هذا هو المشهور، وقد استعمله المصنف أيضًا فيما يأتي، ويقال فيهما أيضًا: خسوفان وكسوفان، وفي الأول: كسوف، وفي الثاني: خسوف.
(ذي ركعتان، وكلا هاتين حوت ركوعين وقومتين)
(يسن تطويل اقترا القومات وسبحه الركعات والسجدات)
(والجهر في قراءة الخسوف لقمر، والسر في الكسوف)
(وخطبتان بعدها كالجمعة قدم على فرض بوقت وسعه)
فيها خمس مسائل:
[صلاة الخسوف والكسوف ركعتان]
الأولى: هذه الصلاة ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان كما فعلها ﷺ، وهي سنة مؤكدة، فيحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ (الفاتحة)، ثم يركع ثم يرفع، ثم يقرأ (الفاتحة)، ثم يركع ثم يعتدل، ثم يسجد السجدتين، ويأتي بالطمأنينة في محالها، فهذه ركعة، ثم يصلى ثانية كذلك، هذا أقلها كما في "الروضة" و"أصلها"، ولا تجوز زيادة ركوع لتمادي الكسوف ولا نقصه للانجلاء، ولا إعادة للصلاة إذا بقي الكسوف على الأصح في الجميع، وما في رواية مسلم: (أنه ﷺ صلاها ركعتين في كل ركعة ثلاثة ركوعات)، وفي أخرى له: (أربعة ركوعات)، وفي رواية أبي داوود وغيره خمسة ركوعات .. أجاب الأئمة عنها بأن رواية الركوعين أشهر وأصح فقدمت.
[ ٤٠١ ]
وما في حديثي أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ صلاة ركعتين) أي: من غير تكرير ركوع كما قاله أبو حنيفة .. قال في "المجموع": أجاب عنهما أصحابنا بجوابين:
أحدهما: أن أحاديثنا أشهر وأصح وأكثر رواة.
والثاني: أنا نحمل أحاديثنا على الاستحباب، والحديثين على بيان الجواز.
قال: ففيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها .. صحت، وكان تاركا للأفضل.
ولا ينافى هذا ما مر من امتناع نقص ركوع منها؛ لأنه بالنسبة لمن قصد فعلها بالركوعين، ومن أدرك الإمام في الركوع الأول من ركعة .. أدركها، أو في غيره .. لم يدرك شيئًا منها.
وفي "المجموع" عن "الأم": أن من صلى الكسوف وحده ثم أدركها مع الإمام .. صلاها معه.
وتفوت صلاة كسوف الشمس بالانجلاء؛ لأنه المقصود بها، وقد حصل، ولو انجلى بعضها .. فله الشروع في الصلاة للباقي كما لو لم ينكسف إلا ذلك القدر، ولو حال سحاب وشك في الانجلاء .. صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف، فلو كانت تحت غمام وظن الكسوف .. لم يصل حتى يتيقن، وبغروبها كاسفة؛ لعدم الانتفاع بها بعد الغروب.
وتفوت صلاة خسوف القمر بانجلائه كما مر، وبطلوع الشمس؛ لعدم الانتفاع به بعد طلوعها، ولا تفوت بطلوع الفجر؛ لبقاء الانتفاع به.
[الأكمل في صلاة الكسوف]
الثانية: الأكمل في هذه الصلاة: تطويل قراءة المقومات وتسبيح الركوعات والسجودات، فيقرأ في القيام الأول بعد (الفاتحة) وما يتقدمها من دعاء الافتتاح والتعوذ: (البقرة) أو قدرها إن لم يحسنها، وفي الثاني: كمئتي آية منها، والثالث: مئة وخمسين منها، والرابع: مئة منها تقريبًا، وفي نص آخر: في الثاني: (آل عمران) أو قدرها، وفي الثالث: (النساء) أو قدرها، وفي الرابع: (المائدة) أو قدرها وهما متقاربان، والأكثرون على الأول.
ويسبح في كل من الركوع والسجود الأول قدر مئة آية من (البقرة)، والثاني ثمانين،
[ ٤٠٢ ]
والثالث سبعين، والرابع خمسين تقريبًا، ويقول في الرفع من كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، قال في "المجموع": إلى آخره، روى الشيخان عن ابن عباس قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى- قال مسلم: والناس معه- فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة "سورة البقرة"، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس).
ورويا أيضًا عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أنه قرأ في القيام الثاني قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، وأنه قال في الرفع من الركوعين: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".
