الأصل في تحريم الشرب: قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية، وخبر «الصحيحين»: «كل شراب أسكر .. فهو حرام»، / وخبر مسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام».
والمشهور: أنها كانت مباحة في صدر الإسلام، وقبل: بل كان المباح الشرب، لا ما ينتهي إلى السكر المزيل للعقل؛ فإنه حرام في كل ملة؛ حكاه ابن القشيري في «تفسيره» عن القفال، ثم نازعه وقال: توار الخبر حيث كانت مباحة بالإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل، وكذا قال النووي في «شرح مسلم» قال: وأما ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرمًا .. فباطل لا أصل له. انتهى.
وعلى هذا فهل كانت إباحتها لهم باستصحاب لحلها في الجاهلية، أو شرع مبتدأ؟ على وجهين، أشبههما في «الحاوي» و«البحر» الأول.
وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد، وهي بإجماع: المتخذة من عصير العنب، وهل تقع على سائر الأنبذة؟ وجهان، وقال الرافعي: والأكثرون على أنه لا يقع عليها حقيقة؛ بناء على أن اللغة لا تثبت بالقياس.
(يحد كامل بشرب مسكر بأربعين جلدة، وعزر)
(إلى ثمانين أجز، والعبد .. بنصفه، وإنما يحد)
(إن شهد العدلان أو أقرا .. لا نكهة وإن تقيا خمرًا)
فيها أربع مسائل:
[ ٩٠٩ ]
[ما يعتبر لجلد الشارب أربعين جلدة]
الأول: يحد الكامل؛ أي: البالغ العاقل المختار، العالم بالتحريم، الملتزم للأحكام؛ لشرب مسكر جنسه من خمر وغيره، وإن لم يسكر القدر المشروب منه؛ بأن يضربه الإمام أربعين جلدة بسوط أو غيره؛ ففي خبر مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه قال: (جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا احب إلى) وفيه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين)
وهذا في الحر، أما غيره .. فعلى النصف من ذلك كما سيأتي، وفي معنى شربه: أكله؛ بأن كان ثخينًا، أو أكله بخبز، أو طبخ به لحمًا وأكل مرقه، فخرج بذلك أكل اللحم المطبوخ به؛ لذهاب العين فيه، وأكل أو شرب ما اختلف به واستهلك هو فيه، وكذا الاحتقان والاستعاط؛ لأن الحد للزجر ولا حاجة فيهما إلى الزجر؛ وخرج الصبي والمجنون والمكره على تناوله.
وخرج ب (العالم بالتحريم) من جهله؛ لقرب عهده بالإسلام، أو نشئه بعيدًا عن العلماء فلا حد عليه؛ لجهله، وب (ملتزم الأحكام) أي: أحكام الشرب وغيره: الكافر فلا يحد به، لأنه لم يلتزم تحريمه، وب (ما يسكر جنسه): غيره كالدواء المجنن فلا حد بتناوله؛ لأنه لا يلذ ولا يطرب، ولا يدعو قليله إلى كثيره، بل يعزر به.
والأصح: تحريم شرب المسكر لدواء أو عطش إذا لم يجد غيره، بخلاف شرب البول والدم لهما؛ لعموم النهي عن شرب المسكر من شأنه إزالة العقل؛ لأن بعضه يدعو إلى بعض؛ ولأنه يثير العطش بعد وإن سكنه في الحال، وعلى هذا يحمل خبر: «إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» رواه ابن حبان وصححه، هذا إن لم ينته به الأمر إلى الهلاك، وإلا فيتعين شربه؛ كما يتعين على المضطر أكل الميتة، نقله الإمام عن إجماع الأصحاب.
[ ٩١٠ ]
ولا حد في الشرب للتداوي والعطش وإن قلنا بالتحريم؛ لشبهة الخلاف في حل شربه، ومن غص بلقمة .. وجب عليه إساغتها بخمر إن لم يجد غيرها ولا حد.
ويعتبر في السوط اعتداله في حجمه؛ فيكون بين القضيب والعصا؛ وفي صفته؛ فلا يكون رطبًا يشق لجلد بثقله، ولا شديد اليبوسة فلا يؤثر، وفي معنى السوط: الخشبة المعتدلة، والنعل واليد، وطرف الثوب، ويفرق الضرب على الأعضاء، إلا المقاتل كثغرة النحر والفرج ونحوهما، والوجه؛ لخبر مسلم: «إذا ضرب أحدكم .. فليجتنب الوجه» ولأنه مجمع المحاسن فيعظم أثر شينه بخلاف الرأس.
ولا تشد يداه، بل يتركان طلقتين حتى يتقي بهما، ولا تجرد ثيابه، بل يترك عليه قميص أو قميصان دون جبة محشوة أو فروة، ويوالى الضرب عليه بحيث يحصل زجر وتنكيل ولا يحد حال سكره، بل يؤخر إلى أن يفيق، ليرتدع.
[جواز بلوغ الضرب ثمانين إذا رآه الإمام]
الثانية: إذا رأى الإمام بلوغ ضرب الحر ثمانين. جاز؛ كما مر فعله عن عمر رضي الله تعالى عنه، ورآه علي رضي الله تعالى عنه، قال: (لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر .. هذى، وإذا هذي .. افترى، وحد الافتراء: ثمانون) والزيادة تعزيرات لجنايات تولدت من الشارب، وإلا لما جاز تركها.
[حد الرقيق]
الثالثة: حد الرقيق؛ أي: والمبعض: عشرون جلدة على النصف من حد الحر كنظائره، فلو رأى الإمام بلوغه أربعين .. جاز؛ لما مر في الحر.
[حد الشارب بشهادة عدلين أو إقراره]
الرابعة: إنما يحد شارب المسكر إن شهد عدلان بالشرب أو أقر به، ولا يحتاج إلى تفصيلهما؛ بأن يقولا، أو يقول هو مختارًا عالمًا به؛ لأن إضافة الشرب إليه قد حصلت، والأصل عدم الإكراه وغلبة العلم بما يتناوله؛ كما في البيع ونحوه، ويخالف الزنا؛ فإن
[ ٩١١ ]
مقدماته قد تسمى زنًا، كما في خبر: «العينان تزنيان» فاحتيط فيه.
وذكر الشيخ أبو حامد في «تعليقه» طريقًا ثالثًا، وهو: أن يعلم شربه من إناء شرب منه غيره فسكر، وعليه نص الشافعي ﵁ في «الأم» و«المختصر» قال الرافعي: وليكن هذا مبنيًا على القضاء بالعلم، قال الأذرعي: ليس الأمر كما تخيله الرافعي.
ومراد الشيخ أبي حامد: ما ذكره أصحابه وأتباعه؛ كالمحاملي وسليم الرازي والدارمي: أنه إنما يجب الحد على الشارب بثلاثة أشياء؛ يعني بأحدها: أن يعترف بشرب المسكر، أو تقوم عليه بينة بذلك، أو بأنه شرب شرابًا شربه غيره فسكر، فلا يحد بنكهة، أي: ريح فمه، وسكر، وقيء لمسكر، لاحتمال أن يكون غالطًا، أو مكرهًا.
والألف في قول الناظم: (أقرأ) للإطلاق.
[ ٩١٢ ]