هو لغة: الحبس، يقال: وقفت كذا؛ أي: حبسته، ويقال: أوقفته في لغة رديئة، وشرعًا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح.
والأصل فيه: خبر مسلم: "إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف.
وأركانه أربعة: واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة؛ وقد أشار إليها فقال ﵀:
(صحَّتُهُ مَن مَالِكٍ تَبَرَّعَا بِكُلَّ عّينٍ جَازَ أّن يُنتَفَعَا)
(بهَا مَعَ البَقَا مُنَجَّزًا عَلَى مَوجُودٍ ان تَملِيكُهُ تَأَهَّلاَ)
(وَوَسَطٌ وَآخِرٌ إِنِ انقَطَع فَهوَ إِلى أَقرَبِ وَاقِفٍ رَجَع)
(وَالشَّرط فِيمَا عَمَّ: نَفيُ المَعصِيه وَشَرطَ (لاَ يُكرَى) اتَّبِع، وَالتَّسوِيَه)
(وَالضَّدُّ وَالتَّقدِيمُ وَالتَّأخُّرُ نَاطِرُهُ يَعمُرهُ وَيُؤجِرُ)
(وَالوَقفُ لاَزِمٌ، وُمِلكُ البَارِي أَلوَقفُ، وَالمَسِجدُ كَالأَحرَارِ)
] أركان الوقف وشروطها [
الأول: الواقف، وشرطه: أن يكون مالكًا للتبرع في رقبة الموقوف، فلا يصح من الصبي والمجنون والولي في مالهما، ولا من المحجور عليه بالسفه والفلس، ولا من المستأجر والموصى له بالمنفعة مؤقتًا أو مؤبدًا.
الثاني: الموقوف، وشرطه: أن يكون عينًا معينة مملوكة قابلة للنقل يحصل منها عين، أو منفعة يستأجر لها غالبًا، فلا يصح وقف المنفعة المجردة، ولا وقف الجنين، ولا أحد عبديه، ولا وقف ما لا يملك، ولا وقف الحر نفسه، ولا وقف أم الولد والمكاتب
[ ٦٩٣ ]
والموقوف، وآلات الملاهي والكلب المعلم، ولا وقف الطعام والرياحين المشمومة، ولا وقف الدراهم والدنانير.
ويصح وقف العقار والمنقول، والشائع والمقسوم، والمصائد والعيون، والآبار للماء، والأشجار للثمار، والبهائم للبن والصوف والوبر والبيض والإنزاء، والعبد والمهر والجحش الصغار، والزَّمِن المرجوَّ الزوال.
] شروط الوقف [
وشروط الوقف أربعة:
الأول: التنجيز، فلو علق لفظًا كقوله: (إذا قدم فلان فقد وقفت كذا)، أو ضمنًا ويسمى منقطع الأول؛ كقوله: (وقفت على من سيولد لي)، أو (على مسجد سيبنى، ثم على الفقراء)، أو (على ولدي- ولا ولد له- ثم على الفقراء)، أو (على نفسي ثم على الفقراء) .. فسد.
الثاني: التأبيد؛ بأن يقف على من لا ينقرض؛ كالفقراء والعلماء، والمساجد والقناطر والربط، أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض؛ كزيد ثم الفقراء، فلو قال: (وقفت هذا سنة) مثلًا .. لم يصح، أما منقطع الوسط والآخر .. فسيأتي.
الثالث: الإلزام، فلو وقف بشرط الخيار أو أن يبيعه، أو أن يرجع فيه متى شاء، أو يحرم من شاء، أو يزيده أو يقدمه أو يؤخره .. لم يصح.
الرابع: بيان المصرف، فلو اقتصر على قوله: (وقفت كذا)، أو (وقفت على من أشاء) .. لم يصح.
الركن الثالث: الموقوف عليه: فإن كان شخصًا معينًا، أو جماعة معينين .. فالشرط أن يمكن تمليكه، فيصح على الذمي والمدرسة والمسجد والرباط، ولا يصح على الحربي والمرتد، ولا على الجنين إلا تبعًا، ولا على العبد نفسه، والوقف عليه مطلقًا .. وقف على سيده.
] صيغة الوقف [
الركن الرابع: الصيغة؛ نحو: (وقفت كذا على كذا)، أو (حبسته)، أو (سبّلته)، أو (جعلته وقفًا) أو (أرضي موقوفة)، أو (حبيسة)، أو (محبسة)، أو (مسبلة)، أو
[ ٦٩٤ ]
(تصدقت على فلان صدقة محرمة)، أو (محبسة)، أو (حبيسة)، أو (موقوفة)، أو (صدقة لا تباع ولا توهب)، أو (تصديق على فلان ما حيي، فإذا مات .. فعلى الفقراء).
ولو قال: (تصدقت) .. لم يحصل به الوقف، إلا أن يضيف إلى جهة عامة؛ كالفقراء وينوي الوقف فيحصل به.
