(وفيه ثمانية أبواب الباب الاول في المياه الطاهرة
(والمطهر للحدث والخبث (ح) هو الماء من بين سائر المائعات) أراد بالطهارة بعض أنواع الطهارة وهو الطهارة بالماء والا فمن شرطه ادراج التيمم في أبواب هذا الكتاب لانه إحدى
[ ٧٩ ]
الطهارات الا تري الي قول الشافعي ﵁ طهارتان فكيف يفترقان فلما افرده دل انه أراد الطهارة بالماء: ثم الاحكام المتعلقة بالطهارة تنقسم الي ما يجرى مجرى المقدمات كالقول في المياه والي ما يجرى مجرى المقاصد كالقول في نفس الوضوء والغسل فجعل من الابواب الثمانية اربعة في المقدمات واربعة في المقاصد ولهذا قال عند تمام الاربعة الاولي هذا قسم المقدمات: ثم الماء اما ان يكون معلوم الحكم أو لا يكون فان كان فهو اما طاهر أو نجس وان لم يكن فهو الذى
[ ٨٠ ]
يشكل ويشتبه حاله: ثم هو على التقديرين اما ان يكون في اناء يحفظ فيه ويستعمل منه أو لا يكون فجعل الباب الاول في المياه الطاهرة: والطاهر ينتظم الطهور وغيره والثاني في المياه النجسة والثالث فيما اشتبه حكمه والرابع فيما يعتوره من الاحكام باعتبار الظروف والاوانى * وقوله والمطر للحدث والخبث هو الماء من بين سائر المائعات فيه كلامان احدهما ان الخبث مرقوم في النسخ برقم ابي حنيفة رحمة الله عليه دون الحدث بناء علي ان المشهوران الطهورية مخصوصة بالماء في الحدث اجماعا لكنه في الخبث مختلف فيه بيننا وبينه: ولك ان تقول دعوى الاجماع في الحدث على اطلاقه لا يستقيم
[ ٨١ ]
لان نبيذ التمر عنده طهور في السفر عند اعواز الماء وإذا كان كذلك فلو جعل الرقم على قوله هو الماء ليشملهما جميعا لم يضر: الثاني لم قال من بين سائر المائعات ولم يقتصر على قوله والمطهر للحديث والخبث هو الماء والجواب انه لو اقتصر عليه لا شكل بالتراب فانه مطهر وليس بماء.
واعلم انه لو اراد تخصيص الطهورية في الحدث والخبث جميعا بالماء لما لزم هذا الاشكال لكنه لم يرد التخصيص في الفصلين جميعا وانما أراد التخصيص في كل واحد منهما فوجب الاحتراز: فان قلت ولم اختصت الطهورية بالماء: قلنا أما في الحدث فلقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) لولا اختصاص الوضوء
[ ٨٢ ]
بالماء لما نقل الي التراب الا بعد فقد ما يشارك الماء في الطهورية من المائعات ليأتي باكمل الطهارات واما في الخبث فلما نستوفي من الخلاف * قال (ثم المياه علي ثلاثة أقسام الاول الماء المطلق الباقي على اوصاف خلقته فهو طهور ومنه ماء البحر وماء البئر وكل ما نزل من السماء أو نبع من الارض) قوله ثم المياه يعني المياه الداخلة في هذا الباب وهى الطاهرة: وانما انقسمت الي ثلاثة اقسام لانها اما ان تبقى على اصل الخلقة أو لا تبقى وان لم تبق فلما ان يخرج بما تغير من الصفات عن أن يسمى ماء مطلقا أو لا يكون كذلك الاول الباقي على اوصاف خلقته فهو طهور لوقوع اسم مطلق الماء عليه واندراجه تحت النصوص
[ ٨٣ ]
الآمرة باستعمال الماء والمجوزة له.
وقد ورد في ماء البحر قوله ﷺ (البحر هو الطهور ماؤه)
[ ٨٤ ]
وفى ماء البئر انه توضأ من بئر بضاعة فان قلت لم اعتبر الاطلاق مع البقاء على اصل الخلقة حيث
[ ٩٠ ]
قال الماء المطلق الباقي على اوصاف خلقته ثم إذا اعتبر فكيف عد منه ماء البحر وماء البئر وهذا مقيد لا مطلق: فالجواب ان وصف الماء بالاطلاق قد تكرر في كلام الآئمة ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على اوصاف الخاتمة ومنهم من يفسره بالعاري عن القيود والاوصاف ويقول الماء ينقسم الي مطلق والي مضاف ثم من المضاف ما هو طهور كماء الكوز والبحر ومنه ما ليس بطهور كماء الزعفران وماء الشجر: فيجوز ان يقال أراد بالمطلق الباقي على اوصاف الخلقة وبه يشعر
[ ٩٤ ]
ظاهر كلامه في الوسيط وعلى هذا يكون تعقيب المطلق بالباقي على وصف الخلقة تفسيرا وبيانا للمعنى.
ويجوز أن يقال أراد العارى عن القيود والاضافات أي كل ما يسمى ماء من غير قيد فهو طهور وهذا لا ينافيه وقوع اسم الماء عليه مضافا بل تصح الاشارة إلى الماء المعين بأنه ماء
وبأنه ماء عين أو نهر وبهذا يظهر فساد تقسيم من قسم الماء إلى مطلق ومضاف لان المطلق يجوز
[ ٩٥ ]
أن يكون مضافا وبالعكس أيضا فيدخل أحد القسمين في الآخر فإذا عرفت ذلك فان اراد المعني الاول فهما شئ واحد فلا معنى لقول القائل لم اعتبر الاطلاق مع البقاء علي أصل الخلقة وان أراد المعنى الثاني فقد ذكرنا انه لا منافاة بين كونه مطلقا بهذا المعنى ومضافا ثم ليس ذلك علي سبيل
[ ٩٦ ]
اشتراط الاطلاق لان كل باق علي أصل الخلقة يقع عليه اسم الماء عريا عن الاضافة عن القيود والاوصاف فهو إذا ملازم للبقاء علي أصل الخلقة وانما هو اشارة الي أن المعني المقتضي للطهورية اطلاقه والدخول في النصوص على ما سبق ويتبين مما ذكرناه انه لو حذف لفظ المطلق لم يضر: قال (ولا يستثنى عنه الا الماء المستعمل في الحدث فانه طاهر (ح) غير مطهر على القول الجديد
[ ٩٧ ]
لتأدى العبادة به وانتقال المنع إليه: فالمستعمل في الكرة الرابعة طهور لعدم المعنيين: أما المستعمل في الثانية والثالثة أو في تجديد الوضوء أو في غسل الذمية إذا اغتسلت من الحيض ليحل للزوج غشيانها فيه وجهان لوجود أحد المعنيين دون الثاني) * استثناء المستعمل من الباقي على أوصاف الخلقة يبين انه ليس المراد من الاوصاف كل ما يصح وصف الماء به حتى الاضافات والاعتبارات والافانه قبل الاستعمال موصوف بانه غير مستعمل وبعده بانه مستعمل فلا يكون باقيا على الاوصاف
[ ٩٨ ]
كلها حتي يستثنى منه وانما المراد الصفات المعنوية ثم الاعتبار منها باللون والطعم والرائحة وهى المنظور إليها في التغير بالنجاسة كما سيأتي والصفات المعنوية باقية بحالها في المستعمل ثم هو غير طهور علي المذهب فوجب استثناؤه * وفقه الفصل أن الماء المستعمل في الحدث طاهر وفي رواية عن أبي حنيفة ﵀ هو نجس وبه قال أبو يوسف ﵀ * لنا وجهان أحدهما قال صلي الله
[ ٩٩ ]
عليه وسلم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير طعمه أو ريحه ولا تغير ههنا: والثانى
[ ١٠٠ ]
أن الصحابة فمن بعد هم كانوا يتوضؤن في ثيابهم ولا يحترزون عما يتقاطر إليهم وإلى ثيابهم: وهل هو طهور أم لا قال في الجديد لا لانهم ما كانوا يجمعون المياه المستعملة للاستعمال ثانيا ولو جاز الاستعمال لجمعوها كي لا يحتاجوا إلى التيمم: وحكي عن القديم انه طهور وبه قال مالك ﵀ لان الطهور ما يتكرر منه الطهارة كالقتول والشتوم من يتكرر منه الفعل ولانه ماء باق على اطلاقه فأشبه غيره: ومنهم من لم يثبت هذا القول وجزم بالجديد وسواء ثبت أم لا فالفتوى على الجديد: ثم ذكر الاصحاب في انه لم سقطت طهورية المستعمل معنيين أحدهما تأدى عبادة الطهارة
[ ١٠٥ ]
به والثاني تأدي فرض الطهارة به: فمن قال بالاول أسقط طهورية المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وتجديد الوضوء والمضمضة والاستنشاق وغسل الجمعة والعيدين وسائر مسنونات الطهارة والطهارة المسنونة وقالوا ببقاء الطهورية فيما اغتسلت به الذمية عن الحيض لتحل لزوجها المسلم إذ لا تصح منها العبادة: ومن قال بالآخر عكس الحكم واتفقوا علي انهما ليستا علتين مستقلتين والا لما صار بعضهم الي ثبوت الطهورية في هذه الصور وعلى انهما ليستا جزأي علة واحدة والا لما صار بعضهم إلى النفى وانما اختلفوا في ان المعنى هذا أو ذاك وكل واحد منهما ملائم: أما تأدي
[ ١٠٦ ]
العبادة فلان الآلة المستعملة في المقصود الحسي يورثها ضعفا وكلالا فكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي: وأما تأدى الفرض به فلان المراد منه رفع الحدث به أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع هو كما في وضوء صاحب الضرورة وذلك يقتضى تأثر الماء الا ترى أن غسالة النجاسة لما أثرت في المحل حتى لم يبق المحل كما كان قبل الغسل تأثرت هي بالاستعمال حتي لم تبق
[ ١٠٧ ]
كما كانت قبل الغسل يحكي هذا التقرير عن ابن سريج ويجوز أن لا يقدر لكل واحد من فريقي
الاصحاب التعليل بالمعنى الذى أبداه استقلالا بل يقول هؤلاء ما ذكرناه من المعنى واقع في موضع الاتفاق ملائم للحكم فلا يحذف عن درجة الاعتبار ويزعمون أن المعنى الثاني لغو: والآخرون يدعون مثل ذلك في المعني الثاني فينتظم الخلاف علي هذا التقدير أيضا *
[ ١٠٨ ]
واعلم ان ظاهر المذهب اعتبار أداء الفرض دون المعني الثاني حتى لا تسقط طهورية المستعمل في المرة الثانية واخواتها وتسقط في مسألة الذمية: والوجهان في الذمية مخصوصان بقولنا ان الذمية إذا أسلمت يجب عليها اعادة ذلك الغسل وهو الصحيح أما إذا قلنا لا تجب الاعادة عليها فهو مستعمل علي المعنيين لانه قد ارتفع به المنع من الوطئ وأفاد جواز العبادة به لو ارتفع مانع الكفر: وقوله في الاصل لتأدي العبادة به وانتقال كذلك يوجد في بعض النسخ بل في اكثرها وفي بعض النسخ المحدثة أو انتقال المنع إليه وشغف به جماعة من محصلى هذا الكتاب لما ذكرنا ان العلة غير مركبة من المعنبين: وانما اختلفوا في أن العلة ماذا ولا شك ان ما شرحناه من كلام الاصحاب واختلافهم يقتضي ذلك ولكن الواو واو قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر فالواقف علي حظ المعنى قد ينزل الواو على أو ولا يغير صورة الكتاب ونظيره يكثر في المذهب ثم الحدث ليس شيئا محققا يفرض انتقاله من البدن إلى الماء لكن المعنى ان باستعمال الماء يرتفع منع كان في البدن وهو انه كان ممنوعا من الصلاة وغيرها ويحدث منع في الماء لم يكن وهو أنه
[ ١٠٩ ]
لا يستعمل مرة أخرى فعبر عن ارتفاع منع وحدوث منع بالانتقال توسعا: وينبغي أن تعلم ان انتقال المنع الذى ذكره هو الذى عبر عنه غيره من الاصحاب باداء الفرض لان رفع الحدث فرض ولا نعنى بالفرض في مثل هذا ما يلحق الاثم بتركه بل ما لا بد منه ولذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبى الا علي وجه لا يعبأ به وباستعمال ما توضأ به البالغ لصلاة النفل: وعبارة اداء الفرض أوضح وأولى: قال (فروع ثلاثة (الاول) المستعمل في الحدث لا يستعمل في الخبث علي أحسن الوجهين
(الثاني) إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قلتين عاد طهورا علي أقيس الوجهين كالماء النجس (الثالث)
[ ١١٠ ]
إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناويا وخرج منه ارتفعت (و) جنابته وصار الماء مستعملا بعد الخروج والانفصال) اعلم انه يتفرع علي القول الجديد مسائل (احداها) المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث فيه وجهان قال الانماطي وابن خيران نعم لان للماء قوتين ولم يستوف الا أحداهما وقال الا كثرون وهو الاصح لا كما ان المستعمل في الحدث الاصغر لا يستعمل في الا كبر وبالعكس: ولا يقال الماء له قوتان ولم يستوف الا احداهما: ويجرى الوجهان في المستعمل في الخبث هل يستعمل في الحدث إذا فرعنا علي ان المستعمل في الخبث طاهر غير طهور وهو المذهب على ما سيأتي: ولك أن تقول إذا كان المستعمل في الخبث بحيث لا نحكم بنجاسته كان باقيا على أوصاف خلقته وهو غير طهور على الظاهر فيكون مستثني مع المستعمل في الحدث عن الماء الباقي على أوصاف الخلقة فكيف ساغ للامام ﵁ ان يقول ولا يستثنى عنه الا الماء المستعمل في الحدث (المسألة الثانية) إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قلتين هل يعود طهورا وجهان أصحهما نعم
[ ١١١ ]
لانه لو لم يعد الي الطهورية لقبل النجاسة وقد قال صلى الله عليه وعلي آله وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ولان الماء النجس المتفرق إذا جمع ولاتغير يعود طهورا فالمستعمل أولى لان النجاسة أقوى من الاستعمال ولانه صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يتأثر بالاستعمال فإذا عاد الي تلك الحالة يسقط حكم الاستعمال: والثاني لا يعود طهورا لان قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بماء الورد وسائر المائعات (الثالثة) إذا انغمس الجنب في ماء قليل ونوى نظر ان نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البدن فلاخلاف في انه يرتفع حدثه ويصير الماء مستعملا: أما ارتفاع الحدث فلوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النية: وأما الاستعمال فلاداء العبادة
[ ١١٢ ]
المفروضة به: وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله عنه فيه وجهان أحدهما لا: وإنما يثبت حكم الاستعمال بعد الانفصال الا ترى ان الماء مادام مترددا علي أعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله: والثاني وهو الاصح نعم وانما لا يحكم بالاستعمال ما دام الماء مترددا جاريا للحاجة إلى انغسال الباقي ولا ضرورة في حق غيره والماء منفصل عنه: فعلى هذا ليس لغيره ان يرفع به الحدث
[ ١١٣ ]
وعلي الاول يجوز: ولو خاص جنبان فيه ونويا معا بعد تمام الا نغماس ارتفع حدثهما على الوجهين: وان نوى الجنب قبل تمام الانغماس إما في أولى الملاقاة أو بعد غمس بعض البدن ففيه وجهان قال أبو عبد الله الخضرى لا ترتفع الجنابة الا عن أول الجزء الملاقي مع النية لان الماء يصير مستعملا بملاقاته فلا ترتفع الجنابة عن الباقي بخلاف ما إذا كان الماء واردا على البدن حيث لا يحكم باستعماله باول الملاقاة لاختصاصه بقوة الورود والاصح انه ترتفع الجنابة ولا يصير الماء مستعملا باول
[ ١١٤ ]
الملاقاة لانا انما لم نحكم بالاستعمال عند ورود الماء على البدن للحاجة إلى رفع الحدث وعسر إفراد كل موضع بماء جديد وهذا المعنى موجود سواء كان الماء واردا أو كان هو واردا على الماء: وإذا عرفت ذلك نشأ لك البحث والنظر في امور من الفاظ الكتاب في الفرع الثالث: أحدها ان مراده ما إذا نوى بعد تمام الانغماس اما إذا نوى قبله أم كلتا الحالتين أما اللفظ فهو شامل لهما والتزويل عليهما صحيح لما ذكر بانه لا خلاف في
_________________
(١) كذا في جميع النسخ وهو محل تأمل اه
[ ١١٥ ]
ارتفاع الجنابة في الحالة الاولى وان الصحيح في الحالة الثانية ايضا الارتفاع لكنه ما أراد الحالة الاولى وحدها لان قوله ارتفعت جنابته معلم بالواو ولا خلاف في ارتفاع الجنابة في تلك الحالة بقى احتمالان ارادة الحالة الثانية وحدها وعلامة الواو إشارة إلى وجه الخضرى واحتمال ارادتهما جميعا ويصح الاعلام بالواو أيضا لان الصائر إلى النفى في احدى الصورتين يخالف المثبت في
[ ١١٦ ]
الصورتين والاحتمال الثاني أقرب إلى اطلاق اللفظ والاول قضية ايراده في الوسيط (الثاني) انه لم قيد صورة الفرع بالخروج فقال إذا انغمس الجنب في ماء قليل وخرج: اعلم أن ارتفاع الجنابة لا يحتاج الي هذا القيد بل سواء خرج أو لم يخرج ترتفع الجنابة: وأما صيرورة الماء مستعملا ففى كلام الاصحاب ما يقتضى توقف الحكم بالاستعمال علي خروجه منه وهو مشكل لان المقتضي للاستعمال انه رفع
[ ١١٧ ]
الحدث فإذا ارتفع الحدث وجب أن يصير هو مستعملا سواء انفصل عن البدن أم لا هذا بالاضافة إليه وأما بالاضافة إلى غيره ففيه ما حكينا من الوجهين * وإذا عرفت ذلك فقد رتب على الانغماس والخروج شيئين ارتفاع الجنابة وصيرورة الماء مستعملا والاول مستغن عن شرط الخروج والثاني بتقدير أن يكون محتاجا إليه: ففى قوله بعد الخروج والانفصال ما يفيد التعرض لهذا الشرط
[ ١١٨ ]
فإذا قوله وخرج ضائع (الثالث) لم جمع بين لفظي الخروج والانفصال ظنى أن هذا مما يجرى به القلم لاعن قصد أو مما يقصد به البسط في العبارة ايضاحا وعلى التقديرين فلا يطلب لكل لفظة فائدة تخصها وان زعم زاعم أنه إذا لم يبق في الماء الا عضو واحد من المنغمس يسمى خارجا من الماء ولا يسمى منفصلا وحكم الاستعمال انما يثبت بعد الانفصال: قلت له هب انه كذلك
[ ١١٩ ]
لكن هذا وجه الحاجة إلى تعقيب الخروج بالانفصال فما الجواب عن قول القائل لم جمع بينهما وهلا اقتصر على الانفصال: قال (القسم الثاني ما تغير عن وصف خلقته تغيرا يسيرا لايزايله اسم الماء المطلق فهو طهور كالمتغير (و) بيسير الزعفران * وكذا المتغير بما يجاوره (و) كالعود والكافور الصلب
[ ١٢٠ ]
وكذا المتغير بما لا يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالطين والطحلب وكذلك المتغير بطول المكث والتراب والزرنيخ والنورة فان كل ذلك لا يسلب عنه اسم الماء المطلق وكذا المسخن والمشمس وفي
المشمس كراهية من جهة الطب إذا شمس في البلاد المفرطة الحرارة في الاواني المنطبعة) ذكرنا أن المتغير عن أوصاف الخلقة قسمان أحدهما المتغير الذى لا يسلب اسم الماء المطلق عنه: والثاني
[ ١٢١ ]
ما يسلب * أما القسم الاول فقد أدرج فيه أنواعا منها أن يكون التغير يسيرا وان كان المغير خليطا مستغنى عنه كالزعفران والدقيق ونحوهما فظاهر المذهب أنه لا يقدح في الطهورية لانه لا يبطل اسم الماء المطلق وفيه وجه أنه يقدح كالتغير بالنجاسة يسلب الطهارة سواء كان يسيرا أو فاحشا: ومنها أن يتغير بشئ يجاور الماء ولا يخالطه كالعود ونحوه: وهل يؤثر في سلب الطهورية فيه قولان أصحهما وهو الذى ذكره في الكتاب أنه لا يؤثر لان هذا النوع من التغير تروح لا يسلب
[ ١٢٢ ]
اطلاق اسم الماء كتغير الماء بجيفة ملقاة علي شط نهر: والثاني نعم لانه تغير بما يلاقى الماء فأشبه التغير بما يخالط: وفي معنى العود الدهن والشمع وما لا يختلط بالماء * والكافور نوعان أحدهما يذوب في الماء ويختلط به والثاني لا ينماع فيه فالاول كالدقيق والزعفران والثاني كالعود فلذلك
[ ١٢٣ ]
قيد الكافور باصلابة: ومنها أن يتغير بما لا يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالطين والطحلب والكبريت والنورة في مقر الماء وممره فهذا التغير لا يسلب الطهورية لوجهين أحدهما أن أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه والثاني عسر الاحتراز عنه: ومن
[ ١٢٤ ]
هذا القبيل المتغير بالتراب الذى يثور وينبث في الماء ويختلط به والمتغير بالزرنيخ * ومنها المتغير بطول المكث وهو علي طهوريته لما روى أنه ﷺ توضأ من بئر بضاعة وكان ماؤها كنقاعة الحناء وذلك التغير لا يمكن أن يكون بالنجاسة والا لما توضأ به فبعد
[ ١٢٥ ]
ذلك لا يخلو إما أن يكون بنفسه أو بشئ طاهر آخر ان كان بنفسه صح المدعى وان كان
[ ١٢٦ ]
بغيره فكذلك لان تغيره بنفسه أهون من تغيره بغيره فإذا لم يقدح الثاني فأولى ان لا يقدح
[ ١٢٧ ]
الاول * ومنها المسخن فهو علي طهوريته لبقاء اطلاق الاسم ولانهم تطهروا بين يدى رسول الله ﷺ بالماء المسخن ولم ينكر عليهم * ومنها المشمس وهو علي طهوريته كالمسخن
[ ١٢٨ ]
وهل في استعماله كراهية أم لا فيه وجهان أحدهما لا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ كماء الحياض والسواقي إذا تأثرت بالشمس وكما أن التسخين لا يؤثر في الكراهية: والثاني وهو
[ ١٢٩ ]
الاصح نعم لما روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نهاها عن التشميس وقال انه يورث البرص *
[ ١٣٠ ]
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال من
[ ١٣١ ]
اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلو من الا نفسه *
[ ١٣٢ ]
وكره عمر ﵁ المشمس وقال انه يورث البرص فان قلنا بالكراهية ففى محلها اختلاف منشؤه اشارة النقل بعد النهى إلى سببه وهو خوف الوضح فقال قائلون من أصحابنا انما يكره إذا خيف منه هذا المحذور وانما يخاف عند اجتماع شرطين أحدهما أن يجرى التشميس في الاواني المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس لان الشمس إذا أثرت فيها استخرجت
[ ١٣٣ ]
منها زهومة تعلو الماء ومنها يتولد المحذور: والثاني أن يتفق في البلاد المفرضة الحرارة دون الباردة
والمعتدلة فان تأثير الشمس فيها ضعيف: ولا فرق عند القائلين بهذه الطريقة بين أن يقع ذلك قصدا أو اتفاقا فان المحذور لا يختلف: وأيدوا طريقتهم بالمشمس في الحياض والبرك فانه غير مكروه بالاتفاق وانما كان ذلك لانه لا يخاف منه مكروه: وقال آخرون لا تتوقف الكراهية علي
[ ١٣٤ ]
خوف المحذور لا طلاق النهى والتعرض للمحذور اشارة إلى حكمته فلا يشترط حصولها في كل صورة وهؤلاء طردوا الكراهية في الاواني المنطبعة وغيرها كالخزفية وفى البلاد الحارة وغيرها واعتذروا عن ماء الحياض والبرك بتعذر الاحتراز: والطريقة الاولى أقرب إلى كلام الشافعي ﵁ فانه قال ولا أكره المشمس الا من جهة الطب أي انما اكرهه شرعا حيث يقتضى الطب محذورا فيه.
واستثنى بعضهم من المنطبعات الذهب والفضة لصفاء جوهرهما وبعد انفصال محذور
[ ١٣٥ ]
عنهما وإذا عرفت ذلك نعد إلى الفاظ الكتاب: واعلم أن قوله ما تغير عن وصف خلقته تغيرا يسيرا لا يزايله اسم الماء المطلق ليس المراد من اليسير سوى انه بحيث لا يزايله اسم الماء المطلق وتعقيبه به مذكور تفسيرا لليسير وان لم يكن كذلك وجرينا على ظاهر اللفظ لزم اشتراط كون التغير يسيرا لبقاء الطهورية في جميع المسائل المعدودة وليس كذلك بل التغير بطول المكث وما لا يمكن صون الماء عنه وبالمجاور
[ ١٣٦ ]
لا يفترق حكمه بين اليسير والفاحش وقوله وكذا المتغير بطول المكث والتراب والزرنيخ عطفه على المتغير بالطين والطحلب أحسن منه على المتغير بما يجاوره والمتغير بما لا يمكن صون الماء عنه ليكون تعذر الصور نوعا يدخل تحته المتغير بطول المكث وما لا يخلو الماء عنه في المقر والممر فمنه الطين والطحلب ومنه التراب الذى يثور وينتصر فيه * وأما الماء الذى يطرح فيه قصدا فقد ذكره من بعد: والاختلافات التى ذكرناها في المشمس تقتضي أن يكون لفظ الكراهية في قوله وفي
[ ١٣٧ ]
المشمس كراهية معلما بالواو والحاء والميم والالف وهو علامة أحمد ﵁ وأن يكون
قوله من جهة الطب معلما بالواو اشارة إلى خلاف من اتبع ظاهر النهى ولم تقف الكراهية على موضع خوف الوضح ولا بأس إأن يعلم قوله في الاواني المنطبعة بذلك أيضا اشارة الي استثناء من استثنى التبزين * قال (القسم الثالث ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى الماء عنه حتي زايله اسم الماء المطلق
[ ١٣٨ ]
فليس بطهور (ح) وان لم يستجد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير (ح) واجناسهما) * إذا بلغ تغير الماء حدا ينسلب به اسم الماء المطلق عنه خرج عن كونه طهورا ولا فرق بين أن يقع اسم الماء عليه مضافا إلى الخليط المغير كماء الزعفران والدقيق أو لا يقع ويحدث له أسم آخر كالصبغ والمرق والحبر خلافا لا بي حنيفة ﵁ في الحالة الاولي: لنا وجهان احدهما القياس على ماء الباقلاء ونحوه والثاني أن النصوص الواردة في طهورية الماء متعرضة لاسم الماء عريا عن القيود
[ ١٣٩ ]
والاضافات والكلام فيما انسلب عنه اسم الماء عريا عن القيود والاضافات فلا يلحق بمورد النص لظهور الفرق في خاصيته الرقة وغيرها: فان قيل النصوص متناولة للماء وماء الزعفران ماء: قلنا لا نسلمه بل الماء المضاف على ضربين منه ما يصح اطلاق اسم الماء عليه كماء البحر وماء الكوز: ومنه ما لا يصح كماء الورد وماء الباقلى فلم قلتم بأن ماء الزعفران من قبيل الاول لا من قبيل الثاني بل هو من الثاني فان التغير الفاحش يصح قول القائل هذا ليس بماء وانما هو ماء الزعفران
[ ١٤٠ ]
ولهذا لو حلف ان لا يشرب ماء فشرب ماء الزعفران لا يحنث وكان اسم الماء عريا عن القيود والاضافات غير موضوع للحقيقة المشتركة بين الماء وماء الزعفران بل كمالا يتفاحش تغير صفاته الاصلية والله أعلم: وهل يعتبر تغير اللون والطعم والرائحة جميعا أم يكفى تغير واحد منها ذكر الموفق بن طاهر في شرح مختصر الجوينى أن صاحب جمع الجوامع حكي فيه قولين اختار ابن
[ ١٤١ ]
سريج الثاني منهما وهو المشهور المتوجه: وحكي قولا آخر عن رواية الربيع أن التغير في اللون وحده وفى الطعم والرائحة معا يمنع الطهورية وفى احدهما لايمنع: وينبغي أن يتنبه من الفاظ الكتاب للاحتراز عن التغيرات التى لا تقدح: فقوله ما تفاحش تغيره يخرج عنه التغير اليسير وان كان
[ ١٤٢ ]
بخليط مستغني عنه: وقوله بمخالطة ما يستغني عنه يخرج عنه التغير بالمجاور وبما لا يمكن صون الماء عنه * قال (فرع ثلاثة) الاول المتغير بالتراب المطروح فيه قصدا فيه وجهان أظهرهما أنه طهور ويقرب منه الملح إذا طرح (و) في الماء فصدا لانه اجزاء سبخة من الارض بها يصير ماء البحر ما لحا
[ ١٤٣ ]
فيضاهى التراب: الثاني إذا تفتتت الاوراق في المياه وخالطتها ففيها ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين الربيعي والخريفى لتعذر الاحتراز عن الخريفي: الثالث لو صب مائع علي ماء قليل ولم يغيره فان كان بحيث لو خالف في اللون لتفاحش تغيره زالت الطهورية به وان كان أقل منه فهو طهور ويجوز استعمال الكل على الاظهر وقيل إذا بقى قدر ذلك المائع لم يجز استعماله) في المتغير بالتراب المطروح فيه قصدا وجهان: وقيل قولان: أحدهما أنه ليس بطهور لانه
[ ١٤٤ ]
تغير بمخالطة مستغنى عنه فاشبه التغير بالزعفران: والثاني وهو الاظهر انه على طهوريته لان التغير الحاصل بالتراب ليس إلا الكدورة وهى لا تسلب اسم الماء ولان التراب يوافق الماء في الطهورية ولان الشرع امر بالتعفير في ولوغ الكلب ولو سلب طرح التراب في الماء الطهورية لما امر به: واما المتغير بالملح المطروح فيه فينظر فيه ان كان الملح مائيا فوجهان أظهرهما انه طهور لانه منعقد من عين الماء كالجمد والثلج والثاني
[ ١٤٥ ]
لا وليس الملح عين الماء بل المياه نزلت عذبة من السماء ثم تختلط بها الاجزاء السبخات فتنعقد ملحا ولهذا لا يذوب في الشمس ولو كان منعقدا من الماء لذاب كالجمد: وان كان جبليا ترتب على المائي ان
سبلنا الطهورية تمة فههنا أولي وإلا فوجهان أظهرهما السلب أيضا لانه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء ومن لم يسلب زعم انه في الاصل كان ماء أيضا ولهذا يذوب في الماء وإذا اطلقت الكلام في
[ ١٤٦ ]
الملح فقل في التغير به ثلاثة أوجه ثالثها الفرق بين الجبلى والمائي تشبيها للمائي بالجمد واستبعد الامام الغزالي ذلك وقال لو كان كالجمد لذاب في الشمس ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدا لان ماء البحر ملح وملوحته من اجزاء سبخة في الارض تنتشر فيه فالملح إذا من اجزاء الارض فان حصل التغير به من غير قصد كماء البحر فهو طهور كالمتغير بالتراب من غير قصد وان
[ ١٤٧ ]
كان بقصد فهو على الخلاف كالمتغير بالتراب المطروح فيه قصدا وهذا معنى قوله في الكتاب ويقرب منه الملح إلى قوله فيضا هي التراب: ولك أن تقول الملح اما ان يكون فيه ما ينعقد من محض الماء أو لا يكون ان كان فتشبيهه بالجمد قوى ولهذا لو تغير الماء العذب بذلك الماء الملح لم يؤثر فكذلك التغير بالمنعقد منه: والقول بانه لو كان كالجمد لذاب في الشمس ممنوع على هذا التقدير
[ ١٤٨ ]
بل من المنعقد الماء ما يذوب ومنه ما لا يذوب وان لم يكن فيه ما ينعقد من محض الماء بل كان كل ملح من اجزاء الارض فانما يتضح تشبيه الخالف فيه بالخلاف في التراب أن لو جرى ذلك الخلاف في جميع اجزاء الارض وليس كذلك بل نص الاصحاب على أنه لا يجرى في الجص والنورة وغيرهما واستبعدوا خلاف من خالف فيه: وإذا كان كذلك فما الفرق بين الجص والملح وكل واحد منهما ليس بتراب: وقوله وبها يصير ماء البحر مالحا ربما تجد في بعض النسخ ملحا: ولا شك في انه افصح في اللغة قال الله تعالى (وهذا ملح أجاج) وورد المالح في لفظ الشافعي ﵁ واعترض عليه
[ ١٤٩ ]
معترضون وزعموا انه لا يصح في اللغة وأجاب الاصحاب عنه وصححوه هذا أحد الفروع * الثاني الاوراق إذا تناثرت في الماء وتروح الماء بها من غير أن يعرض لها عفونة واختلاط فهذا ماء
متغير بشئ مجاور فيبقى على طهوريته على أظهر القولين كما سبق وان تعفنت واختلطت به ففيه ثلاثة اوجه أظهرها انه لا يسلب الطهورية كالمتغير بالطين والطحلب وسائر ما يعسر الاحتراز عنه: والثاني يسلب كسائر المتغيرات التى تلحق بالماء من خارج: والثالث وبه قال أبو زيد المروزى لا يسلب التغير بالخريفى لغلبة التناثر في الخريف بخلاف الربيعي: ولان الاوراق الخريفية قدامتصت الاشجار رطوبتها وقرب طبعها من طبع الخشب بخلاف الربيعية فان فيها رطوبة ولزوجة
[ ١٥٠ ]
تقتضي الامتزاج وهذه الوجوه فيما إذا تناثرت الماء بنفسها وهو مسألة الكتاب: فلو طرحت فيه قصدا فطريقان احدهما القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه والثانى طرد الوجوه الثلاثة والفارق على الوجه الثالث ههنا انما هو المعنى الثاني لا غير: الثالث إذا اختلط بالماء مائع.
يوافق الماء في الصفات كماء ورد منقطع الرائحة وماء الشجر والماء المستعمل ففيه وجهان احدهما انه ان كان الخليط أقل من الماء فهو طهور وان كان أكثر أو مثله فلا لانه تعذر اعتبار الاوصاف فيعدل إلى اعتبار الاجزاء ويجعل الحكم للغالب فإذا استويا اخذنا بالاحتياط والثاني وهو المذكور في الكتاب وهو الا ظهرانه ان كان الخليط قدرا لو خالف الماء في طعم أولون أو رائحة لتغير الماء فهو مسلوب الطهورية وان كان لا يؤثر مع المخالفة فلا لان التغير سالب للطهورية وهذا الخليط بسبب الموافقة في الاوصاف لا يغير فيعتبر تغيره لاستفادة ما طلبناه كما يفعل في معرفة الحكومات: ثم إذا اقتضى الحال بقاء الطهورية إما لقلة الخليط على الوجه الاول أو لتقاعده عن التغير على الثاني مع تقدير المخالفة فهل يستعمل جميعه أم يبقى قدر الخليط فيه ثلاثة أوجه أظهرها انه يستعمل الجميع لاستهلاك الخليط فيه وانطلاق اسم
[ ١٥١ ]
الماء عليه: والثاني انه يبقى قدر الخليط وإلا كان مستعملا لغير الماء يقينا وصار كما لو حلف ان لا يأكل تمرة وخلطها بتمر كثير لا يحنث ما بقيت تمرة وان استوعب الكل حنث: واطبقوا على ضعف هذا الوجه: والثالث ان كان الماء وحده يكفى لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا: فان قلنا يجوز استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بما يستهلك فيه لكفاه لزمه
ذلك: واعلم ان الخلاف في ان الجميع هل يستعمل جار فيما إذا استهلكت النجاسة المائعة في الماء الكثير وفيما إذا استهلك الخليط الطاهر في الماء لقلته مع مخالفة الاوصاف لاوصاف الماء ولو لم يتغير الماء الكثير لموافقة النجاسة له في الاوصاف فالاعتبار بتقدير المخالفة لا بالاجزاء بلا خلاف كذلك ذكروه لتغليظ امر النجاسة واعتبروا في النجاسة بالمخالف الذى هو أشد صفة احتياطا:
[ ١٥٢ ]
وفى الطاهرات بالوسط المعتدل فلا يعتبر في الطعم حدة الخل ولا في الرائحة ذكاء المسك: وقضية هذا الوجه ان ينطر إلى صفات الماء عذوبة وملوحة ورقة وصفاء فان لها أثرا ظاهرا في حصول التغير وعدمه ثم عد إلى الفاظ الكتاب واعلم ان قوله ان كان بحيث لو خالفه في اللون ليس لاعتبار اللون بعينه وانما ذكره مثالا وسائر الاوصاف في معناه وفيه ما قدمناه عن رواية الربيع ﵀: وقوله لتفاحش تغيره اشارة إلى انه لو كان التغير يسيرا لم يؤثر كما سبق: وقوله زالت الطهورية
[ ١٥٣ ]
ينبغي ان يعلم بالواو: وكذا قولة فهو طهور لان الحكم لا يتعلق بتقدير التغير وعدمه عند من يعتبر الاجزاء: وقوله في أول هذا الفرع إذا صب مائع على ماء قليل ينبغي ان يعرف ان الصب لا اثر له بل انصباب المائع عليه واختلاطه به كالصب وانما يفرق بين الوقوع فيه والطرح قصدا فيما يتعذر الاحتراز عنه وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء ولو حذف لفظ القليل لم يضر * قال:
[ ١٥٤ ]
الباب الثاني (في المياه النجسة) (وفيه فصول اربعة الاول في النجاسات والجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر وكل نبيذ (ح) مسكر والحيوانات كلها علي الطهارة الا الكلب والخنزير وفروعهما)
[ ١٥٥ ]
لما كان الاصل في الماء الطهوارة نجاسة عارضة تطرأ بملاقاة شئ نجس حسن القول في ان النجس ماذا أولا فعقد الفصل الاول في النجاسات وأداها في تقسيم اقتدى في معظمه بامام الحرمين ﵀ وهو ان الاعيان تنقسم الي جماد وحيوان والاصل في الجميع الطهارة لانها مخلوقة لمنافع العباد وانما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة ولا يستثنى عن هذا الاصل من الجمادات إلا الخمر وما يسكر من الانبذة
[ ١٥٦ ]
اما الخمر فلوجهين (احدهما) انها محرمة التناول لا لاحترام وضرر ظاهر والناس مشغوفون بها فينبغي أن يكون محكوما بنجاستها تأكيدا للزجر الا ترى ان الشرح حكم بنجاسة الكلاب لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع: (الثاني) ان الله تعالى سماها رجسا والرجس والنجس عبارتان عن معنى واحد: واما الانبذة المسكرة فلانها ملحقة بها في التحريم فكذلك في النجاسة: وينبغى
[ ١٥٧ ]
أن يكون النبيذ معلما بعلامة أبي حنيفة رحمة الله عليه فان يقول بالطهارة حيث يقول بالحل: وبالواو أيضا لان يحيى اليمنى حكي في البيان وجها ضعيفا ان النبيذ طاهر لاختلاف الناس فيه بخلاف الخمر بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلما بالواو أيضا لامور ثلاثة احدها ان الشيخ أبا علي حكي خلافا في نجاسة المثلث المسكر الذى يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتحريم قطعا: والثاني انه حكي وجها في
[ ١٥٨ ]
طهارة الخمر المحترمة والثالث انهم ذكروا وجها في ان بواطن حبات العنقود مع استحالتها خمر الا يحكم بنجاستها تشبيها بما في باطن الحيوان وكل ذلك ينافى اطلاق القول بالنجاسة: واعلم انه لا يريد بالجماد في هذا التقسيم.
مطلق ما لاحياة فيه بل وما لم يكن حيوانا من قبل ولا جزءا من الحيوان ولا خارجا منه وإلا لدخل في الجمادات الميتات واجزاء الحيوانات وما ينفصل من باطن الحيوان وحينئذ لا ينتظم قصر الاستثناء على الخمر والنبيذ
[ ١٥٩ ]
وأما الحيوانات فهى طاهرة ويستثني منها ثلاثة: أحدها الكلب لقوله ﷺ في الحديث المشهور انها ليست بنجسة يعنى الهرة: ووجه الاستدلال منه مشهور ولان سؤره
نجس بدليل ورود الامر با لاراقة في خبر الولوغ: ونجاسة السؤر تدل على نجاسة الفم وإذا كان فمه نجسا كانت سائر اعضائه نجسة لان فمه أطيب من غيره: ويقال انه أطيب الحيوان
[ ١٦٠ ]
نكهة لكثرة ما يلهث: والثاني الخنزير وهو أسوأ حالا من الكلب فهو أولى بان يكون نجسا والثالث المتولد من أحدهما نجس لتولده من أصحل نجس: وعن مالك ان الكلب والخنزير طاهران ويغسل من ولو غهما تعبدا: ولك أن تعلم قوله والحيوانات على الطهارة بالواو لان أبا العباس الجرجاني في آخرين نقلوا وجها أن الدود المتولد من نفس الميتة نجس العين كولد الكلب فعلي ذلك الوجه لا ينحصر الاستثناء فيما ذكره لكن هذا الوجه ساقط ولو صح ذلك للزم أن يحكم بنجاسة الحيوان من حكم بنجاسة العلقة والمضغة ومني غير المأكول * قال (والميتات كلها على النجاسة الا السمك والجراد وكذا الآدمى علي الصحيح وكذا دود الطعام فهو طاهر على الصحيح ولا يحرم أكله مع الطعام على الاصح وما ليس له نفس سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه على الجديد وقيل انها نجست (ح م) بالموت وهذا عفو لتعذر الاحتراز عنه وقيل انها لا تنجس بالموت إذا ليس فيها دم معفن فاشبهت النبات) الاصل في الميتات النجاسة قال الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) وتحريم ما ليس بمحترم ولا فيه ضرر كالسم
[ ١٦١ ]
يدل على نجاسته ويستثنى منها انواع: أحدهما السمك والجرد قال ﷺ أحلت لنا ميتتان الخبر ولو كانا نجسين لكان محرمين الثاني الآدمى وفي نجاسته بالموت قولان أحدهما ينجس بالموت لانه حيوان طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجسا كغيره والثاني وهو الاصح لا ينجس لقوله تعالي (ولقد كرمنا بنى آدم) وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسة ولانه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات ولو كان كذلك لما امر بغسله كسائر الاعيان النجسة روى هذا الاستدلال عن
[ ١٦٢ ]
ابن سريج قال أبو اسحق عليه لو كان طاهرا لما أمر بغسله كسائر الاعيان الطاهرة أجابوا عنه بان غسل نجس العين غير معهود أما غسل الطاهر معهود في حق الجنب والمحدث علي أن الغرض منه تكريمه وازالة الاوساخ عنه: وقال أبو حنيفة ينجس بالموت ويطهر بالغسل وهو خلاف القولين جميعا: الثالث الحيوانات التى ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه اختلف فيه قول الشافعي ﵁ على قولين: أحدهما نعم لا نها ميتة فتكون نجسة كسائر الميتات وإذا كانت نجسة نجس الماء بها كسائر النجاسات: والثاني وهو الاصح: لا: لقوله صلى الله
[ ١٦٣ ]
عليه وسلم " إذا سقط الذباب في اناء أحدكم فامقلوه فان في أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء وانه يقدم الداء " وقد يفضى المقل إلى الموت سيما إذا كان الطعام حارا فلو نجس الماء لما أمر به
[ ١٦٤ ]
وعن سلمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فهو الحلال أكله وشر به والوضوء منه) ولان الاحتراز عنها مما يعسر وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء وأما ما نشؤه فيه وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف: فان قلنا انها تنجس الماء فلا شك في نجاستها.
وان قلنا لا تنجس فهل هي نجسة في نفسها قال الا كثرون نعم كسائر الميتات وهو ظاهر المذهب: وقال القفال لا لان هذه الحيوانات لا تستحيل بالموت لان الاستحالة انما تأتي من قبل انحصار الدم واحتباسه بالموت في العروق واستحالته وتغيره: وهذه الحيوانات لا دم لها: وما فيها من الرطوبة كرطوبة النبات: وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت انه لم يرتب الخلاف في النجاسة على الجديد: فقال وقيل إنها نجست بالموت وعرفت أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة عن الميتات
[ ١٦٦ ]
وانما الاستثناء على قول القفال واما جعله القول بعدم نجاسة الماء قوله الجديد: فانما أخذه من امام الحرمين وروى القاضي أبو المحاسن الروياني خلاف ذلك فسمي هذا القول القديم: والا كثرون
ارسلوا ذكر القولين من غير تعيين جديد وقديم: وأما ما ذكره في دود الطعام فايراده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة اشعارا بينا وليس كذلك: بل من قال بنجاسة ما ليس له نفس سائلة صرح بانه لا فرق بين ما يتولد من الطعام كدود الخل والتفاح وغيرهما وبين ما لا يتولد منه كالذباب والخنفساء وقالوا ينجس الكل بالموت لكن لا ينجس الطعام الذى يموت فيه كما ذكرنا في نجاسة ما نشؤه في الماء: ومن قال لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت فلا شك أنه يقول به في دود الطعام بطريق الاولى فإذا قوله وكذا دود الطعام طاهر علي الصحيح اختيار لطريقة القفال والمعنى علي الصحيح من القولين ذهابا الي أن القول بعدم نجاسة الماء بموت ما ليس له نفس سائلة فيه مبنى
[ ١٦٧ ]
على انه ليس بنجس وأما قوله ولا يحرم أكله مع الطعام على الاصح فاعلم أن التقييد بكونه مع الطعام غير محتاج إليه لثبوت أصل الخلاف: ويجوز أن يكون محتاجا إليه: لكن القول بالحل أصح أما الاول فلانه ذكر في النهاية أنه لو جمع جامع من دود الطعام شيئا وأعتمد أكله فهل يحل فيه: وجهان أحدهما نعم لانه كالجزء من الطعام طعما وطبعا وأصحهما التحريم فنقل الوجهين في أكله منفردا وقد أطلق في الوسيط الوجهين في الحل من غير تخصيص بالاكل مع الطعام أو منفردا: وأما الثاني فلان إفراده بالاكل مستغنى عنه وهو مستقذر مندرج تحت عموم تحريم الميتة: أما التمييز بينه وبين الطعام عند الاكل فعسير جاز أنه يعفى عنه وبهذا المعنى قلنا لا ينجس الطعام بلا خلاف: وان حكمنا بنجاسته: وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الاكل مبنى على الخلاف في الطهارة والنجاسة ان قلنا بالنجاسة يحرم: والا فيحل: وليس الامر فيه على هذا الاطلاق: بل الخلاف منتظم مع
[ ١٦٨ ]
حكمنا بالطهارة فوجه التحريم الا ستقذار وشمول استم الميتة وصار كما لا نفس له سائلة مما لا يكون نشؤه في الطعام فانه يحرم: وان حكم بطهارته: ووجه الحل انه كالجزء من الطعام طبعا وطعما واما إذا حكمنا بالنجاسة فوجه التحريم بين: ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز وعن الانفراد لا ينقدح شئ والله أعلم واعرف بعد هذا شيئين أحدهما قوله والميتات علي النجاسة
لا يعنى الميتة بجميع اجزائها بل ما سوى الشعر وما في معناه وفيها من الخلاف والتفصيل ما ذكره في باب الاواني: والثاني ظاهر كلامه حصر المستثنى من الميتات في الانواع المذكورة وليس كذلك بل الجنين الذى يوجد ميتا عند ذبح الام حلال طاهر أيضا وكذا الصيد إذا مات بالضغط على أحد القولين *
[ ١٦٩ ]
قال (أما الاجزاء المنفصلة عن ظاهر الحيوان فكل ما أبين من حى فهو ميت الا الشعور المنتفع بها في المفارش والملابس فانها طاهرة بعد الجز للحاجة) عن رسول الله ﷺ انه قال ما أبين من حي فهو ميت فالاصل فيما بان من الحى النجاسة ويستثنى منه شعر المأكول المجزور في حياته فهو طاهر للحاجة إليه في الملابس ولو قدر قصر الانتفاع علي ما يكون على المذكي لضاع معظم الشعور * وفي معنى الشعور الريش والصوف والوبر وقد قيل في قوله تعالي
[ ١٧٠ ]
(ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) ان المراد إلى حين فنائها هذا فيما بيان بطريق الجز: وفي النتف والتناثر وجهان والاصح الحاقها بالجز وعلى هذا فقوله في الكتاب فانها طاهرة بعد الجز ليس مذكورا ليكون قيدا في الطهارة وعلى الوجه الآخر يمكن جعله قيدا: واعلم أن ظاهر قوله فكل ما أبين من حي فهو ميت الا الشعور المنتفع بها لا يمكن العمل به لا في طرف المستثني ولا في طرف السمتثنى منه أما المستثنى فلانه يتناول جملة الشعور المجزوزة والطهارة
[ ١٧١ ]
مخصوصة بشعر المأكول وأيضا فلانه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان وانه نجس في أصح الوجهين وأما المستثنى منه فلانه يدخل فيه العضو المبان من الآدمى ومن السمك والجراد ومشيمة الآدمى وهذه الاشياء طاهرة على المذهب الصحيح وكذلك يدخل فيها شعر الآدمى لانه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى وإذا لم يتناوله الاستثناء بقى داخلا في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة بالتأويل ومما ينبغى أن يتنبه له معرفة أن تفصيل
[ ١٧٢ ]
الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبنى على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالموت فان قلنا لا ينجس بالموت فلا ينجس بالابانة أيضا بحال * قال: (وأما الاجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان فكل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه فهو طاهر من كل حيوان طاهر كالدمع واللعاب والعرق وما استحال في الباطن فأصله علي النجاسة
[ ١٧٣ ]
كالدم والبول والعذرة الا من رسول الله ﷺ ففيه وجهان وكذا في جزء الجراد والسمك وما ليس له نفس سائلة وجهان لشبهها بالنبات) المنفصل عن باطن الحيوان قسمان أحدهما ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن وانما يرشح رشحا والثاني ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج فالاول كاللعاب والدمع والعرق فحكمه حكم الحيوان المترشح منه
[ ١٧٤ ]
ان كان نجسا فهو نجس وان كان طاهرا فهو طاهر سئل رسول الله ﷺ " أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلها ": حكم بطهارة السؤر وذلك يدل على طهارة اللعاب
[ ١٧٥ ]
وركب رسول الله ﷺ فرسا معروريا لابي طلحة وركضه ولم يحترز عن العرق: والقسم الثاني كالدم والبول والعذرة وهذه الاشياء نجسة من الآدمى ومن سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول: أما في غير المأكول فبالاجماع: وأما في المأكول فبالقياس عليه
_________________
(١) قلت ويقبل في زكاة الحيوان منهما إذا كان اهلا للزكاة اه من هامش نسخة الاذرعي
[ ١٧٧ ]
لانها متغيرة مستحيلة: وذهب مالك وأحمد رحمهما الله إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه وبه قال أبو سعيد الاصطخرى من أصحابنا واختاره القاضى الرويانى وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلاتها ومعارضاتها وهل نحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول الله صلى الله عليه
[ ١٧٨ ]
وسلم فيه وجهان قال أبو جعفر الترمذي لا لان اباطيبة الحاجم شرب دمه لم ينكر عليه
[ ١٧٩ ]
وروى أن أم أيمن شربت بوله فقال إذا لا تلج النار بطنك ولم ينكر عليها ويروى شرب دمه
[ ١٨٢ ]
عن على وابن الزبير أيضا ﵄ وقال معظم الاصحاب حكمها حكمها من غيره قياسا وحملوا الاخبار على التداوى وقد روى أنه قال لا بي طيبة لا تعد الدم كله حرام وفي خرء السمك والجراد وبولهما وجهان أظهرهما النجاسة قياسا على غيرهما لوجود الاستحالة والتغير وبه قال أبو حنيفة وكذا في زرق الطيور الا الدحاجة والثاني الطهارة لجواز ابتلاع السموك حية وميتة واطباق الناس على أكل المملحة منها على ما في بطونها وكذلك في خرء ما ليس له نفس سائلة وجهان أظهرهما النجاسة: والثاني لا لان الرطوبة المنفصلة منه كالرطوبة المنفصلة من النبات لمشابهة صورته بعد الموت صورته في الحياة ولهذا لم يحكم بنجاسة بالموت على رأي ولهذا بنى بعضهم الخلاف في طهارة روثه على الخلاف في نجاسة بالموت * ونعود بعد هذا إلى ألفاظ الكتاب
[ ١٨٤ ]
أما قوله فكل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه فالمراد منه القسم الاول: وقوله وما استحال في الباطن فالمراد منه القسم الثاني: والتعرض للترشح في الاول انما وقع لان الغالب فيه الخروج علي هيئة الترشح لا أنه من خواصه أو أن الطهارة منوطة به ألا ترى أن الدم والصديد قد يترشحان من القروح والنفاطات وهما نجسان وقوله ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره ألا يكون مستحيلا أصلا لجواز أن يكون مستحيلا لا في مقرفان الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلا فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان وان كان يستحيل لا في المقر فالحكم منوط بنفى الاستحالة في المقر لا بمطلق نفى الاستحالة وحينئذ يكون قوله وما استحال في الباطن منصرفا إليه * والمعنى وما استحال في مقر في الباطن وقوله كالدم والبول والعذرة ينبغى أن يعلم البول والعذرة بالميم والالف والواو اشارة إلى ما حكينا
من مذهب مالك واحمد والاصطخري بل لا بأس باعلام الدم ايضا بالواو لان في المتحلب من الكبد والطحال وجها أنه طاهر وكذلك في دم السمك والله أعلم *
[ ١٨٥ ]
قال (والالبان طاهرة من الآدمي (ح) ومن كل حيوان مأكول: والانفحة مع استحالتها في الباطن قيل بطهارتها لحاجه الجبن إليها) * اللبن من جملة المستحيلات في الباطن الا أن الله تعالى من علينا بألبان الحيوانات المأكولة فقال تعالى (وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها) الآية وجعل ذلك رفقا عظيما بالعباد * وأما غير المأكول فان كان نجسا فلا تخفى نجاسته منه وان كان طاهرا فهو إما آدمي أو غيره أما الآدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نشؤه على الشئ النجس ولانه لم ينقل أن النسوة أمرن في عصره بغسل الثياب والا بدان مما يصيبهن من اللبن وحكي وجه أنه نجس كسائر ما لا يؤكل وانما يربى الصبى به لضرورة: وأما غير الآدمي فالمذهب نجاسة لبنه على قياس المستحيلات وانما خالفنا في المأكول تبعا للحم وفي الادمي
[ ١٨٦ ]
لكرامته: وعن أبي سعيد الاصطخرى انه طاهر كالسؤر والعرق * وإذا عرفت ذلك فالمعتبر عنده في طهارة اللبن طهارة الحيوان لا كونه مأكولا.
فلا بأس لو أعلمت المأكول في قوله ومن كل حيوان مأكول بالواو.
لانه مذكور قيدا في الطهارة.
وكذلك قوله من الآدمى للوجه الذى رويناه * ومما يستثنى من المستحيلات الانفحة في أصح الوجهين: ولم يذكر كثيرون سوا أنها طاهرة لاطباق الناس على أكل الجبن من غير انكار والثاني أنها نجسة على قياس الاستحالة فان الانفحة لبن مستحيل في جوف السخلة وانما يجرى الوجهان بشرطين احدهما أن يؤخذ من السخلة المذبوحة فان ماتت فهي نجسة بلا خلاف والثاني الا تطعم الا اللبن والا فهي نجسة بلا خلاف * قال (والمنى طاهر من الآدمى (م) وفي سائر الحيوانات الطاهرة ثلاثة أوجه تخصص الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منها لانه يشبه بيض الطير المأكول وفي بزر القز وبيض ما لا يؤكل لحمه وجهان:
أما دود القز فطاهر والمسك طاهر وفأرته كذلك على الاظهر) *
[ ١٨٧ ]
المني قسمان مني الآدمى ومنى غيره فاما منى الآدمى فهو طاهر لما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلى فيه وفي رواية وهو في الصلاة والاستدلال بها أقوى ولانه مبدأ خلق الآدمى فاشبه التراب فان قيل هذا منقوض بالعلقة والمضغة قلنا أصح
[ ١٨٨ ]
الوجهين فيهما الطهارة أيضا وحكي بعضهم عن صاحب التلخيص قولين في مني المرأة وحكي آخرون عنه أن منى المرأة نجس وفي منى الرجل قولان وهذا أقوى النقلين عنه ويوجه القول بنجاسة المنى
[ ١٨٩ ]
وهو مذهب أبى حنيفة ومالك بما روى أنه ﷺ قال يغسل الثوب من البول والمذى والمنى وبما روى أنه ﵇ قال لعائشة ﵂ اغسليه رطبا وافركيه يابسا وإذا نصرنا ظاهر المذهب حملنا هما علي الاستحباب جمعا بين الاخبار * والمذهب الاول وهو طهارة المنى من الرجل والمرأة نعم قال الائمة ان قلنا رطوبة فرج المرأة نجسة نجس منيا بملاقاتها ومجاورتها وليس ذلك لنجاسة المنى في أصله بل هو كما لو بال الرجل ولم يغسل ذكره فان منيه ينجس
[ ١٩٠ ]
بملاقات المحل النجس * وأما مني غير الآدمى فينظر ان كان ذلك الغير نجسا فهو نجس: وان كان طاهرا ففيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه نجس لانه مستحيل في الباطن كالدم وانما حكم بطهارته من الآدمى تكريما له والثاني أنه طاهر لانه أصل حيوان طاهر فاشبه منى الآدمى: والثالث انه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن * وبيض الطائر المأكول طاهر كلبن الانعام: وفي بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان كما في منيه والاظهر النجاسة: ويجرى الوجهان في بزر القز فانه أصل الدود
[ ١٩١ ]
كالبيض فانه أصل الطير وفيه معني آخر وهو أن الدود من جملة ما ليس له نفس سائلة وقد ذكرنا
في روث ما ليس له نفس سائلة وجهين فان كان البزر روثا عاد فيه ذلك الخلاف وان لم يكن روثا بل كان بيضا له فإذا كان روثه على الخلاف فبيضه أولى أن يكون كذلك * وأما دود القز فلا
[ ١٩٢ ]
خلاف في طهارته كسائر الحيوانات * وليس المسك من جملة النجاسات وان قيل انه دم لانه كان رسول الله ﷺ يستعمله وكان أحب الطيب إليه * وفي فأرته وجهان: أحدهما النجاسة لانها جزء انفصل من حى وأظهرهما الطهارة لانه منفصل بالطبع كالجنين ولان المسك فيها طاهر ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسا وموضع الوجهين ما إذا انفصلت في حياة الظبية أما لو انفصلت منها بعد موتها فهى نجسة كالجنين واللبن وحكي وجه آخر انها طاهرة كالبيض المتصلب: وألفاظ الكتاب في هذه المسائل بينه: نعم قوله في مني غير الآدمى يخصص
[ ١٩٣ ]
الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منه لانه أشبه بيض الطير يقتضى ظاهره أن تكون الطهارة في البيض مخصوصة ببيض المأكول وفاقا وليس كذلك بل في بيض غير المأكول وجهان كما في منى غير المأكول فالمراد تشبيه مني المأكول ببيض المأكول لا ثبات الطهارة فيه من جهة أن كل واحد منهما أصل الحيوان المأكول لا لتخصيص الطهارة به ولا خلاف في طهارة بيض المأكول وصاحب الوجه الثالث يقول ينبغى أن يكون المنى كذلك وأما من غير المأكول فيبقي علي قياس المستحيلات *
[ ١٩٤ ]
(قال) (الفصل الثاني في الماء الراكد) (والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وان لم يتغير: والكثير لا ينجس الا إذا تغير ولو يسيرا وإن زال التغير بطول المكث عاد طهورا وان زال بطرح المسك والزعفران فلا: وان زال بطرح التراب فقولان للتردد في أنه مزيل أو سائر) الماء قسمان راكد وجار وبينهما بعض الاختلافات في كيفية قبول النجاسة وزوالها
[ ١٩٥ ]
فلا بد من التمييز بينهما: أما الراكد فينقسم إلى قليل وكثير وسيأتى معناهما: أما القليل فينجس بملاقاة النجاسة تغير بها أم لا روى أنه ﷺ قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ويروى نجسا والمعنى أنه يدفعه ولا يقبله فدل ان ما دون القلتين يقبله: وقد استوى حكم القليل والكثير عند التغير فيرجع الفرق إلى النجاسة من غير التغير ويدل عليه أنه يستحب غسل اليدين للمستيقظ من النوم قبل إدخالهما الاناء وفي الخبر تعليل
[ ١٩٦ ]
ذلك باحتمال النجاسة وهو قوله ﷺ فانه لا يدرى أين باتت يده ولولا أن قيل النجاسة يؤثر في الماء القليل لما كان لهذا الاستحباب معني وقال مالك لا ينجس
[ ١٩٧ ]
القليل الا بالتغير كالكثير لقوله ﷺ خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو ريحه واختاره القاضى الروياني في الحلية: والشافعي ﵁ حمل هذا الخبر على الكثير لانه ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها كثيرا: وأما الكثير فينجس إذا تغير بالنجاسة لقوله ﷺ خلق الماء طهورا الخبر نص على الطعم والريح وقاس الشافعي ﵁ اللون عليهما: وان لم يتغير نظر ان كان ذلك لقلة النجاسة واستهلاكها فيه لم ينجس الماء لقوله ﷺ لم يحمل خبثا وهل يستعمل جميع ذلك الماء أم يبقى قدر النجاسة: فيه الوجهان المذكوران من قبل: وان كان عدم التغير لموافقتها الماء في الاوصاف فيقدر بما يخالف على ما سبق: ثم لو طال مكث الماء وزوال تغيره بنفسه عاد طهورا لان الاصل
[ ١٩٩ ]
في الماء الطهورية وانما حكمنا بنجاسة الكثير منه لمكان التغير فإذا زال سبب النجاسة عمل المقتضى للطهارة عمله: وحكي في التتمة وجها عن الاصطخرى انه إذا زال التغير بنفسه لا يطهر وكما لم ينجس الا بوارد عليه لا يطهر الا بوارد عليه: ولو طرح فيه المسك فلم توجد رائحة النجاسة
أو الزعفران فلم يوجد لونها أو الخل فلم يوجد طعمها فلا يعود طهورا لانا لا ندرى أن أوصاف النجاسة زالت أم غلب عليها المطروح فيه فسترها بل الظاهر الاستتار ألا ترى أن ذكاء رائحة المسك يغلب الروائح الكريهة بحيث لا يحس بها ثم إذا فترت رائحة المسك حصل الاحساس بها: وان طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورا فيه قولان أحدهما ويروى عن المزني نعم لان التراب لا يغلب عليه شئ من الاوصاف الثلاثة حتى يفرض ستره إياها فإذا لم يصادف
[ ٢٠٠ ]
تغييرا أشعر ذلك بالزوال وأصحهما انه لا يعود طهورا لانه وان لم تغلب عليه هذه الاوصاف إلا أنه يكدر الماء والكدورة من اسباب الستر فلا يدرى معها ان التغير زائل أو مغلوب * ووجه بعضهم القول الاول بان التراب بوافق الماء في الطهارية فيتعاونان في دفع النجاسة ولهذا يجمع بينهما في ازالة النجاسة المغلظة * وهذا التوجيه يليق بمن يزعم اختصاص القولين بالتراب لكن الطريقة الصحيحة طرد القولين في الجص والنورة التي لم تطبخ وغير ذلك مما لا يكون الوصف المتغير من الماء غالبا عليه * هذا فقه الفصل * ثم نتكلم فيما يتعلق بألفاظ الكتاب من الفوائد أما قوله والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وان لم يتغير يدخل فيه النجاسة المجاورة والمخالطة ولا يدخل فيه
[ ٢٠١ ]
ما إذا تروح الماء بجيفة ملقاة على شط النهر لانه لا ملاقاة واعلم أنه ليس المراد تأثر الماء القليل بملاقات كل نجاسة فان من النجاسات ما لا يؤثر فيه كميته ما لا نفس له سائلة على الجديد كما سبق كالنجاسة التى لا يدركها الطرف وكما إذا ولغت الهرة بعد نجاسة فمها في ماء قليل وفيها خلاف سيأتي وانما الغرض بيان كيفية التأثر ان التغير غير معتبر فيه وأما ان النجاسة المؤثرة أية نجاسة فذلك شئ آخر * وأما قوله والكثير لا ينجس الا إذا تغير تغيرا يسيرا هكذا في أكثر النسخ ورأيت في بعضها طرح قوله تغيرا يسيرا لانه يوهم التقييد باليسير ومتى كان التغير اليسير قادحا فالفاحش أولي أن يكون قادحا فيستحيل التقيد ياليسير فان طرح فذاك * وقوله الا إذا تغير
[ ٢٠٢ ]
يشمل اليسير والفاحش وان لم يطرح فالمراد الا إذا تغير وان كان تغيرا يسيرا لا كالتغير بالطاهرات فانه انما يسلب الطهورية إذا تفاحش: ثم ننبه لامور أحدها قوله والكثير لا ينجس الا إذا تغير لا يمكن العمل بظاهره لانه يقتضي أن لا ينجس إذا لم يتغير أصلا وليس كذلك لما ذكرنا أنه لو لم يتغير للموافقة في الاوصاف تعذر كونه مخالفا فان كان بحيث تغير لو كان مخالفا فالماء نجس وان لم يتغير: فإذا اللفظ محتاج إلى التأويل: الثاني قوله الا إذا تغير يعم التغير بالنجاسة المخالطة والمجاورة والنوعان يسلبان الطهارة على ظاهر المذهب وفي وجه التغير بالنجاسة المجاورة لا يسلب الطهارة كما أن التغير بالطاهر المجاور لا يسلب الطهورية فلو أعلم قوله الا إذا تغير بالواو اشارة إلى هذا الوجه لم يكن ممتنعا: الثالث قضية اللفظ أنه
[ ٢٠٣ ]
لا ينجس الا إذا تغير كله أما إذا تغير بعضه فلا لان قوله إذا تغير صفة الكثير وذلك يتناول الكل الا ترى انه إذا تغير البعض يصح أن يقال ما تغير هذا الماء وانما تغير بعضه أو طرف منه ولكن ظاهر المذهب نجاسة الكل.
وان كان المتغير البعض وهو المذكور في المهذب وغيره وخرج وجه أنه لا ينجس الا لقدر المتغير وهذا يوافق ظاهر اللفظ وأما قوله وان زال بطرح التراب فقولان للتردد في انه مزيل أو ساتر ففيه استدراك لفظي وهو ان قوله وان زال فرض المسألة في الزوال مع الفرض في الزوال كيف ينتظم التردد في أن الحاصل زوال أم لا: وأشد من هذا قوله في الوسيط وان زال بطرح المسك والزعفران فلا لانه استتار لا زوال فطريق الجواب التأويل اما بحمل الزوال الاول علي فقد التغير وحمل الثاني على الحقيقة وأما باضمار بأن
[ ٢٠٤ ]
يقال المعنى وان اعتقد الزوال أو ما أشبه ذلك وذكر بعضهم أن هذا الخلاف في مسألة التراب مفروض في تغير الرائحة أما لو تغير اللون لم يؤثر طرح التراب فيه بحال والاصول المعتمدة ساكتة عن هذا التفصيل * قال (والكثير قلتان (ح) لقوله ﵊ إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا والاشبه
أنهما ثلثمائة من تقريبا لا تحديدا) * روينا الخبر الوارد في اعتبار القلتين وفي بعض الروايات إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر ثم روى الشافعي ﵁ عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فالقلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا واحتاط الشافعي ﵁ فحسب الشئ نصفا لانه لو كان فوق النص لقال تسع ثلاث قرب الاشيئا وهذا عادة أهل اللسان: فإذا
[ ٢٠٥ ]
جملة القلتين خمس قرب واختلفوا في تقدير ذلك بالوزن علي ثلاثة أوجه أحدها ذهب أبو عبد الله الزهري رحمة الله عليه إلى أن القلتين ثلثمائة من لان القلة ما يقله البعير ولا يقل الواحد من بعر ان العرب غالبا أكثر من وسق والوسق ستون صاعا وذلك مائة وستون منا فالقلتان ثلثمائة وعشرون يحط منها عشرون للظروف والحبال يبقى ثلثمائة وهذا اختيار القفال والاشبه عند صاحب الكتاب: والثاني ان القلتين ألف رطل لان القربة قد تسع مائة رطل فالاحتياط الاخذ بالاكثر ويحكي هذا عن أبي زيد: والثالث وهو المذهب أن القلتين خمسمائة رطل مائتان وخمسون منا بالبغدادي
[ ٢٠٦ ]
لان القربة الواحدة لا تزيد على مائة رطل في الغالب ويحكي هذا عن نص الشافعي ﵁ ثم ذلك معتبر بالتقريب أم بالتحديد فيه وجهان أصحهما وهو الذى ذكره في الكتاب أنه معتبر بالتقريب لان ابن جريج رد القلة إلى القرب تقريبا والشافعي ﵁ حمل الشئ علي النصف احتياطا وتقريبا والقلال في الاصل تكون متفاوتة أيضا كما نعهده اليوم في الحباب والكيزان والثاني أنه معتبر بالتحديد كنصاب السرقة ونحو ذلك فان قلنا بهذا لم نسامح بنقصان شئ وان قلنا بالاول فنسامح بالقدر الذى لا يتبين بنقصانه تفاوت في التغير بالقدر المعين من الاشياء المغيرة وعند أبي حنيفة وأصحابه لااعتبار بالقلال وانما الكثير هو الذى إذا حرك
[ ٢٠٧ ]
جانب منه لم يتحرك الثاني هذه رواية ولهم روايات سواها * قال (فروع خمسة الاول يدركه الطرف من النجاسة الاول ما لا يدركه الطرف من النجاسة اضطرب فيه نص الشافعي رضى
الله عنه والاقرب ان ما انتهت قلته إلى حد لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما يتصل به فلا يدخل تحت التكليف التحفظ عنه وما يدركه عند مخالفة اللون فينبغي أن لا يعفى عنه لا في الثوب ولا في الماء) * النجاسة التى لا يدركها الطرف كنقطة الخمر والبول التى لا تبصر والذبابة تقع على النجاسة ثم تطير عنها هل تؤثر كالنجاسة المدركة أم يعفى عنها لفظه في المختصر بشعر بأنها لا تؤثر ونقل عن الام انه لا فرق بينها وبين النجاسة المدركة وعن الاملاء التسوية
[ ٢٠٨ ]
بينهما في الثوب واختلف الاصحاب فيه على سبعة طرق: أحدها أن في تأثيرها في الماء والثوب قولين: والثاني أنها تؤثر فيهما بلا خلاف: والثالث لا تؤثر فيهما بلا خلاف: والرابع تؤثر في الماء وفي الثوب قولان: والخامس تؤثر في الثوب وفى الماء قولان: والسادس تؤثر في الماء دون الثوب بلا خلاف: والسبع تؤثر في الثوب دون الماء بلا خلاف: فهذا هو اضطراب النص ومقالات الاصحاب: وأما التوجيه فمن ألحق هذه النجاسة بما يدركه بما يدركه الطرف قال الظواهر المقتضية لاحتساب النجاسة عامة تتناول التى يدركها الطرف والتى لا يدركها ومن سامح بهذه النجاسة علل بتعذر الاحتراز فان الذباب يقع على النجاسات ثم يطير ويقع في الماء وعلى الثياب فأشبه دم البراغيث وسائر ما يتعذر الاحتراز عنه: ومن قال تؤثر في الماء دون الثوب فرق من وجهين أحدهما أن صون الماء بتغطية رأس الاناء ممكن بخلاف الثياب: والثاني أن الذبابة إذا ارتفعت عن النجاسة جف ما نجس منها بالهواء فلا يؤثر في الثوب ويؤثر في الماء فلو كان الثوب
[ ٢٠٩ ]
رطبا كان كالماء: ومن قال يؤثر في الثوب دون الماء قال الماء أقوى على دفع النجاسات بدليل الماء الكثير: وأما ما ذكره حجة الاسلام ﵀ من أنه ان انتهت القلة إلى حد لا يدرك مع مخالفة لونه للون ما يتصل به فهو معفو عنه في الماء وغيره والا فلا: فهذا تفصيل لا نراه لغيره ووجهه في غير الوجيز بأن قال إذا بلغت القلة الحد المذكور كانت هذه النجاسة كما تحملها الرباح من النجاسات مثل الذر وتبثها على المياه والثياب ومعلوم أن ذلك مما لا يبالى به فكذلك ههنا ولك
أن تقول غير هذا التفصيل أجود منه لان الكلام فيما لا يدركه الطرف لقلته لا للموافقة في اللون وما لا يدرك لقلته لا يدرك اختلف اللون أو اتفق: فأحد القسمين وهو أن يكون بحيث يدرك عند اختلاف اللون خارج عن صورة المسألة وانما صورتها القسم الثاني ثم القول فيه بالعفو اختيار القول المنقول في عدم تأثير هذه النجاسة في الماء والثوب جميعا: وظاهر المذهب عند
[ ٢١٠ ]
المعظم خلافه: ثم في عبارة الكتاب بسط وتطويل ولا يخفى ايراد الغرض في أقصر منها لمن يبتغى الايجاز * قال (الثاني قلتان نجستان غير متغرتين إذا جمعتا ولا تغير عادتا طاهرتين فإذا فرقتا بقيتا على الطهارة ولم يضر التفريق بينهما الا إذا كانت النجاسة جامدة فبقيت في إحدى القلتين) * الماء القليل النجس إذا كوثر حتى بلغ قلتين هل يعود طهورا نظر: إن كوثر بغير الماء فلا بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بماء ورد وصار مستهلكا فيه ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وان لم يتغير وانما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء على ما قال ﷺ إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وان كوثر بالماء نظر ان كان مستعملا ففى عود الطهورية وجهان: أحدهما لا يعود لا نسلاب قوة المستعمل والتحاقه بسائر المائعات: وأظهرها تعود لان الاصل فيه الطهورية والضعف الذى عرض له ليس بأكثر
[ ٢١١ ]
من أن تعرض له النجاسة: ولو كوثر الماء النجس بماء نجس ولاتغير: عادت الطهورية ومأخذ هذا الخلاف كمأخذ الخلاف في أن المستعمل هل يعود بالكثرة طهورا: وان لم يكن مستعملا عادت الطهورية فان الاصل في الماء الطهورية والنجاسة عرضت لعلة القلة فإذا كثر عمل الاصل عمله ثم التفريق بعد عود الطهورية لا يضر كما لو كان الماء قلتين عند وقوع النجاسة فيه ولم يتغير ثم فرق: ولا فرق بين أن يقع التكميل بماء طاهر أو نجس في عود الطهورية: وصورة مسألة الكتاب ما إذا كان كل واحد من المكمل والمكمل نجسا: ثم لا يخفى أن عود الطهورية انما يكون بشرط عدم التغير في المجموع وهل يشترط أن لا يكون فيه نجاسة جامدة فيه خلاف التباعد: ولو كوثر
الاءإ القليل بما يغلب عليه ويغمره ولكن لم يبلغ قلتين فهل تزول نجاسته فيه وجهان أظهرهما لا تزول:
[ ٢١٢ ]
وان قلنا بالزوال فهو طاهر غير طهور وذلك بشروط أحدها أن يكون التكميل بماء طاهر لا ينجس: والثاني أن يورد الطاهر على النجس: والثالث أن يكون المكمل أكثر من المكمل مما لا يكون فيه نجاسة وكل ذلك فيما إذا بلغ قلتين بخلافه: ويشترط أيضا أن لا يكون فيه نجاسة جامدة لا محالة: وقوله في الكتاب جمعتا عادتا طاهرتين في لفظ الجمع اشارة إلى ما ذكره الاصحاب أن المعتبر في المكاثرة الضم والجمع دون الخلط حتى لو كان أحد البعضين صافيا والآخر كدرا وانضما تزول النجاسة من غير توقف على الاختلاط المانع من التمييز وقوله عادتا معلم بالالف لما روى عن أحمد وعن أصحابه أنه لا تعود الطهارة: وليس المراد من قوله عادتا طاهرتين مجرد الطهارة بل مع الطهورية *
[ ٢١٣ ]
قال (الثالث نجاسة جامدة وقعت في ماء راكد كثير يجوز الاغتراف من جوانبها على القول القديم هو الاقيس ويجب التباعد عنها بقدر القلتين في القول الجديد) إذا وقع في الماء الكثير الراكد نجاسة جامدة كالميتة فهل يجوز الاغتراف مما حوالى النجاسة أم يجب التباعد عنها بقدر القلتين فيه قولان القديم وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء ولا حاجة إلى التباعد لانه طاهر كله فيستعمله المستعمل كيف شاء والدليل على أنه طاهر كله قوله ﷺ إذا بلغ الماء قلتين الخبر: والجديد أنه يبعد عن النجاسة بقدر قلتين ثم يغترف لان ما دون القلتين مما يجاور النجاسة لو كان وحده لكان مجتنبا فكذلك إذا كان معه غيره وأثر الكثيرة دفع النجاسة عما وراء ذلك
[ ٢١٤ ]
القدر قال من نصر المذهب ذلك القدر المجتنب لو كان وحده محكوم له بالنجاسة في حالة الانفراد فاما أن يكون محكوما له بالنجاسة ههنا أيضا أولا يكون ان يكن فقد تغير حكمه عما كان
عليه وحده وان كان فلينجس ما يجاوره بمجاورته كما ينجس هو بمجاورة النجاسة وهكذا حتى تنتشر النجاسة الي الكل لا يقال هذا مائع وذلك جامد وحكم النجاسة المائعة أخف الا ترى ان النجاسة المائعة لو وقعت في ماء كثير وانغمرت فيه جاز استعمال الكل لانا نقول إذا كان حكم النجاسة المائعة ما ذكرتم فلنأخذ حكم الطهارة ههنا أيضا لا تصاله بالملا الكثير وحصوله فيه وإذا كان طاهرا وجب أن يجوز الاغتراف والاستعمال واعلم ان من أصحابنا العراقيين من حكى خلاف
[ ٢١٥ ]
التباعد وجهين ونقل القولين أثبت فان فرعنا على وجوب التباعد فلا يكفي ان يبعد في البحر بقدر شبر على أحد العمق في حساب القلتين بل يتباعد بقدر القلتين في ابعاد متماثلة طولا وعرضا وعمقا فان كان الماء في موضع لا يتاتي فيه ذلك كما لو وقف في موضع منبسطا من غير عمق يتباعد في الطول والعرض قدر ما يبلغ قلتين في ذلك العمق وقال الامام محمد بن يحي ﵁ لا يغنى التباعد بقدر قلتين في هذه الصورة بل يبعد إلى حيث يعلم ان النجاسة لا تنتشر إليه كما يعتبره أبو حنيفة رحمة الله عليه في بعض الروايات في الماء الكثير ولو كان الماء قلتين بلا زيادة فعلى الجديد لا يجوز لاعتراف منه وعلى القديم يجوز ذلك في أصح الوجهين كما في الحالة الاولى والثاني لا لان المأخوذ بعض الباقي والباقي نجس بالانفصال فكذلك المأخوذ وينبني ان يبحث علي القولين في مسألة
[ ٢١٦ ]
التباعد أهما في جواز الاستعمال وعدمه بعد الاتفاق علي الطهارة ام في الطهارة والنجاسة: وذلك يترتب عليه فان كان الثاني فلم تكلم الا كثرون في الاغتراف والاستعمال نفيا واثباتا واشتهرت المسألة بالتباعد وهلا تكلموا في الطهارة والنجاسة على المعهود في نظائره ثم يفرع عليه جواز الاستعمال وعدمه: وان كان الاول فيم يوجه المنع من الاستعمال مع الحكم بالطهارة ولم تكلم بعضهم في النجاسة ونفيها وفرض فيها الخلاف وهل هما طريقتان هذا موضع نظر وتأمل ويدل على الاحتمال الاول اخبار القلتين فانها تنفي نجاسة الماء الكثير وأيضا فقد صرح بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمد بانه لا خلاف في الطهارة وانما الخلاف في جواز الاستعمال وأما لفظ الكتاب فاعلم ان
[ ٢١٧ ]
قضية كلامه في وجوب اجتناب الحريم في الفصل الثالث يقتضي ان يكون مراده من قوله ههنا يجوز الاعتراف من جوازها على القول القديم ما وراء الحريم الا ان المذهب ان حكم الحريم حكم غيره على ما سيأتي * قال (الرابع كوز فيه ماء نجس غير متغير طريق تطهيره ان يغمس في ماء كثير فإذا استوى عليه الماء صار طهورا للاتصال به) إذا غمس كوز فيه ماء نجس في ماء طاهر هل يعود طهورا ان كان الكوز ضيق الرأس فوجهان أحدهما نعم لحصول الكثرة والاتصال وأصحهما لا لانه لا يحصل به ما يقيد تأثير أحدهما
[ ٢١٨ ]
بالاخر لان ماء الكوز كالمودع بظرفه فيه وليس معدود اجزءا منه وان كان واسع الرأس فعلى هذين الوجهين لكن الاظهر هنا الطهارة لتاثر كل واحد منهما بالآخر عند سعة رأس الاناء وحيث يحكم بعود الطهارة فتعود على الفور أم بعد أن تمكث زمانا: فيه وجهان أظهرهما لا تعود على الفور بل لابد من مضي زمان يزول فيه التغير لو كان متغيرا ولا شك أن ذلك الزمان يكون في ضيق الرأس أطول منه في واسعه وإذا عرفت ذلك فعد إلى الفاظ الكتاب: وأعلم مقوله صار طهورا بالواو للوجه الثاني لعود الطهارة والطهورية * وقوله فإذا استوى عليه الماء أيضا اشارة إلى الوجه الصائر إلى اشتراط المكث ثم تنبه لامور: أحدها قوله غير متغير ليس مذكورا للتقييد
[ ٢١٩ ]
فانه لو كان متغيرا فزال التغير بالاتصال عادت الطهورية أيضا فكأنه تعرض لهذا الوصف لانه حكم بعود الطهورية باستواء الماء عليه وبتقدير التغير لا تعود الطهورية بمجرد استواء الماء بل لابد من زوال التغير: الثاني قوله فإذا استوى عليه ينبه على انه لو لم يكن الكوز ملانا وغمسه فيه فما دام يدخل فيه الماء فلا اتصال وهو علي نجاسته: الثالث حكم بالطهورية من غير التعرض للخلاف فان كان يختار ذلك سواء ضاق رأس الكوز أم اتسع فهو معمول بظاهره وان قال بالمنع
عند ضيق الرأس كما حكينا انه ظاهر المذهب ففى الكلام اضمار تقديره كوز واسع الرأس فيه ماء نجس والاحتمال الثاني هو قضية كلامه في سائر كتبه *
[ ٢٢٠ ]
قال (الخامس فأرة وقعت في البئر فتمعط شعرها فالطريق إلى تطهيره ان يستقي الماء الموجود في البئر فما تحصل بعد ذلك فان رؤي فيه شعر فنجس والا فطهور إذ الاصل طهارته وبقاء الشعر مشكوك فيه وإخراج الجميع هو الغالب باستقاء الماء) ماء البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها: لكن ضرورة التدرج الي الاستقاء منها قد يخصه لضرب من العسر فان كان قليلا وقد تنجس بوقوع نجاسة فيه فليس من الرأى ان ينزح لينبع بعده الماء الطهور لانه وان نزح فقعر البئر يبقي نجسا وقد يفضى النزح الي تنجيس جدران البئر أيضا بل ينبغي ان يترك ليزداد ويبلغ حد الكثرة فان كانت قليلة الماء لا يتوقع
[ ٢٢١ ]
كثرته صب فيها ماء من خارج حتى يكثر: وينبغي أن يزول التغير أيضا لو كان متغيرا فان كان ماؤها كثيرا وقد تنجس بالتغير فتكاثر إلى زوال التغير أو يترك بحاله حتى يزول التغير بطول المكث أو بازدياد الماء فلو تفتت الشئ النجس فيه كالفأرة تمعط شعرها فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير لكن يتعذر استعماله بسبب أنه لا ينزح منه دلو الا وفيه شئ من أجزاء النجاسة فينبغي أن يستقى الماء كله لتخرج الشعور في صحبته فان كان العين فوارة وتعذر استقاء الكل فينزح بقدر ما يغلب على الظن ان الشعر قد خرج معه كله فما يبقي بعد ذلك في البئر وما يحدث فيه فهو طهور لانه ماء غير مستيقن النجاسة ولا مظنون النجاسة ولا
[ ٢٢٢ ]
أثر للشك والتردد في بقاء الشعر فيه ووقوعه فيما حدث لحصول الظن باخراج الجميع نعم ان تحقق شيئا بعد ذلك على خلاف الغالب اتبعه وقيل أن ينزج إلى الحد المذكور فإذا غلب على ظنه انه لا يخلو كل دلو عن شئ من النجاسة ولكنه لم يره ولا تيقنه فجواز الاستعمال على القولين في
الاصل والغالب إذا تعارضا كما سيأتي نظائر ذلك واعلم ان فرض المسألة في تمعط الشعور مبنى علي نجاسة شعور الحيوانات بالموت فان لم ينجسها فليقع الفرض في سائر الاجزاء * قال (الفصل الثالث في الماء الجارى فان وقعت فيه نجاسة مائعة لم تغيره فهو طاهر إذا الاولون لم يحترزوا من الانهار الصغيرة)
[ ٢٢٣ ]
نشرح مسائل الماء الجارى علي ما ذكرها ورواها في الاصل ثم نردفها بما ينبغي فنقول الماء الجاري ينقسم إلى ماء الانهار المعتدلة وإلى ماء الانهار العظيمة * القسم الاول ماء الانهار المعتدلة والنجاسة الواقعة فيه اما أن تكون مائعة أو جامدة فان كانت مائعة فينظر هل تغير الماء ام لا فان غيرته فالقدر المتغير نجس وحكم غيره معه كحكمه مع النجاسة الجامدة وان لم تغيره فينظر ان كان عدم التغير للموافقة في الاوصاف فالحكم على ما ذكرنا في الراكد وان كان لقلة النجاسة وانمحاقها فيه لم ينجس الماء وان كان قليلا لان الاولين كانوا يستنجون على شطوط الانهار الصغيره ولا يرون
[ ٢٢٤ ]
ذلك تنجيسا لمياهها وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب (وان كانت النجاسة جامدة تجري بجري الماء فما فوق النجاسة وتحتها طاهر لتفاصل جريات الماء وما علي جانبيها فيه طريقان قيل بطهارته وقيل بتخريجه علي قول التباعد: وان كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق الا أن ما يجرى من الماء علي النجاسة وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين: فان زاد علي القلتين اعني ما بين المغترف والنجاسة فوجهان أظهرهما المنع الا أن يجتمع في حوض مترادا فان الجارى لا تراد له فهو متفاصل الاجزاء) أما إذا كانت النجاسة جامدة كالميتة فان غيرت شيئا من الماء فهو نجس وان لم تغير فينظر أتجرى مع الماء أم هي واقفة والماء يجرى عليها: فان كانت تجرى مع الماء فما فوقها الذى لم يصل النجاسة وما
[ ٢٢٥ ]
تحتها الذى لم يصل إليه النجاسة طاهران لتفاصل أجزاء الماء الجارى فان كل جرية منه طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها بخلاف الراكد فان أجزاءه مترادة متعاضدة: وأما ما علي يمينها وشمالها وفي سمتها
إلى العمق أو وجه الماء فيه طريقان: أحدهما القطع بالطهارة لما ذكرنا من تفاصل الاجزاء: والثاني التخريج على قولى التباعد كالراكد: والتفاصل انما يكون في طول النهر لا نحدار الماء فيه لا في العرض ومنهم من أجرى خلاف التباعد بما تحت النجاسة دون ما فوقها لان ما تحتها مستمد من موضعها وفى كلام العراقيين ما يقتضى طرده في جميع الجوانب فينبغي أن يعلم قوله فما فوق النجاسة وما تحتها طاهر بالواو اشارة إلى الخلاف المذكور: وان كانت النجاسة واقفة والماء يجرى عليها فالحكم كما لو
[ ٢٢٦ ]
كانت جارية مع الماء ونزيدها هنا أن ما يجرى من الماء على النجاسة وهو قليل ينجس بملاقاتها ولايجوز الاغتراف منها إذا كان بين النجاسة وموضع الاغتراف دون القلتين: فان بلغ قلتين في الطول فوجهان: أحدهما وبه قال صاحب التلخيص وأبو إسحق رحمهما الله انه طاهر يجوز الاغتراف منه لحيلولة قدر القلتين ودفعه النجاسة وأصحهما وبه قال ابن سريج انه نجس وان امتد الجدول فراسخ لما سبق ان أجزاء الماء الجارى متفاصلة فلا يتقوى البعض منها بالبعض ولا تندفع النجاسة الا بأن تجتمع في حوض أو حفرة مترادا وقد يسأل فيقال ماء هو الف قلة وهو نجس من غير أن يتغير بالنجاسة هذا صورته *
[ ٢٢٧ ]
قال (وهذا كله في الانهار المعتدلة فأما النهر العظيم الذي يمكن التباعد فيه عن جوانب النجاسة بقدر القلتين فلا يجتنب فيه الا حريم (و) النجاسة) ولا يعود فيه الخلاف الذى ذكرناه في التباعد عما حوالى النجاسة (وهو الذى تغير شكله بسبب النجاسة وهذا الحريم مجتنب أيضا في الماء الراكد) بينا انقسام الماء الجاري الي ماء الانهار المعتدلة وإلى ماء الانهار العظيمة وذكرنا حكم القسم الاول أما النهر العظيم فلا يجتنب فيه الا حريم النجاسة ولا يعود في الخلاف الذى ذكرناه في التباعد عما حوالي النجاسة: وحكي في البسيط وجها آخر أنه يجرى الخلاف في أيضا ولابد من بيان العظيم والحريم وقد أشار إلى تفسيرهما في الكتاب أما العظيم فقد قال هو الذى يمكن التباعد
[ ٢٢٨ ]
فيه عن جوانب النجاسة كلها بقدر القلتين والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك ويدخل فيه الجداول الصغيره التى يجرى فيها الماء اليسير والانهار التى يبلغ ما بين حافتيها قدر قلتين ولكن لا يمكن التباعد فيها بقدر قلتين من كل جانب وذكر إمام الحرمين ﵁ أن النهر المعتدل هو الذى يفرض تغيره بالنجاسات المعتادة والعظيم ما لا يمكن تغيره بها قال (والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي العظيم وأما الحريم فقد فسره بما يتغير شكله بسبب النجاسة) يعنى ما ينسب إلى النجاسة بتحريكه إياها وانعطافه عليها أو التفافه بها ولهذا اعتبر التغير
[ ٢٢٩ ]
في الشكل دون الرائحة وسائر الصفات وفي وجوب اجتناب الحريم وجهان حكاهما في البسيط أحدهما أنه لا يجتنب كغيره: والثاني وهو الذى ذكره ها هنا أنه يجتنب وان لم يوجب التباعد لانه في العيافة والاستقذار كالمتغير بالنجاسة: ثم قال وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد أيضا وذكر في البسيط أنه لا يجتنب في الماء الراكد وفرق بينه وبين الجارى علي أحد الوجهين بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم فكما يجوز الاغتراف مما بعد من النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها وهذه الاختلاف تقتضي اعلام المستثنى والمستثني منه في قوله فلا يجتنب فيه الا حريم النجاسة لان منهم من أوجب اجتناب غير الحريم ومنهم من لم يوجب
[ ٢٣٠ ]
اجتناب الحريم أيضا وكذلك اعلام قوله: وهذا الحريم يجتنب أيضا في الماء الراكد: فهذا شرح ما ذكره ونعود إلى الموعود ونذكر أمورا من شرط محصل هذا الكتاب أن يعرفها: أحدها حكمه بطهورية القليل من الجارى إذا وقعت فيه نجاسة مائعة ولم تغيره كانه اختيار القول القديم الذى حكاه صاحب التلخيص وغيره في أن الماء الجارى لا ينجس الا بالتغير وذلك القول قد اختاره طائفة من الاصحاب ووجهوه بشئ آخر سوى ما ذكره في الكتاب: وهو أن الماء الجارى وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذى تزال به النجاسة لكن المذهب
الذى عليه الجمهور الفرق بين القليل والكثير كما في الراكد ونجاسة القليل بمجرد الملاقاة
[ ٢٣١ ]
ويدل عليه الاخبار الفارقة بين القليل والكثير فانها تعم الراكد والجارى: والثاني لم يتعرض في تفصيل النجاسة الجامدة للفرق بين القليل من الماء والكثير ولابد منه لانه لا يمكن أن تكون مسائله كلها مفروضة في الكثير وحده ولا في الكثير والقليل جميعا وإلا كان الوجهان في نجاسة الماء الجارى علي الميتة جاريين في الكثير الذى تبلغ كل جرية منه قلتين فصاعدا وهو محال ولا يمكن أن تكون كلها مفروضة في القليل وحده والا كان خلاف التباعد جاريا فيما علي يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد بل الوجه الحكم بالنجاسة عند القلة وكذلك ذكره
[ ٢٣٢ ]
صاحب التهذيب وغيره: الثالث قضية كلام الا كثرين تصريحا وتلويحا انه لا فرق بين الحريم وغيره لا في الراكد ولا في الجارى على خلاف ما ذكره لانه اما أن يكون طاهرا في نفسه أو نجسا ان كان طاهرا فلا معنى لوجوب الاجتناب: وان كان نجسا فيلزم نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتي يتعدى الي جميع الراكد والي جميع ما في عرض النهر في الماء الجارى *
[ ٢٣٣ ]
قال (الفصل الرابع في ازالة النجاسة) (فان كانت حكيمة فيكفى اجراء الماء على موردها وان كانت عينية فلابد من ازالة عينها فان بقى طعم لم يطهر لان ازالته سهل وان بقي لون بعد الحت والقرض فمعفو عنه والرائحة كاللون علي الاصح)
[ ٢٣٤ ]
الشئ النجس ينقسم إلى نجس العين وغيره أما نجس العين فلا يطهر بحال الا الخمر تطهر بالتخلل وجلد الميتة يطهر بالدباغ والعلقة والمضغة والدم الذى هو حشو البيض إذا نجسناها فاستحالت حيوانا: وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حكيمة وإلى عينية: أما الحكيمة فهي التى
لا تحس مع تيقن وجودها كالبول إذا جف على المحل ولم توجد له رائحة ولا أثر فيكفى اجراء
[ ٢٣٥ ]
الماء على موردها إذ ليس ثم ما يزال ولا يجب في الاجزاء عدد خلافا لابي حنيفة حيث شرط في ازالة النجاسة الحكمية الغسل ثلاثا في رواية: وفي رواية الشرط أن يغلب على ظن الغاسل طهارته ولا حمد ﵀ حيث قال في احدى الروايتين يشترط الغسل سبعا في جميع النجاسات
[ ٢٣٦ ]
كما في نجاسة الكلب: لنا قوله ﷺ لاسماء ﵂ حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء أمر بالغسل من غير اعتبار عدد، وأما العينية فلا يكفى فيها اجراء الماء بل لا بد من محاولة ازالة أوصافها الثلاثة الطعم واللون والرائحة أو ما وجد منها فان بقي طعم لم يطهر سواء
[ ٢٣٧ ]
بقى مع غيره من الصفات أو وحده لان الطعم سهل الازالة ويظهر تصويره فيما إذا دميت لثته أو تنجس فوة بنجاسة اخرى فغسله فهو غير طاهر مادام يجد طعمه في فيه وان لم يبق الطعم نظر: ان بقى اللون وحده وكان سهل الازالة فلا يطهر: وان كان عمر الازالة كدم الحيض يصيب الثوب
[ ٢٣٨ ]
وربما لا يزول بعد المبالغة والاستعانة بالحت والقرص فيطهر لما روى أن نسوة رسول الله ﷺ وسلم سألنه عن دم الحيض يصيب الثوب وذكرن أن لون الدم يبقى فقال ألطخنه بزعفران المعنى أن اللون الباقي لا أثر له فان كرهتن رؤيته فالطخنه بزعفران وعن خولة بنت
[ ٢٣٩ ]
يسار قالت سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض فقال اغسليه فقلت اغسله فيبقى أثره فقال يكفيك ولا يضرك اثره وان بقيت الرائحة وحدها وهي عسرة الازالة كرائحة الخمر فهل يطهر المحل فيه قولان: وقيل وجهان والاول اصح أحدهما لا: لان بقاء الرائحة يدل على بقاء العين فصار كالطعم وهذا هو القياس في اللون لكن منعنا عنه الاخبار: والثاني وهو الاصح
[ ٢٤٠ ]
يطهر لانا انما احتملنا بقاء اللون لمكان المشقة في ازالته وهذا المعنى موجود الرائحة وروى في اللون ايضا وجه أنه لا يطهر المحل مادام باقيا ذكره في التتمة ونسبه امام الحرمين إلى صاحب التلخيص فلو اعلمت قوله فمعفو اشارة إلى هذا الوجه لما كان به بأس وان بقى اللون والرائحة معا فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين وفيه وجه ضعيف ويتبين لك بما حكيناه أن قوله فان بقي طعم لم يطهر مجري على اطلاقه لانه لا فرق بين أن يبقى وحده أو مع غيره في الصفات الثلاث: وقوله في الرائحة واللون غير محمول على اطلاقه بل المراد ما إذا كان كل واحد منهما وحده: ثم لك في قوله وان بقي لون بعد الحت والقرص فمعفو مباحثتان أحداهما: الاستعانة بالحت
[ ٢٤١ ]
والقرص وهل هي شرط أم لا: ظاهر كلامه يقتضى الاشتراط وبه يشعر نقل بعضهم لكن الذى نص عيله المعظم خلافه واحتجوا عليه بحديث خولة واقتصروا على الاستحباب: الثانية لم قال فمعفو ولم يقل فطاهر: أهو نجس لكن يعفى عنه: أم كيف الحال: أطلق الا كثرون القول بالطهارة ويجوز أن يقال أنه نجس لكن يعفى عنه كما في أثر محل الاستنجاء ودم البراغيث: وليس في الاخبار تصريح بالطهارة وانما يقتضي العفو والمسامحة: وقد تعرض في التتمه لمثل هذا في الرائحة فقال ان قلنا لا يطهر فهو معفو عنه كدم البراغيث * قال (ثم يستحب الاستظهار بغسلة ثانية وثالثة وفي وجوب العصر وجهان فان وجب العصر
[ ٢٤٢ ]
ففى الاكتفاء بالجفاف وجهان) قوله ثم يستحب الاستظهار يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء فالاستطهار طلب الطهارة والاستظهار طلب الاحتياط وهذا كما قال الشافعي ﵁ في المبتدأة المميزة إذا استحيضت ولا يجوز لها أن تسظهر بثلاثة أيام قرئ بهما جميعا والغرض ان التثليث مستحب في ازالة النجاسة كما في رفع الحدث واحتجوا عليه بأن النبي ﷺ أمر المستيقظ من نومه بان لا يغمس يده في
الاناء حتي يغسلها ثلاثا لتوهم النجاسة فعند تحققها أولي وانما يتأدى الاستحباب إذا وقعت المرة الثانية والثالثة بعد زوال النجاسة: أما الغسلات المحتاج إليها لا زالة النجاسة فلا بد منها: واستحباب
[ ٢٤٣ ]
الاستظهار يشمل النجاسة الحكمية والعينية وقد حكينا عن مذهب احمد ان العدد واجب في ازالة النجاسات مطلقا فينبغي أن يكون قوله ثم يستحب معلما بالالف: وأما العصر فقد اختلفوا في حصول الطهارة قبله على وجهين وبنوهما على ان الغسالة طاهرة أم نجسة: ان قلنا انها طاهرة فلا حاجة إلى العصر وهو الاصح: والا فالغسالة باقية فلا تطهر وعلى هذا هل يكتفى بالجفاف: فيه وجهان أصحهما نعم: لان زوال الغسالة بالجفاف أبلغ منه بالعصر: والثاني لا: لانا بالعصر نتوهم انتقال أجزاء النجاسة في صحبة الماء وعند الجفاف لا يزول الا بلل الماء وتبقي أجزاء النجاسة: وقد يستدرك على العبارة التى ذكرها في تفريع الوجهين في الجفاف على وجوب العصر لان التفريع على الشئ لا ينبغي أن يرفع
[ ٢٤٤ ]
الاصل ومن قال يطهر بالجفاف لا ينتظر منه القول بوجوب العصر واشتراطه بل الشرط عنده زوال البلل اما بالعصر أو بالجفاف فالعبارة السليمة أن يقال غسل المحل ولم يعصر هل يطهر مع بقاء البلل فيه وجهان: ان قلنا لا يطهر فهل يطهر إذا جف فيه وجهان * قال (فروع سبعة الاول إذا أورد الثوب النجس على ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب على الاظهر) ما سبق من طهارة المحل بالغسل اما مع العصر أو دونه فيما إذا كان الماء واردا على المحل أما لو ورد المحل النجس كالثوب نغمس في إجابة فيها ماء ويغسل فيه فهل يطهر فيه وجهان قال ابن سريج يطهر كما لو كان الماء واردا عليه وقال الاكثرون وهو الاصح لا يطهر لان بالملاقاة بين الماء القليل والنجاسة يقتضى
[ ٢٤٥ ]
نجاسة خالفنا فيما إذا كان الماء واردا فان الوارد عامل والقوة للعامل ويدل على الفرق انه ﷺ منع المستيقظ من النوم من غمس اليد في الاناء قبل الغسل ثلاثا ولولا الفرق بين الوارد والمورود لما انتظم المنع من الغمس والامر بالغسل والوجه الاول فيما إذا قصد بالغمس ازالة النجاسة
فاما لو ألقته الريح فيه والماء قليل نجس الماء بلا خلاف قال الائمة ومن هذا نشأظن من نقل عن ابن سريج أنه يشترط النية في ازالة النجاسة قال (الثاني إذا أصاب الارض بول فصب عليها الماء حتى صار مغلوبا ونضب الماء طهر (ح) وكذا إذا لم ينضب إذا حكمنا بطهارة الغسالة وان العصر لا يجب) * إذا أصاب الارض بول فصب عليها من الماء
[ ٢٤٦ ]
ما يغمره وتستهلك فيه النجاسة طهرت بعد نضوب الماء وقبله: وجهان: ان قلنا ان الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم وان قلنا انها نجسة والعصر واجب فلا وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف بل يكفى أن يفاض الماء كالثوب المعصور لا يشترط فيه الجفاف والنضوب كالعصر وقال أبو حنيفة لا تطهر الارض حتى تحفر إلى الموضع الذى وصلت إليه النداوة وينقل التراب لنا ما روى ان اعرابيا بال في ناحية المسجد فقال النبي ﷺ صبوا عليه ذنوبا من ماء ولم يأمر بنقل التراب وقوله
[ ٢٤٧ ]
حتى صار مغلوبا اشارة إلى أن المعتبر أن يكون الماء المصبوب على الموضع غالبا على النجاسة غامرا لها ولا بأس لو أعلمته أو اعلمت قوله طهر: بالواو لوجهين رويا على خلاف ظاهر المذهب أحدهما يجب أن يكون الماء سبعة أضعاف البول: الثاني يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب وعلي بول الاثنين ذنوبان وعلى هذا أبدا ثم الخمر وسائر النجاسات المائعة كالبول تطهر الارض عنها بالمكاثرة ولا تقدير علي على ظاهر المذهب: وقوله إذا حكمنا بطهارة الغسالة وان العصر لا يجب لا ضرورة الي الجمع بينهما بل
[ ٢٤٨ ]
لو اقتصر على نفى وجوب العصر لحصل الغرض فان الخلاف في العصر مبنى على الخلاف في الغسالة قال (الثالث اللبن المعجون بماء نجس يطهر إذا صب عليه الماء الطهور فان طبخ طهر ظاهره بافاضة الماء دون باطنه) اللبن النجس ضربان أحدهما ان يختلط بالتراب نجاسة جامدة من روث أو عظام ميتة أو غيرهما فيضرب منه لبن فهو نجس ولا سبيل إلى تطهيره بحال لما فيه من عين النجاسة: فلو طبخ فالمذهب الجديد
انه علي نجاسته والنار لا تطهر شيئا بل الطهورية مخصوصة بالماء: وفي القديم قول أن الارض النجسة تطهر إذا زال اثر النجاسة بالشمس والريح ومرور الزمان فخرج أبو زيد والخضرى
[ ٢٤٩ ]
وآخرون منه قولا في تأثير النار وقالوا تأثير النار اشد واقوي من تأثير الشمس: فعلى هذا يطهر ظاهره بالطبخ لان النار تحرق ما عليه من النجاسة: وان قلنا بالجديد الصحيح فلو غسل هل يطهر ظاهره: المنصوص في الام انه لا يطهر لانتشار أجزاء النجاسة والتصاقها بالمحل وزوال الجميع غير معلوم وقال أبو الحسين بن المرزبان والقفال يطهر لان عين النجاسة قد زالت فإذا ورد عليه الماء طهر محله النجس والظاهر الاول: الضرب الثاني أن لا يختلط به نجاسة جامدة
[ ٢٥٠ ]
ولكن يعجن بماء نجس أو بول وهو الذى ذكره في الكتاب فهذا اللبن يمكن تطهيره كسائر الاعيان التي أصابتها نجاسة مائعة وطريق تطهير ظاهره افاضة الماء عليه على سبيل غسل سائر الاعيان وطريق تطهير باطنه أن ينقع في الماء حتى يصل الماء إلى جميع اجزائه كالعجين بمائع نجس انما يطهر بوصول الماء إلى جميع اجزائه هكذا حكمه ما لم يطبخ فان طبخ فعلى التخريج الذى سبق يطهر ظاهره وكذلك باطنه في اظهر القولين لتأثره بالنار وعلى الجديد هو على نجاسته وإذا غسل طهر ظاهره دون باطنه لانه استحجر بالطبخ فلا يتغلغل الماء فيه وانما يطهر الكل إذا دق حتى صار كالتراب ثم افيض الماء عليه: ولو كان رخوا لا يمتنع نفوذ الماء فيه بعد الطبخ
[ ٢٥١ ]
فهو كما قبل الطبخ: وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله يطهر إذا صب فيه الماء الطهور ليس المراد منه طهارة الظاهر وحده بدليل قوله بعده فان طبخ طهر ظاهره دون باطنه فانه بين ارادة طهارة الكل في الاول وحينئذ فمجرد الصب لا يكفي بل في الكلام اضمار: المعنى إذا صب فيه الماء الطهور حتي ينتقع فيه ويصل الماء إلى جميع اجزائه وفي بعض النسخ إذا نضب وهو عبارة الوسيط وتقييد الماء بالطهورية في هذا الموضع كالمستغني عنه لوضوح اشتراط الطهورية في الماء الذي تزال
به النجاسات مطلقا وعدم اختصاصه بهذا الموضع وقوله فان طبخ طهر ظاهره بافاضه الماء يجوز أن يعلم قوله بافاضة الماء بالواو اشارة إلى التخريج المذكور فان من صار إليه قال بأنه يطهر
[ ٢٥٢ ]
بالطبخ لا بافاضة الماء عليه كذلك قوله دون باطنه لما ذكرنا أن أحد القولين علي قاعدة القول المخرج طهارة الباطن ايضا قال (الرابع بول الصبى قبل أن يطعم يكفى فيه رش الماء (ح م) ولا يجب الغسل بخلاف بول الصبية للحديث) الواجب في ازالة النجاسات الغسل الا في بول الصبى الذى لم يطعم ولم يشرب سوى اللبن فيكفى فيه الرش ولا يجب الغسل خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد: لنا ما روى أنه صلى الله عليه
[ ٢٥٣ ]
وسلم قال انما يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلام
[ ٢٥٤ ]
وعن أم قيس أنها أتت رسول الله ﷺ بصبي لها لم يأكل الطعام فأجاسته في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله واعلم أنه لابد من أن يصيب الماء جميع موضع البول ثم لا يراده ثلاث درجات أحداها النضح المجرد: الثانية النضح مع الغلبة والمكاثرة: الثالث أن ينضم إلى ذلك الجريان والسيلان ولا حاجة في الرش الي الدرجة الثالثة وهل يحتاج إلى الثانية فيه
[ ٢٥٨ ]
وجهان اظهرهما نعم والرش والغسل يفترقان في أمر السيلان والتقاطر وهل يلحق بول الصبية ببول الصبي فيه وجهان أحدهما نعم كما يستوى بول الرجل والمرأة في الحكم واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يلحق به للخبر ويفرق بينهما من جهة المعني بأن بول الصبى كالماء وبول الصبية أصفر ثخين وأيضا بأن طبعها أحر فبولها الصق بالمحل
[ ٢٥٩ ]
(الخامس ولوغ الكلب يغسل سبعا احداهن بالتراب وعرقه وسائر اجزائه كاللعاب وفي الحاق (م) الخنزير به قولان والاظهر أنه لا يقوم الصابون والاشنان (ز) مقام التراب ولا الغسلة الثامنة ولو كان التراب نجسا أو مزج بالخل فوجهان ولو ذر التراب على المحل لم يكف بل لا بد من ماء يعفر به فيوصله إليه) ولوغ الكلب ما ولغ فيه والولوغ المصدر وقاعده الفرع أنه يغسل من ولوغ الكلب سبعا احداهن بالتراب خلافا لابي حنيفة حيث قال حكمه حكم سائر النجاسات ولا حمد حيث قال في رواية يغسل ثمان مرات: لنا ما روى أبو هريرة رضي الله أن النبي صلي الله عليه قال إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعا أو لا هن أو احداهن بالتراب ثم فيه مسائل
[ ٢٦٠ ]
أحداها عرقه وسائر اجزائه وفضلاته كاللعاب إذا تنجس الشئ بها وجب العدد والتعفير لان فمه أنظف من غيره كما سبق فإذا ورد التغليظ فيه ففى غيره أولى وفى وجه غير اللعاب كسائر النجاسات قياسا وعند مالك لا يغسل من غير الولوغ لان الكلب طاهر عنده والغسل من الولوغ تعبد: الثانية في الحاق الخنزير بالكلب في هذا التغليظ قولان الجديد أنه يلحق به لانه حيوان
[ ٢٦١ ]
نجس العين والسؤر كالكلب فهو أولى بالتغليظ لانه لا يجوز اقتناؤه بحال والقديم انه لا يلحق به لان القياس يقتضى الاقتصار على المرة الواحدة وانما ورد التغليظ في الكلاب فطما لهم عن عادة مخالطتها ومنهم من قطع بالحاق الخنزير بالكلب ولم يثبت القول القديم فلك أن تعلم قوله قولان بالواو ويشير إلى هذه الطريقة الثالثة هل يقوم الصابون والاشنان مقام التراب فيه ثلاثة
[ ٢٦٢ ]
أقوال أظهرها لا: لظاهر الخبر ولانها طهارة متعلقة فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم والثاني نعم كالدباغ يقوم فيه غير الشب والقرظ مقامهما وكالاستنجاء يقوم فيه غير الحجارة مقامها.
