليه مما بعدها بقية أربعين يومًا.
[ ٨١٨ ]
ونصفها وهو شهران وخمسة أيام بلياليها من الأمة الحائل على النصف من الحرة كالحدّ، والمبعضة كالأمة، ويقاس الانكسار بما مر.
[عدة الحامل المطلقة]
والعدة لطلاق الزوج بعد وطاع تممه ولو بتغييب الحشفة بوضع حملها بالشرطين السابقين، سواء أكانت حرة أم غيرها، ذات أقراء أو أشهر، رأت الدم في مدة الحمل أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فهو مخصصٌ أيضًا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وكالوطء: استدخال ماء الزوج المحترم، أمّا قبل ذلك .. فلا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وكالطلاق الفسخ، كلعان ورضاع.
ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر حمل للزوج .. اعتدت بوضعه، ولا اعتبار بما مضى من الأقراء أو الأشهر؛ لوجود الحمل.
ولو ارتابت في العدة المذكورة لثقل وحركة تجدّهما .. لم تنكح آخر بعد تمامها حتى تزول الريبة، فإن نكحت .. فالنكاح باطل؛ للتردد في انقضاء العدة.
أو بعدها وبعد نكاح لآخر .. استمر النكاح؛ لانقضاء العدة في الظاهر، وتعلق حق الزوج الثاني، إلا أن تلد لدون ستة أشهر من عقده .. فتبين بطلانه والولد للأول، بخلاف ما إذا ولدت لستة أشهر فأكثر .. فالولد للثاني.
أو بعدها قبل نكاح .. سُنّ أن تصبر عن النكاح لتزول الريبة، فإن نكحت قبل زوالها .. فالمذهب المنصوص: عدم إبطاله في الحال؛ لأنا حكمنا بانقضاء العدة في الظاهر، ولا ينقض الحكم بمجرد الشك، بل نقف، فإن ولدت لدون ستة أشهر منه .. تبينا بطلانه، وإلا .. فلا.
ولو بانت منه، أو طلقها رجعيًا، فولدت لأربع سنين فما دونها من وقت إمكان العلوق قبل الفراق .. لحقه الولد، أو لأكثر منها .. فلا يلحقه؛ لأن مدة الحمل قد تبلغ أربع سنين؛ وهي أكثر مدته كما استقرئ، وقد تقدم الكلام عليه في (باب الحيض).
[ ٨١٩ ]
ولو نكحت بعد العدة، فولدت لدون ستة أشهر من النكاح .. فكأنها لم تنكح، ويكون الحكم كما تقدم في الإتيان بالولد لأربع سنين أو لأكثر إلى آخره، أو لستة أشهر فأكثر .. فالولد للثاني؛ لقيام فراشه، وإن أمكن كونه من الأول.
ولو نكحت في العدة فاسدًا فولدت للإمكان من الأول دون الثاني .. لحقه وانقضت عادته سنين من وقت إمكان العلوق قبل الفراق، أو للإمكان منهما .. عرض على قائفي: فإن ألحقه بأحدهما .. فكالإمكان منه فقط، وإن ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو تحير أو لم يكن .. انتظر بلوغه وانتسابه بنفسه.
[عدة المطلقة الحائل]
قوله: (إن يفقد) أي: الحمل .. فعدة حرة لم تحض أو يئست: ربع السنة، وهي ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]؛ أي: فعدتهن كذلك، والمراد بـ (الأشهر): الهلالية، والأمر ظاهر إن انطبق الطلاق على أول الشهر؛ كأن علقه به أو بانسلاخ ما قبله، فإن طلقت في أثناء شهر .. فبعده هلالان وتكمل المنكسر ثلاثين يومًا من الرابع، فإن حاضت فيها .. وجبت الأقراء؛ لأنها الأصل في العدة، وقد قدرت عليها قبل الفراغ من بدلها فتنتقل إليها؛ كالمتيمم إذا وجد الماء في أثناء التيمم.
وعدة أمة؛ أي: ومبعضه لم تحض أو يئست: نصفها؛ وهو شهر ونصف على النصف من الحرة، ولكن الأولى أن تعتد بشهرين؛ خروجًا من خلاف من أوجبهما؛ لأنها بدل عن القرأين في ذات الأقراء كما أن الأشهر الثلاثة للحرة بدل عن الأقراء. وعدة حرة تحيض: ثلاثة أطهار؛ أي: أقراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وعدة أمة؛ أي: ومبعضة طهران؛ لتعذر التبعيض، وإن عتقت في عدة رجعة .. كمَلت عدة حرة في الأظهر؛ لأنها كالزوجة فكأنها عتقت قبل الطلاق، أو بينونة .. فأمة في الأظهر؛ لأنها كالأجنبية، فكأنها عتقت بعد انقضاء العدة.