وقوله: (جعلت البقعة مسجدًا) .. تصير به مسجدًا، والأصح: أن الوقف على معين يشترط فيه قبوله؛ نظرًا إلى أنه تمليك، فليكن متصلًا بالإيجاب؛ كالهبة.
والوقف إن انقطع وسطه؛ كـ (وقفت على أولادي ثم بهيمة- أو رجلٍ أو عبدِ فلانٍ نَفسِهِ- ثم الفقراء)، أو انقطع آخره؛ كـ (وقفت على أولادي) ولم يزد .. فهو إلى الأقربِ لواقفٍ يومَ الانقطاع رجع، فيصير وقفًا عليهم؛ لأن وضع الوقف القربة ودوام الثواب، وأوله موجود صحيح، فيدام سبيل الخير والصدقة على الأقارب أفضل؛ لما فيه من صلة الرحم.
والمعتبر قرب الرحم لا الإرث، فيقدم ابن البنت على ابن ابن الابن وعلى ابن العم، ويختص بفقرائهم على الأصح، لكن هل يختص بهم وجوبًا أو ندبًا؟ وجهان، أصحهما: أولهما؛ وهو قضية كلام الجمهور كما قال الأذرعي، فإن عدمت أقاربه .. فالمنصوص في "البويطي": أن الإمام يصرف ريعه إلى مصالح المسلمين، وقال سليم الرازي والمتولي وغيرهما: يصرف إلى الفقراء والمساكين.
ومحل ما ذكره: في منقطع الوسط إذا أمكنت معرفة أمد الانقطاع، أما إذا وقف على زيد ثم رجل مجهول ثم الفقراء .. فإنه بعد زيد يصرف إلى الفقراء، ولا أثر لهذا الانقطاع، صرح بذلك ابن المقري؛ أخدًا من تفريع "الروضة" كـ"أصلها" له على القول بصحة منقطع الأول.
] شرط صحة الوقف على الجهة العامة [
والشرط في صحة الوقف على جهة عامة: عدم المعصية؛ بأن كانت جهة قربة؛ كالمساكين والحجاج، والمجاهدين والعلماء والمتعلمين، والمساجد والمدارس، والربط والخانقات والقناطر، أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء.
فإن كانت جهة معصية؛ كعمارة الكنائس والبِيَع، وكتابة التوراة والإنجيل .. لم يصح؛ لأنه إعانة على معصية.
[ ٦٩٥ ]
] وجوب اتباع شرط الواقف [
واتبع أنت وجوبًا شرط الواقف ألاَّ يُكرى الموقوف أصلًا، أو أكثر من سنة مثلًا.
وأفتى ابن الصلاح بأنه إذا شرط ألاَّ ي﴾ جر أكثر من سنة، ولا يُورَد عقد على عقد فخرب، ولم تمكن عمارته إلا بإيجاره سنين .. أنه يصح إيجاره سنين بعقود متفرقة؛ لأن المنع حينئذ يفضي إلى تعطيله وهو مخالف لمصلحة الوقف، ووافقه السبكي والأذرعي، إلا في اعتبار التقييد بعقود متفرقة فرداه عليه.
وإذا شرط منه الإجارة وكان الوقف على جماعة .. تهايؤوا في السكن، وأقرع بينهم، قاله الجُورِي.
واتبع وجوبًا شرط الواقف: التسويةَ بين الذكور والإناث، والضد وهو تفضيل الذكور على الإناث أو عكسه، فلو أطلق .. حمل على التسوية، والتقديمَ؛ كتقديم البطن الأول على الثاني، والتأخرَ؛ كمساواته له كسائر شروطه.
] لزوم الوقف [
والوقف لازم، فلا يفتقر إلى قبض ولا إلى حكم حاكم به، ووظيفة ناظره الإجارة والعمارة، وتحصيل ريعه وقسمته، وحفظ أصوله وغلاته على الاحتياط، فإن عين له بعض هذه الأمور .. اقتصر عليه، ويجوز أن ينصب واحدًا لبعض هذه الأمور، وآخر لبعض آخر.
ولو نصب اثنين .. لم يستقل أحدهما.
ورقبة الموقوف ملك الباري ﷾؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي كالعتق، فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه، ومنافعه ملك للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره، والمساجد والجوامع كالأحرار؛ لأنها تملك ويوقف عليها.
والألف في قول الناظم: (ينتفعا) مبنياُ للمفعول أو الفاعل، و(تأهلا) للإطلاق، وقصر (البقا) للوزن، وقوله: (موجود ان) بدرج الهمزة للوزن، وقوله: (وشرطُّ) بالنصب ويجوز رفعه، وقوله: (والشرطُ) مرفوع بالابتداء، وما بعده معطوف عليه وخبره محذوف؛ أي: كذلك؛ أي: اتبع شرط الواقف فيها.
[ ٦٩٦ ]