وفي بعض النسخ: (قسم الفيء والغنيمة) أي: بفتح القاف، والمشهور تغايرهما كما يعلم مما سيأتي، وقيل: يقع اسم كل منهما على الآخر إذا انفرد، فإن جمع بينهما .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، وقيل: اسم الفيء يقع على الغنيمة دون العكس، ومن هذين قولهم: (يسن وسم نعم الفيء)
والأصل فيهما: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآيتين، وخبر وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: «وأن تعطوا من المغنم الخمس».
ولم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة، والغنيمة كما يؤخذ من كلام الناظم الآتي في تعريف الفيء: ما أخذناه من الحربيين قهرًا؛ كالمأخوذ بقتال الرجال، وفي السفن، أو التقى الصفان فانهزموا عنه قبل شهر السلاح، وما صالحونا عليه عند القتال، وما أهدوه لنا والحرب قائمة، وما أخذه واجد أو جمع من دار الحرب سرقة، أو وجد كهيئة اللقطة ولم يمكن كونه لمسلم.
(يختص منها قاتل بالسلب وخمس الباقي، فخمس للنبي)
(يصرف في مصالح ومن نسب لهاشم ولأخيه المطلب)
(لذكر أضعف ولليتامى بلا أب إن لم ير احتلاما)
(والفقراء والمساكين كما لابن السبيل في الزكاة قدما)
(وأربع الأخماس قسم المال لشاهد الوقعة للقتال)
(لراجل سهم، كما الثلاثه لفارس إن مات للوراثه)
(والعبد والأنثى وطفل يغني وكافر حضرها بإذن)
(إمامنا سهم أقل ما بدا قدره الإمام حيث اجتهدا)
(والفيء: ما يؤخذ من كفار في أمنهم كالعشر من تجار)
(فخمسه كالخمس من غنيمه والباق للجند، حووا تقسيمه)
[ ٩٢٢ ]
[اختصاص قاتل الحربي بسلبه]
أي: يختص من الغنيمة مسلم قاتل للحربي المقبل على القتال في الحرب بسلبه؛ وإن كان كل منهما رقيقًا، أو أنثى أو صغيرًا بقيده الآتي، سواء أشرطه له الإمام أم لا، وسواء أكان قتال الحربي معه أم مع غيره؛ لخبر «الصحيحين»: «من قتل قتيلًا فله سلبه»، وخبر أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ قضى بالسلب للقاتل) ولأن ذلك مسلوب من يد الحربي، وطمع القاتل يمتد إليه غالبًا.
وخرج ب (المسلم): الكافر، فلا سلب له وإن قاتل بإذن الإمام، ومثل القاتل: من ارتكب غررًا كفى به شر حربي في حال الحرب .. فيستحق سلبه؛ كأن قطع يديه أو رجليه، أو يدًا ورجلًا، أو قلع عينيه، أو أسره، فلو قتله غير من أسره .. فلا سلب له؛ إذا كفي بالأسر شره؛ بخلاف ما لو أمسكه واحد ومنعه الهرب، ولم يضبطه وقتله آخر فإنهما يشتركان في السلب؛ لأنه كفاية شره إنما حصلت بهما، أما إذا لم يرتكب غررًا في قتله؛ كأن قتله نائمًا، أو مشغولًا بأكل أو غيره، أو رماه من حصن أو صفنا .. فلا سلب له؛ لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر وهو منتف.
فإن كان المقتول صبيًا أو مجنونًا أو امرأة أو عبدًا لم يقاتل لم يستحق سلبه؛ لأن قتله حرام والحالة هذه.
(والسلب): ما يصحبه الحربي؛ من ثيابه الملبوسة، والخف والران، والطوق والسوار، والمنطقة والهميان، ودراهم النفقة، وآلات الحرب؛ كالدرع والسلام والمركوب وإن كان ماسكًا بعنانه وهو يقاتل راجلًا، وآلاته؛ كالسرج واللجام والجنيبة التي تقاد معه.
