وهي إثبات تصرف مضاف لما بعد الموت، يقال: أوصيت لفلان بكذا، وأوصيت إليه، ووصيته إذا جعلته وصيًا، وقد أوصى ابن مسعود فكتب: (وصيتي إلى الله تعالى وإلى الزبير وابنه عبد الله) رواه البيهقي بإسناد حسن.
وأركانها أربعة: موص، ووصي، وموصى فيه، وهو التصرف المالي المباح كما سيأتي، وصيغة كأن يقول: (أوصيت إليك)، أو (فوضت إليك)، أو (أقمتك مقامي)، أو (جعلتك وصيًا)، ويشترط القبول، وهل يقوم العمل مقامه؟ وجهان كالوكالة، ولا يعتد به في حياة الموصي، ولا يعتبر الفور بعد الموت، ولو رد في حياته وقبل بعد موته .. صحت، ولو رد بعد الموت .. بطلت.
(سن لتنفيذ الوصايا ووفا ديونه: إيصاء حر كلفا)
(ومن ولي ووصي أذنا فيه على الطفل ومن تجننا)
(إلى مكلف يكون عدلا وأم الاطفال: بهذا أولى)
[شروط الموصي]
أي: سن لتنفيذ الوصايا إن أوصى بشيء ووفاء ديونه؛ أي: ورد العواري والودائع والغصوب ونحوها إيصاء حر كله أو بعضه (كلفا) بأن يكون بالغًا عاقلًا، فإن لم يوص بها .. نصب القاضي من يقوم بها، ومحل سن الإيصاء برد المظالم إذا لم يعجز عنه في الحال، وإلا .. وجب كما استدركه النووي في "زوائد الروضة"، وذكر الشيخان أول الباب: أن من عنده وديعة، أو عليه حق لله تعالى، أو لآدمي .. يجب عليه أن يوصي به إذا لم يعلم به غيره، زاد في "الروضة": أن المراد علم من يثبت بقوله، قال في "المهمات": وهو
[ ٧٣٢ ]
غير كاف، فإن قول الورثة كاف في الثبوت مع أن المتجه: أن علمهم لا يكفي؛ لأنهم الغرماء، فلا بد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم، وأيضًا: فإنه يقتضي أن الشاهد الواحد لا يكفي، فإن الحق لا يثبت به وحده، لكن القياس تخريجه على قضاء الوكيل الدين بحضرة واحد، والصحيح: الاكتفاء به، وكذا الصحيح: الاكتفاء بإشهاد ظاهري العدالة مع أنه لا يثبت بهما. انتهى.
وخرج بـ (الحر) الرقيق، وبـ (المكلف) غيره، فلا يصح إيصاؤهما.
وسن الإيصاء من ولي؛ أب، أو جد أبي أب وإن علا، ومن (وصي أذنا) له بأن أذن له الولي في الإيصاء عن نفسه، أو عن الوصي على الطفل والمجنون؛ أي: والسفيه الذي بلغ كذلك .. فلا يصح الإيصاء على غيرهم مطلقًا، ولا عليهم من غير المذكورين ولو أمًا أو أخًا؛ لأنه لا يلي أمرهم فكيف ينيب فيه؟ !
ولا يصح الإيصاء على الطفل ونحوه من أبيه والجد حي بصفة الولاية؛ لأنه ولي شرعًا فليس للأب نقل الولاية عنه، أما الإيصاء بتنفيذ الوصايا ووفاء الديون ونحوها .. فيصح في حياة الجد، ويكون الوصي أولى منه.
ويجوز فيه التوقيت والتعليق؛ كقوله: (أوصيت إليك إلى بلوغ ابني)، أو (قدوم زيد)، فإذا بلغ أو قدم .. فهو الوصي؛ لأن الوصايا تحتمل الجهالات والأخطار، فكذا التوقيت والتعليق، ولأن الإيصاء كالإمارة، وقد أمر النبي ﷺ زيدًا على سرية وقال: "إن أصيب زيد .. بجعفر، وإن أصيب جعفر .. فعبد الله بن رواحة" رواه البخاري.
[شروط الموصى فيه]
وإنما يصح الإيصاء بالتصرف المالي المباح؛ كقضاء الديون، وتنفيذ الوصايا، وأمور الأطفال المتعلقة بأموالهم، فلا يصح الإيصاء بتزويجهم؛ لأن الوصي لا يتغير بلحوق العار بهم، فيتولاه من يعتني بدفع العار عنهم، فإن لم يكن .. فمن له النظر العام وهو الإمام، ولا بتزويج أرقائهم؛ لأن ولاية تزويجهم تبع للولاية على تزويج مالكهم، فإذا امتنع المتبوع .. فالتابع أولى.