الثالث أن وجد التراب لم يعدل إلى غيره وان لم يجده جاز اقامة غيره مقامه للضرورة ومنهم من قال
يجوز اقامة غير التراب مقامه فيما يفسد باستعمال التراب فيه كالثياب ولا يجوز فيما لا يفسد
[ ٢٦٣ ]
كالاواني: الرابعة لو اقتصر على الماء وزاد في عدد الغسلات على السبع هل يطهر فيه وجهان أصحهما لا لظاهر الخبر ولانه غلظ أمر هذه النجاة بالجمع فيه بين جنسين فلا يجوز الاقتصار على أحدهما كزنا البكر لما غلظ أمره بالجمع بين الجلد والتغريب لا يقصر على أحدهما: والثاني نعم لان المقصود التطهير والماء أبلغ في التطهير من التراب ثم منهم من رتب هذا الخلاف على أن الصابون والاشنان ونحوهما هل تقوم مقام التراب أم لا ان قلنا لا فكذلك الغسلة الثامنة وان قلنا نعم فههنا وجهان لان ثم استعان بشئ آخر سوى الماء ومنهم من بناه على الخلاف فيما إذا غمس الاناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء كثير هل يطهر أم لا يعتد بذلك غسلة واحدة
[ ٢٦٤ ]
ويجب غسله ستا احداهن بالتراب فان قلنا بالاول طهر بالغسلة الثامنة وان قلنا بالثاني فلا: وحكى القاضي الروياني في المسألة وجها ثالثا أن الغسلة الثامنة تقوم مقام التراب عند عدمه: ولا تقوم مقامه عند وجوده وهو نظير القول الثالث في المسألة السابقة: الخامسة لو كان التراب نجسا ففيه وجهان أحدهما يجزى كالدبغ بالشئ النجس فان المقصود الاستعانة على القلع بشئ آخر وأصحهما لا كما لو تيمم بالتراب النجس وهذه المسألة تناظر مسألة أخرى وهى أن الارض الترابية لو
[ ٢٦٥ ]
تنجست باصابة الكلب اياها هل يحتاج في تطهيرها إلى التراب أم يكفي محض الماء ان قلنا يجوز التطهير بالتراب النجس فلا حاجة إلى تراب آخر وان قلنا لا يجوز فلابد من استعمال تراب آخر والا ظهر في هذه المسألة أنه لا حاجة إلى استعمال التراب لانه لا معنى للتعفير في التراب: السادسة لا يكفي ذر التراب على المحل وان غسله سبعا بل لابد من مائع يمزجه ليصل التراب بواسطته إلى جميع أجزاء المحل ثم ذلك المائع ان كان ماء حصل الغرض وان كان غيره كالخل
[ ٢٦٦ ]
وماء الورد وغسله ستا بالماء فوجهان أحدهما يكفى لان المقصود من تلك الغسلة التراب وأصحهما لا لقوله ﷺ فليغسله سبعا احداهن بالتراب المعنى فليغسله بالماء سبعا والا لجاز الغسل بغير الماء وبنى طبقة من الائمة ومنهم صاحب الكتاب الخلاف في المسائل والاربع الاخيرة علي النظر في أن التعفير لماذا روعى فمنهم من قال هو تعبد يتبع فيه ظاهر النقل وقيل سببه الاستظهار بغير الماء وقيل سببه الجمع بين نوعي الطهور فعلى الاول لا يغني استعمال
[ ٢٦٧ ]
غير التراب ولا الغسلة الثامنة والتراب النجس والمزج بسائر المائعات لكن لاتجزى الغسلة الثامنة وعلى الثالث يمنع الكل الا المزج بسائر المائعات وقد يتوقف المتأمل في بعض هذه التفاريع وقوله في الاصل بل لابد من مائع يغيره ليوصله إليه يجوز أن يقرأ بالياء من التغير أي يغير التراب ذلك المائع فيوصل المائع التراب إليه ويمكن أن يجعل الفعل للمائع على معنى أنه يغير التراب عن هيئته فيهيأ للنفوذ والوصول إلى جميع الاجزاء وفي بعض النسخ يغبر به وكل جائز
[ ٢٦٨ ]
قال (السادس سؤر الهرة طاهر فان أكلت فأرة ثم ولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين أن تلغ في الحال أو بعد غيبة محتملة للولوغ في الماء الكثير والاحسن تعميم العفو للحاجة) * سؤر الهرة طاهر لانها طاهرة العين وما هو طاهر العين فهو طاهر السؤر ولذلك لما تعجبوا من اصغاء رسول الله ﷺ الاناء للهرة قال انها ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم جعل طهارة العين علة طهارة السؤر فلو أكلت فأرة أو تنجس فمها بسبب آخر ثم ولغت في ماء قليل ونحن نتيقن نجاسة فمها بعد فهل ينجس: فيه وجهان أحدهما لا لكثرة اختلاطها وعسر الاحتراز ولانه ﷺ كان يصغى لها الاناء ولا شك أنه تعترى النجاسة لفيها ولم يكن بقرب حجر رسول الله ﷺ ماء كثير ترده الهرة وأصحهما نعم كسائر النجاسات والاحتراز وان عسر فانما يعسر عن مطلق الولوغ فأما عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم فممنوع
[ ٢٦٩ ]
وتغطية رأس الاناء هينة واصغاء النبي ﷺ يحتمل انه كان عند العلم بالطهارة أو عدم العلم بالنجاسة وان لم يتيقن عند الولوغ ان فمها نجس بعد فان غابت واحتمل ولوغها في ماء كثير أو ماء جاز فهل ينجس وجهان أحدهما لا لانه ماء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك والثاني نعم استصحابا لنجاسة الفم إذ لم تتيقن طهارته والاول أظهر وصاحب الكتاب قد جمع بين الحمالتين وجعل المسألة على ثلاثة أوجه وهو حسن لكن اختار تعميم العفو وهو خلاف ما صححه معظم الاصحاب والله أعلم قال (السابع غسالة النجاسة ان تغيرت فهو نجس وان لم تتغير فحكمه حكم المحل بعد الغسل ان طهر فطاهر (ح) وفي القديم هي طاهرة بكل حال ما لم تتغير وقيل حكمه حكم المحل قبل الغسل وفائدته تظهر في رشاش الغسلة الثانية من ولوغ الكلب)
[ ٢٧٠ ]
الماء المستعمل في ازالة النجاسة وهو الغسالة اما أن يتغير بعض أو صافه بالنجاسة فهو نجس لقوله ﷺ (الا ما غير طعمه أو ريحه) أو لا يتغير ففيه ثلاثة أقوال الجديدان حكمه حكم المحل بعد الغسل ان كان نجسا بعد فهو نجس والا فطاهر غير طهور لان البلل الباقي في المحل بعضه: والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة والنجاسة وانما حكمنا بسقوط الطهورية لما سبق في المستعمل في الحدث: والثاني وهو مخرج على الجديد انه نجس لانه ماء قليل أصابته نجاسة والعبارة عن هذا القول ان حكم الغسالة حكم المحل قبل استعمالها فيه كما في المستعمل في الحدث ومنه خرج: والثالث وهو القول القديم انه طاهر طهور بكل حال لما سبق في توجبه القديم في المستعمل في الحدث والعبارة عنه أن حكم الغسالة حكمها قبل الورود على المحل ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف بالوجوه لانها غير منصوصة ويخرج على هذا الخلاف غسالات الماء المستعمل في ازالة نجاسة
[ ٢٧١ ]
الكلب فلو تطاير منها شئ في المرة الاولى إلى ثوب أو غيره غسل ذلك الموضع على الاول ست
مرات لانه حكم المحل المغسول بعد تلك الغسلة وعلى الثاني يغسل سبعا لانه حكم المحل قبل تلك الغسلة وعلى الثالث لا حاجة إلى غسله أصلا وعلى هذا لو تطاير من السابعة غسل على الثاني مرة ولا يغسل منها اصلا فقس المرة الثانية وما بعدها حتى تنتهي إلى المرة السابعة فيغسل منهما على القول الثاني مرة ولا يغسل منها أصلا على الاول ولثالث ومتى وجب الغسل عنها نظر هل سبق التعفير للمرة المصاب منها ام لا فان لم يسبق لزم رعايته وفي وجه لكل غسلة سبع حكم المحل لانها تزيل سبع النجاسة فيغسل منها مرة وهذا الوجه يتضمن التسوية بين الغسلة المشتملة على التعفير وبين سائر الغسلات وهو اسقاط لا ثر التعفير ولا يخفى عليك بعد هذا ان قوله حكمه حكم المحل قبل الغسل أي قبل ذلك لا قبل مطلق الغسل وان ذكر الغسلة الثانية جرى على سبيل المثال والكناية في قوله وتظهر فائدته يجوز أن يعود إلى القول الثالث ويجوز أن يعود إلى الخلاف واستخراج العبارات الثلاث والاول أحسن وأولى
[ ٢٧٢ ]
فهذا شرح ما في الكتاب على النظم: وينبغى أن يتنبه فيه لمسائل أحداهان ما ذكره من الخلاف مخصوص بالماء القليل إذا غسل به النجاسة وان أطلق اللفظ والا فلا خلاف في أن الكثير لا ينجس الا بالتغير: الثانية اطلق الخلاف فيما إذا لم يتغير ولو لم يتغير ولكن ازداد وزنه عند الانفصال على ما كان فهو نجس بمثابة ما لو تغير في أصح الوجهين: الثالثة الخلاف المذكور في المستعمل في واجب الازالة أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان أظهرهما انه طاهر طهور بلا خلاف: والثاني انه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الاول: والثالث دون الثاني * قال (الباب الثالث في الاجتهاد * مهما اشتبه عليه أناء تيقن نجاسته بمشاهدة أو سماع عن عدل بأناء طاهر لم يحز (و) استعمال أحد الانائين الا باجتهاد (ز) وطلب علامة تغلب ظن الطهارة) إذا اشتبه عليه أناء طاهر بأناء نجس واحتاج إلى الطهارة فماذا يفعل: فيه ثلاثة أوجه أحدها يستعمل ما شاء من غير اجتهاد ونظر: لان الذى يقصده بالاستعمال غير معلوم النجاسة والاصل
[ ٢٧٣ ]
فيه الطهارة: والثاني انه انما يأخذ أحدهما إذا ظن طهارته ولكن لا يشترط استناده إلى اجتهاد وأمارة بل له ان يأخذ بما سبق وهمه إليه وكفى ذلك مرجحا لاصل الطهارة: والثالثة وهو المذهب ولم يذكر في الكتاب سواه انه لا يجوز أخذ احدهما الا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب ظن طهارة المأخوذ ونجاسة المتروك لان أصل الطهارة عارضه يقين النجاسة وعرفنا أن ذلك الاصل صار متروكا اما في هذا أو في ذلك فيجب النظر في التعيين: وقال المزني يتيمم ولا يجتهد: وان كان الاشتباه في ثوبين صلى فيهما صلاتين وبه قال احمد: وقال أبو حنيفة يجتهد في الثياب ولا يجتهد في الاواني الا إذا كان عدد الطاهر أكثر:؟؟ قياس الاواني على الثياب وقد أعلموا لفظ الكتاب بالعلامات المشعرة بهذه الاختلافات فقوله لم يجز معلم بالواو ولفظ الانائين معلم بالحاء وقوله الا باجتهاد بالالف والزاى ولو كان سبب الاشتباه اخبار عدل اياه عن نجاسة أحدهما على الابهام وجب الاجتهاد كما لو عرفه بنفسه وكذلك لو أخبره عن نجاسة أحدهما بعينه ثم اشتبه عليه وسبيله سبيل الرواية فكل
[ ٢٧٤ ]
من تقبل روايته من ذكر وأنثى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك بشرط العدالة وهل يقبل قول الصبى المميز وفيه وجهان ويشترط أن يعلم من حال المخبر أنه لا يخبر الا عن حقيقة لان المذاهب مختلفة في أسباب النجاسات فقد يظن ما ليس بمنجس منجسا ولعلك تقول لفظ الكتاب يقتضي أن يكون اخبار العدل مفيدا لليقين لانه قال تيقن نجاسته بمشاهدة أو سماع عن عدل وقول الواحد لا يفيد اليقين فاعلم أن الفقهاء كثيرا ما يعبرون بلفظ المعرفة واليقين عن الاعتقاد القوى علما كان أو ظنا مؤكدا ويجري ذلك في لسان أهل العرف وهذا على ذلك المذهب: ولك أن تستفيد من قوله لم يجز أخذ أحد الانائين الا بالاجتهاد فائدة وهي النظر فيما لو خرج أحد الانائين عن أن يستعمل اما بالانصباب أو بتقاطر شئ من الآخر فيه هل يحتاج إلى الاجتهاد في الثاني: الذى يقتضيه لفظ الكتاب أنه يحتاج إليه وهو الظاهر وفيه وجهان آخران أحدهما يتوضأ به من غير تحر: والثاني لا يتوضأ به أصلا بل يتيمم: وقوله الا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب
[ ٢٧٥ ]
ظن الطهارة ليس فيه الا الايضاح ولو اقتصر على قوله لم يجز أخذ أحد الانائين الا بالاجتهاد أو قال الا بطلب علامة لحصل به الغرض * قال (وان غلب على ظنه نجاسة أحد الانائين بكونه من مياه مدمنى الخمر أو الكفار المتدينين باستعمال النجاسة فهو كاستيقان النجاسة على أحد القولين وعليه تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة ومع طين الشوارع وكل ما الغالب نجاسته) * الشئ الذى لا يتيقن نجاسته ولكن الغالب في مثله النجاسة يستصحب طهارته أم يؤخذ بنجاسته قولان أحدهما يستصحب طهارته تمسكا بالاصل المتيقن إلى أن يزول بيقين بعده كما في الاحداث: والثاني يؤخذ عملا بالظن المستفاد من الغلبة بخلاف الاحداث فان عروصها أكثر فخفف الامر فيها بطرح الظن كالشك ويشهد هذان القولان لقولي تعارض الاصل والظاهر وللمسألة نظائر كثيرة منها ثياب مدمنى الخمر وأوانهيم وثياب القصابين والصبيان الذين لا حتراز لهم عن النجاسات وطين الشوارع حيث لاتتيقن
[ ٢٧٦ ]
نجاسته والمقابر المنبوشة حيث لا تتيقن النجاسة ومنها أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات كالمجوس يغتسلون ببول البقر ويتقربون بذلك ولا يلحق بهم الكفار الذين لا يتدينون باستعمالها كاليهود والنصارى: نعم المنهكمون منهم في الخمر والتلوث بالخنزير يجرى في ثيابهم وأوانيهم القولان لا محالة كمدمني الخمر من المسلمين وربما أطلقوا نقل القولين فيما إذا غلب على الظن النجاسة ولم يستيقن ولكن له شرط وهو أن تكون غلبة الظن مستندة إلى أن الغالب في مثله النجاسة أما لو كان سبب الظن غير ذلك لم يلزم طرد القولين حتى لو رأى ظبية تبول في ماء كثير وكان بعيدا عن الماء فانتهى إليه ووجده متغيرا وشك في أن تغيره بالبول أم بغيره فهو نجس نص عليه الشافعي ﵁ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ثم الظاهر من القولين استصحاب الاصل فانه أصدق وأضبط من الغالب الذى يختلف باختلاف الزمان والاحوال والنقل
[ ٢٧٧ ]
يعضد ذلك مثل ما روى أنه ﷺ حمل امامة بنت أبي العاص في صلاته وكانت
هي بحيث لا تحترز عن النجاسات إذا تقرر هذا الاصل فنقول: ان ألحقنا غلبة الظن باليقين فلو اشتبه عليه اناء طاهر باناء الغالب في مثله النجاسة كان كما لو اشتبه باناء مستيقن النجاسة فيحتاج إلى الاجتهاد كما سبق: وان لم نلحقها باليقين فلا حاجة إلى الاجتهاد ويستعمل أيها شاء وكليهما أيضا وقوله وعليه يخرج امتناع الصلاة في المقابر المنبوشة وفي بعض النسخ وعليه تمتنع الصلاة أي على قول الحاق الغلبة باليقين تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة وكذلك حكم التيمم بترابها وامتناع الصلاة مع طين الشوارع ونحوه ويجوز أن يرجع الكتابة في قوله وعليه يخرج الي الخلاف *
[ ٢٧٨ ]
قال (ثم للاجتهاد شرائط الاول أن يكون للعلامة مجال في المجتهد فيه فيجوز (ز) الاجتهاد في الثياب والاواني ولا يجوز في تمييز المحرم والميتة عن المذكاة والا جنبية) * الشرائط جمع شريطة وحقها أن يقال الاولى والثانية فقوله الاول والثاني محمول على المعني: التقدير الشرط الاول والثاني إذا عرفت ذلك فمن شرائط الاجتهاد أن يكون للعلامة مجال في المجتهد فيه فيجوز في الثياب والاوانى إذا اشتبه بعضها ببعض لانها محال العلامات على ما سيأتي أما إذا كان الاشتباه فيما لا يتوقع ظهور الحال فيه بالعلامات لفقدها فلا يجوز الاجتهاد كما لو اختلط محرم له بنسب أو رضاع بأجنبية أو أجنبيات محصورات فلا يجوز نكاح واحدة بالاجتهاد
[ ٢٧٩ ]
إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن الاجنبية ولو اشتبه عليه ميتة ومذكاة أو لبن بقرة بلبن اتان فوجهان أصحهما لا يجتهد أيضا إذ لا علامة: والثاني يجتهد إذ الميتة تطفوا الماء واعلم أنه لو منع مانع فقد الامارات في المحرم والاجنبية وادعى امكان الامتياز بالامور الخلقية والاخلاق وغيرها لم يبعد وكذلك في الصورة الثانية ثم انما ينتظم التعليل بفقد الامارات إذا اعتبرنا في الاجتهاد النظر في الامارات أما إذا قلنا يأخذ بما سبق وهمه إليه فليست العلة هذا وانما العلة فيه أن سبق الوهم انما يؤخذ به أعتمادا على ان الاصل في الماء الطهارة وههنا الاصل في الابضاع الحرمة وليست اللحوم
على الاباحة أيضا ألا ترى أنه لو ذبح المشرف على الموت وشك في أن حركته عند الذبح كانت حركة المذبوح أو حياة مستقرة يغلب التحريم ولك أن تقول في توجيه المنع على قاعدة اعتبار
[ ٢٨٠ ]
العلامات ان فقدت العلامات ههنا فقد تعذر الاجتهاد وان وجدت فالعلامات انما تعتمد عند تأييدها بالاصل لما سيأتي ولم توجد ههنا * قال (الثاني أن يتأيد الاجتهاد باستصحاب الحال فلا يجوز الاجتهاد عند اشتباه البول أو ماء الورد (ح) بالماء على أظهر الوجهين) * إذا اشتبه عليه ماء وبول أو ماء وماء ورد فهل يجتهد فيه فيه وجهان أحدهما نعم: اعتمادا على الامارات كما في الماء النجس: وأصحهما لا: لان الاجتهاد وهم أو رجم ظن لا يعتمد الا إذا اعتضد بأصل الطهارة والطهورية فعلى هذا يعرض ههنا في الصورة الاولى ويتيمم: وفي الثانية يتوضأ بهذا مرة وبهذا مرة وان قلنا بالاول فلا شك أن ههنا لا يكتفى بسبق الوهم بفقد الاصل فلا بد من
[ ٢٨١ ]
الامارات وبنى بعضهم الخلاف في الصورتين جميعا علي الخلاف في أناهل نكتفي في الاجتهاد بسبق الوهم أم يعتبر النظر في الامارات: ان قلنا بالاول فلا يجتهد وان قلنا بالثاني فيجتهد * قال (الثالث أن يعجز عن الوصول إلى اليقين فان كان على شط نهر امتنع الاجتهاد في الثياب والاواني على أحد الوجهين) * هل يجتهد مع امكان الطهارة فيه وجهان أحدهما لا لان الاجتهاد انما يصار إليه عند العجز عن درك اليقين ألا ترى أن في الحوادث لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص: وأظهرهما نعم لان تركه التطهير بالماء المقطوع بطهارته والعدول إلى المشكوك في طهارته جائز وهذا أصل يتخرج عليه مسائل: منها ما إذا كان على شط نهر أمكنه التطهر به والا عراض عن المائين المشتبهين جميعا
[ ٢٨٢ ]
وأمكن غسل الثياب المشتبهة به وهذه الصورة هي المذكورة في الكتاب ومنها أن يكون عنده
قلتا ماء أحداهما نجسة من غير تغير ولو جمعها لبلغ المجموع قلتين ومنها أن يشتبه عليه ماء طهور ومستعمل ومنها أن يشتبه عليه ماء.
وماء ورد فيجرى الوجهان في جميع هذه الصور الا أن الظاهر في الصورة الا خيرة منع الاجتهاد لا من جهة هذا الاصل بل للمعنى الذى سبق * قال (الرابع أن تلوح علامة النجاسة كحركة الماء أو نقصانه أو انصبابه أو ابتلال طرف الاناء إذا كانت النجاسة بولوغ الكلب ويشترك في دركه الاعمي (و) والبصير فان لم تلح علامة صب الماء وتيمم فان تيمم قبل الصب وجب القضاء لان معه ماء طاهرا بيقين) ان قلنا يأخذه ويستعمله من غير اجتهاد أو قلنا ما سبق وهمه إلى طهارته أخذ به فلا يحتاج إلى العلامات وان اعتبرنا الامارات والعلامات وهو الصحيح وعليه بنى صاحب الكتاب الكلام فلا بد من أن تلوح علامة النجاسة ليمتاز عنده النجس عن الطاهر مثال ذلك أن يعرف
[ ٢٨٣ ]
أن سبب النجاسة ولوغ الكلب ثم يرى نقصان ماء أحد الانائين أو حركته أو ابتلال طرف الاناء أو قرب أثر قدم الكلب من أحدهما فهذه الامور مشعرة بكونه نجسا وقد تدل حركة الماء وابتلال طرف الاناء علي النجاسة من غير ولوغ الكلب أيضا فان لم تلح له علامة وتحير تيمم لعجزه عن الوضوء ثم ان كان تيممه بعد صب الماء في الانائين فلا قضاء عليه ويعذر في صبه لدفع القضاء بخلاف ما إذا صب ما عنده من الماء الطاهر عبثا وتيمم حتى يقضى علي أحد الوجهين وفي معنى الصب ما لو جمع بينهما لتنجسا وان تيمم قبل ذلك قضى لان معه ماء طاهرا بيقين وهل يجتهد الاعمى في الاواني فيه قولان أحدهما لا كما لا يجتهد في القبلة بل يقلد فيهما وأصحهما نعم وهو الذى ذكره في الكتاب لانه يعرف باللمس اعوجاج الاناء واضطراب الغطاء وسائر العلامات فصار كالاجتهاد في الوقت فعلى الاول من شرائط الاجتهاد كونه بصيرا وعلي الثاني لا فرق: ثم ان عجز الاعمى ولم يغلب على ظنه شئ فوجهان أظهرها أن له أن يقلد بخلاف البصير
[ ٢٨٤ ]
إذا تحير فيه هذا آخر الشروط وإذا تأملتها عرفت أن اشتراط الكل مختلف فيه أما الثاني والثالث
فظاهر وأما الاول والرابع فهما مبنيان علي اعتبار العلامات ولعلك تقول الاجتهاد هو البحث والنظر وثمرته ظهور العلامات وثمرة الشئ تتأخر عنه والشرط يتقدم فكيف جعل ظهور العلامات شرطا فالجواب أن قوله ثم للاجتهاد شرائط أي للعمل بالاجتهاد أو لكونه مفيدا أو ما أشبه ذلك * قال (فرع لو ادى اجتهاده إلى اناء وصلى به الصبح ثم أدى عند الظهر اجتهاده إلى الثاني تيمم ولا يستعمل لان الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وخرج ابن سريج أنه يستعمل ونورده على جميع الموارد الاول: لان هذه قضية أخرى وعلى النص هل يقضي الصلاة الثانية لان معه ماء طاهرا بحكم الاجتهاد فيه وجهان) * إذا غلب علي ظنه طهارة أحد الانائين فالمستحب ان يريق الثاني لئلا يتغير اجتهاده فيشكل عليه الامر فلو لم يفعل وقد صلى الصبح مثلا بما ظن طهارته ثم تغير اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثاني فلا يخلو اما ألا يبقى من الاول شئ أو بقى فهما حالتان أحدهما ألا يبقى من الاول شئ وهذه الحالة هي التي تكلم فيها في الكتاب فنقول أولا لا يجب عليه اعادة الاجتهاد ههنا إذا حضرته الصلاة الثانية لكن لو أعاد وتغير اجتهاده فظن طهارة الثاني ففيه قولان أحدهما وهو المنصوص أنه لا يستعمله بل يتيمم لانه لو استعمله فاما أن يغسل ما اصابه الماء الاول من بدنه
[ ٢٨٥ ]
وثيابه فيلزم نقض الاجتهاد أو لا يغسل ذلك فيكون مصليا مع تعين النجاسة والثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني ولا يتيمم لان هذه قضية مستأنفة فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي لكن لابد من ايراد الماء على جميع المواضع التى أصابها الماء الاول وغسلها لازالة النجاسة ثم يتوضأ بعد ذلك لان من علي بدنه نجاسة وأراد أن يتوضأ أو يغتسل لم تكف الغسلة الواحدة عنهما جميعا ثم علي النص هل تقضى الصلاة الثانية الموداة بالتيمم فيه وجهان أصحهما لا إذ ليس معه ماء طاهر بيقين والثاني نعم لان معه ماء طاهرا بحكم الاجتهاد وأما الصلاة الاولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج: الحالة الثانية أن يبقي
من الاول شئ فان كانت البقية كافية لطهارته فالحكم على ما ذكرناه في الحالة الاولى لا في شيئين أحدهما انه يجب اعادة الاجتهاد للصلاة الثانية لان معه ماء مستيقن الطهارة والثاني ان الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها لان معه ماء طاهرا بيقين أما هذا أو ذاك هذا هو النص وفيه وجه أنه لا يجب لان ما معه من الماء ممنوع من استعماله شرعا فاشبه الذى حال بينه وبينه سبع وان لم تكن البقية كافية زاد النظر في أن ما لا يكفيه من الماء هل يجب استعماله أم لا ان قلنا لا فكما لو لم يبق شئ من الاول والافكما لو بقى ولو صب الماء الثاني في الحالة الاولى أو صبهما جميعا في الحالة الثانية ثم تيمم سقط القضاء بلا خلاف *
[ ٢٨٦ ]
قال (الباب الرابع في الاواني وهى ثلاثة أقسام) (القسم الاول المتخذ من الجلود واستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهرا وطهارته بالذكاة فيما يؤكل لجمه (ح) أو بالدباغ في الجميع الا الكلب (ح) والخنزير) * جعل الاواني على ثلاثة أقسام لانها اما أن تتخذ من الجلود أو من العظام أو من غيرهما وعلى الاحوال فالاعيان المتخذ منها أما أن تكون نجسة فلا يجوز استعمالها في الشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال أو طاهرة فيجوز ويستثنى الذهب والفضة على ما سيأتي وهذه الجملة ظاهرة نعم الحاجة تمس إلى بيان الطاهر والنجس من الجلود والعظام وتمييز أحدهما عن الآخر وإلى حكم
[ ٢٨٧ ]
المتخذ من الذهب والفضة فحصر كلام الاقسام الثلاثة في هذه الامور وانما يكون الجلد المتخذ منه الاناء طاهرا في حالتين أحدهما أن يكون جلد المأكول المذكي فهو على طهارته كاللحم وسائر الاجزاء وقد يؤكل الجلد على الرؤوس والمسموط ولا يلحق غير المأكول بالمأكول في ذلك بل جلد غير المأكول نجس وان ذكي كلحمه خلافا لابي حنيفة ﵀ الثانية أن يكون مدبوغا فالدباغ يفيد طهارة الجلد من المأكول وغيره خلافا لا حمد لنا ما روى أنه ﵇ مر بشاة ميتة لميمونة فقال هلا اتخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقيل انها ميتة فقال أيما أهاب دبغ
فقد طهر ويستثنى جلد الحيوان النجس في الحياة وهو الكلب والخنزير وفروعهما خلافا لابي حنيفة
[ ٢٨٨ ]
في الكلب لنا أن جلدها لم ينجس بالموت لما بينا أنهما نجسان في الحياة والدباغ انما يطهر جلدا نجس بالموت لان غاية الدباغ نزع الفضلات ودفع الاستحالات ومعلوم أن الحياة أبلغ في ذلك من الدباغ فإذا لم تفد الحياة الطهارة حتى كان نجسا قبل الموت فأولى أن لا يفيدها الدباغ: ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب أما قوله المتخذ من الجلد فاستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهرا فاعلم أن هذا كما هو شرط في المتخذ من الجلد فهو شرط في المتخذ من سائر الاعيان وان لم يذكره في سائر الاقسام: وقوله وطهارته بالذكاة ليس على معنى أن الذكاة تطهر فان التطهير يستدعي سبق النجاسة وهو طاهر في الحياة وانما المراد أن الجلد الذى يتخذ منه الاناء لا يكون طاهرا الا إذا وجد أحد المعنيين أما الذكاة في المأكول أو الدباغ: وقوله فيما يؤكل لحمه ينبغي أن يكون معلما بالحاء لان عنده لا حاجة إلى هذا القيد وموضع باقي العلامات ظاهر بعد ما نقلناه من الخلاف وقوله الا الكلب والخنزير يوجب حصر الاستثنأ فيهما وهو ظاهر المذهب بعد الحاق فروعهما
[ ٢٨٩ ]
بهما ولنا قول أن الآدمى ينجس بالموت على تقدم ذكره فعلى ذلك القول هل يطهر جلده بالدباغ فيه وجهان أظهرهما نعم لعموم الخبر ولانه طاهر في الحياة فأشبه جلده سائر الجلود: والثاني وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يطهر لما فيه من الامتهان فعلى هذا يلحق جلد الآدمى بالمتثنى ولك أن تعلم قوله وبالدباغ مع الالف المشيرة إلى مذهب أحمد بالواو لا لمصير بعض الاصحاب الي المنع من الدباغ فليس فيهم من يقول به لكن لان صاحب التتمة حكي وجها عن رواية ابن القطان أن جلد الميتة لا ينجس وانما أمر بالدبغ لا زالة الزهومة فإذا كان طاهرا قبل الدباغ لم تكن طهارته بالدباغ * قال (وكيفية الدباغ نزع الفضلات بالاشياء الحريفة ولا يكفى الترتيب (ح) والتشميس (ح) ولا يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ على أقيس الوجهين ويجب افاضة الماء المطلق على الجلد المدبوغ
على أظهر الوجهين) *
[ ٢٩٠ ]
لك في قوله وكيفية الدباغ نزع الفضلات مباحثتان احداهما أن تقول ما الذى أراد بكيفية الدباغ أراد به حقيقته أم غير ذلك: وكيف يجوز ارادة الحقيقة وقد اشتهر في كلام الفقهاء ان مقصود الدباغ نزع الفضلات وعد ذلك كلاما صحيحا منتظما مقصود الشئ غير حقيقته: وان اراد غير ذلك فما هو: والجواب يجوز أن يكون المعنى والكيفية المعتبرة في الدباغ نزع الفضلات ويجوز أن يريد بكيفيته حقيقته لكن الدباغ يطلق بمعنيين يطلق بمعنى الفعل المخصوص في الجلد علي الهيأة التى يبتغي بها صلاح الجلد ويطلق بمعنى الفعل المصلح ولهذا يقال يحصل الدباغ بكذا ولا يحصل بكذا ومع وجود الدلك والاستعمال علي الهيئة التى يبتغي بها الصلاح فبالمعنى الاول ينتظم أن يقال مقصود الدباغ نزع الفضلات وبالمعني الثاني ينتظم أن يقال حقيقة الدباغ نزع الفضلات: الثانية أن يقول كيف اعتبر مجرد النزع والاصحاب يقولون يعتبر عند الشافعي ﵁ في الدباغ ثلاثة أشياء نزع الفضول وتطييب الجلد وصيرورته بحيث لو نقع في الماء لم يعد الفساد والنتن
[ ٢٩١ ]
والجواب أنه لا فرق في المعنى فانه إذا نزعت الفضلات طاب الجلد وصار إلى الحالة المذكورة وإذا اعتبرنا أحد الامور المتلازمة فقد اعتبرناها جميعا وقوله بالاشياء الحريفة يجوز أن يكون معلما بالواو لشيئين أحدهما أن هذا اللفظ يعم الشب والقرظ الواردين في خبر الدباغ وغيرهما كالعفص وقشور الرمان: وحكي بعضهم وجها أنه يختص الدباغ بالشب والقرظ كما يختص تطهير ولوغ الكلب بالتراب على الاظهر والمذهب أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما مما يصلح للدباغ: والشب بالباء كذلك ذكره الازهرى وفي الصحاح أن الشب بالباء شئ يشبه الزاج والشث بالثاء نبت يدبغ به: الثاني أنه يعم الطاهر والنجس من آلات الدباغ سواء كان نجس العين كذرق الطائر أو غيره وفيه وجهان أحدهما لا يجوز الدباغ بالنجس لان النجس لا يصلح للتطهير وأظهرهما وهو ظاهر ما ذكره الجواز: لان الغرض اخراج الجلد عن التعرض للعفونة والاستحالة وهذا يحصل
بالطاهر والنجس جميعا وهذا في طهارة العين ويجب غسله بعد ذلك لا محالة بخلاف المدبوغ بالشئ
[ ٢٩٢ ]
الطاهر ففى وجوب غسله خلاف يأتي ذكره وإذا عرفت ذلك فاعلم أن النزع انما اعتبر ليصير الجلد نظيفا مصونا عن الاستحالات والتغيرات فيطهر كما كان في حال الحياة ويترتب عليه أن التجميد بالالقاء في التراب والشمس لا يكفى لان الفضلات لا تزول ألا ترى أنه إذا نقع في الماء عاد الفساد: وعن أبي حنيفة أنه يكفى ذلك وبه قال بعض الاصحاب لحصول الجفاف وطيب الرائحة: ثم في الفصل مسألتان أحداهما هل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ مع الادوية فيه وجهان أحدهما نعم لان معنى الازالة في الدباغ أغلب والماء متعين لا زالة النجاسات وأيضا فقد روي أنه ﷺ قال أليس في الشب والقرظ والماء ما يطهره وأظهرهما لا: لقوله ﷺ سلم أيما أهاب دبغ فقد طهر والغالب في الدباغ الاحالة دون الازالة ومعناه أن الجلد بنزع الفضلات يستحيل إلى الطهارة كالخمر يستحيل خلا: الثانية إذا دبغ الجلد بشئ طاهر فهل يجب غسله بعد الدباغ فيه وجهان أظهرهما نعم لا زالة أجزاء الادوية فانها نجست بملاقات
[ ٢٩٣ ]
الجلد وبقيت ملتصقة به: والثاني لا لظاهر قوله ﷺ فقد طهر فان قلنا يجب فالجلد بعد الدباغ طاهر العين كالثوب النجس بخلاف ما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ ولم يستعمل فانه يكون نجس العين وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لا بد من استعمال الادوية ثانيا فيه وجهان: وإذا أوجنا الغسل بعد الدباغ لم يجز أن يكون الماء متغيرا بالادوية وإذا أوجبنا الاستعمال في أثناء الدباغ لم يضر كونه متغيرا بها بل لا بد منه فلهذا وصف الماء في المسألة الثانية بكونه مطلقا ولم يتعرض لذلك في الاولى * قال (ثم الجلد المدبوغ طاهر ظاهره وباطنه (وم) يجوز بيعه (وم) ويحل أكله على أقيس القولين) *
[ ٢٩٤ ]
هل يطهر بالدباغ باطن الجلد كظاهره أم لا يطهر الا ظاهره: فيه قولان الجديد انه يطهر الباطن والظاهر حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الاشياء الرطبة واليابسة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال أيما أهاب دبغ فقد طهر ولقوله هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به أطلق ولم يفصل بين الانتفاع في الرطب واليابس ولان الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعا والقديم وهو مذهب مالك أنه لا يطهر باطنه حتى يصلى عليه ولا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل
[ ٢٩٥ ]
في الاشياء الرطبة لقوله ﷺ لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب ظاهره المنع مطلقا خالفنا في ظاهر الجلد جمعا بينه وبين الاخبار المجوزة للدباغ وأما الا كل منه فان كان
[ ٢٩٦ ]
جلد مأكول فقولان الجديد الجواز لقوله ﷺ دباغ الاديم ذكاته والقديم المنع
[ ٢٩٨ ]
لقوله ﵇ انما حرم من الميتة أكلها وان كان من غير مأكول فطريقان أحدهما طرد القولين وأظهرهما القطع بالمنع كما في الذكاة وقد أطلق في الكتاب ذكر القولين في الاكل فيجوز أن يريد من المأكول ويجوز أن يريد المأكول وغيره علي طريقة طرد القولين فيهما وبها قال القفال: ثم الخلاف في الاكل يجوز أن يجعل من فروع الخلاف في طهارة الباطن وهو قضية ايراده في الاصل ويجوز أن يجعل خلافا مستقلا ويوجه بما سبق وكذلك جعله بعضهم وجها لا قولا وكذلك حكاه في الوسيط * قال (القسم الثاني المتخذ من العظام * والعظم ينجس (ح) بالموت على ظاهر المذهب وقيل قولان كما في الشعر ولا ينجس (و) شعر الآدمى بالموت والابانة ولا شعر الحيوان المأكول بالجز قولا واحدا فان حكمنا أن الشعر لا ينجس بالموت فالاصح أن شعر الكلب والخنزير نجس لنجاسة المنبت) * الشعور هل تنجس بالموت والابانة فيه قولان أحدهما لا لانه لاتحلها الحياة بدليل أنها
لا تحس ولا تألم وانما يتأثر بالموت ما تحله الحياة: وأظهرهما نعم لانه ان حلها الحياة كانت كسائر الاجزاء والا فهي حادثة من الجملة فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة كما تجعل تابعة لها في حكم الجنابة وغيره ويجرى القولان في الصوف والوبر والريش وأما العظام ففيها طريقان أظهرهما القطع بالنجاسة لانها تحس وتألم: والثاني طرد القولين كما فيها لان الظفر يقلم ولا يألم والظلف تبرد بالمبرد ولا يحس به الحيوان فان قلنا الشعر والعظم ينجسان بالموت والابانة وجعلنا حكمهما حكم سائر الاجزاء فيستثنى عنهما موضعان أحدهما شعر المأكول إذا أبين في حياته كما سبق: والثاني شعر الآدمى وفيه قولان أو وجهان مبنيان على نجاسته بالموت ان قلنا لا ينجس وهو الاصح فلا ينجس شعره بالموت والابانة وان قلنا ينجس ينجس شعره أيضا بالموت والابانة وعلى هذا القول إذا سقطت منه شعرة أو شعرتان وصلى فيها فلا بأس للقلة وتعذر الاحتراز فان كثرت
[ ٢٩٩ ]
لم يحتمل كدم البراغيث وان قلنا ينجس شعره بالموت والابانة فهل يستثنى شعر الرسول ﷺ فيه وجهان: وجه الاستثناء أنه لما حلق شعره ناوله أبا طلحة ﵁ ليفرقه على أصحابه ولم يمنعهم من استصحابه وإذا كان الصحيح في شعر غيره الطهارة فما ظنك بشعره ﷺ: وجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فهل يطهر على هذا القول فيه قولان أظهرهما لا لان الشعور لا تتأثر بالدباغ بل هي قبله وبعده على هيئة واحدة بخلاف الجلد: والثاني أنها تطهر تبعا لطهارة الجلد كما نجست بالموت تبعا وإذا فرعنا على أن الشعور لا تنجس بالموت فهى ملحقة بالجمادات وجميعا طاهر الا شعر الكلب والخنزير ففيه وجهان أصحهما أنه نجس ويستثنى هو من الجمادات كما استثنى صاحبه من الحيوانات والثاني أنه طاهر كشعر غيره والو جهان يشملان حالتى الموت والحياة جميعا فهذا فقه هذه المسائل وحظ الباب منه أن العظم إذا كان طاهرا فاستعمال الاناء المتخذ منه جائز والا فلا: وانما يكون طاهرا إذا كان من المذكي المأكول أو فرعنا علي القول الضعيف أن العظام لا تنجس أصلا.
واعلم أن القطع في قوله ولا ينجس شعر الآدمى بالموت والابانة ولا شعر المأكول لحمه بالجز قولا واحدا لا يرجع إلى المسألتين وانما يرجع إلى المسألة
الا خيرة وفي شعر الآدمى هل ينجس بالموت والابانة ما سبق من الخلاف وشعر المأكول قد سبق في الكتاب في فصل النجاسات وانما أعاده ههنا ليتبين أنه ليس موضع القولين وقوله فان حكمنا بأن الشعر لا ينجس بالموت هكذا الصواب وربما نجد في بعض النسخ فان حكمنا بان شعر الآدمى لا ينجس بالموت وقوله فالاصح أن شعر الكلب والخنزير نجس ليس المعنى أنه نجس بالموت لانه نجس في الحياة والموت جميعا على الاصح وظاهر فيهما على الثاني وعلى التقديرين فلا يكون نجسا بالموت وانما المعنى التعرض لنفس النجاسة وقوله لنجاسة المنبت قد يعترض عليه بأن هذا التعليل يقتضي نجاسة الزرع النابت على السرقين وقد نصوا علي أنه ليس بنجس العين لكنه نجس بملاقات النجاسة فإذا غسل طهر وإذا تسنبل فالحبات الخارجة منه طاهرة ويجوز أو يجاب عنه بأنه أراد
[ ٣٠٠ ]
بالمنبت ما منه النبات والذى ينبت منه الشعر نجس أما الزرع فانه ينبت من الحبات المنبثة في السرقين لا من نفس السرقين * قال (القسم الثالث المتخذ من الذهب والفضة وهو محرم الاستعمال على الرجال والنساء ولايجوز تزيين الحوانيت به على الاصح ولا يجوز اتخاذه (و) ولا قيمة على كاسره (و) ولا يتعدى التحريم إلى الفيروزج والياقوت على الاصح لان نفاستهما ما لا يدركها الا الخواص) عن حذيفة عن النبي ﷺ قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما يكره استعمال الاواني المتخذة من الذهب والفضة وهل ذلك على سبيل التحريم أو هو على سبيل التنزيه فيه قولان قال في القديم أنه على التنزيه لان جهة المنع ما فيه من السرف والخيلاء وانكسار قلوب المساكين ومثل هذا لا يقتضى التحريم وقال في الجديد انه على التحريم وهو الصحيح وبه قطع بعضهم لما روى أن رسول الله ﷺ قال الذي يشرب في آنية الفضة انما يجر جر في جوفه نار جهنم رتب الوعيد بالنار عليه
[ ٣٠١ ]
ويستوى في المنع الرجال والنساء لشمول معني الخيلاء وان جاز للنساء التحلى بالذهب والفضة
يزينا كما أن افتراش الحرير يحرم عليهن كما يحرم على الرجال ولا يحرم اللبس عليهن ثم الخبر وان ورد في الاكل والشرب منهما فسائر وجوه الاستعمال في معناهما كالتوضى والاكل بملعقة الفضة والتطيب بماء الورد من قارورة الفضة والتجمر بمجمرة الفضة إذا احتوى عليها ولا حرج في اتيان الرائحة من بعد وهل يجوز اتخاذ الاواني الذهبية والفضية ان قلنا لا يحرم استعمالها على القديم فيجوز وان قلنا يحرم فوجهان أحدهما يجوز لجمع المال واحرازه كيلا يتفرق: والثاني وهو الاصح والمذكور في الكتاب أنه لا يجوز لان ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي فان قيل آلات الملاهي تتشوف النفس إلى استعمالها بخلاف الاواني قيل لا نسلم أن الاواني لا تتشوف النفس إلى استعمالها بل الواجد لها يلتذ باستعمالها واحتجوا لهذا الوجه أيضا بانه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها ولو كان اتخاذها مباحا لكان وجوب الزكاة فيها على القولين في الحلى المباح وعلى الوجهين يبنى جواز الاستئجار على اتخاذها وغرامة الصنعة على من كسرها ان قلنا يجوز اتخاذها جاز الاستئجار ووجب الغرم والا فلا: وفي جواز تزيين البيوت والحوانيت والمجالس بها وجهان لانه ليس باستعمال لكن السرف والخيلاء يكاد يكون أبلغ ثم في كلام بعضهم بناء الخلاف في الاتخاذ على هذا الخلاف ان حرمناه فلا منفعة فيها بحال فلا يجوز اتخاذها والا فيجوز ويجوز أن يعكس هذا البناء فيقال ان حرمنا الاتخاذ حرم التزيين لان ما حرم اتخاذه يجب اتلافه والتزيين يتضمن الامساك وان ابحنا الاتخاذ فلا منع الا من الاستعمال: وقال امام الحرمين رحمة الله عليه الوجه عندي تحريم التزيين بها للسرف مع الخلاف في حرمة الصنعة وأما الاواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة كالفيروزج والياقوت والزبرجد وغيرها فهل هي في معني المتخذ من الذهب والفضة فيه قولان بناهما الائمة علي أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما أو لمعنى فيهما قالوا وفيه قولان الجديد أنه لعينهما كاختصاصهما بتقويم الاشيإ بهما ووجوب حق المعدن فيهما وجعلهما رأس مال القراض ونحو ذلك: والثاني أنه لمعنى فيهما وهو السرف والخيلاء فعلى الاول لا يحرم ما اتخذ من
[ ٣٠٢ ]
غيرهما من الجواهر النفيسة وعلى الثاني يحرم واعتبر العراقيون والامام معني السرف والخيلاء لا محالة
وقالوا حسم باب المعني مع ظهوره بعيد لكن وجه الجواز ان التبرين يظهر ان لكافة الناس والجواهر النفيسة يختص بمعرفتها بعضهم فيكون السرف والخيلاء في التبرين اكثر وهذا قضية قول صاحب الكتاب لان نفاستها لا يدركها الا الخواص وكيف ما كان فالاصح انها ليست في معنى الذهب والفضة ولا خلاف في أن ما تكون نفاسته بسبب الصنعة لا يحرم استعماله ولا يكره كلبس الكتان النفيس قال (والمموه لا يحرم على أظهر المذهبين والمضبب في محل يلقي فم الشارب محظور على الاظهر فان لم يلق فان كان صغيرا لا يلوح من البعد أو على قدر حاجة الكسر فجائز (و) وان انتفى المعنيان فحرام (ح) وان وجد أحدهما دون الثاني فوجهان وفي المكحلة الصغيرة تردد) لو اتخذ اناء من حديد أو غيره وموهه بالذهب أو الفضة نظر ان كان يحصل منها شئ بالعرض على النار منع من استعماله وليس هذا موضع الخلاف وان لم يحصل شئ فهل يمنع من الاستعمال فيه وجهان مبنيان علي مثل ما ذكرنا في الجواهر النفيسة: قال آخرون معنى الخيلا معتبر لكن من جوز قال المموه لا يكاد يخفى ولا يلتبس بالتبر ولو اتخذ اناء من ذهب أو فضة وموهه بنحاس أو غيره جرى الخلاف ان قلنا التحريم لعين الذهب والفضة يحرم
[ ٣٠٣ ]
وان قلنا المعنى الخيلاء فلا: ولو غشي ظاهره وباطنه جميعا بالنحاس قال الامام الذى أراه القطع بجواز استعماله والذى يجئ على قول من يقول التحريم لعين الذهب والفضة أن يقول بالتحريم ههنا أيضا وقوله في الاصل علي أظهر المذهبين يعنى الوجهين اللذين ذكرنا هما وأما المضبب فينظر ان كانت الضبة على شفة الاناء بحيث تلقى فم الشارب فوجهان أحدهما التحريم وبه قال مالك قدس الله روحه سواء كانت صغيرة أو كبيرة على قدر الحاجة أو فوقها لكونها في موضع الاستعمال: والثاني أنها كما لو كانت في موضع آخر وصاحب الكتاب في آخرين جعلوا الوجه الاول أظهر ولعل الذى دعاهم إليه أنه اشبه بكلام الشافعي ﵁ في المختصر لكن معظم العراقيين علي انه لا فرق بين أن تكون الضبة علي موضع الشرب أو غيره وهو أوفق للمعني لان التحريم ان كان لعين الذهب والفضة فلا فرق وان كان لمعني الخيلاء
فكذلك وقد تكون الزينة في غير موضع الشرب أكثر وليس لقائل أن يقول إذا كان شاربا على فضة كان متناولا بالنص لان لفظ الخبر المنع من الشرب في آنية الفضة لا على الفضة والمضبب ليس بآنية الفضة ثم من نصر الوجه الاول فمن شرطه أن يقول لو كان الاستعمال في غير الشرب وكانت الضبة على الموضع الذى يمسه المستعمل ويلاقيه يحرم أيضا ولا ينساغ غير ذلك وان كانت الضبة على غير موضع
[ ٣٠٤ ]
الشرب نظر ان كانت صغيرة وكانت على قدر الحاجة فلا تحريم ولا كراهة روى ان حلقة قصعة النبي ﷺ كانت من فضة وكذلك قبيعة سيفه وان كانت كبيرة وفوق الحاجة حرم الاستعمال لظهور الزينة ووجود عين الذهب والفضة وان كانت صغيرة لكنها فوق قدر الحاجة أو كبيرة لكنها بقدر الحاجة فوجهان أحدهما التحريم لظهور معنى الخيلاء: أما في الصورة الاولي فلانه للزينة دون الحاجة: وأما في الثانية فلكبر الضبة وافتتان الناظرين بها كأصل الاناء وأصحهما وهو الذى ذكره الشيخ أبو حامد والعراقيون أنه يكره ولا يحرم أما في الصورة الاولى فلصغرها وقدرة معظم الناس على مثلها: وأما في الثانية فلظهور قصد الحاجة دون الزينة وبنى بعضهم الوجهين علي الاصل الذى سبق ان قلنا
[ ٣٠٥ ]
التحريم لعين الذهب والفضة حرم وإن قلنا لمعنى الخيلاء فلا * وفي أصل المسألة وجهان آخر ان أحدهما أن المضبب يكره استعماله ولا يحرم بحال وبه قال أبو حنيفة والثاني أنه يحرم مطلقا حكاه الشيخ أبو محمد تخربجا على اعتبار العين وإذا عرفت ذلك فليكن قوله علي قدر حاجة الكسر فجائز معلما بالواو للوجه الثاني وقوله وان انتفى المعنيان فحرام بالحاء والواو للوجه الاول ثم ههنا مبا حثات احداها هل هذا الخلاف والتفصيل في المضبب بالفضة خاصة أو يعم المضبب بالفضة والذهب جميعا ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمة الله عليه انه يحرم التضبيب بالذهب مطلقا وهذا الخلاف والتفصيل في المضبب بالفضة ووجهه قوله ﷺ في الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتي
[ ٣٠٦ ]
وأيضا فقد روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال من شرب في آنية الذهب والفضة أو
في انا فيه شئ من ذلك فانما يجر جر في جوفه نار جهنم قضية الخبر تحريم المضبب بهما مطلقا خالفنا في الفضة لما ورد من خبر القبعة والحلقة فبقى في الذهب على ظاهره والذى نص عليه الجمهور التسوية بين ضبة الذهب وضبة الفضة كأصل الاناء: الثانية ما حد الصغر والكبر قال بعضهم الكبير ما يستوعب جزء من الاناء كأسفله أو جانبا من جوانبه أو تكون عروته أو شفته أو غيرهما من الاجزاء كله من ذهب أو فضة: والصغير ما دون ذلك واستعبد امام الحرمين هذا وقال لعل الوجه أن يقال ما يلمع على البعد للناظر فهو كبير وما لا فهو صغير فيكون مأخذ ذلك مدانيا للقليل والكثير من طين الشوارع وهذا ما أشار إليه في الاصل حيث قال فان كان صغيرا لا يلوح من البعد أراد تفسير الصغير بما لا يلوح من البعد ولو بحث باحث عن حد البعد فلا يجد مرجعا فيه الا العرف والعادة وإذا كان كذلك فلو رجعنا في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة وطرحنا الواسطة لما كان به بأس وقد فعل بعض الاصحاب ذلك وقال المرجع في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة: الثالثة هل يسوى بين الذهب والفضة في الصغر والكبر لم يتعرض الاكثرون لذلك وعن الشيخ ابي محمد انه لا ينبغى أن يسوى بينهما فان الخيلاء في قليل الذهب كالخيلاء في كثير الفضة وأقرب معتبر فيه أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب إذا قومت بالفضة وهذا الكلام يقرب ما خذه مما حكيناه عن الشيخ أبي اسحق وقياس الباب أن لا فرق: الرابعة ما معني الحاجة التى اطلقناها في المسألة والجواب يعنى بها الاغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين كأصلاح موضع الكسر وكالشد والتوثيق فإذا كان على قدر ما يستدعيه الكسر فهو بقدر الحاجة وقوله في الاصل على حاجة الكسر اشارة إلى هذا ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الذهب والفضة فان الاضطرار
[ ٣٠٨ ]
يبيح استعمال أصل الاناء من الذهب والفضة: الخامسة قدر الضبة المجوزة لو اتخذ منه اناء صغير كالمكلة وظرف الغالية هل يجوز حكي فيه وجهان للشيخ أبي محمد أحدهما نعم كما لو ضبب به غيره وأظهرهما لا: لانه الآن يقع عليه اسم الآنية فيندرج تحت النهى وخصوا هذا التردد بالفضة وقياس ما سبق التسوية بين الذهب والفضة وذكر في التهذيب أنه لو اتخذ للاناء حلقة من فضة أو سلسلة أو رأسا يجوز لانه منفصل عن الاناء
لا يستعمله ولك أن تقول لا نسلم انه لا يستعمله بل هو مستعمل بحسبه تبعا للاناء ثم هب انه لا يستعمله لكن في اتخاذ الاواني من غير استعمال خلاف سبق فليكن هذا على ذلك الخلاف أيضا ويجوز أن يوجه التجويز بالمضبب أو تجعل هذه الاشياء كالظروف الصغيره كما سبق والله أعلم * قال (هذا قسم المقدمات أما قسم المقاصد ففيه أربعة ابواب الباب الاول في صفة الوضوء
[ ٣٠٩ ]
وفرائضه ستة الاولى النية وهى شرط في كل طهارة عن حدث (ح) ولا تجب (و) في ازالة النجاسة ولا يصح (ح و) وضوء الكافر وغسله إذ لا عبرة بنيته الا الذمية تحت المسلم تغتسل عن الحيض لحق الزوج فلا يلزمها الاعادة بعد الاسلام على أحد الوجهين والردة بعد الوضوء لا تبطله (و) وبعد التيمم تبطله في أحد الوجهين لضعف التيمم:) ذكرنا في أول الكتاب ان أحكام الطهارة على قسمين مقدمات ومقاصد وجعل قسم المقاصد على أربعة أبواب أحدها في صفة الوضوء وله فرائض وسنن أما الفرائض فهى ست: الفرض الاول منها النية فهى واجبة في طهارات الاحداث خلافا لابي حنيفة الا في التيمم لنا قوله
[ ٣١٠ ]
ﷺ انما الاعمال بالنيات واعتبار ما عدا التيمم بالتيمم وأما ازالة النجاسة فلا يعتبر فيها النية لانها من قبيل التروك والمقصود هجران النجاسة والتروك لا تعتبر فيها النية كترك الشرب والزنا وغيرهما وطهارات الاحداث عبادات فاشبهت سائر العبادات ويحكي عن ابن سريح اشتراط النية فيها وبه قال أبو سهل الصعلوكى فيما حكاه صاحب التتمة وإذا عرفت ذلك فاعلم انه بنى على اعتبار النية في الطهارات امتناع صحتها من الكافر فلو اغتسل الكافر في كفره أو توضأ ثم أسلم لم يعتد بما فعله في الكفر لانه ليس أهلا للنية فيلزم الاعادة بعد الاسلام ولان
[ ٣١١ ]
الطهارة عبادة والكافر ليس أهلا للعبادات ولهذا لا يصح منه الصلاة والصوم ولعل هذا أولى من التعليل بانه لا يصح منه النية لان النية المعتبرة في الوضوء نية رفع الحدث وهي متصورة من
الكافر وقال أبو بكر الفارسي لا يجب إعادة الغسل ويجب إعادة الوضوء لان الغسل يصح من الكافر في بعض الاحيان بدليل غسل الذمية عن الحيض لزوجها المسلم والوضوء لا يصح منه بحال وحكي وجه آخر أنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء وبه قال أبو حنيفة وأما مسألة الذمية فانها إذا طهرت من الحيض والنفاس فلا يحل لزوجها المسلم غشيانها حتى تغتسل كالمسلمة المجنونة تطهر من
[ ٣١٢ ]
الحيض ثم لو أسلمت الذمية بعد ذلك الغسل أو أفاقت المجنونة فهل يلزمها الاعادة فيه وجهان أحدهما وبه قال أبو بكر الفارسى لا يلزم لانه غسل صح في حق حل الوطئ فيصح في حكم الصلاة وغيره وأصحهما انه يلزم الاعادة لانه ليس للكافر والمجنون أهلية العبادة وانما صح في حل الوطئ لضرورة حق الزوج ولهذا تجبر الزوجة على الغسل من الحيض مسلمة كانت أو ذمية لحقه هذا حكم الكافر الاصلى أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال ولم يجروا منه الخلاف المذكور في الكافر الاصلى لان من قال ثم لا حاجة إلى الاعادة أخذ ذلك من غسل الذمية بحل الوطئ أو من التخفيف والعفو عند الاسلام
[ ٣١٣ ]
ولا يفرض واحد منهما في المرتد: ولو توضأ المسلم ثم ارتد هل يبطل وضوءه فيه وجهان أحدهما نعم لان ابتداء الوضوء لا يصح مع الردة فإذا طرأت في دوامه أبطله كالصلاة لا يصح ابتداؤها مع الردة وتبطل إذا طرأت في دوامها واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يبطل حتي لا تجب الاعادة إذا عاد إلى الاسلام لانه بعد الفراغ من الوضوء مستديم حكمه لا فعله وإذا كان كذلك لم يتأثر ما سبق بالردة الا ترى انه إذا ارتد لم يبطل ما مضى من صومه وصلاته حتى لا تجب اعادته بعد السلام وهل يجرى هذا الخلاف في الغسل المشهور انه لا يجري لان الغسل يجامع الكفر بدليل مسألة الذمية والوضوء بخلافه ومنهم من أجرى الخلاف فيه أيضا والتوجيه ما ذكرنا في
[ ٣١٤ ]
الوضوء: وأما التيمم ففى بطلانه بعروض الردة وجهان أيضا لكن الاصح فيه البطلان لان التيمم لا ستباحة الصلاة وإذا ارتد خرج عن اهلية الاستباحة فلا يفيد تيممه الاباحة بعد ذلك كما إذا تيمم
قبل الوقت لا يستبيح به الصلاة بعد دخول الوقت ومنه من يرتب فيقول ان بطل الوضوء بالردة فالتيمم أولى وان لم يبطل ففى التيمم وجهان والفرق ضعف التيمم وتقاعده عن افادة الاباحة بعد تعذر الاستباحة قال (ثم وقت النية حالة غسل الوجه ولا يضر الغروب بعده ولو اقترنت باول سنن الوضوء
[ ٣١٥ ]
وعزبت قبل غسل الوجه فوجهان) لا يجوز ان تتأخر النية عن أول غسل الوجه لانها لو تأخرت لخلا أول الفرض عن النية وصار كالصلاة يشترط فيها المقارنة باولها بخلاف الصوم يحتمل فيه التقدم تارة والتأخر أخرى لعسر مراقبة طلوع الفجر وتطبيق النية عليه ثم إذا لم تتأخر فاما ان يحدث مقارنة لاول غسل الوجه أو يتقدم عليه فان حدثت مقارنة لاول غسل الوجه صح الوضوء ولا يجب الاستصحاب إلى آخر الوضوء لما فيه من العسر ولكن لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن إذ ليس للمؤمن من عمله الا
[ ٣١٦ ]
ما نوى وان تقدمت عليه نظران استصحبها إلى أن ابتدا بغسل الوجه صح الوضوء وحصل ثواب السنن المنوبة قبله وان قارنت ما قبله من السنن وعزبت قبل غسل الوجه ففى صحة الوضوء وجهان أحدهما الصحة لان تلك السنن من جملة الوضوء فإذا اقترنت النية بها فقد اقترنت بأول العبادة وان لم تكن فرضا وأصحهما المنع لان المقصود من العبادة واجباتها والمندوبات توابع وتزينات فلا يكفى اقتران النية بها ولانها أمور سابقة على فرض الوضوء فلا يكفى اقتران النية بها كالاستنجاء ثم لا خلاف في ان المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء واختلفوا فيما قبل ذلك كغسل اليدين
[ ٣١٧ ]
والسواك والتسمية فلم يعدها كثيرون من سننه وان كانت مندوبة في ابتدائه وعدها آخرون من سننه وهو الوجه ولهذا تقع معتدا بها مثابا عليها إذا نوي مطلق الوضوء ولو لم تكن معدودة من افعاله لما اعتد بها بنية الوضوء: وفى لفظ الكتاب أشياء بنبغي أن يتنبه لمثلها الاول ان قوله وقت
النية حالة غسل الوجه مؤول لان اطلاق غسل الوجه يتناول جميعه والجميع ليس بوقت النية لا بمعني انه يجب اقتران النية بالكل كقولنا وقت الصوم النهار لانه يجوز أن يغسل الوجه على التدريج ولا تقترن النية بما سوى الجزء الاول ولا بمعنى انه تجزى النية أي بعض من ابعاضه اتفقت كقولنا وقت الصلاة كذا لان اقترانها بما سوى الجزء الاول لا يغني فإذا المراد أول غسل الوجه: والثاني ان قوله ولا يضر الغروب بعده ليس على اطلاقه لان الذى لا يضر ليس مطلق الغروب بل الغروب بشرط ان لا تحدث نية أحرى حتى لو عزبت نيته المعتبرة وحدثت له نية تبرد أو تنظف لم يصح وضوءه في أصح الوجهين لان النية الاولى غير باقية حقيقة والثانية حاصلة حقيقة فتكون أقوى: والثالث قوله ولو اقترنت بأول سنن الوضوء ليس من شرط هذه الصورة أن يكون الاقتران بالنية الاولى بل سواء اقترنت النية بالاولى أو بغيرها وعزبت قبل الشروع في غسل الوجه
[ ٣١٨ ]
حصل الوجهان وبالله التوفيق قال (وكيفيتها ان ينوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو ما لا يباح الا بالطهارة أو اداء فرض الوضوء فان نوى رفع بعض الحدث دون البعض فسدت نيته على أحد الوجهين وان نوى استباحة صلاة لا بعينها صحت نيته على أحد الوجهين وقيل يفسد في الكل وقيل يباح له ما نوي ولو نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث فوجهان ولو شك في الحدث بعد تيقن الطهارة فتوضأ احتياطا ثم تبين الحدث ففى وجوب الاعادة وجهان للتردد في النية وان نوى بوضوءه رفع الحدث والتبرد لم يضر على الاظهر وكذا إذا نوى غسل الجنابة مع غسل الجمعة حصلا معا) الوضوء نوعان وضوء رفاهية ووضوء ضرورة أما وضوء الرفاهية فعلى صاحبه أن ينوى أحد امور ثلاثة أو لها رفع الحدث أو الطهارة عنه فان اطلق كفاه لان المقصود من الوضوء رفع مانع الصلاة ونحوها فإذا نواه فقد تعرض لما هو المطلوب بالفعل وحكى وجه انه ان كان يمسح على الخف لم يجزه نية رفع الحدث بل ينوى استباحة الصلاة كالمتيمم ولو نوى رفع بعض الاحداث دون بعض بان كان قد نام وبال ومس فنوى رفع حدث منها ففيه وجوه أصحها انه يصح وضوءه لانه نوى رفع البعض
فوجب ان يرتفع والحدث لا يتجزأ فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل والثاني لا يصح لان ما لم ينو
[ ٣١٩ ]
رفعه يبقي والاحداث لا تتجزأ فإذا بقى البعض بقي الكل ويكاد هذان الكلامان يتقاومان لكن من نصر الاول قال نفس النوم والبول لا يرفع وانما يرفع حكمهما وهو شئ واحد تعددت أسبابه والتعرض لها ليس بشرط فإذا تعرض له مضافا إلى سبب واحد لغت الاضافة إلى السبب وارتفع والثالث ان لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه وان نفاه فلا لان نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وابقاءه فصار كما لو قال أرفع الحدث لا أرفع الحدث والرابع ان نوى رفع الحدث الاول صح وضوءه وان نوى غيره فلا.
لان الاول هو الذى أثر في المنع ونقض الطهارة والخامس ان نوي رفع الحدث الاخير صح وان نوى غيره فلا لان الاخير أقرب وذكر بعضهم ان الخلاف فيما إذا نواه ونفى غيره فان لم ينف صح بلا خلاف وهذا إذا كان الحدث الذى خصه بالرفع واقعا له فان لم يكن كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم وانما بال نظر ان كان غالطا صح وضوءه لان التعرض لها ليس بشرط فلا يضر الغلط فيها وان كان عامدا لم يصح في أصح الوجهين لانه متلاعب بطهارته الثاني استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح الا بالطهارة كالطواف وسجدة التلاوة والشكر ومس المصحف فإذا نواها واطلق اجزأه لان رفع الحدث انما يطلب لهذه الاشياء فإذا نواها فقد نوى غاية المقصد
[ ٣٢٠ ]
وروى وجه أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة لان الصلاة ونحوها قد تستباح مع بقاء الحدث بدليل المتيمم وان نوى استباحة صلاة معينة فان لم يتعرض لما عداها بالنفي والاثبات صح أيضا وان نفى غيرها فثلاثة أوجه أصحها الصحة لان المنوية ينبغى أن تباح ولا تباح الا إذا ارتفع الحدث والحدث لا يتبعض: والثاني المنع لان نيته تضمنت رفع الحدث وابقاءه كما سبق والثالث يباح له المنوي دون غيره لظاهر قوله صلى الله عليه وآله ولكل امرئ ما نوى
[ ٣٢١ ]
وان نوى ما يستحب له الوضوء كقراء القرآن للمحدث وسماع الحديث وروايته والقعود في المسجد
وغيرها فوجهان أظهرهما لا يصح وضوءه لان هذه الافعال مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث: والثاني يصح لانه قصد أن يكون ذلك الفعل على أكمل أحواله وان يكون كذلك الا إذا ارتفع الحدث: والوجهان جاريان فيما إذا كان الوضوء مستحبا في ذلك الفعل لمكان الحدث كما ذكرنا من الامثلة وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء
[ ٣٢٢ ]
فان المقصد منه زيادة النظافة لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الاول ولذلك قطع بعضهم بنفى الصحة فيه: ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطا ثم تبين أنه كان محدثا فهل يعتد بهذا الوضوء فيه هذان الوجهان لان الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث وفي المسألة معنى آخر وهو أنه عند الوضوء متردد في الحدث فيكون مترددا
[ ٣٢٣ ]
في نية رفع الحدث وإذا كان كذلك وجب أن لا يعتد بوضوءه لاختلال النية وهذا بخلاف ما إذا شك في الطهارة بعد يقين الحدث حيث يؤمر بالوضوء ويحكم بصحته مع التردد لان الاصل ثم بقاء الحدث والتردد الذى يعتضد أحد طرفيه بالاصل لا يضر لحصول الرجحان والظهور وهذا المعنى على العكس ههنا أما إذا كان الفعل بحيث لا يتوقف علي الوضوء ولا يستحب الوضوء له كدخول السوق فتوضأ له لم يصح الثالث: أداء فرض الوضوء بهذه النية كما إذا نوى المصلي
[ ٣٢٤ ]
أداء فرض الصلاة وهذا لان النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قربة فأشبه سائر القربات ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الاضافة إلى الله تعالى كما في الصوم والصلاة وسائر العبادات والاولى أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل يعتبرها للتمييز ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية لان الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات وقد نصوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية ولو نوى رفع الحدث أو الاستباحة والله أعلم.
فان قيل إذا لم يدخل وقت الصلاة فليس
عليه وضوء ولا صلاة فكيف ينوى فرض الوضوء فالجواب أن الشيخ أبا علي ذكر أن الموجب
[ ٣٢٥ ]
للطهارة هو الحدث وقد وجد الا أن وقتها لا يتضيق عليه ما لم يدخل وقت الصلاة فلذلك صح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول الوقت لكن هذا الجواب مبني على أن الموجب للطهارة هو الحدث وقد صار بعض الاصحاب إلى أن الموجب هو دخول الوقت أو أحدهما بشرط الآخر ويجوز أن يقال لا نعنى بالفرضية انه يلزمه الاتيان به والا لا متنع أن يتوضأ الصبي المميز بهذه النية ولكن المراد أنه ينوى اقامة طهارة الحدث المشروطة في الصلاة وشروط الشئ تسمى فروضه
[ ٣٢٦ ]
وربما نذكر في معنى فرضية الصلاة التي ينويها المصلى ما يقارب هذا ونبين ما فيه من الاشكال في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى: ثم إذا نوى بوضوءه أحد الامور الثلاثة وقصد معه شيئا آخر يحصل ذلك الشئ من غير قصد ونية كما لو نوى بوضوءه رفع الحدث والتبرد أو استباحة الصلاة والتبرد ففي صحة الوضوء وجهان أحدهما يحكى عن ابن سريح أنه لا يصح لان الاشتراك في النية بين القربة وغيرها مما لا يخل بالاخلاص وأصحهما أنه يصح لان التبرد حاصل وان لم ينو
[ ٣٢٧ ]
فنيته لاغية وصار كما لو كبر الامام وقصد مع التحريم اعلام القوم لا يضر ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبرد فعلى هذين الوجهين ولو كان يغتسل ضحوة الجمعة فنوى رفع الجنابة وغسل الجمعة فهذا يبنى على انه لو اقتصر على نية رفع الجنابة هل يتأدى به سنة غسل الجمعة أم لا وفيه قولان ان قلنا لا فقضيته أنه لا يصح الغسل أصلا كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل جميعا وان قلنا يتأدي به وهو الاصح فوجهان كالوجهين في ضم نية التبرد إلى رفع الحدث أصحهما أنه لا يضر كما
[ ٣٢٨ ]
لو صلى الفرض عند دخول المسجد ونوى التحية أيضا لا يضر لان التحية تحصل وان لم ينوها ولا فرق في جريان الوجهين في مسألة التبرد بين أن يضم قصد التبرد إلى النية المعتبرة في الابتداء
وبين أن يحدثها في الاثناء وهو ذاكر للنية المعتبرة أما إذا كان غافلا عنها لم يصح ما أتي به بعد ذلك في أصح الوجهين وقد قدمنا هذا: هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار ونعود إلى ما يتعلق بخصوص الكتاب: قوله وكيفيته أن ينوى رفع الحدث يجوز أن يعلم رفع الحدث بالواو اشارة إلى الوجه الذى ذكرناه في حق الماسح على الخف فان ذلك القائل لا يصحح الوضوء بنية رفع الحدث على الاطلاق بل في حق غير الماسح وقوله أو استباحة الصلاة ينبغي أن يعلم أيضا بالواو للوجه الذى رويناه: وقوله أو اداء فرض الوضوء ليس ذكر الفرضية على سبيل الاعتبار والاشتراط كما سبق وقد أوضح ذلك في الوسيط فقال ينوى أداء الوضوء أو فريضة الوضوء وقوله ولو نوى رفع بعض الحدث دون البعض يشمل ما إذا لم يتعرض للباقي أصلا وما إذا نفى رفع الباقي والخلاف جار في الحالتين علي أظهر الطريقين كما سبق فهو مجرى على اطلاقه لكن قوله وان نوى استباحة صلاة بعينها المراد منه ما إذا عينها ونفى غيرها لانه لا خلاف فيما إذا لم يتعرض لما سواها: وقوله في مسألة الشك للتردد في النية اشارة إلى المعنى الثاني لوجه عدم الاجزاء لكن المناسب لا يراد المسألة مقرونة بما إذا نوى بوضوءه الافعال المستحبة المعنى الاول: وقوله وكذا لو نوى غسل الجنابة
[ ٣٢٩ ]
والجمعة حصلا يجوز أن يريد به العطف على الاظهر في مسألة التبرد بناء على أنه يحصل غسل الجمعة وان اقتصر على رفع الجنابة وعلى هذا فاللفظ يشعر بالخلاف في المسألة ولا حاجة إلى اعلامه بالواو ويجوز أن يحمل على الابتداء وعلى هذا يحتاج إلى العلامة بالواو وعلى التقديرين هو معلم بالميم لان صاحب البيان حكي عن مالك أنه لا يجزيه الغسل الواحد عنهما * قال (والمستحاضة لا يكفيها نية رفع الحدث بل تنوى استباحة الصلاة ورفع الحدث ولو
[ ٣٣٠ ]
اقتصر على نية الاستباحة جاز على الاصح) * تكلمنا في كيفية النية في وضوء الرفاهية أما النوع الثاني في وضوء الضرورة وهو وضوء من به حدث دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوهما فنقول لو اقتصرت المستحاضة على نية رفع الحدث
فهل يصح وضوءها فيه وجهان أصحهما وهو المذكور في الكتاب أنه لا يصح لان حدثها لا يرتفع
[ ٣٣١ ]
بالوضوء وكيف يرتفع ومنه ما يقارن وضوءها ويتأخر عنه: والثاني يصح لان رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة فقصد رفع الحدث يؤثر بمتضمنه وان لم يؤثر بخصوصه ولو اقتصرت على نية الاستباحة فوجهان أصحهما أنه يصح وضوءها كما يصح التيمم بهذه النية: والثاني لا يصح يحكي ذلك عن أبي بكر الفارسى والخضرى لان لها أحداثا سابقة وأخرى لاحقة فتنوى الرفع لما تقدم
[ ٣٣٢ ]
والاستباحة لما تأخر وان جمعت بينهما فهو الغاية ثم لو نوت استباحة فريضة واحدة لا غير جاز بلا خلاف بخلاف ما إذا فعل ذلك صاحب طهارة الرفاهية لان طهارته لا تفيد الا فريضة واحدة ولو نوت استباحة نافلة بعينها عاد ذلك الخلاف ثم النظر في كون المستباح فرضا أو نفلا أو مطلق الصلاة وفيما يباح لها إذا نوت النفل كما سيأتي في التيمم * قال (ولو أغفل لمعة في الاولى فانغسلت في الكرة الثانية على قصد التنفل ففى ارتفاع الحدث وجهان ولو فرق النية علي أعضاء الوضوء لم يجز على أظهر الوجهين) * في الفصل مسألتان احداهما لو كان يتوضأ ثلاثا كما هو السنة فترك لمعة في المرة الاولى غافلا وانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة وهو يقصد التنفل بهما فهل يعتد بغسل تلك اللمعة أم يحتاج إلى اعادته فيه وجهان مخرجان على أصلين سبق ذكرهما أحدهما انه إذا لم تبق نيته الاولى وحدثت نية أخرى كما إذا عزبت نية رفع الحدث وقصد التبرد أو التنظف فقد حكينا فيه وجهين وههنا
[ ٣٣٣ ]
كذلك لانه لم يبق له في المرة الثانية والثالثة نية رفع الحدث ضرورة اعتقاده ارتفاع الحدث بالمرة الاولي: والثاني ان تلك اللمعة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث وما في معناه بل علي قصد التنفل فيكون كما لو نوي بوضوئه ما يستحب له الطهارة: ولو أغفل لمعة في وضوئه وانغسلت في تجديد الوضوء بعد ذلك فعلى هذين الوجهين لكن الاصح الاعتداد بالمنغسل في المرة الثانية والثالثة وعدم
الاعتداد بالمنغسل في التجديد والفرق أن الغسلات في المرات الثلاث طهارة واحدة وقضية نية الاولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد الاولى فما لم ينغسل عن الاولى لا يقع عن الثانية وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الاولى كما لو ترك سجدة من الاولى ناسيا وسجد في الثانية تتم بها الاولي وان كان توهم خلاف ذلك وأما التجديد فهو طهارة مستقلة منفردة بنية لم تتوجه إلى رفع الحدث أصلا (المسألة الثانية) إذا
[ ٣٣٤ ]
فرق النية على اعضاء الوضوء فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما وهكذا ففي صحة وضوئه وجهان أظهرهما عند صاحب الكتاب المنع لان الوضوء عبادة واحدة فلا يجوز تفريق النية علي ابعاضها كالصوم والصلاة: والثاني وهو الاصح عند المعظم أنه يصح لانه يجوز تفريق افعاله على الصحيح ولا يشترط فيه الموالاة وان كان عبادة واحدة فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله بخلاف الصلاة وغيرها لا يجوز التفريق في ابعاضها ثم من الاصحاب من يبني تفريق النية على تفريق الافعال ان جوزنا تفريق الافعال جوزنا تفريق النية والا فلا ومنهم من رتب فيقول ان لم يجز التفريق في الافعال ففي النية أولي وان جوزنا ذاك ففى هذا وجهان والفرق أنه وان فرق أفعاله فهو عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض ألا ترى أنه
[ ٣٣٥ ]
لو أراد مس المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الاعضاء لا يجوز وإذا كان كذلك فليشملها نية واحدة بخلاف الافعال فانها لا تتأتي الا متفرقة ثم الخلاف في مطلق تفريق النية أم فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول ونفي غسل سائر الاعضاء دون ما إذا اقتصر على رفع الحدث عنه والمشهور الاول: وحكي عن بعض الاصحاب الثاني: وإذا قلنا في المسألة الاولي أنه لا يعتد بغسل اللمعة في الكرة الثانية والثالثة فهل يبطل ما مضى من طهارته أم يجوز البناء فيه وجها تفريق النية: ان قلنا لا يجوز التفريق يمتنع البناء لانه محتاج عند البناء الي تجديد النية للباقى وان قلنا يجوز جاز البناء ويبقي النظر في طول الفصل وعدمه فان اعتبرنا الموالاة لم يحتمل طول الفصل *
[ ٣٣٦ ]
قال (الفرض الثاني استيعاب غسل الوجه وهو من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن ومن الاذن إلى الاذن واجب ولا تدخل النزعتان ولا موضع الصلع في التحديد وموضع التحذيف من الوجه على الاظهر والغمم إذا استوعب جميع الجبهة وجب ايصال الماء إليه فان لم يستوعب فوجهان) غسل الوجه أول الاركان الظاهرة في الوضوء قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وحد الوجه علي ما اختاره صاحب الكتاب من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن في الطول ومن الاذن إلى الاذن في العرض ومعنى ذلك أن ميل الرأس إلى التدوير ومن أول الجبهة يأخذ الموضع في التسطيح وتقع به المحاذاة والمواجهة فحد الوجه في الطول من حيث يبتدئ التسطيح وما فوق ذلك من الرأس: وإذا عرفت ذلك فمما يخرج عن الحد النزعتان وهما البياضان المكتنفان للناصية أعلى
[ ٣٣٧ ]
الجبينين لانهما في سمت الناصية وهما جميعا في حد التدوير ومما يخرج عنه موضع الصلع لانه فوق ابتداء التسطيح ولا عبرة بانحسار الشعر عنه نظرا إلى الاعم الاغلب ومما يخرج عنه موضعا الصدغين وهما في جانبى الاذن يتصلان بالعذارين من فوق لانهما خارجان عما بين الاذنين لكونهما فوق الاذنين وحكي في الصدغين وجه أنهما من الوجه ومما يدخل في الحد موضع الغمم لانه في تسطيع الجبهة ولا عبرة بنبات الشعر على خلاف الغلب كما لا عبرة بانحساره عن موضع الصلع على خلاف الغالب هذا إذا استوعب الغمم جميع الجبهة والا فوجهان أصحهما أن الامر لا يختلف وهو من الوجه لما ذكرنا: والثاني أنه من الرأس لانه على هيئته والباقي المكشوف هو من الجبهة بخلاف ما إذا أخذ الغمم جميع الجبهة فان العادة لم تجربان لا يكون للانسان جبهة أصلا وربما وجه أحد هذين الوجهين: أنه مقبل في صفحة الوجه
[ ٣٣٨ ]
والثاني بأنه في تدوير الرأس ومعناه أن الاغم ينتأ من أوائل جبهته شئ ولا ينقطع شكل تدوير رأسه حيث ينقطع من غيره فذلك الموضع متصل بتدوير الرأس لكنه مقبل في صفحة الوجه وأما موضع التحذيف وهو الذى ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة وربما يقال بين
الصدغ والنزعة والمعنى لا يختلف لان الصدغ والعذار متلاصقان وهل هو من الوجه أو الرأس فيه وجهان قال ابن سريج وغيره هو من الوجه لمحاذاته بياض الوجه ولذلك تعتاد النساء والاشراف ازالة الشعر عنه ولهذا سمى موضع التحذيف وقال أبو إسحاق وغيره هو من الرأس لنبات الشعر عليه متصلا بسائر شعر الرأس والاول هو الاظهر عند المصنف: والذى عليه الاكثرون الثاني وهو الذى يوافق نص الشافعي ﵁ في حد الوجه وحاول امام الحرمين تقدير موضع التحذيف فقال إذا وضع طرف خيط على رأس الاذن والطرف الثاني على زاوية الجبين فما يقع منه في جانب الوجه فهو من الوجه ولك أن تقول توجيه من يجعله من الوجه لا يقتضي التقدير بهذا المقدار فان من يحذف قد يحذف أكثر من ذلك أو أقل ولا يراعي هذا الضبط فلا بد للتقدير من دليل * وأما لفظ الكتاب فقوله استيعاب غسل الوجه كان الاحسن أن يقول استيعاب الوجه بالغسل وقوله من مبتدأ تسطيح الجبهة الي آخره تحديد للوجه وكلمتا من وإلى إذا دخلتا
[ ٣٣٩ ]
في مثل هذا الكلام قد يراد بهما دخول ما وردتا عليه في الحد وقد يراد خروجه: نظير الاول حضر القوم من فلان إلى فلان ونظير الثاني من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعا وهما في قوله من مبتدأ تسطيح الجبهة الي منتهى الذقن مستعملتان بالمعنى الاول إذ لا يراد بمبتدأ التسطيح الا أوله وبمنتهى الذقن الا آخرة ومعلوم أنهما داخلان في الوجه وفي قوله من الاذن إلى الاذن مستعملتان بالمعنى الثاني لان الاذنين خارجتان من الوجه وأعلم قوله من الاذن إلى الاذن بالميم لان مالكا يعتبر من العذار إلى العذار ويخرج البياض الذي بين العذار والاذن عن حد الوجه: فان قيل يدخل في هذا الحد ما ليس من الوجه ويخرج منه ما هو من الوجه أما الاول فلانه يدخل فيه داخل الفم والانف فانه بين تستطيح الجبهة ومنتهى الذقن وليس من الوجه: وأما الثاني فلانه تخرج عنه اللحية المسترسلة وهى من الوجه لما روى أنه ﷺ رأى رجلا غطى لحيته وهو في الصلاة فقال اكشف لحيتك فانها من الوجه قلنا أما الاول فللكلام تأويل: المعني ظاهر ما بين تسطيح الجبهة ومنتهي الذقن ولهذا لو بطن جزء.