فلو كان معه جنائب قال أبو الفرج الزاز: لا يستحق إلا واحدة، قال الرافعي: وهل يرجع فيها إلى تعيين الإمام، أو يقرع بين الجنائب؟ فيه نظر؛ قال النووي: وفي التخصيص بجنيبة نظر، وإذا قيل به .. فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها، لأن كل واحد منها جنيبة قتيله فهذا هو المختار، بل الصواب بخلاف ما أبداه الرافعي، وما قاله الزاز نقله ابن الرفعة عن الشيخ أبي حامد والماوردي.
[ ٩٢٣ ]
ولا يدخل في السلب المهر التابع لمركوبه، ولا الحقيبة المشدودة على الفرس، ولا ما فيها من الأمتعة والدراهم، ولا لاغلام الذي معه.
[تخميس الباقي من الغنيمة بعد السلب]
ثم بعد السلب يخمس الباقي من الغنيمة بعد إخراج مؤنها- كأجرة الحمال- خمسة أقسام متساوية ويؤخذ خمس رقاع متساوية ويكتب على واحدة منها (لله) أو (للمصالح) وعلى أربع (للغانمين) ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج لكل قسم رقعة، فما خرج عليه سهم الله أو المصالح .. جعله بين أهل الخمس يقسم على خمسة، فتكون القسمة من خمسة وعشرين، ويقدم عليه قسمة ما للغانمين، لحضورهم وانحصارهم.
وتستحب القسمة بدار الحرب؛ كما فعل النبي ﷺ، بل تأخيرها إلى دار الإسلام بلا عذر مكروه.
بيان مصرف خمس الغنيمة]
أحد أخماس الخمس: للمصالح، وكان قبل ذلك للنبي ﷺ ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، ما فضل .. جعله في السلاح عدة في سبيل الله وسائر المصالح، وإضافته لله؛ للتبرك بالابتداء باسمه، وكان يملكه، لكن جعل نفسه فيه كغيره تكرمًا، ولا يورث عنه، بل يصرف بعده لمصالح المسلمين، كسد الثغور وعمارة الحصون، القناطر والمساجد، وأرزاق القضاة والعلماء والمؤذنين، ويجب تقديم الأهم فالأهم.
والثاني: لمن نسب من جهة الأب لهاشم ولأخيه المطلب، دون من نسب لعبد شمس ونوفل وإن كان الأربعة أولاد عبد مناف، لاقتصاره ﷺ في القسمة على بني الأولين مع سؤال بني الأخيرين له، رواه البخاري، وأما بنو هاشم فلأنه منهم، وأما بنو المطلب .. فلأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، حتى إنه لما بعث بالرسالة نصروه وذبوا عنه، بخلاف بني الأخيرين، بل كانوا يؤذونه.
أما من نسب لهما من جهة الأم .. فلا شيء له؛ لأنه ﷺ لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل منهما هاشمية، سواء في ذلك غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم،
[ ٩٢٤ ]
وقريبهم وبعيدهم/ والحاضر بموضع الفيء والغائب عنه؛ لعموم الآية، وللذكر ضعف ما للأنثى؛ لأنه عطية من الله تعالى، فيسحتق بقرابة الأب؛ كالإرث.
وقال الإمام: ولو كان الحاصل قدرًا لو وزع عليهم لا يسد مسدًا قدم الأحوج فالأحوج ولا يستوعب للضرورة.
والثالث: لليتامى؛ وهو صغير ذكرًا كان أو أنثى أو خنثى؛ أي: معسر لا أب له ولو كان له جد أو أم، أما صغره .. فلخبر: «لن يتم بعد احتلام» رواه أبو داودد وحسنه النووي، لكن ضعفه المنذري وغيره، وأما إعسره .. فلإشعار لفظ اليتم به، ولأن غناه بمال أبيه إذا منع استحقاقه، فغناه بماله أولى بمنعه، وأما فقد الأب .. فللوضع والعرف، فلو اختل شيء من الثلاثة .. لم يعط من سهم اليتامى.
والرابع: للفقراء والمساكين.
والخامس: لابن السبيل، وسبق بيان الثلاثة في قسم الصدقات.