وإنما كان المراد بالأقراء: الأطهار؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في زمانها
[ ٨٢٠ ]
وهو زمان الطهر؛ لأن الطلاق في الحيض حرام كما تقدم، وزمن العدة يعقب زمن الطلاق. وقد يراد بالقرء الحيض؛ كما في خبر النسائي وغيره: «تترك الصلاة زمن أقرائها ". و(القُرء) بالفتح والضم: مشترك بين الطهر والحيض، فإن طلقت الحرة طاهرًا وقد بقي من زمن الطهر شيءً .. انقضت عدتها بالطعن في حيضة ثالثة؛ لحصول الأقراء الثلاثة في ذلك؛ بأن يحسب ما بقي من الطهر الذي طلقت فيه قرءًا، سواء أجامع فيه أم لا، ولا بعد في تسمية قرأين وبعض الثالث: ثلاثة قروء؛ كما فسر قوله تعالى: ﴿الحج أشهرُ مَعَلُومَاتُ﴾ بشوال وذي القعدة وعشر ليال من ذي الحجة.
وإن طلقت طاهرًا ولم يبق من زمن الطهر شيء، أو حائضًا .. انقضت عدتها بالطعن في حيضة رابعة؛ لتوقف حصول الأقراء الثلاثة على ذلك، ولا يحسب طهر من لم تحض قرءًا؛ إذ القرء: الطهر المحنوش بدمين.
وعدة مستحاضة غير متحيرة بأقرائها المردودة إليها حيضًا وطهرًا؛ وهو أن ترد المعتادة إلى عادتها في الحيض والطهر، والمميزة إلى التمييز الفاصل بينهما مبتدأه كانت أو معتادة، والمبتدأة في الحيض من أول الدم إلى أقله، وفي الطهر إلى تسعة وعشرين، فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر، وعدة متحيرة ثلاثة أشهر في الحال.
والاعتبارُ بالأشهر الهلاليّة، فإن انطبق الطلاق على أول الهلال .. فذاك، وإن وقع في أثناء الشهر: فإن بقي منه أكثر من خمسة عشر يومًا .. خبيب ذلك قرءًا؛ لاشتماله على طهر لا محالة، وتعتدّ بعده بشهرين هلاليّين، أو خمسة عشر يومًا فما دونها .. لم يحسب قرعًا؛ لاحتمال أن يكون حيضًا ولا اعتبار بالباقي، وتعتد بعده بثلاثة أشهر هلاليّة؛ لأن الأشهر ليست متأصلة في حقها حتى تبني على المنكسر.
ومن انقطع دمها ولو لغير علة،. تصبر حتى تحيض فتعتد بالأقراء، أو تيأس .. فبالأشهر، فلو حاضت بعد اليأس في الأشهر .. وجبت الأقراء رجوعًا إلى الأصل، ويحسب ما مضى من الطهر قرًا، أو بعدها .. فكذلك إن لم تنكح، وإلا .. فلا شيء عليها؛ نظرًا إلى انقضاء عدتها في الظاهر مع تعلق حق الزوج بها.
والمعتبر في اليأس: يأس كل النساء بحسب ما يبلغ من خبره ويعرف، وأقصاه اثنان وستون سنة، وقيل: ستون، وقيل: خمسون.
[ ٨٢١ ]
[تداخل العدد]
ولو لزمها عدتا شخصي من جنسي واحد؛ كأن طلق ثم وطء في عدة أقراء، أو أشهر جاهلًا في بائن أو رجعية بأنها المطلقة، أو عالمًا في رجعية .. تداخلتا، فتبتدئ عدة بالأقراء أو الأشهر من الوطء، وتدخل فيها بقية عدة الطلاق، وتلك البقية واقعة عن الجهتين، وله الرجعة فيها في الطلاق الرجعي دون ما بعدها.
فإن كانت إحداهما حملًا والأخرى أقراءًا؛ بأن طلقها حائلًا، ثم وطئها في الأقراء وأحبلها، أو طلقها حاملًا، ثم وطئها قبل الوضع وهي ترى الدم مع الحمل، وقلنا بالراجح: إنه حيض، وإن العدة لا تنقضي بالأقراء مع وجود الحمل؛ لأنها لا تدل على البراءة .. تداخلتا في الأصح؛ لاتحاد صاحبهما، فتنقضيان بوضعه وهو واقع عن الجهتين، ويراجع قبله في الطلاق الرجعي.