بالالتحام وظهر
جزء خرج الظاهر عن أن يكون من الوجه وصار الباطن من الوجه وعلى هذا المعنى نقيم الشعر مقام البشرة من صاحب اللحية الكثة وأما الثاني فتسمية اللحية وجها على سبيل التبعية والمجاز
[ ٣٤٠ ]
لامرين أحدهما أنه لولا ذلك لكانت وجوه المرد والنسوان ناقصة ولصح أن يقال لمن حلقت لحيته قطع بعض وجهه ومعلوم أنه ليس كذلك: والثاني انه يصح قول القائل اللحية من الشعور النابتة علي الوجه وفي المسترسلة انها نازلة عن حد الوجه وذلك يدل على ما ذكرنا قال (ويجب ايصال الماء الي منابت الشعور الخفيفة غالبا كالحاجبين والاهداب والشاربين والعذارين وأما شعر الذقن فان كشف بحيث لا تترا آى البشرة للناظر لم يجب ايصال الماء إلى منابته الا للمرأة فان لحيتها نادرة وفي العنفقة وجهان لان كثافتها قد تعد نادرة ويجب افاضة الماء على ظاهر اللحية الخارجة عن حد الوجه على أحد القولين) لما تكلم في حد الوجه عاد إلى الشعور النابتة عليه وهي قسمان حاصلة في حد الوجه وخارجة عنه والقسم الاول علي ضربين أحدهما ما يندر فيه الكثافة كالحاجبين والاهداب والشاربين والعذارين والعذار هو القدر المحاذي للاذن يتصل من الاعلى بالصدغ ومن الاسفل بالعارض فهذه الشعور يجب غسلها ظاهرا وباطنا كالسلعة النابتة علي محل الفرض ويجب غسل البشرة تحتها لانها من الوجه ولاعبرة بحيلولة الشعر لامرين أظهرهما ان الغالب في هذه الشعور الخفة فيسهل ايصال الماء إلى منابتها فان فرضت فيها الكثافة علي سبيل الندرة فالنادر ملحق بالغالب: والثاني أن بياض الوجه محيط بها اما من جميع
[ ٣٤١ ]
كالحاجبين والاهداب أو من جانبين كالعذارين والشاربين فيجعل موضعها تبعا لما يحيط به ويعطي حكمه وفى كلام بعض الائمة حكاية وجه أنها إذا كشفت لا يجب غسل منابتها كاللحية فلك أن تعلم قوله ويجب ايصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة غالبا بالواو اشارة إلى هذا الوجه واقتصاره على ذكر المنابت ليس لان الشعور لا تغسل بل إذا وجب غسل المنابت وجب غسل الشعور بطريق الاولي ففى ذكر المنابت تنبيه عليها: والضرب الثاني ما لا يندر فيه الكثافة وهو شعر الذقن والعارضين والعارض ما ينحط
عن القدر المحاذي للاذن فينظر فيه ان كان خفيفا وجب غسله مع البشرة تحته كالشعور الخفيفة غالبا وان كان كثيفا وجب غسل ظاهره ولم يجب غسل البشرة تحته لما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكان ﷺ كث اللحية ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة والمعني فيه عسر ايصال الماء إلى المنابت مع الكثافة الغير النادرة وحكي فيه قول قديم أنه يجب غسل البشرة تحته لانها الوجه وهذا شعر نابت عليه ومنهم من يحكيه وجها وهو قول المزني ﵀ وليكن قوله لم يجب ايصال الماء إلى منابتها معلما بالزاى والواو لهذا الخلاف
[ ٣٤٢ ]
والمذهب الاول ويستثنى عن اللحية الكثيفة ما إذا خرجت للمرأة لحية كثيفة فيجب ايصال الماء الي منابتها لان أصل اللحية لها نادر فكيف بصفة الكثافة وكذلك لحية المشكل إذا لم يكن نبات اللحية مزيلا للاشكال وفيه خلاف يأتي ذكره فإذا اللحية في حقها من الضرب الاول وعنفقة الرجل من الضرب الاول أو من الضرب الثاني فيه: وجهان مبنيان علي المعنيين المذكورين في الحاجبين ونحوهما ان عللنا بالمعني الاول وهو ندرة الكثافة في تلك الشعور فالعنفقة ملحقة بها وان عللنا باحاطة البياض فلا: بل هي كاللحية والمعني الاول أظهر لانهم حكوا عن نص الشافعي ﵁ التعليل بان هذه الشعور لا تستر ما تحتها غالبا ويدل عليه لحية المرأة والله أعلم: ثم ههنا سؤالان أحدهما ما الفرق بين الخفيف والكثيف والجواب.
عبارة أكثر الاصحاب أن الخفيف ما تترآى البشرة من خلاله في مجلس التخاطب والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية وهذا ما يشعر به لفظ الشافعي
[ ٣٤٣ ]
﵁ وهو الذى حكاه المصنف وقال بعض الاصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه ورأيت الشيخ أبا محمد والمسعودي وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الاخرى ويقولون انهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذى ذكروه لان لهيئة النبات وكيفية الشعر في السبوطة والجعودة تأثيرا في الستر وفي وصول الماء إلى المنبت وقد يؤثر شعره في أحد الامرين دون الآخر وإذا
ظهر الاختلاف فلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول الشارب معدود من الشعور الخفيفة وليس كونه مانعا من رؤية البشرة تحته بامر نادر: الثاني شعر الضرب الثاني لو كان بعضه خفيفا
[ ٣٤٤ ]
وبعضه كثيفا ما حكمه.
الجواب فيه وجهان أصحهما أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفى المقتضي كل واحد منهما عليه والثاني للكل حكم الخفيف وهو الذى ذكره في التهذيب وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذراع إذا كثف ولك أن تمنع ما ذكره وتدعى أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها لانه قال أما شعر الذقن فان كثف الي آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها ويفرض ذلك على وجهين أحدهما أن تخف كلها ولا يخفى حكمه: والثاني أن يخف البعض ويكثف البعض وهو هذه المسألة: هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه: القسم الثاني الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولا وعرضا قولان أحدهما لا يجب غسله وبه قال أبو حنيفة والمزنى لان الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المسح عليه فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه وأصحهما يجب لانه من الوجه بحكم التبعية لما سبق من الخبر ولان الوجه ما تقع به المخاطبة والمواجهة ولانه متدل من محل الفرض فأشبه الجلدة المتدلية وهذا الخلاف يجرى أيضا في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعذار والسبال إذا طال ولا فرق:
[ ٣٤٥ ]
وذكر بعضهم في السبال أنه يجب غسله قولا واحدا والظاهر الاول فان قلت قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت الافاضة فالناقلون يقولون تجب الافاضة في قول ولا تجب في قول وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل فاعلم أن لفظ الافاضة في اصطلاح الائمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لا مرار الماء علي الظاهر: ولفظ الغسل للامرار على الظاهر مع الادخال في الباطن ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري ﵁ لما قال في هذه المسألة يجب الغسل في قول
والافاضة في قول وقالوا الغسل غير واجب قولا واحدا وانما الخلاف في الافاضة وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولا واحدا كالشعور النابتة تحت الذقن لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه والافاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر ثم مع هذا كله فقد حكي وجه أنه يجب غسل الوجه الباطن من الطبقة العليا من المسترسل إذا أوجبنا غسل الوجه البادى منه وهو بعيد عند علماء المذهب * قال (الفرض الثالث غسل اليدين مع المرفقين فلو قطع يده من الساعد غسل الباقي وان قطع من العضد استحب غسل الباقي لتطويل الغرة وان كان من المفصل يجب غسل رأس العظم الباقي على أصح القولين لانه من المرفق ولو نبتت يد زائدة من ساعده وجب غسلها وان لم تتميز الزائدة عن الاصلية وجب غسلهما وان خرجت من العضد لا تغسل الا إذا حاذت محل الفرض فيغسل
[ ٣٤٦ ]
القدر المحاذي) * هذا نصه قال الله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) وقوله عز اسمه (من أنصاري إلى الله) وهو المراد ههنا لما روى أنه ﷺ كان إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وروى أنه ادار الماء على مرفقيه ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به ثم اليدان كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب وكانت كاملة فذاك وان قطع بعضها فله ثلاثة أحوال أحدها أن يكون القطع مما تحت المرفق كالكوع والذراع فغسل الباقي واجب فالميسور لا يسقط بالمعسور والثانية أن يكون مما فوق المرفق فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العضد يستحب غسله لتطويل الغرة كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعني فان قيل غسل ذلك
[ ٣٤٧ ]
الموضع مستحب تبعا فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجنون لما سقط قضاء الاصل سقط قضاء الرواتب التى هي أتباع: قلنا سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة والا فهو
ممكن والتبع أولى بالمسامحة وسقوط الاصل ههنا ليس على سبيل الترخص بل هو متعذر في نفسه فحسن الاتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الامكان كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له امرار الموسى علي الرأس وقت الحلق: فان قيل تطويل الغرة انما يفر ض في الوجه والذى في اليد تطويل التحجيل فكيف قال يغسل الباقي لتطويل الغرة: قلنا تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة أشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق
[ ٣٤٨ ]
بينهما ويطلق تطويل الغرة في اليد ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله ﷺ من أراد منكم أن يطيل غرته فليفعل قال وانما يمكن الاطالة في اليد لان استيعاب الوجه
[ ٣٤٩ ]
بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشئ لان للمعترض أن يقول الاطالة في الوجه أن يغسل إلى الليت وصفحة العنق وهو مستحب نص عليه الائمة: والثالثة أن يكون القطع من مفصل المرفق فهل يجب غسل رأس العظم الباقي فيه طريقان أحدهما القطع بالوجوب لانه من محل الفرض وقد بقى قاشبه الساعد إذا كان القطع من الكوع والثاني وهو الذى ذكره في الكتاب فيه قولان القديم ومنقول المزني انه لا يجب والاصح وهو منقول الربيع أنه يجب واختلفوا في مأخذ القولين: منهم من قال مأخذهما أن المرفق في اليد السليمة يغسل تبعا أم مقصودا فمن قائل تبعا وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شئ من الرأس تبعا وضرورة لاستيعاب الوجه
[ ٣٥٠ ]
بالغسل: ومن قائل يغسل مقصودا كسائر أجزاء محل الفرض وكاطراف الوجه بالاضافة إلى وسطه.
ومنهم من قال بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق فمن قائل المرفق عبارة عن طرف عظم الساعد ولم يبق ومن قائل المرفق مجموع العظمين وقد بقى أحدهما فيغسل وهذا ما أشار إليه بقوله لانه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة أما إذا خلقت لشخص واحد من جانب واحد يدان فلا يخلو اما أن تتميز الزائد من محمل الفرض كالساعد والمرفق وجب غسلها مع الاصلية كالاصبع
الزائدة والسلعة النابتة ولا فرق بين أن يجوز طولها الاصلية أو لا يجاوز وان خرجت مما فوق محل الفرض فان لم تبلغ إلى محاذات محل الفرض لم يجب غسل شئ منها وان بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في الام انه يجب غسل القدر المحاذي دون ما فوقه لوقوع اسم اليد عليها وحصول ذلك القدر في محل الفرض بخلاف الجلدة المنكشطة من
[ ٣٥١ ]
العضد لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره لان اسم اليد لا يقع عليها وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه انه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره لان هذه الزائد ليست على محل الفرض فتجعل تبعا ولا هي أصلية حتي تكون مقصودة بالخطاب وحملوا نصه في الام على ما إذا التصق شئ منها بمحل الفرض أما إذا لم تتميز الزائدة عن الاصلية وجب غسلهما جميعا سواء خرجتا من المنكب أو من المرفق أو الكوع لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرورة أداء الواجب منهما وإذا خرجتا من المرفق أو الكوع غسلتا حتما ومن الامارات المميزة للزائدة عن الاصلية أن تكون احداها قصيرة فاحشة القصر والاخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة ومنها نقصان الاصابع ومنها فقد البطش وضعفه *
[ ٣٥٢ ]
قال (الفرض الرابع مسح الرأس وأقله ما يسمي (ح) مسحا (م ز) ولو على شعرة واحدة (و) بشرط أن لا يخرج محل المسح عن حد الرأس ولا يستحب الغسل ولا يكره على الاظهر وفي البل دون المد وجهان) قال الله (وامسحوا برؤوسكم) وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم لان من أمر يده على هامة اليتيم صح أن يقال مسح برأسه ولان النبي صلى الله
[ ٣٥٣ ]
عليه وسلم مسح في وضوءه بناصيته وعلى عمامته ولم يستوعب * وقال مالك يجب الاستيعاب وهو اختيار المزني واحدى الروايتين عن أحمد والثانية انه يجب مسح أكثر
الرأس * وقال أبو حنيفة يتقدر بالربع ثم ان كان يمسح على بشرة الرأس فذاك ولا يضر كونها تحت الشعر وقال الروياني في البحر به لا يجوز لانتقال الفرض الي الشعر وان كان يمسح علي الشعر فكذلك يجوز وان اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها ولا تقدير وعن ابن القاص انه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر ازالتها في التحلل عن النسك وفي ايجاب الدم على المحرم وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات: في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعا والاول أظهر ثم شرط الشعر
[ ٣٥٤ ]
الممسوح أن لا يخرج عن حد الرأس فلو كان مسترسلا خارجا عن حده وكان جعدا كانئا في حد الرأس لكنه بحيث لو مد لخرج عن حده لم يجز المسح عليه لان الماسح عليه غير ما سح على الرأس: واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجا عن حد الرأس وان كان في غاية القصر وكان المراد المد في جهة الرقبة والمنكبين وهى جهة النزول ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته: فيه وجهان أحدهما يشترط ذلك فلا يجوز المسح على ما جاور منبته وان كان في حد الرأس فانه كالغطاء لما تحته كالعمامة وأصحهما انه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه ولو غسل الرأس بدلا عن المسح ففى اجزائه وجهان أحدهما لا يجزيه لانه مأمور بالمسح والغسل ليس بمسح واصحهما انه يجزيه لان الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح فكان مجزيا بطريق الاولي وهذا قضية ما ذكره في الكتاب لانه نفى الاستحباب والكراهية عنه وهو مسعر بالاجزاء وهل يكره الغسل بدلا عن المسح وان أجزأ فيه وجهان احدهما نعم لانه سرف كغسل الخف بدلا عن مسحه وكالغسلة الرابعة واظهرهم لا يكره لان الاصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص فإذا عدل إلى الاصل لم يكن مكروها لكن لا يستحب ذلك لما اشار
[ ٣٥٥ ]
إليه النبي ﷺ في باب الرخص بقوله ان الله قد تصدق عليكم فاقبلوا صدقته وقوله لا سيتحب الغسل ولا يكره على الاظهر ربما اوهم عود الخلاف اليهما وليس كذلك وانما
الخلاف في الكراهية وحدها ولو بل رأسه ولم يمد اليد أو غيرها مما يمسح به على الموضع فهل يجزيه ذلك فيه وجهان اصحهما نعم لان المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الا يصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجرى الماء على الاعضاء أو يخوض ببدنه في الماء والثاني وهو اختيار القفال لا يجزى لانه لا يسمى مسحا وهو مأمور بالمسح ولو قطر على رأسه قطرة ولم تجر هي على الموضع فعلى الخلاف فان جرت كفى وهذا يدل على أن المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا ان سلم ان الامساس والوضع ليس بمسح
[ ٣٥٦ ]
قال الفرض الخامس غسل الرجلين مع الكعبين قال الله تعالى (وأرجلكم الي الكعبين) وحكم الرجل على انقسامها الي الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكعبان هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم وروي القاضي ابن كج وغيره عن بعض الاصحاب ان الكعب هو الذى فوق مشط القدم: وجه الاول ما روى النعمان بن بشير ﵁ قال أمسنا رسول الله ﷺ باقامة الصفوف فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب أخيه وكعبه بكعبه والذى يتصور فيه التزاق القائمين في الصف ما ذكرنا دون ظهر القدم وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته ما إذا غسل الجنب جميع بدنه الا رجليه ثم أحدث والاصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حقه الحدث الاكبر والاصغر هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء فيه وجهان أحدهما لا يكفيه لان الطهارتين عبادتان مختلفتان فلا تتداخلان كالصلاتين ولانهما مختلفتا السبب والاثر والفعل وهذه الاختلافات تمنع التداخل وأصحهما أنه يكفيه الغسل لظاهر الاخبار نحو ما روى
[ ٣٥٧ ]
أنه ﷺ قال أما انا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ولم يفصل بين الحنابة المجردة والجنابة مع الحدث مع ان الغالب ان الجنابة لا تتجرد فعلي الاول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما: وعلى الثاني وهو الاصح هل من شرط الغسل ليكفى مراعاة
الترتيب في أعضاء الوضوء فيه وجهان أحدهما نعم لان الترتيب خاصية الوضوء والتداخل انما يجرى فيما يشترك المتداخلان فيه من الافعال دون خواصهما فعلى هذا يكفى غسل البدن مرة واحدة ولكن يشترط أن تكون اعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطا آخر وهو ان يمسح الرأس لانه من خاصية الوضوء أيضا بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح والثاني وهو الاصح لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر ولا يبعد أن يدخل الاصغر في الاكبر فلا تبقى خاصيته الا ترى أن العمرة تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بالقران ولو انفردت لا تفوت: فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الاكبر فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعا بغسله أم يكفيه نية الاكبر فيه وجهان احدهما يحتاج إلى الجمع كالحج والعمرة يتداخلان
[ ٣٥٨ ]
في الافعال دون النية وأصحهما لا حاجة إليه لان الطهارات موضوعة على التداخل فعلا ونية ألا ترى انه إذا اجتمعت الاحداث كفى فعل واحد ونية واحدة هذا كله إذا اتفق وقوع الاكبر والاصغر معا أو سبق الاصغر الاكبر: اما إذا سبق الاكبر الاصغر فطريقان أحدهما طرد الخلاف والثاني الاكتفاء بالغسل بلا خلاف لان الاكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن فلا يؤثر فيه الاصغر بعد ذلك والاصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الاكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره * إذا عرفت هذا الاصل فنعود إلى الصورة المذكورة ونقول ان قلنا يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء وتكون الرجل مغسولة مرتين وان قلنا يكفى الغسل ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء وجب غسل الرجلين مؤخرا عن سائر أعضاء الوضوء ويكون غسلهما واقعا عن الجهتين الجنابة والحدث جميعا وان قلنا يكفى الغسل من غير اشتراط الترتيب فعليه غسل الرجلين عن جهة الجنابة إما قبل سائر اعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها ويغسل سائر الاعضاء عن الحدث علي الترتيب وهذا هو الاصح واختيار ابن سريج وابن الحداد وعلي هذا الوجه يكون المأتي به وضوءا خاليا عن غسل الرجلين لان الرجلين قد اجتمع فيهما الحدثان ونحن علي هذا
الوجه نحكم باضمحلال الاصغر في جنب الاكبر فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء
[ ٣٥٩ ]
فهذه هي صورة الامتحان وينبغي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرجلين على ما ذكر في الرجلين ولزم أن نقول علي الوجه الصحيح هذا وضوء خال عن مسح الرأس والرجلين وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين فلهذا لا يتنجح المحصل بأمثال هذه الامتحانات (فائدة) عدوا غسل الرجلين احد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه بل الذي يلزمه احد امرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيبا والمراد عند الاطلاق ما إذا كان لا يمسح أو ان الاصل الغسل والمسح بدل * (الفرض السادس الترتيب (ح م ز) الا إذا اغتسل سقط الترتيب في أظهر الوجهين فانه يكفى للجنابة فللاصغر أولى والنسيان ليس بعذر في ترك الترتيب (ح) على الجديد وإذا خرج منه بلل واحتمل الجنابة والحدث فان شاء اغتسل ولم يغسل الثوب وان شاء توضأ وضوءا مرتبا وغسل الثوب) روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه
[ ٣٦٠ ]
فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب وخلاف أبي حنيفة ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور احدها لو اغتسل المحدث بدلا عن الوضوء هل يجزيه ذلك: نظر ان أتي بالغسل بحيث يتأتي فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زمانا ففيه وجهان احدهما لا يجزيه لان الترتيب من واجبات الوضوء والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب وأصحهما يجزيه لمعنيين أحدهما ان الغسل أكمل من الوضوء فانه يكفى لرفع أعلى الحدثين فالاصغر أولى: كيف والاصل هو الغسل وانما
حط تخفيفا: والثاني ان الترتيب حاصل في الحالة المفروضة فانه إذا لاقي الماء وجهه وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا الي آخر الاعضاء فعلى المعنى الاول وهو الذى ذكره في الكتاب ايثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب: وعلي الثاني الترتيب حامل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل كما لو اغتسل مراعيا للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف وان لم يتأت فيه تقدير الترتيب بأن انغمس وخرج علي الفور أو غسل الاسافل قبل الاعالى ففيه وجهان مبنيان علي الوجهين في الحالة الاولى: ان قلنا لا يجزي ثم فهنا أولى وان قلنا يجزى فيبنى على المعنيين ان قلنا الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه ههنا أيضا وان قلنا بالمعني الثاني فلا والمعنى الثاني أصح: فلا جرم الاصح في هذه الحالة انه لا يجزيه ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعا إذا قارنته النية والكلام فيما عداه وعنهم من قال في الحالة الاولى يجريه ما أتى به بلا خلاف والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوي رفع الحدث فان نوى رفع الجنابة ان قلنا لا يجزيه إذا نوى رفع الحدث فههنا أولى وان قلنا يجزيه فوجهان ههنا أحدهما لا يجزيه لانه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهرة غير مرتبة وأصحهما
[ ٣٦١ ]
الجواز والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيا واثباتا وهذا كله في المحدث المحض يغتسل: أما إذا أجنب وأحدث فالظاهر انه يكفيه الغسل كما تقدم والاصغر يتلاشى في جنب الا كبر وإذا عرفت ما ذكرناه ونظرت في لفظ الكتاب وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب وماذا اغتسل بحيث لا يتأتي فيه ذلك فان أرادهما جميعا فالخلاف شامل لكن الاظهر عند الجمهور أنه لا يجزيه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره.
وان أراد الحالة الاولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره: الثاني لو ترك الترتيب عامدا لم يجزه وضؤه لكن يعتد بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان باربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يجزه الوضوء كما لو نكس لان المعية تنافى الترتيب أيضا وفيه وجه أن الشرط عدم التنكيس ويجزيه الوضوء ههنا وان ترك الترتيب ناسيا فقولان الجديد انه كما لو ترك عامدا كما لو ترك سائر الاركان ناسيا وفي القديم
قول انه يعذر بالنسيان وذكر الائمة انه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسيا ووجه
[ ٣٦٢ ]
الشبه أن قراءة الفاتحة وان كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالركوع والقيام ونحوهما وانما هي زينة وتتمة للقيام: كذلك الترتيب زيمة وهيئة في سائر الاركان: الثالث الوضوء نوعان احدهما وضوء من يتيقن ان حدثه الاصغر فيعتبر فيه الترتيب والثاني وضوء من يجوز أن يكون حدثه الاكبر ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون منيا واحتمل أن يكون مذيا ففيما يلزمه وجوه: احدها انه يجب عليه الوضوء لان غسل ما زاد على الاعضاء الاربعة مشكوك فيه والمستيقن هذا القدر وعلى هذا الوجه لو عدل الي الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلا عن الوضوء والثاني يجب عليه الوضوء وغسل وسائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل لان شغل ذمته باحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الاتيان بها ليخرج عن العهدة بيقين والثالث وهو الاصح انه يتخير بين أن يغتسل أخذا بأنه منى أو يتوضأ أخذا بانه مذى لان كل واحد منهما محتمل فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته لان لزوم الآخر مشكوك فيه والاصل العدم وهذا الوجه هو الذى ذكره في الكتاب وليكن قوله فان شاء وان شاء معلمين بالواو اشارة إلى ما روينا من الوجهين ثم علي هذا الوجه الاظهر وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البلل من ثوب وغيره لانه على التقدير الذى يجب الوضوء يكون ذلك الخارج نجسا
[ ٣٦٣ ]
وفيه وجه انه لا يجب غسل الثوب وهو ضعيف ولا بد أن يكون الوضوء المأتي به مرتبا وفيه وجه انه لا يجب الترتيب لانه إذا شك في كونه منيا أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى فلا يجب بالشك كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى وانما يجب المشترك بينهما ويقال كان القفال يقول بهذا الوجه ثم رجع إلى الاول وهو المذهب لانه اما مني فموجبه الغسل أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه فإذا لم يرتب الوضوء ولا اغتسل فقد صلى مع أحد الحدثين يقينا ويجرى هذا الخلاف فيما إذا أولج خنثى مشكل في دبر رجل فهما
بتقدير ذكورة الخنثى جنبان والا فمحدثان فالجنابة محتملة غير مستيقنة فإذا توضآ وجب عليهما المحافظة علي الترتيب في ظاهر المذهب وفي وجه لا يجب لان لزومك الترتيب مشكوك فيه وهذا الوجه هو الذى دعا إلى ايراد مسألة البلل ههنا وان لم يذكره في لفظ الكتاب والله أعلم *
[ ٣٦٤ ]
القول (في سنن الوضوء وهي ثماني عشرة أن يستاك بقضبان الاشجار عرضا ويستحب ذلك عند كل صلاة وعند تغير النكهة ولا يكره الا بعد الزوال (ح م) للصائم) * عن رسول الله ﷺ انه قال السواك مطهرة للفم مرضاة للرب إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقا ولا يكره الا بعد الزوال للصائم خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ وسنذكر تفصيل مذهبهم في الصوم ان شاء الله تعالى * لنا انه يزيل
[ ٣٦٥ ]
أثر العبادة وهو خلوف الفم وانه مشهود له بالطيب قال ﷺ لخوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وإذا كان كذلك فيكره ازالته كدم الشهيد وانما خص بما بعد الزوال لان تغيير الفم بسبب الصوم وحينئذ يطهر وفى غيره هذه الحالة يطرد الاستحباب لكنه أكد في مواضع منها عند الصلاة وان كان على
[ ٣٦٧ ]
الطهارة سواء كان متغير الفم أو لم يكن لقوله ﷺ لولا أن أشق على امتى لا مرتهم بالسواك عند كل صلاة ومنها عند تغيير النكهة وذلك قد يكون للنوم فيستحب
[ ٣٦٨ ]
عند الا ستيقاظ الاستياك: كان النبي ﷺ إذا استيقظ استاك وروى انه كان يشوص فاه بالسواك وقد يكون لطول السكوت وقد يكون لترك الاكل وقد يكون لاكل ما له رائحة كريهة فيستحب الاستياك عندها جميعا لانها أسباب تغير الفم فتشبه النوم: ومنها اصفرار الاسنان وقد يفرض ذلك من غير تغير النكهة: ومنها قراءة القرآن تعظيما وتطهيرا له: ومنها عند الوضوء
[ ٣٦٩ ]
وان لم يصل في الحال: روى في بعض الروايات أنه ﷺ قال لولا أن أشق على أمتى لا مرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل وضوء وقد حكينا فيما تقدم عن بعض الاصحاب أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله أيستاك بالواو اشارة إلى ذلك الوجه وقوله بقضبان الاشجار ليس علي سبيل الاشتراط لكنها أولى من غيرها والاولى منها الاراك والاحب أن يكون يابسا لين بالماء دون ما لم يلين فانه يقرح اللثة ودون الرطب فانه لا ينقى اللزوجة وأصل السنة تتأدى بكل خشن يصلح لازالة القلح كالخرقة الخشنة ونحوها نعم لو كان جزءا منه كاصبعه
[ ٣٧٠ ]
الخشنة ففيه ثلاثة أوجه أظهرها لا يجزى لانه لا يسمى استياكا: والثاني يجزى لحصول مقصود الاستياك به: والثالث ان قدر على العود ونحوه فلا يجزى والا فيجزى لمكان العذر: وأما قوله عرضا فقد ذكر امام الحرمين أنه عد السواك علي طول الاسنان وعرضها فان اقتصر علي أحدى الجهتين فالعرض أولى لما روى أنه ﷺ قال استاكوا عرضا وهكذا أورده المصنف في الوسيط وذكر آخرون منهم صاحب التتمة أن يستاك في عرض الا سنان لا في طولها ورووا في
[ ٣٧١ ]
الخبر أنه قال استاكوا عرضا لا طولا فعلى الاول قوله عرضا ليس لانه متعين في اقامة هذه السنة بل خصه بالذكر لانه أولي وعلي الثاني هو تعيين *
[ ٣٧٢ ]
قال (وأن يقول بسم الله في الابتداء وأن يغسل يديه ثلاثا قبل ادخالهما في الاناء) ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه بسم الله علي سبيل التبرك والتيمن وذهب أحمد إلى أن
[ ٣٧٣ ]
التسمية واجبة لقوله ﷺ لا وضوء لمن لم يسم الله عليه قلنا المعنى لا وضوء
[ ٣٨٦ ]
كاملا كذلك روى في بعض الروايات ويدل عليه قوله صلي الله عليه وسلم من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لاعضاء وضوءه ولو كانت التسمية واجبة لما طهر شئ: ثم لو نسي التسمية في ابتداء وتذكرها في اثناء الوضوء اتى بها كما لو نسي التسمية في ابتداء الاكل يأتي بها إذا تذكر في الاثناء: ولو تركها في الابتداء عمدا فهل يشرع له التدارك في الاثناء هذا محتمل ولك أن تعلم قوله وان يقول بسم الله بالالف والواو فالالف لان احمد عدها من الواجبات والواو لان بعض الاصحاب لم يعدها من سنن الوضوء
[ ٣٩٢ ]
وقال هي محبوبة في كل امر ذى بال فلا اختصاص لها بالوضوء: ومن سننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل غسل الوجه كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك في وضوءه ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم وغيره ولا بين ان يتردد في طهارة يديه أو يتيقنها ولا بين من يدخل يديه في الاناء في توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضى الا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الاناء: ثم من يدخل يديه في الاناء ولم يتيقن طهارة يديه بان قام من النوم واحتمل تنجس يديه في طوافهما وهو نائم يختص بشئ وهو انه يكره له ذلك قبل الغسل قال رسول الله
[ ٣٩٤ ]
ﷺ إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده وكذلك لو كان مستيقظا ولم يستيقن طهارة اليدين وإن تيقن طهارة يديه فهل يكره له الغمس قبل الغسل فيه وجهان اظهرهما لا بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره لان سبب المنع ثم الاحتياط للماء لاحتمال نجاسة اليد وهذا مفقود ههنا: والثاني يكره لان المتيقن والمتردد يستويان في اصل استحباب الغسل فكذلك في استحباب تقديم الغسل علي الغمس وليكن قوله وان يغسل يديه معلما بالالف والو أو ايضا اما الالف فلان عند احمد ان قام من نوم الليل يجب غسل اليدين قبل ادخالهما الاناء وان قام من نوم النهار لا يجب واما الواو فلان بعضهم لا يعده من سنن الوضوء علي ما سبق واما قوله ثلاثا فليس ذلك من خاصية هذه السنة بل التثليث مستحب
في جميع افعال الوضوء كما سيأتي *
[ ٣٩٥ ]
قال (وأن يتمضمض ثم يستنشق فيأخذ غرفة لفيه وغرفة لا نفه على أحد القولين وفي الثاني يأخذ غرفة لهما ثم يخلط على أحد الوجهين إذا كانت الغرفة واحدة ويقدم المضمضة في الوجه الثاني وأن يبالغ فيهما الا أن يكون صائما فيرفق) كان رسول الله ﷺ يتمضمض ويستنشق في وضوئه فهما مستحبان فيه
[ ٣٩٦ ]
خلافا لاحمد حيث قال بوجوبهما: لنا ما روى ان رسول الله ﷺ قال عشر من السنة وعد منها المضمضة والاستنشاق ثم أصل الاستحباب يتأدى بايصال الماء إلى الفم والانف سواء كان بغرفة واحدة أو أكثر لكن اختلفوا في الكيفية التى هي أفضل على طريقين أصحهما أن فيه قولين أصحهما أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق ويقال ان عثمان وعليا ﵄ كذلك روياه ولانه أقرب إلى النظافة: والثاني الجمع بينهما أفضل لما روى عن علي ﵁ في وصف وضوء رسول الله ﷺ أنه يتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد ونقل مثله عن وصف عبد الله بن زيد والرواية عنه وعن عثمان وعلي ﵃ في الباب
[ ٣٩٧ ]
مختلفة: والطريق الثاني أن الفصل أفضل بلا خلاف وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجواز فان قلنا بالفصل ففى كيفيته وجهان أصحهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثا وغرفة أخري يستنشق منها ثلاثا لان عليا ﵁ كذلك رواه: والثاني أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاثا للاستنشاق لانه أقرب الي النظافة وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق وهذا التقديم مستحق علي أظهر الوجهين لانهما عضوان فيتعين الترتيب بينهما كما في سائر الاعضاء والثاني أنه مستحب لانهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار * وان قلنا بالجمع ففى كيفيته
[ ٣٩٨ ]
وجهان أيضا أظهرهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يأخذ ثالثة فيعمل بها مثل ذلك كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد: والثاني أنه يأخذ غرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستنشق ثلاثا روى ذلك في بعض الروايات ايضا ثم على هذا الوجه وهو اتخاذ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق ام يقدم المضمضة فيه وجهان احدهما انه يخلط فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة لان اتحاد الغرفة يدل على انهما في حكم عضو واحد: والثاني يقدم المضمضة على الاستنشاق فان ذلك اقرب الي
[ ٣٩٩ ]
النظافة * ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب من هذا الاختلافات أما قوله فيأخذ غرفة لفيه وغرفة لا نفه علي أحد القولين فهو قول الفصل بالكيفية المذكورة في الوجه الاول من الوجهين المذكورين على هذا القولين: وأما قوله وفي الثاني يأخذ غرفة لهما فهو قول الجمع بالكيفية المذكورة في الوجه الثاني علي هذا القول: وقوله ثم يخلط على أحد الوجهين إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيرا ومن سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق ففى المضمضة يبلغ الماء أقصي الحنك ووجهى الاسنان واللثات مع امرار الاصبع عليها وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم مع ادخال الاصبع وازالة ما فيه من الاذى لكن لو كان صائما لا يبالغ فيهما كيلا يصل الماء إلى الدماغ أو البطن وقد روي
[ ٤٠٠ ]
عن لقيط بن صبرة قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال صلى الله آله وسلم أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع وبالغ في الاستنشاق الا أن تكون صائما قال (وان يكرر الغسل والمسح " ح م و" في الجميع وان شك أخذ بالاقل)
[ ٤٠٥ ]
توضأ رسول الله ﷺ ثلاثا ثم قال هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلى ووضوء خليلي ابراهيم * وروي أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال من زاد على هذا فقد أساء وظلم ولا فرق
بين المغسول من الاعضاء والممسوح المفروض منهما وغير المفروض لانه لفظ الخبر مطلق يتناول المغسول والممسوح * وقال مالك وابو حنيفة وأحمد ﵏ لا يستحب التكرار في مسح الرأس وحكاه أبو عيسى الترمذي في جامعة عن الشافعي ﵁ ونقله أبو عبد الله الحناطي
[ ٤٠٨ ]
وجها للاصحاب فيه وفي مسح الاذنين * واحتجوا عليه بما روى أنه ﷺ مسح رأسه مرة واحدة وعن على وعثمان ﵄ أنهما في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه
[ ٤٠٩ ]
وسلم مسحا رؤوسهما مرة واحدة: قلنا ورد في رواية الربيع بنت معوذ انه مسح راسه مرتين
[ ٤١٠ ]
وعن عثمان أن النبي ﷺ توضأ فمسح رأسه ثلاثا على ان ما رويتموه يجوز ان يكون فعله في بعض الاحوال لبيان الجواز وهذا لبيان الفضيلة فلو شك في انه غسل أو مسح مرة أو مرتين أو شك في انه فعل ذلك مرتين أو ثلاثا فوجهان اصحهما وهو المذكور في الكتاب انه يأخذ بالاقل كما لو شك في عدد ركعات الصلاة: والثاني ذكره الشيخ أبو محمد أنه يأخذ بالاكثر حذرا من
[ ٤١١ ]
ان يزيد غسلة رابعة فانها بدعة وترك السنة اهون من اقتحام البدعة لكن من قال بالاول لا يسلم ان الرابعة بدعة على الاطلاق بل البدعة اتيانه بالرابعة عن علم منه بحقيقة الحال * قال (وان يخلل اللحية إذا كانت كثيفة) ما لا يجب ايصال الماء الي باطنه ومنابته من شعر الوجه يستحب تخليله بالاصابع روى
[ ٤١٢ ]
عن عثمان ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يخلل لحيته وروى انه كان يخلل لحيته ويدلك عارضيه بعض الدلك وعن المزني ان التخليل واجب ورواه القاضى ابن كج عن بعض الاصحاب فان أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم
يخرجها علي أصل الشافعي ﵁ وان اراد غيره حصل وجه موافق لما ذهب إليه المزني
[ ٤١٤ ]
قال (وأن يقدم اليمنى على اليسرى) كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شئ حتى في وضؤه وانتعاله
[ ٤١٩ ]
وعن أبي هريرة ﵁ انه ﷺ قال إذا توضأتم فابدوءا بميامنكم وزعم المرتضي من الشيعة ان الشافعي ﵁ في القديم كان يوجب تقديم اليمني علي اليسرى وليس لهذا ذكر في كتب أصحابنا ولا اعتماد عليه ويدل علي نفى الوجوب ما روى عن على ﵁ انه قال ما أبالى بيمينى بدأت أو بشمالي إذا أكملت الوضوء ثم استحباب تقديم اليمنى
[ ٤٢٠ ]
على اليسرى في كل عضوين يعتبر ايراد الماء عليهما دفعة واحدة كاليدين والرجلين: أما الاذنان فلا يستحب البداية باليمنى منهما لان مسحهما معا أهون وكذلك الخدان يغسلان معا: نعم الاقطع يعجز عن غسل الخدين ومسح الاذنين دفعة واحدة فيراعى التيامن هكذا ذكر القاضى أبو المحاسن وليكن قوله وأن يقدم اليمنى مرقوما بالالف لان أحمد صار إلى وجوبه *
[ ٤٢١ ]
قال (وأن يطول الغرة) روي انه ﷺ قال أمتى يوم القيامة غر محجلون من آثار الوضوء
[ ٤٢٢ ]
قال أبو هريرة فكنا بعد ذلك نغسل أيدنا إلى الآباط واختلف الاصحاب في التفسير ففرق بعضهم بين تطويل الغرة وتطويل التحجيل فقالوا تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذلك غسل صفحة العنق والتحجيل غسل بعض العضد عند غسل اليد وغسل بعض الساق عند غسل الرجل وغاية ذلك استيعاب العضد والساق وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شئ من العضد
والساق واعرضوا عن ذكر ما حوالى الوجه والاول اولي وأوفق لظاهر الخبر *
[ ٤٢٣ ]
قال (وأن يستوعب الرأس بالمسح فان عسر تنحية العمامة كمل المسح على العمامة) من سنن الوضوء استيعاب الرأس بالمسح والاحب في كيفيته أن يضع يده علي مقدم رأسه وكل واحدة من سبابتيه ملصقة بالاخرى وأبهاماه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذى بدأ منه روى عن عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى الموضع الذى بدأ منه وهل الذهاب باليد والرد مسحة واحدة أم الذهاب وحده مسحة ان لم يكن على رأسه شعر أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليد وردها لكونه ضفيرة معقودة أو لطوله فامرار اليد من المقدم إلى
[ ٤٢٤ ]
المؤخر مسحة واحدة قال في التهذيب ولا يحسب الرد والحالة هذه مسحة أخري لصيرورة البلل مستعملا بحصول مسح جميع الرأس وان كان على رأسه شعر ينقلب بالذهاب باليد وردها فهما جميعا مسحة واحدة ليستوعب البلل جميع الرأس فان منابت الشعور مختلفة منها ما يكون وجهه الي مقدم الرأس ومنها ما يكون وجهه إلى مؤخره فبالذهاب ينبل بواطن القسم الاول وظواهر الثاني
[ ٤٢٥ ]
وبالرد ينبل ظواهر الاول وبواطن الثاني والاولى أن يمسح من الرأس الناصية مسح رسول الله ﷺ بناصيته وعلي عمامته ولا يجوز الاقتصار على مسح العمامة لان المأمور به مسح الرأس والماسح على العمامة ليس بماسح على الرأس ولو عسر عليه تنحية ما علي رأسه من عمامة وغيرها ومسح من الرأس قدر ما يجب كمل بالمسح على العمامة بدلا من الاستيعاب وتشبها به:
[ ٤٢٦ ]
قال (وأن يمسح اذنيه بماء جديد ظاهرهما وباطنهما) يستحب مسح الاذنين لما روى انه صلي الله عليه وسلم مسح في وضؤه برأسه وأذنيه
ظاهرهما وباطنهما وأدخل اصبعيه في صماخي اذنيه وينبغى أن يمسحهما بماء جديد لما روى عن
[ ٤٢٧ ]
عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ انه توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذى مسح به الرأس وليس من الشرط أن يأخذ ماء جديدا حينئذ بل لو امسك بعض أصابعه
[ ٤٢٨ ]
من البلل المأخوذ لمسح الرأس ومسح به الاذنين تأدت هذه السنة روى انه صلي الله عليه وسلم
[ ٤٢٩ ]
وسلم أمسك بسبابتيه وابهاميه عن الرأس لمسح الاذنين فمسح بسبابتيه باطنهما وبابهاميه ظاهرهما ويمسح الصماخين بماء جديد أيضا نص عليه لانه من الاذن كالفم والانف من الوجه وحكى قول آخر انه يكفي مسحه ببقية بلل الاذن لان الصماخ من الاذن والاحب في اقامة هذه السنة أن يدلل
[ ٤٣٠ ]
مسحتيه في صماخيه ويديرهما على المعاطف ويمر ابهاميه على ظهورهما ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالاذنين استظهارا ولك أن تعلم قوله وأن يمسح أذنيه بالالف لان احمد قال بوجوبه وبالميم لان مالكا قال في رواية هما من الوجه يغسللان معه ولا يمسحان وقوله بماء جديد بالحاء لان أبا حنيفة يقول هما من الرأس يمسحان بالبلل المأخوذ للرأس وبالميم لان مالكا يقول
[ ٤٣١ ]
في رواية هما من الوجه يمسحان بالبلل الباقي عن غسل الوجه وبالالف لان احمد مع قوله بالوجوب يجوزه بالمأخوذ لمسح الرأس وعن مالك روايتان أخريان احداهما مثل مذهبنا والاخريى مثل مذهب أبي حنيفة
[ ٤٣٢ ]
قال (وأن يمسح الرقبة) روى أن النبي ﷺ قال مسح الرقبة أمان من الغل وعن ابن عمر رضى
[ ٤٣٣ ]
الله عنهما ان النبي ﷺ قال من توضأ ومسح على عنقه وقي الغل يوم القيامة وهل يمسح بماء جديد أم بما يبقي من بلل مسح الرأس أو الاذن: بناه بعضهم على وجهين في أن مسح العنق سنة أم أدب ان قلنا سنة مسح بماء جديد وان قلنا ادب فمسح بالبلل الباقي * واعلم أن السنة والادب يشتركان في أصل الندبية والاستحباب لكن السنة ما يتأكد شأنها والادب دون ذلك ثم اختيار القاضى الروياني انه ينبغي أن يمسح بماء جديد وميل الاكثرين
[ ٤٣٤ ]
إلى أنه يكفى مسحه بالبلل الباقي وهو قضية كلام المسعودي وصاحب التهذيب لان المسعودي قال انه غير مقصود في نفسه بل هو تابع للقفا في المسح والقفا تابع للرأس لتطويل الغرة وقال صاحب التهذيب يستحب مسحه تبعا للرأس أو الاذن اطالة للغرة واذ كان استحبابه لتطويل الغرة كفى فيه البلل الباقي والله أعلم *
[ ٤٣٥ ]
قال (وأن يخلل أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى من أسفل اصابع الرجل اليمنى ويبتدئ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى) * من سنن الوضوء تخليل اصابع الرجلين في غسلهما لما روى أنه ﷺ قال للقيط بن صبرة إذا توضأ فخلل الاصابع وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليل فلو كانت الاصابع ملتفة لا يصل الماء إليها الا بالتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته لكن لاداء فرض الغسل وان كانت ملتحمة لم يجب الفتق ولا يستحب أيضا والاحب في كيفية التخليل أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل الاصابع مبتدئا بخنصر الرجل اليمنى ومختتما بخنصر اليسرى ورد الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ كذلك ذكره الائمة وعن أبي ظاهر الزيادي انه يخلل ما بين كل اصبعين من أصابع رجله باصبع من اصابع يده ليكون بماء جديد ويفصل الابهامان فلا
[ ٤٣٦ ]
يخلل بهما لما فيه من العسر وهل التخليل من خاصية اصابع الرجلين أم هو مستحب في أصابع اليدين ايضا معظم أئمة المذهب ذكروه في أصابع الرجلين وسكتوا عنه في اليدين لكن القاضي أبا القاسم بن كج قال انه مستحب فيهما واستدل بخبر لقيط بن صبرة فان لفظ الاصابع ينتظمها وفي جامع أبي عيسي الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إذا توضأت فخلل اصابع يديك ورجليك وعلى هذا فالذي يقرب من الفهم ههنا أن يشبك بين الاصابع ولا تعود فيه الكيفية المذكورة في الرجلين ولك أن تعلم قوله يخنصر اليد اليسرى بالواو اشارة إلى ما حكينا عن الاستاذ أبي طاهر *
[ ٤٣٧ ]
قال (وان يوالى بين الافعال فهى سنة على الجديد) اختلف قول الشافعي ﵁ في الموالاة فقال في القديم هي واجبة وبه قال مالك واحمد في رواية لان النبي ﷺ وسلم توضأ على سبيل الموالاة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به ولانه عبادة ينقضها الحدث فيعتبر فيها الموالاة كالصلاة وقال في الجديد هي
[ ٤٣٨ ]
سنة لما روى أن رجلا توضأ وترك لمعة في عقبه فلما كان بعد ذلك أمره النبي ﷺ وسلم بغسل ذلك الموضع ولم يأمره بالاستئناف ولم يبحث عن قدر المدة الفاصلة: وعن ابن عمر ﵄ انه كان يتوضأ في سوق المدينة فدعى إلى جنازة وقد بقى من وضؤه فرض الرجلين فمذهب معها الي المصلى ثم مسح على خفيه وكان لا بسا ولان أفعال الوضوء يجوز أن يتخللها الزمان اليسير فكذلك الزمان الكثير بخلاف الصلاة: ثم لجريان القولين شرطان وان أطلق في الكتاب
[ ٤٣٩ ]
احدهما أن يهمل الموالاة بتفريق كثير أما التفريق اليسير فلا يقدح بلا خلاف سواء كابعذر أو بغير عذر والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص ولا عبرة بحال المحموم ولا بتباطئ الجفاف بسبب برودة الهواء ولا بتسارعه بسبب الحرارة وقيل يؤخذ الكثير والقليل من العادة وقيل إذا مضي قدر ما يمكن فيه اتمام الطهارة فقد
كثر التفريق واعتبار مدة التفريق من آخر الفعل المأتي به من أفعال الوضوء حتي لو غسل وجهه
[ ٤٤٠ ]
ويديه ووقع فصل ثم مسح رأسه قبل جفاف ماء اليدين لم يضر وان جف الماء علي وجهه: وإذا غسل ثلاثا فالاعتبار من الغسلة الاخيرة * الشرط الثاني أن يكون التفريق الكثير بغير عذر أما إذا كان بعذر فلا يضر ولا يعود فيه القول القديم قال المسعودي لان الشافعي ﵁ جوز في القديم تفريق الصلاة بالعذر فانه إذا سبقه الحدث يتطهر ويبنى ففى الطهارة أولي والعذر كما إذا نفد ماؤه فذهب لطلبه أو خاف من شئ فهرب وهل النسيان من الاعذار فيه وجهان للشيخ أبي محمد والاظهر انه من الاعذار ومنهم من طرد القولين في التفريق بالعذر أيضا والاكثرون علي
[ ٤٤١ ]
الاول وحكي عن نص الشافعي ﵁ ما يدل عليه وإذا عرفت موضع القولين فنقول ان فرعنا على القديم وفرق وجب عليه الاستئناف وان فرعنا علي الجديد فله البناء ثم ان كان مستديما للنية فذاك وان لم يكن فهل يحتاج إلى تجديد النية فيه وجهان أحدهما نعم لان استيفاء النية حكما خلاف الحقيقة انما يصار إليه عند تواصل الافعال وأظهرهما لا لان التفريق إذا كان جائزا كانت النية الاولى كافية ألا ترى أن الحج إذا جاز فيه التفريق كفت النية الاولى فيه *
[ ٤٤٢ ]
قال (وأن لا يستعين في الوضوء بغيره وأن لا ينشف الاعضاء فهى سنة علي أظهر الوجهين وان لا ينفض يديه للنهي عنه وأن يدعو بالدعوات المأثورة المشهورة عند غسل الاعضاء) هذه البقية تشتمل علي أربع سنن احداها ان لا يستعين في وضوء بغيره روى انه ﷺ قال أنا لا أستعين على وضوئي بأحد قاله لعمر ﵁ وقد بادر ليصب الماء على يديه ولانه نوع من التنعم والتكبر ذلك لا يليق بحال المتعبد والاجر على قدر النصب وهل تكره الاستعانة فيه وجهان
[ ٤٤٣ ]
أحدهما نعم لما ذكرناه وأظهرهما لا لان النبي ﷺ قد استعان احيانا منها ما روى
ان اسامة والربيع بنت معوذ صبا الماء علي يديه ومنها ما روى انه استعان بالمغيرة بن شعبة لمكان جبة ضيقة الكمين كان قد لبسها فعسر عليه الاسباغ منفردا ولا يستبعدن الخلاف في أن الاستعانة
[ ٤٤٤ ]
هل تكره مع الجزم بأن تركها محبوب فان الشئ قد يكون أولي ولا يوصف ضده بالكراهية كاستغراق الاوقاف بالعبادة وتركه: الثانية هل يستحب ترك تنشيف الاعضاء فيه وجهان
[ ٤٤٥ ]
أظهرهما نعم لما روى عن أنس أن النبي ﷺ كان لا ينشف أعضاءه وعن عائشة رضى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصبح جنبا فيغسل ثم يخرج إلى الصلاة ورأسه يقطر ماء والثاني لا يستحب ذلك وعلى هذا اختلفوا منهم من قال لا يستحب التنشيف أيضا وقد روى من فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم التنشيف وتركه وكل حسن ولا ترجيح ومنهم من قال يستحب التنشيف لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار وإذا فرعنا على الاظهر وهو استحباب الترك فهل نقول التنشيف مكروه أم لا فيه ثلاثة أوجه اظهرها لا لان النبي صلي الله عليه
[ ٤٤٦ ]
وسلم اغتسل فأتى بملحفة ورسية فالتحف بها حتي رؤى أثر الورس في عكنه ولو كان مكروها لما فعل: والثاني نعم لانه ازالة آلاثر العبادة فأشبه ازالة خلوف فم الصائم: والثالث حكى عن القاضي
[ ٤٤٧ ]
الحسين انه ان كان في الصيف كره وان كان في الشتاء لم يكره لعذر البرد: الثالثة أن لا ينفض يديه
[ ٤٤٨ ]
فهو مكروه لما روى أنه ﷺ قال إذا توضأ تم فلا تنفضوا ايديكم فانها مراوح الشيطان (الرابعة) أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمني اللهم اعطني كتابي بيمينى وحاسبني
[ ٤٤٩ ]
حسابا يسيرا وعند غسل اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهرى وعند مسح الرأس اللهم حرم شعرى وبشرى على النار وروى اللهم احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى وعند مسح الاذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمى علي الصراط يوم تزل فيه الاقدام ورد بها الاثر عن السلف الصالحين (خاتمتان) احداهما السنن التي أوردها يعود يصفها في الغسل التسمية وغسل اليدين والمضمضة
[ ٤٥٠ ]
والاستنشاق والمبالغة فيهما والتكرار والموالاة وترك الاستعانة والتنشيف والنفض: وفي التسمية وجه انها لا تستحب في الغسل وفي الموالاة طريق انها لا تجب في الغسل بلا خلاف (الثانية) ظاهر لفظ الكتاب حصر السنن في العدد المذكور لكن للوضوء مندوبات أخرمها أن يقول بعد التسمية الحمد لله الذى جعل الماء طهورا وأن يستصحب النية في جميع الافعال وأن يجمع في النية بين اللسان القلب
[ ٤٥١ ]
وان يتعهد الماقين بالسبابتين وما تحت الخاتم بتحريك الخاتم وكذلك المواضع التي يحتاج فيها إلى الاحتياط وأن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه وفي مسح الرأس بمقدمه وفي اليد والرجل بأطراف الاصابع ويختم
[ ٤٥٢ ]
بالمرافق والكعب ان كان يصب الماء عليهما بنفسه وان صبه عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب وأن لا ينقص الماء المتوضأ به عن مدو أن لا يسرف في صب الماء وأن لا يزيد على ثلاث مرات وأن لا يتكلم
[ ٤٥٣ ]
في أثنائه ولا يلطم الوجه بالماء وان يتوضأ في مكان لا يرجع رشاش الماء إليه وان يمر اليد على الاعضاء المغسولة وان يقول بعد الوضوء مستقبلا للقبلة اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمد عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا اله الا أنت استغفرك وأتوب اليك وليس لك أن تقول هذا من الاذكار والادعية وقد
[ ٤٥٤ ]
أشار إليها في الكتاب فلا يكون وراء ما ذكره لان الادعية التى أشار إليها في الكتاب هي المأثورة عند غسل الاعضاء وهذا متأخر عن غسلها *
[ ٤٥٥ ]
قال (الباب الثاني في الاستنجاء) (وهو واجب وفيه فصول أربعة الاول في آداب قضاء الحاجة وهي أن يستر عورته ولا يحاذي بها الشمس والقمر والقبلة استقبالا واستدبارا الا إذا كان في بناء وان لا يجلس في متحدث الناس) الاستنجاء واجب عندنا خلافا لا بي حنيفة: لنا ظاهر قوله ﵊ وليستنج احدكم بثلاثة أحجار ونحوه ثم المحوج إلى الاستنجاء انما هو قضاء الحاجة فلذلك قدم فصلا أولا في آدابة وذكر منها أمورا أحدها أن يستر عورته عن العيون بشجرة أو بقية جدار ونحوهما
[ ٤٥٦ ]
لما روى عن ابي هريرة ﵁ ان النبي صلى الله عليه وآله قال من أتي الغائط فليستتر فان لم يجد الا ان يجمع كثيبا من ر مل فليفعل وهذا إذا لم يكن في بناء سانر وهو أن يكون مسقفا أو محوطا يمكن تسقيفه فلو كان في بستان محوط وجلس بعيدا عن الجدار أو جلس في عرصة دار فيحاء فهو كما لو جلس في الصحراء فينبغي أن يستتر بشئ ثم ليكن الساتر قريبا من مؤخرة الرجل وليكن بينه وبين الساتر قدر ثلاثة اذرع فما دونها ولو اناخ راحلته وتستر بها أو جلس في وهدة أو نهر أو أرخى ذيله حصل الغرض: (الثاني) ان لا يستقبل الشمس والقمر بفرجه
[ ٤٥٧ ]
فقد ورد النهي عنه ويشترك فيه الصحراء والبنيان كذلك ذكره المحاملى (الثالث) إذا كان في بناء أو بين يديه سافر فالادب ان لا يستقبل ولا يستدبرها وإذا كان في الصحراء ولم يستتر بشئ
[ ٤٥٨ ]
حرم عليه استقبال القبلة واستدبارها لما روى انه ﷺ قال إذا ذهب أحدكم الغائط
فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول وروى انه ﵊ قال لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا ولا يحرم ذلك في البناء وان كان الخبر مطلقا خلافا لابي حنيفة وذلك لما روى عن ابن عمر ﵄ قال رقيت السطح مرة فرأيت رسول
[ ٤٥٩ ]
الله صلى الله عليه وآله جالسا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة وعن جابر قال نهانا رسول الله ﷺ ان نستقبل القبلة بفروجنا ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة وسبب المنع في الصحراء فيما ذكر الاصحاب أن الصحراء لا تخلوا عن مصل من ملك أو جنى أو انسى فربما وقع بصره على عورته: فاما في
[ ٤٦٠ ]
في الابنية فالحشوش لا يحضرها الا الشياطين ومن يصلى يكون خارجا عنها فيحول البناء بينه وبين المصلى وليس السبب مجرد احترام الكعبة وقد نقل ما ذكروه عن ابن عمر وعن الشعبي ﵄: الرابع أن لا يجلس في متحدث الناس كيلا يفسد عليهم مجلسهم فيلعنوه وقد قال ﷺ اتقوا الملاعن ثم في لفظ الكتاب في الادب الثاني والثالث كلامان أحدهما قوله ولا يحاذي بها الشمس والقمر والقبلة استقبالا واستدبارا يقتضى المنع من استقبال الشمس والقمر واستدبار هما جميعا كالقبلة سواء رجع قوله استقبالا واستدبار إلى الشمس والقمر والقبلة أو إلى القبلة وحدها: أما على التقدير الاول فظاهر واما علي الثاني فلان لفظة المحاذاة
[ ٤٦١ ]
وهي تشمل الاستقبال والاستدبار.
واكثر الكتب ساكتة عن استدبارهما وان كان المنع عن استقبالهما مشهورا لكنه صحيح حكاه في البيان عن الصيمري ورأيته في الشافي لا بي العباس الجرجاني وفي الخبر ما يدل عليه الثاني ظاهر كلامه يقتضي عود الاستثناء في قوله الا إذا كان في بناء إلى الشمس والقمر والقبلة جميعا ولاشك أنه ليس كذلك بل هو مخصوص بالقبلة ثم الاحتراز عن استقبال النيرين واستدبارهما ليس بواجب بحال وانما هو ادب والاحتراز عن
[ ٤٦٢ ]
استقبال الكعبة واستدبارها أدب في حال وواجب في حال كما سبق بيانه وإذا عرفت ذلك فيتوجه للناظر أن يقول ان اراد الامام بالمنع حالة التحريم لم يحسن درجه في جملة الاداب ولا الجمع بين القبلة والشمس والقمر في جملة واحدة وان أراد حالة الكراهة فلم استثنى ما إذا كان في بناء والادب الاحتراز في البناء أيضا
[ ٤٦٣ ]
قال (وأن لا يبول في الماء الراكد ولا في الجخرة ولا تحت الاشجار المثمرة ولا في مهاب الرياح استنزاها من البول) ومن الآداب ان لا يبول في الماء الراكد لما روى أنه ﷺ قال لا يبول أحدكم في الماء الدائم ويروى في الراكد وهذا المنع يشمل القليل والكثير لما فيه من الاستقذار ثم ان كان قليلا ففيه شئ آخر وهو انه تنجيس للماء وتعطيل لفوائد فان كان بالليل زاد شئ آخر وهو ما قيل ان الماء بالليل للجن فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفا من آفة تصيب من جهتهم ومنها أن لا يبول في الجحرة لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس ان النبي ﷺ
[ ٤٦٤ ]
وسلم نهى عنه قيل لقتادة ما بال الجحرة قال يقال انها مساكن الجن: ومنها أن يجلس تحت الاشجار المثمرة صيانة لها عن التلويث والتنجيس وهذا في البول والغائط جميعا وان كان نظم الكتاب يخص
[ ٤٦٥ ]
البول: ومنها ان لا يبول في مهاب الرياح استنزاها من البول وحذارا من رشاشه قال صلى الله عليه
[ ٤٦٦ ]
وسلم استنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه وروى أنه ﷺ
[ ٤٦٧ ]
كان يتمخر الريح أي ينظر أين مجراها فلا يستقبلها لئلا يرد عليه البول لكن يستدبرها
[ ٤٦٩ ]
قال (ويعتمد في الجلوس علي الرجل اليسرى ويعد النبل ولا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة ولا يستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى ورسوله ويقدم الرجل اليسرى في دخوله الخلاء واليمني في الخروج وان يستبرى من البول بالتنحنح والنتر) ومنها ان يعتمد إذا جلس على الرجل اليسرى لما روى عن سراقة بن مالك قال علمنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ علي اليسرى ومنها أن يعد النبل ان كان
[ ٤٧١ ]
يستنجي بالاحجار ثم يشتغل بعد ذلك بقضاء الحاجة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم وسلم قال اتقوا الملاعن واعدوا النبل والمعنى فيه خوف الانتشار لو طلبها بعد قضاء الحاجة والنبل أحجار الاستنجاء جمع نبلة وأصلها الحصاة الصغيرة: ومنها ان لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة بل ينتقل عنه ثم يستنجي تحرزا من عود الرشاش إليه إذا أصاب الماء النجاسة وأما إذا أكان يستنجي بالحجر فلا يقوم عن الموضع كيلا تنتشر النجاسة: ومنها أن لا يستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى كالخاتم والدارهم التى عليها اسم الله تعالي كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل الخلاء وضع خاتمه لانه كان عليه محمد رسول الله وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله ﷺ وسلم تعظيما وتوقيرا له وكذلك يحترز عن استصحاب ما عليه شئ من القرآن وهل
[ ٤٧٢ ]
يختص هذا الادب بالبنيان لم يعم البنيان والصحاى فيه اختلاف للاصحاب والاظهر التعميم ورأيت للصيمري أنه إذا كان على فص الخاتم ذكر الله تعالي خلعه قبل دخول الخلاء أو ضم كفه عليه فخير بينهما وكلام غيره يشعر بانه لا بد من النزع نعم قيل إنه لو غفل عن النزع حتي اشتغل بقضاء الحاجة ضم كفه عليه حتى لا يظهر ومنها أن يقدم رجله اليسرى في دخول الخلاء واليمني في الخروج على العكس من دخول المسجد والخروج منه لان اليسار للاذى واليمني لغيره
[ ٤٧٣ ]
وهل يختص ذلك بالبنيان ام لا اختلف فيه كلام الاصحاب والذى ذكره في الوسيط يقتضى الاختصاص لكن الاكثرين على انه لا يختص حتى يقدم رجله اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء أيضا وإذا فرغ قدم اليمنى: ومنها أن يستبرئ من البول بالتنحنح عند انقطاعه وبالنتر ثلاثا بان يمر بعض أصابعه على أسفل الذكر ويدلكه لاخراج ما هنا لك من البقايا وهذا
[ ٤٧٤ ]
للاستنزاه من البول أيضا ويروى أنه ﷺ قال فلينتر ذكره ولو استبرأ بالمشي عقيب البول فلا بأس وأكثره فيما قيل سبعون خطوة ويكره حشو الاحليل بالقطنة ونحوها * قال (الفصل الثاني فيما يستنجي عنه * وهى كل نجاسة ملوثة خارجة عن المحل المعتاد نادرة كانت أو معتادة جاز الاقتصار فيها على الجحر ما لم تنتشر الا ما ينتشر من العامة ولا يقتصر على الجحر في دم الحيض: وفي النجاسات النادرة قول إنه يتعين الماء فيه وقيل المذى نادر وان خرجت دودة لم تلوث ففى وجوب الاستنجاء وجهان)
[ ٤٧٥ ]
الخارج من البدن اما ريح فلا استنجاء منها أو عين فان وجبت بخروجها الطهارة الكبرى كالمني والحيض فيجب الغسل ولا يمكن الاقتصار على الحجارة وان لم تجب به الطهارة الكبرى نظر ان لم تجب به الصغرى أيضا فان كان طاهرا فذاك وان كان نجسا كدم الفصد والحجامة فيزال كما تزال سائر النجاسات ولا مدخل للحجر فيه وان وجبت به الطهارة الصغرى فان خرج من الثقبة التي تنفتح ويحكم بانتقاض الطهارة بالخارج منها على ما سيأتي فتزال كسائر النجاسات أم للحجارة فيه مدخل: فيه وجوه ثلاثة قد ذكرها في الكتاب في باب الاحداث ونذكرها في
[ ٤٧٦ ]
موضعها ان شاء الله تعالى وان خرج من السبيل نظر ان لم يكن ملوثا كالدودة والحصاة التى لا رطوبة معها ففى وجوب الاستنجاء منه قولان أصحها لا يجب لا بالماء ولا بالحجر لان المقصود من
الاستنجاء ازالة النجاسة أو تخفيفها عن المحل فإذا لم يتلوث المحل ولم يتنجس فلا معني للازالة ولا للتخفيف: والثاني يجب لانه لا يخلو عن رطوبة وان قلت وخفيت وان كان ملوثا فينظر إن كان نادرا كالدم والقيح ففيه قولان أحدهما أنه يتعين ازالته بالماء رواه الربيع حيث حكي عن نصه انه ان كان في جوف مقعدته بواسير يخرج منها الدم والقيح يجب غسله بالماء ووجهه ان الاقتصار
[ ٤٧٧ ]
على الحجر تخفيف على خلاف القياس ورد فيما يعم به البلوى فلا يلحق به غيره: والثاني رواه المزني وحرملة وهو الاصح أنه يجوز فيه الاقتصار علي الحجر نظرا الي المخرج المعتاد فان خروج النجاسات منه علي الانقسام إلى الغالبة والنادرة مما يتكرر ويعسر البحث عنها والوقوف علي كيفياتها فيناط الحكم بالمخرج ومنهم من قطع بهذا وحمل ما رواه الربيع على ما إذا كان بين الاليتين لا في الداخل: ومن جملة النجاسات النادرة المذى فيجئ فيه هذا الاختلاف وحكي عن القفال تفصيل في النجاسات النادرة وهو ان ما يخرج منها مشوبا بالمعتاد كفى الحجر وان تمحض النادر فلا بد من الماء هذا
[ ٤٧٨ ]
في الخارج النادر: أما المعتاد فان لم يعد المخرج فعليه أحد الامرين إما ازالته بالماء كسائر النجاسات وإما التخفيف بجامد علي الشرط المذكور في الفصل الثالث وذلك أن الاصل في النجات الازالة بالماء بحيث لا يبقى عين ولا أثر فان جرى على الاصل فذاك والا أجزأه الاقتصار على الاحجار تخفيفا روى
[ ٤٧٩ ]
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال إذا ذهب احدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة احجار يستطيب بها فانها تجزى عنه وان عدا المخرج نطر ان لم ينتشر اكثر من القدر المعتاد فكذلك يتخير بين الامرين وذلك القدر من الانتشار يتعذر أو يتعسر الاحتراز عنه ونقل المزني ﵀ أنه إذا عدا المخرج لا يجزى فيه الا الماء فمنهم من أثبته قولا آخر وزعم أن الضرورة تختص بالمخرج فلا تسامح فيما عداه بالاقتصار علي الاحجار والاكثرون امتنعوا من اثباته قولا وانقسموا إلى مغلط ومؤول وان انتشر أكثر من القدر المعتاد وهو أن يعد والمخرج وما
حواليه فينطر ان لم يجاوز الغائط الا ليتين ففي جواز الاقتصار فيه على الاحجار قولان أظهرهما
[ ٤٨٠ ]
الجواز رواه الربيع واحتج الشافعي ﵁ لهذا القول بأن قال لم يزل في زمان رسول الله ﷺ والي اليوم رقة البطون وكان اكثر اقواتهم التمر وهو مما يرقق البطن ومن رق بطنه انتشر خلاؤه عن الموضع وما حواليه ومع ذلك أمروا بالاستجمار والثاني ذكره في القديم أنه لا يجوز لانه انتشار لا يعمم ولا يغلب فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات وفيه
[ ٤٨١ ]
طريقتان أخريان أحداهما القطع بالقول الاول رواها الشيخ أبو محمد والمسعودي والثانية القطع بالقول الثاني حكاها كثيرون من الائمة: وأما البول فالحشفة فيه بمثابة الا ليتين في الغائط والامر فيه على هذا الاختلاف وعن أبي اسحق المروزى أنه قال إذا جاوز البول الثقب لم يجز فيه الحجر قولا واحدا والخلاف والتفصيل في الغائط والفرق ان البول ينفصل على سبيل التزريق فيبعد فيه
[ ٤٨٢ ]
الانتشار وان جاوز الغائط الاليتين والبول الحشفة تعينت الازالة بالماء كسائر النجاسات لانه نادر نحوه: ولا فرق بين القدر المجاوز وغيره ومنهم من جعل ما لم يجاوز على الخلاف ثم حيث يجوز الاقتصار علي الحجر فذاك بشرط ان لا تنتقل النجاسة عن الموضع الذى أصابته عند الخروج فلو قام وانضمت اليتاه عند الخطو وانتقلت النجاسة تعين الماء ويشترط ان لا يصيب
[ ٤٨٣ ]
موضع النجو نجاسة من خارج حتي لو عاد إليه رشاش ما أصاب الارض تعين الماء ويشترط أن لا يجف الخارج علي الموضع فان جف تعين الماء وحكي القاضى الروياني انه ان كان يقلعه الحجر يجزي فيه الحجر والا فلا واختار هذا الوجه والله أعلم * هذا فقة مسائل الفصل والفاظ الكتاب في بعض المواضع من الفصل تفتقر إلى مزيد بيان فنقول أما قوله الفصل الثاني فيما يستنجي
[ ٤٨٤ ]
عنه فلفظ الاستنجاء يشمل الازالة بالماء والتخفيف بالاحجار لانه مشتق من النجو وهو القلع الا أن المراد ههنا انما هو الاستنجاء بالحجر لا مطلق الاستنجاء والا فلا يشترط في مطلق الاستنجاء كونه خارجا من المخرج المعتاد ولا كونه غير منتشر لكن قوله في آخر الفصل فإذا خرجت دودة لم تلوث ففى وجوب الاستنجاء وجهان ليس المراد منه الاستنجاء بالحجر بل مطلق الاستنجاء على ما بينا
[ ٤٨٥ ]
المسألة من قبل وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوجهين وكذلك نقل الشيخ أبو محمد والصيدلاني والامام والاكثرون نقلوا قولين ومنهم من حكاهما عن الجامع الكبير والله أعلم * وأما قوله كل نجاسه يخرج عنه الاشياء الطاهرة وقوله ملوثة يخرج عنه ما لا يلوث واشتراط هذا القيد على الخلاف المذكور وقوله خارجة عن المخرج المعتاد يخرج عنه دم الفصد والحجامة وكذا الخارج عن الثقبة المنفتحة وان حكمنا بانقاض الطهر بالخارج منها وفيه الخلاف الذى أشرنا إليه من قبل لكن
[ ٤٨٦ ]
الاظهر أنه لا يقتصر فيه على الحجر فلا بأس بخروجه عن الضابط: وقوله نادرة كانت أو معتادة جرى علي اصح القولين في النجاسات النادرة وهو انه يقتصر فيها على الحجر وقد ذكر القول الثاني بعد ذلك: وقوله ما ينتشر الا ما ينتشر من العامة ينبغى أن تكون كلمة الاستثناء منه مرقوم بالواو اشارة إلى مذهب من جعل منقول المزني قولا فان عدم الانتشار شرط عنده من غير استثناء وكذلك قوله ما ينتشرر من العامة اشارة إلى القول رواه الربيع انه وان زاد علي ذلك جاز الاقتصار فيه على الحجر ما لم يجاوز الاليتين والذى ذكره جواب على القول المنسوب إلى القديم واختيار له وقد
[ ٤٨٧ ]
رجحه امام الحرمين وكثيرون لكن منقول الربيع أظهر كما سبق وكذلك ذكره المسعودي والقاضى الروياني وآخرون وبه أجاب المحاملى في المقنع: وأما قوله وقيل المذى نادر قيقتضى اثبات خلاف أي انه هل يعد من النجاسات النادرة ولكلامه في الوسيط اشعار به ايضا لكن الذى يشتمل
[ ٤٨٨ ]
عليه كتب الاصحاب قديمها وحديثها عده من النجاسات النادرة من غير التعرض لخلاف فيه وطرح بعضهم لهذا السبب لفظة قيل من الكتاب وقد أحسن ولك أن تستدرك فتقول ما ذكره في الضابط لا يحوى جملة الشرائط المعتبرة في جواز الاقتصار علي الحجر لان منها ان لا تجف النجاسة
[ ٤٨٩ ]
على الموضع ولا تنتقل عنه ولا تصيبه نجاسة أخرى كما سبق وقد سكته عنها * قال (الفصل الثالث فيما يستنجى به وهو كل عين طاهرة منشفة غير محترمة فلا يجز بالروث والزجاج الاملس والمطعوم وفي سقوط الفرض بالمطعوم وجهان والعظم مطعوم والجلد الطاهر يجوز الاستنجإ به على أصح الاقوال)
[ ٤٩٠ ]
قوله فيما يستنجي به أي من الجامدات وله شروط أحدها ان يكون طاهرا خلافا لابي حنيفة لنا ما روى أنه ﷺ نهى عن الاستنجاء بالروث والرمة ولان النجاسة لا تزال بالنجس كما لا تزال بالماء النجس ولا فرق بين نجس العين كالروث وما تنجس بعارض ألا ترى أن الشافعي ﵁ قال ولا يستنجى بحجر قد مسح به مرة الا أن يكون قد طهر بالماء فلو استنجي بنجس
[ ٤٩١ ]
هل يتعين استعمال الماء بعد ذلك أم له الاقتصار علي الحجر كما قبل استعماله: فيه وجهان احدهما له الاقتصار على الحجر لان النجس لا يتأثر بالنجاسة فيبقى حكمه كما كان وأظهرهما أنه يتعين الماء لان المحل قد اصابته نجاسة أجنبية باستعماله فيه والاقتصار على الحجر تخفيف فيما تعمم به البلوى
[ ٤٩٢ ]
فلا يلحق به: والثاني أن يكون منشفا قالعا للنجاسة فما لا يقلع لملاسته كالزجاج الاملس والقصب والحديد المملس لا يجوز الاستنجاء به لانه لا يزيل النجاسة وينقلها عن موضعها وكذلك ما لا يقلع للزوجته أو لتناثر أجزائه كالحممة الرخوة والتراب لا يجوز الاستنجاء به وقد نقل عن الشافعي رضي
[ ٤٩٣ ]
الله عنه جواز الاستنجاء بالمقابس ونقل انه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين والاصح تنزيلهما على حالين ان بقيت فيه صلابة اما لضعف تأثير النار فيه أو لقوة في جوهره كالغضا فيجوز الاستنجاء به وهو المراد بالمقابس وان كان يتناثر عند الاعتماد فلا يجوز وهو المراد بالحممة وكذلك نقل اختلاف النص في
[ ٤٩٤ ]
التراب وأثبت بعضهم فيه قولين وان كان يتناثر والاصح انه حيث جوز اراد المدر المتماسك وحيث منع أراد المتناثر لانه يلتصق بالنجاسة ولا يتأتي التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها وانتشرت ثم لو استنجي بما لا يقلع لم يسقط الفرض به وان أنقى ويتعين بعده الازالة بالماء ان نقل النجاسة من موضع إلى موضع وان لم ينقل جاز الاقتصار على الحجر وخرجوا علي الشرط الاول والثاني امتناع الاستنجاء بالحجر الرطب ونحوه لان البلل الذى عليه ينجس باصابة النجاسة اياه ويعود شئ منه إلى محل النجو فيحصل عليه نجاسة أجنبية ويكون كاستعمال الخجر النجس ولان الشئ الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلوث والانتشار وحكي القاضى بن كج وغيره وجها
[ ٤٩٥ ]
آخر أنه يجوز الاستنجاء بالشئ الرطب ولمن نصره أن يقول لا نسلم ان البلل الذى عليه ينجس باصابة النجاسة اياه وانما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذى يغسل به النجاسات وأما قوله انه لا يزيل النجاسة ممنوع نعم لو كان عليه شئ محسوس من الماء فربما كان كذلك أما مجرد البلل فلا: والثالث أن لا يكون محترما فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها والعظم معدود من المطعومات
[ ٤٩٦ ]
لان النبي صلى الله عليه وآله نهي عن الاستنجاء بالعظم وقال انه زاد اخوانكم من الجن وليس له حكم طعامنا من تحريم الربا فيه وغيره وعند مالك لا منع من الاستنجاء بالعظم الطاهر والخبر حجة عليه ومن الاشياء المحترمة ما كتب عليه شئ من العلم كالحديث والفقه وفي جزء الحيوان المتصل به كاليد والعقب من المستنجي وغيره كذنب الحمار وجهان أصحهما أنه لا يجوز الاستنجاء به لحرمته ومنهم من فرق بين أن يستنجي بيد نفسه أو يد غيره فقال لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه
[ ٤٩٧ ]
ويجوز أن يستنجى بيد غيره كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه وعكس امام الحرمين ذلك فقال له أن يستنجي بيد نفسه دون يد غيره لانه لا حرج على المرء في تعاطى النجاسات ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان ففى جملة الحيوان أولى وصورته أن يستنجى بعصفورة حية وما في معناها ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم الذهب والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخشنة من الذهب والجواهر النفيسة كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الديباج ثم إذا
[ ٤٩٨ ]
استنجي بشئ محترم من مطعوم وغيره عصي وهل يجزئه ذلك عن الفرض فيه وجهان أحدهما نعم لان المقصود قلع النجاسة وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين وأظهرهما أنه لا يجزئه لان الاقتصار على الاحجار من قبيل الرخص والرخص لا تناط بالمعاصي وعلى هذا فله أن يقتصر على الاحجار كما لو لم يستعمل شيئا الا إذا نقل النجاسة عن موضعها كما في الاملس ويلتحق بهذا الشرط القول في الجلد: والطاهر منه ضربان غير المدبوغ وهو جلد المأكول المذكي والمدبوغ من المأكول
[ ٤٩٩ ]
وغيره أما غير المدبوغ ففى جواز الاستنجاء به قولان أحدهما الجواز كالثياب وسائر الاعيان وان كان فيه حرمة فليست هي بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة وأصحهما المنع لا مرين أحدهما أن فيه دسومة تمنع التنشيف والثاني أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل علي الرؤس والا كارع فصار كسائر المطعومات ومنهم من قال لا يجوز بلا خلاف واليه مال الشيخ أبو حامد وكثيرون وحملوا ما نقل من تجويز الاستنجاء علي ما بعد الدباغ: وأما الضرب الثاني وهو
[ ٥٠٠ ]
المدبوغ ففيه قولان أيضا اصحهما الجواز لان الدباغ يزيل ما فيه من الدسومة ويقلبه عن طبع اللحوم الي طبع الثياب والثاني لا يجوز لانه من جنس ما يؤكل ويجوز أكله إذا دبغ وان كان جلد ميتة على اختلاف فيه قد قدمناه ومنهم من قال يجوز ههنا بلا خلاف وما نقل من المنع محمول على ما قبل
الدباغ وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة وهى اجراء القولين في الصورتين واعتبرنا مطلق الجلد انتظم ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب المنع مطلقا والتجويز مطلقا والفرق بين المدبوغ وغيره وهو الاصح في المذهب وان جعل صاحب الكتاب الثاني أصح وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة بل ان تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وجف وان لم ينجس كالحجر
[ ٥٠١ ]
الثاني والثالث إذا لم يبق على الموضع شئ جاز استعماله في الحال وفيه وجه أنه لا يجوز كالتراب المستعمل ولو كان كذلك لما جاز أيضا بعد غسله ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل * قال (الفصل الرابع في كيفية الاستنجاء * فيستنجى بثلاثة أحجار والعدد واجب (ح م ز) فان لم يحصل الانقاء استعمل رابعة فان حصل أوتر بخامسة ويمر كل حجر على جميع الموضع على أحسن الوجهين وقيل ان واحدة للصفحة اليمني وواحدة وواحدة للصفحة اليسرى وواحدة للوسط وينبغى أن يضع الحجر على موضع طاهر حتى لا يلقى جزءا من النجاسة ثم يدير ليختطف النجاسة ولا يمر
[ ٥٠٢ ]
فينقلها فان أمر ولم ينقل كفى على أصح الوجهين ويستنجي بيده اليسرى (والاستنجاء واجب اما بالماء أو الحجر) والافضل أن يجمع بين الماء والحجر) * في الفصل مسائل احداها إذا كان يستنجى بالجامد وجب أن يستوفى ثلاث مسحات اما باحرف حجر واحد وما
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من بعض النسخ
[ ٥٠٣ ]
في معناه أو بأحجار لما روى أنه ﷺ قال إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسح ثلاث مسحات وعن سلمان ﵁ قال أمرنا رسول الله ﷺ
[ ٥٠٤ ]
أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار وظاهر الامر للوجوب فيجب رعاية العدد * وعند أبي حنيفة الاستنجاء مستحب من أصله والعدد فيه غير مستحب وانما الاعتبار للانقاء: وقال مالك إذا حصل الانقاء
[ ٥٠٥ ]
بما دون الثلاث كفى ولا صحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد الله الحناطي وغيره ويحتج له بما روي
[ ٥٠٦ ]
أنه ﷺ قال من استجمر فليوتر ومن لا فلا حرج ومن اوجب العدد حمله على ما بعد الثلاث جمعا بين الاخبار وحينئذ لا حرج في ترك الايتار ثم قوله وليستنج بثلاثة أحجار ليس لتخصيص الحكم بها لان غير الحجر بالشرائط المذكورة مشارك للحجر في تحصيل مقصود
[ ٥٠٧ ]
الاستنجاء وقد روى انه ﷺ قال وليستنج بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم هذا يشعر بان الحكم غير مخصوص بالحجر والا فلا فرق بين الرجيع والعظم وسائر ما ليس بحجر ولعل ذكر الاحجار جري لغلبتها والقدرة عليها في عامة الاماكن ثم إذا استنجي بثلاثة أحجار ونحوها واستوفى العدد لكنه لم ينق وجب عليه أن يزيد حتي ينقي فانه المقصود الاصلى من شرع الاستنجاء فلو حصل الانقاء بالرابعة استحب ان يوتر بخامسة لما روى انه صلى
[ ٥٠٨ ]
الله عليه وسلم قال إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك ان قوله فيستنجى بثلاثة احجار مسوق على موافقة الخبر والا فالحكم غير مخصوص بالاحجار
[ ٥٠٩ ]
وقوله استعمل رابعة أي وجوبا وقوله أو تر بخامسة أي استحبابا (المسألة الثانية) في كيفية الاستنجاء وجهان اظهرهما وبه قال ابن ابي هريرة وابو المروزي انه يمسح بكل حجر جميع المحل بان يضع واحدا على مقدم الصفحة اليمنى فيمسحها به الي مؤخرها ويديرها إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها الي مقدمها فيرجع الي الموضع الذى بدأ منه ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى ويفعل به مثل ذلك ويمسح بالثالث الصفتين والمسربة وتوجيه ما روى أنه ﷺ
[ ٥١٠ ]
وسلم قال وليستنج بثلاثة أحجار يقبل بواحدة ويدبر باخرى ويحلق بالثالث والثاني قاله أبو
[ ٥١١ ]
اسحق ان حجرا للصفحة اليمنى وحجرا لليسرى وحجرا للوسط لما روى انه صلى الله عليه وآله
[ ٥١٢ ]
وسلم قال حجر للصفحة اليمني وحجر للصفحة اليسرى وحجر للوسط وحكي في التهذيب وجها ثالثا وهو انه يأخذ واحدا فيضعه على مقدم المسربة ويديره الي مؤخرها ويضع الثاني علي مؤخرها ويديره إلى مقدمها ويحلق بالثالث كأن المراد بالمسربة جميع الموضع وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الاول والثاني جميع الموضع كأنه صفحة واحدة ويدير الحجر الثالث على المنفد وبهذا يفارق هذا الوجه الاول فانه على ذلك الوجه يطيف الحجرين الاولين ويمسح بالثالث
[ ٥١٣ ]
جميع الموضع وهذا الخلاف في الاستحقاق أم في الاولوية والاستحباب فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد أن الوجهين موضوعان على التنافى فصاحب الوجه الاول لا يجيز الثاني لان تخصيص كل حجر بموضع مما يمنع رعاية العدد الواجب ولا يحصل في كل موضع الا مسحة واحدة وصاحب الوجه الثاني لا يجيز الاول للخبر المصرح بالتخصيص ويقول العدد معتبر بالاضافة الي جملة الموضع دون كل جزء منه وقال المعظم الخلاف في الاولوية والاستحباب لثبوت الروايتين جميعا وكل منهما
[ ٥١٤ ]
جائز وقوله في هذه المسألة ويمر كل حجر على جميع الموضع يعنى به المسح المشترك بين الامرار والادارة دون خصوص الامرار ألا تراه يقول بعد ذلك يدير الحجر ولا يمره (المسألة الثالثة) ينبغى أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النجاسة لانه لو وضع على النجاسة لبقى شيئا منها ونشرها وحينئذ يتعين الغسل بالماء ثم إذا انتهي إلى النجاسة أدار الحجر قليلا قليلا حتى يرفع كل جزء منه جزءا من النجاسة ولو أمره من غير ادارة لنقل النجاسة من الموضع إلى الموضع وتعين الماء ولو أمر ولم
[ ٥١٥ ]
ينقل هل يجزئه ذلك فيه وجهان أحدهما لا لان الجزء الثاني من المحل يلقى ما تنجس من الحجر والاستنجاء بالنجس لا يجوز وأظهرهما أنه يجزئه لان الاقتصار على الحجر رخصة وتكليف الادارة يضيق باب الرخصة وقد يعبر عن هذا الخلاف بان الادارة هل تجب أم لا: المسألة الرابعة الادب الاستنجاء باليسار دون اليمين لما روى عن عائشة ﵂ قالت كانت يد رسول الله صلى
[ ٥١٦ ]
الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى فان كان يستنجي بالماء صبه بيمينه ومسح بيساره وان كان يستنجى بالجامد ففى الغائط يأخذ الحجر بيساره ويمسح به الموضع ولا يستعين باليمنى بخلاف ما في الماء وكذلك تفعل المرأة في الاستنجاء من البول وأما الرجل إذا كان يستنجي من البول فينظر ان استنجى بما لا يحتاج إلى ضبطه كالصخرة العظيمة والجدار أخذ ذكره باليسار ومسحه عليه وان كان يحتاج إلى ضبطه كالحجر
[ ٥١٧ ]
الصغير فيمسكه بين ابهامى الرجلين أو بين العقبين ويأخذ ذكره بيساره ويمسحه عليه فان احتاج إلى الاستعانة باليمين اخذ الحجر باليمين والذكر باليسار ويحرك اليسار دون اليمين فلو حركهما جميعا أو خص اليمين بالحركة كان مستنجيا باليمين ومنهم من قال الاولي ان يأخذ الحجر بيساره والذكر بيمينه ويمر الحجر على الذكر لان الاستنجاء يقع بالحجر فامساكه باليسار اولى والاول أظهر وأشهر لان مس الذكر باليمين مكروه: روى ابو قتادة انه صلي الله عليه وسلم قال
[ ٥١٨ ]
إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وذكر بعضهم انه لا طريق للاحتراز عن هذه الكراهية الا الامساك بين العقبين أو الابهامين اما إذا استعمل اليمين فيه كان مرتكبا للنبى كيف فعل (الخامسة) الافضل ان يجمع بين الماء والحجر أو ما في معناه قد أثنى الله تعالي على اهل قباء
