هي: تمييز الحصص بعضها عن بعض، والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية، وخبر: "الشفة فيما لم يقسم"، (وكان ﷺ يقسم الغنائم بين أربابها) رواه الشيخان، والحاجة داعية إليها، فقد يتبرم الشريك من المشاركة، ويقصد الاستبداد بالتصرف.
(يجبر حاكم عليها الممتنع في متشابه وتعديل شرع) (إن لم يضر طالبًا للقسمة وقسم رد بالرضا والقرعة) (وينصب الحاكم حرا ذكرا كلف عدلًا في الحساب مهرا) (ويشرط اثنان إذا يقوم وحيث لا تقويم فرد يقسم)
الأعيان المشتركة قسما:
[قسمة ما يعظم الضرر بقسمته]
أحدهما: ما يعظم الضر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين، وزوجي خف، إن طلب الشركاء كلهم قسمته .. لم يجبهم القاضي، ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته؛ كسيف يكسر، بخلاف ما تبطل منفعته .. فإنه يمنعهم؛ لأنه سفه، وما يبطل نفعه بالمقصود؛ كحمام وطاحونة صغيرين .. لا يُجاب طالب قسمته، ولم يجبر عليها الآخر؛ لوجود الضرر.
[قسمة ما لا يعظم الضرر بقسمته]
وما لا يعظم ضرره .. قسمته أنواع ثلاثة:
[قسمة الإفراز]
أحدها: قسمة المتشابهات بالأجزاء؛ كمثلي من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها، ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فتعدل السهام كيلًا في المكيل، أو وزنًا في الموزون،
[ ٩٨٣ ]
أو ذرعًا في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت؛ كأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويكتب في كل رقعة اسم ريك، أو جزء مميز بحد أو جهة، وتدرج في بنادق، ثم تجعل الرقاع في حجر من لم يحضرها حين الكتابة والإدراك، ثم يخرج رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء، فيعطي لمن خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيعطي ذلك الجزء، ويفعل ذلك في الرقعة الثانية فيخرجها على الجزء الثاني، أو على اسم عمرو، ويتعين الثالث للباقي إن كانت أثلاثًا.
وتعيين من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوط بنظر القاسم، فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس في أرض .. جزئت الأرض على أقل السهام وهو السدس، فتكون ستة أجزاء، وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد، وهو في غي الأقل في كتابة الأجزاء في ست رقاع إذا بدئ بصاحب السدس، وخرج على اسمه الجزء الثاني أو الخامس، فنتفرق حصة غيره، فيبدأ بمن له النصف مثلًا، فإن خرج على اسمه الجزء الأول أو الثاني .. أعطيهما والثالث، ويثني بصاحب الثلث، فإن خرج على اسمه الجزء الرابع .. أعطيه والخامس، وتعيين السادس لصاحب السدس.
وفي كتابة الأسماء زيد وعمرو وبكر في ثلاث رقاع أو ست، إن خرج اسم بكر صاحب السدس على الجزء الأول .. أخذه، وإن خرج على الثاني اسم عمرو صاحب الثلث .. أخذه مع الثالث، وتعينت الثلاثة الباقية لزيد صاحب النصف، ولا يخفى الحكم لو خج اسم زيد قبل عمرو، أو اسم أحدهما أولًا وتوسط بينهما اسم بكر، ولا تفريق لحصتهما في ذلك.
[قسمة التعديل]
ثانيها: قسمة التعديل؛ بأن تعدل السهام بالقيمة؛ كأرضٍ تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إثبات وقرب ماء، فإذا كانت لاثنين نصفين وقيمة ثلثها المشتمل على ما ذكر كقيمة ثلثيها الخالي عن ذلك .. جعل الثلث سهمًا والثلثان سهمًا، وأقرع بكتابة الاسمين أو الجزأين نحو ما تقدم، فمن خرج له جزء .. أخذه.
ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين لاثنين بالسوية فطلب جعل كل منهما لواحدٍ .. فلا إجبار في ذلك، تجاور ما ذكر أو تباعد؛ لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية.
ولو اشتركا في دكاكين صغار متلاصقة لا تحتمل آحادها القسمة، فطلب أحدهما قسمتها أعيانًا .. فالأصح: الإجبار، أو استوت قيمة عبيدٍ، أو ثياب من نوع .. اجبر الممتنع؛ لقلة اختلاف الأغراض فيها، أو نوعين كعبدين تركي وهندي، أو ثوبين إبريسم وكتان .. فلا إجبار في ذلك.
[ ٩٨٤ ]
[قسمة الرد]
ثالثها: قسمة الرد؛ كأن يكون في أحد الجانبين من الأرض بئر، أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يخرج له بالقرعة قسط قيمته، فإن كانت ألفًا وله النصف .. رد خمس مئة.
وقسمة المتشابهات إفراز بمعنى أنها تعين أن ما خرج لكل من الشريكين مثلًا هو الذي ملكه.
[إجبار الحاكم الممتنع على القسمة]
وكل من قسمة التعديل والرد بيع، ويجب الحاكم على القسمة الممتنع منها في قسمة المتشابهات وقسمة التعديل؛ إذ لا ضر عليه فيها، وإلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، وإنما دخلها الإجبار للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبرًا.
وإنما يجبر الحاكم الممتنع فيما ذكر إن لم تضر القسمة طالبها، فلو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى، والباقي لآخر يصلح للسكنى فطلبها .. لم يجبر الآخر؛ لأن طلبه تعنت بخلاف الآخر، وقسمة الرد لا إجبار فيها؛ لأن الزيادة المأخوذة لا شركة فيها، وإنما يقع الإجبار في المشترك، بل لابد من الرضا بعد خروج القرعة؛ لأنها بيع، والبيع لابد فيه من الرضا؛ كقولهما: (رضينا بهذه القسمة)، أو (بما أخرجته هذه القرعة).
ثم قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم أو منصوب الإمام.
[الشرط في القاسم]
ويشترط أن ينصب حرًا ذكرًا مكلفًا عدلًا في الحساب مهر؛ بأن يعلم المساحة والحساب؛ لأنه يلزم كالحاكم، وليوصل إلى كل ذي حق حقه.
قال الماوردي: وأن يكون نزهًا قليل الطمع حتى لا يدلس ولا يخون.
وأفهم كلام الناظم ككثير: أنه لا يشترط معرفته التقويم، قال ابن الرفعة: وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
ومنصوب الشركاء لا يشترط فيه العدالة والحرية؛ لأنه وكيل لهم، وقضيته: عدم اشتراط الذكورة أيضًا، وهو واضح، ومحكم كمنصوب الإمام.
[ ٩٨٥ ]
ويشترط للقسمة إذا كان فيها تقويم اثنان؛ لأنهما شاهدان بالقيمة.
نعم؛ إن جعل الإمام القاسم حاكمًا في التقويم .. جاز فيعمل فيه بعدلين، ويقسم بنفسه، وله أن يقضي فيه بعلمه، وحيث لا تقويم في القسمة .. فيكفي فيها قاسم واحد كالحاكم، سواءً أنصبه الإمام أم الشركاء، ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال، فإن لم يكن .. فأجرته على الشركاء، فإن استأجروه وسمى كل قدرًا .. لزمه، وإن أطلقوا المسمى .. فالأجرة موزعة على قدر حصصهم المأخوذة، لا بعدد رؤوسهم؛ لأنها من مؤن الملك كالنفقة.
والألف في قول الناظم: (مهرا) للإطلاق، والمهارة في الشيء: الحذق فيه.
* * *
[ ٩٨٦ ]