وإن كان الحمل من الوطء، أو لشخصين: فإن كانت في عدة زوج أو شبهة فوطئت بشبهة أو نكاح فاسد، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت .. فلا تداخل؛ لتعدد المستحق، فإن كان حمل .. قُدّمت عدته سابقًا كان أو لاحقًا؛ لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير، وإلاَّ .. قدمت عدة الطلاق وإن تأخر.
ولو عاشر مطلقته؛ كزوج بلا وطء في عدة أقراء أو أشهر .. فالأصح: إن كانت بائنًا .. انقضت، وإلا .. فلا، ولا رجعة بعد الأقراء أو الأشهر وإن لم تنقض بهما العدة احتياطًا، ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة.
ولو نكح معتدة بظن الصحة ووطئها .. انقضت عدتها من حين وطئ؛ لحصول الفراش بالوطاء، ولو راجع حائلًا ثم طلق .. استأنفت وإن لم بطأها بعد الرجعة؛ لعودها بها إلى النكاح الذي وطئت فيه، أو حاملًا .. فبالوضع، فلو وضعت ثم طلق .. استأنفت وإن لم بطأها بعد الوضع.
[وجوب النفقة للحامل والرجعية]
قوله: (لحامل وذات رجعة مؤن) أي: تجب لحامل ولو بائنًا بخلع، أو ثلاث بسبب الحمل، ولرجعية: مؤن النكاح؛ كنفقة وكسوة وغيرهما، إلا مؤنة تنظف فلا تجب لهما؛ لامتناع الزوج منهما.
[ ٨٢٢ ]
أمّا الأولى .. فلقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فتجب على زوج رقيق، ولا تجب لحامل عن شبهة، آو نكاح فاسد.
ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملًا؛ لأنها بانت، والحمل القريب تسقط نفقته بالموت.
ونفقة العدة مقدرة كزمن النكاح، ولا يجب دفعها قبل ظهور حمل، فإذا ظهر .. وجب دفعها يومًا بيوم، ولو ادَّعت ظهوره وأنكر .. فعليها البينة وتقبل فيه النساء، فلو ظنّت حاملًا فأنفق، فبانت حائلًا .. استرجع ما دفعه بعد عدتها، وتُصَدّق في قدر أقرائها باليمين إن كذبها، وإلا .. فلا يمين، ولا تسقط بمضي الزمان.
وأما الثانية .. فلبقاء حبس الزوج عليها وسلطنته، وخرج بـ (الرجعية): البائن بخلع أو غيره، إذا لم تكن حاملًا .. فلا تجب لها تلك المؤن؛ لخبر مسلم: أنه ﷺ قال لفاطمة بنت قيس: «لا نفقة لك» وكانت بائنًا حائلًا، ولمفهوم آية ﴿وإن كنّ أوّلت حمل﴾
[وجوب السكنى للمعتدة]
وتجب السكنى لمعتدة طلاق ولو بائنًا بخلع أو ثلاث، حاملًا كانت أو حائلًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، إلا ناشزة؛ بأن طلقت حال نشوزها فإنها لا سكنى لها؛ كما في صلب النكاح، بل أولى، قال في «التتمة»: ولو نشزت في العدة .. سقطت سكناها، فإن عادت إلى الطاعة .. عاد حق السكنى، وكالناشزة: الصغيرة التي لا تحتمل الجماع، والأمة التي لم تسلم ليلًا ونهارًا.
وتجب السكنى لمعتدة وفاة في الأظهر؛ لخبر فريعة- بضم الفاء - بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: (أن زوجها قُتل، فسألت رسول الله ﷺ أن ترجع إلى أهلها، وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، فأذن لها في الرجوع، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا) صححه الترمذي وغيره.
وتجب السكنى لمعتدة فسخ على المذهب؛ كالطلاق بجامع فرقة النكاح في الحياة، سواء أكان الفسخ بردة أم إسلام، أم رضاع آم عيب مقارن آم طارئ.
[ ٨٢٣ ]
J وجوب ملازمة المعتدة لمسكن الفراق] قوله: (وذات عدة) أي: عن فرقة حياة أو وفاة تلازم السكن حيث الفراق؛ أي: تلازم وجوبًا مسكن الفراق اللائق بها إلى انقضاء العدة، فلا تخرج منه، ولا يخرجها منه صاحب العدة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال -. ابن عباس: أي: بالبذاءة على أهل زوجها"، ولخبر فريعة.