[ ٥١٩ ]
بذلك وانزل فيه قوله تعالي فيه رجال يحبون ان يتطهروا الاية وفيه من طريق المعنى ان العين تزول بالحجر والاثر بالماء فلا يحتاج إلى مخامرة عين النجاسة وهى محبوبة فان اقتصر على
[ ٥٢٠ ]
أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
[ ٥٢١ ]
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
[ ٥٢٢ ]
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
[ ٥٢٣ ]
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار
[ ٥٢٤ ]
على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد إذا قلنا تنتقض الطهارة بالخارج منها وأما
[ ٥٢٥ ]
واضح الحال فالرجل مخير ان شاء اقتصر علي الماء وان شاء استعمل الاحجار أو ما في معناها
[ ٥٢٦ ]
وكذلك البكر لان البكارة تمنع من نزول الماء في الفرج واما الثيب فالغالب انها إذا بالت تعدى البول
[ ٥٢٧ ]
الي فرجها الذى هو مدخل الذكر ومخرج الولد لان ثقبة البول فوقه فيسيل إليه فان تحققت ان
[ ٥٢٨ ]
الامر كذلك لم يجزئها الا الماء وان لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر لان موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة وانتشار البول إلى غيره غير معلوم وحكي وجه أنه لا يجوز لها الاقتصار
[ ٥٢٩ ]
علي الحجر بحال ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر وهو من المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين
أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
[ ٥٣٠ ]
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
[ ٥٢٢ ]
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
[ ٥٢٣ ]
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار
[ ٥٢٤ ]
على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد إذا قلنا تنتقض الطهارة بالخارج منها وأما
[ ٥٢٥ ]
واضح الحال فالرجل مخير ان شاء اقتصر علي الماء وان شاء استعمل الاحجار أو ما في معناها
[ ٥٢٦ ]
وكذلك البكر لان البكارة تمنع من نزول الماء في الفرج واما الثيب فالغالب انها إذا بالت تعدى البول
[ ٥٢٧ ]
الي فرجها الذى هو مدخل الذكر ومخرج الولد لان ثقبة البول فوقه فيسيل إليه فان تحققت ان
[ ٥٢٨ ]
الامر كذلك لم يجزئها الا الماء وان لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر لان موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة وانتشار البول إلى غيره غير معلوم وحكي وجه أنه لا يجوز لها الاقتصار
[ ٥٢٩ ]
علي الحجر بحال ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر وهو من المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين وفي وجه تغسل الثيب باطن فرجها كما تخلل أصابع رجليها لانه صار ظاهرا بالثيابة *
أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
[ ٥٣٠ ]
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
[ ٥٢٢ ]
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
[ ٥٢٣ ]
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار
[ ٥٢٤ ]
على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد إذا قلنا تنتقض الطهارة بالخارج منها وأما
[ ٥٢٥ ]
واضح الحال فالرجل مخير ان شاء اقتصر علي الماء وان شاء استعمل الاحجار أو ما في معناها
[ ٥٢٦ ]
وكذلك البكر لان البكارة تمنع من نزول الماء في الفرج واما الثيب فالغالب انها إذا بالت تعدى البول
[ ٥٢٧ ]
الي فرجها الذى هو مدخل الذكر ومخرج الولد لان ثقبة البول فوقه فيسيل إليه فان تحققت ان
[ ٥٢٨ ]
الامر كذلك لم يجزئها الا الماء وان لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر لان موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة وانتشار البول إلى غيره غير معلوم وحكي وجه أنه لا يجوز لها الاقتصار
[ ٥٢٩ ]
علي الحجر بحال ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر وهو من المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين وفي وجه تغسل الثيب باطن فرجها كما تخلل أصابع رجليها لانه صار ظاهرا بالثيابة *
أحدهما فالماء أولى لانه يزيل العين والاثر والحجر لا يزيل الا العين والله أعلم * ونختم الباب بمسألة في حال الستنجين باعتبار الذكورة والانوثة فنقول لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال
[ ٥٣٠ ]
في الاستنجاء من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مسلكيه
[ ٥٢٢ ]
أو احداهما لان كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائدا فسبيل النجاسة الخارجة
[ ٥٢٣ ]
منه سبيل دم الفصد والحاجة نعم يجئ في مسلكيه الخلاف الذى نذكره في جواز الاقتصار
[ ٥٢٤ ]
على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد إذا قلنا تنتقض الطهارة بالخارج منها وأما
[ ٥٢٥ ]
واضح الحال فالرجل مخير ان شاء اقتصر علي الماء وان شاء استعمل الاحجار أو ما في معناها
[ ٥٢٦ ]
وكذلك البكر لان البكارة تمنع من نزول الماء في الفرج واما الثيب فالغالب انها إذا بالت تعدى البول
[ ٥٢٧ ]
الي فرجها الذى هو مدخل الذكر ومخرج الولد لان ثقبة البول فوقه فيسيل إليه فان تحققت ان
[ ٥٢٨ ]
الامر كذلك لم يجزئها الا الماء وان لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر لان موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة وانتشار البول إلى غيره غير معلوم وحكي وجه أنه لا يجوز لها الاقتصار
[ ٥٢٩ ]
علي الحجر بحال ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر وهو من المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين وفي وجه تغسل الثيب باطن فرجها كما تخلل أصابع رجليها لانه صار ظاهرا بالثيابة *
[ ٥٣٠ ]
فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٢
فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٢
[ ٢ / ٤٣١ ]
فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ..الجزء الثاني دار الفكر بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ١ ]
[قال * (الباب الثالث في الاحداث وفيه فصلان الاول في أسبابها) * [ولا تنتقض الطهارة بالفصد (ح) والحجامة (ح) والقهقهة (ح) في الصلاة وغيرها وأكل ما مسته النار (و)] * الحديث يقع علي الحالة الموجبه للوضوء والحالة الموجبة للغسل ألا ترى أنه يقال هذا حدث أصغر وذا حدث أكبر لكن إذا أطلق مجردا عن الوصف بالصغر والكبر كان المراد منه الاصغر غالبا وهو الذي اراده في هذا الموضوع ثم له سبب وأثر فجعل كلام الباب في فصلين أحدهما في الاسباب والثاني في الاثار وتكلم أو لا فيما ليس من أسباب الحدث عندنا واشتهر خلاف العلماء ايانا فيه فمن ذلك الفصد والحجامة وكل خارج من غير السبيلين لا ينقض الطهارة خلافا لابي حنيفة حيث قال كل نجاسة خارجة من البدن تنقض الوضوء كالدم إذا سال والقي إذا ملا الفم وبه قال احمد الا أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين: لنا ما روى أنس ان النبي ﷺ (احتجم وصلي ولم يتوضأ ولم يزد علي غسل محاجمه) وروى مثل مذهبنا عن عبد
[ ٢ / ٢ ]
[الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن ابي أوفى وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة ﵃ ومنها القهقهة فلا تنقض الوضوء سواء وجدت في الصلاة أو في غيرها وعند ابي حنيفة القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء الا في صلاة الجنازة لنا ما روى عن جابر ﵁ أنه صلى]
[ ٢ / ٣ ]
[الله عليه وسلم قال (الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء) ومنها أكل ما مسته النار فلا يؤثر في انتقاض الطهارة وقال أحمد تنتقض الطهارة باكل لحم الجزور وحكي ابن القاص عن القديم]
[ ٢ / ٤ ]
[قولا مثله لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (توضؤا من لحوم الابل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم) لنا ما روى عن جابر قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ]
[ ٢ / ٥ ]
(ترك الوضوء مما مسته النار) قال (وانما ينتقض بامور أربعة الاول خروج الخارج من احد السبيلين ريحا كان أو عينا نادرا كان أو معتادا طاهرا كان أو نجسا) نواقض الوضوء عندنا أربعة أحدها خروج الخارج من أحد السبيلين يدل عليه الاجماع والنصوص]
[ ٢ / ٦ ]
[كقوله تعالي (أو جاء أحد منكم من الغائط) وقوله ﷺ في المذى (ينضح فرجه بالماء ويتوضأ وضوءه للصلاة) ولا فرق بين العين والريح قال ﷺ]
[ ٢ / ٧ ]
[(لا وضوء الا من صوت أو ريح) وقد يفرض خروج الريح من القبل في النساء ومن الاحليل أيضا لا درة وغيرها فينقض الطهارة أيضا خلافا لابي حنيفة: لنا القياس على الدبر ولك]
[ ٢ / ٩ ]
[ان تعلم قوله ريحا بالحاء اشارة إلى هذا الخلاف وإذا كان الخارج عينا فلا فرق بين أن يكون معتادا أو نادرا كالدود والحصا خلافا لمالك في النادر الا في دم الاستحاضة: لنا القياس على المعتاد بعلة أنه خارج من السبيلين وظاهر ما روى أنه ﷺ قال (الوضوء مما خرج)]
[ ٢ / ١٠ ]
[ونحو ذلك وأما قوله طاهرا أو نجسا فقد يتوهم أن المراد من الطاهر المنى وليس كذلك بل المراد منه الدود والحصا وسائر ما هو طاهر العين وأما المنى فلا يوجب خروجه الحدث وانما يوجب الجنابة ولا يغتر بتعميم الائمة القول في ان الخارج من السبيلين ناقض للطهارة فان هذا ظاهر يعارضه نصهم في تصوير الجنابة المجردة عن الحدث على أن من أنزل بمجرد النظر أو بالاحتلام قاعدا فهو جنب غير محدث وحكى في البيان عن القاضى ابي الطيب أن خروج المني يوجب الحدثين جميعا]
[ ٢ / ١١ ]
[الاصغر لانه خارج من السبيلين والاكبر لانه منى والمذهب المشهور هو الاول فالشئ مهما أوجب أعظم الاثرين بخصوصه لا يوجب أهونها بعمومه كزني المحصن لما أوجبت أعظم الحدين لانه زني المحصن لا يوجب أدناهما لانه زني ولا يخفى ان المراد من قوله خروج الخارج من السبيلين هو الخروج من أيهما كان ولا يشترط في الانتقاض الخروج من كليهما وكل ما ذكرناه فيمن هو واضح الحال في أمر الذكورة والانوثة أما المشكل فان خرج الخارج من فرجيه جميعا فهو محدث لان أحدهما أصلى وان خرج من أحدهما فالحكم كما لو خرج من واضح الحال خارج من ثقبة انفتحت تحت المعدة
[ ٢ / ١٢ ]
[مع انفتاح السبيل المعتاد وسيأتي حكمه * قال [وفى معناه ثقبة انفتحت تحت المعدة مع انسداد المسلك المعتاد فان كان فوق المعدة أو تحتها لكن مع انفتاح المسلك المعتاد فقولان فان قلنا ينتقض فلو كان الخارج نادرا فقولان وفى جواز الاقتصار فيه على الحجر ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين المعتاد وغيره وكذا في انتقاض الطهر بمسه وفى وجوب الغسل بالايلاج فيه وفى حل النظر إليه تردد] لو انسد السبيل المعتاد وانفتحت ثقبة تحت المعدة نظر ان خرج منها النجاسة المعتادة وهى البول والعذرة انتقض الطهر لان الانسان لابد له في مطرد العادة من منفذ يخرج منه الفضلات التى
[ ٢ / ١٣ ]
[تدفعها الطبيعة فإذا انسد ذلك قام ما انفتح مقامه وان خرج غيرها كالدود والحصا والدم والريح
ففيه قولان أحدهما لا ينتقص به الوضوء لان غير الفرج انما يقام مقامه لضرورة أن الانسان لابد له من منفذ تنفصل فيه الفضلات المعتادة التى تخرج لا محالة ولا ضرورة في خروج غير المعتاد وأظهرهما أنه ينتقض لانه منفذ تنتقض الطهارة بالمعتاد إذا خرج منه فكذلك بغيره كالفرج الاصلى ولوافتحت الثقبة فوق المعدة وقد انسد السبيل المعتاد أو تحت المعدة والمعتاد منفتح فهل تنتقض الطهارة بالخارج المعتاد منها في الصورتين: فيه قولان أصحهما لا: أما في الصورة الاولى فلان ما يخرج من فوق المعدة أو من حيث يحاذبها لا يكون مما احالته الطبيعة لان ما تحيله تلقيه إلى الاسفل فهو إذا]
[ ٢ / ١٤ ]
[بالقئ أشبه: وأما في الثانية فلان غير الفرج انما يعطي حكمه لضرورة ان الانسان لابد له من مسلك فيقام المنفتح عند انسداد المعتاد مقامه ولا انسداد: والثاني ينتقض لان الخارج النجاسة المعتادة ولا يضر في أن تتحول الثقبة التي تنفصل فيها الفضلات إلى مكان أعلى أو أسفل وهاتان الصورتان هما المجوعتان في قوله فان كان فوق المعدة أو تحتها ولكن مع انفتاح المسلك المعتاد المعنى فان كان فوق المعتاد مع الانسداد أو تحتها ولكن مع الانفتاح فان قلنا لا تنتقض الطهارة نخروج المعتاد في الصورتين فلا كلام وان قلنا تنتقض فهل تنتقض بخروج النادر فيه القولان المذكوران في خروج النادر من ثقبة تحت المعدة مع انسداد السبيل المعتاد وان انتفى المعنيان فلم يكن المعتاد منسدا ولا المنفتح تحت المعدة فلا انتقاض كالقئ والرعاف ونحوهما ومتى حكمنا بالانتقاض فيتفرع عليه]
[ ٢ / ١٥ ]
[فروع (احدها) هل يجوز الاقتصار في الخارج منه على الاحجار وما في معناها أم تتعين الازالة بالماء حكي صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه يتعين الماء لانه نادر والاقتصار على الحجر خارج عن القياس فلا يكون في معني السبيلين وثانيها يجوز الاقتصار عليه لانه منفذ ألحق بالسبيلين في كون الخارج منه ناقضا للطهارة فكذلك في جواز الاقتصار على الحجر وثاليثها يفرق بين أن يكون الخارج النجاسة المعتادة فيجوز بين أن تكون غيرها فلا لانضمام ندرة الخارج إلى ندرة المخرج وحكي امام الحرمين بدل الوجوه اقوالا وهو والامام الغزالي قدس الله روحهما مسبوقان بهذا
الاختلاف لان القاضى أبا القاسم بن كج حكي في المسألة قولين وهما الاول والثاني وحكاهما أبو على صاحب الافصاح وجهين وكذلك روى الصيدلاني الثاني هل تنتقض الطهارة بمسه فيه وجهان أحدهما نعم لانه التحق بالفرج في انتقاض الطهارة بالخارج منه فكذلك في حكم الانتقاض بمسه وأصحهما لا لانه لا يقع مسه في مظنة الشهوة ولانه ليس بفرج حقيقة فلا ينتاوله النصوص الواردة في مس
[ ٢ / ١٦ ]
[الفرج وحينئذ وجب ان يحكم ببقاء الطهارة (الثالث) إذا أولج فيه هل يجب الغسل فيه وجهان لا يخفى توجيههما مما ذكرنا (الرابع) هل يحل النظر إليه فيه هذان الوجهان وموضع الوجهين ما إذا كان فوق السرة أما إذا كان تحتها لا يحل النظر إليه لا محالة ولو كان بحيث يحاذي السرة جري الوجهان]
[ ٢ / ١٧ ]
[كما لو كان فوقها لان الصحيح أن السرة ليست من العورة والظاهر أنه لا يثبت شىء من الاحكام قال إمام الحرمين والتردد في هذه الاحكام علي بعده لا يتعدى أحكام الاحداث فلا يثبت في الايلاج فيه شئ من أحكام الوطئ سوى ما ذكرناه في وجوب الغسل نعم كان شيخي يتردد في حل النظر وهو قريب هذا كلامه: ورأيت لابي عبد الله الحناطي طرد التردد في ايجاب المهر وسائر أحكام الوطئ والله أعلم * قال: [الثاني زوال العقل باغماء أو جنون أو سكر أو نوم كل ذلك ينقض الطهارة الا النوم قاعدا ممكنا مقعده من الارض] زوال العقل يفرض بطريقين احدهما غير النوم كالجنون والاغماء والسكر فينتقض الوضوء بكل حال لان النوم ناقض على ما سيأتي وانما كان كذلك لانه قد يخرج منه الخارج من غير شعوره]
[ ٢ / ١٨ ]
[به ومعلوم أن الذهول عند هذه الاسباب أبلغ والسكر الذى ينقض الوضوء هو الذى لا يبقى معه الشعور دون أوائل النشوة وحكى في التتمة وجها ضعيفا أن السكر لا ينقض الوضوء أصلا والثاني النوم وانما نحصل حقيقته إذا استرخي البدن وزال الاستشعار وخفى عليه كلام من يتكلم عنده وليس في معناه النعاس وحديث النفس وهو من نواقض الوضوء في الجملة لما روى انه صلى الله
[ ٢ / ١٩ ]
[عليه وسلم قال (العينان وكاء السه فإذا نام العينان استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ) وروى
[ ٢ / ٢٠ ]
أنه ﷺ قال (من استجمع نوما فعليه الوضوء) وتفصيله بأن يقال النوم اما أن يكون في غير الصلاة وفي الصلاة: ان كان في غير الصلاة فنظر ان نام قاعدا ممكنا مقعده من مقره فلا ينتقض وضوءه لانه يأمن استطلاق الوكاء إذا نام على هذه الحالة وقد روى أن أصحاب
[ ٢ / ٢١ ]
[رسول الله ﷺ (كانو ينتظرون العشاء فينامون قعودا ثم يصلون ولا يتوضئون)
[ ٢ / ٢٢ ]
[وروى أنه ﷺ قال (لا وضوء على من نام قاعدا انما الوضوء على من نام مضطجعا) فان من نام مضطجعا استرخت مفاصله ولا فرق بين أن يكون مستندا أو غيره مستند بعد أن يكون المقعد متمكنا من الارض ولا بين أن يكون السناد بحيث لوسل لسقط وبين أن لا يكون كذلك
[ ٢ / ٢٣ ]
[وعن الشيخ أبي محمد أنه ان كان بحيث لو سل لسقط بطل الوضوء وان نام على غير هيئة العقود بالصفة المذكورة بطل الوضوء سواء كان مضطجعا أو مستلقيا أو قائما أو على هيئة الساجدين أو الراكعين وفى قول لا ينتقض الوضوء بالنوم على أي هيئة كانت من هيآت المصلين عند الاختيار وان لم يكن في الصلاة وبه قال أبو حنيفة لما روي أنه ﷺ قال (لا وضوء على من نام قائما أو راكعا أو ساجدا) لكن أئمة الحديث ضعفوه فعلى هذين القولين لا ينحصر الاستثناء في حالة العقود على خلاف ما ذكره صاحب
[ ٢ / ٢٤ ]
[الكتاب وعن الشافعي ﵁ قول آخر أن تلك الحالة أيضا لا تستثنى بل النوم في عينه حدث لاطلاق ما سبق من الاخبار وكما في سائر الاحداث لا فرق فيها بين حالتى العقود وغيرها والى هذا القول صار المزني: وعن مالك أنه ان نام جالسا قليلا لم ينتقض وضوءه وان نام كثيرا
انتقض هذا كله إذا كان في غير الصلاة أما إذا كان في الصلاة فقولان القديم أنه لا ينتقض]
[ ٢ / ٢٥ ]
[وضوئه لما روي أنه ﷺ (قال إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته يقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدى) والجديد أن حكمه كما لو كان خارج الصلاة لما سبق من الاخبار وللقياس علي سائر الاحداث ولان النوم انما أثر لانه قد يخرج
[ ٢ / ٢٦ ]
[منه الشئ من غير شعوره به وهذا المعني لا يختلف بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة وإذا عرفت ما ذكرنا عرفت أن قوله أو سكر ينبغى أن يكون معلما بالواو وكلمة الاستثناء من قوله الا النوم قاعدا بالقاف والزاى اشارة الي القول الذى حكينا أن عين النوم حدث واليه ذهب
[ ٢ / ٢٧ ]
[المزني فانه لااستثناء علي ذلك القول وقوله وكذا النوم قاعدا بالميم لما ذكرنا من مذهب مالك وكذلك ينبغى أن يكون قوله كل ذلك ينقض الطهر معلما بالقاف اشارة إلى القول المنقول في النوم قائما أنه لا ينقض وفى النوم علي هيئات المصلين وكذلك في النوم في الصلاة فانها مستثناة أيضا علي هذه الاقوال]
[ ٢ / ٢٨ ]
[قال الثالث لمس بشرة المرأة الكبيرة الاجنبية ناقض للطهارته (م ح) فان كانت محرما أو صغيرة أو ميتة أو مس شعرها أو ظفرها أو عضوا مبانا منها ففى الكل خلاف وفى الملموس قولان واللمس سهوا أو عمدا سواء (وم) اللمس من نواقض الوضوء خلافا لابي حنيفة الا في المباشرة الفاحشة وهى أن يضع الفرج على الفرج مع الانتشار ولمالك وأحمد فانهما اعتبر الشهوة في كونه ناقضا هذه رواية عن أحمد وعنه روايتان أخريان أحداهما مثل مذهبنا والاخرى مثل مذهب ابى حنيفة: لنا قوله تعالى (أو لمستم النساء) عطف اللمس علي المجئ من الغائط ورتب عليهما الامر بالتيمم عند فقدان الماء فدل على كونه حدثنا كالمجئ من الغائط والمراد من اللمس الجس باليد كذلك روي عن ابن عمر
[ ٢ / ٢٩ ]
[﵄ وغيرهم ثم ينظر ان وجد اللمس من الرجل بالصفات المذكورة في الكتاب وهى أن يلمس بشرة المرأة الكبيرة الاجنبية فتنقض طهارته: فان قيل الشرط في الانتقاض ان لا يكون بينهما حائل ولم يتعرض له: قلنا في قوله لمس بشرة المرأة ما يفيد ذلك لانه إذا كن بينهما حائل فلا يقال لمس ولا مس ولهذا لو حلف أن لا يمس امرأة فمسها من وراء حائل قال الاصحاب لا يحنث وان فقد شئ من الصفات التي ذكرها نظر ان لمس غير البشرة كالشعر والظفر والسن ففيه]
[ ٢ / ٣٠ ]
[وجهان أحدهما ينتقض وضوءه كسائر أجزاء البدن ولهذا يسوى بين الكل في الحل والحرمة واضافة الطلاق وأصحهما لا ينتقض لان الا لتذاذ بهذه الاشياء انما يكون بالنظر دون اللمس أو معظم الالتذاذ فيها بالنظر: وان كان الملموس عضوامبانا منها ففيه وجهان أحدهما أنه كالمتصل الا ترى ان مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل على الصحيح واصحهما انه لا ينتقض لان اللمس حدث لظاهر الآية وفهم من جهة المعني اعتبار الوقوع في مظنة الشهوة وان لم يعتبر نفس الشهوة ولمس المبان ليس في مظنة الشهوة ولايقال لمن لمسه لمس امرأة بخلاف من مس الذكر المبان فانه قد مس الذكر وان لمس
[ ٢ / ٣١ ]
[صغيرة والمراد التى لم تبلغ حد الشهوة ففيه وجهان أحدهما نعم لظاهر الآية وأصحهما لا لانه ليس في مظنة الشهوة فصار كلمس الرجل الرجل ومنهم من يقول في المسألة قولان كما في المحرم وان لمس محرما فقولان: أحدهما ان حكمها حكم الاجنبيات في اللمس لعموم الآية: وأصحهما لا لانها ليست في مظنة الشهوه بالاضافة إليه ولا فرق بين محرمية النسب والرضاع والمصاهرة في اطراد القولين وان لمس ميتة ففيه وجهان ايضا ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ وفى الثاني إلى أن لمسها ليس في مظنة الشهوة والظاهر الاول كما يجب الغسل بالايلاج فيها ولم يذكر مسألة الميتة في الوسيط وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن الخلاف الذى ابهمه في قوله ففى الكل خلاف قولان في مسألة المحرم ووجهان في سائر المسائل وهذا مما ينبغي أن يعتني به محصل هذا الكتاب فانه كثيرا ما يرسل ذكر الخلاف والتردد في مسائل يعطف بعضها
على بعض وهو قول في بعضها ووجه في البعض فينبغي أن يضبط ثم كما ينتقض وضوء الرجل إذا
[ ٢ / ٣٢ ]
[لمس بهذه الشرائط ينتقض وضوء المرأة إذا لمست هذه الشرائط وفى الملموس قولان أصحهما أنه ينتقض وضوءه أيضا لاستوائهما في اللذة كما أن الفاعل والمفعول يستويان في حكم الجماع والثاني لا ينتقض لما روى عن عائشة ﵂ قالت (أصابت يدى أخمص قدم رسول الله ﷺ في الصلاة فلما فرغ من صلاته قال أتاك شيطانك) ولو انتقض طهر الملموس
[ ٢ / ٣٣ ]
[لما أتم الصلاة ثم حكي قولان في أن الملموس من هو أحدهما أن الملموسة هي المرأة وان وجد فعل اللمس منها والرجل لامس والثاني وهو الاصح المشهور أن اللامس من وجد منه فعل اللمس رجلا كان أو امرأة والملموس الآخر ويخرج مما ذكرناه قول أن المرأة لا ينتقض وضوءها وان لمست وإن نفى المصنف في الوسيط أن يكون في الانتقاض خلاف ثم لافرق بيين أن يتفق اللمس عمدا]
[ ٢ / ٣٤ ]
[أو سهوا كسائر الاحداث ولا بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة وحكي وجه أن اللمس انما ينقض الوضوء إذا وقع قصدا وكان تخصيص اللمس بالذكر في الكتاب انما كان لمكان هذا الوجه والا فسائر الاحداث ايضا عمدها وسهوها سواء لكن أبا عبد الله الحناطى روى في مس الذكر ناسيا وجهين أيضا وحكي في اللمس أن ابن سريج ذهب إلى اعتبار الشهوة كما صار إليه مالك قال وحكي ذلك عن الشافعي ﵁ أيضا ولمس العجوز كغيرها ولمس العضو الاشل والزائد كلمس الصحيح والاصلي وفى الصور الثلاث وجه آخر *
[ ٢ / ٣٥ ]
(قال) [الرابع مس الذكر ببطن الكف ناقض (خ ز) للوضوء وكذا مس فرج المرأة وكذامس حلقة الدبر (م) على الجديد وكذا مس فرج البهيمة على القديم وكذا فرج الميت (و) والصغير (م) وكذا محل الجب (و) وفى الذكر المبان وجهان وفى المس برؤوس الاصابع وجهان وبما بين
الاصابع لا ينقض علي الصحيح]
[ ٢ / ٣٦ ]
[مس الذكر ناقض للوضوء خلافا لابي حنيفة ومالك فان حكم المس عندهما علي ما ذكرنا في اللمس: لنا حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال (من مس ذكره فليتوضأ)]
[ ٢ / ٣٧ ]
[وانما ينتقض الوضوء إذا مس بالكف والمراد بالكف الراحة وبطون الاصابع وقال أحمد تنتق ظالطهارة سواء مس بظهر الكف أو ببطنها: لنا أن الاخبار الواردة في الباب جرى في بعضها لفظ
[ ٢ / ٣٨ ]
[المس وفى بعضها لفظ الافضاء ومعلوم أن المراد منهما واحد والافضاء في اللغة المس ببطن الكف ولو مس ببطن أصبع زائدة نظران كانت على استواء الاصابع فهي كالاصلية على أصح الوجهين وان لم تكن علي استواء الاصابع فلا في أصح الوجهين ولو كانت له كفان فان كانتا عاملتين أو غير
[ ٢ / ٣٩ ]
[عاملتين فبأيتهما مس انتقض الوضوء وان كانت احداهما عاملة دون الاخرى انتقض بالمس بالعاملة]
[ ٢ / ٤٠ ]
[دون الاخرى ذكره القاضى الروياني وصاحب التهذيب وحكي بعضهم خلافا في اليد الزائدة مطلقا واليد الشلاء كالصحيحة في أصح الوجهين وكذا الذكر الاشل كالصحيح وحكم فرج المرأة في]
[ ٢ / ٤١ ]
[المس حكم الذكر لما روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضأون) قالت عائشة بابي وأمى هذا للرجال أفرأيت النساء قال (إذا مست احداكن فرجها فلتتوضأ) وفى حلقة الدبر وهى ملتقى المنفذ قولان قال]
[ ٢ / ٥٦ ]
[في القديم لا ينتقض الوضوء بمسه وبه قال مالك لان الاخبار وردت في القبل وهو الذى يفضى
بمسه إذا كان على سبيل الشهوة إلى خروج المذي وغيره فاقيم مسه مقام خروج الخارج بخلاف الدبر]
[ ٢ / ٥٧ ]
[وقال في الجديد ينتقض لانه فرج فينتقض الوضوء بمسه لقوله ﷺ (ويل للذين يسمون فروجهم ولا يتوضؤون) وبالقياس على القبل ومن الاصحاب من جزم بما قاله في الجديد وففى الخلاف فيه وعن أحمد روايتن كالقولين وفى فرج البهيمة قولان حكي عن القديم أن مسه]
[ ٢ / ٥٨ ]
[كمس فرج الآدمى لظاهر قوله (من مس الفراج الوضوء) ولان فرج البهيمة كفرج الآدمى في الايلاج فكذلك في حكم المس وهذا القول في القبل دون الدبر فان دبر الآدمى لا يلحق علي القديم بالقبل فمن غيره أولى: وقال في الجديد لاأثر لمسه كما لا يجب ستره ولا يحرم النظر إليه ولا يتعلق به ختان ولا استنجاء ولان لمس إناث البهائم ليس بحدث فكذلك مس فروجها وقطع بعضهم بما قاله في الجديد: وفى مس فرج الميت ذكرا كان أو أنثى وجهان: أصحهما وهو المذكور في الكتاب أنه كفرج الحى لشمول الاسم وبقاء الحرمة: والثاني لاأثر لمسه لزوال الحياة وخروج لمسه عن]
[ ٢ / ٥٩ ]
[مظنة الشهوة: وفى فرج الصغيرة وجهان أصحهما أنه كفرج الكبير لما ذكرنا: والثاني لا لما روى أنه ﷺ مس زبيبة الحسن أو الحسين ولم يرو أنه توضأ: ومس محل الجب من المجبوب هل يؤثر فيه وجهان أصحهما نعم لان مسه مظنة خروج الخارج منه فأشبه الشاخص:]
[ ٢ / ٦٠ ]
[والثانى لا: لانه مس محل الذكر دون الذكر وقد حكي عن القفال أن الوجهين مرتبان على أحد أصلين: أما مس حلقة الدبر فان قلنا انه لا يوثر فهذا أولى وان قلنا يوثر فهمنا وجهان لان اللحقة طاهرة]
[ ٢ / ٦١ ]
[بأصل الخلقة وهذا قد طهر بعارض: وأما مس الثقبة المنفتحة مع انسداد المسلك المعتاد فيه وجهان سبق ذكرهما وعلى هذا فالانتقاض ههنا أولي لانه أصلي والوجهان في المسألة فيما إذا لم يبق شئ]
[ ٢ / ٦٢ ]
[شاخص أصلا فان بقى شئ فلا خلاف في أن مسه ناقض: وفى الذكر المبان وجهان أصحهما أنه كالمتصل لشمول الاسم له: والثاني لا لخروج لمسه عن مظنة الشهوة: ولعلك تقول رجح الائمة]
[ ٢ / ٦٣ ]
[من الخلاف في مسائل اللمس الوجه الناظر إلى وقوعه في محل الشهوة ومظنتها حتى قالوا لا تنقض الطهارة بلمس المحرم والصغيرة على الاصح وههنا عكسوا ذلك فقالوا الاصح الانتقاض بمس فرج الميت والصغير ولم يعتبروا الشهرة فما الفرق * فالجواب أن اللمس والمس متقاربان في أمر الشهوة
[ ٢ / ٦٤ ]
[وحصول الخلاف إذا وقعا في غير مظنة الشهوة إلا أن الشافعي ﵁ آنظر في اللمس الي شئ آخر إذا كان الممسوس فرج الغير وهو أنه بالمس هاتك حرمة الممسوس فرجه فحكم بانتقاض وضوئه منعاله عن ذلك ولهذا لم يحكم بانتقاض طهارة الممسوس فرجه لانه لاهتك منه بخلاف الملموس حيث
[ ٢ / ٦٥ ]
[انتقض طهره على أظهر القولين لشمول معنى الشهوة وكان الهتك أرجح المعنيين عند الشافعي ﵁ والنظر إليه أولى ألاتراه علل في مس فرج البهيمة لا يوجب حدثا فقال لانه لاحرمة لها ولا تعبد عليها والله أعلم * وهذه المسائل كلها في المس ببطن الكف: أما لو مس يرؤوس الاصابع
[ ٢ / ٦٦ ]
[ففيه وجهان: أحدهما أن المس بها كالمس بالراحة لانها من جنس بشرة الكف ويعتاد المس بها بالشهوة وغيرها: وأظهرهما أنه لا يؤثر المس بها لانها خارجة عن سمت الكف ولا يعتمد على المس بها وحدها من أراد معرفة ما يعرف باللمس من اللين والخشونة وغيرهما وفيما بين الاصابع أيضا
[ ٢ / ٦٧ ]
[وجهان وعدم الانتقاض فيه أظهر وقد نقلوه عن نص الشافعي ﵁ واطبقوا على ترجيحه: وأما في رؤوس الاصابع فمنهم من رجح القول بالانتقاض وكأنه لهذا التفاوت صرح بأن
الصحيح عدم الانتقاض في المسألة الثانية وسكت عن الترجيح والتصحيح في الاولى والمعني برأس
[ ٢ / ٦٨ ]
[الاصبع موضع الاستواء بعد المنحرف الذى يلي الكف فأنه من الكف بلا خلاف ثم من يقول بأن المس برأس الاصبع ناقض بقول باطن الكف ما بين الاظفار والزنداي في الطول ومن يقول انه غير ناقض يقول باطن الكف هو القدر المنطبق إذا وضعت احدى اليدين على الاخرى مع تحامل]
[ ٢ / ٦٩ ]
[يسير والتقييد بقولنا مع تحامل يسير ليدخل فيه المنحرف الذي ذكرناه وطرف الكف وهو حرف اليد على الوجهين في رؤس الاصابع * قال [وإذا مس الخنثى من نفسه أحد فرجيه لم ينتقض لاحتمال أن الممسوس زائد وان مس رجل
[ ٢ / ٧٠ ]
[ذكره أو امرأة فرجه انتقض إذ لا يخلو عن مس أو لمس وان مس رجل فرجه أو امرأة ذكره لم ينتقض لاحتمال أنه زائد ولو ان خنثيين مس احدهما من صاحبه الفرج ومس الآخر الذكر فقد انتقض طهارة أحدهما لا بعينه ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده لان بقاء لههارته ممكن]
[ ٢ / ٧١ ]
ما سبق من المسائل فيما إذا اتفق المس ولم يكن في الماس ولا في الممسوس إشكال في حكم الذكورة والانوثة فان كان ففيه مسائل أحداها ان مس الخنثي المشكل فرج واضح فالحكم على ما سبق وان مس فرج نفسه نظر ان مس فرجيه جميعا انتقض وضوءه لانه ان كان رجلا فقد مس ذكره وان كانت امرأة فقدمست فرجها وان مس أحدهما لم ينتقض وضوءه لانه ان مس الذكر فيجوز أن يكون أنثى وهو سلعة زائدة وان مس الآخر فيجوز أن يكون رجلا وهو ثقبة زائدة وان مس أحدهما وصلى الصبح مثلا ثم توضأ ومس الآخر وصلى الظهر ففى المسألة وجهان احدهما انه يقضيهما جميعا لان احدى صلايته واقعة مع الحدث واظهرهما انه لا يقضي واحدة منهما
[ ٢ / ٧٢ ]
[لان كل صلاة مفردة بحكمها وقد بنى كل واحدة على ظن صحيح فصار كما لو صلى صلاتين
إلى جهتين باجتهادين وان مس احدهما وصلى الصبح ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء بينهما أعاد الظهر لانه محدث عندها ومضت الصبح على الصحة: الثانية لو مس الواضح فرج مشكل نظر ان مس رجل ذكره انتقض وضوءه لانه ان كان رجلا فقد مس الذكر وان كانت امرأة فقد
[ ٢ / ٧٣ ]
[لمس امرأة وان مست امرأة فرجه انتقض وضوءها ايضا لمثل هذا المعنى وهذا إذا لم يكن بين الخنثى والماس محرمية وغيرها مما يمنع لمسه عن ان ينتقض به الوضوء فان كان فلا انتقاض وان مس الرجل فرجه لم ينتقض وضوءه لاحتمال ان يكون رجلا والممسوس ثقبة زائدة وان مست المرأة ذكره فكذلك لا ينتقض وضوءها لاحتمال ان يكون الخنثى امرأة والممسوس سلعة زائدة والضابط ان الواضح إذا مس منه ماله انتقض وضوءه فان مس ما ليس له فلا: ثم إذا حكمنا بانتقاض طهارة
[ ٢ / ٧٤ ]
[الواضح فلا نقول الخنثى ملموس حتى يعود في انتقاض طهارته القولان بل هو ممسوس حتى لاتنتقض طهارته طرحاللشك واستضحابا للطهارة: والثالثة لو مس مشكل فرج مشكل آخر نظر ان مس فرجيه جميعا انتقض وضوءه كما لو مسهما من نفسه وكذلك لو مس ذكر مشكل وفرج مشكل آخر ينتقض وضوءه أيضا لكن ههنا ينتقض لعلة المس أو اللمس وان مس أحد فرجيه لاغير لم ينتقض وضوءه لاحتمال كونه عضوا زائدا ولو مس أحد المشكلين فرج الآخر ومس الآخر ذكر الاول انتقض
[ ٢ / ٧٥ ]
[طهارة أحدهما لا بعينه لانهما ان كانا رجلين فقد أحدث ماس الذكر وان كانتا امرأتين فقد احدثت ماسة الفرج وان كان أحدهما رجلا والآخر امرأة فقد احدثا جميعا بسبب اللمس فإذا طهارة أحدهما باطلة لا محالة لكنه غير متعين وما من واجد منهما أفردناه بالنظر الا والحدث في حقه مشكوك فيه فنستصحب يقين الطهارة ولا نمنع واحدا منهما عن الصلاة ونظائر ذلك لاتخفى وأما قوله في الكتاب في هذه المسألة ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده ففى كلمة وحده أشكال لان المفهوم منه ان لكل واحد منهما ان يصلى منفردا ويمتنع ان يقتدى بالآخر كما نقول
إذا اختلف اجتهاد اثنين في انانين مشتبهين صلى كل واحد منهما وحده يريد به ما ذكرنا لكن
[ ٢ / ٧٦ ]
[اقتداء الخنثى بالخنثى ممتنع علي الاطلاق فأن معنى التقييد في هذه المسألة ان كلمة وحده يشبه ان يكون من سبق القلم لاعن قصد وتعمد لانه في الوسيط لم يتعرض لذلك وانما قال لكن تصح صلاتهما ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصحة وان اتي بها عن قصد فقد ذكر بعضهم ان فائدة التقييد انه لاتجزى صلاة واحد منهما خلف الآخر قطعا وان بان بعد الفراغ كون الامام رجلا بخلاف ماذا اقتدى الخثنى بالخنثى في غير هذه الصورة ثم بان بعد الفراغ كون الامام رجلا فان في وجوب القضاء قولين والله أعلم *
[ ٢ / ٧٧ ]
[قال واليقين لا يرفع بالشك (م) لا في الطهارة ولا في الحدث وان تيقن انه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث ولم يدر أيهما سبق اسند الوهم إلى ما قبله فان انتهى إلى الحدث فهو الآن متطهر لانه تيقن طهرا بعده وشك في الحدث بعد الطهر وان انتهى إلى الطهر فهو الآن محدث وقيل انه يستصحب ما قبل الحالتين ويتعارض الظنان] [من القواعد التى ينبني عليها كثير من الاحكام الشرعية استصحاب اليقين والاعراض عن الشك والاصل فيه ما روى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال
[ ٢ / ٧٨ ]
[(إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه اخرج منه شئ أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وروى انه ﷺ قال (ان الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين اليتيه ويقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) ولا فرق عندنا بين ان يتيقن الطهارة ويشك في الحدث بعده أو يتقن الحدث ويشك في الطهارة بعده بل يستصحب اليقين في الحالتين خلافا لمالك حيث قال إذا استيقن الطهارة وشك في الحدث أخذ بالحدث احتياطا وتوضأ إذا كان خارج الصلاة وان كان في الصلاة سلم انه يمضيى في صلاته وما
رويناه من الخبر حجة عليه لانه مطلق وحكي في التتمة وجها عن بعض الاصحاب يوافق مذهب]
[ ٢ / ٧٩ ]
[مالك ومن نظائر الشك في عروض الحدث ما إذا نام قاعدا ثم تمايل وانتبه ولم يدر أيهما سبق فلا ينتقض وضوءه بخلاف ما إذا عرف أن الانتباه كان بعد التمايل يلزمه الوضوء ومنها ما إذا شك في أنه لمس الشعر أو البشرة إذا قلنا انه لا أثر للمس الشعر ومنها ما إذا مس الخنثى فرجيه مرتين وشك في ان الممسوس ثانيا هو الممسوس أولا أو الفرج الآخر ومنها ما لو شك في ان ما عرض له رؤيا
[ ٢ / ٨٠ ]
[أو حديث نفس فلا يلزمه الوضوء في شئ منها وكذلك القول في الشك في الحدث الاكبر وهذا كله إذا عرف سبق الطهارة اما إذا لم يعرف ذلك بان تيقن انه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث ولم يدر أيهما سبق وانه الآن علي ماذا ففى المسألة وجهان أصحها قال صاحب التلخيص والاكثرون]
[ ٢ / ٨١ ]
[يؤمر باسناد الوهم الي ما قبل طلوع الشمس وتذكر ما كان عليه من الطهارة والحدث فان تذكر انه كان محدثا فهو الآن علي الطهارة لانه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك في تأخر الحدث المعلوم بعد الطلوع عن تلك الطهارة وان تذكر انه كان متطهرا فهو الان محدث لانه تيقن حدثا بعد تلك الطهارة وشك في تأخر الطهارة عن ذلك الحدث ومن الجائز سبقها علي الحدث وتوالى الطهارتين وهذا إذا كان الشخص ممن يعتاد تجديد الطهارة فان لم يكن التجديد من عادته فالظاهر ان طهارته بعد الحدث فيكون الآن متطهرا وان لم يتذكر ما قبلها فلا بعد من]
[ ٢ / ٨٢ ]
الوضوء لتعارض الاحنمالين من غير ترجيح ولا سبيل الي الصلاة مع التردد المحض في الطهارة ومنهم من قال يؤمر بالتذكر لكنه ان تذكر الحدث قبل الطلوع فهو الآن محدث أيضا وان تذكر الطهارة فهو الآن متطهر لان ما يذكره من قبل معلوم فيستصحب ويتعارض الظنان الطارآن بعده لتقابل الاحتمالين والوجه الثاني انه لا نظر إلى ما قبل الطلوع ويؤمر بالوضوء بكل حال
[ ٢ / ٨٣ ]
[اخذا بالاحتياط ثم نتكلم في قوله واليقين لا يرفع بالشك في ابتداء هذا الفصل من ثلاثة أوجه أحدها قد يتوهم أن هذا الكلام متصل بآخر مسألة الخنثيين وهو قوله لان بقاء طهارته ممكن ولا شك انه صالح لذلك لكنه لم يقصد تذنيب المسألة به وانما أراد افتتاح قاعدة مقصودة في نفسها وايراده في الوسيط يوضح ذلك ثم لا يخفى تخريج مسألة الخنثيين علي هذه القاعدة: الثاني لا نعني بقولنا اليقين لا يرفع ولا يترك بالشك يقينا حاضرا فان الطهارة والحدث نقيضان ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال ان نتيقن الآخر ولكن المراد أن اليقين الذي كان لا يترك حكمه بالشك بل يستصحب لان الاصل في الشئ الدوام والاستمرار فهو في الحقيقة عمل
[ ٢ / ٨٤ ]
[بالظن وطرح للشك: الثالث المشهور من معني الشك الرتدد في طرفي وجود الشئ وعدمه بصفة التساوى فإذا حدث له هذا التردد في الحدث بعد تيقن الطهارة أو في الطهارة بعد تيقن الحدث لم يلتفت إليه واستصحب ما كان: وهذا الحكم لا يختص بالشك في طرف الحدث بل لو كان الحادث ظن الحدث بعد تيقن الطهارة فهو كالشك في انه يجوز له الصلاة استصحابا ليقين الطهارة لكن لو ظن الطهارة بعد الحدث لم يستصحب حكم الحدث بل له أن يصلى بالظن فإذا حكم الشك واحد في الطرفين وحكم الظن في الحدث بخلاف حكمه في الطهارة * قال [قاعدة تنكشف حال الخنثي بثلاث طرق: أحدها خروج خارج من الفرجين فان بال بفرج
[ ٢ / ٨٥ ]
[الرجال أو أمنى فرجل وان بال بفرج النساء أوحاض فامرأة وان بال بفرج الرجال وحاض بفرج النساء قيل التعويل على المبال لانه أدوم وقيل مشكل: (الثانية) نبات اللحية ونهود الثدى فيه خلاف والاظهر ان لا عبرة بهما كما لا عبرة بتأخر النبات والنهود عن أو انهما: (الثالثة) ان يراجع الشخص ليحكم بمبله فإذا اخبر لا يقبل رجوعه الا ان يكذبه الحس بأن يقول أنا رجل ثم ولدت ولدا] [لما تكلم في صور مس الخنثي أراد ان يبين ما ينكشف به حال الخنثي فذكر له طرقا منها
خروج الخارج من أحد الفرجين وذلك على قسمين أحدها خارج لا يوجب الغسل وهو البول فإذا بال بفرج الرجال فرجل وان بال بفرج النساء فامرأة لما روى عن ابن عباس ﵄]
[ ٢ / ٨٦ ]
[ان النبي ﷺ قال في الذى له ما للرجال وما للنساء (يورث من حيث يبول) وهذا بشرط ان يكون له ما يشبه آلة الرجال وما يشبه آلة النساء ويكون بوله من أحدهما فأما إذا لم يكونا له وهو يبول من ثقبة أو كانا له لكنه لا يبول بهما فلا دلالة في بوله ولو بال بهما جميعا ففيه وجهان أحدهما أن دلالة البول قد سقطت وأصحهما ان ما يختص بسبق الخروج أو تأخر الانقطاع فالحكم له فان وجد أحد المعنيين في أحدهما والآخر في الثاني فالاخذ بسبق الخروج]
[ ٢ / ٨٧ ]
[أولى وان فقد المعينان فيهما سقطت دلالة البول ولا حكم للكثرة ولا للتزريق والترشيش في أصح الوجهين: والثاني ان الحكم للاكثر وانه ان زرق بهما فرجل وان رشش فامرأة وان زرق بهذا ورشش بذلك فحينئذ تسقط دلالة البول: والقسم الثاني خارج موجب للغسل كالحيض والمني فإذا أمنى بفرج الرجال فرجل وان أمنى بفرج النساء أو حاض فامرأة وذلك بشرطين أحدهما ان ينفصل في وقت امكان خروج المني والحيض: والثاني أن يتكرر خروجه ليتأكد الظن ولا يتوهم]
[ ٢ / ٨٨ ]
[كونه اتفافيا ولو أمنى من الفرجين جميعا فوجهان أحدهما أنه تسقط هذه الدلالة ويستمر الاشكال وأصحهما انه لو أمنى منهما على صفة منى الرجال يكون رجلا ولو أمنى منهما على صفة منى النساء يكون امرأة لان الظاهر أن المنى الموصوف بصفة منى الرجال ينفصل من الرجال وكذلك ما هو بصفة منى النساء ينفصل من النساء نعم لو أمنى من فرج الرجال على صفة منى النساء أو من فرج النساء على صفة منى الرجال أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم ومن فرج النساء على صفة منيهن يستمر
[ ٢ / ٨٩ ]
[الاشكال ومن هذا القسم خروج الولد فيفيد القطع بالانوثة حتى يترجح على ما يعارضه من الامارات
اما لو تعارض البول مع الحيض أو مع المنى ففيه وجهان أحدهما أنه يحكم بمقتضي البول لانه دائم متكرر فيكون أقوى دلالة وأصحهما أن يستمر الاشكال ويتساقطان ومنها نبات اللحية ونهود الثدى وفيهما وجهان أحدهما أن نبات اللحية يدل على الذكورة ونهود الثدى على الانوثة لان اللحى انما تكون للرجال غالبا وتدلى الثديين للنساء غالبا فيستدل بهما على الذكورة والانوثة وأظهرهما أنه لا عبرة بهما لانه لا خلاف أن عدم نبات اللحية في وقته لا يقتضي الانوثة وعدم تدلي الثديين في وقته لا يقتضى الذكورة ولو جاز الاستدلال بنبات اللحية على الذكورة لجاز الاستدلال
[ ٢ / ٩٠ ]
[بعدمه على الانوثة لان الغالب من حال من لا يلتحى في وقته الانوثة كما ان الغالب من حال من يلتحى الذكورة وأجرى بعضهم الوجهين في نزول اللبن ايضا وذهب بعض الاصحاب إلى انه تعد أضلاع الخنثى من جانبيه فان نقص عددها من الجانب الايسر فهو دليل الذكورة وان تساوى عددها من الجانبين فهو دليل الانوثة وظاهر المذهب انه لا عبرة بذلك والتفاوت بين الرجل والمرأة في عدد الاضلاع غير معلوم ولا مسلم ومنها ان يراجع الخنثى فان قال أميل الي الرجال استدللنا على الانوثة وان قال أميل إلى النساء استدللنا به على الذكورة لان الله تعالي أجرى العادة بميل الرجال الي النساء والنساء إلى الرجال بالطبع وهذا إذا عجزنا عن الامارات السابقة والا
[ ٢ / ٩١ ]
[فالحكم لها لانها محسوسة معلومة الوجود وقيام الميل غير معلوم فانه ربما يكذب في إخباره ومن شرط الاعتماد على إخباره وقوعه بعد العقل والبلوغ كسائر الروايات والاخبار ومن الاصحاب من قال يكفى وقوعه في سن التمييز كالحضانة يخير فيها الصبى بين الابوين في سن التمييز والمذهب الاول لان اختبار الخنثى لازم فلا حكم له قبل البلوغ كالمولود إذا تداعاة اثنان لا يصح انتسابه قبل البلوغ والاختيار في الحضانة ليس بلازم ثم يتعلق بفصل الاختيار (فروع) أحدها إذا بلغ وهو يجد من نفسه أحد الميلين يجب عليه ان يخبر عنه فان أخر عصى * الثاني لا يخبر بالتشهى فانه غير مخير ولكن يخبر عما يجده من ميله الجبلي: * الثالث لو زعم انه لا
[ ٢ / ٩٢ ]
[يميل الي الرجال ولا الى النساء أو أنه يميل اليهما جميعا استمر الاشكال: الرابع اخبر عن أحد الميلين لزمه ولا يقبل رجوعه بعد ذلك لاعترافه بموجبه نعم لو وجدت الدلالة القاطعة بعد اخباره عن الذكورة وهى الولادة غيرنا الحكم لانا تيقنا خلاف ما ظنناه وكذا لو ظهر حمل بعده تبين بطلان اخباره كما لو حكمنا بشئ من الدلائل الظاهرة ثم ظهر به حمل بطل ذلك وقد ذكر هذا الفرع في الكتاب لكن للمتأمل وقفة عند قوله فإذا اخبر لا يقبل رجوعه الا إذا كذبه الحس لان ظاهر الاستثناء يقتضي قبول الرجوع عند الولادة وإذا ولدت فلا عبرة بالرجوع ولا معنى له بل يبطل الحكم السابق سواء وجد الرجوع أم لا وكأنه أراد أنه لا يقبل رجوعه ويجرى عليه حكم قوله الاول الا ان
[ ٢ / ٩٣ ]
يكذبه الحس بالولادة فالاستثناء يرجع إلى أجزاء حكم القول الاول عليه لا إلى عدم قبول الرجوع وكذلك أورد امام الحرمين ﵀ هذا اللفظة: الخامس ذكرنا ان الاختيار انما يرجع إليه عند فقد الامارات الظاهرة فلو رجعنا إليه لفقدها ثم وجد بعض تلك الامارات يجوز ان يقال لا نبالي به ونستصحب الحكم الاول الا ان توجد دلالة قاطعة: وهذا قضية قوله الا ان يكذبه الحس إذا قدرنا عود الاستثناء إلى ما بيناه ويجوز ان يقال يعدل إلى الامارة الظاهرة ويحكم بها كما إذا تداعى اثنان مولودا ولم يكن قائف فانتسب بعد البلوغ واختار ثم وجدنا القائف تقدم القيافة على اختياره والله أعلم] *
[ ٢ / ٩٤ ]
[قال (الفصل الثاني في حكم الحدث: وهو المنع من الصلاة ومس المصحف وحمله ويستوى (ح) في المس الجلد والحواشي ومحل الكتابة وفى مس الخريطة والصندوق (ح) والعلاقة وتقليب الاراق بقضيب وحمل صندوق فيه أمتعة سوى المصحف خلاف ولا يحرم مس كتب التفسير والفقه والدراهم المنقوشة الا ما كتب للدراسة كلوح الصبيان (و) والاصح انه لا يجب على المعلم تكليف الصبي المميز الطهارة لمس اللوح والمصحف] *
المحدث ممنوع من الصلاة قال ﷺ (لاصلاة الا بطهارة) وكذلك من]
[ ٢ / ٩٥ ]
[الطواف قال ﷺ (الطواف بالبيت صلاة الا ان الله ﷾ أباح فيه الكلام)]
[ ٢ / ٩٦ ]
[وسجدة الشكر والتلاوة كالصلاة في ان المحدث ممنوع منهما ويحرم عليه أيضا مس المصحف وحمله قال]
[ ٢ / ٩٧ ]
[الله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) وروى انه صلي الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام (لا تمس المصحف الا طاهرا) وروى أنه قال (لاتحمل المصحف ولا تمسه الا طاهرا) ثم فيه]
[ ٢ / ١٠١ ]
[مسائل احداها إذا كان المصحف مجلدا فهل يحرم مس الجلد كمس الموضع المكتوب فيه وجهان أصحهما وهو الذى ذكره في اكتاب نعم لانه كالجزء من المصحف الا ترى أنه لو باعه دخل الجلد فيه: والثاني لا لانه ظرف ووعاء لما كتب عليه القرآن فصار كالكيس والجراب الذى فيه المصحف: الثانية لا فرق في حكم المس بين موضع الكتابة وبين الحواشي والبياض في خلال السطور لان اسم المصحف يقع على جميع ذلك وقوعا واحدا: الثالثة في مس الخريطة والصندوق والعلاقة وجهان إذا كان المصحف فيها أظهرهما انه يحرم لانها متخذة للقرآن منسوبة إليه فإذا اشتملت على القرآن اقتضي التعظيم ان لا يمس الا على الطهارة: والثاني لا لان الظواهر واردة في المصحف وهذه الاشياء غير المصحف وهذا الخلاف قريب من الاخلاف في الجلد ولذلك جمع بعض الاصحاب]
[ ٢ / ١٠٢ ]
[بينهما جميعا وحكي فيهما الوجهين ومنهم من جزم بالجواز في غير الجلد وخصص الخلاف بالجلد ومنهم من جزم بالمنع في الجلد وخصص الخلاف بما سواه وكلامه في الكتاب أوفق لهذه الطريقة أو هو هي وفى كتب أصحابنا عن أبي حنيفة أنه يجوز للمحدث مس غير المكتوب من الحواشى وظهر المصحف وغيرهما: نعم لا يجوز ذلك للجنب والحائض: وعنه أيضا انه يجوز للمحدث الحمل
والمس مطلقا ولايجوز للجنب والحائض: وعنه أيضا أنه يجوز له حمل المصحف بعلاقته وبه قال أحمد وحكي بعضهم عن مالك أنه يجوز له حمل المصحف ومسه من غير طهارة والمشهور ان هذا قول داود ولا يخفى موضع العلامة من هذه الاختلافات: الرابعة لو وضع المصحف بين يديه وهو]
[ ٢ / ١٠٣ ]
يقلب أوراقه بقضيب وغيره ويقرأ منه هل يجوز فيه وجهان: أحدهما نعم لانه لم يحمل المصحف ولا مسه فقد حافظ على شرط التعظيم وأصحهما أنه لا يجوز لانه حمل بعض المصحف مقصود افان الورقة بحمله تنتقل من جانب إلى جانب: الخامسة المنع من الحمل حيث كان المصحف هو المقصود بالحمل فأما إذا حمل صندوقا فيه ثياب وأمتعة سواه ففيه وجهان: أحدهما انه لا يجوز لانه حامل للمصحف وحكم الحمل لا يختلف بين ان يكون هو المحمول أو يكون محمولا مع غيره الا ترى أنه لو حمل نجاسة في صلاته لم تصح صلاته سواء حملها وحدها أو مع غيرها وأصحهما الجواز لان المنع من الحمل المخل]
[ ٢ / ١٠٤ ]
[بالتعظيم والاجلال ويفارق حمل الصندوق والخريطة فان ذلك تبع للمصحف وهنا بخلافه: السادسة المصحف مكتوب لدراسة القرآن منه فحكمه في المس والحمل ما ذكرنا: وفى لوح الصبيان وجهان أصحهما هو الذى ذكره في الكتاب انه في معنى المصحف لانه أثبت فيه القرآن للتعلم منه ولدراسته: والثاني لا لانه لا يقصد باثباته الدوام بل هو كالمسودة التى تتخذ وسيلة ولا يعتنى بها: وأما ما اثبت فيه شئ من القرآن لا للدراسة كالدراهم الاحدية والعمامة المطرزة بآيات القرآن والحيطان المنقوشة به وكتب الفقه والاصول والتفسير ففيه وجهان: أحدهما انها كالمصحف في حرمة المس]
[ ٢ / ١٠٥ ]
[والحمل تعظيما للقرآن: وأصحهما أنه لامنع لما روى انه ﷺ كتب كتابا إلى هرقل وكان فيه (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية ولم يأمر الحامل بالمحافظة على الطهارة ولان هذه الاشياء لا يقصد باثبات القرآن فيها قراءته فلا تجرى عليها احكام القرآن ولهذا يجوز هدم الجدار المنقوش عليه وأكل الطعام وهذا الوجه هو المذكور في الكتاب وذهب بعض الاصحاب
إلى تفصيل في الكتب فقال ان كان القرآن اكثر حرم المس والحمل والا فوجهان ذكروا ذلك في كتاب التفسير ولاشك في ان غيره في معناه ومنهم من قال ان كتب القرآن بخط غليظ والتفسير
[ ٢ / ١٠٦ ]
[بخط دقيق وميز بينهما حرم الحمل وان كان الكل بخط واحد فوجهان (السابعة) كل ما ذكرناه في العاقل البالغ: أما الصبي المميز هل يجب علي الولي والمعلم منعه من مس المصحف وحمله إذا كان محدثا فيه وجهان: أحدها نعم لان البالغ انما يمنع منه تعظيما للقرآن والصبي أنقص حالا منه فأولي ان يمنع وأصحهما لا لان تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم فيه المشقة والوجهان جاريان في اللوح أيضا وفيه تكلم في الكتاب وهو بناء على ان اللوح حكمه حكم المصحف كما تقدم هذه مسائل الكتاب]
[ ٢ / ١٠٧ ]
[ونختمها بفروع: الاول كتابة القرآن على الشئ الموضوع بين يديه من غير مس ولا حمل جائز للمحدث في أصح الوجهين: الثاني لا يحرم مس التوراة والانجيل وحملهما في أصح الوجهين وكذا حكم ما نسخ من القرآن: الثالث حديث رسول الله ﷺ لا يلحق بالقرآن فيما نحن فيه لكن الاولى ان يكون على الوضوء إذا مسه]
[ ٢ / ١٠٨ ]
قال [الباب الرابع في الغسل: وموجبه الحيض والنفاس والموت والولادة وان كانت ذات جفاف على الاظهر] * عد موجبات الغسل أربعة: يشتمل هذا الفصل على ثلاثة منها: أحدها الحيض قال الله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن) ثم وجوبه بخروج الدم أو بانقطاعه فيه ثلاثة أوجه: أحدها بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول والغسل بخروج المني: وثانيها بالانقطاع لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش (إذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) علق الاغتسال بادبار الدم: وثالثها وهو الا ظهران الخروج]
[ ٢ / ١٠٩ ]
[يوجب الغسل عند الانقطاع كما يقال الوطئ يوجب العدة عند الطلاق والنكاح يوجب الارث عند الموت وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع بل عند القيام الي الصلاة والنفاس كالحيض في الغسل ومعظم الاحكام: الثاني الموت يوجب غسل]
[ ٢ / ١١٠ ]
[الميت على ما سيأتي في الجنائز: ولك ان تقول الغسل اما أن يكون مفسرا بما سوى النية وهو غسل الاعضاء أو يكون مفشرا به مع النية والاول ضعيف فان النية عندنا من جملة الغسل ولولا ذلك لعد نجاسة جميع البدن ونجاسة موضع منه اشبه بالباقي من موجبات الغسل وقد امتنع صاحب الكتاب ومعظم الائمة منه فتعين الثاني وحينئذ: اما أن يكون المعتبر مطلق النية أو النية من صاحب الاعضاء]
[ ٢ / ١١١ ]
[المغسولة فان كان الثاني لم ينتظم عد الموت من موجبات الغسل وكان اطلاق الغسل في الميت بمعنى آخر وان كان الاول فغسل الميت انما يكون من هذه الجملة إذا كانت النية معتبرة فيه من جهة الغاسل ولنا في ذلك وجهان يأتي ذكرهما في باب الجنائز: الثالث الولادة فلو ولدت ولم تر بللا ولا دما]
[ ٢ / ١١٢ ]
[ففى وجوب الغسل عليها وجهان أحدهما لا يجب لظاهر قوله ﷺ (الماء من الماء) فانه ينفى وجوب الغسل بغير الانزال خالفنا في الاسباب المتفق عليها فيتمسك به فيما عداها وأظهرهما الوجوب لانه لا يخلو عن بلل وان قل غالبا فيقام الولد مقامه كالنوم يقام مقام الخروج لمقارنته اياه غالبا ولانه يجب الغسل بخروج الماء الذى يخلق الولد منه فبخروج الولد أولى ويجرى الوجهان في القاء العلقة والمضغة *
[ ٢ / ١١٣ ]
[قال والجنابة وحصولها بالتقاء الختانين أو بايلاج قدر الحشفة من مقطوع الحشفة في أي فرج كان من غير المأتي أوميت (ح) ويخروج المنى: وخواص صفاته ثلاثة: رائحة الطلع والتدفق بدفعات والتلذذ بخروجه فلو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل لبقية الصفات وكذلك لو
خرج (ح م) بغير شهوة لمرض أو خرج بقيته بعد الغسل حصلت (م) الجنابة إذا بقيت رائحة الطلع ولو انتبه ولم ير الا الثخانة والبياض فيحتمل ان يكون وديا فلا يلزمه الغسل والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل وكذا إذا اغتسلت وخرج منها منى الرجل بعده فانه لا ينفك عن مائها] *
[ ٢ / ١١٤ ]
[السبب الرابع الجنابة ولها طريقان: أحدهما التقاء الختانين: قالت عائشة ﵂ (إذا التقى الختانان وجب الغسل) فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا وفسر الشافعي ﵁ التقاء الختانين فقال المراد منه تحاذيهما لاتضامهما فان التضام غير ممكن لان مدخل الذكر في أسفل الفرج وهو مخرج الولد والحيض وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول وشفرا المرأة يحيطان بها جميعا وإذا كان كذلك كان التضام متعذر لما بينهما من الفاصل]
[ ٢ / ١١٥ ]
وههنا شبهة وهى ان يقال ان كان موضع ختان المرأة من حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شئ من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران باول الحشفة لاقى شئ من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكنا فلعل المراد من الخبر ذلك والله أعلم: ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل اما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيب مقدار الحشفة لزمه الغسل فانه في معنى الحشفة ومعلوم ان ما سفل من الحشفة ليس موضع ختان لكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل لان التحاذى لا يحصل به غالبا وحكى القاضي ابن كج ان تغييب بعض]
[ ٢ / ١١٦ ]
[الحشفة كتغييب الكل وروى وجه ان تغييب قدر الحشفة في مقطوع الحشفة لا يوجب الجنابة وانما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة أو أكثر واما في المحل فلان المحل الذى هو موضع الختان قبل المرأة وكما يجب الغسل بالايلاج فيه يجب الغسل بالايلاج في غيره كالاتيان في غير المأتي وهو الدبر يجب الغسل به على الفاعل والمفعول وكذا فرج البهيمة خلافا لابي حنيفة لنا انه جماع في الفرج فاشبه فرج الادمى بل ايجاب الغسل ههنا أولى لانه أحق بالتغليظ ولا فرق بين اليلاج
في فرج الميت والايلاج في فرج الحي وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال في الصغيرة التى لا]
[ ٢ / ١١٧ ]
[تشتهي: لنا انه التقى الختانان فيجب الغسل ثم كما يجب الغسل بالايلاج في فرج الميت والبهيمة يجب علي من غاب في فرجه فرجهما ولا يجب اعادة غسل الميت بسبب الايلاج فيه على أظهر الوجهين وإذا عرفت ما ذكرنا فانظر في لفظ الكتاب واعلم انه انما عقب قوله بالتقاء الختانين بقوله أو ايلاج قدر الحشفة في أي فرج كان لما بينا ان التقاء الختانين غير معنى بعينه والايلاج في كل فرج في معناه ولو اقتصر على قوله والجنابة وحصولها بايلاج قدر الحشفة في أي فرج كان حصل الغرض ودخل فيه التقاء الختانين الا ان التقاء الختانين هو الاصل الذى ورد فيه الخبر فقدمه ثم بين ان كل جماع في معناه وفى قوله قدر الحشفة اشارة الي ما سبق ان المرعى مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلما بالواو للخلاف الذى حكيناه ثم قوله أو ايلاج قدر الحشفة يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج وكذلك التقاء الختانين لان المراد منه التحاذى فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة ﵂ وروى
[ ٢ / ١١٨ ]
[انها قالت قال رسول الله ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل) والالتقاء ينظم هذه الصورة ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضا: والثانى لا يحصل لان اللذة انما تكمل عند ارتفاع الحجاب: والثالث أنه ان كان الخرقة لينة حصلت الجنابة والا فلا لان اللينة لا تمنع حصول اللذة بخلاف الخشنة والخشنة هي التى تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر واللينة مالا تمنع وكل هذا فيما إذا جرى الايلاج وهما واضحا الحل أما إذا كان مشكلين]
[ ٢ / ١١٩ ]
[وأولج أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر وان أولج كل واحد منهما في دبر الآخر فلا جنابة أيضا لجواز كونهما امرأتين ولكن بالنزع يحدثان لان خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء وان
أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى وان أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الاول فلا جنابة أيضا لاحتمال كونهما امرأتين لكنهما على هذا]
[ ٢ / ١٢٠ ]
[التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني وعلي غير هذا التقدير هما جنبان فيحكم بثبوت أدني الحدثين ولو كان الاشكال في الفاعل وحده فلا جنابة أيضا سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة وينتقض وضوء المرأة بالنزع وان أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضا لكن يحدثان لان بتقدير الذكورة هما جنبان وبتقدير الانوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شئ وهما من نواقض الوضوء فيثبت أدني الحدثين ولو كان الاشكال في المفعول وحده فالايلاج في دبره كهو في دبر غيره والايلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثا لجواز كونه رجلا ولو أولج رجل في فرج مشكل والمشكل في فرج امرأة فالمشكل جنب لانه جامع أو جومع والرجل والمرأة]
[ ٢ / ١٢١ ]
[لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع: الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للاجماع ولقوله ﷺ (الماء من الماء) ولافرق بين ان يخرج منه من الطريق المعتاد أو من غيره مثل ان يخرج من ثقبة في الصلب أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل والخلاف المذكور ثم ويجوز ان يكون الصلب ههنا بمثابة المعدة ثم فقد قيل يخرج المنى من الصلب ثم للمني خواص ثلاث: أحداها الرائحة الشبيهة برائحة العجين والطلع مادام رطبا فإذا جف اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض: والثانية التدفق بدفعات]
[ ٢ / ١٢٢ ]
[قال الله تعالى (من ماء دافق): والثالثة التلذذ بخروجه واستعقابه فتور الذكر وانكسار الشهوة وله صفات أخر نحو الثخانة واليباض في منى الرجل والرقة والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضا أبيض ثخين كمنى الرجل والمذي رقيق
كمنى المرأة وإذا عرفت ذلك فنقول ما ليس من خواصه لا ينفى عدمه كونه منيا ولا يقتضى وجوده كونه منيا ويوضح الطرفين بالمثال: أما الاول فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شئ من خواصه ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضا اعتمادا على الصفات الخاصة به: وحكي وجه انه لا يجب الغسل ههنا لان المنى دم في الاصل فإذا خرج على]
[ ٢ / ١٢٣ ]
[لون الدم لم يقتض غسلا كسائر الدماء: واما الثاني فلو تنبه ولم ير الا الثخانة والبياض فلا غسل عليه لان الودي يشارك المنى في هاتين الصفتين فيحتمل ان يكون الخارج وديا فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين ان يتوضأ ويغسل المحل الذى أصابه ذلك الخارج وبين ان يغتسل ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب: وقد حكينا وجها انه يلزمه الغسل فلذلك أعلم قوله في الكتاب فلا يلزمه الغسل بالواو فان قلنا بظاهر المذهب وغلب على الظن أنه مني لان الودى لا يليق بحال صاحب الواقعة أو لتذكر وقاع تخيله: قال امام الحرمين يجوز ان يقال يستصحب يقين الطهارة ويجوز ان يحمل الامر على غالب الظن تخريجا على غلبة الظن في النجاسة]
[ ٢ / ١٢٤ ]
[والاحتمال الاول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص واما الخواص فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة الخارج منى فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شئ ثقيل وجب الغسل خلافا لابي حنيفة وكذلك لمالك وأحمد رحمهما الله فيما حكاه أصحابنا: لنا ان الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله ﷺ (الماء من الماء) ولو اغتسل عن الانزال ثم خرجت منه بقية وجب اغسل لوجود الرائحة سواء خرجت بعد ما بال أو قبله خلافا لمالك حيث قال في احدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفى رواية ان خرج قبل البول فهو من بقية المني الاول فلا يجب الغسل ثانيا وان خرج بعده فهو منى جديد
[ ٢ / ١٢٥ ]
[فيلزمه الغسل وخلافا لاحمد حيث قال ان خرج قبل البول وجب الغسل ثانيا وان خرج بعده
فلا: وحكي عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الاولى وهى اعتبار الدفق والشهوة لان ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس احدى الحالتين على الاخرى وقول من قال الخارج بعد البول منى جديد ممنوع بل هو بقية الاول بكل حال والله أعلم * ولا فرق في خروج المنى بين الرجال والنساء في حكم الغسل: روى ان أم سليم جاءت]
[ ٢ / ١٢٦ ]
[الي رسول الله ﷺ (فقالت ان الله لا يستحي من الحق هل على المراة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء) وقوله في الاصل والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل يشعر بان طريق معرفة المنى في حقها الشهوة والتلذذ لاغير: وقد صرح به في الوسيط فقال ولا يعرف في حقها الا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الاكثرون]
[ ٢ / ١٢٧ ]
[تصريحا وتعريضا التسوية بين منى الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث وقد قال في التهذيب ان مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع ثم خرج منها المنى لزمها الغسل بشرطين: أحدهما ان تكون ذات شهوة دون الصغيرة التى لا شهوة لها: والثاني أن تقضى شهوتها]
[ ٢ / ١٢٨ ]
[بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة وانما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين لانه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه فإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها: أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم اعادة الغسل لان الخارج منى الرجل وخروج منى الغير من الانسان لا يقتضى جنابته وصورة المسألة في الكتاب وان كانت مطلقة لكن في]
[ ٢ / ١٢٩ ]
[قوله فانه لا ينفك عن مائها ما يبين اشتراط ما ذكرنا: ويحكي وجه آخر انه لا يشترط اعادة الغسل
بحال لانه لا يتيقن خروج منيها: نعم الاحتياط الاعادة: هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما وهو الصحيح وزاد بعض الاصحاب طريقا آخر للجنابة وهو استدخال المني قالوا إذا استدخلت المرأة منيا لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترما: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزى وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر والمذهب الاول لان الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب ولا هو في معني المنصوص عليه (خاتمة) قوله في أول الباب وموجبه الحيض والنفاس إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الاربعة المذكورة لكن القاء المضغة والعلقة موجب على الصحيح كما سبق وهو لا يدخل في لفظ الولادة فيكون خارجا عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين أحدهما غسل الميت قال في القديم يجب به الغسل على الغاسل واليه
[ ٢ / ١٣٠ ]
[ذهب أحمد لما روى أنه ﷺ قال (من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ) والجديد انه ليس من موجبات الغسل والحديث وان ثبت محمول على الاستحباب: والثاني زوال العقل بالجنون والاغماء: حكي بعضهم عن أبي هريرة ان زواله بالجنون يوجب الغسل: وروى آخرون وجهين في الجنون والاغماء جميعا: ووجه وجوبه ان زوال العقل يفضي إلى الانزال غالبا فاقيم مقامه كالنوم اقيم مقام خروج الخارج والمذهب المشهور أنه لا يجب به الغسل ويستصحب يقين الطهارة إلى ان يستيقن انزال: والقول بان الغالب منه الانزال ممنوع] *
[ ٢ / ١٣١ ]
قال [ثم حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريم قراءة القرآن والمكث في المسجد (ز) اما العبور فلا (م ح) ثم لا فرق في القراءة بين آية (م) أو بعضها (ح) الا أن يقول بسم الله والحمد لله على قصد الذكر ولا بحل لحائض القراءة بحاجة التعليم (م) وخوف النسيان على الاصح]
[ ٢ / ١٣٢ ]
[لما فرغ من بيان موجب الجنابة ذكر حكمها: وأما حكم الحيض والنفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت مثل هذه الاحكام فيقول كل ما يحرم بالحدث الاصغر يحرم بالجنابة بطريق الاولى لانها
اغلظ ويزداد تحريم شيئين: أحدهما قراءة القرآن فيحرم على الجنب ان يقرأ شيئا من القرآن]
[ ٢ / ١٣٣ ]
[قاصدا به القرآن سواء كان آية أو بعض آية خلافا لمالك حيث جوز قراءة الآيات اليسيرة للجنب ولابي حنيفة حيث جوز له قراءة بعض الآية وبه قال أحمد في أصح الروايتين: لنا ما]
[ ٢ / ١٣٤ ]
[روى انه ﷺ قال (لايقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن) وعن
[ ٢ / ١٣٩ ]
[على ﵁ قال: لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن شئ سوى الجنابة: ويروى يحجز: ولا يستثنى عندنا شئ من الصور الا إذا لم يجد الجنب ماء ولا تربا وصلى على حسب الحال ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان: أحدهما يجوز والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة الا بفاتحة الكتاب فعلى هذا الوجة تستثنى هذه الصورة: والثاني وهو الاظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلا كالعاجز عن القراءة حقيقة أما إذا قرأ شيئا منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال بسم الله علي قصد التبرك والابتداء أو الحمد الله في خاتمة الامر أو قال سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين علي قصد اقامة سنة الركوب لانه إذا
[ ٢ / ١٤٢ ]
[لم يقصد القرآن لم يكن فيه اخلال بالتعظيم ولو جرى علي لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضا وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر ولان حدثها اغلظ فيكون الحكم بالتحريم أولي وعن مالك انه يجوز لها قراءة القرآن ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الاصحاب من قال أراد به مالكا ونفي ان يكون الجواز قولا للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي ﵁ وهو قول له في القديم وهذا ما ذكره في الكتاب فقال ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان علي الاصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لان الشيخ أبا محمد قال وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال قال أبو عبد الله ومالك فثبت نقل
[ ٢ / ١٤٣ ]
[قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه وهو انها قد تكون معلمة فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالبا لانقطعت عن حرفتها ولان ترك القراءة يؤدى إلى النسيان لامتداد زمان الحيض بخلاف الجنابة فانه يمكن ازالتها في الحال وهذا القول يجرى في النفساء أيضا: الثاني المكث]
[ ٢ / ١٤٤ ]
[في المسجد وهو حرام علي الجنب: روى انه ﷺ قال (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) ولا يحرم العبور قال الله تعالى (ولا جنبا إلا عابرى سبيل) والمعنى الفارق بين المكث والعبور في المسجد لا قربة فيه وفى المكث قربة الاعتكاف فمنع منه الجنب ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم ولم يمكن الخروج لاغلاق الباب أو]
[ ٢ / ١٤٦ ]
[الخوف من العسس أو غيره علي النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهير أو تخفيفا للحدث بقدر الامكان وهذا إذا وجد ترابا غير تراب المسجد ولا يتيمم بترابه لكن لو تيمم به صح والعبور وان لم يكن حراما فهو مكروه إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين ان يكون له سبيل آخر إلى مقصده وبين ان لا يكون وفى وجه انما يجوز إذا لم يجد طريقا]
[ ٢ / ١٤٧ ]
[سواه وليس له ان يتردد في اكناف المسجد فان التردد في غير جهة الخروج كالمكث وليكن قوله والمكث في المسجد معلما بالالف لان عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ وبالزاء لان عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقا: وقوله اما العبور فلا معلما بالحاء والميم لان عندهما لا يجوز له العبور أيضا الا ان يحتلم في المسجد فله ان يعبر في الخروج ولا يكلف قصد]
[ ٢ / ١٤٨ ]
[الباب الاقرب * قال [وفضل ماء الجنب والحائض طهور ولا بأس للجنب ان يجامع ويأكل ويشرب ولكن
يستحب له ان يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع] * في الفصل مسألتان: أحداهما فضل ماء الجنب والحائض طهور ولا كراهية في استعماله وقال أحمد لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل ما استعملته المرأة إذا خلت بالماء واستعملت بعضه: لنا ماروى]
[ ٢ / ١٤٩ ]
[عن عائشة ﵂ قالت: كنت اغتسل انا ورسول الله ﷺ من الجنابة من اناء واحد تختلف أيدينا فيه قال إمام الحرمين: لو فسر فضل الحائض والجنب بما لم يمساه من الماء فلا يتخيل امتناع استعماله والذى يتوهم فيه الخلاف ما مسه بدن الجنب والحائض]
[ ٢ / ١٥٠ ]
[على وجه لا يصير الماء به مستعملا ولهذا استدل الشافعي ﵁ في الباب باخبار تدل على طهارة بدنهما: الثانية يجوز للجنب ان يجامع ثانيا وان ينام ويأكل ويشرب لكن يستحب ان لا يفعل شيئا من ذلك الا بعد غسل الفرج والوضوء كما يؤتي به للصلاة: عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد ان يأكل أو ينام وهو جنب توضأ للصلاة وروى]
[ ٢ / ١٥١ ]
[عن عائشة كان إذا اراد ان ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل ان ينام وللبخاري عن عروة عنها إذا اراد ان ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة ورواه النسائي بلفظه إلى قوله توضأ وهو أيضا من رواية الاسود: وروى ابن ابى خيثمة عن القطان قال ترك شعبة حديث الحكم في الجنب إذا أراد ان ياكل: (قلت) قد اخرجه مسلم من طريقه فلعله تركه بعد أن كان يحدث به لتفرده بذكر الاكل كما حكاه الخلال عن احمد: (وقد روى) الوضوء عند الاكل للجنب من حديث جابر عند ابن ماجه وابن خزيمة ومن حديث ام سلمة وابى هريرة]
[ ٢ / ١٥٢ ]
[انه قال إذا (اتى أحدكم أهله ثم بدا له ان يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا) والمقصود منه التنظيف ودفع الاذي واعلم ان كلامه في الكتاب يشعر بتخصيص الوضوء وغسل الفرج بالجماع أو تخصيص
غسل الفرج به واستحباب الوضوء بغير الجماع لانه قال لا بأس للجنب أن يجامع وياكل ويشرب لكن يستحب له أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع فان كان قوله عند الجماع راجعا
[ ٢ / ١٥٨ ]
[إلى جميع ماء صفه بالاستحباب فهو تخصيص للوضوء وغسل الفرج معا بالجماع والا فهو راجع إلى غسل الفرج المذكور أخيرا وفيه تخصيص لغسل الفرج بالجماع لكن ليسا ولا واحد منهما مما يختص استحبابه بالجماع بل هما مستحبان في الاكل والشرب والنوم أيضا كذلك ذكره في التهذيب وغيره]
[ ٢ / ١٥٩ ]
[وقد روى عن عمر ﵁ انه قال يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال (نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد) ويروى انه قال اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم *]
[ ٢ / ١٦٠ ]
[قال [واما كيفية الغسل فاقله النية واستيعاب البدن بالغسل ولا يجب المضمضة والاستنشاق (ح) ويجب ايصال الماء إلى منابت الشعور وان كثفت ويجب (م) نقض الضفائر ان كان لا يصل الماء إلى باطنها] * [لما فرغ من الكلام في موجبات الجنابة وأحكامها تكلم في كيفية الغسل والقول في كيفيتة]
[ ٢ / ١٦١ ]
[يتعلق بالاقل والاكمل: اما الاقل فهو شيئان أحدهما النية فهى واجبة عندنا خلافا لابي حنيفة كما في الوضوء وقد ذكرنا مسائل النية في الوضوء ونظائرها في الغسل تقاس بها فلا يجوز أن تتأخر النية عن أول الغسل المفروض كما لا يجوز ان تتأخر في الوضوء عن أول غسل الوجه وان حدثت مقارنة لاول الغسل المفروض صح الغسل لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن على ما سيأتي بيانها: وان تقدمت على أول غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان كما سبق في الوضوء ثم ان نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل وان نوى رفع الحدث مطلقا ولم يتعرض للجنابة ولا غيرها صح غسله أيضا على أظهر الوجهين لان الحدث عبارة عن المانع
[ ٢ / ١٦٢ ]
[عن الصلاة وغيرها على أي وجه فرض: ولو نوى رفع الحدث الاصغر فان تعمد لم يصح غسله علي أظهر الوجهين وان غلط فظن ان حدثه الاصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفى أعضاء الوضوء وجهان أحدهما لا ترتفع عنها أيضا لان الجنابة أغلظ ولم يقصد رفعها وأظهرهما انها ترتفع عن الوجه واليدين والرجلين لان غسل هذه الاعضاء واجب في الحدثين فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين لان فرض الرأس في الوضوء المسح فالذي نواه انما هو المسح والمسح لا يغني عن الغسل اما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر ان كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف وقراءة القرآن فالحكم على ما سبق في الوضوء ومن هذا القبيل ما إذا نوت
[ ٢ / ١٦٣ ]
الحائض استباحة الوطئ في أصح الوجهين: والثاني ان غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة وما في معناها كغسل الذمية عن الحيض لتحل للزوج: وان لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل نظر ان لم يستحب له الغسل لم تصح نيته استباحته: وان كان يستحب له الغسل كالعبور في المسجد والاذان وغسل الجمعة والعيد فالحكم على ما ذكرنا في الوضوء وان نوى الغسل المفروض أو فريضة الغسل
[ ٢ / ١٦٤ ]
[صح غسله: الثاني استيعاب جميع البدن بالغسل قال ﷺ (تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة) ومن جملة البشرة ما يظهر من صماخي الاذنين وما يبدوا من الشقوق وكذا ما تحت القلفة من الاقلف وما ظهر من انف المجدوع في أظهر الوجهين وكذلك ما ظهر من الثيب بالافتضاض قدر ما يبدو عند العقود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في اظهر الوجوه لانه صار ذلك في حكم الظاهر كالشقوق: والثاني انه لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين كما لا]
[ ٢ / ١٦٥ ]
[يجب غسل باطن الفم والانف: والثالث يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة لازالة دمهما ولا يدخل فيها باطن الانف والفم فلا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل عندنا خلافا لابي حنيفة
وذكر امام الحرمين ان في بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب ابي حنيفة: لنا انهما لا يجبان في غسل الميت ولو وجبا في غسل الحي لوجبا في غسل الميت وايضا فلو وجب غسل باطن الفم والانف في الغسل لكانا من الوجه ولو كانا من الوجه لوجب غسلهما في الوضوء: واما الشعور فيجب ايصال الماء إلى منابتها خفت]
[ ٢ / ١٦٦ ]
[أو كثفت بخلاف الوضوء لانه يتكرر في اليوم والليلة مرارا فلو كلف ايصال الماء فيه إلى المنابت لعظمت المشقة ويجب نقض الضفائر ان كان لا يصل الماء إلى باطنها الا بالنقض: إما لاحكام]
[ ٢ / ١٦٧ ]
الشد أو للتلبد أو لغيرهما فان وصل الماء إليها بدون النقض فلا حاجة إليه: وعن مالك انه لا يجب نقض الضفائر ولا ايصال الماء الي باطن الشعور الكثيفة وما تحتها: وعن أبي حنيفة انه إذا بلغ الماء أصول الشعر فليس على المرأة نقض الضفائر: وعن أحمد ان الحائض تنقض شعرها دون الجنب: لنا الخبر الذى قدمناه ويستثنى من الشعور ما ينبت في العين فان ادخال الماء في العين لا يجب وكذلك باطن]
[ ٢ / ١٦٨ ]
[العقد التى تقع على الشعرات يسامح به وحكي القاضى الروياني وجها آخر انه يلزم قطعها قال [والاكمل ان يغسل ما على بدنه من أذى أولا ثم يتوضأ للصلاة وان لم يكن محدثا ويؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل في أحد القولين ثم يتعهد معاطف بدنه ثم يفيض الماء على رأسه ثم يكرر ثلاثا ثم يدلك وان كانت حائضا تستعل فرصة من مسك أوما يقوم مقامها وماء الغسل والوضوء غير مقدر (ح) وقد يرفق بالقليل فيكفى ويخرق بالكثير فلا يكفي والرفق أولى وأحب] *
[ ٢ / ١٦٩ ]
[كمال الغسل يجب بأمور ذكر منها ثمانية: أحدها ان يغسل ما علي بدنه من أذى أولا: ان اعترض معترض فقال الاذى المذكور اما ان يكون المراد منه الشئ القذر أو النجاسة وكيف يجوز الاول وقد فسر الشارحون قول الشافعي ﵁ ثم يغسل ما به من أذى بموضع الاستنجاء
إذا كان قد استنجي بالحجر وهذا تفسير له بالنجاسة وكذلك فسروا لفظ الاذى في الخبر وان كان الثاني فكيف عطف النجاسة على الاذى في الوسيط والعطف يقتضى المغايرة ثم من علي بدنه نجاسة لابد له من ازالة النجاسة أولا ليعتد بغسله ووضوئه وإذا كان كذلك كان غسل الموضع عن]
[ ٢ / ١٧٠ ]
[النجاسة من الواجبات لا من صفات الكمال (الجواب) قلنا من علي بدنه نجاسة لو اقتصر علي الاغتسال والوضوء وزالت تلك النجاسة طهر المحل وهل يرتفع الحدث وجهان حكاهما في المعتمد وغيره: فان قلنا بارتفاع الحدث أمكن عد ازالة النجاسة من جملة صفات الكمال ولعل من عده منها]
[ ٢ / ١٧١ ]
[صار إلى ذلك الوجه: وان قلنا لا يرتفع الحدث وهو الظاهر من المذهب فالاذى المعدود ازالته من جملة صفات الكمال انما هو الشئ المستقذر: واعلم انا إذا جرينا علي ظاهر المذهب وهو انه لا يرتفع الحدث إذا كان علي بدنه نجاسة حتى يغسل النجاسة أولا ثم يغسل الموضع عن الحدث فكما لا يصح عد ازالة النجاسة من كمال الغسل لا يصح عدها من أركانه أيضا خلافا لكثير من أصحابنا حيث قالوا واجبات الغسل ثلاثة: غسل النجاسة ان كانت علي البدن والنية وايصال الماء الي الشعر والبشرة لنا انه لو كان من واجبات نفس الغسل لكان الترتيب معتبرا في أركان الغسل لاشتراط تقديم ازالة النجاسة وقد اتفقوا على انه لا ترتيب في الغسل ولان الامر في الوضوء والغسل واحد ولم يعده]
[ ٢ / ١٧٢ ]
[أحد من أركان الوضوء فإذا تقديم ازالة النجاسة شرط فيهما وشرط الشئ لا يعد من نفس ذلك الشئ كالطهارة وستر العورة لا يعدان من أفعال الصلاة وأركانها: واما من جمع بين الاذى والنجاسة وعد ازالتهما من كمال الغسل لم ينتظم ما فعله في النجاسة الا علي قولنا ان الغسلة الواحدة كافية عن الخبث والحدث جميعا ولم يتفق المفسرون لكلام الشافعي ﵁]
[ ٢ / ١٧٣ ]
[على ان المراد من الاذى النجاسة بل اختلفوا منهم من فسره بها ومنهم من فسره بالمنى ونحوه مما
يستقذر: حكي هذا الخلاف القاضى أبو القاسم بن كج وغيره ولعل ذلك بحسب الاختلاف في المسألة المذكورة والله اعلم: الثاني ان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة: روت عائشة ﵂ انه صلى]
[ ٢ / ١٧٤ ]
[الله عليه وسلم كان إذا غتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها اصول شعره ثم يفيض الماء على جلده كله: واعلم ان قوله في الاصل ويتوضأ وضوءه للصلاة وان لم يكن محدثا يشعر بالطراد الاستحباب فيما إذا كان يغتسل عن الجنابة المجردة وفيما إذا]
[ ٢ / ١٧٥ ]
[انضم الحدث إلى الجنابة وانما يتضح ذلك بتصوير الجنابة المجردة أولا فنقول من صور ذلك: اتيان الغلام والبهيمة يوجب الجنابة دون الحدث لفقد أسبابه الاربعة ومنها ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج في فرج امرأة تحصل الجنابة علي قولنا ان الخرقة الحائلة لا تمنع حصول الجنابة وقد قدمنا الخلاف فيه ولا يحصل الحدث لان اللمس انما يوجب الحدث إذا لم يكن بين البشرتين حائل ومنها إذا انزل بفكر]
[ ٢ / ١٧٦ ]