قال الماوردي: ويجوز للإمام أن يجمع للمساكين بين سهمهم من الزكاة، وسهمهم من الخمس، وحقهم من الكفارات، فتصير لهم ثلاثة أموال.
قال: وإذا اجتمع في واحد يتم ومسكنة .. أعطي باليتم دون المسكنة؛ لأن اليتم وصف لازم، والمسكنة زائلة، ولا يجوز الاقتصار من كل صنف على ثلاثة، بل يعم كما في الزكاة إذا صرفها الإمام، للآية، ولو فقد بعضهم .. وزع سهمه على الباقين كالزكاة، ويجوز التفاوت بين آحاد كل صنف غير الثني؛ لأن استحقاقهم بالحاجة وهي تتفاوت، بخلاف الثاني لا تفاوت فيه بغير الذكورة والأنوثة كما مر، ولا يجوز الصرف لكافر، قال في «الكفاية»: إلا من سهم المصالح عند المصلحة.
ومن ادعى أنه فقير، أو مسكين، أو ابن سبيل .. قبل قوله بلا بينة، أو أنه قريب، أو يتيم .. لم يقبل قوله إلا ببينة.
[ ٩٢٥ ]
[قسمة الأخماس الأربعة للغانمين]
والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين؛ أخذًا من الآية، اقتصر فيها بعد الإضافة إليهم على إخراج الخمس، وهم: من شهد الوقعة لأجل القتال وإن لم يقاتل، حضر في ول القتال أو في أثنائه، ومن شهدها لا لأجل القتال وقاتل؛ كالأجير لحفظ أمتعة، والتاجر والمحترف، ومن شهدها غير كامل ولو الرضخ، ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال ولو قبل حيازة المال، ولو حضر قبل انقضائها .. فلا حق له فيما غنم قبل حضوره، وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة سهام؛ سهمان للفرس، وسهم له؛ للأتباع كما في «الصحيحين»، / فلا يزاد عليها وإن حضر بأكثر من فرس، كما لا ينقص عنها، فلو كان في سفينة ومعه فرس .. أعطيها أيضا؛ لأنه قد يحتاج إلى الركوب؛ نص عليه وحمله ابن كج على من بقرب الساحل، واحتمل أن يخرج ويركب، وإلا .. فلا معنى لإعطائه.
وفي «الروضة» عن صاحب «العدة» أنه لو ضاع فرسه، فأخذه غيره وقاتل عليه كان سهمه لمالكه؛ فإنه شهد الوقعة، ولم يوجد منه اختيار إزالة يده، فصار كما لو كان معه ولم يقاتل عليه.
ولو حضر اثنان بفرس مشترك بينهما .. فهل يعطى كل منهما سهم فرس أو لا يعطيان لها شيئًا، أو يعطيانه مناصفة؟ أوجه، قال النووي: لعل الثالث أصحها، وصححه السبكي فلو ركباه .. فيه وجه رابع، قال النووي: إنه حسن، واختاره ابن كج، وهو إن كان يصلح للكر والفر مع ركوبهما .. فلهما أربعة أسهم، وإلا فسهمان.
وسواء في ذلك الفرس العتيق؛ وهو عربي الأبوين، والبرذون؛ وهو عجميهما، والهجين، وهو العربي أبوه فقط، والمقرف؛ وهوالعربي أمه فقط؛ لصلاحية الجميع للكر ولافر، ويعتبر كونه جذعًا، أو ثنيًا، نبه عليه الرافعي في (المسابقة)
ولا يسهم لفرس مهزول، أو لا نفع فيه، لكونه كسيرًا أو هرمًا، أو صغيرًا أو ضعيفًا أو
[ ٩٢٦ ]
نحوها ولا لبعير وفيل وبغل وغيرها؛ لأنها لا تصلح للحرب صلاحية الخيل لها بالكر والفر اللذين تحصل بهما النصرة.