فلو اتفقا على الخروج منه بلا حاجة .. لم يجز، وعلى الحاكم المنع منه؛ لأن في العدة حقًا لله تعالى، فلا يسقط بالتراضي، وكالمعتدة عما ذكر: المعتدة عن وطء شبهة، أو نكاح فاسلِ واِن لم تستحق السكنى على الواطئ والناكح.
وشمل كلامه: الرجعيّة، وبه صرح في «النهاية)، وفي (حاوي الماوردي) و«المهذب» وغيرهما: أن للزوج أن يسكنها حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجة، وبه جزم النووي في «نكته»، وكلامه في غيرها يقتضي الأول، ونص عليه في «الأم» كما قاله ابن الرفعة وغيره"، قال السبكي: وهو أولى؛ لإطلاق الآية، وقال الزركشي: إنه الصواب.
وشمل كلامه: المسكن المملوك له، ولا يصح بيعه إلا في عدة ذات أشهر، والمستعار والمستأجر، وكذا المملوك للمعتدة فتلزمها ملازمته، وتطلب الأجرة، وبه جزم في «المنهاج» كـ «المحرر»، لكن صحح في «الأصل الروضة»: أنها تتخير بين بقائها فيه بإعارة أو إجارة، وبين طلب النقلة إلى غيره؛ إذ لا يلزمها بذل منزلها بإعارة ولا إجارة.
ولو انتقلت إلى مسكن أو بلي بإذن الزوج فوجبت العدة قبل وصولها إليه .. اعتدت فيه وإن لم تنقل شيئًا من أمتعتها لأنها مأمور بالمقام فيه، حتى لو وصلت إليه، ثم رجعت إلى الأول لنقل أمتعتها مثلًا فحصلت فيه الفرقة .. لزمها أن تعتد في الثاني، فإن انتقلت بلا إذن أو وجبت قبل الخروج من الأول .. اعتدت فيه، إلا أن يأذن لها في الإقامة في الثاني .. فتعتد فيه.
ولو أذن لها في سفر نحو حج أو تجارة، ثم وجبت في الطريق .. فلها الرجوع والمضي وهي
[ ٨٢٤ ]
معتدة في سيرها، فإن مضت .. أقامت لقضاء حاجتها، ثم يجب الرجوع وإن كانت العدة تنقضي في الطريق.
ولو خرجت من مسكنها فطلق وقال: (ما أذنت في الخروج)، أو (أذنت فيه لحاجة لا للنقلة).، صدق بيمينه، ومنزل بدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية.
أما إذا كان المسكن نفيسًا .. فله النقل إلى لائق بها، أو خسيسًا .. فلها الامتناع من الاستمرار فيه، وطلب النقل إلى لائق بها، وإن رجع معيرُ المسكن، أو انقضت إجارته ولم يرض بأجرة .. نقلت.
[ما يستثنى من حرمة خروج المعتدة من مسكنها]
ثم استثنى الناظم مما اقتضاه وجوب ملازمتها المسكن من حرمة خروجها منه ما ذكره بقوله: (لا لحاجة الطعام وخوفها نفسًا ومالًا كانهدام) " أي: يجوز خروجها لشراء طعام أو نحوه؛ كشراء قطن وبيع غزل ونحوه؛ أي: نهارًا لا ليلًا، إلا ألًا يمكن ذلك نهارًا.
نعم؛ الرجعية والبائن الحامل تجب لهما المؤنة؛ فلا يخرجان إلا بإذن أو لضرورة، قال السبكي: وهو مفروضنا فيما إذا حصل لهما النفقة، فلا يخرجان بعدُ لأجلها، لكن لهما الخروج لبقية حوائجهما؛ من شراء قطن وبيع غزل ونحوهما، وكذا لو أعطيتا النفقة دراهم واحتاجتا إلى الخروج لشراء الأدم. انتهى.
وأشار الناظم بقوله: (لا لحاجة الطعام) إلى أنه لو كان لها من يقضيها حاجتها .. لم يجز خروجها لها؛ وبه صرح الإمام وغيره"، ويجوز خروجها أيضًا؛ لخوفها نفسًا أو مالًا من نحو هدم أو غرق؛ لأن الخروج لذلك أشدّ من الخروج للطعام ونحوه.