[ونظر أو احتلم قاعدا ممكنا مقعده من الارض تحصل الجنابة دون الحدث علي ما سبق في باب الاحداث وألحق المسعودي بهذه الصور الجماع مطلقا وقال انه يوجب الجنابة لا غير واللمس الذى يتضمنه يصير مغمورا به كما ان خروج الخارج الذى يتضمنه الانزال يصير مغمورا به واستشهد على ما ذكره بان من جامع في الحج يلزمه بدنة وان كان متضمنا للمس ومجرد اللمس يوجب شاة وعند الاكثرين بالجماع يحصل الحدثان جميعا ولا يندفع اثر اللمس الذى يتضمنه الجماع بخلاف اندفاع اثر خروج الخارج الذى يتضمنه الانزال لان اللمس يسبق حصول حقيقة
[ ٢ / ١٧٧ ]
[الجماع فيجب ترتيب حكمه عليه وإذا تم حقيقة الجماع وجب حصول الجنابة ايضا: وفى الانزال لا يسبق خروج الخارج الانزال بل إذا نزل حصل خروج الخارج وخروج المنى وموجب خروج المنى أعظم الحدثين فيدفع حلوله حلول الاصغر معه كما سبق: وأما مسألة المحرم فممنوع على وجه
وعلى التسليم ففى الفدية معنى الزجر والمؤاخذة وسبيل الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد: الا يرى ان مقدمات الزنا لو تجردت أوجبت التعزير وإذا أفضت إلى الزنا لم يجب التعزير مع الحد: واما ههنا فالحكم منوط بصورة اللمس ولهذا لا يفرق فيه بين العمد والنسيان: وإذا عرفت ذلك فنقول]
[ ٢ / ١٧٨ ]
[ان تجردت الجنابة فالوضوء محبوب في الغسل عنها وان اجتمع الحدث والجنابة فقد حكينا في باب صفة الوضوء الخلاف في انه هل يكفيه الغسل أم يجب معه الوضوء فان اكتفينا بالغسل فالوضوء فيه محبوب كما لو كان يغتسل عن مجرد الجنابة وعلى هذا ينتظم القول باستحباب الوضوء علي الاطراد اما إذا أوجبنا معه الوضوء امتنع القول باستحبابه في الغسل ولا صائر إلى أنه يأتي بوضوء مفرد وبوضوء آخر لرعاية كمال الغسل ولا ترتيب علي هذا الوجه بين الوضوء والغسل بل يقدم منهما ما شاء ولابد من إفراد الوضوء بالنية لانها عبادة مستقلة علي هذا بخلاف ما إذا كان من محبوبات
[ ٢ / ١٧٩ ]
[الغسل فانه لا يحتاج إلى إفراده بنية: ثم الوضوء المحبوب في الغسل هل يتمه في ابتداء الغسل أم يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل: فيه قولان أظهرهما انه يتمه ويقدم غسل الرجلين مع سائر اعضاء الوضوء لما سبق من حديث عائشة فانها قدمت الوضوء على افاضة الماء والوضوء ينتظم غسل الرجلين: وثانيهما انه يؤخره إلى آخر الغسل وبه قال أبو حنيفة لان ميمونة وصفت غسل
[ ٢ / ١٨٠ ]
[رسول الله ﷺ فقالت (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض علي سائر جسده ثم تنحى فغسل رجليه) ولا كلام في ان أصل السنة يتأدي بكل واحد من الطريقين انما الكلام في الاولى (الثالث) يتعهد من بدنه الموضع الذي فيه انعطاف والتواء كالاذنين فيأخذ]
[ ٢ / ١٨١ ]
[كفا من الماء ويضع الاذن برفق عليه ليصل إلى معاطفه وزواياه ولغضون البطن إذا كان سمينا وكذلك يفعل بمنابت الشعر فيخلل أصول الشعر ومنابته وكل ذلك قبل افاضة الماء على الرأس]
[ ٢ / ١٨٢ ]
[وانما يفعل ذلك ليكون أبعد عن الاسراف في الماء وأقرب إلى الثقة بوصول الماء (الرابع) يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الايمن ثم علي الشق الايسر ويروى ذلك في صفة غسل رسول الله صلي الله عليه وسلم (الخامس) يكرر غسل البدن ثلاثا كما في الوضوء بل أولى لان الوضوء مبني]
[ ٢ / ١٨٣ ]
[على التخفيف فان كان ينغمس في الماء انغمس ثلاث مرات وهل يستحب تجديد الغسل: فيه وجهان أحدهما نعم كالوضوء: وأظهرهما لا لان الترغيب في التجديد انما ورد في الوضوء والغسل ليس في معناه لان موجب الوضوء أغلب وقوعا واحتمال عدم الشعور به أقرب فيكون الاحتياط فيه أتم (السادس)]
[ ٢ / ١٨٤ ]
[يدلك ما وصل إليه يده من بدنه يتبع به الماء والفائدة ما ذكرنا في التعبد: وقال مالك يجب الدلك لنا قوله ﷺ (أما انا فاحثي علي رأسي ثلاث حثيات من الماء فإذا أنا قد طهرت) رتب الطهارة على افاضة الماء ولم يتعرض المدلك (السابع) إذا اغتسلت الحائض تتعهد أثر الدم]
[ ٢ / ١٨٥ ]
[بمسك أو طيب آخر بان تجعله على قطنة وتدخلها في فرجها: روى عن عائشة ان امرأة جاءت الي رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض فقال خذى فرصة من مسك فتطهري]
[ ٢ / ١٨٦ ]
[بها فلم تعرف ما أراد فاجتذبتها وقلت تتبعي بها آثار الدم: والفرصة القطعة من كل شئ ذكره ثعلب]
[ ٢ / ١٨٧ ]
[ويروي خذى فرصة ممسكة قال في العربين الفرصة القطعة من الصوف والقطن فالاولى المسك فان لم تجده استعملت طيبا آخر فان لم تجد فطينا لقطع الرائحة الكريهة فان لم تجد كفي الماء والنفساء كالحائض]
[ ٢ / ١٨٨ ]
[في ذلك (الثامن) ماء الوضوء والغسل غير مقدر: قال الشافعي ﵁ وقد يخرق بالكثير
فلا يكفى ويرفق بالقليل فيكفى والاحب أن لا ينقص ماء الوضوء من مد وماء الغسل من صاع]
[ ٢ / ١٨٩ ]
[لما روى انه ﷺ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وروى انه قال (سيأتي أقوام يستقلون هذا فمن رغب في سنتي وتمسك بعث معى في حضيرة القدس) والصاع والمد معتبران
[ ٢ / ١٩٠ ]
[على التقريب دون التجديد والله أعلم * وحكي بعض مشايخنا عن أبي حنيفة انه يتقدر ماء الغسل بصاع فلا يجوز أقل منه وماء الوضوء بمد وربما حكي ذلك عن محمد بن الحسن لنا ان ثبتت الرواية
[ ٢ / ١٩١ ]
[عنهما ما روى انه صلي الله عليه وسلم توضأ بنصف مد وروى أيضا انه ﵊ توضأ بثلث مد ونختم الباب بكلامين (أحدهما) انه ادخل كلمة ثم في معظم هذه الآداب وهى على حقيقتها في الترتيب الا في قوله ثم يدلك بعد قوله ثم يكرر ثلاثا فان الدلك لا يكون متأخرا عن التكرار ثلاثا بل الدلك في كل غسلة معها (الثاني) ان كمال الغسل لا ينحصر فيما ذكره بل له مندوبات أخر منها ما بيناه في فصل سنن الوضوء ومنها أن يستصحب النية إلى آخر الغسل ومنها أن لا يغتسل في الماء الراكد ومنها أن يقول في آخره أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله]
[ ٢ / ١٩٢ ]
[قال * (كتاب التيمم) * (وفيه ثلاثة أبواب) [الباب الاول فيما يبيح التيمم وهو العجز عن استعمال الماء وللعجز أسباب سبعة: الاول فقدان الماء وللمسافر أربعة أحوال الاولى أن يتحقق عدم الماء حواليه فيتيمم من غير طلب (و)]
[ ٢ / ١٩٣ ]
[لابد من النظر في انه متى يتيمم وكيف يتيمم ولم يتيمم فجعل (الباب الاول) فيما يبيح التيمم فحينئذ يتيمم
والثاني في كيفيته: والثالث في حكمه ليعرف ما يستفاد به ومالا يستفاد فانه انما يتيمم لفائدته: الباب الاول في المبيح وهو شئ واحد وهو العجز عن استعمال الماء والمراد منه أن يتعذر استعمال الماء عليه أو ينغمس للحوق ضرر ظاهر وأسباب العجز فيما ذكره سبعة (أحدها) فقد الماء قال الله تعالى (فلم تجدوا الماء فتيمموا) وللمسافر أربع احوال لانه اما أن يتيقن وجود الماء حواليه أو لا يتيقنه فان لم يتيقنه فاما أن يتيقن عدمه وهو الحالة الاولى أو لا يتيقن عدمه أيضا بل يتردد وهو
[ ٢ / ١٩٤ ]
[الثانية وان تيقنه فاما ان لا يزحمه غيره على الاخذ والاستيفاء وهو الحالة الثالثة أو يزحمه غيره عليه وهو الرابعة: الحالة الاولى أن يتحقق عدم الماء حواليه مثل أن يكون في بعض رمال البوادى فيتيمم وهل يفتقر إلى تقديم الطلب عليه فيه وجهان (أحدهما) نعم لان الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وانما يقال لم يجد إذا فقد بعد الطلب وأظهرهما وهو الذى ذكره في الكتاب انه لا حاجة الي الطلب لان الطلب مع يقين العدم عبث: وأما ذكر الاول في الاستدلال بالآية ممنوع]
[ ٢ / ١٩٥ ]
قال [الثانية: أن يتوهم وجود الماء حواليه فليتردد (ح) الرجل الي حد يلحقه غوث الرفاق فلو دخل عليه وقت صلاة أخرى ففى وجوب اعادة الطلب وجهان] إذا لم يتيقن عدم الماء حواليه بل جوز وجوده تجويزا قريبا أو بعيدا وجب تقديم الطلب على التيمم لان التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع امكان الطهارة بالماء: ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت فحينئذ تحصل الضرورة: وهل يجب أن يطلب بنفسه أم يجوز أن ينيب غيره فيه وجهان: أظهرهما أنه يجوز الانابة حتى لو بعث النازلون واحدا ليطلب الماء أجزأ طلبه عن الكل ولا خلاف أنه لا يسقط بطلبه الطلب عمن لم يأمره ولم يأذن له فيه: وكيفية الطلب ان يبحث
[ ٢ / ١٩٦ ]
[عن رحله ان كان وحده ثم ينظر يمينا وشمالا وخلفا وقداما إذا كان في مستو من الارض ويخص مواضع الخضرة واجتماع الطيور بمزيد الاحتياط وان لم يكن الموضع مستويا واحتاج إلى التردد
نظر * فان كان يخاف على نفسه وماله فلا يجب ذلك لان الخوف يبيح له الاعراض عند تيقن الماء فعند التوهم أولى وان لم يخف: وهذه الحالة هي المحكوم فيها بقوله في الكتاب فعليه أن يتردد إلى حد يلحقه غوث الرفاق وهذا الضابط مستفاد من امام الحرمين ﵀: قال لا نكلفه البعد عن مخيم الرفقة فرسخا أو فرسخين وان كانت الطرق آمنة: ولا نقول لا يفارق طنب الخيام فالوجه القصد أن يتردد ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرفقة لاغاثوه مع ماهم عليه من التشاغل بالاشغال والتفاوض]
[ ٢ / ١٩٧ ]
[في الاقوال وهذا يختلف باستواء الارض واختلافها صعودا وهبوطا وهذا الضبط لا يكفى في كلام غير لكن الائمة من بعده تابعوه عليه وليس في الطرق ما يخالفه: هذا إذا كان وحده فان كان في رفقة وجب البحث عنهم أيضا إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى الا ما يسع لتلك الصلاة وفى وجه إلى ان: يستوعبهم أو لا يبقى من الوقت الا ما يسع ركعة وفى وجه إلى أن يستوعبهم وان خرج وقت الصلاة وإذا عرف أن معهم ماء فهل يجب استيهابه من صاحبه: فيه وجهان: أحدهما لا: لصعوبة السؤال علي أهل المروءة: والثاني وهو الاظهر نعم: لانه ليس في هبة الماء كثير منة وهذان الوجهان يخرجان على ظاهر المذهب في أنه إذا وهب منه الماء وجب عليه قبوله
[ ٢ / ١٩٨ ]
[وفيه وجه نذكره من بعد: وكل ما ذكرناه فيما إذا لم يسبق تيمه تيمم آخر وطلب للماء فان اتفق ذلك واحتاج إلى التيمم مرة أخرى اما لبطلان الاول بحدث أو لفريضة أخري فائتة أو مؤداة فهل يفتقر الى اعادة الطلب نظر ان انتقل من ذلك المكان إلى مكان آخر أو اطبقت غمامة أو طلع ركب ومنا أشبه ذلك مما يظن عنده حصول الماء وجب الطلب كما في التيمم الاول نعم كل موضع تيقن بالطلب أنه لا ماء فيه ولم يجوز بالسبب الذي حدث حصوله فيه لم يحتج إلى البحث والطلب في ذلك الموضع على ظاهر المذهب كما سبق: وان لم ينتقل عن ذلك الموضع ولم يحدث شئ يوهم حصول الماء فان تيقن بالطلب الاول أن لا ماء ثم فعلي ما ذكرنا في حالة يقين العدم: وان لم يتيقنه بل غلب على ظنه العدم فوجهان: أحدهما أنه لا يحتاج الي اعادة الطلب لانه لو كان ثم ماء
[ ٢ / ١٩٩ ]
[لظفر به بالطلب الاول ظاهرا: وأظهرهما أنه يجب الطلب ثانيا لانه قد يطلع على بئر خفيت عليه أو يجد من يدله علي الماء لكن يجعل الطلب الثاني أخف من الاول وإذا عرفت ما ذكرناه وتأملت قوله فان دخل عليه وقت صلاة أخرى ففى وجوب اعادة الطلب وجهان: فينبغي أن لا يخفى عليك منه شيئآن: أحدهما أن هذا الخلاف غير مخصوص بما أذا دخل عليه وقت صلاة آخرى بل مهما احتاج إلى اعادة التيمم اما لهذا السبب أو لان تيممه الاول قد بطل بعروض حدث أو طلوع ركب: جرى الوجهان سواء تخلل بين التيممين زمان أو لم يتخلل: والثاني ان]
[ ٢ / ٢٠٠ ]
[كلامه وان كان مطلقا لكن الشرط في صورة الخلاف أن لا يحدث سبب يوهم حدوث الماء من الانتقال إلى مكان آخر أو طلوع ركب ونحوهما والا وجب اعادة لطلب بلا خلاف وان لا يكون العدم مستيقنا بمقتضى الطلب الاول والا فإذا استيقن العدم ولم يحدث ما يوهم حصول الماء كان اليقين الاول مستمرا ولا معني للطلب مع يقين العدم كما تقدم: ولك أن تعلم قوله فليتردد الرجل بالحاء لامرين أحدهما أن عند أبي حنيفة ليس علي المتيمم طلب الا إذا غلب على ظنه ان بقربه ماء: والثاني أن عنده صلاة العيد وصلاة الجنازة يجوز ان يتيمم لهما إذا خاف الفوت لو اشتغل بالوضوء وان كان الماء موجودا عنده وكلام الكتاب مطلق *]
[ ٢ / ٢٠١ ]
[قال الثالثة ان يتيقن وجود الماء في حد القرب فيلزمه (ح) ان يسعى إليه وحد القرب إلى حيث يتردد إليه المسافر للرعي والاحتطاب وهو فوق حد الغوث فان انتهى العبد إلى حيث لا يجد الماء في القوت فلا يلزمه وان كان بين الرتبتين فقد نص أنه يلزمه إذا كان علي يمين المنزل أو يساره ونص فيما إذا كان على صوب مقصده انه لا يلزمه فقيل قولان وقيل بتقرير النصين لان جوانب المنزل منسوبة إليه دون صوب الطريق] * إذا تيقن وجود الماء حواليه فله ثلاث مراتب احداها ان يكون علي مسافة ينتشر إليها
النازلون في الاحتطاب والاحتشاش وتنتهي البهائم إليها في الرعى فيجب السعي إليه والوضوء به]
[ ٢ / ٢٠٢ ]
[لانه إذا كان يسعي لاشغاله إلى هذا الحد فلمهم العبادة أولى وهذا فوق حد الغوث الذى يسعى إليه عند التوهم قال الامام محمد بن يحيى ولعله يقرب من نصف فرسخ: (الثانية) أن يكون بعيدا عنه بحيث لو سعى إليه الفاته فرض الوقت فيتيمم ولا يسعى إليه لانه فاقد في الحال ولو وجب انتظار الماء مع خروج الوقت لما ساغ التيمم أصلا بخلاف مالو كان واجدا للماء وخاف فوات الوقت لو توضأ حيث لا يجوز له التيمم لانه ليس بفاقد على ان صاحب التهذيب حكي في هذه الصورة وجها انه يتيمم ويصلى لحرمة الوقت ثم يتوضأ ويعيد: وقد يقول الناظر أيعتبر كونه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت من حين نزوله في ذلك المنزل أو من أول وقت الصلاة لو كان نازلا فيه فان كان الاول فقد
[ ٢ / ٢٠٣ ]
[يكون الماء في حد القرب ولو سعى إليه لفابه فرض الوقت لنزوله في آخر الوقت فإذا لم نوجب السعي إليه بطل اطلاق قولنا انه إذا كان الماء في حد القرب لزم السعي إليه وان اعتبرنا من أول وقت الصلاة فمواقيت الصلاة مختلفة في الطول والقصر فما الذى يفعل انعتبر الوسط منها كما يفعل في حد القرب فان القدر الذى ينتشر إليه المسافر لحاجة مختلف صيفا وشتاء وتؤثر فيه وعورة المكان وسهولته وما أشبه ذلك والمعتاد في نظائر ذلك الاخذ بالوسط المعتدل أم نعتبر في كل صلاة وقتها فتختلف المسافة التى يحتاج إلى قطعها أم كيف الحال ولو كان يتيمم لفائتة فكيف يقدر فوات وقتها لو سعى إلى الماء أيقال وقتها أول حالة التذكر فيلزم ان لا يسعى الي الماء في حد القرب لانه زمان يسير أو]
[ ٢ / ٢٠٤ ]
[لا يقال هذا ويحنئذ لا يفرض لها وقت آخر يفوت بالسعي الماء ولو كان يتيمم للنوافل وجوزنا ذلك فكيف نعتبر الوقت فيها وهل نجعل مواقيت الفرائض الخمس معيارا للفوائت والنوافل أم لا: والجواب الاشبه بكلام الائمة ان الاعتبار من أول وقت الصلاة لو كان نازلا في ذلك المنزل ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات فان الغرض صيانة وظيفة الوقت عن الفوات وعلى هذا إذا
انتهى الي المنزل في آخر الوقت وكان الماء في حد القرب لزم السعي إليه والوضوء به وان كان يفوته فرض الوقت كما لو كان الماء في رحله وفاته الفرض لو توضأ والاشبه ان نجعل وقت الحاضرة معيارا في الفوائت والنوافل فانها الاصل والمقصد بالتيمم غالبا والله أعلم: الثالثة ان يكون بين الرتبتين]
[ ٢ / ٢٠٥ ]
[وتزيد المسافة علي التي يتردد المسافر إليها لحاجاته ولا ينتهي الي حد خروج الوقت فهل يلزمه السعي إليه أم يجوز له التيمم نص الشافعي على انه إذا كان على يمين المنزل أو يساره يلزمه السعي إليه ولا يجوز له التيمم وفيما إذا كان على صوب مقصده انه لا يجب السعي إليه وله التيمم فاختلف الاصحاب فيه على طريقتين أحداهما تقرير النصين: والثانية جعل المسئلتين علي قولين نقلا وتخريجا ولنبين أولا معنى قول المذهبيين في المسئلتين قولان بالنقل والتخريج فنقول إذا ورد نصان عن صاحب المذهب مختلفان في صورتين متشابهتين ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقا فالاصحاب يخرجون نصه في كل واحدة من الصورتين في الصورة الاخرى لاشتراكهما في المعني فيحصل في كل واحدة
[ ٢ / ٢٠٦ ]
[من الصورتين قولان منصوص ومخرج: المنصوص في هذه هو المخرج في تلك والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه فيقولون فيهما قولان بالنقل والتخريج أي نقل المنصوص في هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها وكذلك بالعكس ويجوز ان يراد بالنقل الرواية ويكون المعني في كل واحدة من الصورتين قول منقول أي مروي عنه وآخر مخرج: ثم الغالب في مثل ذلك عدم اطباق الاصحاب على هذا التصرف بل ينقسمون إلى فريقين منهم من يقول به ومنهم من يأبي ويستخرج فارقا بين الصورتين يستند إليه افتراق النصين وانما ذكرنا هذا الكلام في هذا الموضع لانه]
[ ٢ / ٢٠٧ ]
[أول موضع ذكر فيه المصنف النقل والتخريج وإذا عرف ذلك فنقول أما من قرر النصين فرق بان المسافر قد يتيامن ويتياسر في حوائجه ولا يمضى في صوب مقصده ثم يرجع قهقرى وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه: واما من جعل الصورتين على قولين وجه تجويز التيمم بانه
فاقد للماء في الحال والمنع بانه قادر على الوصول الي الماء والتيمم انما يعدل إليه عند الضوررة وهذه الطريقة أظهر من الاولى لان لاصحابها ان يقولوا للاولين المسافر مادام سائر الا يعناد المضي يمينا وشمالا كمالا يرجع قهقرى *]
[ ٢ / ٢٠٨ ]
[وإذا كان في المنزل ينتشر في الجوانب كلها ويعود إلى منزله فالفرق ممنوع وما ذكرناه من الطريقين نقل صاحب الكتاب وامام الحرمين في آخرين: وقال في التهذيب إذا كان الماء على طريقه وهو يتيقن الوصول إليه قبل خروج الوقت وصلى في آخر الوقت بالتيمم جاز وقال في الاملاء لا يجوز بل يؤخر حتى يأتي الماء والاول المذهب وان كان الماء على يمينه أو يساره أو ورائه لم يلزمه اتيانه وان امكن في الوقت لان في زيادة الطريق مشقة عليه كما لو وجد الماء يباع باكثر من ثمن المثل لا يلزمه الشراء: وقيل لا فرق بل متى امكنه ان يأتي الماء في الوقت من غير خوف فلا فرق بين ان يكون على يمينه أو يساره أو أمامه * في جواز التيمم قولان هذا ما رواه وبينه وبين الكلام]
[ ٢ / ٢٠٩ ]
[الاول بعض المباينة توجيها وحكما: أما التوجيه فظاهر واما الحكم فلان هذا الكلام انما يستمر في حق السائر وقضيته نفى الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل لانه يحتاج إلى الرجوع في المنزل من أي جانب مضي إلى الماء وفى زيادة الطريق مشقة: وأما الكلام الاول فقضيته الفرق بين الجوانب في حق المنازل ايضا الا أن الفرق ممنوع كما تقدم وأيضا فان منقول صاحب الكتاب يقتضى كون السعي إلى ما يكون علي اليمين واليسار أولى بالايجاب وما ذكره في التهذيب يقتضى كون الايجاب فيما على صوب القصد أولي لانه جعل فيه قولين وفيما على اليمين واليسار طريقين وجزم في أحدهما بنفى الوجوب: واعلم أن ظاهر المذهب جواز التيمم وان علم الوصول إلى الماء]
[ ٢ / ٢١٠ ]
[في آخر الوقت روى أن ابن عمز ﵁ أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم وصلى العصر فقيل له أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك فقال أو أحيى حتى أدخلها ثم دخل
المدينة والشمس حية مرتفعة فلم يعد الصلاة وإذا جاز التيمم في حق من يعلم الانتهاء إلى الماء في صوب سفره فأولى أن يجوز للنازل في بعض المراحل إذا كان الماء على يمينه أو يساره لزيادة مشقة السير لو سعى إليه وإذا جاز التيمم للنازل فهو للسائر أجوز وهذا في حق المسافر أما]
[ ٢ / ٢١١ ]
[المقيم فذمته مشغولة بالقضاء وان صلى بالتيمم وليس له أن يصلى بالتيمم وان خاف فوت الوقت لو سعى إلى الماء وتوضأ واذ كان ممنوعا من الصلاة بالتيمم مع فوات الوقت فأولى أن يكون ممنوعا عنها في أول الوقت قال [ثم ان تيقن وجور الماء قبل مضى الوقت فالاولى التأخير قولا واحدا فان توقعه بظن غالب فقولان لتقابل نفس فضيلة أول الوقت مع ظن ادراك الوضوء]
[ ٢ / ٢١٢ ]
[هذا تفريع على جواز التيمم وان أمكن الوصول إلى الماء قبل مضى الوقت وقد ذكرنا الخلاف فيه فان جوزناه وهو المذهب فنقول الاولى ان يؤخر ليصلى بالوضوء أو أن يجعل الصلاة بالتيمم نظر ان تيقن وجود الماء في آخر الوقت فالاولي أن يؤخر ليصلى بالوضوء لان فضيلة الصلاة بالوضوء وان كان في آخر الوقت أبلغ من فضيلة الصلاة بالتيمم في أوله ألا يرى أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها في أوله ولا]
[ ٢ / ٢١٣ ]
[يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء هذا ما قطع به الاكثرون وبه قال صاحب الكتاب حيث قال قولا واحدا وحكي في التيمم خلافا في أن الاولى التقديم أو التأخير على ما سنحكي نظيره في الحالة الثانية فلك أن تعلم قوله قولا واحدا بالواو اشارة إلى هذا الخلاف وان لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت ولكن رجاه فقولان أصحهما التعجيل في أول الوقت بالتيمم لانه سئل رسول الله ﷺ عن]
[ ٢ / ٢١٤ ]
[أفضل الاعمال فقال (الصلاة في آول وقتها) ولم يفرق بين أن يكون بالوضوء أو التيمم ولان فضيلة الاولوية ناجزة وهى تفوت بالتأخير يقينا وفضيلة الوضوء غير معلومة الحصول فصيانة الناجز عن يقين الفوات أولى من المحافظة على أمر موهم: والثاني وبه قال أبو حنيفة أن التأخير أفضل
لان الايراد بالظهر وتأخيرها عند شدة الحر مأمور به كي لا يختل معنى الخشوع فالتأخير لادراك الوضوء أولي أن يؤمر به * واحتج في الوسيط للقول الاول بأن تعجيل الصلاة منفردا أفضل]
[ ٢ / ٢١٥ ]
[من تأخيره لحيازة الجماعة وكذلك فعل امام الحرمين: لكن أبا علي الطبري ذكر في الافصاح أن التأخير لحيازة الجماعة أفضل واحتج به للقول الثاني وتوسط آخرون فجعلوا المسألة على وجهين مبنيين على القولين في المسألة التى نحن فيها ثم لا يخفى أن موضع القولين ما إذا اقتصر على صلاة واحدة أما إذا صلى بالتيمم في أول الوقت وبالوضوء في آخره فهو النهاية في أحراز الفضيلة: ولك أن تبحث عن قوله وان توقعه بظن غالب فنقول لم قيده بالظن الغالب ولم يقتصر على مجرد التوقع فاعلم أن التوقع]
[ ٢ / ٢١٦ ]
[يشمل الظن ومجرد التجويز فلو لم يقل بظن غالب لدخل فيه ما إذا تساوى الطرفان عنده فلم يظن الوجود في آخر الوقت ولا العدم وما أذا ظن العدم وجوز الوجود ولا جريان للقولين في هاتين الحالتين بل الحكم فيهما أو لوية التعجيل لا محالة وموضع القولين ما إذا ترجح عنده الوجود على العدم وان لم يتيقنه فلذلك قال بظن غالب وربما وقع في كلام بعضهم نقل القولين فيما إذا لم يظن الوجود ولا العدم ولا وثوق به وكأن ذلك القائل اراد بالظن اليقين]
[ ٢ / ٢١٧ ]
[قال [الرابعة أن يكون الماء حاضرا كماء البئر يتنازع عليها الواردون وعلم أن النوبة لا تنتهى إليه الا بعد خروج الوقت فقد نص فيه وفى مثله في الثوب الواحد يتناوب عليه جماعة من العراة أنه يصبر: ونص في السفينة انه يصلي قاعدا إذا ضاق محل القيام ولا يصبر فقيل سببه أن القعود أهون ولذلك جاز في النفل مع القدرة على القيام وقيل قولان بالنقل والتخريج] * إذا زاحمه غيره على الاستقاء كما إذا انتهوا إلى بئر ولم يمكن الاستقاء الا بالمناوبة اما لاتحاد الآلة أو لضيق موضع النازح فان توقع]
[ ٢ / ٢١٨ ]
[النوبة إليه قبل خروج الوقت لم يتيمم فلعله يجد فرصة للوضوء: وان علم انه لا تنتهى النوبة إليه الا
بعد الوقت فقد حكي عن نص الشافعي ﵁ أنه يصبر إلى أن يتوضأ ولا يبالى بخروج الوقت: ولو حضر جمع من العراة وليس ثم الاثوب واحد يصلون فيه على التناوب وعلم أن النوبة لا تنتهى إليه الا بعد الوقت نص انه يصبر أيضا ولا يصلى عاريا يفى الوقت ولو اجتمعوا في سفينة أو بيت ضيق وهناك موضع واحد يمكن فيه الصلاة قائما نص انه يصلي في الوقت قاعدا ولا يصبر]
[ ٢ / ٢١٩ ]
[إلى انتهاء النوبة إليه بعد الوقت وهذا يخالف النص في المسألتين الاولين فاختلف الاصحاب على طريقين أظهرهما وبها قال أبو زيد المروزى لا فرق والمسائل كلها على قولين بالنقل والتخريج أظهرهما أنه يصلي في الوقت بالتيمم و؟ ريا وقاعدا لان؟ رمة الوقت لابد من رعايتها والقدرة بعد الوقت لا تأثير لها في صلاة الوقت: والثاني انه يصبر لوجود القدرة على الوضوء واللبس والقيام: (الثانية) تقرير النصين: والفرق أن تقرير أمر القعود أسهل من أمر الوضوء واللبس ولهذا جاز تركه في النفل]
[ ٢ / ٢٢٠ ]
[مع القدرة على القيام بخلاف التيمم وكشف العورة لا يحتمل في النفل كما في الفرض وهذا الفرق حكاه الشيخ أبو محمد عن القفال قال امام الحرمين هذا ضعيف لان القيام ركن في صلاة الفرض فمن أين ينفع حطه في صلاة أخرى: وللفارق أن يقول الواجب في نوعي الفرض والنفل أهم من الواجب في أحدهما فيكون أبعد عن قبول المسامحة وينتظم الفرق: وقال كثيرون من الاصحاب لا نص للشافعي في مسألة البير لكن نص في المسألتين الاخريين على ما سبق فمنهم من نقل وخرج ومنهم من قرر النصين وفرق بوجهين أحدهما ما سبق: والثاني أن للقيام بدلا]
[ ٢ / ٢٢١ ]
[ينتقل إليه وهو القعود ألا يرى أن قعود المريض كقيام الصحيح وستر العورة لا بدل له فوجب الصبر إلى القدرة عليه وهؤلاء ألحقوا مسألة البير بمسألة السفينة وقالوا لا يصبر لان للوضوء بدلا وهو التيمم: ولك أن تعلم قوله فقد نص فيه وفى مثله في الثوب بالواو لان هؤلاء نفوا أن يكون للشافعي نص في مسألة البير وخالفوا ما رواه: واعلم أن امام الحرمين أجرى الخلاف المذكور في
هذه المسألة فيما إذا ضاق الوقت ولاح للمسافر ولا عائق لكن علم أنه لو اشتعل به لفاتته الصلاة]
[ ٢ / ٢٢٢ ]
[وذكر في الوسيط ذلك أيضا وهو يقتضي اثبات الخلاف في المرتبة الثانية وان لم يذكر ثم قال] فرعان أحدهما لو وجد ماء لا يكفيه لوضوئه يلزمه (ح) استعماله قبل التيمم على أظهر القولين] * إذا وجد الجنب من الماء ما لا يكفيه لغسله أو المحدث ما لا يكفيه لوضوئه ففيه قولان احدهما وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني لا يجب استعماله بل يتيمم كما لو وجد بعض الرقبة لا يجب اعتاقه عن الكفارة بل يعدل]
[ ٢ / ٢٢٣ ]
[إلى الصوم وأصحهما أنه يجب استعماله ويتيمم للباقي لانه قدر على غسل بعض أعضائه فلا يسقط بالعجز عن الباقي فصار كما إذا كان بعض أعضائه جريحا والبعض صحيحا يجب غسل الصحيح وهذا الثاني قوله الجديد والاول القديم: وذكر الشيخ أبو علي والمسعودي أن له في الجديد قولين أحدهما مثل القديم ورواية المزني في المختصر تدل علي ما قالاه فان فرعنا على القول الثاني وجب استعمال الماء أو لا ليصير فاقدا ولهذا قال في الاصل يلزمه استعماله قبل التيمم ثم ان كان
[ ٢ / ٢٢٤ ]
[محدثا غسل به وجهه ثم يديه على الترتيب إلى أن ينفد وان كان جنبا غسل أي عضو شاء اذلا ترتيب في الغسل والاولى أن يستعمله في أعضاء الوضوء وفى الرأس وانما يجب تقديم استعماله علي التيمم إذا وقع الغسل والتيمم عن طهارة واحدة: أما لو أحدث وأجنب ووجد ما يكفى للوضوء به دون الغسل وقلنا الحدث الاصغر لا يدخل في الاكبر بل يجب الوضوء مع الغسل فانه يتوضأ به ويتيمم عن الجنابة ويتخير في التقديم والتأخير: وان قلنا يدخل الاصغر في الاكبر سقط حكمه وواجبه الغسل فيجب تقديم استعماله علي التيمم على هذا القول وكل ما ذكرناه فيما إذا كان الموجود يصلح للغسل: فأماا؟ اكان الشخص محدثا ولم يجد الا ما يصلح للمسح دون الغسل كثلج وبرد لا يذوب ففيه طريقان أظهرهما أنه يكفيه التيمم ها هنا لانا حيث نوجب استعمال الموجود من
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الماء علي المحدث نأمره بتقديمه على التيمم ولا يمكن تقديم مسح الرأس مع بقاء فرض الوجه واليدين عليه: والثاني أنه على القولين فان قلنا يجب استعمال الماء الناقص فقد ذكر أبو العباس الجرجاني من أصحابنا أنه يتيمم علي الوجه واليدين ثم يمسح رأسه ببلل الثلج ثم يتيمم للرجلين وهذا كله إذا وجد ترابا يتيمم به أما إذا وجد المحدث أو الجنب الماء الناقص ولم يجد ما يتيمم به ففيه طريقان أحدهما طرد القولين وأظهرهما أنه يجب استعماله لا محالة لانه لا بدل ينتقل إليه فصار كالعريان يجد ما يستر به بعض عورته يلزمه ستر ما يمكن به بخلاف ما إذا وجد بعض الرقبة ولم يقدر على الصوم والاطعام لا يؤمر بالاعتاق لان الكفارات علي التراخي فقد تطرأ القدرة بعد ذلك فافهم هذه]
[ ٢ / ٢٢٦ ]
[المسائل واعرف موضع القولين اللذين أطلقهما في الكتاب قال [الثاني لو صب الماء في الوقت فتيمم ففى القضاء وجهان وجه وجوبه أنه عصي بصبه بخلاف الصب قبل الوقت وبخلاف ما لم تجاوز نهرا ولم يتوضأ في الوقت] * إذا فوت الماء الذى عنده بالاراقة أو الشرب أو غيرهما واحتاج لذلك الي التيمم فلا خلاف في أنه يتيمم لانه فاقد في الحال وكذلك لو نجسه ثم ننظر ان فعل ذلك قبل دخول الوقت وتيمم في الوقت فلا قضاء عليه سواء فعل ذلك لغرض أو سفها لانه لا فرض عليه ما لم يدخل الوقت وان فعله بعد دخول الوقت فان كان له فيه غرض فكذلك لا قضاء عليه وذلك مثل أن يتبرد به
[ ٢ / ٢٢٧ ]
[أو يشربه لحاجة العطش أو يغسل به ثوبه تنظيفا وكذلك إذا اشتبه عليه الاناء ان واجتهد ولم يغلب على ظنه شئ فاراقهما أو جمع بينهما وتيمم فهو معذور لان فيه غرضا وهو أن لا يكون مصليا بالتيمم وعدنه ماء طاهر بيقين وان فوته لغير غرض وفائدة وتيمم وصلى فهل يجب عليه القضاء: فيه وجهان أظهرهما لا لانه فاقد حين يتيمم فيكفيه البدل كما لو قتل عبده أو أعتقه وكفر بالصوم يجزئه: والثاني نعم لانه عصى بالصب والحالة هذه وسقوط الفرض بالتيمم من قبيل الرخص فلا تناط بالمعاصي بخلاف ما إذا كان الصب قبل الوقت فانه لا يعصى وبخلاف ما إذا كان الصب لغرض فانه معذور ولو اجتاز
بماء في الوقت ولم يتوضأ ثم بعد عنه وصلى بالتيمم فالذي ذكره في الكتاب يشعر بالقطع بانه لاقضاء
[ ٢ / ٢٢٨ ]
[عليه وكذلك أورده صاحب التهذيب وغيره: والفرق أنه لم يصنع شيئا هاهنا وانما امتنع من التحصيل والتقصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل: ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد طرد الوجهين في صورة الاجتياز وهو غريب ولو وهب الماء في الوقت من غير حاجة وعطش للمتهب أو باعه من غير حاجة إلى ثمنه ففى صحة البيع والهبة وجهان أشبهما المنع لان البدل حرام عليه فهو غير مقدور علي تسليمه شرعا وثانيهما الجواز لانه مالك نافذ التصرف والمنع لا يرجع الي سبب يختص بالعقل فلا يوثر في فساد العقد فان قلنا بصحة البيع والهبة فحكم قضاء الصلاة على البائع والواهب ما ذكرنا في الصب لانه فوته بازالة الملك عنه: وان قلنا بعدم الصحة فلا يصح تيممه مادام الماء في]
[ ٢ / ٢٢٩ ]
[يد المبتاع أو الموهوب منه وعليه الاسترداد ار قدر فان لم يقدر وتيمم قضى وان تلف في يده وتيمم ففى القضاء الخلاف المذكور في الاراقة لانه إذا تلف الماء صار فاقدا عند التيمم: ثم إذا أوجبنا القضاء في هذه الصور ففى القدر المقضى ثلاثة أوجه أصحها يقضي تلك الصلاة الواحدة التى فوت الماء في وقتها: والثاني يقضى أغلب ما يؤديه بوضوء واحد: والثالث كل صلاة صلاها بالتيمم * والله أعلم * قال [السبب الثاني أن يخاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم ولو وهب منه الماء أو أعير منه الدلو يلزمه القبول بخلاف ما إذا وهب (ز) ثمن الماء أو الدلو فان المنة فيه تثقل ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه وبمثل الثمن يلزم ألا إذا كان عليه دين مستغرق أو احتاج إليه لنفقة سفره والاصح أن ثمن المثل يعرف بقدر أجرة النقل]
[ ٢ / ٢٣٠ ]
[إذا كان بقربه ماء لكنه يخاف من السعي إليه على نفسه من سبع أو عدو أو على ماله المخلف في المنزل أو الذى معه من غاصب أو سارق فله التيمم وهذا الماء كالمعدوم وكذلك الحكم لو كان في السفينة ولا ماء معه وخاف على نفسه لو استقى من البحر والخوف على بعض الاعضاء كالخوف على النفس ولو خاف
الوحدة والانقطاع عن الرفقة لو سعي الي الماء فان كان عليه ضرر وخوف في الانقطاع لم يلزمه السعي إليه ويتيمم وان لم يكن ضرر فكذلك على أظهر الوجهين وان كان الماء لغيره فوهبه منه فهل عليه قبوله فيه وجهان المذهب أنه يجب وهو الذي ذكره في الكتاب لانه والحالة هذه يعد واجدا للماء والمسامحة غالبة في الماء فلا تعظم منة في قبوله بخلاف ما لو وهب منه الرقبة لا يلزمه القبول لانها]
[ ٢ / ٢٣١ ]
[ليست في محل المسامحة غالبا: والثاني أنه لا يلزمه القبول لانه نوع يكسب للطهارة فلا يلزمه كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء ولو أعير منه الدلو أو الرشاء وجب قبوله لان الاعارة لا يعظم فيها المنة والقادر على قبولها لا يعد فاقدا للماء هكذا أطلقه الاكثرون ومنهم صاحب الكتاب وفصل بعضهم فقال ان لم تزد قيمة المستعار على ثمن مثل الماء وجب القبول وان زادت فلا لان العارية مضمونة وقد يتلف فيحتاج الي غرامة ما فوق ثمن الماء ولو أفترض الماء وجب قبوله في أصح الوجهين لانه انما يطالب عند الوجدان وحينئذ يهون الخروج عن العهدة ولو بيع منه الماء وهو
[ ٢ / ٢٣٢ ]
[لا يملك الثمن لكنه وهب منه فقد أطلق القول في الكتاب بأنه لا يلزمه قبوله لان المنة تثقل فيه كما لا يلزم على العارى قبول الثوب: وحكي بعض الاصحاب فيما إذا وهبه الاب من الابن أو العكس وجهين كالوجهين فيما إذا بذل الابن لابيه أو بالعكس المال في الحج هل يلزمه وهل يصير مستطيعا به وهذا حسن لكن الاظهر ثم أنه لا يجب القبول فيجوز أن يكون اطلاق الجواب هاهنا جريا على الاظهر واقتصارا عليه وهبة آلات الاستقاء كالدلو والرشاء كهبة ثمن الماء في الحكم ولو أقرض منه الثمن فلو كان معسرا لم يلزمه الاستقراض وأن كان موسرا لكن المال غائب فكذلك في أظهر الوجهين بخلاف ما إذا أقرض منه الماء لان الماء في محل المسامحة والقدرة]
[ ٢ / ٢٣٣ ]
[عليه عند توجه المطالبة أظهر وأغلب: ولو بيع منه الماء نسيئة وهو موسر لزم الشراء على أظهر الوجهين لان الاجل لازم هاهنا فلا مطالبة قبل الحلول بخلاف صورة الاقراض ولو ملك الثمن
فكان حاضرا عنده لكنه كان محتاجا لدين مستغرق في ذمته أو لنفقته أو نفقة رقيقه أو حيوان محترم معه أو لسائر مؤنات سفره في ذهابه وايابه فلا يجب عليه الشراء ويعذر في الصرف الي هذه الوجه وان فضل عن حاجته لزمه الشراء إن بيع بثمن المثل لانه قادر على استعمال الماء ويصرف إليه أي نوع من المال كان معه: وان بيع بغبن لا يلزمه الشراء كما لو كان يتلف شئ من ماله لوسعي إلى الماء المباح وظاهر كلامه في الكتاب وعليه الاكثرون أنه لا فرق بين أن يكون الغبن بقدر قليل
[ ٢ / ٢٣٤ ]
[أو كثير ومنهم من قال أبن بيع بزيادة يتغابن الناس بمثلها وجب الشراء ولا عبرة بتلك الزيادة وإذا كان البيع نسيئه وزيد بسبب التأجيل ما يليق به فهو بيع بثمن المثل على أظهر الوجهين وان زاد المبلغ على ثمن مثله نقدا فيجب الشراء على قولنا يجب الشراء بالنسيئة: وكيف يعتبر ثمن مثل الماء وما معناه فيه ثلاثة اوجه: أحدها ثمن مثله قدر أجرة نقله الي الموضع الذى فيه الشخص لانه لا يرغب في الماء بأكثر منه وعلى هذا فالاجرة تختلف باختلاف المسافة طولا وقصرا فيجوز ان يعتبر الوسط المقصد ويجوز أن يعتبر الحد الذى يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء فان ذلك الحد لو لم يقدر علي السعي إليه
[ ٢ / ٢٣٥ ]
[بنفسه واحتاج إلى بذل الاجرة لم ينقل الماء منه إليه يلزمه البذل إذا كان واجدا لها وثانيها أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الاوقات ولا يعتبر ذلك الوقت بخصوصه فان الشربة الواحدة عند العزة يرغب فيها بدنانير كثيرة: وثالثها أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة فان لكل شئ سوقا يرتفع وينخفض وثمن مثل الشئ ما يليق به في تلك الحالة ألا تري أن الرقبة وان كانت غالية بالاضافة إلى عموم الاحوال يجب شراؤها بما يرغب فيها في تلك الحالة وهذا الوجه هو الاظهر عند الاكثرين من الاصحاب والوجه الثاني منقول عن أبي اسحاق واختاره القاضى الرويانى ولم نر أحدا اختار الوجه الاول سوى صاحب الكتاب ومن تابعه]
[ ٢ / ٢٣٦ ]
[وقد ذكر امام الحرمين أن ذلك الوجه مبني علي أن الماء لا يملك فانه إذا لم يملك لم يمكن له ثمن
فاعتبر أجرة النقل: وأشار المسعودي إلى هذا البناء أيضا ومعلوم أن القول بان الماء لا يملك وجهه ضعيف في المذهب فليكن كذلك ما هو مبنى عليه: وادعى في الوسيط أن الوجه الذى اختاره غير مبنى على ذلك الوجه حيث قال أحدها ان ثمن مثله أجرة نقل الماء فبه تعرف الرغبة في الماء وان كان مملوكا على الاصح يعنى أنه وان كان مملوكا فالقدر الذى يرغب به فيه أجرة النقل: وللاكثرين أن يقولوا ان ادعيت أن هذا القدر هو الذى يرغب به في الماء حيث يكثر الماء في البلاد
[ ٢ / ٢٣٧ ]
[وغيرها فهذا مسلم لكن الماء والحالة هذه لا يشتري انما ينقل: وان ادعيت انه القدر الذى يرغب به في الماء حيث يحتاج إلى الشراء فممنوع ولو بيع منه آلات الاستقاء كالدلو والرشاء بثمن المثل وجب شراؤها إذا كان فاقدا لها وكذلك لو أوجرت باجرة مثلها فان باعها مالكها أو أجرها بزيادة لم يجب تحصيلها هكذا ذكروه: ولو قال قائل يجب التحصيل ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء لكان محسنا لان الآلة المشتراة تبقى له وقدر ثمن الماء محتمل التلف في هذه الجهة: ولو لم يجد الا ثوبا وقدر علي شده في الدلو ليستقى لزمه ذلك: ولو لم يكن دلو وأمكن ادلاؤه في البئر ليبتل ويعصر منه ما يتوضأ به لزمه ذلك ولو لم: يصل إلى الماء وأمكن شقه وشد البعض في البعض ليصل وجب: وهكذا كله]
[ ٢ / ٢٣٨ ]
[إذا لم يدخل نقصان أو لم يزد نقصا به عل أكثر الامرين من ثمن مثل الماء وأجرة مثل الحبل قال [الثالث ان يحتاج إلى الماء لعطشه في الحال أو توقعه في المآل أو لعطش رفيقه أو عطش حيوان محترم فله التيمم: وان رات صاحب الماء ورفقاؤه عطشى يمموه وغرموا للورثة الثمن فان المثل لا يكون له قيمة غالبا: ولو أوصي بمائه لاولى الناس به فحضر جنب وحائض وميت فالميت أولى لانه آخر عهده ومن عليه نجاسة أولى من الجنب إذ لا بدل له وفيه مع الميت وجهان: والجنب أولى من المحدث الا إذا كان الماء قدر الوضوء فقط فان انتهى هولاء الي ماء مباح واستووا في اثبات اليد فالملك لهم وكل واحد أولى بملك نفسه وان كان حدث
[ ٢ / ٢٣٩ ]
[غيره أغلظ] في الفصل مسائل: (احداها) لو قدر علي ماء مملوك أو غير مملوك لكنه احتاج إليه لعطشه فله التيمم دفعا لما يلحقه من الضرر لو توضأ والقول فيما يلحقه لو توضأ ولم يشرب يقاس بما سيأتي في المرض المبيح للتيمم: ولو احتاج إليه رفيق له أو حيوان آخر محترم للعطش دفعه إليه اما مجانا أو بعوض وتيمم وللعطشان أن يأخذه منه قهرا لو لم يندله له وغير المحترم من الحيوان هو الحربي والمرتد والخنزير والكلب العقور وسائر الفواسق الخمس وما في معناها وكان والذى ﵀ يقول ينبغي أن يقال لو قدر على التطهر به وجمعه في ظرف ليشربه لزم ذلك ولم يجز التيمم وما ذكره يجيئ وجها]
[ ٢ / ٢٤٠ ]
[في المذهب لان أبا علي الزجاجي وأقضي القضاة الماوردى وآخرين ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر وآخر نجس وهو عطشان يشرب النجس ويتوضأ بالطاهر: وإذا امر بشرب النجس ليتوضأ بالطاهر فاولى أن يؤمر بالوضوء وشرب المستعمل وهل يفترق الحال بين أن تكون هذه الحاجة ناجزة أو متوقعة في المآل اما في عطش نفسه فلا فرق بل توقعه مالا لاعواز غير
[ ٢ / ٢٤١ ]
[ذلك الماء طاهرا كحصوله حالا: واما في عطش الرفيق والبهيمة فقد أبدى فيه امام الحرمين ترددا فيه وتابعه عليه في الوسيط والظاهر الذى اتفق عليه المعظم انه يتزود لرفيقه ويتيمم كما يفعل ذلك لفسه إذ لا فرق بين الروحين في الحرمة: (الثانية) قال الشافعي ﵁ إذا مات رجل له ماء ورفقاؤه يخافون العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه وانما جاز لهم شربه وان كان فيه تفويت غسل]
[ ٢ / ٢٤٢ ]
[الميت عليه لانهم يخافون علي مهجهم وليس للشرب بدل وللطهارة بدل وهو التيمم: وأما قوله (وادوا ثمنه في ميراثه) فقد تكلموا في المراد بالثمن منهم من قال أراد بالثمن المثل لان الماء مثل والمثليات تضمن بالمثل دون القيمة: ومنهم من قال أراد به القيمة وانما أوجب القيمة هاهنا لان المسألة مفروضة فيما إذا كاوا في مغازة عند الشرب ثم رجعوا إلى بلدهم ولا قيمة للماء بها فلو أدواالماء لكان]
[ ٢ / ٢٤٣ ]
[ذلك احباطا لحقوق الورثة فيغرمون قيمة يوم الاتلاف في موضعه: وهذا الثاني هو الذى ذكره في الكتاب وينبغي أن يعلم لفظ الثمن في قوله وغرموا للورثة الثمن بالواو لانه أراد به القيمة حيث علل فقال فان المثلى لا يكون له قيمة غالبا ولو أنه لم يعلل لما انتظم اعلامه بالواو لان من أوجب المثل جوز تسميته بالثمن أيضا ألا تراهم اختلفوا في مراد الشافعي ﵁ بلفظ الثمن:
[ ٢ / ٢٤٤ ]
[(الثالثة) إذا أوصى بمائه لاولى الناس به أو وكل رجلا يصرف ماءه الي اولى الناس به فحضر محتاجون إلى ذلك الماء كالجنب والحائض والميت ومن على بدنه نجاسة فمن يقدم منهم * اعلم أن الميت ومن على بدنه نجاسة أولى من غيرهما: أما الميت فلمعنيين: أحدهما قال الشافعي ﵁ ان أمره يفوت فليختم باكمل الطهارتين والاحياء يقدرون عليه في ثاني الحال: والثاني قال بعض]
[ ٢ / ٢٤٥ ]
[الاصحاب المقصد من غسل الميت تنظيفه وتكميل حاله والتراب لا يفيد ذلك وغرض الحى استبا؟ ة الصلاة واسقاط الفرض عن الذمة وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل: وأما من على بدنه نجاسة فلان ازالة النجاسة لا بدل لها وللطهارات بدل وهو التيمم: وإذا اجتمعا فمن المقدم منهما: فيه وجهان أصحهما أن الميت أولى قال المحاملي من أئمة العراق والصيدلاني من غيرهم الوجهان مبنيان على
[ ٢ / ٢٤٦ ]
[المعنيين في الميت ان قلنا بالتعليل الاول فالميت أولى وان قلنا بالتعليل الثاني فالنجس أولى لان فرضه لا يسقط بالتيمم بخلاف غسل الميت ولا خلاف انه إذا كان على بدن الميت نجاسة فهو أولى ولا يشترط في استحقاق الميت أن يكون له ثم وارث يقبل عنه كما لو تطوع أنسان بتكفين ميت لا حاجة الي قابل: وفى المسألة وجه ضعيف: وان اجتمع ميتان والماء لا يكفى الا لاحدهما فان]
[ ٢ / ٢٤٧ ]
[كان الماء موجودا قبل موتهما وماتا على الترتيب فالاول أولى وان ماتا معا أو وجد الماء بعد
موتهما فأفضلهما أولى: فان استويا اقرع بينهما: هذا كلامنا في الميت ومن عليه نجاسة: أما غيرهما ففى الحائض مع الجنب ثلاثة أوجه أصحها الحائض أولى لان حدثها أغلظ ألا يرى أن الحيض يحرم الوطئ ويسقط ايجاب الصلاة: والثاني الجنب أولى لانه أحق بالاغتسال فان الصحابة اختلفوا]
[ ٢ / ٢٤٨ ]
[في تيمم الجنب ولم يختلفوا في تيمم الحائض: (والثالث) هما سواء لتعارض المعنيين وعلى هذا ان طلب أحدهما القسمة والآخر القرعة فالقرعة أولى في أظهر الوجهين والقسمة في الثاني هذا ان أوجبنا استعمال الماء الناقص والا تعينت القرعة وان اتفقا علي القسمة جاز ان قلنا يجب استعمال الماء الناقص والا لم يجز فانه تضييع وإذا حضر جنب ومحدث نظر ان كان ذلك الماء كافيا للوضوء دون الغسل فالمحدث أولى أن لم نوجب استعمال الماء الناقص وان أوجبناه فثلاثة أوجه أصحها ان المحدث أولى أيضا لانه]
[ ٢ / ٢٤٩ ]
[يرتفع حدثه بكماله: والثاني الجنب أولى لغلظ حدثه والثالث يتساويان وتفريعه على ما سبق وان لم يكن ذلك كافيا لواحد منهما فالجنب أولى ان أوجبنا استعمال الماء الناقص لغلظ حدثه والا فهو كالمعدوم وان كان كافيا لكل واحد منهما فننظر ان فضل شئ من الوضوء به ولم يفضل من الغسل فالجنب أولى ان لم نوجب استعمال الناقص لانه لو استعمله المحدث لضاع الباقي وان أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه أصحها ان الجنب أولى أيضا لغلظ حدثه: والثاني المحدث أولى بقدر الوضوء والباقي للجنب]
[ ٢ / ٢٥٠ ]
[مراعاة للجانبين: والثالث أنهما سواء وان فضل من كل واحد منهما شئ أو لم يفضل من واحد منهما فالجنب أولى لا محالة وان كان الماء الموجود كافيا للغسل دون الوضوء ويتصور ذلك بان يكون الجنب نضو الخلقة فقيد الاعضاء والمحدث ضخما عظيم الاعضاء فالجنب أولى أيضا لانا ان لم نوجب استعمال الماء الناقص فالمحدث لا ينتفع به وان أوجبناه فحدث الجنب أغلظ: وإذا عرفت ما ذكرنا تبين لك ان أحوال المسألة أربع: أن يكون الماء كافيا للوضوء دون الغسل: وان يكون كافيا لكل واحد]
[ ٢ / ٢٥١ ]
[منهما: وان لا يكون كافيا لواحد منهما: وان يكون كافيا للغسل دون الوضوء والظاهر تقديم المحدث في الحالة الاولى وتقديم الجنب فيما عداها فلذلك قال والجنب أولى من المحدث الا أن يكون الماء قدر الوضوء فقط وليكن المستثنى والسمتثنى منه من هذا اللفظ معلما بالواو لما حكينا من التفصيل والخلاف وقوله (قدر الوضوء فقط) ان كان المراد أنه قدر الوضوء دون الغسل فحسن وان كان المراد انه لا يزيد على قدر الوضوء فهذا ليس بشرط في تصوير الحالة الاولى بل إذا لم يكن كافيا للغسل وكان
[ ٢ / ٢٥٢ ]
[كافيا للوضوء فالمحدث أولى سواء زاد على قدر الوضوء أو لم يزد عليه فهذا شرح مسألة الوصية * واعلم انه ان عين المكان فقال اصرفوا هذا الماء الي أولى الناس به في هذه المفازة فالحكم على ما ذكرنا ولو لم يعين بل قال اصرفوا إلى أولى الناس به واقتصر عليه فينبغي أن يبحث عن المحتاجين في غير ذلك المكان ألا يرى أنه لو أوصى لاعلم الناس لا يختص بأهل ذلك الموضع الا ان حفظ الماء ونقله الي مفازة أخرى كالمستبعد * والله أعلم * ولو انتهى هؤلاء المحتاجون الي ماء مباح واستووا في]
[ ٢ / ٢٥٣ ]
[احرازه واثبات اليد عليه ملكوه على السواء لاستوائهم في سبب الملك وكل واحد أحق بملك نفسه من غيره وان كان ذلك الغير أحوج إلى الماء وكان حدثه أغلظ بل لا يجوز لكل واحد ان يبذل ما ملكه لغيره وان كان ناقصا الا إذا قلنا لا يجب استعمال الماء الناقص عن قدر الكفاية: هذا ما أورده صاحب الكتاب وذكره امام الحرمين وأورد أكثر الاصحاب هذه الصورة وقالوا يقدم فيها الاحوج فالاحوج كما في مسألة الوصية ولا منافاة بين الكلامين لان هؤلاء أرادو التقديم على سبيل الاستحباب وكانهم يقولون مجرد الانتهاء إلى الماء المباح لا يقتضى الملك وانما يثبت الملك بالاستيلاء والاحراز فيستحب لغير الاحوج ترك الاحراز والاستيلاء ايثارا للاحوج وهؤلاء
[ ٢ / ٢٥٤ ]
[يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا كان الامر على ما ذكره امام الحرمين لكن يمكن ان ينازع هو فيما ذكروه من الاستحباب ويقول انه متمكن من الطهارة بالماء فلا يجوز له العدول
إلى التيمم كما لو ملكه لا يجوز له بذله لغيره * قال [الرابع العجز بسبب الجهل كما إذا نسي الماء في رحله فتيمم (ح) قضي الصلاة على الجديد ولو ادرج في رحله ولم يشعر به لم يقض على الصحيح إذ لا تفريط: ولو أضل الماء في رحله فلم يجده مع الامعان في الطلب ففى القضاء قولان كمن أخطأ القبلة: ولو أضل رحله في الرحال فقولان والاولى سقوط القضاء لان المخيم أوسع من الرحل] * لك أن تقول الكلام هاهنا في أسباب العجز المبيح للتيمم والسبب المبيح هاهنا انما هو]
[ ٢ / ٢٥٥ ]
[الفقد في ظنه الا انه تبين بعد ذلك أنه لم يكن فاقدا ولا شك في ان الاسباب المبيحة يكفى فيها الظن ولا يعتبر التعين وإذا كان كذلك فليس هذا سببا خارجا عما تقدم: وأما الكلام في أنه هل يقضي الصلاة إذا تبين أنه غير فاقد فذلك شئ آخر وراء جواز التيمم واللائق ذكره في أحد موضعين أما آخر سبب الفقد واما الفصل المعقود فيما يقضى من الصلوات المختلة: ثم ذكر في هذا الفصل أربع مسائل: (احداها) لو نسي الماء في رحله فتيمم على ظن انه لا ماء عنده ثم تبين الحال فهل يلزمه قضاء الصلاة التي أداها به نص في المختصر على وجوب الاعادة: وعن أبي ثور قال سألت أبا عبد الله عنها فقال لا اعادة عليه: واختلف الاصحاب على طريقتين أظهرهما وهو المذكور في الكتاب أن في المسألة قولين الجديد الصحيح وجوب الاعادة: وبه قال أحمد لان مثل هذا الشخص اما ان يكون
[ ٢ / ٢٥٦ ]
[واجدا للماء أو لا يكون ان كان واجدا فقد فات شرط التيمم وهو أن لا يجد وان لم يكن واجدا فسببه تقصيره فتجب الاعادة كما لو نسي ستر العورة أو غسل بعض أعضاء الطهارة والقديم: انه لا تجب الاعادة لان النسيان عذر حال بينه وبين الماء فيسقط فرضه بالتيمم كما لو حال بينهما سبع وشبهوا هذا القول القديم في نسيان الترتيب في الوضوء ونسيان الفاتحة: وعن مالك روايتان كالقولين وعند أبى حنيفة لا اعادة: والطريقة الثانية القطع بوجوب الاعادة وتأويل ما نقله أبو ثور
[ ٢ / ٢٥٧ ]
[بحمل أبي عبد الله علي مالك أو تنزيل ما نقله علي المسألة الثانية التى نذكرها: ولو علم المسافر أن في موضع نزوله بئرا فنسيها وتيمم وصلى ثم تذكر فعلى الطريقتين: ولو كان الماء يباع فنسي الثمن وتيمم وصلى ثم تذكر قال القاضي أبو القاسم بن كج يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء ويحتمل غيره والاول أظهر (المسألة الثانية) لو ادرح الماء في رحله من غير شعوره به فتيمم علي اعتقاد أن لا ماء عنده وصلى ثم تبين الحال ففى المسألة طريقتان (احداهما) طرد قول النسيان فيه لكن]
[ ٢ / ٢٥٨ ]
[الاصح ههنا نفى الاعادة: (والثانية) القطع بنفى الاعادة لعدم التقصير ههنا بخلاف صورة النسيان فانه كان عالما بالماء ثم ذهل عنه: ولو تبين أن بقربه بئرا ولم يكن علم بها أصلا فهو نظير هذه الصورة وقوله في الكتاب لم يقض على الصحيح يجوز أن يكون اختيارا للطريقة الثانية والمعني علي الصحيح من الطريقين ويجوز ان يكون جوابا علي الطريقة الاولى والمعنى الصحيح من القولين وطريقة القولين أظهر عند علماء الاصحاب (الثالثة) لو كان في]
[ ٢ / ٢٥٩ ]
[رحله ماء فأضله فتيمم ثم وجده نظر ان لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره وان أمعن حتى غلب على ظنه فقد الماء فقولان: أحدهما أنه لا اعادة عليه لانه لم يفرط في البحث والطلب فيعذر وأظهرهما تجب الاعادة لانه عذر نادر لا يدوم وانما يسقط القضاء بالاعذار العامة والنادرة التى تتصل وتدوم: قال الائمة والقولان مخرجان على القولين فيمن اجتهد في القبلة وصلى ثم تيقن الخطأ ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان: (الرابعة) لو أضل رحله في الرحال بسبب ظلمة]
[ ٢ / ٢٦٠ ]
[أو غيرها فان لم يمعن في الطلب وجبت الاعادة لا محالة وان أمعن فطريقان احدهما أنه علي القولين في اضلال الماء في الرحل: والثاني القطع بنفى الاعادة والفرق من وجهين: أحدهما ما ذكر في الكتاب ان مخيم الرفقة أوسع من الرحل ورحله اضبط للماء من المخيم للرحل وإذا كان كذلك كان أبعد عن التقصير ههنا: والثاني ان من صلى في رحله وفيه ماء فقد صلى بالتيمم علي الماء
ومن صلي وقد أضل رحله فقد صلى وليس معه ماء ومنهم من يحكي في المسألة وجهين كما ذكرنا]
[ ٢ / ٢٦١ ]
[في الصورة السابقة وعن الحليمى وجه ثالث انه لو وجده قريبا منه فيعيد ولو وجده بعيدا فلا وظاهر المذهب نفى الاعادة مطلقا ولا ينبغي أن يفهم ذلك من قوله في الكتاب وأولي بسقوط القضاء فانهم إذا رتبوا صورة على صورة في الخلاف ثم قالوا وأولي بكذا لا يعنون به سوى رجحان ما وصفوه بالاولوية بالاضافة إليه في الصورة المرتب عليها ولا يلزم من كون النفي أو الاثبات
[ ٢ / ٢٦٢ ]
[في صورة أرجح منه في صورة أخرى كونه أرجح علي مقابله: نعم إذا قيل أولى الوجهين كذا فقضيته رجحان ذلك الوجه كما؟؟ قيل الاظهر أو الاصح كذا * قال [السبب الخامس المرض الذى يخاف من الوضوء معه فوت الروح أو فوت عضو أو منفعة أو مرضا مخوفا وكذا ان لم يخف الا شدة الضني وبطء البرء أو بقاء شين علي عضو
[ ٢ / ٢٦٣ ]
[ظاهر علي أقيس الوجهين فان كل ذلك ضرر ظاهر وان كان يتألم في الحال ولا يخاف عافبة لزمه الوضوء] *
[ ٢ / ٢٦٤ ]
[المرض مبيح للتيمم في الجملة قال الله تعالى (وان كنتم مرضى أو على سفر) إلى قوله (فلم تجدوا]
[ ٢ / ٢٦٥ ]
[ماء فتيمموا) نقل عن ابن عباس ان المعنى وان كنتم مرضي فتيمموا وان كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا: ثم هو على ثلاثة أقسام أولها المرض الذى يخاف من الوضوء معه فوت الروح أو فوت عضو أو فوت منفعة عضو فيبيح التيمم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية إذا كان]
[ ٢ / ٢٦٦ ]
[بالرجل جراحة في سبيل الله أو قروح أو جدري فيجنب ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم بالصعيد والحق
بهذا النوع ما إذا خاف مرضا مخوفا وكذا لو كان به مرض لا يخاف من استعمال الماء معه التلف لكن يخاف من استعمال الماء معه حدوث المرض المخوف: وينبغي أن يعلم قوله أو مرضا مخوفا]
[ ٢ / ٢٦٧ ]
[بالواو لان امام الحرمين حكي فيه عن العراقيين طريقين أحدهما القطع بجواز التيمم: والثاني ان فيه قولين وقد توجه المنع بالقدرة على استعمال الماء وقصور الضرر فيه عما تقدم من المضاو فظاهر المذهب القطع بالجواز لانه إذا خاف المرض الذى يخاف منه التلف فقد خاف التلف وهذا قضية كلامه في المختصر وهو الذى ذكره المسعودي وغيره في الشروح: على أن في تشبيه الامام]
[ ٢ / ٢٦٨ ]
[الطريقين في هذه الصورة شبهة قوية فان الذى يلفى في كتبهم حكاية الطريقتين في صورة بطء البر وأخواتها كما سيأتي لا في هذه الصورة بل الذى يدل عليه كلامهم تجويز التيمم هاهنا من غير تردد والله أعلم: وثانيها المرض الذى يخاف من استعمال الماء معه شدة الضنى أو زيادة العلة أو بطء البرء]
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وبقاء الشين القبيح ولنفصل هذه الصور وأحكامها: أما زيادة العلة وبطء البرء فقد حكوا فيهما ثلاثة طرق أظهرها ان في جواز التيمم للخوف منها قولين (أحدهما) المنع لان اباحة التيمم لمريض ماخوذة من الآية وقد روينا عن تفسير ابن عباس اعتبار خوف التلف فيه وأظهرهما]
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[والجواز وبه قال مالك وابو حنيفة لانا لا نوجب شراء الماء باكثر من ثمن المثل لما فيه من الضرر ومعلوم ان الضرر ههنا أشد ولان ترك الصوم وترك القيام في الصلاة لا يعتبر فيه خوف التلف بل يلفي فيه هذا النوع من المرض فكذلك ههنا والطريق الثاني القطع بالجواز وتأويل]
[ ٢ / ٢٧١ ]
[قول المنع على ما إذا لم يلحقه الا مجرد الالم والمشقة والثالث القطع بالمنع وتأويل الجواز على ما إذا كان المخوف التلف فان قلت وما الفرق بين زيادة العلة وبطء البرء فالجواب أن المراد من
زيادة العلة افراط الالم وكثرة المقدار وان لم تمتد المدة ومن بطء البرء امتداد المدة وان لم يزد القدر]
[ ٢ / ٢٧٢ ]
[ثم قد يجتمع الامران وأما شدة الضنى ففى جواز التيمم بها الطريقان الاوليان والظاهر عود الطريقة الثالثة أيضا والمراد من الضنى المرض المدنف الذى يجعله ضمنا وكأنه نوع من المرض خاص: وأما إذا خاف من استعمال الماء بقاء الشين علي بدنه فنظر ان خاف شيئا فبيحا علي عضو ظاهر كالسواد الكثير في الوجه ففيه ثلاثة طرق أيضا أحدها الجزم بالجواز لانه يشوه الخلقة ويدوم ضرره فأشبه تلف العضو ويحكي ذلك عن ابن سريج والاصطخري والثاني الجزم بالمنع إذ ليس فيه بطلان عضو ولا منفعته وانما هو فوات جمال والثالث أنه علي القولين المقدمين وان خاف شيئا]
[ ٢ / ٢٧٣ ]
[يسيرا كأثر الجدري والسواد القليل فلا عبرة به وكذلك لو خاف شيئا قبيحا علي غير الاعضاء الظاهرة والمراد من الظاهرة ما يبدو عند المهنة غالبا كلوجه واليدين: وأما تعبيره عن الخلاف في هذه المسائل بالوجهين فانما اتبع فيه امام الحرمين والمشهور في طرق الاصحاب أن فيها قولين علي طريقة اثبات الخلاف كما حكيناه: وثانها المرض الذى لا يخاف من استعمال الماء معه محذورا في العاقبة فلا يرخص في التيمم وان كان يتألم في الحال لجراحة أو حر أو برد لانه واجد للماء قادر على استعماله من غير ضرر شديد: واعلم أن المرض المرخص لا يفترق الحال فيه بين أن يعرف]
[ ٢ / ٢٧٤ ]
[كونه بحيث يرخص بنفسه وبين أن يخبره طبيب حاذق بشرط كونه مسلما بالغا عدلا وفى وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق والفاسق أيضا ولا فرق بين الحر والعبد والذكر والانثى لان طريقه الخبر وأخبارهم مقبولة ولا يشترط فيه العدد وحكي أبو عاصم العبادي فيه وجهين وهذا كله فيما إذا منعت العلة استعمال الماء أصلا لعموم العذر جميع موضع الطهارة وضوءا كان أو غسلا فان تمكنت العلة من بعض أعضاء الطهارة دون بعض غسل الصحيح بقدر الامكان وما الذي يفعل العليل نذكره بعد هذا والله أعلم *]
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قال [السادس القاء الجبيرة بانخلاع العضو فيجب غسل ما صح من الاعضاء والمسح على الجبيرة بالماء وفى نزوله منزلة مسح الخف في تقدير مدته وسقوط الاستيعاب وجهان: ثم يتيمم مع الغسل والمسح على أظهر الوجهين ولا يمسح الجبيرة بالتراب علي الاصح لان التراب ضعيف وفى تقديم الغسل على التيمم ثلاثة أوجه الاعدل هو الثالث وهو أنه لا ينتقل عن عضو ما لم يتم تطهير ذلك العضو فلو كانت الجراحة علي يده تيمم قبل مسح الرأس] لو جعل المرض سببا واحدا من أسباب العجز ثم قسمه إلى مالا يحوج إلى القاء الجبيرة
[ ٢ / ٢٧٦ ]
[ولا لصوق عليه والى ما يحوج إليه وحذف السبب السادس والسابع لكان أحسن وأولي فان الانخلاع والجراحة نوعان خاصان من العلل والامراض ولو عددنا كل مرض سببا علي حدة لطال الامر وكثرت الاسباب فان قلت اسم المرض لا يقع علي انخلاع العضو والجراحة قلنا نحن لا نعني بالمرض سوى العلة العارضة التى يخاف معها من استعمال الماء علي أن ابن عباس ﵁ فسر المريض بالجريح كما تقدم فدل على أن اسم المرض يقع على الجراحه: ثم الكسر والانخلاع له حالتان: احداهما أن يحوج إلى القاء الجبائر على موضعه وهي الالواح التى تهيأ]
[ ٢ / ٢٧٧ ]
[لذلك: والثانية ألا يحوج إليه والمعتبر في حاجة الالقاء أن يخاف شيئا من المضار السابقة لو لم يلقها عليه: الحالة الاولي أن يحتاج إلى القائها عليه والغالب في مثلها أن يكون ذلك الموضع بحيث لا يخاف من ايصال الماء إليه وانما يقصد بالقائها الانجبار فإذا ألقاها علي موضع فلا يخلو اما أن يقدر على نزعها عند الطهارة من غير أن يخاف شيئا من المضار السابقة أو لا يقدر عليه فان لم يقدر لم يكلف النزع ويراعى في الطهاره أمورا أحدها غسل الصحيح وفى وجوبه عليه طريقان أحدهما أن فيه قولين في قول يجب وفى قول لا بل يكفيه التيمم وهما عند أصحاب هذا الطريق مخرجان]
[ ٢ / ٢٧٨ ]
[من القولين فيما إذا وجد من الماء ما يكفى لبعض الاعضاء هل يقتصر على التيمم أم يستعمله مع التيمم ووجه الشبه أنه في الصورتين تمكن من غسل بعض الاعضاء دون بعض وغسل البعض لا يكفى مطهرا والتيمم يكفي مطهرا والطريق الثاني وهو الاصح القطع بوجوب غسل الصحيح لان اعتلال بعضن الاعضاء لا يزيد على فقدانه ولو كان مقطوع بعض الاطراف لم يسقط عنه غسل الباقي فهنا أولي بخلاف ما إذا وجد بعض الماء فان الخلل ثم في الآلة التى تتأدى بها العبادة فأشبه ما إذا وجد بعض الرقبة فان قلنا بالصحيح وهو وجوب غسل الصحيح فيجب ذلك بحسب]
[ ٢ / ٢٧٩ ]
[الامكان حتى لو قدر على غسل ما تحت أطراف الجبيرة من الصحيح الذى أخذنه الجبيرة وجب ذلك بأن يضع خرقة مبلولة عليه ويعصرها لتنغسل تلك المواضع بالتقاطر منها: والثاني]
[ ٢ / ٢٨٠ ]
[يجب المسح على الجبيرة بالماء لما روى أن النبي ﷺ أمر عليا ﵁ أن يمسح على الجبائر وحكي أبو عبد الله الحناطى قولا أنه لا يمسح ويكفيه التيمم: وعن القاضي أبي الطيب أنه قال عندي يكفيه التيمم وغسل الصحيح والاول هو الصحيح المشهور وعليه تتفرع مسائل احداها ان كان جنبا مسح الجبيرة متى شاء وان كان محدثا والجبيرة على بعض]
[ ٢ / ٢٨١ ]
[أعضاء الوضوء مسحها إذا وصل إلى غسل العضو الذى عليه الجبيرة فان الترتيب ركن في الوضوء (الثانية) هل تتقدرمدة هذا المسح فيه وجهان: أحدهما نعم لانه مسح على حائل فأشبه المسح على الخف فيتقدر في حق المقيم بيوم وليلة وفى حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن وأصحهما وبه قطع الصيدلاني لا: لان التقدير انما يعرف بنقل أو توقيف ولم يرد بل له الاستدامة الي الاندمال: قال امام الحرمين]
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[وهذا الاختلاف فيما إذا كان يتأتي الرفع بعد انقضاء كل يوم وليلة من غير ضرر فان لم يمكن فلا خلاف في جواز استدامته وان كان يتأتي ذلك في كل طهارة لم يجز المسح ووجب النزع لا محالة: (الثالثة)
هل يجب تعميم الجبيرة بالمسح فيه وجهان: احدهما لا بل يكفى ما يقع عليه الاسم لانه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس والخف وأصحهما أنه يجب لانه مسح أبيح لضرورة العجز عن الاصل فيجب]
[ ٢ / ٢٨٣ ]
[فيه التعميم كالمسح في التيمم بخلاف مسح الخف فانه بني على التخفيف والترخص وهاتان المسألتان هما اللتان أشار اليهما بقوله وفى نزوله منزلة المسح على الخف في تقدير مدة وسقوط الاستيعاب وجهان وينبغى أن يكون قوله فيجب غسل ما صح من الاعضاء والمسح على الجبيرة معلما بالواو لما سبق حكايته في الغسل والمسح جميعا: والثالث التيمم على الوجه واليدين وفى وجوبه مع الغسل]
[ ٢ / ٢٨٤ ]
[والمسح طريقان أظهرهما أن فيه قولين أحدهما لا يجب لان المسح على الجبيرة ناب عما تحتها فلا حاجة إلى بدل آخر كالمسح على الخف وأصحهما أنه يجب لحديث جابر ﵁ في المشجوج
[ ٢ / ٢٨٥ ]
[الذى احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات ان النبي ﷺ قال (انما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب علي رأسه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) والطريق الثاني ان ما تحت الجبيرة ان كان معلولا بحيث لا يمكن غسله وان كان باديا وجب التيمم كالجريح الذى ليس على جرحه شئ فانه يتيمم وان كان يمكن غسله لو كان باديا فلا حاجة إلى التيمم كالمسح على الخف واعلم ان المشهور عند اصحاب الطريقة الاولى ان المسألة علي قولين وحكوهما جميعا عن البويطى]
[ ٢ / ٢٨٦ ]
ورووا عن الام أنه يتيمم وعن القديم أنه لايتيمم وصاحب الكتاب عبر عن الخلاف بوجهين تقليدا لامام الحرمين فانه كذا روى فان قلنا يتيمم تفرع عليه مسألتان احداهما لو كانت الجبيرة على موضع التيمم فهل يمسح بالتراب في تيممه فيه وجهان أحدهما نعم محاولة لاتمام التيمم بالمسح بالترا ب كما يحاول اتمام الوضوء بالمسح بالماء وأصحهما لا لان التراب ضعيف فلا يوثر من وراء حائل بخلاف الماء فان]
[ ٢ / ٢٨٧ ]
[تأثيره من وراء الحائل معهود في المسح عل الخف: الثانية هل يجب تقديم غسل الصحيح على التيمم أم لا أما في حق الجنب فوجهان أحدهما أنه يجب لان الغسل أصل والتيمم بدل فيقدم الاصل كما إذا وجد من الماء مالا يكفيه يستعمله ثم يتيمم وأصحهما أنه يتخير ان شاء قدم وان شاء أخر لانه انما يتيمم لما به من العلة وهى مستمرة بخلاف تلك المسألة فانه انما يتيمم لعدم الماء]
[ ٢ / ٢٨٨ ]
[فلابد من استعمال الموجود أولا ليصير عادما وأما المحدث ففيه ثلاثة أوجه أشار إليها في الكتاب أحدها يجب تقديم غسل المقدور عليه من أعضاء الوضوء كلها كما ذكرنا في الجنب: والثاني أنه يتخير ان شاء قدم الغسل وان شاء أخره عن التيمم وان شاء أدخله في خلال المغسول ولا نظر الي أن الترتيب مرعى في الوضوء لان التيمم فرض مستقل بنفسه والترتيب انما يراعى في العبادة الواحدة وهذا اختيار الشيخ أبي علي.
والثالث وهو الصحيح عند المعظم أن التيمم بدل]
[ ٢ / ٢٨٩ ]
[عن موضع العذر فلا يجوز أن ينتقل عن العضو المعلول قبل أن يتمم ولا يجوز أن يقدمه عليه إذا لم يكن المعلول أول أعضاء الوضوء وذلك لان الترتيب شرط في الوضوء فلا يعدل من عضو الي عضو ما لم يتم تطهير الاول أصلا وبدلا وقول الاول أن التيمم فرض مستقل بنفسه ممنوع بل وصف تابع في طهارة المعلول وكونه مستقلا في بعض المواضع لا ينافى كونه تابعا ههنا فعلى هذا]
[ ٢ / ٢٩٠ ]
لو كانت الجبيرة على الوجه وجب تقديم التيمم على غسل اليدين ويتخير في تقديمه على غسل الصحيح من الوجه وتأخيره عنه فان العضو الواحد لا ترتيب فيه وان كانت علي اليدين وجب أن يكون التيمم مؤخرا عن غسل الوجه مقدما علي مسح الرأس وعلي هذا القياس ولو كان له علي عضوين فصاعدا جبائر فلا بد من تعديد التيمم علي هذا الوجه الثالث نظيره كانت علي الوجه]
[ ٢ / ٢٩١ ]
[جبيرة وعلي اليد اخرى يغسل الصحيح من وجهه ويتيمم للمعلول منه ثم يغسل الصحيح من يديه
ويتيمم للمعلول منهما ثم يمسح برأسه ويغسل رجليه وعلي الوجه الاول والثاني يكفى التيمم الواحد وان تعددت الجراحات وانما يجوز الاقتصار علي غسل الصحيح والمسح علي الجبائر مع التيمم أو دونه علي الخلاف المتقدم بشرطين أحدهما ألا يأخذ من الصحيح تحت الجبيرة الا القدر الذى]
[ ٢ / ٢٩٢ ]
[لابد منه للاستمساك: والثاني أن يضع الجبيرة علي طهر كالخف لابد وان يلبس علي الطهارة ليجوز المسح عليه هذا ظاهر المذهب وفى وجه لا يشترط الوضع علي الطهارة ثم ليس معنى اشتراط الطهارة تعذر المسح أصلا ورأسا لو وضع الجبيرة علي الحدث ولكن المراد أنه يلزم النزع وتقديم الطهارة ان أمكن النزع والا فيجب القضاء بعد البرء وفى سقوط الفرض بالتيمم لالقاء الجبيرة خلاف يأتي]
[ ٢ / ٢٩٣ ]
[ذكره في الباب الثالث من الكتاب ان شاء الله تعالى فهذا إذا لم يقدر علي نزع الجبيرة عند الطهارة فأن قدر علي النزع واحل من غير ضرر فعليه النزع عند الطهارة وغسل ذلك الموضع أن أمكن والمسح بالتراب ان كان علي موضع التيمم ولم يمكن الغسل هذا تمام الحالة الاولى وهى أن يحوجه الكسر إلى القاء الجبيرة عليه: (المسالة الثانية) ألا يحتاج إليه ويخاف من ايصال الماء إليه]
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[فيغسل الصحيح بقدر الامكان ويتلطف إذا خاف سيلان الماء إلى موضع العلة بوضع خرقة مبلولة بالقرب منه ويتحامل عليها لينغسل بالمتقاطر منها ما حواليه من غير أن يسيل إليه ويلزمه ذلك سواء قدر عليه بنفسه أو بغيره فان لم يطعه الغير الا باجرة لزمته كالاقطع الذى يحتاج إلى من يوضئه وهل يحتاج إلى ضم التيمم إليه فيه الخلاف الذى قدمناه في الحالة الاولي ولا يجب مسح]
[ ٢ / ٢٩٥ ]
[موضع العلة بالماء وان كان لا يخاف من المسح فان الواجب الغسل فإذا تعذر ذلك فلا فائده في المسح بخلاف المسح على الجبيرة فانه مسح على حائل كالخف وقد ورد الخبر به هكذا ذكره الائمة ﵃ وللشافعي ﵁ نص مساقه وجوب المسح وليس هذا موضع ذكره وإذا فرعنا على
أنه يتيمم فلو كانت العلة على محل التيمم امر التراب على موضعها فانه لا ضرر ولا خوف في امرار]
[ ٢ / ٢٩٦ ]
[التراب عليه بخلاف امرار الماء وكذا لو كان للجراحة أفواه مفتحة وامكن امرار التراب عليها لزم لانها صارت ظاهرة فهذا شرح هذا الفصل وينبغي أن يعلم قوله ثم يتيمم مع الغسل والمسح بالحاء لان أبا حنيفة ﵀ لا يقول بوجوب الغسل علي الاطلاق ولا بوجوب التيمم علي الاطلاق بل قال ان كان اكثر بدنه صحيحا اقتصر على غسل الصحيح وان كان الاكثر جريحا اقتصر علي التيمم]
[ ٢ / ٢٩٧ ]
[قال [السابع الجراحة ان لم يكن عليها لصوق فلا يمسح علي محل الجرح وان كان فهو كالجبيرة وفى لزوم القاء اللصوق عند امكانه تردد كالتردد في لزوم لبس الخف علي من وجد من الماء ما يكفيه لو مسح علي الخف] * الجراحة قد تحتاج في معالجتها إلى الصاق لصوق بها من خرقة وقطنة ونحوهما كما يحتاج]
[ ٢ / ٢٩٨ ]
[في معالجة الانخلاع والانكسار إلى القاء الجبائر وحكم الجراحة وما عليها من اللصوق حكم الانكسار وما علي موضعه من الجبائر فيعود فيه جميع ما سبق وإذا لم يكن علي الجراحة لصوق فلا يجب المسح علي محل الجرح كما ذكرنا في الانكسار إذا لم يكن عليه جبيرة وهل يجب القاء اللصوق عليه عند امكانه وكذا القاء الجبيرة فيه وجهان قال الشيخ أبو محمد يجب لانه لو القى الحائل لمسح عليه بدلا]
[ ٢ / ٢٩٩ ]
[عن الغسل فليتسبب إليه تكميلا للطهارة بقدر الامكان واستبعد امام الحرمين ذلك وقال انه لا نظير له في الرخص وليس للقياس مجال فيها ولو اتبع القياس لكان اقرب شئ ان يمسح علي محل الجرح عند الامكان فإذا لم يجب ذلك فهذا اولى قال ولم ار القول بالوجوب لاحد من الاصحاب ثم رتب عليه ما إذا كان الشخص علي طهارة كاملة وقد ارهقه حدث ووجد من الماء ما يكفى لوجهه]
[ ٢ / ٣٠٠ ]
[ويديه وراسه ويقصر عن رجليه ولو لبس الخف لامكنه ان يمسح علي خفيه فهل يجب عليه ان يلبس الخف ثم بمسح بعد الحدث عليه قال قياس ما ذكره شيخي ايجاب ذلك وهو بعيد عندي والله اعلم * وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك ان المراد من التردد في قول صاحب الكتاب وفى لزوم القاء اللصوق عند امكانه تردد وهو الوجهان اللذان حكيناهما ما صار إليه الشيخ أبو محمد وما]
[ ٢ / ٣٠١ ]
[عليه الاكثرون واما ما اشار إليه من التردد في مسألة وجوب اللبس فسياق كلامه يشعر باثبات وجهين في المسألة لكن امام الحرمين لم يذكرهما نقلا عن شيخه وانما قال قياس ما ذكره وجوب اللبس ولا يصح اثبات الخلاف إذا لم يكن نقل الا إذا انتفى الفارق وقد وجد الفرق بين المسألتين وبينه الامام فقال لشيخي ان ينفصل عما ذكرته في المسح علي الخف بانه رخصه محضة فلا يليق بها ايجاب لبس الخف وما نحن فيه من مسالك الضروريات فيجب فيه الاتيان بالممكن والقاء خرقة يمسح عليها ممكن واعلم ان ظاهر المذهب اشتراط الطهارة عند القاء الجبيرة واللصوق ليجوز المسح]
[ ٢ / ٣٠٢ ]
[عليه كما يشترط ذلك عند لبس الخف وقد بيناه من قبل وإذا كان كذلك فمن يقول بوجوب الالقاء عند الامكان يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه إذا تطهر بعد الحدث كما في مسألة اللبس ويضعف المصير الي الوجوب في الصورتين بشئ وهو أن الشخص إذا كان متطهرا فلا يخلو اما أن يكون أدى وظيفة الوقت أو لم يؤدها فان لم يؤدها فهو متمكن من ادائها بهذه الطهارة فلا يكلف والحالة هذه بطهارة أخرى والطهارة التى لا يكلف بها لا يكلف باعداد اسبابها ألا ترى أنه لا يؤمر بامساك الماء ليتوضأ به للصلاة التى لم يدخل وقتها ولو صبه هزلا واحتاج إلى الصلاة بالتيمم لم يلزمه القضاء]
[ ٢ / ٣٠٣ ]
[وان أدى وظيفة الوقت فليس عليه طهارة أخرى حتى يدخل وقت الصلاة الاخرى ولا يكلف باعداد اسباب الطهارة التي لم يلزم بعد قال [ومهما تيمم لمرض أو جراحة أعادة لكل صلاة ولم يعد الوضوء ولا المسح]
الاصل في المسألة أن التيمم لا يؤدى به فريضتان بل تفتقر كل فريضة إلى تيمم وكذلك وضوء المستحاضة وسنذكره في موضعه وإذا عرفت ذلك فنقول من غسل الصحيح وتيمم لمكان عذر المرض أو الانخلاع أو الجراحة أما مع المسح علي الحائل أو دونه إذا لم يكن حائل وصلي فريضة بطهارته فله أن يصلي بها من النوافل ما شاء ولابد من اعادة التيمم للفريضة الاخرى وان لم يحدث وهل يحتاج الي اعادة الوضوء مع التيمم المعاد فيه طريقان أحدهما أن فيه قولين كما لو]
[ ٢ / ٣٠٤ ]
[نزع الماسح علي الخف الخف أو انقضت مدة المسح هل يستأنف الوضوء أم يقتصر علي غسل الرجلين فيه قولان ووجه الشبه أن الطهارة في الصورتين كملت من جنسين أصل وبدل فإذا بطل حكم البدل هل يبطل الاصل حتى يؤمر بالاستئناف فيه اختلاف والطريق الثاني القطع بنفى الاستئناف لان التيمم طهارة مستقلة في الجملة فلا يلزم بارتفاع حكمها انتقاض طهارة أخرى وان كانت بعضها من منها في هذه الصورة كما لو اغتسل الجنب ثم أحدث يلزمه الوضوء ولا ينتقض غسله وان كان أعضاء الوضوء بعض المغسول في الجنابة لان الوضوء طهارة مستقلة في الجملة ويخرج عليه المسح علي الخف فانه غير مستقل]
[ ٢ / ٣٠٥ ]
[أصلا وهذا الخلاف جار في الجنب إذا غسل الصحيح من بدنه وتيمم للعليل وصلي هل يفتقر للفريضه الثانية إلى استئناف الغسل مع التيمم وإذا فرعنا علي الصحيح وهو أنه لا يجب استئناف الوضوء والغسل فهل يجب اعادة شئ منهما مع التيمم أما في الغسل فلا: وأما في الوضوء فوجهان أحدهما وبه قال احمد ابن الحداد لا: لان الوضوء الكامل لا يجب اعادته لكل فريضة فكذلك غسل الصحيح الذى هو بعضه وانما التيمم هو الذي يعاد لكل فريضة وأظهرهما انه يجب أن يعيد مع التيمم غسل كل عضو يترتب علي العضو المجروح رعاية للترتيب فانه إذا تيمم بدلا عن محل العذر فإذا وجب اعادته خرج ذلك العضو عن أن يكون طهارته]
[ ٢ / ٣٠٦ ]
[تامة فإذا أتمها وجب اعادة غسل ما بعد ذلك العضو كما لو أغفل لمعة من وجهه وتنبه له بعد الفراغ يغسلها وما بعد الوجه من الاعضاء ثم نعود إلى لفظه في الكتاب ونقول لا يخفى أن قوله
لم يعد الوضوء لكل صلاة أراد الفريضة لا مطلق الصلاة وهكذا هو في بعض النسخ وينبغي أن يعلم قوله بالواو لما حكينا من الخلاف ثم لك أن تقول قوله ولم يعد الوضوء أما ان يعنى به أنه لا يعيد الوضوء بكماله أي لا يستأنف أو يعنى به أنه لا يعيد شيئا منه والاول صحيح وجواب علي الطريقة الثانية الا أن كلامه في الوسيط يبين أنه ما أراده وانما أراد المعني الثاني لانه قال يجب اعادة التيمم عند كل صلاة ولا يجب اعادة الغسل ولا اعادة مسح الجبيرة فنفى اعادة مطلق الغسل لكن ارادة المعنى الثاني لا تحسن من وجهين أحدهما]
[ ٢ / ٣٠٧ ]
[أنه يكون جوابا بالوجه الاول الذى ذهب إليه ابن الحداد وظاهر المذهب انما هو الثاني والثانى أن الشيخ أبا علي والمعتبرين قالوا الخلاف في أنه هل يعيد شيئا من الوضوء أم لا مبني علي الخلاف الذى سبق في أن التيمم المضموم إلى الوضوء هل يعتبر فيه الترتيب أم لا فان أوجبنا الترتيب اعاد ههنا مع التيمم غسل الاعضاء المترتبة علي العضو المعلول والا فلا وإذا كان كذلك فصاحب الكتاب قد اختار ثم وجه اعتبار الترتيب وعبر عنه بالاعدل فلا يلائمه أن يقول ههنا لا يعيد شيئا من الوضوء أصلا والله أعلم * ولو تطهر المعلول كما ذكرنا ثم برأ وهو علي طهارته غسل موضع العذر جنبا كان أو محدثا ويغسل المحدث ما بعد العضو المعلول أيضا بلا خلاف رعاية للترتيب وهل يجب استئناف الوضوء والغسل فيه القولان في نزع الخف هذا إذا تحقق الاندمال والبرء بعد الطهارة وهو كما لو وجد العادم الماء بعد التيمم فيبطل تيممه وغسل ذلك الموضع والاستئناف علي ما ذكرنا ولو توهم الاندمال فرفع اللصوق فإذا هو لم يندمل لم يبطل تيممه على أصح الوجهين بخلاف ما إذا توهم وجود الماء يبطل تيممه وان بان خلاف ما توهمه لان توهم الماء يوجب الطلب وتوهم الاندمال لا يوجب البحث والطلب عنه وإذا وجب الطلب بطل التيمم لان التيمم طهارة ضرورة فلا صحة له الا حيث يتمكن من الصلاة وإذا وجب الطلب لم يتمكن من الصلاة وتوقف امام الحرمين في قول الاصحاب لا يجب الطلب عند]
[ ٢ / ٣٠٨ ]
[توهم الاندمال] قال [الباب الثاني في كيفية التيمم وله سبعة اركان
الركن الاول نقل التراب إلى الوجه واليدين فلا يكفى ضرب (ح) اليد علي حجر صلد ثم ليكن المنقول ترابا طاهرا خالصا مطلقا فيجوز التيمم بالاعفر والاسود والاصفر والاحمر والابيض وهو المأكول والسبخ والبطحاء فان كل ذلك تراب ولا يجوز الزرنيخ (ح) والجص (ح) والنورة (ح) والمعادن إذ لا يسمى ترابا ولا يجوز التراب النجس والمشوب بالزعفران وان كان قليلا ولا التراب المستعمل علي أحد لوجهين ولا يجوز سحاقة الخزف وفى الطين المسوى المأكول تردد ويجوز بالرمل إذا كان عليه غبار] جعل للتيمم سبعة أركان أحدها نقل التراب إلى الوجه واليدين وغرضه في هذا الفصل الكلام في التراب وما يعتبر فيه من الاوصاف فأما الكلام في النقل وفى الوجه واليدين فهو مذكور فيما بعد من الاركان وجملة ما اعتبره فيما يتيمم به أربعة أمور أن يكون ترابا طاهرا خالصا مطلقا أما كونه ترابا فلابد منه وبه قال أبو يوسف وأحمد فلا يكفى ضرب اليد على حجر صلد لا غبار عليه خلافا لابي حنيفة ومحمد حيث قالا يجوز بكل ما هو من جنس الارض كالتراب والرمل والحجر والزرنيخ والكحل ولا يشترط أن يكون على الحجر المضروب عليه غبار ولمالك حيث قال بمثل قولهما وزاد فجوز بكل متصل بالارض أيضا كالاشجار والزرع لنا قوله تعالى]
[ ٢ / ٣٠٩ ]
[فتيمموا صعيدا طيبا) عن ابن عمر وابن عباس ﵄ (أي ترابا طاهرا) وعن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال (فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الارض مسجدا وجعل ترابها طهورا) عدل إلى ذكر التراب بعد ذكر الارض ولولا اختصاص الطهورية بالتراب لقال جعلت لنا الارض مسجدا وطهورا ثم اسم التراب لا يختص ببعض الالوان والانواع ويدخل فيه الاصفر وهو ما لا يخلص بياضه والاصفر والاسود ومنه طين الدواة والاحمر ومنه الطين الارمني الذى يوكل تداويا والابيض ومنه الذى يؤكل سفها ويقال انه الخراساني والسبخ وهو الذى لا ينبت دون الذى يعلوه ملح فان الملح ليس بتراب والبطحاء وهو التراب اللين في مسيل الماء وكل ذلك يقع عليه اسم التراب كما يقع اسم الماء على الملح والعذب والكدر والصفى وسائر الانواع وقد تيمم رسول الله ﷺ بتراب المدينة وأرضها سبخة
وقد روى أن الشافعي ﵁ قال في بعض المواضع في بيان ما لا يتيمم به (ولا السبخ ولا البطحاء) وليس ذلك باختلاف قول منه باتفاق الاصحاب وانما أراد به ما إذا كانا صلبين لا غبار عليهما فهما إذا كالحجر الصلب ولو ضرب اليد على ثوب أو جدار ونحوهما وارتفع غبار كفى فانه تيمم بالتراب وسئل القاضي الحسين عن تراب الارضة فقال ما أخرجته من الخشب لم يجز التيمم به فانه ليس بتراب وان أشبهه وان أخرجته من مدر جاز ولا بأس باختلاطه بلعابها كالتراب]
[ ٢ / ٣١٠ ]
[المعجون بالخل إذا جف يتيمم به ولا يدخل تحت اسم التراب الزرنيخ والنورة والجص وسائر المعادن فلا يجوز التيمم بها وأغرب أبو عبد الله الحناط من أصحابنا فحكي في جواز التيمم بالذريرة والنورة والزرنيخ قولين وكذا في الاحجار المدفونة والقوارير المسحوقة واشباهها وأما الرمل فقد حكي عن نصه في القديم والاملاء جواز التيمم به وعن الام المنع واختلفوا فيه على طريقين أحداهما وبها قال صاحب التلخيص أنه على قولين أحدهما المنع كالحجارة المدفونة والثاني الجواز لانه من جنس التراب وعلي طبعه والثانية وهى الصحيحة انه ليس فيه اختلاف قول والنصان محمولان علي حالتين ان كان خشنا لا يرتفع منه غبار لم يكف ضرب اليد عليه وهو المراد بالمنع وان كان يرتفع منه غبار يعلق باليد يجوز التيمم به فان ذلك المرتفع غبار وهو المراد بالجواز وأما كون المتيمم به طاهرا فلابد منه فلا يجوز التيمم بالتر اب النجس كما لا يجوز الوضوء بالماء النجس والتراب النجس هو الذى أصابه مائع نجس أما إذا اختلط به جامد نجس كأجزاء الروث فلا مؤثر في أجزائه بالنجاسة لكن لا يجوز التيمم به أيضا لانه إذا استعمله كان الواصل إلى بعض أجزائه ترابا والى بعضها روثا والنجس لا يطهر ولو تيمم بتراب المقابر التي عم فيها النبش وغلب اختلاط صديد الموتي به ففى جوازه قولا تقابل الاصل والغالب الظاهر كما تقدم وان ضرب يده علي ظهور كلب عليه تراب فان عرف التصاقه به في حالة الجفاف جاز وان عرف التصاقه به في حال الرطوبة أو علم]
[ ٢ / ٣١١ ]
[أنه أصابه عرق فلا وان تردد فيه فعلي القولين وأما كونه خالصا فيخرج عن المثوب بلزعفران
والدقيق ونحوهما فان كان الخليط كثيرا لم يجز التيمم به بلا خلاف فان الخليط الكثير يسلب طهورية الماء مع قوته فأولى أن يسلب ههنا وان كان قليلا فوجهان عن أبى اسحاق وصاحب التقريب انه لا يضر كما في الماء الحافا بالمغمور بالمعدوم وقال الاكثرون أنه يسلب طهوريته كالكثير بخلاف الماء فانه نظيف لا يمنعه الخليط عن السيلان فيزيل جزء الدقيق في صوب جريانه ويجرى علي موضعه وليس للتراب هذه القوة لكثافته فالموضع الذى علق به الدقيق لا يصل إليه التراب ثم بماذا تعتبر القلة والكثرة ولو اعتبرت الاوصاف الثلاثة كما في الماء لكان مسلكا وأما كونه مطلقا فقد قال امام الحرمين يتعلق به شيئان أحدهما الكلام في التراب المستعمل ونحن نذكر حكم المستعمل ثم تعود إلى ما ذكر من التعلق بوصف الاطلاق واختلفوا في أن التراب المستعمل]
[ ٢ / ٣١٢ ]
[في التيمم هل يجوز استعماله فيه ثانيا وثالثا علي وجهين أصحهما لا كما في الماء لانه تأدت به العبادة واستبيح به الصلاة والثاني نعم بخلاف الماء لانه يرفع الحدث والتراب لا يرفع فلا يتأثر بالاستعمال ثم الكلام في أن الملتصق من التراب بالوجه واليدين مستعمل حتى لا يجوز علي الاصح أن يضرب الانسان يده علي وجه المتيمم ويده ليتيمم بالغبار المأخوذ منه وأما المتناثر فهل هو مستعمل حتى يعود فيه الخلاف المذكور فيه وجهان أحدهما لا: لان التراب كثيف إذا علقت منه صفحة بالمحل منعت التصاق غيرها به وإذا لم يلتصق بالمحل فلا يؤثر ولا يتأثر بخلاف الماء فان صفحاته رقيقة لطيفة فيلاقى المحل بجميعها وأصحهما أنه مستعمل كالمتقاطر من الماء لان الملتصق والساتر مادام يمسح يتردد من الموضع إلى الموضع والفرض يسقط بالجميع فهذا هو حكم المستعمل والذى ذكره الامام من تعلقه بوصف الاطلاق فليس له وجه بين لان التراب المستعمل موصوف بوصف الاطلاق كما أنه موصوف]