[ ٧٣٣ ]
ولا يصح بعمارة بيع التعبد وكنائسه ونحوهما؛ لعدم الإباحة.
ولو قال: (أوصيت إليك)، أو (أقمتك مقامي في أمر أطفالي) ولم يذكر التصرف .. فله التصرف أيضًا.
[شروط الوصي]
وإنما يصح الإيصاء ممن ذكر فيما ذكر إلى مكلف يكون عدلًا ولو في الظاهر؛ أي: وكافيًا للتصرف الموصى به، فلا يصح الإيصاء إلى صبي ولا مجنون؛ لأنهما مولى عليهما، فكيف يليان أمر غيرهما؟ ! ولا إلى من فيه رق؛ لاستدعاء الإيصاء فراغًا وهو مشغول بخدمة سيده، ولأنه لا يتصرف في مال ابنه .. فلا يصح وصيًا لغيره كالمجنون، ولا إلى كافر من مسلم؛ إذ لا ولاية لكافر على مسلم.
ويصح إيصاء ذمي على أولاده الكفار إلى ذمي عدل في دينه؛ لجواز كونه وليًا على أولاده، ويصح أيضًا إيصاؤه إلى مسلم؛ كما تصح شهادة المسلم عليه، وقد ثبت له الولاية عليه؛ فإن الإمام يلي تزويج الذميات، ولا الإيصاء إلى فاسق؛ لما في الوصاية من معنى الأمانة والولاية، ولا الإيصاء إلى عاجز عن التصرف لسفه أو هرم أو نحوه.
وزاد المتولي وآخرون: عدم كونه عدوًا للمولى عليه.
وحصروا الشروط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي كونه بحيث تقبل شهادته عليه.
وهذه الشروط تعتبر عند الموت على الأصح؛ لأنه وقت التسلط على القبول كما أن الاعتبار في الوصية بحالة الموت، وكما أن الشاهد تعتبر صفاته عند الأداء، حتى لو أوصى إلى من خلا عن الشروط أو بعضها؛ كصبي ورقيق، ثم استكملها عند الموت .. صح، ويؤخذ منه ما قاله البلقيني: أنه لو أوصى إلى غير الجد وهو بصفة الولاية، ثم زالت ولايته عند الموت؛ كأن فسق .. صح، ولا يضر العمى، ويوكل فيما لا يتمكن من مباشرته.
وأم الأطفال بهذا؛ أي: بالإيصاء عليهم أولى من غيرها إذا اتصفت بالشروط؛ لأنها أشفق من غيرها، فالذكورة ليست شرطًا؛ لأن عمر أوصى إلى حفصة ﵄، رواه أبو داوود.
ولو أوصى إلى اثنين فصاعدًا: فإن كان في أمر ينفرد صاحب الحق بأخذه؛ كالودائع
[ ٧٣٤ ]
والعواري .. فلكل الانفراد، وإلا: فإن أثبت لكل الاستقلال؛ بأن قال: (أوصيت إلى كل منكما)، أو (كل منكما وصيي)، أو (أنتما وصياي) .. فلكل منهما الانفراد بالتصرف، وإن شرط اجتماعهما في التصرف أو أطلق .. فلا انفراد، ولو مات أحدهما، أو جن أو فسق، أو غاب أو رد .. نصب الحاكم بدلًا عنه، والمراد من الاجتماع: صدور التصرف عن رأيهما، لا تلفظهما بصيغ العقود معًا.
والوصاية جائزة، فللموسى عزل نفسه إلا أن يتعين، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، وله أن يوكل فيما لم تجر العادة بمباشرته لمثله.
وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه .. صدق الوصي بيمينه، وكذا لو ادعى الإسراف فيه ولم يعين قدرًا، وإن عينه .. نظر فيه وصدق من يقتضي الحال تصديقه.
ولو ادعى أنه باع ماله بلا حاجة ولا غبطة .. فالقول قول المدعي بيمينه، ولو ادعى الولي دفع ماله إليه بعد البلوغ أو الإفاقة أو الرشد .. لم يقبل قوله إلا ببينة.
والألف في قول الناظم: (كلفا) و(أذنا) و(تجننا) للإطلاق.
[ ٧٣٥ ]