وشمل قول الناظم: (نفسًا ومالًا): نفسها ومالها، ونفس غيرها وماله المحترمين؛
كولدها ووديعة عندها.
ويؤخذ من كلام الناظم: جواز المهاجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام إذا خافت على نفسها أو دينها، أو مالها أو بضعها؛ لوجوبها عليها حينئذ، وخروجها لإقامة الحدّ عليها إن
[ ٨٢٥ ]
كانت برزة، وانتقالها منه إذا تأذت بالجيران أو هم بها أذى شديدًا، ووجوب تغريبها إن زنت في العدة وهي بكر.
ولها إن كانت غير رجعية الخروج ليلًا إلى دار جارة لغزل وحديث ونحوهما؛ للتأنس بها بشرط أن ترجع وتبيت في بيتها، وليس لصاحب العدة مساكنتها ومداخلتها حيث فضلت الدار على سكنى مثلها؛ لما يقع فيهما من الخلوة بها وهي حرام؛ كالخلوة بالأجنبية.
فإن كان في الدار محرم لها مميز ذكر أو محرم له مميز أنثى، أو زوجة أخرى، أو أمة .. جاز ما ذكر؛ لانتفاء المحذور فيه، لكن يكره؛ لأنه لا يؤمن معه النظر، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز.
ولو كان في الدار حجرة فسكنها أحدهما، والآخر الأخرى: فإن اتحدت المرافق؛ كمطبخ ومستراح ومصعد إلى السطح .. اشترط محرم؛ حذرًا من الخلوة فيما ذكر، وإلا فلا يشترط، ويجب أن يغلق ما بينهما من باب، وألًا يكون ممر إحداهما يمر فيه على الأخرى؛ حذرًا من الخلوة في ذلك، وسفل وعلو؛ كدار وحجرة فيما ذكر من أنه إن اتحدت المرافق .. اشترط محرم، وإلا .. لم يشترط.
[وجوب الإحداد على معتدة الوفاة]
قوله: (وللوفاة ) إلى آخره؛ يعني: يجب الإحداد على معتدة وفاة؛ لخبر «الصحيحين»: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا " أي: فإنها يحل لها الإحداد عليه؛ أي: يجب بالإجماع على إرادته، وخبرهما عن أم عطية: (كنا تنهى أن تُجدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، وأن نكتحل وأن نتطيب، وأن نلبس ثوبًا مصبوغًا) "، وخبر أبي داوود بإسناد حسن: (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب ولا تكتحل " و(الممشقة): المصبوغة بالمشق بكسر الميم، وهي المَغرَهُ بفتحها، ويقال: طين أحمر يشبهها.
[ ٨٢٦ ]
والإحداد: ترك التطيب والتزين، فيحرم عليها الطيب في البدن والثوب؛ لخبر أم عطية، والطعام والكحل الذي ليس بمحرم قياسًا على البدن والثوب، والمراد بالطيب: ما يحرم بالإحرام.
نعم؛ إن احتاجت إليه .. جاز؛ ذكره في «النهاية، ويستثنى حال طهرها من الحيض؛ كما قدمته في بابه؛ لخبر: «ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار، قال النووي: ليسا من مقصود الطيب، رخص لها فيهما لإزالة الرائحة الكريهة [لا] للتطيب، أما الطيب الكائن معها حال شروعها في العدة .. فتلزمها إزالته أيضًا، بخلاف المحرم
[ما يحرم التزين به على المحدة]
ويحرم عليها التزين بأحد أمور:
الأول: المصبوغ من اللباس للتزين من قطن وإبريسم وغيرهما ولو غليظًا، وقبل النسج؛ كالأحمر والأصفر والوردي، والأزرق والأخضر الصافيين، والبرود، وخرج بما ذكر: ما لم يصبغ وإن كان نفيسًا؛ ذ نفاسته من أصل الخلقة لا من زينة دخلت عليه، وما صبغ لا للتزيين، بل لنحو حمل وسخ أو مصيبة؛ كالأسود والكحلي، والأخضر والأزرق المشبعين الكدرين؛ لأن المشبع من الأخضر يقارب الأسود، ومن الأزرق يقارب الكحلي.
قال في «الروضة» و«أصلها): وأما الطراز: فإن كثر .. فحرام، وإلًا .. فأوجه، ثالثها: إن نسج مع الثوب .. جاز، وإن ركب عليه .. حرم؛ لأنه محض زينة، وبهذا جزم، في «الأنوار».