[ ٢ / ٣١٣ ]
[بوصف الخلوص وسائر الاوصاف التي هي معتبرة في المتيمم به الا ترى ان الامام الغزالي قدس الله روحه استثني الماء المستعمل من الماء المطلق في أول الكتاب ولولا كون المستعمل مطلقا لما انتظم الاستثناء نعم من قال لا يجوز التيمم بالمستعمل اعتبر سوى الاوصاف الاربعة شرطا آخر وهو ألا يكون
مستعملا ومن جوز التيمم به اكتفى بالاوصاف الاربعة ومعلوم ان هذا الكلام لا اختصاص له بقيد الاطلاق: الثاني قال ان سحاقة الخزف أصلها تراب ولكنها لا تسمى ترابا مطلقا فلا يجوز التيمم بها وتابعه صاحب الكتاب فجعل وصف الاطلاق احترازا عن السحاقة ذكره في الوسيط ولك أن تقول التراب المطلق وغير المطلق يشتركان في مسمى التراب وسحاقة الخزف لا تسمى ترابا أصلا لا مطلقا ولا غير مطلق فهى خارجة عن اسم التراب ولا حاجة إلى هذا القيد يوضح ذلك انه حكي عن نص الشافعي ﵁ في الام انه قال ان دق الخزف ناعما لم يجز التيمم به لان الطبخ احاله عن أن يقع عليه اسم التراب ولو أحرق التراب حتى صار رمادا فكذلك لا يجوز التيمم به ولو شوى الطين المأكول وسحقه ففى جواز التيمم به وجهان أحدهما لا يجوز كالخرف والآخر المسحوقين والثانى يجوز وهو الاظهر لان اسم التراب لا يبطل بمجرد الشي بخلاف طبخ الخزف والآجر فانه يسلب اسم التراب ويجعله جنسا آخر ولو أصاب التراب نار فاسود ولم يحترق بحيث يسمي رمادا فعلى هذين الوجهين * ونختم الفصل بالتنصيص على المواضع المستحقة من لفظ الكتاب المرقوم المشيرة إلى ما حكينا من الاختلافات فنقول ينبغى أن يعلم قوله فلا يكفى]
[ ٢ / ٣١٤ ]
[ضرب اليد على حجر صلد بالحاء والميم وكذا لفظ التراب في قوله ثم ليكن المنقول ترابا طاهرا وقوله ولا يجوز الزرنيخ إلى آخره بهما وبالواو لما رواه الحناطى وقوله وان كان قليلا بالواو وكذا سحاقة الخزف لما رواه الحناطى وقوله ويجوز بالرمل بالواو قال [الثاني القصد إلى الصعيد فلو تعرض لمهب الريح لم يكف ولو يممه غيره باذنه وهو عاجز جاز وان كان قادرا فوجهان] القصد إلى التراب معتبر واحتجوا عليه بقوله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا) أمر بالتيمم والمسح والتيمم القصد فلو وقف في مهب الريح فسفت عليه التراب فامر اليد عليه نظر ان وقف غيرنا وثم لما حصل التراب عليه نوى التيمم لم يصح تيممه وان وقف قاصدا بوقوفه التيمم حتى أصابه التراب فمسحه بيده فظاهر نص الشافعي ﵁ وقول اكثر الاصحاب أنه لا يصح تيممه لانه لم يقصد التراب وانما التراب أتاه وعن أبي حامد المروزى قدس الله روحه أنه لا يصح كما لو
جلس في الوضوء تحت الميزاب أو برز للمطر وذكره صاحب التقريب وبه قال الحليمى والقاضى أبو الطيب وحكاه القاضى أبو القاسم بن كج عن نص الشافعي ﵁ وإذا عرفت ذلك فاعلم أن لفظ الكتاب في المسألة يجوز أن يراد به الصورة الاولى ويجوز أن يراد به الثانية أو المشترك بينهما وعلي هذا يكون نفى الجواز جوابا على أظهر الوجهين والظاهر الاحتمال الثاني لانه حكى الخلاف في الوسيط ولا خلاف في]
[ ٢ / ٣١٧ ]
[الصورة الاولى وإذا كان كذلك فليكن قوله لم يكف معلما بالواو ولو يممه غيره نظر ان كان بغير اذنه فهو كالتعرض لمهب الريح وان كان باذنه نظر ان كان عاجزا عن المباشرة بنفسه لقطع أو مرض جاز بل يجب عليه ذلك إذا وجد غيره وان كان قادرا فوجهان قال صاحب التلخيص لا يجوز كما في مسألة الريح لانه مأمور بقصد التراب ولم يقصد والاظهر الجواز اقامة لفعل نائبه مقام فعله ويحكي ذلك عن نصه في الام قال [الثالث النقل فلو كان على وجهه تراب فردده بالمسح لم يجز إذ لا نقل فان نقل من سائر أعضائه الي وجهه جاز وان نقل من يده إلى وجهه جاز على الاصح ولو معك وجهه في التراب جاز على الصحيح] نقل التراب الممسوح به إلى العضو ركن في التيمم واحتجوا عليه بأن الله تعالى أمر بالتيمم وهو القصد وانما يكون قاصدا إذا نقل التراب الي المحل الممسوح وغير هذا الاستدلال أوضح منه وجملة المذهب في النقل أن يكون على العضو الممسوح به اما ان التراب الممسوح أو ينقل إليه من غيره فان كان عليه بان كانت الريح قد سفته عليه من غير قصد منه إلى التيمم أو بسبب آخر فردده عليه من جانب إلى جانب ومسحه لم يجز لانه لم ينقل ولو أخذه منه ورده إليه ومسحه به جاز على أصح الوجهين لانه بالانفصال انقطع حكم ذلك العضو عنه وان نقله إلى العضو الممسوح من غيره نظر ان نقله من عضو ليس هو محل التيمم فيجوز كما لو نقله من الارض أو من بدن غيره وهذا ما أراد بقوله وان نقله من سائر أعضائه وان نقله من يده إلى وجهه أو بالعكس فوجهان أحدهما لا يجوز لانه منقول من محل الفرض فاشبه مالو نقل من أعلى الوجه الي أسفله أو من الساعد إلى الكف وأظهرهما يجوز لانه منقول من غير العضو الممسوح به]
[ ٢ / ٣١٨ ]
[فصار كالمنقول من الرأس والظهر وهذا في غير تراب التيمم: فأما لو مسح وجهه بتراب كثير ثم أخذه ليمسح به اليد زاد النظر في استعمال المستعمل وقد سبق ذلك ولو تمعك في التراب فوصل إلى وجهه ويديه بهذا الطريق نظر ان كان معذورا جاز نص عليه والا فوجهان أحدهما لا يجوز لانه لم ينقل التراب إلى أعضاء التيمم انما نقل العضو إليه وادعى المسعودي ان هذا ظاهر المذهب وأصحهما عند الاكثرين الجواز لان القصد إلى التراب قد تحقق بهذا الطريق وهو المطلوب ولو سفت الريح ترابا على كمه فمسح به وجهه جاز على أصح الوجهين وكذا لو أخذ التراب من الهواء للمسح حالة اثارة الريح اياه * قال [الرابع أن ينوى استباحة الصلاة فلو نوى رفع الحدث لم يجز وأكمله أن ينوى استباحة الفرض والنفل جميعا أو استباحة الصلاة مطلقا (و) فيكفيه فلو نوى استباحة الفرض جاز النفل أيضا بالتبعية على الصحيح ولكن في جوازه بعد وقت تلك الفريضة أو قبل فعلها خلاف مشهور ولو نوى النفل ففى جواز الفرض به قولان فان منع ففى جواز النفل وجهان من حيث أن النفل كالتابع فلا يفرد ولو نوى استباحة فرضين صح تيممه لفرض واحد على أحد الوجهين]
[ ٢ / ٣١٩ ]
[النية واجبة في التيمم قال ﷺ (ليس للمرء من عمله الا ما نواه) وقد ذكرنا صحة الوضوء إذا نوى أحد أمور ثلاثة فبين في التيمم حكمها الاول رفع الحدث وهل يجوز التيمم بهذه النية فيه وجهان أحدهما نعم لان التيمم يرفع الحدث في حق الفريضة الواحدة والنوافل لانها مستباحة به وقد قال ﷺ (لا صلاة الا بطهارة) ولان رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة فقصد رفع الحدث يتضمن قصد الاستباحة ويحكي هذا الوجه عن ابن سريح وجعله ابن خيران قولا للشافعي ﵁ وأصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يجوز لان التيمم لا يرفع الحدث الا ترى]
[ ٢ / ٣٢٠ ]
[انه صلي الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص وقد تيمم للجنابة من شدة البرد (يا عمرو صليت باصحابك وأنت جنب فقال عمرو اني سمعت الله تعالى يقول ولا تقتلوا أنفسكم فضحك رسول
الله صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه شيئا) سماه جنبا بعد التيمم ولانه لو رفع الحدث لما بطل الا بعروض الحدث ولما تأثر بروية الماء وإذا لم يرفع الحدث لم يصح التيمم بنية رفعه كما لو قصد شيئا آخر لا يفيده التيمم ولو تيمم الجنب بنية رفع الجنابة فهو علي هذا الخلاف الثاني استباحة الصلاة وغيرها مما لا يباح الا بالطهارة وإذا تيمم بنية استباحة الصلاة مثلا فله أربعة احوال أحدها أن يقصد استباحة نوعيها الفرض والنفل وأخطرهما بالبال فيصح تيممه لانه قد تعرض لمقصود التيمم ويباح له الفريضة بهذا التيمم وكذلك النافلة قبل الفريضة وبعدها حكي عن نصه في رواية البويطي وفى وجه ليس له النفل بعد خروج وقت الفريضة وانما يخرج هذا الوجه إذا كانت الفريضة المنوية معينة وهل يشترط تعينها بصفاتها أم يكفى نية مطلق الفريضة فيه وجهان أحدهما يشترط ويروى ذلك عن أبي اسحق وابن أبي هريرة وبه قال أبو قاسم الصيمري]
[ ٢ / ٣٢١ ]
[واختاره الشيخ أبو علي لانه لابد من نية الفريضة ليستبيحها فلابد من تعينها الا ترى ان في نية الصلاة لما وجب التعرض للفريضة وجب تعينها وأصحهما عند الاكثرين أنه لا يشترط لانه لا يحتاج في الطهارة إلى تعيين الحدث الذى ينوى رفعه فكذلك لا يحتاج الي تعين ما ينوى استياحته وعلى هذا إذا أطلق صلى أية فريضة شاء ولو عين واحدة جاز له أن يصلي غيرها: (الحالة الثانية) أن ينوى الفريضة ولا تخطر له النافلة فتباح الفريضة له بشرط التعيين أو دونه كما سبق لانه نواها وللمرء من عمله ما نواه وحكم المنذورة حكم المكتوبات الخمس وإذا استباح الفريضة بهذا تيمم فهل له أن يتنفل به قبل فعل الفريضة فيه قولان أحصهما نعم لان النوافل تبع الفرائض فإذا صلحت طهارته للفريضة التي هي الاصل فللنوافل أولى: والثاني لا يجوز وبه قال مالك لان النوافل تؤدى بالتيمم تبعا للفرائض فانه طهارة ضرورة ولا ضرورة في الاتيان بالنوافل والتابع لا يقدم علي المتبوع وهل يتنفل بعد الفريضة فيه طريقان أصحهما القطع بانه يتنفل لانه إذا قدم]
[ ٢ / ٣٢٢ ]
[الفريضة فقد حافظ على قضية التبعية وهى تقديم المتبوع وتأخير التابع: والثاني وهو اختيار القفال فيما حكاه الشيخ أبو محمد طرد القولين وجه المنع انه لم ينو غير الفريضة فلا يباح له غيرها فان جوزنا له التنفل بعد الفريضة؟ ذلك مادام وقت الفريضة باقيا ان عينها فإذا خرج فل يجوز له أن يتنفل بذلك
التيمم: فيه وجهان أظهرهما نعم لانه إذا جاز له التنفل وجب ألا يفترق الحال فيه بين ما قبل انقضاء الوقت وما بعده كما في الوضوء: والثاني لا لانقطاع التبعية بانقضاء الوقت ومن قال بالطريقة الثانية في أنه هل يتنفل بعد الفريضة وطرد القولين انتظم منه أن يقول إذا تيمم للفرض فهل له ان يتنقل فيه قولان ان قلنا نعم فذلك بعد فعل الفريضة وقبل خروج وقته: أما قبل فعله فهل له ذلك قولان وبعد خروج الوقت وجهان وكلام صاحب الكتاب الي هذا الايراد أقرب فقوله جاز النفل أيضا بالتبعية على الصحيح أي من القولين وقوله خلاف مشهور يعنى به قولين فيما قبل فعل الفريضة ووجهين فيما بعد وقتها وهذا كله فيما إذا لم يقصد عددا من الفرض بل قصد نوع الفرض أو فريضة واحدة أما إذا تيمم لفائتتين أو منذورتين فهل يصح تيممه فيه وجهان أصحهما نعم لانه نوى الواحدة وزاد فلغت الزيادة وعمل الاصل والثاني لا: لانه نوى مالا يباح بالتيمم الواحد ففسدت نيته وصار كما لو لم ينو أصلا وقرب امام الحرمين الوجهين ههنا من الوجهين فيما إذا نوى المتوضي استباحة صلاة دون غيرها لانه بقتصر النية على النية على الصلاة الواحدة مخالف حكم الوضوء كما أن المتيمم بنية الزيادة مخاف حكمه وإذا عين فريضة]
[ ٢ / ٣٢٣ ]
[فيشترط أن تكون عليه حتى لو تيمم لفائتة ظنها عليه ولم تكن عليه فائتة أصلا أو تيمم لفائتة ظهر ثم بان أن التى عليه عصر لم يصح تيممه لان استباحة الفريضة لازمة وان لم يجب التعيين فأذا عين وأخطأ لم يصح كما إذا عين الامام في الصلاة وأخطأ بخلاف مثله في الوضوء لان نية الاستباحة غير لازمة في الوضوء من أصلها فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلي اليوم وأخطأ: (الحالة الثالثة) أن ينوى النفل ولم يخطر له الفرض فهل يباح له الفرض بهذا التيمم فيه قولان أصحهما لا: لان الفرض هو الاصل والنفل تبع فلا يجعل المتبوع تابعا: والثاني نعم لانه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة فاشبه مالو توضأ للنافلة وعن أبي الحسين ابن القطان أنه لا يختلف القول في انه لا يباح الفرض به فهذا طريق آخر جازم فان قلنا يباح له الفريضة فالنافلة أولى وان قلنا لا يباح الفريضة ففى النافلة وجهان أصحهما أنها تباح لانه نواها بطهارته والتيمم صالح للفرض إذا نواه فللنفل أولى والثاني لا يباح لان النفل تابع والتيمم طهارة ضرورة فلا يجعل مقصدا به ومن قال بهذا الوجه فقد قال بان هذا التيمم لا يصح أصلا ولو نوى بتيممه حمل المصحف أو سجود
التلاوة أو الشكر أو نوي الجنب الاعتكاف وقراءة القرآن فهو كما لو نوى بتيممه صلاة النفل ففى جواز]
[ ٢ / ٣٢٤ ]
[الفريضة له قولان وإذا منعنا ففى جواز ما نواه وجهان ولو تيمم لصلاة الجنازة فهو كما لو تيمم للنافلة على أظهر الوجهين لانها وان تعينت عليه فهي كالنافلة من حيث انها لا تنحصر وهى غير متوجهة نحوه على التعيين ويتصور سقوطها بفعل الغير بخلاف المكتوبات ولو نوت الحائض استباحة الوطئ صح تيممها على أصح الوجهين لانه مما يفتقر إلى الطهارة لكنه يكون كالتيمم للنافلة (الحالة الرابعة) أن يقصد نفس الصلاة من غير تعرض للفرض والنفل ففيه وجهان أحدهما أنه كما لو نوى الفرض والنفل جميعا وهذا هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال أو استباحة الصلاة مطلقا فيكفيه وهو قياس قول الحليمي فيما حكاه أبو الحسن العبادي وقطع به امام الحرمين ﵏ لان الصلاة اسم جنس يتناول الفرض والنفل جميعا فاشبه ما لو تعرض لهما في نيته والثانى أنه كما لو نوى النفل وحده لان مطلق اسم الصلاة محمول عليه والفرض يحتاج إلى تخصيصه بالنية الا ترى أنه لو تحرم بالصلاة مطلقا انعقدت صلاته نفلا وهذا الوجه أظهر ولم يذكر أصحابنا العراقيون غيره وهو المنقول عن القفال فهذا تمام الاحوال الاربع وهى بأسرها مذكورة في الكتاب الامر الثالث لو نوى فريضة التيمم أو اقامة التيمم المفروض ففيه وجهان أحدهما يصح تيممه كما يصح الوضوء بهذه النية وأصحهما أنه لا يصح لان التيمم ليس مقصودا في نفسه وانما يؤتي به عن ضرورة فلا يصلح مقصدا بخلاف الوضوء ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التيمم واعلم انه كما لا يجوز أن تتأخر النية في الوضوء عن أول فعل مفروض كذلك لا يجوز في التيمم وأول أفعاله المفروضة نقل التراب ولو قارنته النية وعزبت قبل مسح شئ من الوجه فهل يجوز وجهان أحدهما نعم كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وعزبت بعده وأظهرهما وهو الذى ذكره في التهذيب أنه لا يجوز لان النقل وان كان واجبا الا أنه ليس بركن مقصود في نفسه بخلاف غسل الوجه في الوضوء ولو تقدمت النية على أول فعل]
[ ٢ / ٣٢٥ ]
[مفروض فهو كمثله في الوضوء
قال [الخامس أن يستوعب (ح) وجهه بالمسح ولا يلزمه ايصال التراب إلى منابت الشعور وان خفت] قال الله تعالي (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) يجب استعياب الوجه بالمسح بالتراب خلافا لابي حنيفة حيث قال يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الربع حكاه الصيدلاني من أصحابنا وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة انه إذا مسح أكثر وجهه أجزأه لنا ما روى أنه ﷺ (تيمم فمسح وجهه ويديه) ومن لم يستوعب صح أن يقال ما مسح وجهه انما مسح بعض الوجه وأيضا وانه عضو هو محل الفرض في الطهارتين يجب استيعابه في الوضوء فيجب في التيمم ولا يجب اتصال التراب إلى منابت الشعور خفيفة كانت أو كثيفة عامة كانت أو نادرة كلحية المرأة لان النبي صلى الله عليه]
[ ٢ / ٣٢٦ ]
[وسلم تيمم بضربتين مسح بأحدهما وجهه وبالضربة الواحدة لا يصل التراب إلى منابت الشعور وفيه وجه أنه يجب ايصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب ايصال الماء إليها اعطاء للبدل حكم الاصل والفرق ظاهر لعسر ايصال التراب إلى منابت الشعور وهل يجب مسح ظاهر المسترسل من اللحية الخارج عن حد الوجه فيه قولان كما في الوضوء قال [السادس مسح اليدين إلى المرفقين (م) فيضرب ضربة واحدة لوجهه ولا ينزع خاتمه ولا يفرج أصابعه وينزع ويفرج في الضربة الثانية ويمسح الي المرفقين ولا يغفل شيئا] يجب استيعاب اليدين إلى المرفقين بالمسح في التيمم كما يجب الاستيعاب بالغسل في الوضوء لما روى أنه صلى الله عليه وآله تيمم فمسح وجهه وذراعيه والذراع اسم للساعد إلى المرفق وروى أنه صلى الله]
[ ٢ / ٣٢٧ ]
[عليه وسلم (قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) وقال مالك واحمد يمسح يده إلى الكوعين لما روى انه ﷺ قال (لعمار يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين) ونقل مثل هذا عن القديم للشافعي ﵁ وأنكر الشيخ أبو حامد وطائفة ذلك وسواء ثبت أم لا فالمذهب الاول واعلم انه قد تكرر لفظ الضربتين في الاخبار فجرى طائفة من الاصحاب على الظاهر وقالوا لا يجوز أن ينقص منها ويجوز أن يزيد فانه قد لا يتأتي له الاستيعاب بالضربتين
وقال آخرون الواجب ايصال التراب إلى الوجه واليدين سواء كان بضربة أو اكثر وهذا أصح نعم يستحب ألا يزيد ولا ينقص وحكي القاضي ابن كح عن بعض أصحابنا أنه يستحب]
[ ٢ / ٣٢٩ ]
[أن يضرب ضربة للوجه واخرى لليد اليمنى واخرى لليسرى والمشهور الاول وصورة الضرب غير معينة بل لو كان التراب ناعما فوضع اليد عليه وعلق الغبار بيده كفى ثم إذا أخذ التراب بدأ في مسح الوجه باعلاه ومسح اليدين بان يضع أصابع يده اليسرى سوى الابهام علي ظهور أصابع اليمني سوى الابهام بحيث لا تخرج انامل اليمني عن مسبحة اليسرى ويمرها على ظهر كفه اليمني فإذا بلغت الكوع ضم اطراف أصابعه إلى حرف الذراع ويمرها إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع فيمرها عليه وابهامه منصوبة فإذا بلغ الكوع مسح ابهامه ببطنها ظهر ابهامه اليمنى ثم يضع أصابع اليمنى على اليسرى فيمسحها كذلك وهذه الكيفية محبوبة علي المشهور وقد زعم بعضهم أنها منقولة من فعل رسول الله ﷺ وقال الصيدلاني أنها غير واجبة ولا سنة وهو قضية كلام أكثر الشارحين للمختصر قالوا أنما ذكر الشافعي ﵁ هذه الكيفية ردا علي مالك ﵁ حيث قال بالضربة الواحدة لا يتأتي المسح إلى المرفقين وهذا يشعر بأنها غير محبوبة ولا مقصودة في نفسها وهل يفرق أصابعه في الضربتين أما في الثانية فنعم وأما في الاولى فقد روى المزني التفريق أيضا واختلف الاصحاب فيه فغلطه قوم منهم القفال وقالوا لا يفرق في الضربة الاولى لانها لمسح الوجه]
[ ٢ / ٣٣٠ ]
[ولا يمسح الوجه بما بين الاصابع وما لم يمسح الوجه لا يدخل وقت مسح اليدين حتى يقدر الاحتساب به عن اليدين فلا فائدة في التفريق وأما في الضربة الثانية دخل وقت مسح اليدين فيفرق حتي يستغنى عن ايصال التراب إليها مما علي الكف وصوبه آخرون وقالوا فائدته زيادة تأثير الضرب في أثارة الغبار لاختلاف موضع الاصابع إذا كانت مفرقة وهذا أصح ثم القائلون بالاول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يفرق في الضربة الاولى فقال الاكثرون نعم إذ ليس فيه الا حصول تراب غير مستعمل بين أصابعه فان لم يفرق في الضربة الثانية كفاه ذلك التراب لها وان فرق حصل
فوقه تراب آخر غير مستعمل فيقع المجموع عن الفرض وقال الاقلون ومنهم القفال لا يجوز ذلك ولا يصح تيممه لو فعل لان فرض ما بين الاصابع لا ينأتي بالضربة الاولى لوجوب الترتيب وحصول ذلك الغبار ولمنع وصول الثاني ولصوقه بالمحل ومن قال بالاول قال الغبار الاول لا يمنع وصول الثاني أو لا يمنع الوصول المعتبر ولهذا لو غشيه غبار في تقبله في السفر ثم تيمم يصح تيممه ولا يكلف نفض التراب أولا ثم إذا فرق في الضربتين وجوزنا ذلك أو فرق في الضربة الثانية وحدها فيستحب تخليل الاصابع بعد مسح اليدين على الهيئة المذكورة احتياطا ولو لم يفرق فيهما]
[ ٢ / ٣٣١ ]
[أو فرق في الاولى وحدها وجب التخليل آخرا لان ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به ثم يمسح بعد ذلك احدى الراحتين بالاخرى وهو واجب أو مستحب فيه خلاف مبني على أن فرض الكفين هل يتأتى بضربهما علي التراب أم لا وفيه وجهان منهم من قال لا لانه لو تأدى فرضهما حينئذ لما صلح الغبار الحاصل عليهما لموضع آخر لانه يصير بالانفصال عنه مستعملا ومنهم من قال وهو الاصح نعم لانه وصل الطهور إلى محل الطهارة بعد النية ودخول وقت طهارة ذلك المحل فعلى هذا المسح آخرا متحب وعلي الاول هو واجب هذا ما يتعلق بهذه الهيئة والقدر الواجب ايصال التراب إلى الوجه واليدين كيف ما كان ولا يشترط أن يكون المسح باليد بل لو مسح وجهه بخرقة أو خشبة عليها تراب جاز ولا يشترط الامرار علي أصح الوجهين كما ذكرنا في مسح الرأس ولا يشترط أيضا ألا يرفع عن العضو الممسوح ختى يستوعبه في أصح الوجهين والثاني يشترط لان التراب]
[ ٢ / ٣٣٢ ]
[الباقي بالفصل يصير مستعملا فلا يصح تيممه بالمردود حتى يأخذ ترابا جديدا ومن قال بالاول أجاب بانا إذا قلنا أن المستعمل هو اللاصق بالعضو فالباقي غير مستعمل بحال وان قلنا أن المتناثر مستعمل فانما يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية واعرض المتيمم عنه لان في ايصال التراب إلى الاعضاء عسرا سيما مع رعاية الاقتصار على الضربتين فيعذر في رفع اليد وردها كما يعذر في التقاذف الذى يغلب في الماء ولا يحكم باستعمال المتقاذف والله أعلم *
ونعود إلى لفظ الكتاب في نزع الخاتم وتفريج الاصابع قال فيضرب ضربة واحدة لوجهه ولا ينزع خاتمه ولا يفرج أصابعه وقد يوجد في بعض النسخ وينزع خاتمه ولا يفرج أصابعه فعلى الاول المراد أنه لا يجب نزع الخاتم لان المقصود من الضربة الاولى مسح الوجه دون اليدين وقد ذكرنا أن المسح لو كان بخرقة ونحوها جاز فغايته مسح بعض الوجه بما علي الخاتم وليس المراد أنه لا يجوز النزع فانه لا صائر إليه ولا وجه له بل يستحب النزع ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعا للسنة وقوله ولا يفرج أصابعه يمكن أن يراد به أنه لا يجوز التفريج ذهابا إلى ما صار إليه القفال ومن وافقه لكنه لم يرد ذلك لانه نقل كلام القفال في الوسيط واستبعده وانما أراد أنه]
[ ٢ / ٣٣٣ ]
[لا يجب التفريج أو انه لا يستحب أو انه يستحب ألا يفرج فان أراد الاحتمال الاول فلا كلام فيه وان أراد غيره فليكن معلما بالواو لما ذكرنا من رواية المزني وتصحيح الاصحاب لها وبينا أنه ظاهر المذهب وأما من روى في الكتاب وينزع خاتمه فذلك ظاهر والمراد الاستحباب على ما سبق قال [السابع الترتيب كما في الوضوء] الترتيب معتبر بين الوجه واليدين كما في الوضوء وتركه ناسيا حكمه ما سبق في الوضوء ولا يشترط الترتيب في أخذ التراب للعضوين على أصح الوجهين حتى لو ضرب يديه على ح الارض معا وتمكن من مسح الوجه بيمينه ومن مسح يمينه بيساره جاز لان الركن الاصلى هو المسح وأخذ التراب ونقله وسيلة فلا يعتبر فيه ترتيب (خاتمتان) احداهما قال جماعة من الاصحاب اركان التيمم وفروضه خمسة وحذفوا الركن الاول والثاني من السبعة التى عدها في الكتاب والذى فعلوه أولى اما الركن الاول فلانه ما ساقه الا للكلام في التراب المتيمم به ولو حسن عد التراب ركنا في التيمم لحسن عد الماء ركنا في الوضوء والغسل واما الركن الثاني فلان القصد داخل في النقل فانه إذا نقل التراب علي الوجه الذى سبق وقد نوى التيمم كان قاصدا الي التراب لا محالة وحذف بعضهم النقل ايضا فاقتصر على اربعة والاكثرون عدوه ركنا وبنوا عليه انه لو احدث بعد اخذ التراب]
[ ٢ / ٣٣٤ ]
[وقبل ان يمسح به الوجه يبطل ما فعله وعليه الاخذ ثانيا كما لو غسل في الوضوء وجهه ثم احدث بخلاف ما إذا اخذ كفا من الماء ليغسل به وجهه فاحدث ثم غسل الوجه جاز لان القصد إلى الماء ونقله لا يجب وقياس ذلك انه لا يضر عزوب النية بعد افترانها باخذ التراب وهو وجه قدمناه لكن الاصح انه لابد من الاستصحاب الي مسح بعض الوجه لما سبق وإذا يممه غيره باذنه وهو عاجز أو قادر وجوزناه واحدث احدهما بعد الضرب واخذ التراب وقبل المسح فقد ذكر القاضى في فتاويه انه لا يضر ذلك لانه الآذن لم يأخذ حتي يبطل بحدثه وحدث المأدون لا يؤثر في طهارة غيره وهذا مشكل بل ينبغى ان يبطل الاخذ بحدث الآذن كما لو كان يتيمم بنفسه ولهذا لو احدث بعد مسح الوجه يبطل ولا نقول انه لم يمسح حتى يبطل بحدثه ولو ضرب يده علي بشرة امرأة اجنبية عليها تراب فان كان كثيرا يمنع تلاقى البشرتين فلا بأس وان كان قليلا لا يجوز لان اللمس حدث والحدث إذا قارن فعل الطهارة منع الاعتداد به وفرق في التتمة بين ان يضرب اليد عليها في الضربة الاولى أو في الثانية وقال الاخذ للوجه صحيح فا؟ اضرب اليد عليها في المرة الثانية بطل مسح الوجه لانه حدث طرأ في اثناء التيمم والاول هو الوجه فان النقل من الاركان فمقارنة الحدث له كمقارنته لغسل الوجه في الوضوء وهكذا اطلق القاضى في الفتاوى وزاد بعضهم في الاركان طلب التراب وليس ذلك من نفس التيمم فان المريض يتيمم كالمسافر والطلب مخصوص بالمسافر وما يختص به بعض المتيممين لا يكون من نفس مطلق التيمم (الثانية) لم يفرد في الكتاب السنن بالذكر كما فعل في الوضوء وللتيمم سنن منها ما صار مذكورا في]
[ ٢ / ٣٣٥ ]
[كيفية مسح الوجه واليدين ومنها التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى ومنها امرار التراب علي العضد ذكر في التهذيب وغيره انه مستحب ونازع بعضهم فيه ومنها الموالاة وفيها قولان كما في الوضوء ويعتبر ههنا مدة الجفاف لو كان المستعمل ماء هذا إذا اعتبرنا ثم الجفاف وحكى أبو عبد الله الحناطي ههنا طريقة اخرى جازمة بانها لا تشترط في التيمم وذكر القاضى ابن كج طريقة ثالثة
جازمة بالاشتراط ومنها تخفيف التراب المأخوذ إذا كان كثيرا بنفض اليدين ومنها الا يرفع اليد عن العضو الممسوح حتى يتم مسحه ومنها الا يكرر المسح وفيه وجه ضعيف قال [الباب الثالث في احكام التيمم وهى ثلاثة الاول انه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة ولا تبطل الصلاة (ح ز) بعد الشروع فيها وتبطل بظن وجود الماء قبل الشروع ولكن المصلي إذا رأى الماء فالاولي له ان يقلب فرضه نفلا علي وجه وان يستمر علي وجه وان يخرج من الصلاة علي وجه ليدرك فضيلة الوضوء وفى وجه يلزمه المضى ولا يجوز الخروج وعلي هذا لو كان في نافلة بطلت لانها غير مانعة من الخروج وهو بعيد نعم لو اراد ان يزيد في ركعات النافلة ففى جوازه وجهان] ذكرنا ان هذا الباب مسوق لبيان فائدة التيمم وهي التى تباح به فتكلم في ثلاثة امور في انه إلى م أبيح وفى انه ماذا يبيح وفى ان ما يبيحه إذا اتى به هل يستغنى عن القضاء ام لا أما الاول فلا شك في ان التيمم يبطل بعرض الحدث كالوضوء ويختص هو بالبطلان بعروض القدرة علي استعمال الماء فجعل كلام الحكم الاول فيه واعلم ان التيمم على قسمين احدهما ما يرخص فيه مع وجدان الماء كتيمم المريض والثاني ما يكون بسبب اعواز الماء أو الحاجة إليه أو الخوف من]
[ ٢ / ٣٣٦ ]
[الاستقاء وما اشبه ذلك فالاول لا يتأثر برؤية الماء وطلوع الركب بحال واما الثاني فيتأثر بذلك وجملته ان ننظران رأى الماء خارج الصلاة يبطل تيممه لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال لابي ذر ﵁ (إذا وجدت الماء فامسسه جلدك) وكذا لو لم يتيقن الظفر بالماء لكن ظنه كما لو طلع عليه ركب أو اطبقت بالقرب منه غمامة أو توهمه كما إذا تخيل سرابا ماء لانه يجب عليه الطلب عند حدوث هذه العوارض وقد ذكرنا انه إذا وجب الطلب بطل التيمم وانما يبطل التيمم في هذه الصور بشرط ان لا يقارن هذه العوارض مانع آخر من استعمال الماء فلو قارنها مانع لم يبطل التيمم لانه يجوز التيمم ابتداء فاولى ان يدفع البطلان دواما وذلك كما إذا وجد ماء وهو محتاج إليه لسقيه أو وجده في قعر بئر وهو عند العثور عليه عالم بتعذر الاستقاء أو قال انسان اودعني فلان ماء وهو حين يسمع يعرف غيبة المودع وما اشبه ذلك وان رأى الماء في الصلاة فلا يخلو
اما ان تكون الصلاة مغنية عن القضاء أو لا تكون فان لم تكن مغنية عن القضاء كما إذا تيمم الحاضر لعدم الماء وشرع في الصلاة ثم رأى الماء في صلاته فهل تبطل صلاته وتيممه فيه وجهان احدهما لا لانه شرع في الصلاة بطهور امر باستعماله فيتمها محافظة على حرمتها ثم يتوضأ ويعيد واصحهما نعم لان الحاضر تلزمه الاعادة إذا وجد الماء بعد الفراغ فإذا وجده في اثناء الصلاة فليشتغل بالاعادة وان كانت مغنية عن القضاء فظاهر المذهب المنصوص انه لا يبطل تيممه ولا صلاته واشار المزني إلى تخريج قول انهما يبطلان وبه قال أبو حنيفة واحمد في رواية وساعد ابن سريج المزني علي التخريج وقال المستحاضة إذا انقطع دمها في الصلاة تبطل صلاتها فليكن المتيمم برؤية الماء كذلك لان الضرورة قد ارتفعت في الصورتين وجعل المسألتين علي قولين بالنقل والتخريج وجه الاول انه لو طلع عليه ركب لا يبطل تيممه فكذلك إذا رأى الماء وتيقن وجوده]
[ ٢ / ٣٣٧ ]
[لانهما متلازمان الا ترى انه قبل الشروع ببطل بهما وبعد الفراغ لا يبطل لا بهذا ولا بذاك وايضا لما شرع في الصلاة فقد تلبس بالمقصود ووجدان الاصل بعد التلبس بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل حكم البدل كما لو شرع في الصيام ثم وجد الرقبة وأيضا فان احباط الصلاة عليه أشد ضررا من تكليفه شراء الماء بالزيادة على ثمن المثل بقدر يسير فإذا لم يجب ذلك فاستعمال الماء ههنا أولى ألا يجب لحرمة الصلاة ووجه الثاني ظاهر قوله صلي الله عليه وسلم (فأمسسه جلدك) وأيضا فان المعتدة بالشهور لو حاضت في أثنائها تنتقل إلى الاقراء فكذلك ههنا والفرق بين المتيمم والمستحاضة نذكره في أحكام المستحاضة ان شاء الله تعالى ويتعلق بالمذهب المنصوص ويتفرع عليه أمور أحدها أنه يستثنى عنه ما لو شرع في الصلاة وهو مسافر ثم نوى الاقامة فيها بعد وجدان الماء ففى بطلان صلاته وجهان أصحهما البطلان تغليبا لحكم الاقامة وهما كالوجهين فيما إذا كان مقيما ورأى الماء في صلاته ولو شرع المسافر في الصلاة بالتيمم ونوى القصر ثم وجد الماء في الصلاة ونوى الاتمام بعده بطلت صلاته أيضا في أصح الوجهين لان تيممه صح لهذه الصلاة مقصورة وقد التزم الآن زيادة ركعتين والثانى لو كان في صلاة فريضة فهل يجوز له أن يخرج منها ليتوضأ فيه ثلاثة
أوجه أحدها نعم وهل هو أولى فيه وجهان أظهرهما نعم ليخرج من الخلاف فان من العلماء من حرم عليه الاستمرار ولانه لو وجد الرقبة في اثناء الصيام فالافضل أن يعدل الي التحرير فكذلك ههنا والثانى الاولى الاستمرار لان الخروج ابطال للعمل وقد قال الله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) حكى الوجهين هكذا الشيخ أبو حامد وطبقه وعن الشيخ ابى محمد والقاضي الحسين أن الخروج المطلق ليس بأولى لا محالة لكن الخلاف في أن الاولي أن يقلب فرضه نفلا ويسلم عن ركعتين أم الاولي أن يتم الفريضة فمن صائر الي الاول صيانة للعبادة عن الابطال وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين ومن صائر الي الثاني محافظة علي حرمة الفريضة والوجه الثاني في أصل المسألة أنه لا يجوز]
[ ٢ / ٣٣٨ ]
[الاعراض عن الفريضة بحال لان الاعراض ابطال للفريضة والثالث ذكره امام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج لانه ان لم يكن في الصلاة تعين عليه البدار حينئد فإذا كان فيها يمتنع الخروج وان لم يضق الوقت فله الخروج لان الوجوب في أول الوقت موسع والشروع لا يلزم شيئا وهذا التفصيل عنده لا يختص بالتيمم بل مطرد في كل مصل * الثلث إذا لم يخرج منها وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه ان كان الماء الذى ظفر به باقيا بحاله حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التسليمة الثانية لان بالتسليمة الاولى تمت الصلاة وبطل التيمم وان لم يكن ذلك الماء باقيا ولم يعرفه المصلي حتى فرغ فكذلك وان عرف فواته وهو بعد في الصلاة فهل يبطل تيممه إذا فرغ وجهان قال صاحب التلخيص نعم وبه قال الشيخ أبو حامد لان التيمم يبطل بوجدان الماء الا في الصلاة التى هو فيها لحرمتها وقال آخرون منهم القفال لا يبطل حتى يجوز له التنفل به لانه حين الفراغ غير واجد للماء ولا متوهم للوجدان * الرابع لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة ففى بطلانها وجهان أصحهما لا تبطل كالفريضة والثانى أنها تبطل لان حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة الا يرى أنها لا تلزم بالشروع والفريضة تلزم وهذا الوجه حكاه امام الحرمين قدس الله روحه عن ابن سريج ﵀ فعلى الاول الاصح لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نيته لم يزد علي ركعتين نص عليه لان الاولي في النوافل أن تكون مثني مثني فليسلم عن ركعتين وليصل بالوضوء
وعن القاضى الحسين أن له أن يزيد ما شاء وان كان قد نوى ركعة أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى لان الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء الا ترى أنه تفتقر الزيادة إلى قصد جديد وعن القفال أنه يجوز أن يزيد ما شاء لان حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم بخلاف مالو سلم وأراد افتتاح نافلة أخرى ولو نوى عددا فوق الركعتين ثم رأى الماء فهل يستوفى ما نواه أم يجب الاقتصار علي ركعتين فيه وجهان أظهرهما أن له أن يستوفى ما نواه لان احرامه انعقد لذلك العدد فأشبه المكتوبة]
[ ٢ / ٣٣٩ ]
[المقدرة وعلي هذا ففي جواز الزيادة علي المنوي الوجهان المذكوران في جواز الزيادة علي الركعتين إذا نواهما واصل هذه المسائل أن المصلى بسبيل من زيادة الركعات ونقصانها في النوافل المطلقة كيف شاء وسيأتي ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب (اعلم) أن قوله أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة وان كان مطلقا مشروط بشرطين أحدهما أن يكون ذلك التيمم غير تيمم المريض ونحوه والثاني ألا يقارن رؤية الماء مانع يرخص في ابتداء التيمم على ما بيناهما وقوله ولا تبطل برؤية الماء بعد الشروع فيها مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء والا فهى باطلة علي الاصح ولابد من استثناء الصورتين المذكورتين من قبل أيضا وقوله ولكن المصلي إذا رأى الماء لا يتعلق بقوله ويبطل بظن الماء قبل الشروع وان كان مذكورا عقيبه بل بقوله لا تبطل بعد الشروع فيها والوجوه الثلاثة التى ذكرها في أن الاولى ماذا كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج وترك الفريضة والذى يقابله قوله وفى وجه يلزمه المضي ولا يجوز الخروج وليس في الجمع بين هاتين العبارتين سوى الايضاح وقوله وعلي هذا لو كان في نافلة بطلت لانها غير مانعة يعني به انا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة انما نقول به لحرمة الفريضة وليس للنافلة حرمة مانعة من الخروج فتبطل وقوله وهو بعيد يجوز أن يريد به هذا البناء ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضى لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب إذا فقدنا تلك الحرمة فاما أن يقول بالبطلان فلم وطريق توجيه البطلان أن يقال رؤية الماء تقتضي البطلان مطلقا خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء
وانما أراد استبعاد أصل الوجه وهو بين من كلامه في الوسيط واستقرب بالاضافة إليه التردد في زيادة الركعات *]
[ ٢ / ٣٤٠ ]
[قال [الثاني ألا يجمع بين فرضين بتيمم واحد ويجمع بين فرض ونوافل وبين فرض ومنذورة ان قلنا يسلك بها مسلك جائز الشرع لا مسلك واجبه وبين فرض وركعتي الطواف الا إذا قلنا انهما فريضة ويجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد علي احد الوجهين لانهما كالتابع له ويجمع بين فريضة وصلاة جنازة ولا يقعد في صلاة الجنازة مع القدرة على القيام هذا نصه وقيل قولان بالنقل والتخريج وقيل ان تعيت عليه فلها حكم الفرض وقيل لها حكم النفل ولكن القعود لا يحتمل مع القدرة لان القيام اظهر ركانها] لا يؤدى بالتيمم الواحد مما يتوقف على الطهارة الا فريضة واحدة خلافا لابي حنيفة حيث قال يؤدى به ما شاء وكذلك قال احمد في رواية وفى رواية اخرى يتيمم لوقت كل صلاة لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ انه قال (من السنة الا يصلي بالتيمم الا مكتوبة واحدة ثم يتيمم للاخرى) والسنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة رسول الله ﵌ لان التيمم طهارة ضرورة فلا يؤدى به فريضتان ولا فرق بين ان يتحد الجنس كصلاتين أو طوافين أو يختلف كصلاة وطواف ولا فرق في ذلك بين البالغ والصبي وحكي القاضي الرويانى]
[ ٢ / ٣٤١ ]
[في الصبى هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد وجهين والصحيح انه لا يجمع لانه وان لم يكن مكلفا لكن ما يؤديه حكمه حكم الفرائض الا ترى انه ينوى بصلاته المفروضة ولا فرق في المكتوبة بين الفائتة والمؤداة واغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجها انه يجوز الجمع بين الفوائت وبين الفائتة والمؤداة ويجوز ان يجمع المتيمم بين فريضة ونوافل لان النوافل مما لا يمكن المنع منها وفى تجديد التيمم لكل واحدة منها حرج عظيم لانها لا تنضبط وايضا فهي اتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض ثم في الفصل مسائل (احداها) هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة فيه وجهان وربما قيل قولان اصحهما لا لانها مفروضة متعينة على الناذر فاشبهت المكتوبة والثانى نعم لانها وجبت
بعارض فلا يلحق بالمفروض الاصلي وهذا الخلاف مبني على اصل في النذر وهو انه يسلك بالمنذور مسلك واجب الشرع أو مسلك أقل ما يتقرب به وفيه وجهان فإذا نذر هديا حمل في قول علي شئ من النعم لانه الهدى الواجب شرعا وعلي قول له ان يقتصر علي دجاجة وقطعة لحم لان ذلك مما يتقرب به وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القربات التى لا تجب حتى يجوز القعود في الصلاة مع القدرة علي القيام ويجوز اداؤها علي الراحلة وإذا قلنا بالاول لا يجوز وقول الاصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الاحكام مع وجوب الاصل وعنوا بجائز الشرع ههنا القربات التي جوز تركها ويجرى الخلاف فيما لو جمع بين منذورتين (الثانية) في وجوب ركعتي الطواف قولان يذكران في موضعهما فان لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما وبين]
[ ٢ / ٣٤٢ ]
[الطواف وبينهما وبين مكتوبة وان اوجبناهما ففى الجمع بينهما وبين الطواف وجهان احدهما ويحكى عن ابن سريج انه يجوز لانهما تابعتان للطواف أو كالجزء منه بمثابة بعض الاشواط واصحهما انه لا يجوز لان ركعتي الطواف عبادة مستقله ولهذا يحتاج الي نية مفردة بخلاف بعض الاشواط والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض اما ركعتا طواف التطوع فتطوع ومنهم من اجرى القولين في ركعتي طواف التطوع أيضا وقال اتفاق الفرض والنفل في الشرائط لا ينكر الا يرى ان صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطهارة وستر العورة فعلى هذا لو صلى فريضة بتيمم وطاف تطوعا هل له ان يصلى به ركعتي الطواف فيه وجهان وفى جواز الجمع بين الخطبة وصلاة الجمعة بالتيمم الواحد وجهان كالوجهين في الجمع بين الطواف أو اجب وركعتيه إذا اوجبناهما لان الخطبة تابعة للصلاة كالركعتين للطواف وهذا علي قولنا تشترط طهارة الحدث في الخطبة الثالثة نص في المختصر انه يجمع بين فريضة وصلاة جنازة وفى موضع آخر انه لا يقعد فيها مع القدرة علي القيام وانها لا تؤدى علي الراحلة فهذا يقتضي الحاقها بالفرائض والاول يقتضى الحاقها بالنوافل واختلفوا فيه علي ثلاثة طرق احدها ان المسألتين علي قولين نقلا وتخريجا احدهما انها ملحقة بالفرائض فلا يجوز الجمع ولا القعود ولا علي الراحلة لانها فرض في الجملة والفرض بالفرض اشبه منه بالنفل وان اختلفت
كيفية الافتراض والثاني انها ملحقة بالنوافل فيجوز فعلها على الراحلة والجمع والقعود لان فروض الكفايات كالنوافل في جواز الترك وعدم الانحصار والطريق الثاني تنزيل النصين على حالين حيث قال يجمع اراد ما إذا لم يتعين عليه وفى هذه الحالة له ان يقعد ويؤديها على الراحلة وحيث قال لا يقعد اراد ما إذا تعينت عليه بان لم يحضر غيره وفى هذه الحالة لا يجمع والثالث ان حكمها]
[ ٢ / ٣٤٣ ]
حكم النفل على الاصلاق الا انه لا يسامح بالقعود فيها لان قوامها بالقيام إذ ليس فيها ركوع ولا سجود فإذا قعد فيها بطلت صورتها بالكلية فلا تلحق في هذا الحكم بالنوافل وهذا تقرير النصين وظاهر المذهب جواز الجمع بكل حال ولو جمع بين صلاتي جنازة بتيمم واحد ففيه هذا الخلاف ولو اراد ان يصلى على جنازتين صلاة واحدة فقد قال بعضهم يبنى ذلك على الخلاف ان اعتبرنا لكل صلاة تيمما لم يجز ذلك والا فيجوز وقال صاحب المعتمد ينبغي ان يجوز ذلك بكل حال لانه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة جاز الاقتصار على التيمم الواحد قال * (ومن نسى صلاة من خمس صلوات يصلي خمس صلوات بتيمم واحد وان نسي صلاتين فان شاء صلى خمس صلوات بخمس تيممات وان شاء اقتصر على تيممين وادى بالتيمم الاول الاربعة الاولى من الخمسة وبالثاني الاربعة الاخيرة من الخمسة) * إذا نسى صلاة من صلوات نظر ان كانت متفقة كما إذا نسي ظهرا من اسبوع فلا يلزمه الا ظهر واحدة ولا اثر للتردد في اليوم الذي فاتت منه ولا يخفى انه يفردها بتيمم وان لم تكن متفقة كما إذا نسى صلاة من الصلوات الخمس فيلزمه ان يأتي بالخمس ليخرج عن العهدة بيقين وعن المزني انه يكفيه ارب ركعات ينوى بها فائتته ويجلس في الثلاث الاخيرة ويسجد للسهو ويسلم وهل
[ ٢ / ٣٤٤ ]
[يكفيه تيمم واحد للجميع أم يفتقر لكل واحدة إلى تيمم فيه وجهان أحدهما ويحكى عن ابن سريج أنه يفتقر لكل صلاة إلى تيمم لان كل واحدة منها واجبة عليه بعينه فأشبهت الفائتتين وهذا اختيار الخضرى وأصحهما وهو المذكور في الكتاب وبه قال ابن القاص وابن الحداد أنه يكفيه تيمم واحد
للجميع لانها وان كانت واجبة الفعل فالمقصود منها واحدة وما عداها كالوسيلة إليها قال الشيخ أبو علي الوجهان مبنيان علي أنه لا يجب تعبين الفريضة المقصودة بالتيمم فان أوجبنا لتعبين وجب لكل واحدة تيمم لا محالة ولك أن تقول انما يجب التعبين إذا كانت الفريضة معينة فأما إذا لم تكن فيجوز أن يقال ينوى بتيممه ما عليه ويحتمل منه التردد والابهام كما يحتمل في كل واحدة من الصلوات ينوى أنها فائتته وهو متردد في ذلك ويجوز أن يعلم قوله يصلي خمس صلوات بالزاى لان عنده يكفيه صلاة واحدة بالصفة التى تقدمت وان نسي صلاتين من صلوات نظر أن كانتا مختلفتين وهى الحالة المرادة من مسألة الكتاب كما إذا نسى صلاتين من الوظائف الخمس فيجب الاتيان بالخمس لا محالة وحكم التيمم يبنى علي ما إذا كانت المنسية واحدة فان قلنا يجب ثم خمس تيممات فكذلك ههنا وان قلنا ثم يكفى تيمم واحد فما الذى يفعل ههنا قال ابن القاص يتيمم لكل واحدة منها ويقتصر عليها وقال ابن الحداد يقتصر علي تيممين ويزيد في عدد الصلوات فيصلي بالتيمم الاول الفجر والظهر والعصر والمغرب وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيخرج عن العهدة بيقين لانه صلى الظهر]
[ ٢ / ٣٤٥ ]
[والعصر والمغرب مرتين بتيممين فان كانت الفائتتان من هذه الثلاث فقد تأدت كل واحدة بتيمم وان كانت الفائتتان الفجر والعشاء فقد تأدت الفجر بالتيمم الاول والعشاء بالثاني وان كانت احدى الفائتتين احدى الثلاث واخر الفجر والعشاء فكذلك ولا شك أن ما ذكره ابن القاص جائز عند ابن الحداد فيخرج عن العهدة والذى ذكره ابن الحداد هل يجوز عند ابن القاص ظاهر كلامه في التلخيص أنه لا يجوز وقال الصيدلاني وغيره من الائمة لا خلاف بينهما وكل واحد منهما يجيز ما قاله الآخر فان كان الاول التقى كلام ابن القائن والخسرى في هذه الصورة ونظائرها وإذا كان الثاني انتظم أن يقال هو مخير ان شاء فعل ذلك وان شاء فعل هذا كما ذكره في الكتاب ويجوز أن يعلم قوله ان شاء وان شاء بالواو لظاهر كلامه في التلخيص وبالزاى ان قياس قوله أن لا يلزمه واحد من الامرين بل يكفيه صلاتان كما ذكرنا بتيممين وحكى وجه آخر أنه يتيمم مرتين ويصلي بكل واحد منهم الصلوات الخمس لانه للفائتة الواحدة يقضي الخمس بتيمم فللفائتتين يلزمه ضعف ذلك وهذا أبعد الوجوه عند مشايخ الاصحاب
من جهة أنه إذا صلي الاربع بالتيمم الاول فقد علم سقوط احدي الفائتتين عنه ففعل الخامسة عبث لانه لا يتأدى فرضان بتيمم واحد والمستحسن عندهم ما ذكره ابن الحداد ولابد فيه من زيادة في عدد الصلوات فيجب معرفة ضابط القدر الزائد وما يشترط في كيفية أدائها ليخرج عن العهدة أما الضابط فهو أن يزيد في عدد المنسى فيه عددا لا ينقص عما يبقى من المنسى فيه بعد اسقاط المنسى وينقسم المجموع صحيحا على المنسى بيانه في الصورة المذكورة المنسى صلاتان والمنسى فيه خمس يزيد عليه ثلاثة لانها لا تنقص عما ببقى من الخمسة بعد اسقاط الاثنين بل يساويه والمجموع وهو ثمانية ينقسم على الاثنين صحيحا ولو أنه أبي بعشر صلوات يجزيه عما ذكرنا في الوجه الاحير لانه زاد ما لا ينقص عن الباقي من المنسي فيه بعد اسقاط المنسى وينقسم مع الاصل صحيحا عليه وأول عدد يزيد عليه ووجد فيه الوصفان المذكوران حصل به الفرض فان تكلف زيادة عليه فأولى أن يجزيه وأما ما يشترط في كيفية الاداء فانه يبتدئ من المنسي فيه بأية صلاة شاء ويصلي بكل تيمم ما تقتضيه]
[ ٢ / ٣٤٦ ]
[القسمة لكن شرط خروجه عن العهدة بالعدد المذكور أن يترك في كل مرة ما ابتدأ به في المرة التي قبلها ويأتي في المرة الاخيرة بما بقى من الصلوات فلو صلى في المثال الذى سبق بالتيمم الاول الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبالثانى الصبح والظهر والعصر والمغرب فقد أخل بهذا الشرط ان لم يترك في المرة الثانية ما ابتدأ به في المرة الاولي وانما ترك ما ختم به في المرة الاولى فلا يخرج عن العهدة لجواز أن يكون ما عليه الظهر أو العصر أو المغرب مع العشاء فبالتيمم الاول صحت تلك الصلاة ولم تصح العشاء وبالتيمم الثاني لم يصل العشاء فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني خرج عن العهدة وقد أشار إلى هذا الشرط في الكتاب بقوله وأدى بالاول الاربع الاولى من الخمس وبالثانى الاربع الاخيرة ولو نسى ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة ولم يعرف عينها فعلى طريقة صاحب التلخيص يتيمم خمس تيممات ويصلي الخمس وعلى الوجه الاخير يتيمم ثلاث مرات ويصلى بكل واحد منها الخمس وعلى قول ابن الحداد يقتصر على ثلاث تيممات ويزيد في عدد الصلوات فيضم الي الخمس أربعا لان الاربعة لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد اسقاط الثلاثة بل يزيد عليه وينقسم المجموع وهو تسعة صحيحا
علي الثلاثة ولو ضممنا إلى الخمسة اثنين أو ثلاثة لما انقسم ثم يصلى بالتيمم الاول الصبح والظهر والعصر وبالثاني الظهر والعصر والمغرب وبالثالث العصر والمغرب والعشاء وله غير هذا الترتيب إذا حافظ على الشرط المذكور فلو أخل به كما إذا صلى بالتيمم الاول العصر ثم الظهر ثم الصبح وبالثانى المغرب ثم العصر ثم الظهر وبالثالث العشاء ثم المغرب ثم العصر لم يخرج عن العهدة لجواز أن يكون التي عليه الصبح والعشاء وثالثهما الظهر أو العصر فيتأدى بالتيمم الاول الظهر أو العصر ويتأدي بالثالث العشاء ويبقى الصبح عليه فيحتاج الي تيمم رابع للصبح وقس علي هذا نظائره هذا كله فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين أو أكثر أما إذا نسى صلاتين متفقتين من صلوات يومين فصاعدا فعليه أن يأتي بعشر صلوات صبحين وظهرين وعصرين ومغربين وعشائين ليخرج عن العهدة بيقين ويجب لها]
[ ٢ / ٣٤٧ ]
[عشرة تيممات علي لوجه المنسوب إلى الخضرى وعند معظم الاصحاب يكفيه تيممان يصلى بكل واحد منهما الصلوات الخمس ولا يكفى ههنا ثمان صلوات بتيممين بخلاف ما إذا كانتا مختلفتين لانه إذا فعل ذلك لم يأت بالصبح الا مرة واحدة بالتيمم الاول ولا بالعشاء الا مرة بالتيمم الثاني ويجوز أن يكون ما عليه صبحين أو عشائين ولو لم يعلم أن فائتتيه متفقتان أو مختلفتان أخذ بالاسوأ وهو أن تكونا متفقتين فيحتاج إلى عشر صلوت بتيممين لا يكفيه الاقتصار علي الثمان والوجه الذى هو اختيار الخضرى لا يخفى والله أعلم: وان اشتبه الحال علي حاج فلم يدر أترك صلاة فرض أم طواف فرض أتى بالطواف وبالصلوات الخمس بتيمم واحد وعلي وجه الخضرى يحتاج إلى ستة تيممات ولو صلى منفردا بتيمم ثم أدرك جماعة وأراد اعادتها معهم فان قلنا المعادة سنة له أن يعيدها بذلك التيمم وان قلنا الفرض أحدهما لا بعينه فهل يجوز فعله بذلك التيمم فيه وجهان كالوجهين فيما إذا نسى صلاة من الخمس هل يكفيه لها تيمم واحد والصحيح أنه يكفى ولو صلي الفرض بالتيمم علي وجه يحتاج إلى قضائه كالمربوط علي الخشبة ونحوه وأراد القضاء بالتيمم فيبني علي أن الفرض المعاد أو الاول أو كلاهما أو احدهما لا بعينه ان قلنا الفرض المعاد أو كلاهما افتقر إلى تيمم آخر وان قلنا الفرض الاول فلا حاجة الي اعادة التيمم وان قلنا الفرض أحدهما لا بعينه
فهو على الوجهين السابقين قال [وكذلك لا يتيمم لفريضة قبل دخول (ح) وقتها ووقت صلاة الخسوف بالخسوف ووقت الاستسقاء باجتماع الناس في الصحراء ووقت صلاة المبت بغسل الميت والفائتة بتذكرها والنوافل الرواتب لا يتأقت تيممها علي أحد الوجهين ولو تيمم لفائتة ضحوة النهار فلم يؤدبه الا ظهرا بعد الزوال فهو جائز علي الاصح وكذا لو تيمم للظهر ثم تذكر فائتة فاداها به جاز على الاصح ولو تيمم لنافلة ضحوة وقلنا يستباح به الفريضة فأدى الظهر به فعلي هذا الخلاف]
[ ٢ / ٣٤٨ ]
[لا يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها خلافا لابي حنيفة لنا انه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلو تيمم لفريضة قبل دخول وقتها لم يصح للفرض وهل يصح للنفل حكى بعضهم فيه وجهين بناء علي أن من احرم بالظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلا وظاهر المذهب انه لا يصح تيممه لا للفرض ولا للنفل وهذا الاصل يطلق اطلافا الا انه لابد من استثناء صورة عنه وهى ما إذا كان يجمع بين صلاتي الجمع بالتيمم فان ظاهر المذهب أن الجمع بين الصلاتين بتيممين جائز وحينئذ إذا قدم الاخيرة فقد تيمم لها قبل وقتها الاصلى ولو تيمم وصلى الظهر ثم تيمم فيضم إليها العصر فدخل وقت العصر قبل ان يشرع فيها فيبطل الجمع ولا يصلح ذلك التيمم للعصر لوقوعه قبل وقتها وانحلال رابطة الجمع وكما لا يقدم التيمم للمؤداة علي وقتها لا يقدم التيمم للفائتة علي وقتها ووقتها يدخل بتذكرها قال ﷺ (فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها) وإذا تيمم للفريضة في اول الوقت واخرها إلى آخر الوقت جاز نص عليه لانه تيمم في وقت الحاجة ولو تيمم لفائتة ضحوة النهار ولم يؤدها به حتي زالت الشمس فاراد أن يصلى به الظهر هل يجوز فيه وجهان اصحهما وبه قال ابن الحداد يجوز لان التيمم قد صح لما قصده وإذا صح التيمم لفريضة جاز له ان يعدل عنها الي غيرها كما إذا كانت عليه فائتتان فتيمم لاحداهما له ان يصلي الاخرى به دون التى تيمم لها والثاني لا يجوز وبه قال أبو زيد والخضرى لانه يقدم على وقت الظهر فلا يؤدى به كما إذا تيمم لها قبل وقتها ولو تيمم للظهر في وقتها ثم تذكر فائتة فاراد اداءها به فيه]
[ ٢ / ٣٤٩ ]
[طريقان احدهما طرد الوجهين والثاني القطع بالجواز والفرق انه إذا تيمم لقضاء الفائتة ضحوة فقد تيمم والظهر غير واجبة عليه فلا يصلح تيممه لها وههنا تيمم للظهر والفائتة واجبة عليه لكنه لم يكن عارفا بوجوبها وقد سلم الجواز هنا أبو زيد والخضرى وقوله في الكتاب في الصورة الاولى على الاصح يعنى من الوجهين وفى الصورة الثانية يجوز ان يريد الاصح من الوجهين جريا على طريقة طرد الوجهين وسكوتا عن الاخرى ويجوز ان يريد الاصح من الطريقين وهو قضية كلامه في الوسيط لكن طريقة طرد الخلاف اظهر من جهة النقل وكل هذا تفريع علي ان تعيين الفريضة التى يتيمم لها ليس بشرط فان شرطناه لم يصلح التيمم لغير ما عينه وجملة ما ذكرنا فيما إذا كانت الصلاة التى يتيمم لها فريضة اما النافلة فتنقسم الي مؤقتة والى غيرها اما المؤقتة فكالرواتب التابعة للفرائض وصلاتي العيد والكسوف وأوقاتها مذكورة في مواضعها ومنها صلاة الاستسقاء ووقتها اجتماع الناس لها في الصحراء ومنها صلاة الجنازة وبم يدخل وقتها فيه وجهان اظهرهما وهو المذكور في الكتاب انه يدخل بغسل الميت فانها حينئذ تباح وتجرى والثانى وبه اجاب صاحب الكتاب في الفتاوى انه يدخل بالموت فانه السبب المحوج إلى الصلاة فان قدم التيمم لهذه النوافل علي اوقاتها فالمشهور انه لا يصح كما في الفرائض لانه مستغن عن التيمم لها قبل وقتها وحكي امام الحرمين فيه وجهين والفرق ان امر النوافل اوسع ولهذا جاز اذاء نوافل كثيرة بتيمم واحد فصاحب الكتاب ذكر هذا الخلاف في الرواتب وهو غير مخصوص بها وان تيمم لهذه النوافل في اوقاتها جاز له ان يصلي النافلة التى تيمم لها وغيرها وهل يجوز الفريضة يبنى علي القولين اللذين قدمناهما في انه إذا تيمم للنافلة هل يصلي به الفريضة ان قلنا لا فلا يجوز وان قلنا نعم فله ذلك ان تيمم للنافلة في وقت تلك الفريضة ولو تيمم لنافلة ضحوة ثم دخل وقت الظهر فهل له ان يصلي الظهر به علي هذا القول فيه الوجهان المذكوران فيما إذا تيمم لفائتة قبل الزوال هل يصلي الظهر به وقوله فيه هذا الخلاف يعني الوجهين المذكورين دون الطريقين وان كان مذكورا بعد مسألة]
[ ٢ / ٣٥٠ ]
[الطريقين وما ذكرنا من المسائل فيما إذا تيمم للنافلة وحدها مبني علي ظاهر المذهب وهو ان التيمم لمجرد النافلة صحيح وفيه وجه قدمناه واما غير المؤقتة من النوافل فيتيمم لها متى شاء الا في اوقات الكراهية في اظهر الوجهين واعلم ان الشرح قد يقتضى تغيير مسائل الكتاب عن نظمها وترتيبها وهذا الفصل من ذاك قال [الحكم الثالث فيما يقضى من الصلوات المختلة والضابط فيه ان ما كان بعذر (ح) إذا وقع دام فلا قضاء افيه كصلاة المستحاضة وسلس البول وصلاة المريض قاعدا ومضطجعا وصلاة المسافر بتيمم: وإذا لم يكن العذر فيه دائما نظر فان لم يكن له بدل وجب (و) القضاء كمن لا يجد ماء ولا ترابا فصلي علي حسب حاله * والمصلوب إذا صلي بالايماء أو من علي جرحه أو ثوبه نجاسة ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف فانها رخصة وان كان لها بدل كتيمم المقيم (و) أو التيمم لالقاء الجبيرة أو تيمم المسافر لشدة (ح) البرد ففي القضاء قولان] التيمم قد يكون بحيث يغنى الصلاة المؤداة به عن القضاء وقد يكون بحيث لا يغنى والغرص الاعظم في هذا الموضع بيان ذلك ثم اختلط به القول في الصلوات المشتملة علي غير ذلك من وجوه الخلل ما التى تقضى وما التى لا تقضى لاندراج الكل تحت ضايط واحد قال الاصحاب الاعذار ضربان عام ونادر فاما العام فيسقط القضاء لان ايجابه مع عموم العذر يفضى إلى عموم المشقة وقال تعالى (وما جعل عليكم من الدين من حرج) ولهذا المعني جعلنا الحيض مسقطا للقضاء وعدوا في هذا القسم صورا منها صلاة المسافر بالتيمم لعدم الماء فلا اعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت ولا قضاء إذا وجده بعده (روى ان رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا وصليا ثم وجدا الماء في الوقت وأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول]
[ ٢ / ٣٥١ ]
[ألله ﷺ فذكرا له ذلك فقال للذى أعاد لك الاجر مرتين وللذي لم يعد اصبت السنة وأجزأتك صلاتك) والمعنى فيه ان فقد الماء في الاسفار عذر عام وسنبين من بعد ان الحكم غير منوط بالسفر بل بالموضع الذى يغلب فيه فقد الماء وانما لا يقضي المسافر بشرط ألا يكون سفره سفر معصية: أما
لو كان سفر معصية وتيمم وصلى ففى القضاء وجهان: أحدهما لا يقضى لانا إذا أوجبنا عليه التيمم فقد صار عزيمة في حقه بخلاف العصر والفطر ونحوهما فانها لا تجب وأظهرهما أنه يجب لانه وان كان واجبا فسقوط الفرض به رخصة فلا بناط بسفر المعصية وحكي الحناطي مع هذا الخلاف وجها آخر انه لا يتيمم أصلا وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السفر طويلا: فيه قولان أصحهما لا والقصير كالطويل في هذا الحكم لقوله تعالى (وان كنتم مرضى أو علي سفر) الآية واسم السفر يقع علي الطويل والقصير وعن ابن عمر ﵄ أنه رجع عن الجرف فلما بلغ المربد تيمم ثم دخل المدينة فلم يعد مع بقاء القوت والثاني أن يقضي في السفر القصير لانه يلحق بالحضر في امتناع القصر والفطر فكذلك في حكم القضاء ومنهم من قطع بالاول ولم يثبت الثاني قولا للشافعي ﵁ قال امام الحرمين ﵁ وفى هذه الصورة مزيد مع عموم العذر وهو أنه وان اختل الوضوء فقد أثبت الشرع عنه بدلا وهو التيمم فقام مقام المبدل وهذا المعنى يسقط القضاء على قول وان كان العذر نادرا علي ما سنذكره من بعد ولا فرق في نفى القضاء بين أن يكون تيممه عن جنابة أو عن حدث ولو كان مع المسافر ماء لكنه يحتاج إليه للشرب أو عجز عن تناول الماء للخوف من سبع أو ظالم أو لفقدان آلة الاستقاء فتيمم وصلى فكذلك لا اعادة عليه ومنها ما إذا تيمم لمرض مانع من استعمال الماء ومنها المرض المحوج إلى القعود أو الاضطجاع في الصلاة فان المرض علي الجملة من الاعذار العامة فيسقط القضاء: وأما العذر النادر فعلى ضربين نادر إذا وقع دام غالبا ونادر إذا وقع لم يدم غالبا أما الذى يدوم غالبا فيسقط القضاء أيضا لما يلحق صاحبه من المشقة]
[ ٢ / ٣٥٢ ]
[الشديدة وذلك كالاستحاضة وسلس البول والمذى والجرح السائل واسترخاء المقعد ودوام خروچ الحدث منه ولا فرق في هذا القسم بين أن يون عن الصفة الفائتة بدل أو لا يكون فان المستحاضة وان كانت تتوضأ لكل صلاة فريضة لكن ليس للنجاسات الدائمة ازالة ولا بدل عنها وأما الذي لا يدوم غالبا فعلى ضربين أحدهما أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع عن الفائت: والثانى ألا يكون معه بدل فان لم يكن معه بدل وجب القضاء لدور العذر وفوات الصفة المطلوبة لا الي بدل وذكر في]
[ ٢ / ٣٥٣ ]
[الكتاب لهذا القسم صورا منها ما إذا لم يجد ماء ولا ترابا فصلى وقد يفرض فقدهما جميعا في حق المحبوس في موضع لا يجد واحدا منهما أو في موضع لا يجد الا ترابا نجسا أو فيما إذا كانت الارض متوحلة ولم يقدر على تخفيف الطين فإذا اتفق ذلك ببعض هذه الاسباب أو غيرها فهل يجب عليه الصلاة في القديم لا يجب لانه يجب عليه الاعادة وان صلى فلو أوجبناه لالزمناه ظهرين وقد روى أنه ﷺ قال (لاظهر ان في يوم) نعم يستحب ذلك لحرمة الوقت والجديد الصحيح أنه يجب عليه الصلاة في الوقت لانه استطاع الاتيان بافعال الصلاة وان عجز عن الطهارة وقد قال]
[ ٢ / ٣٥٤ ]
[ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) وصار كما إذا عجز عن ستر العورة لا يترك الصلاة بسببه ومنهم من نقل القول القديم في الحرمة وقال يحرم عليه أن يصلي كالحائض وبه قال أبو حنيفة وإذا صلى في الوقت امنثالا لما أمرناه به وجوبا أو ندبا فظاهر المذهب وجوب الاعادة لان هذا عذر نادر لا دوام له وحكي بعض الاصحاب فيه قولين وهذا العادم وان أمر بالصلاة والحلة هذه لا يجوز له حمل المصحف وقراءة القرآن ان كان جنبا وان كان حائضا فليس للزوج غشيانها ولو قدر على أحد الطهورين في خلال الصلاة بطلت صلاته ومنها المربوط على الخشبة ومن شد وثاقه على الارض يصلي على حسب حاله بالايماء ثم يعيد لانه عذر نادر بخلاف المريض يصلي بالايماء ولا يعيد لان عذر المرض يعم وقال الصيدلاني ان كان مستقبل القبلة فلا اعادة عليه كالمريض يصلي بالايماء علي جنب وان لم يكن يلزمه الاعادة قال وكذا الغريق يتعلق بعود ويصلي بالايماء يعيد إذا كان الي غير القبلة وذكر في التهذيب نحوا من هذا في مسألة الغريق فقال لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالايماء وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان أحدهما لا يعيد أيضا كما لو صلى بالايماء إلى القبلة واصحهما أنه يعيد بخلاف ما لو صلي بالايماء لان حكم الايماء أخف من ترك القبلة الا ترى أن المريض يصلي بالايماء ولا يعيد وإذا لم يجد من يحوله إلى القبلة يصلي إلى غيرها ويعيد: وأما مسألة المربوط فلم يذكر فيها هذا التفصيل وحكم بوجوب الاعادة وبه قال امام الحرمين قدس الله روءحه ومنها إذا كان على بدنه جراحة عليها دم وخاف من غسله التلف صلى وأعاد وان كانت على أعضاء الوضوء تيمم وصلى وأعاد فان هذا]
[ ٢ / ٣٥٥ ]
[الخلل ليس له بدل والعذر نادر غير دائم وفي القديم قول انه لا يعيد وبه قال أبو حنيفة والمزنى وكذلك الخلاف فيما إذا كان محبوسا في مكان نجس وصلي على النجاسة هل يعيد أم لا والقول القديم مطرد في كل صلاة وجبت في الوقت وان كانت مختلة وهو اختيار المزني والضرب الثاني أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع يعدل إليه ففى وجوب القضاء خلاف نفصله في صور هذا القسم منها المقيم إذا تيمم لعدم الماء فظاهر المذهب أنه يجب عليه القضاء لان عدم الماء في موضع الامامة نادر وإذا اتفق لا يدوم غالبا فان أهل ذلك الموضع يتبادرون إلى الاصلاح والاثباط فلا يصلح عذرا دافعا للقضاء والبدل المعدول إليه يقام مقام الاصل في جواز الاتيان بالصلاة حتى لا يخلو الوقت عن وظيفته وفى القديم وهو اختيار المزني أنه لا اعادة عليه لانه أتي بالمقدور عليه]
[ ٢ / ٣٥٦ ]
[واعلم أن وجوب القضاء على المقيم إذا قلنا بظاهر المذهب ليس لعلة الاقامة بل لان فقد الماء في موضع الافامة نادر وكذلك عدم الوجوب في السفر ليس لانه مسافر بل لان الفقد في السفر مما يعم ويغلب حتي لو أقام الرجل في مفازة أو موضع يعدم فيه الماء غالبا وطالت اقامته فيه يتيمم ويصلي ولا يعيد وفى مثله قال رسول الله ﷺ لابي ذر وكان يقيم بالربذة ويفقد الماء أيا (فسأل عن ذلك فقال ما لتراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج) ولو دخل المسافر في طريقه بلده أو قرية وعدم الماء وتيمم وصلى أعاد علي أظهر الوجهين فان كان حكم السفر باقيا نظر إلى ندرة العدم في ذلك الموضع وإذا عرفت ذلك فقول الاصحاب المقيم يقضي والمسافر لا يقضي جار على الغالب من حال السفر والاقامة والحقيقة وما بينا ومنها التيمم لالقاء الجبيرة وجملته أنه إذا كان به عذ يمنع من استعمال الماء في بعض محل الطهارة دون بعض فغسل المفدور عليه وتيمم وصلي هل يجزيه ذلك أم يلزمه القضاء عند زوال العذر ننظر ان لم يكن على محل العذر ساتر من جبيرة]
[ ٢ / ٣٥٧ ]
[ولصوق فيجزيه ولا قضاء عليه لانه لو تجرد التيمم لشئ من العلل والامراض لما كان عليه اعادة
فإذا انضم إلى التيمم غسل بعض الاعضاء كان أولى ألا يجب عليه الاعادة وان كان على محل العذر سائر فنظر أن ألقاه علي الطهارة ففى القضاء قولان أحدهما يجب لانه عذر نادر غيره دائم وأظهرهما أنه لا يجب لحديث جابر في الشجوج كما تقدم لم يأمره النبي ﷺ بالاعادة مع الحاجة إلى البيان ولا المسح علي الخف يغنى عن الاعادة مع أنه لا ضرورة إليه فالمسح على الجبيرة أولى لمكان الضرورة وان ألقاه لا علي الطهارة فعليه النزع ان أمكن ولا يجوز المسح عليه كما سبق وان تعذر النزع مسح وصلى للضرورة وهل يعيد فيه طريقان أظهرهما نعم لفوات شرط الوضع علي الطهارة والثاني طرد القولين فيه وذكر بعضهم أنه ان وضع علي الطهارة فلا يعيد في القديم قولا واحدا وفى الجديد قولان وان لم يضع علي الطهارة فيعيد في الجديد قولا واحدا وفى القديم قولان ولا خلاف في جريان الخلاف في الاعادة بين أن نقول بوجوب التيمم مع غسل المقدور عليه وبين أن لا نوجب التيمم ويجوز الاقتصار علي الغسل وقد بينا الخلاف فيه في موضعه وعن أبى حفص ابن الوكيل أن الخلاف في الاعادة علي قولنا أنه لا يتيمم أما إذا قلنا بوجوب التيمم فلا اعادة بلا]
[ ٢ / ٣٥٨ ]
[خلاف وهذا كله فيما إذا كانت الجبيرة أو اللصوق علي غير محل التيمم فأما إذا كان علي محل التيمم وجبت الاعادة لا محالة لنقصان البدل والمبدل جميعا كذلك ذكره ابن الصباغ في الشامل وأبو سعيد المتولي في التتمة ومنها التيمم لشدة البرد فان اتفق ذلك في السفر ففى اعادة الصلاة المؤداة به قولان أحدهما لا يجب وبه قال أبو حنيفة لان عمرو بن العاص تيمم بسبب البرد في غزوة ذات السلاسل وصلى وحكي ذلك لرسول الله ﷺ فلم يأمره بالاعادة وأصحهما أنها تجب لان البرد وان لم يكن شيئا نادرا لكن العجز عما يسخن به الماء وعن ثياب يدفا بها مع ذلك نادر وأن اتفق فانه لا يذوم فلا يسقط الاعادة وان اتفق في الحضر فالمشهور وجوب الاعادة وعن أبي الحسن بن القطان انه يبنى ذلك على السفر ان قلنا يعيد في السفر ففى الحضر أولى وان قلنا لا يعيد ثم ففى الحضر قولان ونعود إلى ما يتعلق من هذه المسائل بألفاظ الكتاب ونظمه خاصة]
[ ٢ / ٣٥٩ ]
[اعلم انه اهمل التقسيم الاول الذى حكيناه عن الاصحاب حيث قالوا العذر ينقسم إلى عام ونادر ثم قالوا النادر ينقسم إلى دائم وغير دائم واقتصر على تقسيم العذر إلى دائم إذا وقع والى غير دائم ويدخل العام والنادر في كل واحد من هذين القسمين الا ان دوام الوقوع ليس بشرط في قسم العام بل هو مسقط للقضاء دام أو لم يدم الا ترى ان حاجة المسافر الي ما عنده من الماء للشرب مسسقط للقضاء لانه يعم ولا يظهر فيها الدوام والاستمرار بل عدم الماء في السفر مما لا يدوم ايضا غالبا فانه ان فقد الماء في مرحلة وجده في المرحلة الاخرى فإذا كان كذلك فلمضايق أن يضايق في عده صلات المسافر بالتيمم على موجب التقسيم الذى ذكره من القسم الاول وللمضايقة وجوه أخر لا نطول بذكرها وأما قوله فان لم يكن لها بدل وجب القضاء ينبغى ان يعلم بالقاف والزاى لما ذكرنا من القول الذى اختاره المزني وقوله فصلى فيمن لم يجد ماء ولا]
[ ٢ / ٣٦٠ ]
[ترابا بالحاء والقاف لمذهب ابي حنيفة والقول الموافق له كما سبق وقوله أو المصلوب صلي بالايماء المراد منه المربوط علي الخشبة وليعلم بالواو لما ذكرنا في شرح المسألة بقى ان يقال لم عدها من قسم ما لا بدل له وهلا جعل الايماء بدلا عن الركوع والسجود والجواب ان المعني بالبدل في هذا المقام الشئ المضبوط الذى يعدل إليه العاجزون كلهم كالتيمم مع الوضوء والايماء ليس كذلك بل يختلف بالاحوال والاشخاص وله درجات متفاوتة ينزل المعذور من كل واحدة إلى ما يليها بحسب الامكان وأما قوله ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف فليس المراد الاستثناء من الصورة الاخيرة وهى ما إذا صلي وعلي جرحه نجاسة وجدها بل المراد الاستثناء من اصل هذا القسم وهو ندور العذر وعدم البدل وذلك لان في الصلاة حالة المسابقة اختلالا ظاهرا في الافعال والاركان ويحتمل ايضا كثرة الافعال وتلطخ السلاح بالدم علي تفصيل يأتي في موضعه وليس لها بدل وانما احتمل ذلك رخصة بالنص قال الله تعالى (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) ونازع امام الحرمين قدس الله روحه في كون القتال والنجاسة من الاعذار النادرة وقال هو كثير الوقوع في حق المقاتلة فعلى هذا صلاة شدة الخوف غير مستثناة عن هذا القسم وقوله أو التيمم لالقاء الجبيرة مطلق لم يفرق بين ان
يكون الوضع والالقاء علي الطهارة اولا علي الطهارة فهذا جواب علي طريقة طرد القولين في الحالتين وفى عده مسألة الجبيرة من الاعذار التي لا تدوم كلام فان القاضى ابا المحاسن الروياني قال هي ملحقة بالنادر الذى يدوم وذكر كثيرون من الاصحاب ان الكثير من جملة الاعذار العامة وعلى هذا فلا اعتبار بكونه دائما أو غير دائم ولا يستبعدن قولهم انه عام فانه لا يعنى بالعموم في هذا الباب سوى الكثرة والكسر والانخلاع كثير ليس بنادر واما قوله أو تيمم المسافر لشدة]
[ ٢ / ٣٦١ ]
[البرد فالتخصيص بالمسافر يشير إلى انه لو كان مقيما وتيمم لشدة البرد قضي بلا خلاف وهو الظاهر كما تقدم قال [والعاجز عن السترة في كيفية صلاته ثلاثة اوجه في وجه لا يتم الركوع والسجود بل يومئ حذرا من كشف العورة وفى وجه يتم وفى وجه يتخير فان قلنا لا يتم فيقضى لدور العذر وعدم البدل وان قلنا يتم فالاظهر انه لا يقضى لان وجوب الستر ليس من خصائص الصلاة] العاجز عن ستر العورة إذا صلى عاريا هل يقضى يبنى ذلك علي أنه كيف يصلي وفيه قولان أحدهما وهو اختيار المزني أنه يصلي قاعدا ليكون أقرب إلى التستر وأبعد عن الهيئة المستنكرة في الصلاة وعلي هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر علي الايماء وادناء الجبهة من الارض فيه قولان وأصحهما انه يصلي قائما ويتم الركوع والسجود فان المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه كيف والقيام والركوع والسجود أركان الصلاة وستر العورة من الشرائط وانما اعتبرت الشرائط زينة وكما لا للاركان فلا يجوز ترك الاركان لها هذا نقل المعظم وهو الظاهر وحكى امام الحرمين بدل القولين وجهين ووجهان ثالثا انه يتخير لتعارض الامرين ولزوم أحد الاختلالين]
[ ٢ / ٣٦٢ ]
[وصاحب الكتاب تابع الامام فحكي في المسألة ثلاثة أوجه والمروى عن أبي حنيفة واحمد التخيير كما في الوجه الثالث فليكن الوجهان الاولان معلمين بعلامتهما والخلاف في هذه المسألة يجرى في صور منها أذا كان محبوسا في موضع نجس ولو سجد لسجد علي نجاسة هل يتم السجود أم يقتصر على الايماء وإذا وجد ثوبا طاهرا
لو فرشه لبقى عاريا ولو لبسه لصلى على نجاسة ماذا يفعل فيه الخلاف وإذا وجد العريان ثوبا نجسا هل يصلى فيه ام يصلى عاريا فيه الخلاف وإذا عرف ذلك فان قلنا في مسألة العارى انه لا تتم الاركان فيقضي علي ظاهر المذهب لندور العذر وعدم البدل كمن لم يجد ماء ولا ترابا فصلي وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها وان قلنا تتم الاركان فهل يقضي فيه وجهان احدهما نعم لان العذر نادر وليس له دوام ولا بدل واظهرهما لا: ووجهوه بشيئين احدهما ان وجوب الستر لا يختص بالصلاة فاختلاله لا يقتضي وجوب الاعادة لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء وان ترك الستر مع القدرة كالاحتراز عن الكون في العرصة المغصوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء وان صلي فيه عمدا وهذا مذهب مالك والثاني العرى عذر عام أو نادر إذا اتفق دام فلا نوجب القضاء والطبع لا ينقاد لكون العرى بهذا الصفة واطلق قوم من شيوخ الاصحاب كصاحب التقريب القول بنفى الاعادة وهو جواب منهم علي ظاهر المذهب ولا]
[ ٢ / ٣٦٣ ]
[فرق في نفى الاعادة بين ان يكون العارى في الحضر أو في السفر بخلاف المتيمم لعدم الماء والفرق ان الثوب في مظنة الضنة فقد لا يبذل وان كان في الحضر والماء بخلافه وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العرى في ناحية لا يعتاد اهلها العرى فاما إذا صلى عاريا في قوم يعتادون العرى فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسي لعموم العذر وشيوعه عندهم كذلك فصل الشيخ أبو محمد وذكر امام الحرمين انه ساعده عليه كثير من الاصحاب وهو الذى أورده صاحب الكتاب في الوسيط قال الامام والوجه القطع بان الذين يعتادون العرى يتمون الركوع والسجود فانهم يتصرفون في أمورهم عراة فيصلون كذلك ولا يقضون وجها واحدا واعلم أن هذا التفصيل انما ينتظم على قول من يعد العرى من الاعذار النادرة ليصير باعتيادهم ذلك عاما فاما من عده من الاعذار العامة علي الاطلاق يتجه ألا يفرق بينهم وبين غيرهم والله أعلم * قال * (باب المسح علي الخفين) * [والنظر في شروطه وكيفيته وحكمه وله شرطان الاول أن يلبس الخف علي طهارة كاملة مائية قوية فلو
غسل احدى رجليه وادخلها الخف لم يصح لبسه حتى يغسل الثانية ثم يبتدئ اللبس وكذا لو صب الماء في الخف (ح) بعد لبسها علي الحدث] عن أبى بكرة أن رسول الله ﷺ رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما وعن صفوان بن عسال قال]
[ ٢ / ٣٦٤ ]
[أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن الا من جنابة لكل من غائط أو بول أو نوم والاحاديث في باب المسح كثيرة ومن شرط المسح علي الخف أن يلبسه وهو متطهر وعند أبى حنيفة لا يشترط تقديم الطهارة علي اللبس وانما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس علي طهارة كاملة لنا حديث أبي بكرة وعن المغيرة ابن شعبة قال (سكبت الوضوء لرسول الله ﷺ فلما انتهيت الي رجليه أهويت إلى الخفين لانزعهما فقال دع الخفين فاني ادخلتهما وهما طاهرتان) علل جواز المسح بطهارتهما عند اللبس وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الاعضاء طاهرة لان الترتيب واجب وغسل الرجل آخر الاركان ويترتب علي هذا الاصل مالو غسل احدى الرجلين وادخلها الخف ثم غسل الاخرى وادخلها الخف لم يجز المسح عليهما إذا أحدث لان أول اللبس تقدم علي تمام الطهارة وإذا كانت الطهارة شرطا للبس يجب تقدمها بكمالها علي اللبس كما يشترط تقدمها علي الصلاة فلو نزع ما لبسه أولا وأعاد اللبس وهو علي طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد والآخر ملبوس علي كمال الطهارة فقد تحقق الشرط فيهما جميعا وعن ابن سريج انه إذا نزع]
[ ٢ / ٣٦٥ ]
[الاول وجب نزع الثاني أيضا ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح لان حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر الا ترى ان نزع احدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني ولو لبس الخفين قبل أن يغسل رجليه ثم صب فيهما الماء حتى انغسلتا لم يجز له المسح وان تم وضوءه بما فعل لانه لبسهما قبل كمال الطهارة وأنزعهما ثم لبسهما فله المسح إذا أحدث وعند أبي حنيفة والمزنى له المسح في الصورتين ولا حاجة الي النزع واعلم ان الاعتبار فيما ذكرنا بحالة استقرار القدمين في مقرهما عن الخف حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما وغسلهما في الساق ثم أدخلهما موضع القدم جاز له المسح
لانه حين استقرتا في مكانها علي كمال الطهارة ولو ابتدأ اللبس وهو متطهر ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف لم يجز المسح نص عليه في الام وذكر فيه انه إذا مسح على الخفين]
[ ٢ / ٣٦٦ ]
[بشرطه ثم ازال قدمه من مقرها ولم يظهر من محل الفرض شئ فلا يبطل المسح وقياس الاول أن يبطل لكن الفرق ان ثم الاصل عدم المسح فلا يباح الا باللبس التام وإذا مسح فالاصل استمرار الجواز ولا يبطل الا بالنزع التام ونقل القاضى أبو حامد أنه يبطل المسح في الصورة الثانية واختاره القاضى أبو الطيب الطبري كما انه في الابتداء لا يمسح وفى الصورة الاولى وجه انه يجوز المسح إذا ابتدأ اللبس علي طهارة ثم أحدث قبل أن تستقر الرجلان في موضعهما وفرض القاضي حسين المسألة فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدمه في مقرها والباقى في ساق الخف وقال اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء في أن حكم البعض هل هو حكم الكل أم لا وقوله في الكتاب على طهارة تامة قوية لفظ التامة معلم بالحاء والزاى لما حكيناه واحترز به عما إذا غسل احدى رجليه وأدخلها الخف ثم الثانية وأدخلها الخف وعما إذا لبسهما ثم صب الماء في الخف حتي انغسلتا ويمكن أن يقال لا حاجة إلى قيد التمام لانه من لم يغسل رجليه أو احديهما ينتظم أن يقال انه ليس على الطهارة وأما قيد القوة فالغرض منه الاحتراز عن طهارة المستحاضة وما في معناها قال [والمستحاضة إذا لبست علي وضوئها لم تمسح علي أحد الوجهين لضعف طهارتها ووضوء المجروح إذا تيمم لاجل الجراحة كوضوء المستحاضة ثم ان جوزنا فلا تستفيد بطهارة المسح الا ما كان يحل لها لو بقيت طهارتها الاولى وهو فريضة واحدة ونوافل]
[ ٢ / ٣٦٧ ]
[إذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثا غير حدث الاستحاضة فهل لها أن تمسح علي الخف فيه وجهان نسبهما الشيخ أبو علي إلى تخريج ابن سريج أحدهما لا: لان طهارتهما ضعيفة ناقصة وانما يجوز المسح بعد طهارة قوية لانه ضعيف فلا يحتمل انضمام ضعف إلى ضعف وأصحهما الجواز ويروى أن أبا بكر الفارسى حكاه عن نص الشافعي ﵁ في عيون المسائل
ووجهه انها تحتاج الي اللبس والارهاق به كغيرها وأيضا فانها تستفيد الصلاة بطهارتها فتستفيد المسح أيضا وموضع الوجهين ما إذا لم ينقطع دمها قبل أن تمسح فاما إذا انقطع دمها قبل المسح وشفيت نزعت وأتت بطهارة كاملة بلا خلاف لان الطهارة التي ترتب المسح عليها قد زالت بالشفاء الطارئ فيمتنع ترتيب المسح عليها وطرد بعضهم الوجهين ههنا أيضا وجعل انقطاع دمها بمثابة الحدث الطارئ والمشهور الاول ثم إذا جوزنا المسح نظر ان أحدثت قبل أن تصلي فريضة بطهارتها مسحت وصلت فريضة ونوافل وان أحدثت بعد ما صلت فريضة مسحت ولم تصل به الا النوافل لان ما تستفيد بطهارتها فريضة ونوافل فلا تستفيد بالمسح المترتب عليها أكثر من ذلك ولا يجوز لها استيفاء مدة المسح بل إذا مسحت وصلت فريضة ونوافل أو نوافل علي اختلاف الحالتين ثم ارادت قضاء فائتة أو دخل وقت فريضة أخرى وجب نزع الخف والوضوء الكامل لتلك الفريضة وكذلك لو أحدثت حدثا غير حدث الاستحاضة بعد أن صلت فريضة ونوافل بالمسح وحكى عن تعليق أبى حامد أن لها أن تستوفى مدة المسح اما يوما وليلة واما ثلاثة أيام ولياليهن لسكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطهارة وتمسح على الخف ومال امام الحرمين في كلامه إلى هذا من جهة]
[ ٢ / ٣٦٨ ]
[المعنى وقطع بنفيه نقلا وفى معني طهارة المستحاضة طهارة سلس البول وكل من به حدث دائم وكذلك الوضوء المضموم إليه التيمم بسبب جراحة أو انكسار فيجرى فيها الخلاف المذكور في المستحاضة بلا فرق وأما محض التيمم فهل يستفاد به جواز المسح ينظر ان كان سببه اعواز الماء فلا بل إذا وجد الماء لزمه النزع والوضوء الكامل وعن ابن سريج أنه يجوز المسح لفريضة ونوافل كما ذكرنا في المستحاضة لان التيمم يبيح الصلاة أيصا فيبيح المسح والصحيح الاول بخلاف طهارة المستحاضة لان التيمم طهارة تفيد وتبيح عند الضرورة ولا ضرورة بعد وجدان الماء فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه وطهارة المستحاضة لا تتأثر بوجدان الماء كطهارة غيرها وان كان سبب التيمم شيئا آخر سوى اعواز الماء فهو كطهارة المستحاضة في جواز ترتيب المسح عليه فانه لا يتأثر بوجدان الماء لكنه ضعيف لا يرفع الحدث كطهارتها ولا يخفى بعد هذا الشرح
معنى قوله ان جوزنا فلا تستفيد بالمسح الا ما كان يحل لها الي آخره لكن ظاهر لفظه لا يتناول الا ما إذا أحدثت قبل أن تصلي الفريضة بطهارتها فانها حينئذ تحل لها فريضة ونوافل لو بقيت طهارتها الاولى مما إذا أحدثت بعد أن تصلي الفريضة فلا يحل لها لو بقيت تلك الطهارة الا النوافل والوافى بحكم الحالتين على النظم الذى ذكره أن يقال في آخره وهو فريضة واحدة ونوافل أو نوافل * قال [الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساترا قويا حلالا فان تخرق أو كان دون الكعبين لم يكن ساترا والمشقوق القدم الذى يشد محل الشق منه بشرج فيه خلاف والقوى ما يتردد عليه في المنازل لا كالجورب واللفاف وجورب الصوفية والمغصوب (و) لا يجوز المسح عليه على أحد]
[ ٢ / ٣٦٩ ]
[الوجهين لان المسح لحاجة الاستدامة وهو مأمور بالنزع] اعتبر في الملبوس ثلاثة أمور أحدها أن يكون ساترا لمحل فرض الغسل من الرجلين فلو كان دون الكعببين لم يجز المسح عليه لان فرض الظاهر الغسل وفرض المستور المسح ولا صائر إلى الجمع بينهما فيغلب حكم الغسل فانه الاصل ولهذ لو لبس أحد الخفين لم يجز المسح له ولو كان الخف متخرقا ففيه قولان القديم به قال مالك أنه يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش الخرق لانه مما يغلب في الاسفار حيث يتعذر الاصلاح والخرز فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة فوجب أن يسامح وعلي هذا فما حد الفاحش منه قال الاكثرون مادام يتماسك في الرجل ويتأتي المشى عليه فهو ليس بفاحش وقال في الافصاح حده ألا يبطل اسم الخف والقول الجديد أنه لا يجوز المسح عليه قليلا كان التخرق أو كثير الان بعض محل الفرض غير مستور ومواضع الخرز التى ينشد بالخيوط أو ينضم لا عبرة بها فان لم تكن كذلك وظهر منها شئ لم يجز المسح أيضا ولو تخرقت الظهارة وحدها أو البطانة وحدها جاز المسح ان كان ما بقى صفيقا والا فلا يجوز في أظهر الوجهين وعلي هذا يقاس ما إذا تخرق من الظهارة موضع ومن البطانة موضع لا يحاذيه والخف المشقوق القدم إذا شد منه محل الشق بالشرج أن كان يظهر منه شئ مع الشد فلا يجوز المسح عليه وان لم يظهر منه]
