فالمسابقة تعم المناضلة، وهي سنة إذا قصد بها التأهل للجهاد.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية، وفسر النبي ﷺ القوة فيها بالرمي؛ كما رواه مسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق) قال سفيان: (من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل)، وخبر أنس: كانت العضباء ناقة رسول الله ﷺ: "إن حقًا على الله تعالى ألا يرفع شيئًا من هذه الدنيا إلا وضعه"، وخبر سلمة بن الأكوع: خرج النبي ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون فقال: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا" رواه البخاري، وخبر: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" رواه الأربعة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، يروى: (سبق) بسكون الموحدة مصدرًا، وبفتحها؛ وهو المال الذي يدفع إلى السابق.
قال المزني: وهذا الباب لم يسبق الشافعي إلى تصنيفه.
(تصح في الدواب والشهام إن علمت مسافة المرامي)
(وصفة الرمي، سوا يظهر المال شخص منهما أو آخر)
(إن أخرجا فهو قمار منهما إلا إذا محلل بينهما)
(ما تحته كفء لما تحتهما يغنم إن يسبقهما لم يغرما)
[ ٩٥٥ ]
[ما تصح المسابقة عليه]
أي: تصح المسابقة على جنس من الدواب؛ كالخيل وهي الأصل؛ لأنها تصلح للكر والفر بصفة الكمال، ويلحق بها الغيل والإبل والحمار؛ كالخيل التي لم يسهم لها، ولا تصح على الطير كمسابقة الحمام، ولا على الصراع، وتصح المسابقة على السهام بأنواعها، سواء فيها السهام العربية وهي النبل، والعجمية وهي النشاب، والمسلات والإبر؛ كما جزم به في "أصل الروضة"، وكذا مزاريق ورماح، ورمي بأحجار باليد، وبالمقلاع ومنجنيق، وكل نافع في الحرب غير ما ذكر، لا علة صولجان وبندق، وسباحة وشطرنج وخاتم، ووقوف على رجل، ومعرفة ما بيده من الفرد والزوج؛ لأن هذه الأمور لا تنفع في الحرب.
[شروط صحة المسابقة]
وتصح على ما ذكر إن علمت مسافة الرمي بالذرعان، أو بالمشاهدة وهي الموضوع الذي يبدئان منه، والغاية التي ينتهيان إليها، ولو كان فيها عادة غالبة .. نزل العقد عليها، وقد الغرض طولًا وعرضًا، إلا أن يعقد بموضع فيه غرض معلوم .. فيحمل المطلق عليه.
ويشترط تساويهما في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو غايته .. لم يصح، ولا بد من إمكان سبق كل منهما؛ ليحصل غرض العقد، وتعيين المركوبين بالمشاهدة أو الوصف، والاستباق عليهما، وأن يمكنهما قطع المسافة، ولا يشترط بيان صفة الرمي من كونه مبادرة؛ بأن يبدر أحدهما بإصابة العدد المشروط، أو محاطة بأن تقابل إصابتهما، ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا .. استحق المال المشروط، والإطلاق محمول على المبادرة؛ لأنها الغالب.
ويتشرط بيان عدد نوب الرمي وعدد الإصابة، فإن بينا صفة الرمي في الإصابة من قرع؛ وهو إصابة الشن لا خدش له، أو خزق بالمعجمة والزاي؛ وهو أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق وهو أن يثبت فيه، أو مرق وهو أن ينفذ من الجانب الآخر .. اتبع، وإن أطلقا .. اقتضى القرع؛ لأنه المتعارف.
وسواء في صحة المسابقة على ما ذكر أظهر المال المعلوم الجنس والقدر والصفة أحد المتعاقدين؛ كقوله: (إن سبقتني .. فلك علي كذا، وإن سبقتك .. أحرزت مالي، ولا شيء
[ ٩٥٦ ]
لي عليك)، أو أخرج غيرهما؛ كقول الإمام أو غيره: (من سبق منكما .. فله في بيت المال كذا)، أو (له علي كذا).
وإن أخرج كل واحد منهما مالًا .. فهو قمار – بكسر القاف – محرم؛ لأن كل واحد منهما متردد بين أن يغنم وأن يغرم، والمقصود المال لا الركض والفروسية، إلا أن يكون معهما محلل ثالث ويكفي واحد ولو بلغوا مئة.
وشرط المحلل: أن يكون ما تحته من المركوب كفؤًا للمركوبين اللذين تحتهما، ويمكن أن يسبقهما، إن سبق .. أخذ مالهما جاءا معًا أو مرتبًا، وإن سبق .. لم يغرم شيئًا، وإن سبقاه وجاءا معًا .. فلا شيء لأحد، وإن جاء مع أحدهما وتأخر الآخر .. فمال هذا لنفسه، ومال المتأخر للمحلل وللذي معه؛ لأنهما سبقاه، وإن جاء أحدهما ثم المجلل ثم الآخر .. فمال الآخر للأول؛ لسبقه الاثنين، فالصور الممكنة ثمانية: أن يسبقهما وهما معًا، أو مرتبان، أو يسبقاه وهما معًا، أو مرتبان، أو يتوسط بينهما، أو يكون مع أولهما، أو ثانيهما، أو يجيء الثلاثة معًا.
والألف في قول الناظم: (يغرما) للإطلاق.
* * *
[ ٩٥٧ ]