الثاني: التحلي بالحب الذي يتزين به كاللؤلؤ وبالمصنوع من ذهب أو فضة أو غيرهما من خلخالٍ وسوار وخاتم وغيرها، حتى لو تحلت بنحاسٍ ونحوه وموهته بذهب أو فضة أو
[ ٨٢٧ ]
ما يشبههما بحيث لا يظهر إلا بالتأمل، أو كانت ممن يتحلى بالنحاس ونحوه .. حرم؛ لظاهر خبر أبي داوود السابق.
نعم؛ إن لبست ذلك ليلًا ونزعته نهارًا .. جاز لكن يكره، إلا لحاجة؛ كإحرازه فلا يكره. الثالث: الخضب بحناء أو زعفران أو غيرهما؛ لما مر في خبر أبي داوود، وظاهر إطلاقهم كالخبر: المنع منه في جميع البدن، وبه صرح ابن يونس، لكن حكي الشيخان عن الروياني: أنه إنما يحرم فيما يظهر؛ كالوجه واليدين والرجلين، لا فيما تحت الثياب، واقتصرا عليه.
وقال البلقيني: فيه نظر؛ فإن شعر الرأس مما تحت الثياب، وفي حديث أم سلمة في أبى داوود والنسائي: «لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب»، فقلت: بأي شيء أمنشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر، وتغلفين به رأسك " فهذا يدل على منع الحناء وإن كان تحت الثياب.
قال: ولا يرد بأن الشعر يبدو منه شيء؛ لأنه لو اعتبر ذلك .. لاقتصر بالمنع على ما ظهر، ولا يقال: لسد الذريعة؛ لأن إطلاق التعليل بأنه خضاب يقتضي ذلك.
الرابع: الاكتحال بالإثمد بكسر الهمزة والميم: وهو الكحل الأسود، والضبر بفتح الصاد وكسر الباء، وبفتح الصاد وكسرها مع إسكان الباء وهو الأصفر وإن لم يكن فيهما طيب؛ لما مر في الخبرين، ولما في ذلك من الزينة، سواء أكانت بيضاء أم سوداء، إلا لحاجة كرمل فتكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا.
فإن دعت الحاجة إليه في النهار .. جاز فيه، ففي أبي داوود: أنه ﷺ دخل على أم سلمة وهي حادة على أبي سلمة، وقد جعلت على عينها صبرًا فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟»، فقالت: هو صبر لا طيب فيه، فقال: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار) "، وأما الكحل الأبيض كالتوتياء .. فلا يحرم؛ لأنه لا زينة فيه.
والخامس: دهن شعر رأسها أو لحيتها إن كانت وإن لم يكن فيه طيب؛ لما فيه من الزينة، أما سائر البدن .. فلا يحرم دهنه بما لا طيب فيه كالشيرج والسمن، لا بما فيه طيب كدهن البان والبنفسج.
[ ٨٢٨ ]
وعلم مما تقرر: أنه يجب ترك تحمير الوجه وتبييضه بالإسفيذاج، وتصفيره بما له صفرة، وترك تسويد الحاجب وتصغيره، وتطريف الأصابع ونقش الوجه.
وأنه يباح التزين بالفرش والستور وأثاث البيت، وغسل الرأس وامتشاطه ودخول الحمام إن لم يكن فيه خروج محرم، وإزالة الوسخ وقلم الأظفار.
وأنه لا يجب الإحداد على المعتدة لغير الوفاة؛ لأنها إن كانت مطلقة .. فهي مجفوةٌ بالطلاق، أو مفسوخًا نكاحها .. فالفسخ منها، أو لمعنى فيها .. فلا يليق بها فيهما إيجاب التفجع، أو موطوءة بشبهة أو نكاح فاسد أو أم ولد .. فلأن التفجع لإظهار ما فات من عصمة النكاح ولم يوجد.
نعم؛ يستحب ذلك للمطلقة، وفي معناها المفسوخ نكاحها.
ولو تركت الإحداد من وجب عليها كل المدة أو بعضها .. عصت وانقضت العدة؛ كما لو فارقت المسكن الذي يجب عليها ملازمته.
ولو بلغتها الوفاة بعد مدة العدة .. كانت منقضية.
وللمرأة إحداد على غير زوج ثلاثة أيام فما دونها، وتحرم الزيادة عليها.
والألف في قول الناظم: (حلًا) للإطلاق، وقوله: (والأمةً) بالرفع على الابتداء، وبالجر عطفًا على (الحرة).
* * *
[ ٨٢٩ ]