[ ٢ / ٣٧٠ ]
[شئ فوجهان احدهما لا يجوز أيضا كما لو لف قطعة أدم علي القدم وشدها لا يجوز المسح عليها وأظهرهما ونقله الشيخ أبو محمد عن نصه أنه يجوز لصول الستر به وارتفاق المشى فيه فلو فتح الشرج بطل]
[ ٢ / ٣٧١ ]
[المسح وان لم يظهر شئ لانه إذا مشى فيه ظهر وليكن قوله في الكتاب فلو تخرق معلما بالقاف والميم لما ذكرنا وبالحاء ايضا لان عند ابي حنيفة ان كان الخرق بحيث يبين منه قدر ثلاث اصابع من اصابع الرجل لم يجز المسح عليه وان كان اقل جاز (الثاني) ان يكون قويا والمراد منه كونه]
[ ٢ / ٣٧٢ ]
[بحيث يمكن متابعة المشى عليه لافرسخا ومرحلة بل قدر ما يحتاج المسافر إليه من التردد في حوائجه عند الحط والترحال فلا يجوز المسح على اللفائف والجوارب المتخذة من الصوف واللبد لانه لا يمكن المشى عليها ويسهل نزعها ولبسها فلا حاجة إلى ادامتها في الرجل ولانها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل ولابد من شئ مانع على الاصح كما سيأتي وكذلك الجوارب المتخذة من الجلد التي تلبس مع المكعب وهي جورب الصوفية لا يجوز المسح عليها حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها وتمنع نفوذ الماء ان اعتبرنا ذلك اما لصفاقها أو لتجليد القدمين والنعل على الاسفل أو الالصاق بالكعب وحكى بعضهم أنها وان كانت صفيقة ففى اشتراط تجليد القدمين قولان وعند أبى حنيفة لا يجوز
[ ٢ / ٣٧٣ ]
[المسح على الجوربين وان كانا صفيقين حتي يكونا مجلدين أو منعلين وخالفه صاحباه فهذا إذا تعذر المشى فيه لضعف الملبوس في نفسه ولو تعذر المشى فيه لسعته المفرطة أو لثقله أو لضبقه ففى جواز المسح عليه وجهان احدهما يجوز لانه في نفسه صالح للمشى عليه الا ترى انه لو لبسه غيره لارتفق به واصحهما لا يجوز لانه لا حاجة له في ادامة مثل هذا الخف في الرجل ولا فائدة له فيه ولو تعذر المشى فيه لثقله أو غلظه كما إذا اتخذ خفا من خشب أو حديد وهو بحيث لا يمكن المشى عليه فلا يجوز المسح عليه كما لو تعذر المشئ فيه لضعفه وكذلك لو كان المتخذ من الخشب محدد الرأسي لا يثبت مسنقرا على
الارض ولو كان المتخذ من الخشب والحديد لطيفا يتأتي المشي فيه جاز المسح عليه هذا قضية]
[ ٢ / ٣٧٤ ]
[ما ذكره الجمهور تصريحا وتلويحا وذكر امام الحرمين وصاحب الكتاب في الوسيط أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وان عسر المشي فيه فان ذلك ليس لضعف الملبوس وأنما هو لضعف اللابس ولا نظر إلى احوال اللابسين فانه لا ينضبط (الثالث) ان يكون حلالا فالخف المغصوب والمسروق في جواز المسح عليه وجهان قال صاحب التلخيص لا يجوز لان المسح عليه لحالة الاستدامة وهو مأمور بالنزع والرفض ولان لبسه معصية والمسح رخصة والرخص لا تناط بالمعاصى وقال أبو علي الطبري والاكثرون يجوز كالوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب ولو اتخذ من الذهب أو الفضة خفا فجواز المسح عليه على الوجهين وايراد صاحب التهذيب يشعر بالمنع]
[ ٢ / ٣٧٥ ]
[جزما والاول أقرب ولعلك تقول اول كلام صاحب الكتاب يقتضى اشتراط الحل جزما حيث قال الشرط الثاني ان يكون الملبوس ساترا قويا حلالا وبالآخرة ذكر وجهين في المسح علي الخف المغصوب ثم الاظهر منهما في المذهب جواز المسح عليه فينحذف القيد الثالث عن درجة الاعتبار ولا يلائم آخر الكلام أوله فاعلم ان الضوابط في المذهب تذكر كالتراجم لما قيل باعتباره وفاقا أو خلافا والاعتماد على ما يذكر من التفصيل آخرا وكثيرا ما ينحذف بعض القيود علي الاظهر الا انه يذكر لمعرفة الخلاف لكن ههنا صورة اخرى تقتضي التعرض لهذا القيد واعتباره وان جوزنا المسح علي الخف المغصوب والمسروق وهى ما إذا اتخذ خفا من جلد الكلب أو جلد الميتة قبل]
[ ٢ / ٣٧٦ ]
[الدباغ فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره علي اصح القولين وقد نص في الام علي انه لا يجوز المسح عليه لانه لا يمكن الصلاة فيه وفائدة المسح وان لم تنحصر في الصلاة الا ان المقصود الاصلي الصلاة وما عداها كالتابع لها وايضا فان الخف بدل عن الرجل ولو كانت الرجل نجسة لم تغسل عن الوضوء ما لم تطهر عن النجاسة فكيف يمسح علي البدل وهو نجس العين
ولا يعود الخلاف في هذه الصورة (واعلم) انه يعتبر في الملبوس وراء الصفات الثلاث المذكورة في الكتاب صفات أخر (احداها) ان لا يتعذر المشى عليه بسبب السعة المفرطة أو الضيق المفرط أو بسبب الثقل أو الاحتداد كما سبق (والثانية) ذكر الشيخ أبو محمد انه ينبغى ان يقع عليه اسم الخف حتى لو لف علي قدمه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه لان اللف لا يقوى ولا يتأتى التردد ومتابعة المثي عليه فان فرض ربط قوى فمثل ذلك يعسر ازالته واعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الارتفاق المقصود بالمسح فيتبع مورد النص وهو الخف (الثالثة) ان يمنع نشف الماء ووصوله إلى لرجل فلو لم يمنع كالخف المنسوج والذى لا صفاقة له فهل يجوز المسح عليه فيه وجهان اظهرهما لا: لان الغالب من الخفاف ان يمنع النفوذ فينصرف إليها نصوص المسح ويبقى الغسل واجبا فيما عداها والثاني يجوز كما لو تخرقت ظهارة الخف وبطانته من موضعين غير متوازبين يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء واختار امام الحرمين هذا الوجه وتابعه صاحب الكتاب في الوسيط ولذلك]
[ ٢ / ٣٧٧ ]
[حذف هذا الشرط من اصله ههنا لكن ظاهر المذهب الاول قال [فرع الجر موق الضعيف فوق الخف لا يمسح عليه وان كان قويا لم يجز (م ح) المسح عليه أيضا في الجديد بل عليه ان يدخل اليد بينهما فيمسح علي الاسفل] الجرموق هو الذي يلبس فوق الخف وانما يلبس غالبا لشدة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخفين أو خفين فوق الخفين فلا يخلو من اربع احوال (احداها) ان يكون الاسفل بحيث لا يمسح عليه لضعف أو تخرق والا علي يحيث يمسح عليه فالمسح علي الاعلي والاسفل والحالة هذه كالجورب واللفافة (والثانية) ان يكون الامر بالعكس من ذلك فيمسح على الاسفل القوى وما فوقه كخرقة تلف على الخف فلو مسح على الاعلي فوصل البلل إلى الاسفل فان قصد المسح علي الاسفل جاز وكذا لو قصد المسح عليهما جاز ويلغو قصد المسح علي الاعلي وفيه وجه انه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح وان قصد المسح على الاعلى الضعيف لم يجزه وان لم يقصد شيئا بل كان علي نيته الاولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان اظهرهما الجواز لانه قصد اسقاط فرض الرجل
بالمسح وقد وصل الماء إليه فكفى (الحالة الثالثة) الا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح (الرابعة) ان يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه فهل يجوز المسح علي الاعلي فيه قولان قال في القديم والاملاء يجوز وبه قال أبو حنيفة واحمد والمزنى لان المسح علي الخف جوز]
[ ٢ / ٣٧٨ ]
[رفقا وتخفيفا وهذا المعني موجود في الجرموق فان الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء وقال في الجديد لا يجوز وهو اشهر الروايتين عن مالك لان الاصل غسل الرجلين والمسح رخصة وردت في الخف والحاجة إلى لبسه اهم واعم فلا يلحق به الجرموق فان فرعنا على القديم وجوزنا المسح علي الجرموق فكيف السبيل في ذلك: ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان اظهرها ان الجرموق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل لانه يستر الخف ستر الخف للرجل ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فاقيم مقامه (وثانيها) ان الاسفل كاللفافة والخف هو الاعلى لانا إذا جوزنا المسح عليه فقد جعلناه اصلا في رخصة المسح وثالثها ان الاعلي والاسفل معا بمثابة خف واحد فالاعلى كالظهارة والاسفل كالبطانة ويتفرع علي هذه المعاني مسائل (منها) لو لبسهما جميعا وهو علي كمال الطهارة له ان يمسح على الاعلي علي هذا القول وهل له ان يمسح علي الاسفل بان يدخل اليد بينهما فيه وجهان ان قلنا الاعلي بدل الاسفل يجوز كما يجوز لو غسل الرجل في الخف وان قلنا الاسفل كاللفافة أو هما كطافتى خف واحد فلا (ومنها) لو لبس الاسفل علي كمال الطهارة ولبس الاعلي علي الحدث ففى جواز المسح علي الاعلي وجهان ان قلنا بالمعنى الاول أو الثاني فلا يجوز لانه مقصود بالمسح لبسه محدثا فلا يمسح عليه كالخف الواحد وان قلنا بالمعني الثالث فيجوز كما لو لبس الخف علي الطهارة ثم احدث والصق به طاقة اخرى وفى المسألة طريقة اخري انه لا يجوز المسح عليه جزما]
[ ٢ / ٣٧٩ ]
[غسل الرجلين وهل يكفيه ذلك ام يفتقر إلى استئناف الوضوء قولان كما سنذكر في نزع الخف وان قلنا انهما كالظهارة والبطانة فلا شئ عليه وان قلنا الاسفل كاللفافة فينزع الاسفل ايضا ويغسل الرجلين وفى لزوم الاستئناف قولان فيحصل من مجموع الاختلافات في المسألة خمسة أقوال
لا يلزمه شئ: يلزم المسح علي الاسفل لا غير: يلزم المسح مع استئناف الوضوء: يلزم نزع الخفين وغسل الرجلين: يلزم ذلك مع استئناف الوضوء (ومنها) لو تخرق الاعلي من احدى الرجلين أو نزعه فان قلنا الاعلى بدل البدل فهل يلزمه نزعه من الرجل الاخرى فيه وجهان اصحهما نعم كما لو نزع احد الخفين يلزمه نزع الثاني ثم إذا نزع عاد القولان في انه يكفيه المسح علي الاسفلين ام يحتاج]
[ ٢ / ٣٨٠ ]
[ولو لبس الاسفل كذلك واحدث ومسح عليه ثم لبس الجرموق فهل يمسح عليه منهم من بناه على المعاني ان قلنا الجرموق بدل الخف أو قلنا انه كالظهارة فيجوز وان قلنا انه الخف والاسفل كاللفافة فلا وقيل يبني الجواز علي هذا المعني الثالث على ان المسح علي الخف هل يرفع الحدث ام لا ان قلنا يرفع فيجوز والا فلا لانه لم يلبس على طهارة قوية ومنهم من بنى المسألة على هذا الاصل وقطع النظر عن المعاني الثلاثة وإذا جوزنا المسح في هذه المسألة علي الاعلي فقد ذكر الشيخ أبو على ان ابتداء المدة يكون من حين أحدث أول ما لبس لا من وقت الحدث بعد لبس الجرموقين لان كله كاللبس الواحد يبني البعض علي البعض وفى جواز المسح على الاسفل الخلاف الذى سبق (ومنها) لو لبس الاسفل على الحدث وغسله فيه ثم لبس الاعلى وهو على طهارة كاملة فلا يجوز المسح علي الاسفل لا محالة وهل يجوز على الاعلى يبنى علي المعاني ان قلنا الاعلي بدل البدل فلا يجوز لان الاسفل ليس ممسوحا عليه إذا كان ملبوسا على الحدث فلا يصلح للبدلية وان قلنا انهما كالظهارة والبطانة فكذلك لا يجوز كما إذا لبس الخف ثم الصق به طاقة اخري وهو متطهر وان قلنا الاسفل كاللفافة فله المسح علي الاعلى (ومنها) لو تخرق الاعلى من الرجلين جميعا أو نزعهما بعد ما مسح عليه وبقي الاسفل بحاله فان قلنا الاعلى بدل البدل لم يجب نزع الاسفل لان حكم الاصل لا يبطل بسقوط البدل لكن لابد من المسح علي الخفين كما إذا نزع الخف لابد من]
[ ٢ / ٣٨١ ]
[إلى اعادة الوضوء والثاني لا يلزم نزع الآخر لان كل واحدة من الرجلين دونها حائل والفرض فيما المسح بخلاف ما إذا نزع احد الخفين فان فرض الرجل المكشوفة حينئذ الغسل وعلي هذا فيما يلزمه
قولان احدهما المسح على الخف الذي خلع الاعلى من فوقه والثاني استئناف الوضوء والمسح على ذلك الخف وعلي الاعلي من الرجل الاخرى وان قلنا الاعلي والاسفل كطاقتي خف واحد لم يلزمه شئ وان قلنا بالمعنى الثالث نزع الاسفل من الرجل التى نزع منها الاعلي أو تخرق ونزعهما من الثانية ويغسل الرجلين وفى لزوم الاستئناف قولان (ومنها) لو تخرق الاسفل من الرجلين جميعا لم يضر علي المعاني كلها وان تخرق من احداهما فان قلنا الاعلي بدل البدل نزع واحدة من الرجل]
[ ٢ / ٣٨٢ ]
[الاخرى أيضا كيلا يكون جامعا بين البدل والمبدل كذلك ذكره في التهذيب وغيره ولك ان تقول هذا المعنى موجود فيما إذا تخرق الاعلى من احدى الرجلين وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الاخرى فليحكم بطردهما ههنا ثم إذا نزع ففيما يلزم: قولان احدهما المسح على الخف الذى تزع الاعلى من فوقه والثاني استئناف الوضوء والمسح عليه وعلي الاعلي الذى تخرق الاسفل تحته وان قلنا بالمعنى الثاني أو الثالث فلا شئ عليه ومنها لو تخرق الاعلي والاسفل من الرجلين جميعا أو من احداهما لزم نزع الكل علي المعاني كلها نعم ان قلناهما كطاقتي خف واحد وكان الخرق في موضعين غير متحاذيين لم يضر علي ما تقدم (ومنها) لو تخرق الاعلي من رجل والاسفل من الثانية]
[ ٢ / ٣٨٣ ]
[فان قلنا انه بدل البدل نزع الاعلي المتخرق واعاد المسح علي ما تحته وهل يكفى ذلك ام يحتاج إلى استئناف الوضوء ماسحا عليه وعلي الاعلى من الرجل الاخرى: فيه قولان وان قلنا هما كطاقتي خف واحد لم يضر وان قلنا الاسفل كاللفافة وجب نزع الكل كما لو تخرق احد الخفين ثم إذا نزع غسل الرجلين وفى استئناف الوضوء قولان: هذا كله تفريع علي القديم وان فرعنا على الجديد ومنعنا المسح علي الجرموق والخف الاعلي فان نزع الاعلي ومسح علي الاسفل فذاك وان ادخل اليد بينهما ومسح علي الاسفل فهل يجوز فيه وجهان اصحهما وهو المذكور في الكتاب نعم كما لو غسل رجليه وهما في الخف يجوز والثاني لا يجوز لان المسح ضعيف فلا يجوز إذا كان هناك]
[ ٢ / ٣٨٤ ]
[حائل لانضمام ضعف إلى ضعف وعلي هذا القول لو تخرق الخفان تحت الجرموقين نظر ان كان عند التخرق علي طهارة لبس الاسفل مسح علي الاعلي لانه صار اصلا بخروج ما تحته عن ان يمسح عليه وان كان محدثا في تلك الحالة لم يمسح علي الاعلي كما لو ابتدأ اللبس علي الحدث فان كان علي طهارة المسح وذلك إذا جوزنا ادخال اليد بينهما والمسح على الاسفل منهما ففى جواز المسح علي]
[ ٢ / ٣٨٥ ]
[الاعلى وجهان كما ذكرنا في التفريع على القديم والله اعلم * ولو لبس الجرموق في احدى الرجلين واقتصر في الاخرى علي الخف واراد المسح علي جرموق وخف فلا شك انه يمتنع ذلك علي الجديد وعلي القديم يبنى علي المعاني الثلاثة ان قلنا الجرموق بدل البدل لم يجز ذلك لان اثبات البدل في احدى الرجلين يمتنع كما يمتنع المسح في احدى الرجلين والغسل في الاخرى وقد ذكرنا انه لو مسح]
[ ٢ / ٣٨٦ ]
[علي الجرموقين ثم نزع احدهما لا يلزمه شئ علي رأى ويستدام حكم المسح علي جرموق وخف والفرق علي هذا ان الامر في الاستدامة اقوى الا يرى ان اعتراض العدة والردة في دوام النكاح لا تبطله بخلاف ما في الابتداء وان قلناهما كطاقتي خف يجوز له المسح علي الجرموق والخف الآخر كما لو لبس حفين لاحدهما طاقة واحدة وللاخر طاقتان فان قلنا الاسفل كاللفافة فوجهان احدهما لا يجوز كما لو لبس خفا ولف على]
[ ٢ / ٣٨٧ ]
[الرجل الثانية لفافة واصحهما الجواز لانه انما ينزل منزلة اللفاقة إذا كان مستورا فاما إذا كان باديا فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل بخلاف مالو نزع احد الجرموقين يجب نزع الكل علي ذلك التقدير لانه يلبس الجرموق والمسح عليه صار الاسفل لفافة والله اعلم * قال [النظر الثاني في كيفية المسح واقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازى محل الفرض فلو اقتصر علي الاسفل فظاهر النص منعه واما الاكمل فان يمسح علي أعلي الخف واسفله الا ان يكون علي اسفله نجاسة واما الغسل والتكرار فمكروهان واستيعاب الجميع ليس بسنة] * الكلام في كيفية المسح يتعلق بالاقل والاكمل فاما الاقل فيكفى في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح خلافا لابي حنيفة
حيث قدر الاقل بثلاث اصابع اليد ولاحمد حيث اوجب مسح اكثر الخف لنا ان النصوص متعرضة لمطلق المسح وإذا اتى بما يقع عليه اسم المسح فقد مسح وهذا كما ذكرنا في مسح]
[ ٢ / ٣٨٨ ]
[الرأس ثم لابد وان يكون محل المسح ما يوازى محل الفرض من الرجل إذ المسح بدل عن الغسل وهل جميع ذلك محل المسح ام لا: لا كلام في ان ما يحاذي غير الاخمصين والعقبين محل له وأما ما يحاذي الاخمصين وهو اسفل الخف ففى جواز الاقتصار علي مسحه ثلاثة طرق أظهرها أن فيه قولين اظهرهما انه لا يجوز لان الرخص يجب فيها الاتباع ولم يؤثر الاقتصار علي الاسفل قال اصحاب هذه الطريقة وهذا هو المراد فيما رواه المزني في المختصر انه ان مسح باطن الخف وترك الظاهر اعاد والثانى وهو مخرج انه يجوز لانه محاذ لمحل الفرض كالاعلي وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين والطريق الثاني القطع بالجواز ثم من الصائرين إليه من غلط المزني وزعم ان ما رواه لا يعرف للشافعي في شئ من كتبه ومنهم من قال اراد بالباطن الداخل لا الاسفل والطريق الثالث القطع بالمنع واما عقب الخف ففيه وجهان انه ثم منهم من رتب العقب علي الاسفل وقال العقب أولى
[ ٢ / ٣٨٩ ]
[بالجواز لانه ظاهر يرى والاسفل لا يرى في اغلب الاحوال فاشبه الداخل ومنهم من قال العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر اصلا ومسح الاسفل مع الاعلي منقول ان لم ينقل الاقتصار عليه وننبه بعد هذا الامور من الفاظ الكتاب احدها قوله فان اقتصر علي الاسفل بعد قوله مما يوازى محل الفرض كالمنقطع عنه ولو قال لكن لو اقتصر أو نعم لو اقتصر وما اشبه ذلك كان اولى ليشعر باستثنائه مما يوازى محل الفرض الثاني قوله فظاهر النص منعه جواب علي طريقة القولين لان هذا الكلام انما يطلق غالبا حيث يكون ثم قول آخر مخرج الثالث ظاهر كلامه يقتضى تجويز المسح على عقب الخف لانه قال اقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازى محل الفرض ولم يخرج عنه الا اسفل الخف وموضع العقب مما يوازى محل الفرض وليس هو من اسفل الخف لكن الاظهر عند الاكثرين انه لا يجوز الاقتصار عليه كالاسفل واما الاكمل فهو ان يمسح اعلي الخف واسفله
خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا لا يمسح الاسفل لنا ما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁]
[ ٢ / ٣٩٠ ]
[ان النبي ﷺ مسح اعلي الخف واسفله والاولي ان يضع كفه اليسرى تحت العقب واليمني علي ظهور الاصابع ويمر اليسرى إلى اطراف الاصابع من اسفل واليمني إلى الساق يروى هذه الكيفية عن ابن عمر ﵄ وقوله الا ان يكون علي اسفله نجاسة استثناء لم يذكره في الوسيط ولا تعرض له الاكثرون وفيه اشعار بالعفو عن النجاسة التي تكون علي الخف ولا شك انه ان كان عند المسح علي اسفل خفه نجاسة فلا يمسح عليه لان المسح يزيد فيها واما اشعاره بالعفو والقول في انه كيف يصلي فيه ايتعين ازالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع]
[ ٢ / ٣٩١ ]
[أم يكفى دلكه بالارض فسيأتي في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى وهل يستحب مسح عقب الخف فيه قولان وقيل وجهان اصحهما نعم كسائر اجزاء الخف من الاعلي والاسفل والثانى لا: لان السنة ما جاءت به ولانه موضع صقيل وبه قوام الخف فادامة المسح عليه تفسده ومنهم من قطع بالاستحاب ونفى الخلاف فيه ثم مسح الاعلي والاسفل وان كان محبوبا لكن استيعاب الكل ليس بسنة مسح رسول الله ﷺ علي خفه خطوطا من الماء وحكي عن تعليق القاضى انه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس واما قوله الغسل والتكرار مكروهان فانما يكره الغسل لانه تعييب]
[ ٢ / ٣٩٢ ]
[للخف بلا فائدة وكذلك التكرار يوجب ضعف الخف وفساده وهذا المسح رخصة مبنية علي التخفيف ولك ان تعلم قوله فمكروهان بالواو واما في الغسل فلان القول بالكراهة مبني علي ان الغسل جائز قائم مقام المسح في صحة الوضوء وفيه وجه ان الغسل لا يجزى كما ذكرنا في مسح الرأس لا انه مكروه واما في التكرار فلان القاضى ابا القاسم ابن كج حكى وجها انه يستحب فيه التكرار ثلاثا كما في مسح الرأس * قال [النظر الثالث في حكمه وهو اباحة الصلاة إلى انقضاء مدته أو نزع الخف ومدته للمقيم]
[ ٢ / ٣٩٣ ]
[يوم وليلة (م و) وللمسافر ثلاثة ايام من وقت الحدث فلو لبس المقيم ثم سافر قبل الحدث اتم مدة المسافرين * وكذا لو احدث في الحضر * فان مسح في الحضر (ح ز) ثم سافر أتم مسح المقيمين (ح) تغليبا للاقامة * ولو مسح في السفر ثم أقام لم يزد (ز) علي مدة المقيمين ولو شك فلم يدر أنقضت المدة أو مسح في الحضر فالاصل وجوب الغسل ولا يترك مع الشك *]
[ ٢ / ٣٩٤ ]
[يباح بالوضوء الذى مسح فيه على الخفين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطهارة ومد صاحب الكتاب ذلك الي احدي غايتين اما مضى مدة المسح واما نزع الخف وفى معناه تخرقه فاما الغاية الاولى وهى مضنى مدة المدة فتعرف بمعرفة مدته وهل يتقدر المسح بمدة ام لا فيه قولان قال في القديم لا: وبه قال مالك لما روى عن خزيمة قال (رخص رسول الله ﷺ للمسافر ان يمسح]
[ ٢ / ٣٩٥ ]
[ثلاثة ايام ولياليهن ولو استزدناه لزادنا) وعن أبي بن عمارة وكان ممن صلي إلى القبلتين قال (قلت]
[ ٢ / ٣٩٦ ]
[يا رسول الله امسح علي الخف قال نعم قلت يوما قال ويومين قلت وثلاثة ايام قال نعم وما شئت) وقال في الجديد وهو المذكور في الكتاب يتقدر في حق المقيم بيوم وليلة وفى حق المسافر بثلاثة ايام ولياليهن لحديث صفوان بن عسال كما سبق وعن علي ﵁ ان النبي ﷺ (جعل المسح ثلاثة ايام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم) ويتفرع علي الجديد مسائل (احداها) يعتبر ابتداء المدة في حق المسافر والمقيم جميعا من وقت الحدث بعد اللبث خلافا لاحمد حيث قال فيما رواه اصحابنا يعتبر من وقت المسح والذى رأيته لاصحابه انه يعتبر من وقت الحدث كما ذكرنا ونسبوا الاعتبار من وقت المسح إلى داود لنا ان وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذى يجوز فعلها فيه كوقت الصلاة وغيره وغاية ما يمكن فعله بالمسح من الصلوات المؤداة علي التوالى ست عشرة إذا لم يجمع وان جمع فيتصور ان يؤدى به سبع عشرة صلاة وذلك في حالة عدم الجمع]
[ ٢ / ٣٩٧ ]
[مثل ان يحدث بعد طلوع الفجر بقدر ما يسع صلاة الفجر وقد بقى إلى طلوع الشمس ما يسعها ايضا فتوضأ ويمسح علي خفيه ويصلى الفجر ويصلي باقى صلوات اليوم والليلة بالمسح وكذلك صلوات اليوم الثاني والثالث ويصلي الفجر في اليوم الرابع قبل الانتهاء الي وقت الحدث في اليوم الاول فتلك ست عشرة وفى حالة الجمع مثل ان يحدث بعد الزوال بقدر ما يسع صلاة الظهر والعصر وقد بقى من وقت الظهر ما يسعهما أيضا فصلاهما بالمسح وكذا ما بعدهما من الصلوات إلى ان يدخل وقت الزوال في اليوم الرابع فيصلي بالجمع الظهر والعصر قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الاول فيكون قد صلي اربع صلوات من صلوات اليوم الاول وعشرا من صلوات اليوم الثاني والثالث ثلاث صلوات من صلوات اليوم الرابع فجملتها سبع عشرة وغاية ما يصلي المقيم بالمسح من صلوات الوقت ست صلوات ان لم يجمع وسبع ان جمع بعذر مطر ولا يخفى تصويره مما ذكرنا في المسافر (الثانية) انما يمسح المسافر ثلاثة ايام ولياليهن بشرطين احدهما ان يكون سفر طويلا اما السفر القصير فهو كالاقامة والثانى الا يكون سفر معصية فان كان سفر معصية لم يمسح ثلاثة ايام ولياليهن كما لا يترخص بالقصر والافطار وهل يمسح يوما وليلة]
[ ٢ / ٣٩٨ ]
[فيه وجهان مذكوران في باب صلاة المسافرين في الكتاب وسنشرحهما ثم ويجريان في أن العاصي بالاقامة كالعبد المأمور بالسفر إذا أقام هل يمسح يوما وليلة أم لا (الثالثة) لو لبس الخف في الحضر ثم سافر وأحدث في السفر فله أن يمسح مسح المسافرين وكذلك لو أحدث في الحضر ثم سافر وابتدأ المسح في السفر خلافا للمزني حيث قال في هذه الصورة يمسح مسح المقيمين لان ابتداء المدة وقع في الحضر * لنا أن أول المسح أول العبادة فإذا وقع في السفر أقيمت العبادة كما يقام في السفر ولا نظر إلى دخول الوقت في الحضر الا ترى أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصحيح ولا فرق بين أن يخرج وقت الصلاة بعد ما أحدث في الحضر وبين ألا يكون كذلك * قال أبو اسحق المروزى إذا مضي الوقت]
[ ٢ / ٣٩٩ ]
[في الحضر ولم يصل ثم سافر مسح مسح المقيمين لانه عاص باخراج الصلاة عن الوقت ولا رخصة للعاصي
والاول أصح كما لو فاتته صلاة في الحضر له أن يقضيها بالتيمم في السفر وليكن قوله في الكتاب وكذا لو احدث في الحضر معلما بالزاى لمذهب المزني وبالواو للتفصيل الذى رويناه عن ابى اسحق * ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين ولا يزيد عليه خلافا لابي حنيفة حيث قال يمسح مسح المسافرين إلا ان يتم اليوم والليلة قبل مفارقة العمران وعن أحمد روايتان احداهما مثل مذهبنا والثانية أنه يمسح مسح المسافر * لنا أنه عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فيغلب حكم الحضر كما لو كان مقيما في أحد طرفي صلاته لا يجوز القصر واعلم أن الاعتبار في المسح بتمامه حتي لو توضأ في الحضر ومسح علي أحد الخفين ثم
[ ٢ / ٤٠٠ ]
[سافر ومسح علي الآخر كان له أن يمسح مسح المسافرين لانه لم يتم المسح في الحضر ولو ابتدأ المسح في السفر ثم صار مقيما نظر ان اقام بعد تمام يوم وليلة لم يمسح بل ينزع ويستأنف اللبس ويجزئه ما مضى وإن زاد على يوم وليلة وإن أقام قبل تمام يوم وليلة فله أن يتم يوما وليلة مسح المقيمين وقال المزني كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم وليلة في الحضر فان مسح يوما وليلة في السفر ثم أقام فله ثلثا يوم وليلة * وان مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلث يوم وليلة لنا تغليب جانب الحضر كما تقدم (الرابعة) لو شك في انقضاء مدة المسح أما المقيم في مده المقيمين أو المسافر في مدة المسافرين وجب عليه غسل الرجلين وتعذر المسح قال صاحب التلخيص هذا مما يستثنى عن قولنا اليقين لا يترك بالشك لان جواز المسح يقين]
[ ٢ / ٤٠١ ]
[وانقضاء المدة مشكوك فيه أجاب الاصحاب بأن قالوا لا بل هذا أخذ باليقين لان الاصل وجوب غسل الرجلين والمسح رخصة منوطة بشرائط فإذا شك في المدة فقد شك في بعض الشرائط فيعود إلى الاصل وهذا كما لو توضأت المستحاضة ثم شكت في انقطاع دمها قال الشافعي ﵁ لا تصلى حتى تتوضأ ولا نقول الاصل سيلان الدم بل نقول الاصل أن من احدث توضأ وانما جوز لها الصلاة للضرورة فإذا شكت في بقاء الضرورة عادت إلى الاصل وكذلك لو دخل المسافر بعض البلاد ولم يدر انه البلد الذى قصده ام غيره فلا يقصر لان الاصل وجوب الاربع وقد شك في شرط القصر وهو السفر ولو شك المسافر في ان ابتداء مسحه كان في الحضر أو في السفر لا يزيد على مدة المقيمين اخذا بالاصل]
[ ٢ / ٤٠٢ ]
[المقتضي لوجوب الغسل فلو مسح في اليوم الثاني على الشك وصلى ثم زال الشك في اليوم الثالث وعلم أنه ابتدأ المسح في السفر فعليه اعادة صلوات اليوم الثاني لانه صلاها علي الشك ويجوز أن يصلى بالمسح في اليوم الثالث ثم ان كان علي مسح اليوم الاول ولم يحدث في اليوم الثاني له أن يصلي في اليوم الثالث بذلك المسح وان كان قد أحدث في اليوم الثاني لكنه مسح علي الشك وجب عليه اعادة المسح لصلوات اليوم الثاني وفى وجوب استئاف الوضوء قولا الموالاة ويجوز له أن يعيد صلوات اليوم الثاني بالمسح في اليوم الثالث ذكر كل ذلك في التهذيب وقال ابن الصباغ في الشامل يجب اعادة الصلوات لكن يجزئه المسح]
[ ٢ / ٤٠٣ ]
[مع الشك والاول أظهر هذا تمام الكلام في احدى الغايتين * قال [ومنهما نزع الخفين أو احدهما فيجب غسل القدمين واما الاستئناف فلا يجب ان قلنا ان المسح لا يرفع الحدث وان قلنا يرفع وجب لانه في عوده لا يتجزأ] الغاية الثانية نزع الخفين أو احدهما ومهما اتفق ذلك وهو علي طهارة لزم غسل الرجلين سواء كان عند انقضاء المدة أو قبلها وهل يجب استئناف الوضوء فيه قولان احدهما يجب وبه قال احمد واصحهما لا: وبه قال مالك وابو حنيفة والمزني واختلف الاصحاب في ان القولين مستقلان بنفسهما أو هما مبنيان]
[ ٢ / ٤٠٤ ]
[علي اصل آخر: منهم من قال هما مستقلان ووجه قول الاكتفاء بغسل الرجلين بأن المسح بدل زال حكمه بطهور محل مبدله فيرجع الي المبدل وهو الغسل كالمتيمم يرى الماء ووجه قول الاستئناف بأن قال عبادة بطل بعضها فيبطل كلها كالصلاة: ومنهم من قال هما مبنيان على اصل واختلفوا فيه علي ثلاثة طرق احدها انهما مبنيان علي القولين في تفريق الوضوء ان جوزنا كفى غسلهما وإلاوجب الاستئناف ويحكى هذا عن ابن سريج وابي اسحق لكن زيفه الجمهور من وجوه منها]
[ ٢ / ٤٠٥ ]
[انه لا خلاف في جواز التفريق في الوضوء علي الجديد ونص في مواضع من الجديد علي وجوب
الاستئناف ههنا: ومنها ان قولى التفريق يختصان بالتفريق الكثير فاما اليسير منه فهو جائز بلا خلاف ولا صائر إلي الفرق فيما نحن فيه: ومنها ان التفريق بالعذر جائز والعذر موجود ههنا والثاني نهما مبنيان علي ان بعض الطهارة هل يختص بالانتقاض ام يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل فيه قولان احدهما يختص البعض بالانتقاض لانه لو غسل بعض اعضاء طهارته يرتفع الحدث عنه وان لم يرتفع عن الباقي]
[ ٢ / ٤٠٦ ]
[وإذا جاز ان يتبعض ارتفاعا جاز ان يتبعض ثبوتا فعلي هذا لا يجب الاستئناف والثاني لا يختص البعض بالانتقاض كالصلوات وسائر العبادات فعلي هذا يجب الاستئناف والثالث وهو المذكور في الكتاب وبه قال القفال والشيخ أبو حامد واصحابهما انهما مبنيان علي ان المسح علي الخفين هل يرفع الحدث عن الرجلين ام لا وفيه قولان احدهما يرفع لانه مسح بالماء فاشبه مسح الرأس ولانه يجوز الجمع به بين فرضين ولو لم يرفع الحدث لما جاز كالتيمم والثانى لا يرفع لانه لو رفع الحدث لما تقدر بمدة ولا يمتد اثره إلى وجود الحدث فان قلنا انه لا يرفع الحدث عن الرجل فلا يجب استئناف الوضوء لان الحدث قد ارتفع عن سائر الاعضاء الا عن الرجلين فإذا غسلهما ارتفع عنهما أيضا وكفى قال في التتمة وهذا إذا لم يقع تفريق كثير فان وقع ففيه خلاف التفريق وان قلنا ان المسح يرفع الحدث عن الرجل فيجب استئناف الوضوء لان وجوب غسل الرجلين عند النزع يدل علي عود الحدث فيهما والحدث لا يتجزأ في عوده * واعلم ان هذه الطريقة والتى قبلها متقاربتان ومن يجوز انتقاض بعض الطهارة دون بعض لا يبعد ان يقول بان الحدث يتجزأ عند العود ولا يسلم لزوم الاستئناف والله اعلم * هذا تمام الكلام]
[ ٢ / ٤٠٧ ]
[في الغايتين ولك ان تقول غاية فائدة المسح لا تنحصر في الامرين المذكورين بل تنتهى بأمرين آخرين احدهما ان يلزم الماسح غسل جنابة أو كانت امرأة فلزمها غسل حيض أو نفاس فيجب غسل الرجلين واستئناف اللبس بعد ذلك ان اراد المسح قال صفوان كان يأمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثا ايام ولياليهن الا من جنابة والمعنى فيه ان الجنابة لا تتكرر فلا يشق نزع الخف لها الثاني إذا
دميت رجله في الحف ولم يمكن غسلها فيه وجب النزع وغسل الدم ولا يكون المسح بدلا عنه وان امكن غسلها فيه نغسلها لم يبطل المسح * قال [فرع لو لبس فرد خفه لم يجز المسح الا ان تكون الرجل الاخرى ساقطة من الكعب] سليم الرجلين إذا لبس احد الحفين دون الآخر لم يجز المسح عليه لوجهين احدهما ان المسح انما جوز للارتفاق بلبس الخف لغرض المشي أو دفع الحر والبرد وغيرهما والمعهود في تحصيل هذه الاغراض لبسهما جميعا فإذا لم يفعل لزمه الغسل الذى هو الاصل والثاني ان الرجلين بمثابة العضو الواحد وهو مخير فيهما بين الغسل وبين المسح علي الخفين وإذا تخير بين خصلتين في العبادة الواحدة لم يجز له التوزيع كما في خصال الكفارة ولو لم يكن له الارجل واحدة إما باصل الخلقة أو سبب عارض]
[ ٢ / ٤٠٨ ]
[فهي وحدها كالرجلين ان شاء غسلها وان شاء مسح علي ساترها بالشرائط السابقة لانه قد يحتاج إلى اللبس ايضا للمشى عليها مع عصا يتخذها أو لدفع الحر والبرد ولو بقيت من الرجل الاخرى بقية لم يجز المسح حتى يواريها بساتر مستجمع لشرائط المسح * قال * (كتاب الحيض) * وفيه خمسة أبواب (الاول) في حكم الحيض والاستحاضة * اما الحيض فاول وقت امكانه اول السنة التاسعة في وجه وإذا مضت ستة اشهر منها في وجه واول العاشرة في وجه فما قبل ذلك دم فساد وأقل مدة الحيض يوم (ح م) وليلة (و) واكثرها خمسة عشر يوما وأقل الطهر خمسة عشر يوما (ح) واكثره لاحد له واغلب الحيض ست أو سبع وأغلب الطهر بقية الشهر ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم]
[ ٢ / ٤٠٩ ]
[بالاستقراء فلو وجدنا امرأة تحيض أقل من ذلك علي الاطراد ففى اتباع ذلك خلاف لان بحث الاولين أو في] الدم الذى تراه النساء ينقسم الي غير النفاس والى النفاس وغير النفاس ينقسم إلى حيض واستحاضة وهما مختلفا الحكم ثم قد تكون المرأة بحيث تعرف حيضها من استحاضتها وقد يختلط احدهما بالآخر فلا تعرف هذا من ذاك وعلى الاحوال فالدم قد يطبق وقد ينقطع فترى مثلا يوما دما ويوما نقاء فجعل
كلام هذه الامور في خمسة ابواب أولها في خواص الدم الذى هو حيض وفى احكام الحيض والاستحاضة وثانيها في معرفة المستحاضات وثالثها في المتحيرة المشتبهة الحال ورابعها في التقطع وخامسها في النفاس اما الباب الاول فمما يحتاج إليه لمعرفة الحيض بيان السن المحتمل للحيض وفيه ثلاثة اوجه اصحها ان اقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين فان رأت الصبية دما قبل استكمال التسع فهو دم فساد قال الشافعي ﵁ واعجل من سمعت من النساء نساء تهامة يحضن لتسع سنين وهذا هو الذى عبر عنه صاحب الكتاب بقوله وأول العاشرة في وجه والثاني ان اول وقت الامكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة وقد تسمى حينئذ بنت تسع والثالث يدخل بمضي ستة اشهر من السنة التاسعة قال الاصحاب والمتبع في وقت الحيض وقدره الوجود فنرجع فيه إلى العرف لان كل ما ورد به الشرع مطلقا ولم يكن له ضابط في الشرع واللغة يرجع فيه إلى العرف كالقبوض والاحراز ثم كل واحد من اصحاب الوجوه الثلاثة يزعم ان ما ذكره قد عهد والاعتبار علي الوجوه بالسنين القمرية دون غيرها وهل
[ ٢ / ٤١٠ ]
[يعتبر بالتقريب أم بالتحديد اظهرهما التقريب وعلى هذا فيه وجهان لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع علي الوجه الاصح مالا يسع لحيض وطهر يكون ذلك الدم حيضا والا فلا ولا فرق في سن الحيض بين البلاد الحارة وغيرها وعن الشيخ أبي محمد ان الامر في البلاد الحارة علي ما ذكرناه وفى الباردة وجهان واما أقل مدة الحيض فقد نص في المختصر علي ان أفل الحيض يوم وليلة وقال فيه في العدة وأقل ما علمناه من الحيض يوم فاختلفوا فيه علي طرق احدها ان فيه قولين اظهرهما ان اقله يوم وليلة لما روى عن علي ﵁ ان اقل الحيض يوم وليلة ولان المتبع فيه الوجود المتعاد وقد قال الشافعي ﵁ رأيت امرأة لم تزل تحيض يوما وليلة وروى مثله عن عطاء وعن أبى عبد الله الزبيري ﵄ والثانى اقله يوم لما روى عن الاوزاعي قال كانت عندنا امرأة تحيض بالغداة وتطهر بالعشى والطريق الثاني القطع بان أقله يوم وحيث قال اقله يوم وليلة انما قال ذلك لانه لم يجد في النساء من تحيض أقل من ذلك ثم وجد وعرف فرجع إليه والثالث وهو]
[ ٢ / ٤١١ ]
[الاظهر القطع بأن أقله يوم وليلة وحيث قال يوما أراد بليلته والعرب كثيرا ما تفعل ذلك وهذا هو المذكور في الكتاب وعليه تفاريع الحيض وبه قال احمد وقال أبو حنيفة أقله ثلاثة أيام وعند مالك لاحد لاقلة وأما اكثر الحيض فهو خمسة عشر يوما وليلة خلافا لابي حنيفة حيث قال اكثره عشرة أيام لنا ما ذكرنا ان الرجوع إلى ما وجد من عادات النساء واقصاها ما ذكرنا روى عن علي ﵁ أنه قال ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة وعن عطاء رأيت من تحيض يوما ومن تحيض خمسة عشر يوما وعن أبي عبد الله الزبيري مثل ذلك واما الطهر فأكثره لا حد له فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واقله خمسة عشر يوما خلافا لاحمد حيث قال أقله ثلاثة عشر وعن مالك قال ما اعلم بين الحيضتين وقتا يعتمد عليه وعن بعض أصحابه ان اقله عشرة ايام]
[ ٢ / ٤١٢ ]
[لنا الرجوع إلى الوجود وقد ثبت ذلك من عادات النساء وروى انه صلي الله عليه وسلم قال (تمكث احداكن شطر دهرها لا تصلي) اشعر ذلك بأقل الطهر واكثر الحيض وغالب عادات النساء في
[ ٢ / ٤١٣ ]
الحيض ست أو سبع وفي الطهر باقي الشهر وقد ورد به الحديث قال صلي الله عليه وسلم (تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ويطهرن) وسيأتي ذلك من بعد وقوله ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء يعني ما ذكرنا ان المتبع في سن الحيض والاقل والاكثر ما وجد من عادات النساء بعد البحث الشافي فاعتمدنا ذلك واتبعناه ولو وجدنا امرأة تحيض اقل من يوم وليلة على الاطراد أو اكثر من خمسة عشر أو تطهر اقل من خمسة عشر فهل نتبع ذلك فيه ثلاثة اوجه احدها نعم وذهب إليه الاستاذ أبو اسحق الاسفراينى في جواب له والقاضى حسين]
[ ٢ / ٤١٤ ]
[فيما حكى ووجهه انا بينا ان المتبع في هذه المقادير الوجود فإذا وجدنا الامر علي خلاف ما عهدنا وجب اتباعه وقد تختلف العادات باختلاف الاهوية والاعصار والثانى وهو الاظهر انه لا عبرة به لان الاولين قد اعطوا البحث حقه ولم ينقلوا زيادة ولا نقصانا وبحثهم اوفى واحتمال عروض دم فساد
للمرأة اقرب من انخراق العادات المستمرة والثالث انه ان وافق ذلك مذهب واحد من السلف صرنا إليه وإلا فلا لانه تبين لنا بذلك ان ما وجدناه قد وجد قبل هذا لكنه لم يبلغ الشافعي ﵁ والمذهب المعتمد هو الوجه الثاني وعليه يفرع مسائل الحيض ويدل عليه الاجماع علي انها لو كانت تحيض يوما وتطهر يوما علي الاستمرار لا يجعل كل ذلك النقاء طهرا كاملا قال [وحكم الحيض تحريم اربعة امور (الاول) ما يفتقر إلى الطهارة كسجود التلاوة والطواف والصلا ثم لا يجب قضاء الصلاة عليها]
[ ٢ / ٤١٥ ]
[يحرم علي الحائض ما يحرم علي الجنب فليس لها أن تصلي لقوله ﷺ (إذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة) ولا ان تطوف لما روى انه ﷺ قال لعائشة ﵂ وقد حاضت وهى محرمة (اصنعي ما يصنع الحاج غير ان لا تطوفي بالبيت) ولا ان تمس المصحف لقوله تعالى لا يسمه الا المطهرون]
[ ٢ / ٤١٦ ]
[ولا ان تلبث في المسجد لما روى ان النبي ﷺ قال (لا احل المسجد لجنب ولا حائض) ولا أن تقرأ القرآن لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن) وفى قراءة القرآن قول قدمناه وفى معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر ولا يجب]
[ ٢ / ٤١٧ ]
[عليها قضاء الصلاة قالت عائشة ﵂ (كنا نؤمر بقضا الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) وسيأتى المعني فيه على الاثر وقوله ما يفتقر إلى الطهارة ان كان المراد منه الطهارة الكبرى فالمكث في المسجد داخل فيه فلا حاجة الي تكراره في الامر الثاني حيث قال فالمكث محرم وان كان المراد الطهارة الصغرى لم يكن الكلام حاويا لقراءة القرآن وهى مما تمنع على الحائض أيضا قال [الثاني العبور في المسجد فان امنت التلويث فالمكث محرم وفى العبور وجهان] الحائض أن خافت تلويث المسجد لو عبرت اما لانها لم تستوثق أو لغلبة الدم فليس لها العبور فيه صيانة للمسجد عن التلويث بالنجاسة وليس هذا من خاصية الحائض بل المستحاضة وسلس
البول ومن به جراحة نضاخة بالدم يخشي من المرور التلويث ليس لهم العبور وان امنت التلويث ففى جواز العبور لها وجهان احدهما لا يجوز لاطلاق الخبر (لا احل المسجد لجنب ولا حائض) واصحهما الجواز كالجنب ومن علي بدنه نجاسة لا يخاف معها التلويث وقوله في الكتاب (فان امنت التلويث فالمكث محرم) ترتيب تحريم المكث علي حالة الا من ليس علي سبيل التخصيص بها بل هو في حالة الخوف اولي بالتحريم لكن الفرض انه لا خلاف في تحريمه في هذه الحالة وان كان العبور مختلفا فيه وفى ذكره الوجهين في العبور حالة الا من ما يبين انه اراد بقوله اولا العبور في المسجد حالة الخوف أو اراد انه ممتنع في الجملة إلى ان يبين التفصيل قال [الثالث الصوم فلا يصح منها ويجب القضاء بخلاف الصلاة]
[ ٢ / ٤١٨ ]
[ليس للحائض ان تصوم لما روى عن أبى سعيد الخدرى ان النبي ﷺ وسلم قال (إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم) وهذا التحريم يبقى مادامت ترى الدم فإذا انقطع ارتفع وان لم تغتسل بعد بخلاف الاستمتاع وما يفتقر إلى الطهارة فان التحريم فيه مستمر إلى ان تغتسل ومما يرتفع تحريمه بانقطاع الدم الطلاق وسقوط قضاء الصلاة ايضا ينتهي بانقطاع الدم ثم يجب علي الحائض قضاء الصوم وان لم يجب قضاء الصلاة روى ان معاذة العدوية قالت لعائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة فقالت (احرورية انت: كنا ندع الصوم والصلاة علي عهد رسول الله ﷺ فنقضي الصوم ولانقضي الصلاة)]
_________________
(١) تقدم تخريج هذا الحديث من التلخيص في صفحة فلينتبه اه
[ ٢ / ٤١٩ ]
[وذكروا في الفرق معنيين احدهما ان قضاء الصوم لا يشق مشقة قضاء الصلاة لان غاية ما يفوتها بعض شهر رمضان ويهون قضاؤه في السنة بخلاف الصلاة فانها تكثر وتتكرر والثاني ان امر الصلاة لم يبن على ان تؤخر ثم تقضى بل اما الا تجب اصلا أو تجب بحيث لا تؤخر بالاعذار والصوم قد يترك بعذر السفر والمرض ثم يقضي فكذلك يترك بالحيض ويقضي وهل يقال بوجوب
الصوم على الحائض في حال الحيض فيه وجهان فمن قائل نعم ولولاه لما وجب القضاء كالصلاة ومن قائل لا فانها ممنوعة منه والمنع والوجوب لا يجتمعان قال [الرابع الجماع ولا يحرم الاستمتاع بما فوق السرة وما تحت الركبة وبما تحت الازار (م) وجهان ثم ان جامعها والدم عبيط تصدق بدينار وفى اواخر الدم بنصف دينار استحبابا اما الاستحاضة فكسلس البول لا تمنع الصلاة ولكن تتوضأ لكل صلاة في وقتها وتتلجم وتستثفر وتبادر إلى الصلاة فان اخرت فوجهان ووجه المنع تكرر الحدث عليها مع الاستغناء وفى وجوب تجديد العصابة لكل]
[ ٢ / ٤٢٠ ]
[فريضة وجهان فان ظهر الدم علي العصابة فلا بد من التجديد ومهما شفيت قبل الصلاة استانفت الوضوء وان كانت في الصلاة فوجهان احدهما انها كالتيمم إذا رأى الماء والثاني انها تتوضأ وتستأنف لان الحدث متجدد فان انقطع قبل الصلاة ولم يبعد من عادتها العود فلها الشروع في الصلاة من غير استئناف الوضوء ولكن ان دام الانقطاع فعليها القضاء وان بعد ذلك من عادتها فعليها استئناف الوضوء في الحال] الاستمتاع ضربان احدهما الجماع في الفرج فيحرم في الحيض لقوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) قال ﷺ في تفسيره (افعلوا كل شئ الا الجماع في الفرج) ويستمر هذا التحريم وان انقطع الدم]
[ ٢ / ٤٢١ ]
[إلى ان تتطهر بالماء أو التراب عند العجز عن استعمال الماء خلافا لابي حنيفة حيث قال إذا انقطع الدم لاكثر الحيض حل الجماع وان لم تغتسل لنا قوله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن) بالتشديد أي يغتسلن وأما على التخفيف فقد قال فإذا تطهرن فاتوهن أي اغتسلن فلم يجوز الاتيان الا بعد الاغتسال ولو لم تجد ماء ولا ترابا لم يجز وطؤها علي اصح الوجهين بخلاف الصلاة تأتى بها تشبها لحرمة الوقت ومهما جامع في الحيض عمدا وهو عالم بالتحريم ففيه قولان الجديد انه لاغرم عليه لكنه يستغفر ويتوب مما فعل لانه وطئ محرم لا لحرمة عبادة فلا يجب به كفارة كوطئ الجارية المجوسية وكالاتيان في الموضع المكروه لكنا نستحب له ان يتصدق بدينار ان جامع في اقبال الدم وبنصف
دينار ان جامع في ادباره لو رود الخبر بذلك وهذا القول هو المذكور في الكتاب والقديم انه يلزمه غرامة كفارة لما فعل ثم فيها قولان احدهما يلزمه تحرير رقبة بكل حال لمذهب عمر ﵁ واشهرهما انه ان وطئ في اقبال الدم فعليه ان يتصدق بدينار وان كان في ادباره فعليه ان يتصدق بنصف دينار لما روى عن ابن عباس ﵄ ان النبي ﷺ قال (من اتى امرأته حائضا فليتصدق بدينار ومن اتاها وقد ادبر الدم فليتصدق بنصف دينار) ثم الدينار الواجب]
[ ٢ / ٤٢٢ ]
[أو المستحب مثقال الاسلام من الذهب الخالص يصرف إلى الفقراء والمساكين ويجوز ان يصرف إلى واحد وعلى قول الوجوب انما يجب ذلك علي الزوج دون الزوجة وما المراد باقبال الدم وبادباره فيه وجهان احدهما وبه قال الاستاذ أبو اسحق الاسفراييني انه ما لم ينقطع الدم فهو مقبل وادباره ان ينقطع ولم تغتسل بعد يدل عليه ما روى انه ﷺ قال (إذا وطئها في اقبال الدم فدينار وان وطئها في ادبار الدم بعد انقطاعه وقبل الغسل فعليه نصف دينار) واشهرهما ان]
[ ٢ / ٤٢٣ ]
[اقباله أوله وشدته وادباره ضعفه وقربه من الانقطاع وهذا هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال ثم ان جامعها والدم عبيط تصدق بدينار إلى آخره ويدل عليه ماروى عن ابن عباس ﵄ ان النبي ﷺ قال (إذا وقع الرجل باهله وهى حائض ان كان دما احمر فليتصدق بدينار وان كان اصفر فليتصدق بنصف دينار) وليكن قوله استحبابا معلما بالقاف للقول الذى حكيناه وبالالف لان عند احمد يجب عليه دينار أو نصف دينار لانه روى في بعض الروايات فليتصدق بدينار أو نصف دينار وهذه الرواية مما يستدل بها على ان هذا الامر للاستحباب لان التخيير بين القدر المعين وبعضه في الايجاب لا معنى له فهذا إذا وطئ عامدا عالما بالتحريم وان وطئها ناسيا أو جاهلا بتحريم وطئ الحائض أو بانها حائض فلا شئ عليه وقال بعض الاصحاب يجئ علي قوله القديم وجه آخر انه يجب عليه الكفارة ايضا (الضرب الثاني) من الاستمتاع غير الجماع وهو ضربان (احدهما) الاستمتاع بما بين السرة والركبة وهو المراد بما تحت الازار]
[ ٢ / ٤٢٤ ]
[فهل يحرم في الحيض فيه ثلاثة اوجه اظهرها نعم ويحكى ذلك عن نصه في الام لظاهر قوله تعالي]
[ ٢ / ٤٢٥ ]
[فاعتزلوا النساء في المحيض وعن معاذ قال (سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال ما فوق الازار) ولان الاستمتاع بما تحت الازار يدعو إلى الاستمتاع]
[ ٢ / ٤٢٧ ]
[بالفرج قال صلي الله عليه وسلم وسلم (من رتع حول الحمي يوشك ان يواقعه) فوجب ان يمنع منه وبهذا قال أبو حنيفة والثاني انه لا يحرم وبه قال أبو إسحاق وهو مذهب احمد لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (افعلوا كل شئ الا الجماع) ولان الحماع في الفرج انما يحرم بسبب الاذى فلا يحرم الاستمتاع بما حواليه كالموضع المكروه: والثالث انه ان أمن علي نفسه التعدي الي الفرج لورع أو قلة شهوة لم يحرم والاحرم ويروى هذا عن أبي الفياض ونقل بعضهم في المسألة قولين وقالوا الجديد التحريم والقديم الاباحة (الضرب الثاني) الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة كالتقبيل]
[ ٢ / ٤٢٨ ]
[والمضاجعة وهو جائز لما روينا من حديث معاذ وعن عائشة ﵂ قالت (كنت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في الخميلة فحضت فانسللت فقال انفست فقلت نعم فقال خذى ثياب حيضك وعودي الي مضجعك ونال منى ما ينال الرجل من امرأته الا ما تحت الازار) ويروى مثله]
[ ٢ / ٤٢٩ ]
[عن أم سلمة ﵂ ولا فرق بين ان يصيب دم الحيض موضعا منه وبين الا يصيبه وفى وجه لا يجوز الاستمتاع بالموضع المتلطخ به لانه لو استمتع به لاصابه اذى الحيض وانما منع من وطئ الحائض للاذي والاول هو الظاهر لاطلاق الاخبار ولك ان تعلم قوله ولا يحرم الاستمتاع بما فوق السرة وبما تحت الركبة لهذا الوجه الذاهب الي التفصيل فهذا شرح الامور الاربعة الممنعة بالحيض واعلم ان قوله وحكم الحيض امتناع اربعة أمور يشعر بانحصار حكمه فيه لكن له احكام
أخر منها انه يجب الغسل أو التيمم عند انقطاعه على ما سبق بيان ذلك في موجبات الغسل ومنها]
[ ٢ / ٤٣٠ ]
[انه تمتنع صحة الطهارة مادام الدم مستمرا إلا الاغسال المشروعة لما لا يفتقر إلى الطهارة كالاحرام والوقوف بعرفة فانها تستحب للحائض لان المقصود من تلك الاغسال التنظيف وإذا فرعنا علي أن الحائض تقرأ القرآن فلها ان تغتسل إذا اجنبت لتقرأ ويستثني هذا الغسل ايضا علي القول]
[ ٢ / ٤٣١ ]
[المشار إليه عن سائر الطهارات ومنها انه يوجب البلوغ ومنها أنه يتعلق به العدة والاستبراء ومنها انه يكون الطلاق فيه بدعيا وهذه الاحكام تذكر في مواضعها وحكم النفاس حكم الحيض الا في ايجاب البلوغ وما بعده *]
[ ٢ / ٤٣٢ ]
[قال [اما الاستحاضة فكسلس البول لا تمنع الصلاة ولكن تتوضأ لكل صلاة في وقتها وتتلجم وتستثفر وتبادر إلى الصلاة فان اخرت فرجهان ووجه المنع تكرر الحدث عليها مع الاستغناء وفى وجوب تجديد العصابة لكل فريضة وجهان فان ظهر الدم علي العصابة فلابد من التجديد] الاستحاضة قد يعبر بها عن كل دم تراه المرأة غير دمى الحيض والنفاس سواء كان متصلا بدم الحيض كالمجاوز لاكثر الحيض أو لم يكن متصلا به كالذى تراه المرأة قبل تسع سنين وقد يعبر بها عن الدم المتصل بدم الحيض وحده وبهذا المعنى تنوع المستحاضة إلى معتادة ومبتدأة ثم إلى مميزة وغيرها ويسمي ما عدا ذلك دم فساد لكن الاحكام المذكورة في جميع ذلك لا تختلف]
[ ٢ / ٤٣٣ ]
[والدم الخارج حدث دائم كسلس البول والمذي فلا يمنع الصوم والصلاة للاخبار التي نرويها في المستحاضات ولذلك يجوز للزوج وطؤها وانما اثر الاحداث الدائمة الاحتياط في ازالة النجاسة وفى الطهارة فتغسل المستحاضة فرجها قبل الوضوء أو التيمم ان كانت تيمم وتحشوه بقطن أو خرقة دفعا للنجاسة وتقليلا لها فان كان الدم قليلا يندفع به فذاك والا شدت مع ذلك وتلجمت بان تشد علي وسطها خرقة كالتكة وتأخذ خرقة أخري مشقوقة الرأسين وتجعل أحداهما قدامها
والاخرى من ورائها وتشدها بتلك الخرقة وذلك كله واجب الا في موضعين احدهما ان تتأذى بالشد ويحرقها اجتماع الدم فلا يلزمها لما فيه من الضرر والثاني ان تكون صائمة فتترك الحشو]
[ ٢ / ٤٣٤ ]
[نهارا وتقتصر علي الشد وسلس البول ايضا يدخل قطنة في احليله فان انقطع والاعصب مع ذلك رأس الذكر بخرقة ثم تتوضأ المستحاضة بعد الاحتياط الذى ذكرناه ويلزمها الوضوء لكل فريضة ولا تصلي فريضتين بطهارة واحدة لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش (توضأى لكل صلاة) ولابد وان تكون طهارتها للصلاة بعد دخول وقتها كما ذكرنا في التيمم وحكي الشيخ أبو محمد وجها انه يجوز ان تقع طهارتها قبل الوقت بحيث ينطبق آخرها علي اول الوقت وتصلي به الصلاة والمذهب الاول وينبغى ان تبادر إلى الصلاة عقيب احتياطها وطهارتها فلو اخرت بان توضأت في أول الوقت وصلت في آخره أو بعد خروج الوقت نظر ان كان التأخر للاشتغال بسبب من أسباب الصلاة كستر العورة والاجتهاد في القبلة والاذان والاقامة وانتظار الجماعة والجمعة ونحوها فيجوز والا فثلاثة اوجه اصحها المنع لان الحدث متكرر عليها وهي مستغنية عن واحتمال ذلك قادرة علي المبادرة الثاني الجواز كما في التيمم ولانها الو امرت بالمبادرة لامرت بتخفيف]
[ ٢ / ٤٣٥ ]
[الصلاة والاقتصار علي الاقل: والثالث ان لها التأخير ما لم يخرج وقت الصلاة فإذا خرج فليس لها ان تصلي بتلك الطهارة وذلك لان جميع الوقت في حق تلك الصلاة كالشئ الواحد والوجوب فيه موسع وهل يلزمها تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة ننظر ان زالت العصابة عن موضعها زوالا له وقع أو ظهر الدم علي جوانب العصابة فلا بد من التجديد لان النجاسة قد كثرت وامكن تقليلها فلا تحتمل ولا باس بالزوال اليسير كما يعفى عن الانتشار اليسير في الاستنجاء وان لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم فوجهان اصحهما وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء: والثانى لا يجب إذ لا معني للامر بازالة النجاسة مع استمرارها لكن الامر بطهارة الحدث مع استمراره معهود ونقل المسعودي الخلاف المسالة قولين وهذا الخلاف جار فيما إذا انتقض
وضوء المستحاضة واحتاجت الي وضوء آخر بسبب ذلك كما لو خرج منها ريح قبل ان صلت]
[ ٢ / ٤٣٦ ]
[فيلزمها الوضوء وفى تجديد الاحتياط الخلاف: ولو انتقض وضوءها بان بالت وجب التجديد لا محالة لظهور النجاسة كيف وهي غير ما ابتليت به * واعلم انه إذا خرج منها الدم بعد الشد فان كان ذلك لغلبة الدم لم يبطل وضوءها وان كان لتقصيرها في الشد بطل وكذا لو زالت العصابة عن موضعها لضعف الشد وزاد خروج الدم بسببه فان اتفق ذلك في الصلاة بطلت الصلاة وان اتفق بعد الفريضة لم يكن لها ان تتنفل * ولنعد الي الفاظ الكتاب اما قوله ولكن تتوضأ لكل صلاة يعني به كل صلاة الفرض وينبغى ان يعلم بالحاء والالف لان عند أبي حنيفة واحمد تتوضأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة ولها ان تجمع بين فرائض بوضوء واحد مادام الوقت باقيا وبخروج الوقت تبطل طهارتها قال أبو حنيفة وان توضأت قبل الوقت لصلاة لا يمكنها ان تصلي تلك الصلاة بذلك الوضوء لان دخول وقت كل صلاة يكون بخروج وقت التى قبلها وخروج الوقت مبطل]
[ ٢ / ٤٣٧ ]
[إلا صلاة الظهر فانها إذا توضأت قبل الزوال تم زالت الشمس لها ان تصلي الظهر: واما قوله وتتلجم ووتستثفر فقد ورد اللفظان في خبر حمنة بنت جحش قال صاحب الصحاح اللجام فارسي معرب واللجام ما تشده الحائض وقوله تلجمى أي شدى عليك اللجام قال وهو شبيه بقوله استثفرى واما الاستثفار فقد قال في الغريبين يحتمل ان يكون مأخوذا من ثفر الدابة أي تشد الخرقة عليها كما يشد الثفر تحت الذنب ويحتمل ان يكون مأخوذا من الثفر اريد به فرجها وان كان اصله للسباع ثم استعير يقال استفر الكلب إذا ادخل ذنبه بين رجليه واستثفر الرجل إذا ادخل ذيله بين رجليه من خلفه هذا بيان اللفظين والمراد بهما شئ واحد وهو ما سبق وصفه وسماه الشافعي ﵁ التعصيب أيضا ويجب تقديم ذلك علي الوضوء كما سبق وان اخره صاحب الكتاب في اللفظ عن الوضوء: وقوله فان أخرت فوجهان ظاهره يقتضى طرد الوجهين في مطلق التأخير لكن لو كان التأخير بسبب من اسباب الصلاة فقد نفى معظم النقلة الخلاف فيه
وخصوه بما إذا لم يكن لعذر فليحمل مطلق لفظه عليه والله اعلم قال [ومهما شفيت قبل الصلاة استأنفت الوضوء وان كانت في الصلاة فوجهان أحدهما أنها كالتيمم إذا رأى الماء والثانى أنها تتوضأ وتستأنف لان الحدث متجدد فان انقطع قبل الصلاة ولم يبعد من عادتها العود فلها الشروع في الصلاة من غير استئناف الوضوء ولكن ان دام الانقطاع فعلبها القضاء وان بعد ذلك من عادتها فعليها استئناف الوضوء في الحال]
[ ٢ / ٤٣٨ ]
[طهارة المستحاضة تبطل بحصول الشفاء لزوال العذر والضرورة ويجب عليها استئنافها وفيه وجه ضعيف انه لو اتصل الشفاء بآخر الوضوء لم تبطل هذا ان اتفق خارج الصلاة فأن وقع في الصلاة فظاهر المذهب انه يبطل الصلاة وتتوضأ وتستأنف لانها قدرت علي ان تتطهر وتصلي مع الاحتراز عن الحدث واستصحاب النجاسة وارتفعت الضرورة وخرج ابن سريج من المتيمم يرى الماء في اثناء الصلاة قولا ههنا ان طهارتها لا تبطل وتمضى في الصلاة لكن الفرق ظاهر من وجهين احدهما ان حدث المتيمم وان لم يرتفع لم تردد ولم يتجدد والمستحاضة قد تجدد حدثها بعد الوضوء والثانى ان المستحاضة مستصحبة للنجاسة وسومحت به للضرورة فإذا زالت الضرورة زالت الرخصة والمتيمم لا نجاسة عليه حتي لو كان علي بدنه نجاسة غير معفو عنها ووجد الماء في اثناء]
[ ٢ / ٤٣٩ ]
[الصلاة تبطل صلاته ولا يجوز له البناء وقد ذكرنا في التيمم ان ابن سريج كما خرج من ثم الي ههنا خرج من ههنا إلى ثم وجعل المسألتين علي قولين بالنقل والتخريج ومنهم من عبر عن الخلاف ههنا بالوجهين وكذلك فعل صاحب الكتاب وإذا لم يكن القولان منصوصين فكثيرا ما يعبر عنهما بالوجهين وعن الشيخ أبي محمد ان ابا بكر الفارسى حكي قولا عن الربيع عن الشافعي ﵁ ان المستحاضة تخرج من الصلاة وتتوضأ وتزيل النجاسة وتبنى علي صلاتها ويمكن ان يكون هذا بناء على القول القديم في سبق الحدث وهو يوافق تخريج ابن سريج في انه لا يبطل ما سبق من صلاتها ويخالفه في الامر بالوضوء وازالة النجاسة فهذا حكم الانقطاع الكلي وهو الشفاء: وذاا
عرفت ذلك فنقول مهما انقطع دمها وهي تعتاد الانقطاع والعودا ولا تعتاده ولكن اخبرها عنه من]
[ ٢ / ٤٤٠ ]
[تعتمد من أهل البصيرة فينظر ان كانت مدة الانقطاع يسيرة لاتسع الطهارة والصلاة التى تطهرت لها فلها الشروع في الصلاة ولا عبرة بهذا النوع من الانقطاع لان الظاهر أنه لا يدوم بل يعود على القرب ولا يمكن من الطهارة والصلاة من غير حدث فلو انه امتد على خلاف عادتها أو خلاف ما أخبرت عنه بان بطلان الطهارة ووجب قضاء الصلاة وان كانت مدة الانقطاع كثيرة تسع الطهارة والصلاة فعليها اعادة الوضوء بعد الانقطاع فلو عاد الدم علي خلاف عادتها قبل الامكان ففى وجوب اعادة الوضوء وجهان اظهرهما انها لا تجب لكن لو شرعت في الصلاة بعد هذا الانقطاع من غير اعادة الوضوء ثم عاد الدم قبل الفراغ وجب لقضاء علي اصح الوجهين]
[ ٢ / ٤٤١ ]
[لانها حين الشروع كانت شاكة في بقاء الطهارة الاولى وان انقطع دمها وهي لا تعتد الانقطاع والعود ولم يخبرها اهل البصيرة عن العود فنؤمر بأعادة الوضوء في الحال ولا يجوز لها أن تصلى بالوضوء السابق لان هذا الانقطاع يحتمل ان يكون شفاء وهو الظاهر فان الاصل بعد الانقطاع عدم العود فلو عاد قبل امكان فعل الطهارة والصلاة ففيه وجهان اصحهما أن وضوءها بحاله لانه لم يوجد الانقطاع المغنى عن الصلاة مع الحدث والثاني يجب الوضوء وان عاد الدم نظرا إلى أول الانقطاع ولو خالفت أمرنا وشرعت في الصلاة من غير اعادة الوضوء بعد الانقطاع فان لم يعد الدم لم تصح صلاتها لظهور الشفاء وكذلك أن عاد بعد مضي امكان الطهارة والصلاة لتمكنها من الصلاة من غير حدث وان عاد قبل الامكان فهل يجب قضاء الصلاة فيه وجهان كما في اعادة]
[ ٢ / ٤٤٢ ]
[الوضوء لكن الاصح الوجوب لانها شرعت فيه على تردد وعلي هذا لو توضأت بعد انقطاع الدم وشرعت في الصلاة ثم عا الدم فهو حدث جديد يجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الصلاة: واعلم أن المستحاضة في غالب الامر لا ندرى عند انقطاع دمها انه شفاء أم لا وسبيلها ان تنظر هل تعتاد
الانقطاع أم لا وتجرى على مقتضي الحالتين كما بينا وحكم الشفاء الكلى إذا عرف هو المذكور أولا وهذا الذى رويناه وهو إيراد معظم أئمة أصحابنا العراقيين وغيرهم وبينه وبين كلام صاحب الكتاب بعض الاختلافات لانه قسم حال الانقطاع إلى قسمين احدهما ألا يبعد من عادتها العود والثانى ان يبعدوهما جميعا بفرضان في التى لها عادة عود وما حكيناه يقتضى جواز الشروع في]
[ ٢ / ٤٤٣ ]
[الصلاة متى كان العود معتادا بعد ام قرب وانما يمنع الشروع من غير استئناف الوضوء إذا لم يكن العود معتادا أصلا ويجوز أن يؤول كلامه علي ما ذكره المعظم ولا يبعد أن يلحق ندرة العود وبعده في عادتها بعدم اعتياد العود والله اعلم * ثم قوله فلها الشروع في الصلاة في الحالة الاولى محمول]
[ ٢ / ٤٤٤ ]
[على ما إذا كانت مدة الانقطاع يسيرة وان كان اللفظ مطلقا أما لو كانت مديدة فلابد من اعادة الوضوء كما سبق ثم عروض الانقطاع في أثناء الصلاة كعروضه قبل الصلاة بناء علي ظاهر المذهب في أن الشفاء في الصلاة كهو قبلها فإذا لم يكن معتادا لها أو جرت علي عادتها بالانقطاع قدر ما تتمكن فيه من فعل الطهارة]
[ ٢ / ٤٤٥ ]
[والصلاة بطلت طهارتها وصلاتها وان كان الانقطاع معتادا لها ومدته دون ذلك لم يؤثر وقوله فان انقطع قبل الصلاة انما قيد بما قبل الصلاة لانه أراد ترتيب الشروع عليه لا ترتيب حكم ينتظم الحالتين قال * (الباب الثاني في المستحاضات وهن أربعة) * [المستحاضة الاولى مبتدأة مميزة ترى الدم اقوى (ح) اولا فتحيض في الدم القوى بشرط]
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ألا يزيد علي خمسة عشر يوما ولا ينقص عن يوم وليلة وتستحيض في الضعيف بشرط ألا ينقص عن خمسة عشر يوما والقوي هو الاسود أو الاحمر بالاضافة إلى لون ضعيف بعده * ولو رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم اطبقت الصفرة فالحمرة مترددة بين القوة والضعف ففى وجه تلحق بالسواد إذا امكن الجمع الا ان تصير الحمرة أحد عشر وفى وجه تلحق الحمرة ابدا بالصفرة]
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[المستحاضات أربع لان التى جاوز دمها اكثر الحيض أما أن تكون مبتدأة وهى التى لم يسبق لها حيض وطهر أو معتادة وهى التى سبق لها ذلك وعلي التقديرين فاما أن تكون مميزة أو لا تكون فالاصناف إذا أربعة مبتدأة مميزة مبتدأة غير مميزة معتادة مميزة معتادة غير مميزة وهذا اصناف اللواتى يتميز وقت حيضهن عن استحاضتهن: أما الناسية فلا يمكن التمييز في حقها بين الحيض والاستحاضة وتختص لذلك بأحكام فافرد لها بابا بعد هذا (المستحاضة الاولى) المبتدأة المميزة وهى التى ترى الدم على نوعين احدهما أقوى أو على ثلاثة أنواع احدها أقوى فترد الي التمييز علي معنى انها تكون حائضا في ايام القوى مستحاضة في أيام الضعيف خلافا لابي حنيفة حيث قال ترد إلى اكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده وتطهر باقى الشهر لنا ماروى في الصحيحين]
[ ٢ / ٤٤٨ ]
[عن عائشة ﵂ قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت يا رسول الله انى امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال لا انما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا ادبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) *]
[ ٢ / ٤٤٩ ]
[ويروى انه قال (دم الحيض اسود وان له رائحة فإذا كان ذلك فدعى الصلا وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلى) وورد في صفته انه اسود محتدم بحراني ذو دفعات وفى دم الاستحاضة أنه أحمر رقيق مشرق والاسود هو الذى تعلوه حمرة متراكمة فيضرب من ذلك إلى السواد والمحتدم هو الجار الذى يلذع البشرة ويحرقها]
[ ٢ / ٤٥٠ ]
[بحدته ويختص برائحة كريهة ودم الاستحاضة رقيق لا احتدام فيه يضرب إلى الشقرة أو الصفرة ولذلك يسمى مشرقا وقيل المحتدم هو الضارب إلى السواد والبحراني هو الشديد الحمرة قال صاحب الغريبين يقال احمر باحر وبحراني أي شديد الحمرة ثم انما يحكم بالتمييز بثلاثة شروط شرطان منها في القوى وهما ألا يزيد علي خمسة عشر يوما ولا ينقص عن يوم وليلة وإلا كان زائدا علي اكثر الحيض أو ناقصا عن أقله فلا يمكن تحيضها فيه والثالث في الضعيف وهو الا ينقص عن خمسة عشر يوما
وذلك لانا نريد أن نجعل الضعيف طهرا والقوى بعده حيضة اخرى وإنما يمكن جعله طهرا إذا بلغ أقل الطهر فلو رأت ستة عشر دما اسود ثم احمر فقد فقد الشرط الاول ولو رأت يوما أو نصف يوم اسود ثم احمر فقد فقد الشرط الثاني ولو رأت يوما وليلة دما أسود واربعة عشر احمر ثم عاد الاسود فقد فقد الشرط الثالث وهو ألا ينقص الضعيف عن خمسة عشر وقول الاصحاب ينبغي ألا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما أرادوا خمسة عشر على الاتصال وإلا فلو رأت يوما أسود ويومين أحمر وهكذا أبدا فجملة الضعيف في الشهر لم ينقص عن خمسة عشر يوما لكن لما لم يكن على الاتصال لم يكن ذلك تمييزا معتبرا ثم بماذا نعتبر القوة والضعف فيه وجهان احدهما وهو الذى ذكره في الكتاب ان الاعتبار في القوة والضعف بمجرد اللون فالاسود قوى بالاضافة الي الاحمر والاحمر قوى بالاضافة الي الاشقر والاشقر اقوى من الاصفر والاكدر إذا جعلناهما حيضا وادعي إمام الحرمين قدس]
[ ٢ / ٤٥١ ]
[الله روحه كون هذا الوجه متفقا عليه وقال لو رأت خمسة سوادا مع الرائحة المنعوتة في الخبر حيث قال (له رائحة تعرف) وخمسة سوادا بلا رائحه فهما دم واحد وفاقا والوجه الثاني وهو الذى ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم أن القوة تحصل باحدى خصال ثلاث اللون كما ذكرنا في الوجه الاول والرائحة فالذي له راحة كريهة أقوى ممالا لهراحسة والثخن فالثخين أقوى من الرقين فيجب أن يكون قوله والقوى هو الاسودا والاحمر بالاضافة إلى لون ضعيف بعده معلما بالواو لهذا الوجه علي أن الاصح هذا الوجه على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب الا ترى يأن الشافعي ﵁ ذكر في صفة الحيض أنه محتدم ثخين له رائحة وورد في الخبر التعرض لغير اللون كما ورد التعرض للون وعلى هذا قلا يشترط اجتماع الصفات كلها بل كل واحدة منها تقتضي القوة وحدها ولو كان بعض دمها موصوفا]
[ ٢ / ٤٥٢ ]
[بصفة من الصفات الثلاث والبعض خاليا عن جميعها فالقوى هو الموصوف بها وان كان للعبض صفة وللبعض صفتان فالقوى الثاني وان كان للعبض صفتان وللبعض الصفات الثلاث فالقوى الثاني وان وجد فيالبعض صفة وفى البعض أخرى فالحكم للسابق منهما كذلك ذكره في التتمة وهو موضع
التأمل ثم إذا وجدت الشرائط الثث للتمييز فلا يخلو إما أن يتقدم القوى أو يتقدم الضعيف فان تقدم القوى نظر ان استمر بعده ضعيف واحد كما إذا رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة مستمرة فايام القوى حيض وأيام الضعيف استحاضة لما سبق من الخبر ولا فرق بين أن يتمادي زمان الضعيف وبين أن يقصر علي ظاهر المذهب وفيه وجهان آخران أحدهما أن الضعيف أن كان مع القوى قبله تسعين يوما فما دون ذلك عملنا بالتمييز وقلنا هي مستحاضة في أيام الضعيف وان جاوز ابتدأت بعدن التسعين حيضة أخرى وجعلنا كل دور تسعين ذكره امام الحرمى بناء علي ما قال القفال في حد العادة المردود إليها وسنذكر ذلك في باب النفاس والوجه الثاني ذكر في التتمة ان من شرط اعتبار التمييز ألا يزيد مجموع القوي والضعيف علي ثلاثين يوما فان زاد سط حكم التمييز لان الثلاثين لا تخلو عن حيض وطهر في الغالب وليس بعض المقادير بعد مجاوزة الثلاثين أولي بأن يجعل دورا من بعض فعلي هذا ينضم شرط رابع إلى الشروط الثلاث المشهورة والاصح الاول لان أخبار التمييز مطلقة وهو الذى يوافق كلام الشافعي ﵁ فانه قال فإذا ذهب ذلك الدم يعني القوى وجاءها الدم الاحمر الرقيق المشرق فهو عرق وليست بالحيضة فعليها ان تغتسل اطلق الكلام اطلاقا هذا إذا استمر بعد القوى ضعيف واحدا اما إذا وجد بعد ضعيفان كما إذا رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم صفرة مطبقة فالحمرة المتوسطة تلحق بالقوى قبلها ام بالضعيف بعدها حكي صاحب الكتاب فيه وجهين احدهما انها تلحق بالسوادان امكن وذلك بان لا يزيد المجموع على خمسة عشر لانها قويان بالاضافة إلى ما بعد هما وقد امكن جعلهما حيضا فصار كما لو كان كل ذلك سوادا أو حمرة فان لم يمكن الجمع حينئذ تلحق الحمرة بالصفرة والثانى انها تلحق بالصفرة بكل حال لانها إذا دارت بين ان]
[ ٢ / ٤٥٣ ]
[تلحق القوى قبلها وبين أن تلحق بالضعيف بعدها والاحتياط هو اثاني فيصار إليه ويحصل من هذا السياق اثبات وجهين في حالة امكان الجمع والجزم بالالحاق بالصفرة في حالة عدم الامكان وفى كل واحدة من الحالتين طريقة أخرى سوى ذلك اما ف حالة امكان الجمع فقد قطع بعضهم بضم الحمرة إلى السواد ونفي يالخلاف فيه واما في حالة عدم الامكان
فقد اثبت بعضهم وجهين أحدهما ان حكم الحرمة حكم السواد لقوتها ولو زاد السواد علي خمسة عشر لكانت فاقدة للتمييز فكذلك إذا زاد مجموعهما وظهرهما ان حيضها ايام السواد لاغير لاختصاصها بزيادة القوة وبالاولية أيضا فان قلت أنما يكون ما ذكره جزما بالالحاق بالصفرة عند عدم الا ما كان إذا كان حكم المستثنى في قوله الا ان تكون الحرمة احدى عشر الالحاق بالصفرة ويحتمل انه اراد الا ان تكون الحمرة احد عشر فتكون فاقدة للتمييز وهو احد الوجهين المحكيين في الحالة الثانية وعلي هذا التقدير فيكون ما ذكره اثباتا للخلاف في الحالتين فنقول نعم هذا محتمل لكن ايراده في الوسيط يبين انه اراد ما ذكرناه ثم أعلم ان قوله إذا امكن الجمع الا أن تكون الحمرة أحد عشر ليس بجيد من جهة اللفظ لانه يستحيل أن يكون ذلك استثناء من قوله إذا أمكن الجمع فان حالة عدم الامكان لا يستثني من الامكان وانما هو استثناء من قوله يلحق بالسواد ويحنئذ في قوله إذا امكن الجمع ما يغنى عن هذا الاستثناء وفى الاستثناء ما يفهم المقصود ويغنى عن قوله إذا امكن الجمع فاحدهما غير محتاج إليه فان أراد التمثيل فالسبيل ان نقول إذا أمكن الجمع بان لا تزيد الحمرة على أحد عشر ولو تقدم الاضعف من الضعتيفين وتأخر الاقوي منهما كما إذا رأت سوادا ظثم صفرة ثم حمرة فهذه الصورة تترتب علي ما إذا كانت الحمرة متسوطة فان الحقناها بالسواد فالحكم كما إذا رأت سوادا ثم حمرة ثم عاد السواد ولا يخفى بما ذكرنا من شرائط المييز وان الحقناها عند التوسط بالصفرة فالصفرة المتوسطة ههنا اولى أن تلحق بما بعدها والله اعلم *]
[ ٢ / ٤٥٤ ]
[قال [هذا إذا تقدم القوى فلو رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم استمرت الحمرة فالصحيح ان النظر إلى لون الدم لا إلى الاولية وقيل يجمعان إذا امكن الجمع بان لم يزد المجموع علي خمسة عشر] ذكرنا ان بعد شرائط التمييز لا يخلو الحال اما ان يتقدم الدم القوى وقد بيناه أو يتقدم الضعيف كما إذا رأت خمسة حمرة ثم سوادا ثم عادت الحمرة واستمرت فان أمكن الجمع بين الحمرة والسواد مثل أن تري خمسة حمرة وخمسة سوادا ففيه ثلاثة أوجه محكية عن ابن سريج أظهرها أن النظر الي لون الدم دون الاولية فتكون حائضا في خمسة السواد مستحاضة قبلها وبعدها ووجه ظاهر قوله صلي الله عليه
وسلم (أن دم الحيض أسود يعرف) وأيضا فان ما سوى السواد ضعيف فلا يجعل حيضا كما لو كان متأخرا عن السواد والثانى أنه يجمع بين السواد والحمرة قبله فتحيض فيهما لان للحمرة قوة السبق وللسواد قوة اللون وقد أمكن الجمع والثالث انه يسقط التمييز لان العدول عن أول الدم مع حدوثه في زمان الامكان بعيد والجمع بين السواد والحمرة يخالف عادة التمييز فلا يبقى الا أن يحكم بسقوط التمييز وان لم يمكن الجمع بين الحمرة والسواد كما إذا كانت الحمرة السابقة خمسة والسواد أحد عشر ترتب علي الحالة الاولي ان قلنا ثم حيضها الدم القوى فكذلك ههنا وان قلنا هي فاقدة للتمييز فههنا اولا فان قلنا يجمع بينهما فقد تعذر الجمع هههنا فهى فاقدة للتمييز وسنبين حكم المبتدأة التي لا تمييز لها وفيه وجه آخر أن حيضها ههنا الدم المتقدم علي السواد نظرا إلى الاولية فلو صار السواد ستة عشر فقد فقد أحد شروط التمييز فهى كمبتدأة لا تمييز لها ويعود الوجه الصائر الي رعاية الاولية الذى ذكرناه الآن وهو ضعيف وسنعيد هذه الصورة لغرض آخر ان شاء الله تعالي وإذا فرعنا على الاصح وهو أن حيضها السواد فلو رأت المبتدأة خمسة عشر حمرة أولا ثم خمسة عشر سوادا تركت الصوم والصلاة في جميع هذه المدة اما في الخمسة عشر الاولي فلانها ترجو الانقطاع واما في الثانية فلان السواد بين ان ما قبله استحاضة وانه هو الحيض ان اجتمع شرائط التمييز ويجوز أن يكون كذلك قال الائمة ولا يتصور مستحاضة تدع الصلاة شهرا كاملا الا هذه علي هذا الوجه وزاد أبو سعيد المتولي فقال ولو زاد السواد علي الخمسة عشر والصورة هذه فقد فات شرط التمييز]
[ ٢ / ٤٥٥ ]
[وحكمها أن ترد من اول الاحمر الي يوم وليلة أو الي ست أو سبع على اختلاف قولين نذكرهما من بعد فيكون ابتداء دورها الثاني الحادى والثلاثون فان حيضناها فيه يوما وليلة فهذه امرأة تؤمر بترك الصلاة احدا وثلاثين يوما وان حيضناها ستا أو سبعا فهذه امرأة تؤمر بتركها ستا وثلاثين أو سبعا وثلاثين * قال [ثم المبتدأة إذا انقلب دمها الي الضعيف في الدور الاول فلا تصلي فلعل الضعيف ينقطع دون خمسة عشر يوما فيكون الكل حيضا فان جاوز ذلك نأمرها بتدارك ما فات في أيام الضعيف
نعم في الشهر الثاني كما ضعف (م) الدم فتغتسل إذ بان استحاضتها ومهما شفيت قبل خمسة عشر يوما فالضعيف حيض مع القوى] إذا بلغت الانثى سن الحيض فبدأ بها الدم لزمها أن تترك الصلاة والصوم كما ظهر الدم ولا يأتيها الزوج ثم لو انقطع لما دون أقل الحيض بان انه لم يكن حيضا فتقضى الصلاة والصوم هذا هو المذهب وفيه وجه آخر أنها لا تترك الصوم والصلاة حتى تمضي مدة أقل الحيض من أول ظهور الدم لان وجوبهما مستيقن وكونه حيضا مشكوك فيه فلا يترك اليقين بالشك وهذا ما ذكره الشيخ أبو علي في شرح الفروع حيث قال إذا ابتدأ الدم بها في رمضان وهى بنت خمس عشرة سنة فليس لها أن تفطر حتى يدوم قدر أقل الحيض فانها حينئذ تعلم أنه حيض والظاهر من المذهب الاول لان الدم الخارج من مخرج الحيض في وقت الحيض يكون حيضا غالبا وظاهرا وإذا عرف ذلك فنقول إذا كانت المبتدأة مميزة فلا تشتغل بالصوم والصلاة بانقلاب دمها من القوى إلى الضعيف فانها لا تدرى أنه تجاوز الخمسة عشر أم لا وبتقدير ألا يجاوز يكون الضعيف حيضا مع القوى فلابد لها من التربص لتتبين الحال فإذا تربصت وجاوز الخمسة عشر عرفت أنها مستحاضة وان حيضها منحصر في أيام القوى علي ما سبق فتتدارك ما فات من الصوم والصلاة في أيام الضعيف هذا حكم الشهر الاول وأما في الشهر الثاني وما بعده فإذا انقلب الدم إلى الضعيف اغتسلت وصامت وصلت ولم تتربص ولا مخرج ذلك علي أن العادة هل ثبتت بمرة أم لا لان الاستحاضة]
[ ٢ / ٤٥٦ ]
[علة مزمنة والظاهر دوامها ثم لو اتفق الانقطاع قبلا الخمسة عشر وشفيت في بعض الادوار فالضعيف حيض مع القوى كما في الشهر الاول واعلم انه لا فرق في كون الكل حيضا مهما انقطع الدم قبل مجاوزة الخمسة عشر بين ان يتقدم القوى على الضعيف أو يتقدم الضعيف هذا هو المشهور المقطوع به وحكى في التهذيب وجهين فيما إذا تقدم الضعيف علي القوى ولم يزد علي الخمسة عشر كما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سوادا وانقطع دمها أحد الوجهين ما حكيناه والآخر أن حيضها أيام السواد لانه أقوى وما قبله لا يتقوي به بخلاف ما بعده فانه يتبعه وحكي وجهين
ايضا فيما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سوادا وخمسة حمرة اصحهما ان الكل حيض والثانى حيضها السواد وما بعده لا: ثم المفهوم من اطلاقهم انقلاب الدم الي الضعيف أن يتمحض ضعيفا حتى لو بقيت خطوط من السواد وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض وانما ينقطع إذا لم يبق السواد أصلا وصرح امام الحرمين بهذا المفهوم وقوله في الكتاب كما ضعف الدم معلم بالميم لان مالكا قال المميزة بعد الدم القوى تتحيض ثلاثة ايام من الضعيف ايضا احتياطا لنا قوله ﷺ (وإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي) وايضا فانا لا نجعل شيئا من الدم القوى طهرا احتياطا فكذلك لا نجعل شيئا من الدم الضعيف حيضا ولك ان تعلم قوله في آخر الفصل فالضعيف حيض مع القوى بالواو لانه يشمل ما إذا تقدم الضعيف وما إذا تقدم القوى وفى حالة تقدم الضعيف الوجه الذى حكيناه عن التهذيب والله اعلم * قال [المستحاضة الثانية مبتدأة لا تمييز لها أو فقدت شرط التمييز ففيها قولان احدهما أن ترد إلى عادة نساء بلدها علي وجه أو نساء عشيرتها على وجه بشرط ألا ينقص عن ست ولا يزيد علي سبع لقول النبي ﷺ وسيلم (تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ويطهرن) والقول الثاني انها ترد إلى أقل مدة الحيض احتياطا للعبادة وأما في الطهر فترد إلى اغلب العادات وهي أربع وعشرون لانه ابلغ في الاحتياط وقيل إلى تسع وعشرين لانه تتمة الدور]
[ ٢ / ٤٥٧ ]
[المبتدأة التي لا تمييز لها وهي التي يكون جميع دمها من نوع واحد ينظر في خالها أن لم تعرف وقت ابتداء دمها فحكمها حكم المتحيرة لان مردها علي ما سيأتي يترتب في كل شهر على أول مفاتحة الدم فإذا كان ذلك مجهولا لزم التحير وان عرفت وقت الابتداء وهي الحالة المرادة في الكتاب ففي القدر الذي تحيض فيه قولان اصحهما انها تحيض اقل الحيض وهو يوم وليلة لان سقوط الصلاة عنها في هذا القدر مستيقن وفيما عداه مشكوك فيه فلا تترك اليقين الا بيقين أو أمارة ظاهرة كالتمييز والعادة والثاني ترد الي غالب عادات النساء وهو ست أو سبع لان الظاهر اندراجها في جملة الغالب وقد روى ان حمنة بنت جحش قالت (كنت استحاض حيضة شديدة
فاستفتيت رسول الله ﷺ فقال تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي فإذا رأيت انك قد طهرت فصلي اربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي وصلي فان ذلك يجزئك) وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال (تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) فقال جماعة من الاصحاب منشأ القولين الذين ذكرناهما تردد الشافعي ﵁ في ان حمنة كانت مبتدأة أو معتادة ان قلنا كانت معتادة رددنا المبتدأة إلى الاقل اخذا باليقين ومن قال بهذا قال لعله عرف من عادتها انها احد العددين الغالبين اما الست أو السبع لكن لم يعرف عينه فلذلك قال تحيضي ستا أو سبعا وان قلنا كانت مبتدأة رددنا المبتدأة الي الغالب وقوله في علم الله أي فيما علمك الله من عادتك ان قلنا كانت معتادة ومن غالب عادات النساء ان قلنا كانت مبتدأة فان فرعنا علي القول الثاني فهل الرد الي الست أو السبع على سبيل التخيير بينهما أم لا فيه وجهان احدهما انه علي التخيير لظاهر الخبر فتحيض ان شاءت ستا وان شاءت سبعا ويحكي هذا عن شرح ابى اسحق المروزى وزعم الحناطى انه اصح الوجهين والثانى وهو الصحيح عند الجمهور انه ليس علي التخيير ولكن تنظر في عادات النساء اهن يحضن ستا أو سبعا ومن النسوة المنظور اليهن فيه ثلاثة اوجه اظهرها ان الاعتبار بنسوة عشيرتها من الابوين جميعا لان طبعها إلى طباعهن اقرب فان لم يكن لها عشيرة فالاعتبار بنساء بلدها والثاني ان الاعتبار]
[ ٢ / ٤٥٨ ]
[بنساء العصبات خاصة والثالث يعتبر نساء بلدها وناحيتها ولا تخصص بنساء العصبة ولا نساء العشيرة وإذا عرفت ذلك فعليها ان تجتهد وتنظر في امر النسوة المعتبر بهن فان كن يحضن جميعا ستا أو سبعا اخذت بذلك وعلي هذا حملوا قوله صلي الله عليه وسلم (تحيضي في علم الله ستا أو سبعا) وقالوا انه علي التنويع أي ان كن يحضن ستا فتحيضى ستا وان كن يحضن سبعا فتحيضى سبعا وان كانت عادتهن جميعا اقل من ست أو اكثر من سبع ففيه وجهان اظهرهما أنها ترد الي الست في الصورة الاولى والي السبع في الاخرى اخذا بالاقرب إلى عادتهن والخبر عين العددين وغالب عادات النساء لا تجاوزهما فلا عدول عنهما والثانى انها ترد إلى عاداتهن الحافا لها بالنسوة المعتبر بهن والوجه
الاول هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال بشرط الا ينقص عن ست ولا يزيد علي سبع وان اختلفت عادتهن فحاضت بعضهن ستا وبعضهن سبعا ردت الي الاغلب فان استوى البعضان ردت الي الست احتياطا للعبادة وكذلك الحكم لو حاضت بعضهن دون الست وبعضهن فوق السبع هذا بيان مردها في الحيض واما في الطهر فان قلنا انها مردودة في الحيض الي الغالب فكذلك في الطهر فترد إلى ثلاث وعشرين أو اربع وعشرين كما نطق به الخبر وان قلنا انها مردودة الي الاقل ففى طهرها قولان احدهما انها ترد إلى اقل الطهر أيضا فيكون دورها ستة عشر يوما وإذا جاء السابع عشر استأنفت حيضة أخرى واصحهما انها لا ترد في الطهر إلى الاقل لان الرد في الحيض إلى الاقل انما كان للاحتياط ولو رددنا في الطهر إلى الاقل لكثر حيضها لعوده على قرب وذلك نقيض قضية الاحتياط وعلي هذا فوجهان احدهما انها ترد الي الغالب وهو ثلاث وعشرون أو اربع وعشرون واظهرهما انها ترد الي تسع وعشرين ليتم الدور ثلاثين مراعاة لغالب الدور وانما لم نحمل الحيض على الغالب احتياطا للعبادة ثم نعود إلى ما يتعلق بالفاظ الكتاب خاصة اما قوله مبتدأة]
[ ٢ / ٤٥٩ ]
[لا تمييز لها أو فقدت شرط التمييز فاعلم ان التي لا تمييز لها هي التى ترى الدم كله نوعا واحدا والتي فقدت شرط التمييز ان ترى الدم على نوعين لكن القوى يكون دون يوم وليلة أو اكثر من خمسة عشر يوما أو يكون الضعيف دون الخمسة عشر وحكمهما واحد في جريان القولين احدهما الرد إلى الاقل والثاني الي الغالب وابتداؤه علي القولين من أول ظهور الدم وعن ابن سريج انه لو ابتدأ الدم الضعيف وجاوز القوى بعده اكثر الحيض فالضعيف استحاضة وابتداء حيضها علي اختلاف القولين من أول القوى والمعنى فيه العمل بالتمييز بقدر الامكان ونظيره ما إذا رأت خمسة حمرة ثم اسود دمها وعبر الخمسة عشر وهذه هي الصورة التي وعدنا من قبل ان نعيدها ولك ان تعلم قوله إلى عادة نساء بلدها علي وجه أو نساء عشيرتها علي وجه بالحاء والميم والالف لان ابا حنيفة لا يردها إلى هذا ولا إلى ذاك انما يردها الي اكثر الحيض وهو عشرة عنده وبه قال مالك واحمد في احدى الروايات عنهما الا ان اكثر الحيض عندهما خمسة عشر]
[ ٢ / ٤٦٠ ]
[يوما وعن مالك روايتان اخريان احداهما انها ترد الي عادة لداتها وتستظهر بعد ذلك بثلاثة ايام بشرط الا تجاوز خمسة عشر يوما والثانية انها ترد الي عادة نسائها والاستظهار كما ذكرنا وعن احمد روايتان اخريان مثل قولينا وقوله واما في الطهر فترد الي اغلب العادات الي آخره يجوز ان يكون مبينا على قول الرد الي الاقل فان في طهرها على هذا القول اختلافا كما بيناه وهذا قضية إيراده في الوسيط ويجوز ان يجعل كلاما مبتدأ غير مبني علي احد القولين فان قدر الطهر]