نعم؛ يرضخ لهما، ورضخ الفيل فوق رضخ البغل، ورضخ البغل فوق رضخ الحمار، ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة .. فحقه لوارثه؛ بناء على أن الغنيمة تملك بالانقضاء، ولو مات في القتال .. فلا شيء له، بخلاف موت فرسه حينئذ فإنه يستحق سهمه؛ لأنه متبوع والفرس تابع.
وللعبد والأنثى وطفل يغني، أي: ينفع في القتال، وكذا كافر حضر الوقعة بإذن إمامنا بلا أجرة .. سهم أقل ما بدا؛ أي: أقل من سهم راجل وإن كانوا فرسانًا، وهذا هو المسمى بالرضخ. قدره الإمام باجتهاده.
ويفاوت بين أهله بحسب نفعهم: فيرجح المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره، والفارس على الراجل، والمرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطاش على التي تحفظ الرحال، والأصل في ذلك: الاتباع، رواه في العبد الترمذي وصححه، وفي الصبي والمرأة البيهقي مرسلًا، وفي قوم من اليهود أو داوود بلفظ (أسهم) وحمل على الرضخ، ولأنهم ليسوا من أهل فرض الجهاد، ولكنهم كثروا السواد فلا يحرمون.
وأما المجنون .. فقال الماوردي: يرضخ له كالصبي، وقال الإمام: لا يرضخ له وفاقًا، قال الأذرعي: ولعل هذا الوفاق الذي ذكره إذا لم يكن له تمييز، فإن كان .. فقد يكون أجرأ وأشد قتالًا من العقلاء.
فإن لم يأذن الإمام للكافر .. فلا سهم له وإن أذن له غيره من الأجناد؛ لكونه متهمًا بموالاة أهل دينه، بل يعزره على ذلك أن أدى إليه اجتهاده، وإن أذن له بأجرة .. اقتصر عليها.
والمشكل والزمن والأعمى ونحوهم .. كالطفل في الرضخ.
وشمل تعبير ب (الكافر): المعاهد والمستأمن والحربي إذا حضروا بإذن الإمام، حيث تجوز الاستعانة بهم كالذمي، وقد قال الزركشي" إنه المتجه، قال: وأما المبعض ..
[ ٩٢٧ ]
فالظاهر أنه كالعبد، ويحتمل أن يقال: إن كانت مهايأة وحضر في نوبته .. أسهم له وإلا رضخ.
ولو زال نفص أهل الرضخ قبل انقضاء الحرب .. أسهم لهم، بل لو بان بعد انقضائها ذكورة الخنثى .. أسهم له.
ولا سلب ولا سهم ولا رضخ لمخذل، ولا مرجف، ولا خائن
[بيان الفيء]
والفيء: ما يؤخذ من كفار في أمنهم بلا قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب من منقول وعقار، كالعشر المأخوذ من التجار والجزية، وما أهدوه في غير الحرب، ومال ذمي مات بلا وارث، أو فضل عن وارثه، ومال مرتد قتل أو مات، فخمس مال الفيء يقسم كخمس مال الغنيمة كما تقدم، والباقي وهو الأربعة أخماس للأجناد المرصدين للجهاد.
ويستحب أن يضع الإمام دفترًا، وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفًا ويبحث عن حال كل واحد وعياله ما يحتاجون إليه، فيعطي كل واحد مؤنته ومؤنتهم، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، ومروءة السخص وضدها، ولا يثبت في الدفتر العميان والزمني، والصبيان والمجانين، والنسوة والعبيد، والكفار والجهلة بالقتال، ومن يعجز عنه؛ كالأقطع وشبهه.
وإذا طرأ على بعض المقاتلة مرض أو جنون يرجى زواله .. أعطي ولم يسقط من الدفتر، وإن لم يرج .. أسقط منه ويعطي، وإذا مات .. تعطى زوجته إلى أن تنكح، وأولاده إلى أن يستقلوا.
وقول الناظم: (قدمًا) ببنائه للفاعل أو المفعول، وألفه للإطلاق وقوله: (والعبد) وما عطف عليه بالجر عطفًا على (راجل) والألف في قوله: (اجتهدا) للإطلاق، وقوله (والباق) بحذف الياء للوزن
[ ٩٢٨ ]