وتطويل السجدات ثبت في "الصحيحين" في صلاته صلى الله عليه وسلك لكسوف الشمس من حديث أبي موسى ولفظه: (فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله في صلاته)، ومن حديث عائشة ﵂ ولفظها في "صحيح البخاري" في الركعة الأولى: (فسجد سجودًا طويلًا)، وفي الثانية: (ثم سجد وهو دون السجود الأول) وفي "صحيح مسلم": (ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدت سجودًا قط أطول منه).
وخرج بما ذكره: الجلوس بين السجدتين والاعتدال من الركوع الثاني فلا يطولهما.
وتسن الجماعة فيها، وتسن للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، كما ذكره في "المجموع".
[استحباب الجهر في قراءة الخسوف والإسرار في الكسوف]
الثالثة: يسن الجهر في قراءة صلاة خسوف القمر، والإسرار في قراءة صلاة كسوف الشمس؛ لأن الأولى ليلية والثانية نهارية لها مثل من صلاة الليل، وما روى الشيخان عن عائشة
[ ٤٠٣ ]
﵂: (أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته)، والترمذي عن سمرة قال: (صلى بنا النبي ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا) وقال: حسن صحيح .. قال في "المجموع": يجمع بينهما بأن الإسرار في كسوف الشمس، والجهر في كسوف القمر، وقد ذكر ابن حبان في كتابه "الثقات": أن القمر خسف في السنة الخامسة من الهجرة في جمادى الآخر، فصلى النبي ﷺ صلاة الخسوف، وروى الدارقطني أنه ﷺ صلى لخسوف القمر، وقال في "الكفاية": حكاه عنه عبد الحق ولم يعترضه.
[استحباب خطبتين بعدها]
الرابعة: يسن بعدها خطبتان؛ للاتباع، رواه الشيخان، كالجمعة؛ أي: كخطبتي الجمعة في أركانهما وفي الإسماع والسماع، وكون الخطبة عربية، ويندب أن يحث الناس فيهما على التوبة والخير، ويحرضهم على الإعتاق والصدقة، ويحذرهم الغفلة والاغترار، ويخطب إمام المسافرين، ولا يخطب المنفرد ولا إمامة النساء، ولو قامت واحدة ووعظتهن .. فلا بأس.
وأفهم كلامه كغيره: أنه لا تجزئ خطبة واحدة، وهو كذلك.
[اجتماع الكسوف مع فرض عيني واتسع الوقت]
الخامسة: لو اجتمع كسوف وفرض عيني من جمعة أو غيرها واتسع وقته لفعله بعد صلاة الكسوف- وهذا معنى قوله: (بوقت وسعه) أي: وسع الوقت الفرض- قدم أنت الكسوف عليه ندبًا؛ لخوف فواته بالانجلاء، ولأنه لا يقضى.
قال الشافعي رضى الله تعالى عنه في "الأم": وإذا بدأ بالكسوف قبل الجمعة .. خففها؛ فقرأ بـ (الفاتحة) و(قل هو الله أحد) وما أشبهها، ثم يخطب الجمعة متعرضًا للكسوف، كما
[ ٤٠٤ ]
أنه ﷺ استسقى في خطبة الجمعة، ثم يصلى الجمعة، ولا يحتاج إلي أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الجمعة والكسوف معًا؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف؛ فإنه يقصدهما بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.
قال النووي في "مجموعه": وفيه نظر؛ لأن السنتين إذا لم تتداخلا .. لا تصح نيتهما بفعل واحد؛ كسنة الصبح والضحى، بخلاف سنة الصبح والتحية.
قال السبكي: وكأنهم اغتفروا ذلك في الخطبة؛ لحصول القصد بها بخلافه في الصلاة.
وخرج بقوله: (بوقت وسعه): ما لو خيف فوت الفرض؛ فإنه يقدمه وجوبًا لتعينه ولضيق وقته، ففي الجمعة يخطب لها ثم يصليها ثم يصلى الكسوف ثم يخطب لها، فلو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت صلاة الجنازة وإن خيف فوات غيرها؛ لما يخشى من تغير الميت بتأخيرها، ولأنها فرض كفاية، ولأن فيها حق الله تعالى وحق الآدمي، وإن اجتمع فرض وجنازة ولم يضق وقته .. قدمت الجنازة، وإن ضاق .. قدم، ولو اجتمع خسوف ووتر .. قدمت صلاة الخسوف وإن خيف فوات الوتر؛ لأنها آكد.
وقول المصنف: (اقترا) بالقصر للوزن.
[ ٤٠٥ ]