[ ٢ / ٤٦١ ]
[إذا افردناه بالنظر مختلف فيه ثم الرد على الغالب يخرج على القولين جميعا وما عداه يختص بقول الرد الي الاقل وليكن قوله الي اغلب العادات معلما بما ذكرنا من العلامات فان من رد الي اكثر الحيض لا يرد في الطهر الي اغلب العادات وإنما يرد الي الباقي من الثلاثين وقوله وهي اربع وعشرون يقتضي كون الاربع والعشرين اغلب من ثلاث وعشرين وهو ممنوع ومن قال بهذا الوجه لا يرد لعين الاربع والعشرين بل يقول بردها الي الطهر الغالب وهو بين ثلاث وعشرين وبين أربع]
[ ٢ / ٤٦٢ ]
[وعشرين حكاه امام الحرمين هكذا ثم قال وكان شيخي يرى علي هذا الوجه أن ترد إلى أربع وعشرين فان الاحتياط فيه أبلغ منه في ثلاث وعشرين فإذا ما ذكره صاحب الكتاب مصير إلى كلام الشيخ أبى محمد وقضية خبر حمنة أن نعتبر طهرها بعادة النساء المنظور اليهن كما في الحيض فليكن قوله وهو أربع وعشرون معلما بالواو لما رويناه ثم ايراده يقتضى الميل إلى الرد الي غالب الطهر وتصحيح هذا الوجه وعلى هذا التقدير يكون دورها خمسة وعشرين إذا ردت الي أربع]
[ ٢ / ٤٦٣ ]
[وعشرين في الطهر والي الاقل في الحيض لكن ما اتفقت طرق الاصحاب عليه أن ظاهر المذهب اشتمال كل شهر علي حيض وطهر لها سواء ردت الي الاقل أو الغالب وذلك يقتضي ترجيح الوجه الصائر الي تسع وعشرين وبالله التوفيق *
قال [ثم في مدة الطهر تحتاط كالمتحيرة أو هي كالمستحاضات ففيه قولان] غير المميزة كالمميزة في ترك الصوم والصلاة في الشهر الاول الي تمام الخمسة عشر فإذا جاوز الدم الخمسة عشر تبينت الاستحاضة وعرفنا أن مردها الاقل والغالب]
[ ٢ / ٤٦٤ ]
[على اختلاف القولين فان رددناها إلى الاقل قضت صلوات أربعة عشر يوما وان رددناها الي الست أو السبع قضت صلوات تسعة أيام أو ثمانية وأما في الشهر الثاني وما بعده فينظر ان وجدت تمييزا بالشروط السابقة قبل تمام المرد أو بعده فلا نظر إلى ما تقدم وهي في ذلك الدور كمبتدأة مميزة مثاله مبتدأة رأت أولا دما أحمر ثم في الشهر الثاني رأت خمسة دما أسود والباقى أحمر فحيضها في الشهر الاول الاقل أو الغالب وفى الشهر الثاني خمسة السواد أخذا بالتمييز فانه شاهد في صفة الدم فالنظر إليه أولي وان استمر فقد التمييز فيما بعد الشهر الاول وهذا مقصود الفصل ومحل القولين فكما جاوز دمها المرد وهو الاقل أو الغالب فتغتسل وتصوم وتصلي لان الظاهر دوام الاستحاضة]
[ ٢ / ٤٦٥ ]
[ثم لو شفيت في بعض الشهور قبل الخمسة عشر بان أنها غير مستحاضة فيه وان جميع الدم حيض فتقضي ما تركته من الصوم في المرد وما صامته فيما وراءه أيضا لتبين الحيض فيه وتبين أن غسلها لم يصح عقب انقضاء المرد ولا تأثم بفعل الصوم والصلاة والوطئ فيما وراء المرد لانها معذورة في بناء الامر علي الظاهر وهل يلزمها الاحتياط فيما وراء المرد الي تمام الخمسة عشر فيه قولان احدهما انها تحتاط كالمتحيرة لان احتمال الحيض والطهر والانقطاع قائم الي تمام الخمسة عشر وانما تحتاط المتحيرة لقيام هذه الاحتمالات فكذلك هذه وأصحهما أنها لا تحتاط كسائر المستحاضات لانا قد جعلنا لها مردا في الحيض فلا عبرة بما بعده كما في المعتادة والمميزة فأن قلنا تحتاط فلا تحل تنزوج]
[ ٢ / ٤٦٦ ]
[الي تمام لخمسة عشر ولا تقضى في هذه المدة فوائت الصوم والصلاة والطواف لاحتمال أنها حائض ويلزمها الصوم والصلاة لاحتمال انها طاهر وتغتسل لكل صلاة لاحتمال الانقطاع وتقضي صوم جميع الخمسة عشر اما في المرد
فلانها لم تصم وأما فيما وراءه فلاحتمال الحيض وان قلنا لا تحتاط فتصوم وتصلي ولا تقضي شيئا ويأتيها زوجها ولا غسل عليها وتقضى الفوائت وعلي القولين لا نقضى الصلوات المأتي بها بين المرد والخمسة عشر لانها ان كانت طاهرة فقد صلت وان كانت حائضا فليس عليها قضاء الصلوات وحكى في المهذب هذا الخلاف وجهين والاشهر الا ثبت القولان ولا يخفى عليك بعد ما ذكرناه شيئان أحدهما أن قوله ثم في مدة الطهر يعنى به مدة الطهر إلى تمام الخمسة عشر لا الي آخر الشهر فان ما بعد الخمسة عشر طهر بيقين والثاني]
[ ٢ / ٤٦٧ ]
[ان في وجوب قضاء الصلاة علي المتحيرة خلافا نذكره في موضعه وههنا لا يجب قضاء الصلاة بحال وان أمرناها بالاحتياط فإذا قلنا أنها تحتاط كالمتحيرة في قول وجب أن يستثني قضاء الصلاة وصاحب الكتاب لا يحتاج الي هذا الاستثناء لانه نفى وجوب القضاء علي المتحيرة علي ما سيأتي قال [المستحاضة الثالثة المعتادة وهى التى سبقت لها عادة فترد إلى عادتها في وقت الحيض وقدره فان كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وعشرين فجاءها دور فحاضت ستا ثم استحيضت بعد ذلك رددناها إلى الست لان الصحيح ثبوت العادة بمرة واحدة] المعتادة تنقسم إلى ذاكرة لعادتها إلى ناسية والذى بقى من هذا الباب يشتمل علي قسم الذاكرة واما الناسية
[ ٢ / ٤٦٨ ]
[فقد افرد لها الباب التالي لهذا الباب والذاكرة تنقسم الي فاقدة للتمييز والي واجدة أما الفاقدة وهى المقصودة بهذا الفصل فهي مردودة الي عادتها القديمة خلافا لمالك حيث قال لا اعتبار بالعادة لنا ماروى عن ام مسلمة ان امرأة كانت تهريق الدماء علي عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت لها فقال (لتنظر عدد الايام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذى أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل) وتفصيل القول فيها ان يقال عادتها السابقة إما الا يكون فيها اختلاف لا في القدر ولا في الوقت أو يكون فيها اختلاف فهما حالتان فاما في الحالة الاولى فننظر ان تكررت عادة حيضها وطهرها مراراردت الي عادتها في قدر الحيض ووقته وفى الطهر ايضا وظاهر المذهب انه لا فرق بين ان تكون عادتها ان تحيض اياما من كل شهر أو من كل شهرين
أو من كل سنة وقيل بخلاف ذلك وهو الذى حكاه صاحب الكتاب في باب النفاس ونذكره ثم ان شاء الله تعالي وان لم يتكرر ما سبق من عادة الحيض والطهر ففيه خلاف مبنى على ان العادة بماذا تثبت]
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وفيه وجهان مشهوران أصحهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحق أنها تثبت بمرة واحدة واحتجوا عليه بقوله صلي الله عليه وسلم في حديث ام سلمة (فلتنظر عدد الايام والليالي التى كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذى اصابها) اعتبر الشهر الذى قبل الاستحاضة والثاني ويحكي عن ابن خيران أنه لا تثبت العادة الا بمرتين لان العادة مشتقة من العود وإذا لم يوجد الا مرة واحدة فلا عود وحكي أبو الحسن العبادي وجها ثالثا أنها لا تثبت الا بثلاث مرات لقوله ﷺ (دعي الصلاة أيام اقرائك) وأقل الجمع ثلاثة وضرب في الكتاب مثالا لهذه]
[ ٢ / ٤٧٠ ]
[القاعدة فقال لو كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وغشرين فجاءها دور فحاضت يه ستا ثم استحيضت بعد ذلك فان قلنا العادة لا تثبت بمرة واحدة رددناها إلى الخمس وان قلنا أنها تثبت بمرة رددناها إلى الست وقلنا ردها الي ما قرب ونسخ ما قبله أولى ثم المعتادة في الشهر الاول من شهور الاستحاضة تتربص كالمبتدأة لجواز أن ينقطع دون الخمسة عشر وان حاوز عادتها فان عبر الخمسة عشر قضت صلوات ما وراء أيام العادة ثم في الدور الثاني وما بعده إذا مضت أيام العادة اغتسلت وصامت وصلت لطهور الاستحاضة ولا يتأتى ههنا قول الاحتياط الذي ذكرناه في المبتدأة لقوة العادة (الحالة الثانية) أن يكون في عادتها السابقة اختلاف فمن صورها أن يكون لها عادة دائرة وقد ذكره في آخر الباب الثالث في فرع وكان ذكره في هذا الموضع أليق لانها نوع من العادات (ومنها) أن يكون في عاداتها المتقدمة علي الاستحاضة اختلاف في القدر أو في الوقت وسمى متقدمو الاصحاب التى انتقلت عادتها وتغيرت عما كانت ثم استحيضت منتقلة ونحن نذكر من مسائلها صورا ترشد إلى غيرها (منها) لو كانت تحيض خمسا من أول كل شهر وتطهر باقيه فحاضت في دور أربعا من الخمسة المعتادة ثم استحيضت بعد ذلك فهذه قد انتقل حيضها من الكثرة إلى
القلة ولو حاضت في دور ستا ثم استحيضت فقد انتقل من القلة الي الكثرة والحكم في الصورتين مبنى علي الخلاف الذى سبق في العادة ان أثبتناها بمرة رددناها الي ما قبل الاستحاضة]
[ ٢ / ٤٧١ ]
[والا فالعادة القديمة ولو كانت المسألة بحالها فرأت في دور ستة أيام دما وفى دور عقببه سبعة ثم استحيضت فان أثبتنا العادة بمرة رددناها إلى السبعة والا فوجهان أحدهما أنها ترد إلى الخمسة ويتساقط العددان في الدورين الاخيرين لان واحدا منهما لم يتكرر على حياله وأظهرهما أنها ترد إلى الستة لان التكرر قد حصل فيها فانها وجدت مرة وحدها ومرة مندرجة في السبعة وإذا فرعنا علي الوجه الثالث فلا شك في ردها إلى الخمسة ولو كانت المسألة بحالها فحاضت في دور الخمسة الثانية من الشهر فهذه قد تغير وقت حيضها وصار دورها المتقدم علي هذه الخمسة بتأخر الحيض خمسة وثلاثين خمسة منها حيض والباقى طهر فينظر ان تكرر هذا الدور عليها بأن رأت الخمسة الثانية دما وطهرت ثلاثين ثم عاد الدم في الخمسة الثالثة من الشهر الآخر وعلي هذا مرارا ثم استحيضت فهي مردودة إليه فتحيض من أول الدم الدائم خمسة وتطهر ثلاثين وعلي هذا أبدا وان لم يتكرر هذا الدور كما إذا استمر الدم المتأخر المبتدئ من الخمسة الثانية وصارت مستحاضة فهل نحيضها من أوله أم لا فيه وجهان عن أبي اسحق انه لا حيض لها في هذا الشهر والذى بدأ استحاضة كله الي آخر الشهر فإذا جاء أول الشهر ابتدأت منه دورها القديم حيضا وطهرا وقال الجمهور نحيضها خمسة من الدم الذى ابتدأ من الخمسة الثانية ثم ان قلنا بثبوت العادة بمرة حكمنا لها بالطهر ثلاثين يوما وأقمنا عليها الدور الاخير أبدا وان لم نقل بذلك فوجهان أظهرهما أن]
[ ٢ / ٤٧٢ ]
[خمسة وعشرين بعدها طهر لانه المتكرر من اطهارها والثاني ان باقى الشهر طهر لا غير وتحيض الخمسة الاولي من الشهر الآخر وتراعي عادتها القديمة قدرا ووقتا وان رأت الخمسة الثانية دما وانقطع وطهرت بقية الشهر ثم عاد الدم فقد صار دورها خمسة وعشرين فان تكرر ذلك بأن رأت الخمسة الاولي من الشهر بعده دما وطهرت عشرين وهكذا مرارا ثم استحيضت فترد
إليه وان لم يتكرر كما إذا عاد في الخمسة الاولى واستمر فلا خلاف في أن الخمسة الاولي حيض ويبنى حكم الطهر علي الخلاف في العادة ان أثبتناها بمرة فطهرها عشرون والا فخمسة وعشرون ولو كانت المسألة حالها فطهرت بعد خمستها المعهودة عشرين وعاد الدم في الخمسة الاخيرة فهذه قد تغير وقت حيضها بالتقدم وصار دورها خمسة وعشرين فان تكرر هذا الدور بأن رأت الخمسة الاخيرة دما وانقطع وطهرت عشرين وهكذا مرارا ثم استحيضت فترد إليه ولو لم يتكرر كما إذا استمر الدم العائد فمحصول ما تخرج من طرق الاصحاب في هذه المسألة ونظائرها أربعة أوجه أظهرها أنها تحيض خمسة من أوله وتطهر عشرين وهكذا أبدا والثانى تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين والثالث تحيض عشرة منه وتطهر خمسة وعشرين ثم تحافظ علي الدور القديم والرابع أن الخمسة الاخيرة استحاضة وتحيض من أول الدور خمسة وتطهر خمسة وعشرين على عادتها القديمة وقد ذكرنا في صورة التأخر ما حكى عن أبي اسحق من المحافظة على أول الدور]
[ ٢ / ٤٧٣ ]
[والحكم بالاستحاضة فيما قبله واختلفوا في قياس مذهبه ههنا منهم من قال قياسه الوجه الثالث ومنهم من قال لا بل هو الرابع ولو كانت المسألة بحالها حاضت خمستها وطهرت أربعة عشر يوما ثم عاد الدم واستمر فالمتخلل بين خمستها وبين الدم العائد ههنا ناقص عن أقل الطهر فحاصل ما قيل فيه أربعة أوجه أيضا أظهرها أن يوما من الدم العائد استحاضة تكميلا للطهر وخمسة بعده حيض وخمسة عشر طهر إذ صار دوها بما اتفق عشرين والثانى أن اليوم الاول استحاضة والباقى من الشهر وخمسة من الشهر الذى بعده حيض ومجموع ذلك خمسة عشر ثم تطهر خمسة وعشرين وتحافظ علي دورها القديم والثالث ان اليوم الاول استحاضة وبعده خمسة حيض وخمسة وعشرون طهر وهكذا ابدا والرابع ان جميع الدم العائد الي ول الشهر استحاضة وتفتتح منه دورها القديم وقد ذكرت كيفية هذه الوجوه ومأخذها في غير هذا الموضع فلا أطول ههنا ولك أن تعلم قوله في آخر هذا الفصل ثبوت العادة بمرة واحدة بالحاء والالف اشارة الي أنهما يقولان لا تثبت العادة بأقل من مرتين *
قال [المستحاضة الرابعة المعتادة المميزة فان رأت السواد مطابقا لايام العادة فهو المراد وان]
[ ٢ / ٤٧٤ ]
[اختلفت بأن كانت عادتها خمسة فرأت عشرة سوادا ثم اطبقت الحمرة فهل الحكم للعادة ام للتمييز فيه قولان فعلى هذا ان رأت في أيام العادة خمسة حمرة ثم عشرة سوادا ثم اطبقت الحمرة ففى وجه الحكم للعادة (م) وفى وجه للتمييز فتحيض في العشر السواد وفى وجه (ح م) يجمع بينهما الا أن يزيد المجموع على خمسة عشر فيتعين الاقتصار على العادة أو علي التمييز] * المعتادة الذاكرة لعادتها إذا كانت واجدة للتمييز نظر ان توافق مقتضي العادة والتمييز كما إذا كانت تحيض خمسة من اول كل شهر وتطهر الباقي فاستحيضت ورأت خمستها سوادا وباقى الشهر حمرة فحيضها تلك الخمسة واعتضدت كل واحدة من الدلالتين بصاحبتها وان لم يتوافق مقتضاهما]
[ ٢ / ٤٧٥ ]
[نظر ان لم يتخلل بين العادة والتمييز قدر أقل الطهر كما إذا كانت تحيض خمسة كما ذكرنا فرأت في دور عشرة سوادا ثم حمرة واستحيضت ففيه ثلاثة أوجه أصحها وبه قال ابن سريج وابو اسحق انها ترد الي التمييز فتحيض في العشرة كلها لقوله صلي الله عليه وسلم (دم الحيض أسود يعرف) ظاهره ينفى كون غيره حيضا لان التمييز صفة موجودة والعادة دلالة قد مضت والرد الي الدلالة الموجودة أولي والثانى وبه قال ابن خيران والاصطخري أنها ترد إلى العادة فترد الي الخمسة القديمة لقوله ﷺ (فلتنظر عدد الايام والليالي التى كانت تحيضهن) ولم يفصل]
[ ٢ / ٤٧٦ ]
[ولان العادة قد ثبتت واستقرت وصفة الدم بعرض البطلان الا ترى انه لو زاد الدم القوى علي خمسة عشر يوما بطلت دلالة قوته والثالث ان امكن الجمع بينهما يجمع عملا بالدلالتين والا فيتساقطان فتكون كمبتدأة لا تمييز لها وفيها ما قدمناه من القولين: مثال امكان الجمع ان ترى عشرة سوادا كما ذكرناه ومثال عدم الامكان أن ترى خمستها المعهودة حمرة واحد عشر عقيبها سوادا وان يتخلل بينهما أقل الطهر كما إذا رأت عشرين فصاعدا دما ضعيفا ثم خمسة قويا ثم ضعيفا وعادتها القديمة
خمسة من أول الشهر كما سبق فقدر العادة ؤيض بحكم العادة والقوى حيض آخر لانه تخلل بينهما زمان طهر كامل ومنهم من قال تبنى هذه الحالة على الحالة الاولى ان قلنا يقدم التمييز فحيضها خمسة]
[ ٢ / ٤٧٧ ]
[السواد وطهرها المتقدم عليه خمسة واربعون وقد صار دورها خمسين وان قلنا تقدم العادة فحيضها خمسة من أول الشهر وخمسة وعشرون من بعدها طهر وان قلنا يجمع بينهما حيضت الخمسة الاولي بالعادة وخمسة السواد بالتمييز لامكان الجمع بتخلل طهر كامل بينهما هذا فق؟ الفصل * ولك ان تعلم قوله الحكم للعادة بالميم لما ذكرنا أنه لا اعتبار للعادة عنده فضلا عن ان تقدم علي التمييز وقوله الحكم للتمييز بالالف لان عند احمد تقدم العادة عند اجتماع المعنبين وبالحاء ايضا لان عند ابي حنيفة لا اعتبار للتمييز * واعلم انه تحصل مما حكيناه في كل واحدة من حالتى امكان بين العادة والتمييز وعدم الامكان ثلاثة اوجه أحدها الحكم بالعادة والثاني الحكم بالتمييز وهما يشملان
[ ٢ / ٤٧٨ ]
[الحالتين والثالث في احدى الحالتين الجمع وفى الثانية التساقط ولفظ الكتاب يفيد الوجوه الثلاثة عند امكان الجمع والوجهين الشاملين عند عدم الامكان دون الثالث وقوله فيتعين الاقتصار على العادة أو علي التمييز أي على العادة في وجه وعلي التمييز في وجه قال [فرعان الاول مبتدأة رأت خمسة سوادا ثم أطبق الدم علي لون واحد ففى الشهر الثاني نحيضها خمسا لان التمييز اثبت (ح م) لها عادة] العادة التى ترد إليها المستحاضة المعتادة ليس من شرطها ان تكون عادة حيض وطهر صحيحين بلا استحاضة بل قد تكون كذلك وقد تكون تلك العادة هي التى استفادتها من التمييز وهي مستحاضة كما]
[ ٢ / ٤٧٩ ]
[إذا رأت المبتدأة خمسة سوادا وخمسة وعشرين حمرة وهكذا مرارا ثم استمر السواد أو الحمرة في بعض الشهر فقد عرفنا بما سبق من التمييز ان حيضها خمسة من اول كل شهر وصار ذلك عادة لها فنحيضها الآن خمسة من اول كل شهر ونحكم بالاستحاضة في الباقي * هذا هو الصحيح وحكى امام الحرمين وجها آخر انه إذا انخرم التمييز
فلا نظر الي ما سبق وهى كمبتدأة غير مميزة ولو كانت المسألة بحالها فرأت في بعض الادوار عشرة سوادا وباقى الشهر حمرة ثم استمر السواد وفى الدور الذى بعده فقد قال الائمة نحيضها عشرة السواد في ذلك الدور لان]
[ ٢ / ٤٨٠ ]
[الاعتماد علي صفة الدم ثم مردها بعد ذلك العشرة ولو كاتت المسألة بحالها اعتادت السواد خمسة ثم استمر الدم ثم رأت في بعض الادوار عشرة فترد في ذلك الدور إلى العشرة وفى هاتين الصورتين اشكالان (أحدهما) ردها إلى العشرة في الصورة الاولى ظاهر إذا قلنا العادة تثبت بمرة واحدة اما إذا قلنا لا تثبت فينبغي ألا نكتفي بسبق العشرة مرة قال صاحب الكتاب في الوسيط هذه عادة تمييزية فينسخها مرة واحدة ولا يجرى فيها ذلك الخلاف كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة فانه نحكم بالحالة الناجزة وهذا لا يشفى الغليل وللمعترض أن يقول لم يختص الخلاف بغير التمييزية]
[ ٢ / ٤٨١ ]
[ولماذا تشتبه العادة التمييزية بالصورة المذكور دون غير التمييزية وما الفارق (الثاني) إذا أفاد التمييز عادة للمستحاضة ثم تغير مقدار القوى بعد انخرام التمييز أو قبله وجب أن لا يخرم بالرد إليه بل ينبغى أن يخرج علي الخلاف فيما إذا اجتمع العادة والتمييز كما تقدم ولم يزد امام الحرمين في هذا الموضع علي دعوي اختصاص ذلك الخلاف بالعادات الجارية من غير استحاضة ولم يبد معنى فارقا ولمقرر الاشكال ان يمنع اختصاص الخلاف بتلك العادات الا ترى أنها لو كانت ترى خمسة سوادا]
[ ٢ / ٤٨٢ ]
[من أول كل شهر وباقيه حمرة فجاءها شهر رأت فيه الخمسة الاولى حمرة والخمسة الثانية سوادا ثم عادت الحمرة واستمرت يجرى فيها لك الخلاف مع أن هذه عادة مستفادة من التمييز أورد هذه الصورة صاحب التهذيب وغيره فعلى الوجه المغلب للتمييز حيضها الخمسة الثانية وعلي الوجه المغلب للعادة حيضها الخمسة الاولي وعلي وجه الجمع تحيض فيهما والله أعلم * جئنا الي ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله مبتدأة رأت خمسة سوادا ثم أطبق الدم علي لون واحد المفهوم من ظاهره اطباق غير لون السواد من انقضاء خمسة السواد واستمراره علي الاطلاق لكن بتقدير ان يكون كذلك فالضعيف على امتداده استحاضة وليس لها شهر ثان]
[ ٢ / ٤٨٣ ]
[حتى نحكم بالتحيض خمسة من أوله فإذا المعني رأت خمسة سوادا وخمسة وعشرين حمرة أو نحوها ثم أطبق السواد في الشهر الثاني ثم قوله ففى الشهر الثاني نحيضها خمسا بناء على عدم اشتراط التكرار في العادة التمييزية واكتفاء بوقوعها مرة واحدة وقد ذكرنا ما فيه من الاشكال ويؤيده ان ما عدا الخمسة لو كان طهرا محسوسا واستحيضت في الشهر الثاني لم نردها الي الخمسة علي قولنا العادة]
[ ٢ / ٤٨٤ ]
[لا تثبت بمرة ومعلوم ان التمييز لا يزيد عليه وليكن قوله نحيضها خمسا معلما بالواو اشارة إلى الوجه الذى تقدم * قال [الثاني قال الشافعي ﵁ الصفرة والكدرة (م) في أيام الحيض حيض (ح) فهو كذلك في ايام العادة وفيما وراءها الي تمام الخمسة عشر ثلاثة اوجه احدها انه حيض كايام العادة والثانى لا لضعف اللون والثالث ان كان مسبوقا بدم قوى ولو لطخة فيكون حيضا والا فلا ومرد المبتدأة]
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ايام العادة أو كما وراءها فيه وجهان] هذا الفرع لا اختصاص له بالمستحاضة بل معظم فائدته فيما إذا لم يعبر الدم الاكثر كما سيأتي والصفرة شئ كالصديد يعلوه اصفرار والكدرة شئ كدر وليسا على الوان الدماء ولا خلاف في كونهما حيضا في ايام العادة لان الوقوع في ايام العادة يغلب علي الظن بكون الاذى الموجود فيه الحيض المعهود وفيما وراء ايام العادة اربعة اوجه اظهرها ان لهما حكم الحيض ايضا]
[ ٢ / ٤٨٦ ]
[لقوله تعالي (قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض) والصفرة والكدرة اذى ولما روى عن عائشة ﵂ قالت (كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا) وهذا اخبار عما عهدته في زمان الرسول ﷺ والثانى ليس لهما حكم الحيض لقوله صلي الله عليه وسلم (دم الحيض أسود يعرف)]
[ ٢ / ٤٨٧ ]
[وعن ام عطية وكانت قد بايعت النبي ﷺ قالت (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا) وبهذا الوجه قال الاصطخرى وينسب الي صاحب التلخيص أيضا وبالاول قال ابن سريج وأبو اسحق والوجه الثالث وبه قال أبو على الطبري ان سبق دم قوى من سوادا وحمرة فالصفرة والكدرة بعده حيض والا فلا والفرق ان الدم يبدو قويا ثم يرق ويضعف علي التدريج الا ترى ان الجراحة تصب دما قويا ثم يرق ويختلط بالرطوبات فإذا سبق دم قوى استتبع ما بعده والرابع حكاه القاضي ابن كج أنه انما يحكم بكون الصفرة والكدرة حيضا بشرط ان يسبقها دم قوى ويلحقها دم قوى لينسحب الحكم علي المتخلل والا فما ليس علي هيئة الدماء لا يعطي له حكمها واما المبتدأة فقد حكي امام الحرمين عن بعض الاصحاب أنها إذا رأت صفرة أو كدرة ثم طهرت فحكم مردها على اختلاف القولين وهما الاقل والغالب كايام العادة في حق المعتادة قال والصحيح أنه كما وراء أيام العادة فحصل وجهان كما روى صاحب الكتاب ان قلنا أنه كايام العادة فالصفرة والكدرة فيها حيض بلا خلاف وان قلنا كما وراء أيام العادة عاد فيه الاوجه وهذا هو الذى ذكره الجمهور ولنوضح]
[ ٢ / ٤٨٨ ]
[هذه المسألة بالامثلة: امرأة عادتها ان تحيض من كل شهر خمسة وتطهر الباقي فرأت خمستها صفرة أو كدرة وطهرت فهى حائض في تلك الخمسة بلا خلاف: ولو رأت خمستها سوادا ثم خمسة صفرة أو كدرة وانقطع ما بها فعلي الوجه الاول الكل حيض وعلي الثاني حيضها السواد وعلي الثالث لكل حيض لتقدم السواد وعلى الرابع حيضها السواد لعدم لحوق القوى ولو رأت مبتدأة خمسة عشر فما دونها صفرة أو كدرة فالذي رأته حيض على الوجه الاول دون الثاني لخروجه عن يام العادة وكذلك علي الوجه الثالث لانه لم يتقدمه سواد ولا حمرة وكذا علي الرابع لعدم التقدم والتأخر هذا على طريقة طرد الخلاف وفى مردها الوجه الذى سبق وإذا اعتبرنا تقدم الدم القوى أو تأخره ففى المقدار المشروط وجهان أصحهما أنه لا يشترط له قدر معين لان المعنى فيه ما ذكرنا من هيئة التدربج وإذا سبق الدم القوى فقد يتسارع إليه الضعف وقد لا يتسارع ولا ينضبط هذا هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال ولو لحظة والثانى انه يشترط ان يكون قدر يوم وليلة ليكون حيضا بنفسه حتى يقوى علي استتباع غيره واما ما حكاه من لفظ الشافعي
﵁ في أول الفرع فقد نص عليه في المختصر واختلفوا في المراد بايام الحيض بحسب ما حكينا من الخلاف فمن قال الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض لا غير قال المراد بايام الحيض ايام العادة ومن قال حيض فيما وراء ايام العادة وفى المبتدأة قال أراد بايام الحيض زمان امكان]
[ ٢ / ٤٨٩ ]
[الحيض ولفظ الكتاب بعد رواية هذا النص يختلف في النسخ فقد تجد في بعض النسخ وذلك في أيام العادة وهذا لفظه في الوسيط وقد تجد وهو كذلك في أيام العادة وهما صحيحان وقد تجد وكذلك في أيام العادة وهو فاسد ولا يخفى عليك ذلك ان عرفت ما قدمناه وليكن قوله أنه حيض كايام العادة معلما بالالف لان الحكاية عن احمد أنه ليس بحيض وقوله لا لضعف اللون معلما بالحاء لان عند ابى حنيفة هو حيض كما هو الاصح عندنا والله أعلم * قال [الباب الثالث في التى نسيت عادتها ولها احوال الاولى التي نسيت العادة قدرا ووقتا وهي المتحيرة وهى مردودة إلى المبتدأة في قدر الحيض والي أول الاهلة في قول ضعيف والصحيح أنه لا يعين اول الاهلة فانه تحكم بل تؤمر بالاحتياط أخذا بأشق الاحتمالات في امور ستة] الناسية لعادتها اما أن تكون مميزة بشرط التمييز واما الا تكون كذلك فان كان الاول فهي مردودة الي التمييز لان الرجوع إلى العادة قد تعذر فنأخذ بدلالة التمييز كيف اتفق ولو أمكن الرجوع الي العادة أيضا لكنا نأخذ بالتمييز على الاصح وفى هذه الحالة لا تحير ولا اشكال وعن الاصطخرى وابن خيران أنها لا ترد الي التمييز ولا فرق بين ان تكون مميزة أو لا تكون وهذا لا يوافق لمصيرهما الي تقديم العادة عند اجتماع المعنبين لكن المشهور الاصح هو الاول وان لم تكن مميزة بشرطه وهذه الحالة هي المقصودة بهذا الباب فلها ثلاث أحوال لانها اما أن تكون ناسية لقدر الحيض ووقته جميعا واما أن]
[ ٢ / ٤٩٠ ]
[تكون ناسية لقدر الحيض دون الوقت واما أن تكون بالعكس من ذلك الحالة الاولى ان تكون ناسية لهما جميعا وتعرف بالمتحيرة لتحيرها في شأنها وقد تسمى محيرة ايضا لانها تحير الفقيه في أمرها وبعضهم يضع اسم المتحيرة موضع الناسية فتسمى ناسية الوقت وناسية القدر أيضا متحيرة وكذلك فعل صاحب
الكتاب في الوسيط والاول احسن والنسيان المطلق قد يعرض لغفلة وعلة عارضة وقد تجن صغيرة وتستمر لها عادة في الحيض ثم تفيق وهي مستحاضة فلا تعرف مما سبق شيئا وفى حكمها في هذه الحالة قولان أحدهما انها مردودة الي المبتدأة لان العادة المنسية لا يمكن استفادة الحكم منها فتكون كالمعدومة الا ترى ان التمييز لما لم يمكن استفادة الحكم منه لفوات بعض الشروط الحق بالعدم ولان المصير الي القول الثاني يلزمها حرجا عظيما على ما سيأتي ولا حرج في الدين وأصحهما أنها مأمورة بالاحتياط]
[ ٢ / ٤٩١ ]
[غير مردودة إلى المبتدأة إذ ما من زمان يمر عليها الا ويحتمل الحيض والطهر والانقطاع فيجب الاخذ بالاحتياط وقد نقل (ان سهلة بنت سهيل استحيضت فاتت النبي ﷺ فأمرها ان تغتسل عند كل صلاة) فحمله حاملون على أنها كانت ناسية فأمرها به احتياطا ومنهم من لم يثبت]
[ ٢ / ٤٩٢ ]
[سوى القول الثاني لكن طريقة اثبات القولين اظهر وهي التى ذكرها في الكتاب فان قلنا بالرد الي المبتدأة فقد اختلفوا منهم من طرد فيها القولين في الرد إلى الاقل أو الغالب ومنهم من اقتصر علي الرد الي الاقل والاول اظهر وهو قضية اطلاقه في الكتاب حيث قال فهي مردودة الي المبتدأة في قدر الحيض ويجوز ان يعلم بالواو اشارة إلى الوجه الثاني واما وقت ابتداء حيضها فلا يمكن أخذه من المبتدأة لان ابتداء دورها معلوم بظهور الدم بخلاف الناسية والمشهور تفريعا على هذا القول ان ابتداء حيضها أول الهلال حتى لو افاقت المجنونة في اثناء الشهر الهلالي عدت باقى الشهر استحاضة واحتج له بان الغالب ان الحيض يبتدئ مع استهلال الشهر وهذه دعوى يخالفها الحس والجود وعن القفال انها إذا افاقت فابتداء حيضها من وقت الافافة لان التكليف حينئذ يتوجه عليها قال الائمة وهذا بعيد ايضا فانها قد تفيق في اثناء الحيض واقوى مازيفوا به اصل القول الذى يفرع عليه ما في ابتداء الحيض من الاشكال اما الرد الي الاقل أو الغالب فغير بعيد ولهذا قال صاحب الكتاب والصحيح انه لا يتعين اول الاهلة فانه تحكم محض التحكم بتعين اول الاهلة دون تعيين القدر وان كان ذلك متروكا علي قول الاحتياط ايضا ومتى
أطلقنا الشهر في مسائل المستحاضات عنينا به ثلاثين يوما سواء كان ابتداؤه من أول الهلال ام لا ولا نعنى به الشهر الهلالي الا في هذا الموضع علي هذا القول وليكن قوله إلى أول الاهلة في وقته معلما بالواو لما حكينا عن؟؟ ثم علي هذا القول هل تؤمر بالاحتياط من انقضاء وقت المرد إلى]
[ ٢ / ٤٩٣ ]
[آخر الخمسة عشر فيه القولان المذكوران في المبتدأة واما التفريع علي قول الاحتياط فقد حصره في ستة أمور ونحن نشرحها علي النسق قال [الاول ألا يجامعها زوجها اصلا لاحتمال الحيض] ليس لزوج المتحيرة وسيدها أن يجامعها اصلا إذ ما من زمان يفرض الا وهو محتمل للحيض فلابد من الاحتياط وعن اقضي القضاة الماوردى وجه آخر انه لا بأس بوطئها ورأيته لبعض المتأخرين ايضا ووجهه ان الاستحاضة علة مزمنة فالتحريم توريط لها في الفساد وإذا قلنا بالصحيح فلو فعل عصى ولزمها الغسل من الجنابة ولا يعود ههنا القول المذكور في وجوب الكفارة بوطئ الحائض لانا لانتبين وقوعه في الحيض فنسقط الكفارة بالشبهة كما نثبت التحريم بالشبهة وهل يجوز الاستمتاع بما تحت الازار منها فيه الخلاف الذى سبق في الحائض قال [الثاني الا تدخل المسجد ولا تقرأ القرآن]
[ ٢ / ٤٩٤ ]
[المتحيرة لا تقرأ القرآن لاحتمال الحيض في كل زمان وقد ذكرنا في الحائض قولا انها تقرأه فهذه أولي إذ لا نهاية لعذرها هذا في القراءة خارج الصلاة واما في الصلاة فهل تزيد علي الفاتحة فيه وجهان اظهرهما نعم ولا حجر وحكمها في دخول المسجد حكم الحائض فلا تمكث بحال ولا تعبر عند خوف التلويث وعند الامن وجهان ولا يخفى بعد هذا انه ينبغى ان يعلم قوله ولا تقرأ القرآن ولا تدخل المسجد كلاهما بالواو قال [الثالث أنها تصلى وظائف الاوقات لاحتمال الطهر وتغتسل لكل صلاة لاحتمال انقطاع الدم]
يجب على المتحيرة ان تصلي الخمس ابدا لان كل وقت افرد بالنظر فمن الجائز كونها طاهرة فيه فنأخذ بالاحتياط وهل لها أن تتنقل فيه وجهان أحدهما لا: لانه لا ضرورة في التنفل مع احتمال الحيض فصار كقراءة القرآن في غير الصلاة وحمل المصحف وأصحهما نعم كالمتيمم يتنفل مع بقاء حدثه ولان النوافل من مهمات الدين فلا وجه لحرمانها عنها ومنهم من جوز السنن الراتبة دون غيرها وهذا الخلاف يجرى في نوافل الصوم والطواف ثم يلزمها ان تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها ويجب ان يقع غسلها في الوقت لانه طهارة ضرورة فصار كالتيمم وفى وجه لو وقع غسلها قبل الوقت وانطبق اول الصلاة علي اول الوقت وآخر الغسل جاز وقد ذكرنا]
[ ٢ / ٤٩٥ ]
[نظيره في طهارة المستحاضة وهل تلزمها المبادرة الي الصلاة عقيب الغسل فيه وجهان احدهما نعم كما ذكرنا في وضوء المستحاضة وأصحهما عند امام الحرمين وصاحب الكتاب لا: لانا انما نوجب البدار الي الصلاة بعد الوضوء تقليلا للحدث.
والغسل انما تؤمر به لاحتمال الانقطاع ولا يمكن تكرر الانقطاع بين الغسل والصلاة ولو بادرت أيضا فمن المحتمل أن غسلها وقع في الحيض وانقطع بعده فإذا لا حيلة في دفع هذا الاحتمال وان قرب الزمان وللاول ان يقول نعم دفع أصل الاحتمال لا يمكن لكن الاحتمال في الزمان الطويل أظهر منه في الزمان القصير فبالمبادرة يقل الاحتمال فعلي الوجه الثاني إذا أخرت لزمها لتلك الصلاة وضوء آخر إذا لم نجوز للمستحاضة تأخير الصلاة عن الطهارة * قال [الرابع يلزمها ان تصوم جميع شهر رمضان لاحتمال دوام الطهر ثم عليها أن تقضي ستة عشر يوما لاحتمال دوام الحيض خمسة عشر يوما وانطباقها إلى ستة عشر بطريانها في وسط النهار وقضاء الصلاة لا يجب (و) لما فيه من الحرج] * مقصود الفصل مسألتان أحداهما أن المتحيرة تصوم علي قول الاحتياط جميع شهر رمضان لاحتمال أنها طاهر في الكل ثم كم يجزيها من ذلك المنقول عن الشافعي ﵁ انه يجزيها خمسة عشر يوما إذ لابد وان يكون لها في الشهر طهر صحيح وغاية ما يمكن امتداد الحيض إليه خمسة عشر يوما فيقع صوم خمسة عشر يوما في الطهر وهذا ما ذكره قوم من
اصحابنا كصاحب الافصاح والشيخ ابى حامد وقال أبو زيد واكثر الاصحاب علي اختلاف الطبقات لا يجزيها الا اربعة عشر يوما لاحتمال ان يبندى حيضها في اثناء نهار ويمتد خمسة عشر يوما فينقطع]
[ ٢ / ٤٩٦ ]
[في اثناء نهار أيضا فتنبسط الخمسة عشر على ستة عشر ويفسد صومها واثبت امام الحرمين في المسألة طريقتين احداهما القطع بما ذكره الاكثرون وحمل كلام الشافعي ﵁ على ما إذا حفظت ان دمها كان ينقطع بالليل والثانية جعل المنقول من الشافعي ﵁ من المذهب ايضا فليكن قوله ثم عليها ان تقضي ستة عشر يوما معلما بالواو لهذا المعني وهذا إذا كان الشهر كاملا وهو المراد من مسألة الكتاب قأما إذا كان ناقصا فالمحسوب علي قياس المنقول عن الشافعي ﵁ لا يختلف وتقضي ههنا أربعة عشر يوما وعلى قول الاكثرين المقضى لا يختلف ويحسب لها ثلاثة عشر يوما وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في المهذب يحسب لها أربعة عشر يوما وهذا مع موافقته للاكثرين في صورة الكمال واحتج له يحيى النميى بان قال أجرى الله تعالي العادة بان الشهر لا يخلو عن طهر صحيح كاملا كان أو ناقصا وإذا كان كذلك فغاية الممكن ان يكون حيضها من الشهر الناقص اربعة عشر يوما ثم يجوز ان يفسد به صوم خمسة عشر يوما فيصح أربعة عشر ولك ان تقول لا نسلم ان الله تعالي أجرى العادة بما ادعيتة ثم هب أنه كذلك لكنا على قول الاحتياط لا نكتفي بالغالب ولو اكتفينا به لجعلنا الفاسد صوم سبعة أيام أو ثمانية لان الغالب من الحيض ستة أو سبعة فإذا ما ذكره الشيخ سافط (المسألة الثانية) إذا أدت الصلوات الخمس فهل يجزيها ذلك أم يجب القضاء مع الاداء كما في الصوم فيه وجهان احدهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يجب ولهذا سكت الشافعي ﵁]
[ ٢ / ٤٩٧ ]
[عن قضاء الصلاة مع حكمه بوجوب قضاء الصوم والمعنى فيه أن قضاء صلوات أيام الحيض لا يجب فان كانت طاهرا وقت الصلاة المؤداة اجزأها ما فعلت والا فلا صلاة عليها وأيضا فان قضاء الصلاة يفضى إلى حرج شديد والثاني أنه يجب القضاء لجواز ان ينقطع الحيض في خلال الصلاة أو في آخر الوقت ويجوز أن ينقطع قبل غروب الشمس فيلزمها الظهر والعصر أو قبل طلوع الفجر
فيلزمها المغرب والعشاء وإذا سلكنا طريق الاحتياط وجب سلوكه في جميع جهات الاحتمال ويحكى هذا عن ابن سريج ويشهر بابى زيد وهو ظاهر المذهب عند الجمهور ولم يورد صاحبا التهذيب والتتمة سوا ذلك ومنهم من قطع به وقال الشافعي ﵁ كما لم يذكر وجوب القضاء لم ينفه أيضا وقضية مذهبه الوجوب فعلى هذا تغتسل في اول وقت الصبح وتصليها ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت مرة أخرى واعادتها لاحتمال ان المرة الاولي وقعت في الحيض وانقطع بعده فلزمها الصبح وبالمرتين تخرج عن العهدة يقينا لانها إذا كانت طاهرا في المرة الاولي فهى صحيحة والا فان انقطع في الوقت أجزأتها المرة الثانية وان لم ينقطع فلا شئ عليها ولا يشترط البدار إلى المرة الثانية بعد خروج الوقت بل متى قضتها قبل انقضاء خمسة عشر يوما من اول وقت الصبح خرجت من العهدة ايضا لان]
[ ٢ / ٤٩٨ ]
[الحيض لو انقطع في الوقت لم يعد الي خمسة عشر يوما قال امام الحرمين ولا يشترط تأخر جميع الصلاة المرة الثانية عن الوقت بل لو وقع بعضها في آخر الوقت جاز بشرط ان يكون دون تكبيرة إذا قلنا تلزم الصلاة بادراك تكبيرة أو دون ركعة إذا قلنا لا تلزم الا بادراك ركعة وفيه قولان مذكوران في كتاب الصلاة وانما يجوز ذلك لانه إذا فرض الانقطاع قبل المرة الثانية فقد اغتسلت وصلت والانقطاع لا يتكرر وان فرض في اثنائها فلا شىء عليه في التصوير المذكور ولك ان تقول اشكالا المرة الثانية يتقدمها الغسل فإذا وقع بعضها في الوقت والغسل سابق جاز أن يقع للانقطاع في اثناء الغسل ويكون الباقي من وقت الصلاة من حينئذ قدر ركعة أو تكبيرة فيجب أن ننظر إلى]
[ ٢ / ٤٩٩ ]
[زمان الغسل سوى الجزء الاول منه والى الجزء الواقع من الصلاة في الوقت فيقال ان كان ذلك دون ما يلزم به الصلاة جاز والا فلا ولا يقصر النظر على جزء الصلاة ثم من المعلوم أنه لا يمكن أن يكون ذلك دون التكبيرة ويبعد ان يكون دون الركعة فهذا في الصبح وأما في العصر والعشاء فيصليهما مرتين كذلك وأما الظهر فلا يكفى وقوعها المرة الثانية في أول وقت العصر ولا وقوع المغرب في أول وقت العشاء لانها لو ادركت قدر ركعة أو خمس ركعات علي اختلاف قولين نذكرهما
من وقت العصر يلزمها الظهر والعصر وكذلك لو أدركته في وقت العشاء يلزمها المغرب والعشاء ومن الجائز انقطاع حيضها في الوقت المفروض فيجب ان تعيد الظهر في الوقت الذى يجوز]
[ ٢ / ٥٠٠ ]
[اعادة العصر فيه وذلك بعد وقت العصر وتعيد المغرب في الوقت الذى يجوز اعادة العشاء فيه وذلك بعد وقت العشاء ثم إذا أعات الظهر والعصر بعد الغروب فينظر ان قدمتها علي اداء المغرب فعليها ان تغتسل للظهر وتتوضا للعصر وتغتسل للمغرب وانما كفى لهما غسل واحد لان دمها ان انقطع قبل الغروب فقد اغتسلت بعده وان انقطع بعد الغروب فليس عليها ظهر ولا عصر وانما لزم اعادة الغسل للمغرب لاحتمال الانقطاع في خلال الظهر أو العصر أو عقيبهما وهكذا الحكم إذا قضت المغرب والعشاء قبل اداء الصبح بعد طلوع الفجر وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بثمانية اغسال ووضوءين وان أخرت الظهر والعصر عن أداء المغرب]
[ ٢ / ٥٠١ ]
[اغتسلت للمغرب وكفاها ذلك للظهر والعصر ايضا لانه ان انقطع حيضها قبل المغروب فلا تعود الي تمام مدة الظهر وان انقطع بعده لم يكن عليها ظهر ولا عصر ولكن تتوضأ لكل واحدة من الظهر والعصر كما هو شأن المستحاضات وهكذا القول في المغرب والعشاء إذا اخرتهما عن الصبح وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بالغسل ست مرات والوضوء اربعا وبالطريق الثاني تخرج عن عهدة الصلوات الخمس وأما بالطريق الاول فقد اخرت المغرب والصبح عن أول وقتهما لتقديمها القضاء عليهما فتخرج عن عهدة ما عداهما واما هما فقد قال في النهاية إذا اخرت الصلاة عن أول الوقت حتى مضى ما يسع الغسل وتلك الصلاة فلا يكفى فعلها مرة اخرى في آخر الوقت أو بعده علي التصوير الذى سبق لجواز ان تكون طاهرا في أول الوقت ثم يطرأ الحيض فيلزمها الصلاة وتكون المرتان واقعتين في الحيض بل يحتاج الي فعلها مرتين اخريين بغسلين يشترط]
[ ٢ / ٥٠٢ ]
[ان تكون احدهما بعد انقضاء وقت الرفاهية والضرورة وقبل تمام خمسة عشر يوما من افتتاح
الصلاة المرة الاولي والثانية في أول السادس عشر من آخر الصلاة الاولى فحينئذ تخرج عن العهدة بيقين لان الخمسة عشر المتخللة أما ان تكون كلها طهرا فتصح المرة الثانية أو كلها حيضا فتصح المرة الاولي أو الثالثة أو يكون آخرها طهرا فيكون قدر ما بعدها طهرا أيضا فان انتهي الي آخر المرة الثالثة فهى واقعة في الطهر والا فالثانية واقعة فيه أو يكون أولها طهرا فيكون شيء مما قبلها طهرا أيضا فان كان افتتاحه قبل المرة الاولي فهى في الطهر وان كان في اثناء الاولى كانت الثانية في الطهر ومع هذا كله فلو اقتصرت علي اداء الصلوات في أوائل اوقاتها ولم تقض شيئا حتي مضت خمسة عشر يوما أو مضى شهر فلا يجب عليها لكل خمسة عشر الا قضاء صلوات يوم وليلة لان]
[ ٢ / ٥٠٣ ]
[القضاء انما يجب لاحتمال الانقطاع ولا يتصور الانقطاع في الخمسة عشر الا مرة ويجوز ان يجب به تدارك صلاتي جمع وهما الظهر والعصر أو المغرب والعشاء فإذا اشكل الحال اوجبنا قضاء صلوات يوم وليلة كمن نسي صلاة أو صلاتين من خمس ولو كانت تصلي في اوساط الاوقات لزمها ان تقضى للخمسة عشر صلوات يومين وليلتين لجواز ان يطرأ الحيض في وسط صلاة فتبطل وتنقطع في وسط اخرى فيجب ويجوز ان يكونا مثلين ومن فاته صلاتان متماثلتان ولم يعرف عينهما فعليه صلوات يومين وليلتين بخلاف ما إذا كانت تصلي في أول الوقت فانه لو فرض ابتداء الحيض في اثناء الصلاة لما وجبت لانها لم تدرك من الوقت ما يسعها والله اعلم * قال [الخامس إذا كان عليها قضاء يوم واحد فلا تبرأ ذمتها الا بقضاء ثلاثة ايام وسبيله ان]
[ ٢ / ٥٠٤ ]
[تصوم يوما وتفطر يوما ثم تصوم يوما ثم تصوم السابع عشر من صومها الاول فتخرج مما عليها بيقين لان الحيض كيفما قدر مقدما أو مؤخرا فيخرج يوم عن الحيض وعلة هذا التقدير ذكرناها في كتاب البسيط] * تكلم في أن المتحيرة إذا ارادت قضاء صوم يوم لم تبرأ ذمتها ولم يذكر ما إذا ارادت ان تقضي اكثر من يوم ولاقضاء الصلوات الفائتة والمنذورة ونحن نذكرهما على الاختصار فاما صوم يوم
واحد فانما تخرج عن عهدته بصوم ثلاثة أيام بان تصوم يوما متي شاءت وتفطر يوما وتصوم اليوم
[ ٢ / ٥٠٥ ]
[الثالث ثم اليوم السابع عشر وانما خرجت عن العهدة بذلك لانها أما طاهر في اليوم الاول فتحصل به الفرض أو غير طاهر وحينئد أما ان تكون حائضا في جميعه فينقطع حيضها قبل السابع عشر لا محالة ويقع الثالث أو السابع عشر في الطهر وأما ان تكون حائضا في بعضه فان كانت حائضا في أوله وانقطع فيه فهى طاهر في اليوم الثالث وان كانت حائضا في اخره وابتدأ فيه فغايته الانتهاء الي السادس عشر ويقع السابع عشر في الطهر فعلي أي تقدير قدر يقع يوم في الطهر واعلم ان ذكر اليوم الثالث والسابع عشر للصوم الثاني والثالث انما جرى في كلام الائمة لبيان ان السبعة عشر اقل مدة يمكن فيها قضاء اليوم الواحد والا فلا يتعين اليوم الثالث للصوم الثاني ولا السابع عشر للصوم الثالث بل لها ان تصوم بدل الثالث يوما بعده الي اخر الخامس عشر وبدل السابع عشر يوما بعده إلى اخر تسعة وعشرين يوما ولكن الشرط ان يكون المخلف من اول السادس عشر مثل ما بين معها الاول والثاني أو أقل منه فلو صامت الاول والثالث]
[ ٢ / ٥٠٦ ]
[والثامن عشر لم يجز لان المخلف من أول السادس عشر يومان وليس بين الصومين الاولين الا يوم وانما امتنع ذلك لجواز ان ينقطع الحيض في اليوم الثالث ويعود في الثامن عشر فيكون الكل في الحيض ولو صامت الاول والرابع والثامن عشر جاز لان المخلف مثل ما بين الصومين ولو صامت السابع عشر والحالة هذه جاز لان المخلف اقل مما بين الصومين ولو صامت الاول والخامس عشر فقد تخلل بين الصومين ثلاثة عشر يوما فلها ان تصوم التاسع والعشرين لان المخلف حينئذ مثل ما بين الصومين ولها أن تصوم يوما قبله لان المخلف يكون أقل نعم لا يجوز ان تصوم السادس عشر فانها لو فعلت ذلك لم تخلف شيئا ولابد من تخليف * ثم بشرط ما ذكرنا فهذا شرح ما أورده ثم لك أن تعلم قوله فلا تبرأ ذمتها الا بقضاء ثلاثة أيام بالواو لان من الاصحاب من قال يكفيها يومان بينهما أربعة عشر يوما وحكي ذلك عن نص الشافعي ﵁ وهذا قول من قال نحسب لها من رضمان خمسة عشر يوما]
[ ٢ / ٥٠٧ ]
[والاكثرون قطعوا بانه لا يكفى اليومان لجواز ان يبتدئ الحيض في اليوم الاول وينقطع في الخامس عشر وأولوا كلام الشافعي ﵁ علي ما إذا عرفت ان دمها كان يبتدئ وينقطع ليلا وربما قالوا انه مهد القاعدة ولم يخطر له حينئذ تقدير ببعض اليوم فما يقتضيه الاحتياط عين مذهبه ولو قال صاحب الكتاب الا بصوم ثلاثة أيام بدل قوله بقضاء ثلاثة أيام لكان أحسن لان الايام الثلاثة لا تقع قضاء وفائتتها يوم وانما الواقع قضاء واحد من الثلاثة واما إذا قضت اكثر من يوم فتضعف ما عليها وتزيد يومين ثم تصوم نصف المجموع ولاء متى شاءت وتصوم مثل ذلك من أول السادس عشر فتخرج عن العهدة مثاله إذا أرادت أن تقضى يومين تضعف وتزيد يومين تكون ستة تصوم ثلاثة متى شاءت ثم ثلاثة من أول السادس عشر فيكفيها لان الثلاثة الاول اما ان تكون في الطهر
[ ٢ / ٥٠٨ ]
[فذاك أولا تكون فان كان كلها في الحيض فغايته الانتهاء الي السادس عشر بتقدير ان يكون الابتداء في اليوم الاول فيقع اليومان الاخيران في الطهر وان كان بعضها في الحيض دون البعض فان كان اليوم الاول في الطهر صح من الثامن عشر وان كان اليومان الاولان في الطهر صحا وان كن اليوم الاخير في مع السادس عشر وإذا كانت تقضى ثلاثة أيام صامت اربعة ولاء ثم أربعة من أول السادس عشر وعلي هذا القياس حتى إذا كانت تقضي اربعة عشر يوما تضعف وتزيد يومين فستوعب الشهر وهو غاية ما يمكن قضاؤه في الشهر الواحد ولذلك لم يحسب من رمضان الا هذا القدر ولو أنها صامت ما عليها علي الولاء متى شاءت من غير زيادة واعادته من أول السابع عشر وصامت بينهما]
[ ٢ / ٥٠٩ ]
[يومين اما مجتمعين أو غير مجتمعين متصلين بالصوم الاول أو الثاني أو غير متصلين لخرجت عن العهدة أيضا وكل واحد من هذين الطريقين يطرد في قضاء اليوم الواحد لكن الطريق المذكور فيه أخف للقناعة بصوم ثلاثة أيام وعلي هذين الطريقين تصير اربعة وهذا كله في قضاء الصوم الذى لا تتابع فيه اما إذا قضت صوما متتابعا بنذر وغيره فان كان قدر ما يقع في شهر صامته
علي الولاء ثم مرة أخرى قبل السابع عشر ثم مرة أخرى من السابع عشر مثاله عليها يومان متتابعان تصوم يومين وتصوم السابع عشر والثامن عشر وتصوم بينهما يومين متتابعين وإذا كان عليها شهران متتابعان صامت مائة واربعين يوما علي التوالى أربعة أشهر لستة وخمسين يوما وعشرين يوما لاربعة أيام فإذا دام طهرها شهرين فذاك والا فقدر شهرين من هذه المدة صحيح لا محالة وتخلل الحيض]
[ ٢ / ٥١٠ ]
[لا يقطع التتابع واما إذا كانت تقضي فائتة صلاة أو تريد الخروج عن عهدة منذورة نظر ان كانت واحدة صلتها بغسل متى شاءت ثم تمهل زمانا يسع الغسل وتلك الصلاة وتعيدها بغسل آخر بحيث يقع في خمسة عشر يوما من أول الصلاة المرة الاولى وتمهل من أول السادس عشر قدر الامهال الاول ثم تعيدها بغسل آخر قبل تمام الشهر من المرة الاولى ويشترط أن لا تؤخر الثالث عن أول السادس عشر اكثر من الزمان المتخلل بين آخر المرة الاولى وأول الثانية وهذا كله كما ذكرنا في الصوم والامهال الاول كالافطار اليوم الثاني والامهال الثاني كالافطار السادس عشر وان كانت الصلوات التى تريدها اكثر من واحدة فلها طريقان أحدهما ان تنزلها منزلة الصلاة الواحدة فتصليها على الولاء ثلاث مرات كما ذكرنا في الواحدة وتغتسل في كل مرة للصلاة الاولي وتتوضأ لكل واحدة بعدها ولافرق علي هذا بين ان تكون الصلوات متفقة أو مختلفة والثانى]
[ ٢ / ٥١١ ]
[أن تنظر فيما عليها من العدد ان لم يكن فيه اختلاف فتضعفه وتزيد عليه صلاتين ابدا وتصلي نصف الجملة ولاء ثم النصف الاخر في اول السادس عشر من أول الشروع في النصف الاول مثاله عليها خمس صلوات صبح تضعفها وتزيد صلاتين تكون اثنتى عشر تصلي نصفها وهو ستة متي شاءت ثم ستة في أول السادس عشر وان كان في العدد الذى عليها اختلاف فتصلي ما عليها بانواعه علي الولاء متى شاءت ثم تصلى صلاتين من كل نوع مما عليها بشرط ان يقعا في خمسة عشر يوما]
[ ٢ / ٥١٢ ]
[من أول الشروع وتمهل من أول السادس عشر زمانا يسع الصلاة المفتتح بها ثم تعيد ما عليها علي
ترتيت فعلها في المرة الاولي مثاله عليها ثلاث صلوات صبح وظهر ان تصلي الخمس متي شاءت ثم تصلى بعدها في الخمسة عشر صبحين وظهرين وتمهل من السادس عشر ما يسع لصبح وتعيد الخمس كما فعلت أولا وفى هذا الطريق تفتقر لكل صلاة الي غسل بخلاف ما ذكرنا في الطريق الاول والطواف بمثابة الصلاة واحدا كان أو عددا وتصلي مع كل طواف ركعتيه ويكفى غسل واحد للطواف مع الركعتين ان لم نوجب الركعتين وان اوجبناهما فثلاثة أوجه أصحها أنه يجب وضوء للركعتين بعد الطواف والثانى يجب غسل آخر لهما والثالث لا يجب لا هذا ولا ذاك ولو بسطنا القول في جميع ذلك لطال وقد فعلته في غير هذا الكتاب]
[ ٢ / ٥١٣ ]
[قال [السادس إذا طلقت انقضت عدتها بثلاثة أشهر ولا تقدر تباعد حيضها الي سن اليأس لانه تشديد عظيم] * المتحيرة إذا طلقها زوجها بماذا تعتد: نقلوا عن صاحب التقريب وجها انها تصبر إلى سن اليأس ثم تعتد بالاشهر لان من المحتمل تباعد الحيض ونحن نفرع علي قول الاحتياط فنأخذ في كل حكم بالاسوأ والذى صار إليه المعظم ورواه صاحب الكتاب أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر لان الغالب أن يكون للمرأة في كل شهر حيضة وحمل أمرها على تباعد الحيض وتكليفها الصبر إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة وضرر بين فلا وجه لاحتماله بتجويز مجرد علي خلاف الغالب بخلاف العبادات فان المشقة فيها اهون ثم في كيفية اعتدادها بالاشهر كلام ذكره في كتاب العدة واعلم أن امام الحرمين قدس الله روحه مال إلى رد المتحيرة الي المبتدأة في قدر الحيض وان لم يجعل أول الهلال ابتداء دورها ومما استشهد به هذه المسألة فقال اتفاق معظم الاصحاب علي أنها تعتد]
[ ٢ / ٥١٤ ]
[بثلاثة أشهر يدل علي تقريب أمرها من المبتدأة في عدد الحيض والطهر والمعني القاضى برد المبتدأة الي الاقل والغالب يقضى بمثل ذلك في المتحيرة فوجب القول به وهذ توسط بين القول الضعيف وبين الاحتياط التام وفيه تخفيف الامر عليها في المحسوب من رمضان فان غاية حيضها علي هذا التقدير يكون سبعة وأقصي ما يفرض انبساطه على ثمانية أيام فيصح لها من الشهر الكامل اثنان وعشرون يوما وكذلك
في قضاء الصوم والصلاة فيكفيها على هذا التقدير إذا كانت تقضى صوم يوم أن تصوم يومين بينهما سبعة أيام لكن الذى عليه جمهور الاصحاب ما تقدم وبالله التوفيق قال [الحالة الثانية أن تحفظ شيئا كما لو حفظت أن ابتداء الدم كان أول كل شهر فيوم وليلة من أول كل شهر حيض بيقين وبعده يحتمل الانقطاع الي انقضاء الخامس عشر فتغتسل لكل صلاة وبعده الي آخر الشهر طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة ولو حفظت أن الدم كان ينقطع عند آخر كل شهر الي المنتصف فاول الشهر طهر بيقين ثم بعده يتعارض الاحتمال ولا يحتمل الانقطاع لان في آخره حيضا بيقين فتتوضأ وتصلى إلى انقضاء التاسع والعشرين واليوم الاخير بليلته حيض بيقين] * إذا حفظت الناسية من عادتها شيئا ونسيت شيئا فالقول الجملي فيها أن كل زمان تتيقن فيه الحيض تثبت فيه أحكام الحيض وكل زمان تتيقن فيه الطهر تثبت فيه أحكام الطهر نعم بها حدث دائم وكل زمان يحتمل الحيض والطهر فهي في الاستمتاع كالحائض وفى لزوم العبادات كالطاهر ثم ان كان ذلك الزمان محتملا للانقطاع أيضا فعليها أن تغتسل لكل فريضة ويجب]
[ ٢ / ٥١٥ ]
[الاحتياط علي ما تقتضيه الحال وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذكرنا أن الناسية إذا لم تنس القدر والوقت جميعا وحفظت شيئا فمحفوظها اما أن يكون الوقت واما أن يكون القدر أو شئ منه فجعل الحالة الاولى من الحالتين الاخريين في القسم الاول والثانية منهما في القسم الثاني وقوله ان تحفظ شيئا أي من الوقت والادخل فيه الحالة الاخيرة واقتصر ههنا علي ذكر مثالين احدهما لو عينت ثلاثين يوما وذكرت انها كانت يبتدئ بها الدم لاول هذه المدة وكذلك في كل ثلاثين بعدها ولم تعرف شيئا غير ذلك فيوم وليلة من أول الثلاثين حيض بيقين فانه اقل الحيض وبعده يحتمل الحيض والطهر والانقطاع إلى آخر الخامس عشر وبعده إلى آخر الشهر طهر بيقين وكذلك الحكم في كل ثلاثين بعدها والمراد من الشهر في هذه المسائل الايام التى تعينها هي لا الشهر الهلالي والثاني]
[ ٢ / ٥١٦ ]
[إذا عينت ثلاثين يوما بلياليها وقالت احفظ ان الدم كان ينقطع لآخر كل شهر فالاول الي انقضاء
النصف طهر بيقين لان غاية الممكن افتتاح الحيض من اول ليلة السادس عشر وبعده يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع واليوم الثلاثون والليلة قبله حيض بيقين ويتعلق بهذه الحالة مسائل تشتهر بمسائل الخلط نذكر منها صورتين احداهما الخلط المطلق وهو ان تقول كنت اخلط شهرا بشهر حيضا أي كنت في آخر كل شهر واول ما بعده حائضا فلحظة من اول كل شهر ولحظة من آخره حيض]
[ ٢ / ٥١٧ ]
[بيقين ولحظة من آخر الخامس عشر ولحظة من ليلة السادس عشر طهر بيقين وما بين اللحظة من أول الشهر واللحظة من آخر الخامس عشر يحتمل الحيض والطهر والانقطاع وما بين اللحظة من أول ليلة السادس عشر واللحظة من آخر الشهر يحتملهما ولا يحتمل الانقطاع ولو قالت كنت اخلط شهرا بشهر طهرا فليس لها حيض بيقين لكن لها ساعتا طهر بيقين ساعة من آخر كل شهر وساعة من أوله ثم قدر اقل الحيض بعد مضي اللحظتين لا يمكن فيه الانقطاع وبعده يمكن: الثانية لو قالت]
[ ٢ / ٥١٨ ]
[كنت اخلط الشهر بالشهر وكنت اليوم الخامس حائضا فلحظة من آخر الشهر الي آخر خمسة أيام من الشهر الثاني حيض بيقين ولحظة من آخر الخامس عشر الي آخر العشرين طهر بيقين وما بينهما كما سبق * قال [الحالة الثالثة إذا قالت اضلت عشرة في عشرين من اول الشهر فالعشر الاخير طهر بيقين وجميع العشرين من اول الشهر يحتمل الحيض والطهر نعم لا يحتمل الانقطاع في العشر]
[ ٢ / ٥١٩ ]
[الاول فتتوضأ لكل صلاة ويحتمل في العشر الثاني فتغتسل لكل صلاة ولو قالت اضللت خمسة عشر في عشرين من أول الشهر فالخمسة الثانية والثالثة من اول الشهر حيض بيقين لانها تندرج تحت تقدير التقديم والتأخير جميعا] * الحافظة لقدر الحيض انما تخرج عن التحير المطلق إذا حفظت مع ذلك قدر الدور وابتداءه إذ لو قالت كان حيضي خمسة واضللته في دورى ولا اعرف سوى ذلك فلا فائدة فيما ذكرت لاحتمال الحيض
والطهر والانقطاع في كل زمان وكذا لو قالت حيضى خمسة ودورى ثلاثون ولا اعرف ابتداءه]
[ ٢ / ٥٢٠ ]
[وكذا لو قالت حيضى خمسة وابتداء دورى يوم كذا ولا اعرف قدره وإذا حفظتهما جميعا مع قدر الحيض فاشكال الحال بعد ذلك انما يكون لاضلال الحيض والاضلال قد يكون في جميع الدور وقد يكون في بعضه فان كان الاضلال في كله فكله يحتمل الحيض والطهر وقدر الحيض من اول الدور لا يحتمل الانقطاع وبعده يحتمل الانقطاع ايضا: مثاله قالت دورى ثلاثون ابتداؤها كذا وحيضى عشرة اضلاتها في الثلاثين فعشرة من اولها لاتحمل الانقطاع والباقى يحتمله والكل يحتمل الحيض والطهر: هذا إذا لم تعرف مع ذلك شيئا آخر فان عرفت شيئا آخر فعليها الاحتياط كما تقتضيه الحال: مثاله قالت حيضى احدى عشرات الشهر وقد نسيت عينها فهذا يفارق الصورة السابقة في ان احتمال الانقطاع بعد العشرة الاولي قائم الي آخر الشهر وههنا لا يحتمل]
[ ٢ / ٥٢١ ]
[الانقطاع الا في آخر كل عشرة من العشرات وان كان الاضلال في بعض الدور فقد ذكر في الكتاب منه صورتين احداهما إذا قالت اضللت عشرة في عشرين من أول الشهر فالعشرة الاخيرة طهر بيقين والعشرون من اوله يحتمل الحيض والطهر ولا يمكن الانقطاع في العشرة الاولى ويمكن في الثانية والثانية قالت اضللت خمسة عشر في عشرين من اول الشهر فالعشرة الاخيرة طهر بيقين والخمسة الثانية والثالثة حيض بيقين لاندراجهما تحت تقدير تقديم الحيض وتأخيره جميعا والخمسة الاولى تحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع والرابعة تحتملها جميعا والطهر المتيقن في هاتين الصورتين وقع في الطرف الآخر من الدور وقد يقع في الطرف الاول كما إذا قالت اضللت العشرة أو الخمسة عشر في العشرين من آخر الشهر وقد يقع في الوسط كما إذا قالت كان حيضي]
[ ٢ / ٥٢٢ ]
[خمسة والدور ثلاثون وكنت اليوم الثالث عشر طاهرا فخمسة من اول الدور تحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع وما بعدها يحتملها جميعا الي آخر الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر
والخامس عشر طهر بيقين ومن أول السادس عشر إلى آخر العشرين يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع ومنه الي آخر الشهر يحتملها جميعا ومتي كان القدر الذى اضلته زائدا على نصف محل الضلال كان لها حيض بيقين من وسطه وقدره ضعف القدر الزائد من الحيض على نصف محل الضلال وان شئت قلت ما يزيد من ضعف قدر الحيمن على كل محل الضلال ففى الاولي من صورتي الكتاب لم يكن قدر الحيض زائدا علي نصف محل الضلال فلم يكن لها حيض بيقين وفى الثانية كان زائدا فلا جرم لها حيض بيقين ومقداره عشرة لان الزائد من قدر الحيض علي نصف محل الضلال خمسة وضعف الخمسة عشرة وبالعبارة الثانية نقول ضعف قدر الحيض ثلاثون ومحل الضلال عشرون والثلاثون تزيد علي العشرين بعشرة *]
[ ٢ / ٥٢٣ ]
قال [فرع إذا اتسقت عادتها فكانت تحيض في شهر ثلاثا ثم في شهر خمسا ثم في شهر سبعا ثم تعود الي الثلاث علي هذا الترتيب ثم استحيضت ففى ردها الي هذه العادة الدائرة وجهان فان قلنا لا ترد إليها فقد قيل انها كالمبتدأة وقيل انها ترد الي القدر الاخير قبل الاستحاضة وقيل ترد إلى الثلاثة ان استحيضت بعد الخمسة لانها متكررة في الخمسة ولو كانت الاقدار ما سبق من ثلاث وخمس وسبع ولكن لا علي سبيل الاتساق فان قلنا ترد إلى العادة الدائرة فهذه كالتي نسيت النوبة المتقدمة في العادة الدائرة بعد الاستحاضة وحكمها الاحتياط فعليها ان تغتسل بعد الثلاث لان الثلاث حيض بيقين ثم تتوضأ لكل صلاة الي انقضاء الخامس ثم تغتسل مرة اخرى ثم تتوضأ الي انقضاء السابع ثم تغتسل ثم هي طاهر إلى آخر الشهر] *
[ ٢ / ٥٢٤ ]
[إذا استمرت للمرأة عادات حيض مختلفة المقادير ثم استحيضت فلا تخلو اما ان تكون متسقة منتظمة أو لا تكون كذلك فهما حالتان احداهما ان تكون منتظمة لا تختلف كما إذا كانت تحيض في شهر ثلاثة ثم في شهر خمسة ثم في شهر سبعة ثم في الشهر الرابع ثلاثة ثم خمسة ثم سبعة وهكذا فهل ترد بعد الاستحاضة الي هذه العادة: وجهان اظهرهما نعم لان تعاقب الاقدار المختلفة قد صار عادة لها فصار
كالوقت والقدر المعتادين والثاني لا ترد الي العادة الدائرة لان كل واحد من المقادير ينسخ ما قبله ويخرجه عن الاعتبار ولا فرق على الوجهين بين ان يكون نظم عادتها علي ترتيب العدد كما ذكرنا أو لا يكون كما إذا كانت ترى في شهر خمسة ثم ثلاثة ثم سبعة ثم تعود الي الخمسة ولا فرق ايضا بين ان ترى كل واحدة من العادات مرة كما ذكرنا أو مرتين كما إذا كانت ترى]
[ ٢ / ٥٢٥ ]
[في شهرين ثلاثة ثلاثة وفى شهرين بعدهما خمسة خمسة وفى شهرين بعدهما سبعة سبعة وقوله في صورة المسألة ثم تعود الي الثلاث علي هذا الترتيب انما ذكر ذلك لانه لو ابتدأ الحيض بها ورأت الافدار الثلاثة في ثلاثة ادوار واستحيضت في الرابع فلا خلاف في انها لا ترد الي تلك الاقدار في ادوارها اما إذا اثبتنا العادة بمرة فلان القدر الاخير ينسخ ما قبله واما إذا لم نثبت فلانه لم يثبت كون العادات المختلفة عادة لها هكذا قاله في النهاية ولهذا قال الائمة اقل ما تستقيم فيه العادة في المثال المذكور في الكتاب ستة اشهر فان كانت ترى هذه الاقدار مرتين مرتين فسنة فإذا محل الوجهين ما إذا تكررت العادة الدائرة فان قلنا ترد إليها فاستحيضت عقيب شهر الثلاثة ردت في أول شهر الاستحاضة إلى الخمسة وفى الثاني الي السبعة وفي الثالث الي الثلاثة وان استحيضت عقيب شهر الخمسة ردت الي السبعة ثم إلى الثلاثة ثم إلى الخمسة وان استحيضت عقيب شهر السبعة ردت إلى الثلاثة ثم إلى الخمسة ثم إلى السبعة وان]
[ ٢ / ٥٢٦ ]
قلنا لا ترد إليها فقد نقل صاحب الكتاب ثلاثة أوجه احدها انها ترد الي القدر الاخير قبل الاستحاضة ابدا وهذا مبنى على ان العادة تثبت بمرة وتنتقل بمرة والثاني ترد الي القدر المشترك بين الحيضتين المتقدمتين علي الاستحاضة فان استحيضت بعد شهر الخمسة ردت الي الثلاثة وكذا لو استحيضت بعد شهر الثلاثة وان استحيضت بعد شهر السبعة ردت الي الخمسة وهذا الذى بعده خارجان عن قولنا ان العادة لا تثبت بمرة والثالث انها كالمبتدأة لان شيئا من الاقدار لم يصر عادة لها أما إذا لم يتكرر علي حياله ولا عبرة بالتكرار في ضمن عدد اكثر منه فانه حينئذ ليس بحيضة لها ولم ار بعد البحث نقل هذه الوجوه متفرعة علي الوجه الثاني لغير صاحب الكتاب حتى لشيخه امام الحرمين ﵀ فانه وان ذكر
هذه الوجوه فانما ذكرها فيما إذا لم تتكرر العادة الدائرة وقد حكينا ان محل الوجهين ما إذا تكررت فإذا صاحب]
[ ٢ / ٥٢٧ ]
[الكتاب متفرد بنقل هذه الوجوه تفريعا علي احد الوجهين والذى ذكره غيره تفريعا عليه الرد إلى القدر المتقدم علي الاستحاضة لاغير ثم إذا رددناها إلى القدر المتقدم علي الاستحاضة فهل يجب عليها الاحتياط فيما بين أقل العادات واكثرها فيه وجهان اصحهما لا كذات العادة الواحدة لا تحتاط بعد الرد والثانى نعم لجواز امتداد الحيض إليه فعلي هذا يجتنبها الزوج في المثال المذكور إلى آخر السبعة ثم ان استحيضت عقيب شهر الثلاثة تحيضت من كل شهر ثلاثة ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغتسل مرة أخرى لآخر الخامس ومرة اخرى لآخر السابع وتقتضي صوم السبعة جميعا لانها لم تصم الثلاثة وفيما وراءهما احتمال الحيض قائم وان صامت ولا تقضى الصلاة ايضا لانها حائض في الثلاثة وليس على الحائض قضاء الصلاة وفيما وراءها ان كانت حائضا فلا شئ عليها وان كانت طاهرا فقد]
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[صلت وان استحيضت عقيب شهر الخمسة تحيضت من كل شهر خمسة ثم تغتسل وتصوم وتصلى وتغتسل مرة اخرى لآخر السابع وتقضى صوم الكل وصلوات اليوم الرابع والخامس لاحتمال انها كانت طاهرا فيهما ولم تصل وان استحيضت عقييب شهر السبعة تحيضت من كل شهر سبعة واغتسلت عند انقضاء السابع وتقضى صوم السبعة وصلوات ما وراء الثلاثة المستيقنة من السبعة والله اعلم: هذا كله إذا ذكرت العادة المتقدمة علي الاستحاضة فان نسيتها تحيضت من كل شهرا]
[ ٢ / ٥٢٩ ]
[ثلاثة فانها أقل المقادير التى عهدتها وهى حيض بيقين ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغتسل ايضا في آخر الخامس والسابع وتتوضأ فيما بينهما لكل فريضة كما تفعل المستحاضات ثم هي طاهر بيقين الي آخر الشهر وهل يختص هذا الجواب بقولنا انها ترد الي العادة الدائرة أو هو مستمر على الوجهين جميعا قضية كلام الاكثرين انه مستمر على الوجهين جميعا وكثيرا ما يستوى التفريع]
[ ٢ / ٥٣٠ ]
[علي وجهين مختلفين واطلاق صاحب الكتاب يوافق كلامهم وقال امام الحرمين هو مخصوص بقولنا ترد إلى العادة الدائرة اما إذا قلنا ترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة فمنهم من قال ههنا ترد إلى اقل العادات ومنهم من قال هي كالمبتدأة وقد ذكرنا قولين في المبتدأة أنها هل تؤمر بالاحتياط الي آخر الخمسة عشر فهما جاريان ههنا فيحصل من هذا خلاف في انها هل تحتاط وإذا احتاطت فلا يختص الاحتياط على هذا بآخر اكثر الاعداد (الحالة الثالثة) ان لا تكون تلك]
[ ٢ / ٥٣١ ]
[العادات منتظمة بل كانت تأتيها مختلفة مرة تتقدم هذه واخرى هذه ذكر امام الحرمين وصاحب الكتاب ان حكم هذه الحالة يبنى على حالة الانتظام ان قلنا ثم لا ترد الي العادة الدائرة فههنا اولى وترد الي القدر المتقدم علي الاستحاضة على هذا وان قلنا ترد ألى العادة الدائرة فعدم الانتظام بمثابة نسيان النوبة المتقدمة علي الاستحاضة فتحتاط كما سبق وقد ذكر غيرهما طرقا في هذه الحالة محصول الخارج منها ثلاثة أوجه اصحها الرد الي القدر المتقدم على الاستحاضة وهذا مبنى]
[ ٢ / ٥٣٢ ]
[علي ان العادة تثبت بمرة: الثاني ان القدر المتقدم عليها ان تكرر مرتين أو ثلاثة ردت إليه وإلا فترد الي الاقل من عاداتها لانه متكرر ومستيقن: الثالث أنها كالمبتدأة ولا نظر الي شئ من تلك العادات ثم قالوا ان قلنا ترد إلى القدر المتقدم علي الاستحاضة أو الي أقل العادات فتحتاط إلى آخر اكثر العادات وان قلنا هي كالمبتدأة ففي الاحتياط الي آخر الخمسة عشر الخلاف المذكور في المبتدأة هذا إذا عرفت القدر المتقدم علي الاستحاضة فان نسيته والعادات غير متسقة فههنا وجهان الذى ذكره الاكثرون الرد إلى اقل العادات والثاني أنها كالمبتدأة فعلي الثاني في الاحتياط]
[ ٢ / ٥٣٣ ]
[الخلاف المذكور في المبتدأة وعلي الاول يجب الاحتياط إلى آخر أكثر العادات وحكي بعضهم أنه يستحب ولا يجب وإذا تأملت ما حكينا حصل عندك جوابان في أنها هل تحتاط في الحالة الثانية سواء عرفت القدر المتقدم علي الاستحاضة أو نسيته إن قلنا تحتاط فذلك الي آخر اكثر
المقادير أو إلى آخر الخمسة عشر فيه جوابان ويحصل مثل هذا الخلاف عند النسيان في الحالة الاولي بل عند العلم ايضا لانا روينا فيه الوجهين في الاحتياط آخر اكثر المقادير وذكر في الكتاب وجها أنها كالمبتدأة فيجئ فيه الخلاف المذكور في احتياط المبتدأة أيضا وعند هذا لك]
[ ٢ / ٥٣٤ ]
[ن تعلم قوله وحكمها الاحتياط بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يلزمها الاحتياط وقوله في آخر الباب ثم هي طاهر الي آخر الشهر أيضا للوجه الصائر إلى أنها تحتاط الي آخر الخمسة عشر وقوله فعليها ان تغتسل بعد الثلاث لان الثلاث حيض بيقين أيضا لان من قال بانها كالمبتدأة حيضها يوما وليلة أو ستا أو سبعا ولا يعتبر الثلاث وقوله ثم تتوضأ إلى آخر الخامس وإلى آخر السابع أيضا للوجه الذاهب الي أنها تحتاط في جميع الخمسة عشر واعلم ان الصحيح من هذا الخلاف عند العلم في حالة انتظام العادات أنها لا تحتاط والصحيح عند النسيان وفى حالة عدم الانتظام انها تحتاط]
[ ٢ / ٥٣٥ ]
[لكن إلى آخر اكثر الاقدار لا الي تمام الخمسة عشر ولهذا خلط في الكتاب الحالة الثانية بصورة النسيان من حال الانتظام والله أعلم * قال [الباب الرابع في التلفيق] فإذا انقطع دمها يوما يوما وانقطع علي الخمسة عشر ففى قول تلتقط أيام النقا وتلفق (ح) ويحكم بالطهر فيه والقول الاصح انا نسحب (م) حكم الحيض علي أيام]
[ ٢ / ٥٣٦ ]
[النقاء ونجعل ذلك كالفترات بين دفعات الدم لان الطهر الناقص فاسد كالدم الناقص] * إذا انقطع دم المرأة وكانت ترى يوما دما ويوما نقاء أو يومين ويومين فلا يخلو اما أن ينقطع قبل مجاوزة الخمسة عشر أو يجاوزها فهما قسمان الاول أن ينقطع ولا يجاوز ففيه قولان احدهما وبه قال مالك واحمد أنها نلتقط أيام النقاء وتلفق ويحكم بالطهر فيها وحيضها أزمنة الدم لا غير لقوله تعالي]
[ ٢ / ٥٣٧ ]
[ولا تقوبوهن حتى يطهرن أي ينقطع دمهن وقد انقطع فوجب ان يجوز القربان ولانه لا يحكم في
أيام الدم حقيقة بالطهر فكذلك لا يحكم في أيام النقاء حقيقة بالحيض توفيرا لحكم كل واحدة من الحالتين عليها ولا شك أن أزمنة النقاء لا تجعل اطهارا في حق انقضاء العدة بها والطلاق فيها]
[ ٢ / ٥٣٨ ]
[لا يخرج عن كونه بدعيا فقولنا نحكم بالطهر فيها على هذا القول أي في الصوم والصلاة والاغتسال ونحوها والثانى وبه قال أبو حنيفة ان حكم الحيض ينسحب على ايام النقاء فتحيض فيها جميعا لان زمان النقاء ناقص عن أقل الطهر فيكون حيضا كساعات الفترة بين دفعات الدم ولان ازمنة النقاء]
[ ٢ / ٥٣٩ ]
[لو كانت طهرا فاما ان يكون كل واحد منها طهرا وحده أو مجموعها طهرا واحدا فان كان الاول وجب انقضاء العدة بواحد بثلاثة منها وان كان الثاني وجب ان تفرقها على جميع الشهر حتي لا تكون مستحاضة مع مجاوزة الدم بصفة التقطع وليس كذلك والقول الاول اصح عند الشيخ ابي حامد وطائفة من اصحابنا العراقيين لكن ما عليه المعظم ان الثاني اصح علي ما ذكره في الكتاب وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري وموضع القولين ما إذا كانت مدة الانقطاع زائدة علي الفترات المعتادة بين دفعات الدم فانه لا يسيل دائما في الغالب فان لم يزد عليها فلا خلاف في كون الكل حيضا وهذا بين من الحاقه ايام النقاء علي قول السحب بها وقد قال امام الحرمين في الفرق بينهما دم الحيض يجتمع في الرحم ثم الرحم يقطره شيئا فشيئا فالفترة ما بين ظهور دفعة وانتهاء اخرى من]
[ ٢ / ٥٤٠ ]
[الرحم إلى المنفذ فما زاد علي ذلك فهو النقاء الذى فيه القولان وربما يتردد الناظر في ان مطلق الزائد علي المدة المذكورة هل تخرج عن حد الفترات المعتادة لان تلك المدة يسيرة والله أعلم بالصواب: ولا فرق على القولين بين ان يكون قدر الدم اكثر من قدر النقاء أو قدر النقاء اكثر أو يكونا متساويين وإذا رأت صفرة أو كدرة بين سوادين وقلنا الصفرة في غير ايام العادة ليست حيضا فهو من صور التقطع * قال [ولكن نسحب حكم الحيض علي النقاء بشرطين (أحدهما) أن يكون النقاء محتوشا بدمين في
الخمسة عشر حتى لو رأت يوما وليلة دما وأربعة عشر نقاء ورأت في السادس عشر دما فالنقاء مع]
[ ٢ / ٥٤١ ]
[ما بعده من الدم طهر لانه ليس محتوشا بالحيض في المدة (والثانى) أن يكون قدر الحيض في المدة الخمسة عشر تمام يوم وليلة وإن تفرق بالساعات وقيل أن كل دم ينبغى أن يكون يوما وليلة وقيل لا يشترط ذلك بل لو كان المجموع قدر نصف يوم صار الباقي حيضا] * غرض الفصل بيان قاعدتين يشرطان علي قول السحب احدهما لابد من كون النقاء محتوشا بدمين في الخمسة عشر ليثبت لهما حكم الحيض ثم ينسحب علي ما بينهما أما النقاء الذى لا يقع بين دمين فهو طهر لا محالة وضرب له في الكتاب مثالا وهو ما إذا رأت يوما وليلة دما واربعة عشر نقاء ورأت في السادس عشر دما فالاربعة عشر طهر إذ ليس بعدها دم محكوم له بالحيض حتى ينسحب حكمه على النقاء وإنما شرط في هذا المثال أن تري الليلة دما مع اليوم لانه لا دم]
[ ٢ / ٥٤٢ ]
[في الخمسة عشر سوى ما رأته أولا فلو كان في اليوم وحده لما كان لها حيض أصلا وحينئذ لا يقتصر الطهر علي الاربعة عشر وما بعدها بل يعم الكل ولا يخفى ان الغرض من قوله فالنقاء مع ما بعده من الدم طهر التسوية بينهما في نفى الحيض لا في احكام الطهارة مطلقا فانها مستحاضه في زمان الدم دون ايام النقاء ولك ألا تستحسن هذا المثال في هذا الموضع لانه الآن يتكلم فيما إذا لم يجاوز الدم الخمسة عشر وفى هذه الصورة قد جاوز واللائق غير هذا المثال نحو ما إذا رأت يوما دما ويوما نقاء الي الثالث عشر ولم يعد الدم في الرابع عشر والخامس عشر طهر لان النقاء فيهما غير محتوش بدمين في الخمسة عشر (الثانية) الدماء المتفرقة أما أن يبلغ مجموعها أقل الحيض أولا يبلغ فان بلغ مجموعها أقل الحيض نظر ان بلغ الاول والآخر كل واحد منهما أقل الحيض ففيه القولان]
[ ٢ / ٥٤٣ ]
[وحكى أبو عبد الله الحناطي طريقا آخر أن ازمنة النقاء في هذه الحالة حيض بلا خلاف والقولان فيما إذا لم يبلغ كل واحد من الطرفين الاقل وإن لم يبلغ واحد منها أقل الحيض كما إذا رأت نصف
يوم دما ومثله نقاء وهكذا إلي آخر الخمسة عشر ففيه ثلاثة طرق أصحها طرد القولين علي قول التلفيق حيضها أنصاف الدم سبعة ونصف وعلى قول السحب حيضها أربعة عشر ونصف لان النصف الاخير لا يتخلل بين دمين في المدة والثانى لا حيض لها وكل ذلك دم فساد لان جعل النقاء حيضا خلاف الحقيقة إنما يصار إليه إذا تقدم أقل الحيض أو تأخر اقله أو وجد إحدهما حتي استتبع النقاء والثالث ان توسطهما قدر أقل الحيض علي الا تصل كفى ذلك لحصول القولين وإلا فكلهما دم فساد وان بلغ احدهما أقل الحيض دم الآخر فثلاثة طرق أيضا اصحها طرد القولين والثانى أن]
[ ٢ / ٥٤٤ ]
[الذى بلغه حيض وما عداه دم فساد والثالث ان بلغ الاول أقل الحيض فهو ما سواه حيض وان بلغ الآخر الاقل فهو حيض دون ما عداه والفرق أن الحيض في الابتداء أقوي وأدوم هذا كله إذا بلغ مجموع الدماء أقل الحيض أما إذا لم يبلغ فطريقان اظهرهما أنه علي القولين ان قلنا بالتلفيق فلا حيض لها بل دم فساد وان قلنا بالسحب فكذلك علي أظهر الوجهين والثانى أن الدماء وما بينها حيض والثانى القطع بان لا حيض لها وإذا تأملت ما ذكرناه حصل عندك في القدر المعتبر من الدمين ليجعل ما بينهما حيضا على قول السحب ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب أظهرها وبه قال أبو بكر المحمودى أنه يشترط أن يكون مجموع الدماء قدر أقل الحيض ولا بأس بتفرقها ونقصان كل واحد منها وقوله ان يكون قدر الحيض في المدة الخمسة عشر تمام يوم ليلة عبارة]
[ ٢ / ٥٤٥ ]
[عن هذا الوجه وأراد بالحيض الدم وإلا فالنقاء حيض ايضا علي قول السحب والثانى أنه يشترط مع ذلك أن يكون كل واحد من الدمين قدر أقل الحيض حتى لو رأت دما ناقصا عن الاقل ودمين آخرين غير ناقصين فالاول دم فساد والآخران وما بينهما من النقاء حيض وقوله أن كل دم ينبغى أن يكون يوما وليلة لا نعنى به كل دم في الخمسة عشر إذ لا يشترط في الدماء المتوسطة ذلك وانما المراد كل دم من الاول والآخر والثالث وبه قال الانماطى أنه لا يشترط شئ من ذلك بل لو كان مجموع الدماء نصف يوم أو أقل فهي وما بينها من النقاء حيض على القول الذى نتكلم
فيه وقوله صار الباقي حيضا أي الباقي من الخمسة عشر بشرط أن يكون متخللا بين الدمين ويحصل مما سبق وجه رابع وهو أنه لا يشترط أن يكون كل واحد من الدمين أقل الحيض لكن]
[ ٢ / ٥٤٦ ]
[يشترط بلوغ أولهما هذا الحد ووجه خامس وهو أنه يشترط أن يكون احدهما أقل الحيض أما الاول أو الآخر ووجه سادس وهو أنه يشترط ذلك أما في الاول أو الآخر أو الوسط * قال [فرع المبتدأة إذا أنقطع دمها فتؤمر بالعبادة في الحال وإذا استمر التقطع ففى الدور الثالث لا تؤمر بالعبادة وفى الثاني تبنى علي أن العادة هل تثبت بمرة واحدة] * المبتدأة إذا انقطع الدم فكما انقطع وهو بالغ أقل الحيض لزمها ان تغتسل وتصوم وتصلي ولها ان تطوف وللزوج أن يغشاها لافرق في كل ذلك بين القولين لانها لا تدري هل يعود الدم أم لا والظاهر استمرار العدم وفى الغشيان وجه أنه لا يجوز ثم إذا عاد الدم تركت الصوم والصلاة وامتنعت عن الوطئ وتبين علي قول السحب وقوع الوطئ والعبادات في الحيض لكن]
[ ٢ / ٥٤٧ ]
[لا يأثم بالوطئ وتقضي الصوم والطواف دون الصلاة وعلي قول اللقط والتلفيق ما مضي صحيح ولا قضاء وهذا الحكم في الانقطاع الثاني والثالث وسائر الانقطاعات في الخمسة عشر وفيه وجه ان في سائر الانقطاعات يبنى الامر على أن العادة بماذا تثبت فإذا ثبتت توقفنا في الغسل وسائر العبادات ارتقابا للعود واما في الدور الثاني وما بعده من الادوار فعلي قول التلفيق لا يختلف الحم وعلي قول السحب في الدور الثاني طريقان أصحهما أنه يبنى علي الخلاف في العادة ان أثبتناها بمرة فقد عرفنا التقطع بالدور الاول فلا تغتسل ولا تصلى ولا تصوم حملا علي عود الدم فان لم يعد بان أنها كانت طاهر افتقضى الصوم والصلاة جميعا وان لم نثبتها بمرة فالحكم كما سبق في الشهر الاول وفى الدور الثالث وما بعده تثبت العادة بمرتين سابقتين فلا تغتسل إذا انقطع الدم ولا تصلى]
[ ٢ / ٥٤٨ ]
[ولا تصوم وقد حكينا وجها من قبل أن العادة لا تثبت الا بثلاث مرات ولا يخفى قياسه والطريق
الثاني ويحكى عن أبى زيد أن التقطع وان تكرر مرات كثيرة فالحكم في المرة الاخيرة كما في الاولي لان الدم إذا انقطع فبناء الحكم على عوده وترك العبادات بعيد وقوله في الكتاب المبتدأة إذا انقطع دمها فتؤمر بالعبادة يجوز أن يراد به الانقطاع الاول وحده ويجوز أن يراد به كل انقطاع يتفق في الدور الاول وعلى التقدير الثاني ينبغي ان يعلم قوله فتؤمر بالعبادة بالواو للوجه الصائر إلى بنائه علي الخلاف في العادة وقوله ففى الدور الثالث لا تؤمر بالعبادة ينبغي أن يعلم بالواو لشيئين أحدهما الوجه الذاهب الي أن العادة تثبت بثلاث مرات والثانى الطريقة المنسوبة الي أبي زيد وكذلك قوله وفى الثاني يبنى علي ان العادة هل تثبت بمرة لطريقة أبى زيد: هذا كله إذا كان الانقطاع بعد]
[ ٢ / ٥٤٩ ]
[بلوغ الدم أقل الحيض اما إذا رأت المبتدأة نصف يوم دما وانقطع وقلنا بطرد القولين فعلى قول السحب لا غسل عليها عند الانقطاع الاول لانه ان عاد الدم في الخمسة عشر فالنقاء الذى رأته بعد ذلك الدم حيض أيضا وان لم يعد فهو دم فساد ولكن تتوضأ وتصلي وفى سائر الانقطاعات إذا بلغ مجموع ما سبق دما ونقاء أقل الحيض يصير الحكم على ما سبق في الحالة الاولي وعلي قول التلفيق لا يلزمها الغسل أيضا في الانقطاع الاول علي أظهر الوجهين لانا لا ندرى هل هو حيض أم لا والثاني يجب احتياطا كما يجب على الناسية احتياطا وفي سائر الانقطاعات إذا بلغ ما سبق من الدم وحدة أقل الحيض يلزمها الغسل وقضاء الصوم والصلاة وحكم الدور الثاني والثالث علي القولين جميعا كما ذكرنا في الحالة الاولى هذا تمام القسم الاول وهو أن لا يجاوز الدم المتقطع خمسة عشر يوما *]
[ ٢ / ٥٥٠ ]
[قال [اما إذا جاوز الدم خمسة عشر يوما صارت مستحاضة فلها أربعة أحوال (الاولى) المعتادة فان كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وعشرين فجاءها الدور وأطبق الدم مع التقطع وكانت ترى الدم يوما وليلة والنقاء كذلك فعلى قول السحب نحيضها خمسة من أول الدور لان النقاء فيه محتوش بالدم ولو كانت عادتها يوما وليلة فاستحيضت وكانت ترى يوما دما وليلة نقاء وهكذا ففيه اشكال لان اتمام الدم بالنقاء عسير إذ ليس محتوشا بدمين في وقت العادة لا يمكن تكميل اليوم بالليلة
فقد قيل ههنا تعود الي قول التلفيق فيلتقط النقاء من الحيض وقيل لا حيض لها أصلا وقيل يسحب حكم الحيض علي ليلة النقاء ويضم اليوم الثاني إليه فيكون قد ازداد حيضها] * إذا جاوز الدم بصفة التلفيق الخمسة عشر فقد صارت مستحاضة كغير التلفيق إذا جاوز]
[ ٢ / ٥٥١ ]
[دمها هذه المدة ولا صائر الي الالتقاط من جميع الشهر وان لم يزد مبلغ الدم علي اكثر الحيض وإذا صارت مستحاضة ووقعت الحاجة إلى الفرق بين حيضها واستحاضتها فالمرجع إلى العادة والتمييز كما في غير ذات التلفيق وقال محمد ابن بنت الشافعي ان اتصل الدم المجاوز بالدم في آخر الخمسة عشر فالامر كذلك وان انفصل عنه بنقاء متخلل فالمجاوز استحاضة وجميع ما في الخمسة عشر من الدماء إما وحدها أو مع النقاء المتخلل علي اختلاف القولين حيض مثال ما إذا اتصل رأت ستة دما وستة نقاء وجاوز فالدم متصل ههنا من آخر الخامس باول السادس ومثال ما إذا انفصل رأت يوما دما ويوما نقاء وجاوز فهذه ترى الدم في الخامس عشر وتكون نقية في السادس عشر فعنده جميع الخمسة عشر حيض على قول السحب وما فيها من الدماء علي قول اللقط وما جاوز الخمسة عشر استحاضة وبه قال أبو بكر المحمودى وغيره والمذهب الاول ثم جعل صاحب الكتاب المستحاضات في هذا الباب أربعا إحداهن الناسية وفى غير ذات التلفيق ذكر أربعا دون الناسية وليس ذلك لاختلاف]
[ ٢ / ٥٥٢ ]
[عددهن بالتقطع وعدم التقطع لكن حذف ذكر المعتادة المميزة ههنا لان الوقوف علي حكمها سهل المأخذ من حيث أن الكلام في أن أي المعنيين يرجح من العادة والتمييز وقد سبق في غير ذات التلفيق ولا فرق فيه بين حالة التقطع وعدم التقطع وإذا رجحنا أحد المعنيين فهى كالمنفردة بتلك الصفة: المستحاضة الاولي المعتادة الحافظة لعادتها وعادتها السابقة علي ضربين (احدهما) وهو الذى ذكر مثاله في الكتاب العادة التي لا تقطع فيها لكل عادة ترد إليها عند الاطبقاق والمجاوزة ترد إليها عند التقطع والمجاوزة ثم على قول السحب كل دم يقع في أيام العادة وكل نقاء يتخلل بين دمين فيها حيض واما النقاء الذى لا يتخلل بين دمين فيها لا يكون حيضا وأيام العادة ههنا بمثابة الخمسة عشر عند
عدم المجاوزة فلا يعدل عنها وعلي قول التلفيق أزمنة النقاء طهر وفيما يجعل حيضا لها وجهان أظهرهما]
[ ٢ / ٥٥٣ ]
[أن قدر عادتها من الدماء الواقعة في الخمسة عشر حيض لها فان لم تبلغ الدماء في الخمسة عشر قدر عادتها جعل الموجود حيضا ووجهه أن المعتادة عند الاطباق مردودة الي قدر عادتها وقد أمكن ردها هنا إلى قدر العادة فيصار إليه والثاني أن حيضها ما يقع من الدماء في أيام العادة لا غير لان حكم الحيض عند الاطباق انما يثبت الدماء الموجود في أيام العادة فكذلك ههنا مثاله كانت تحيض خمسة علي التوالي من كل ثلاثين فجاءها دور تقطع فيه الدم والنقاء يوما ويوما وجاوز الخمسة عشر فعلى قول السحب نحيضها خمسة من أول الدور وما فيها من النقاء محتوش بالدم في أيام العادة فينسحب عليه حكم الحيض وعلى قول التلفيق وجهان أظهرهما أن حيضها الاول والثالث والخامس والسابع والتاسع وتجاوز أيام العادة محافظة علي القدر والثاني أن حيضها الاول والثالث]
[ ٢ / ٥٥٤ ]
والخامس لا غير ولو كانت تحيض ستة علي التوالى ثم استحيضت والدم منقطع كما وصفنا فعلي قول السحب لا نردها الي الستة لان النقاء في اليوم السادس غير محتوش بدمين في أيام العادة وعلى قول التلفيق حيضها علي الوجه الاول الايام الخمسة والحادي عشر أيضا وعلي الوجه الثاني الاول والثالث والخامس لا غير ولو انقلبت عادتها بتقدم أو تأخر ثم استحيضت عاد الخلاف كما ذكرنا في حالة الاطباق وكذا الخلاف فيما يثبت به العادة مثال التقدم كانت عادتها خمسة من ثلاثين كما ذكرنا فرأت في بعض الشهور اليوم الثلاثين دما واليوم الذى بعده نقاء وهكذا تقطع دمها وجاوز الخمسة عشر فعن ابى اسحق انها تراعى أيامها المتقدمة وما قبلها استحاضة فعلي قول السحب حيضها اليوم الثاني والثالث والرابع وعلي قول اللقط حيضها اليوم الثاني والرابع لاغير]
[ ٢ / ٥٥٥ ]
[وظاهر المذهب أن العادة تنتقل بمرة واحدة واليوم الثلاثون حيض فعلى قول السحب حيضها خمسة متوالية من الثلاثين وعلي قول اللقط حيضها اليوم الثلاثون والثاني والرابع أن لم يجاوز أيام العادة
وان جاوز ضممنا إليها السادس والثامن ومثال التأخر ما إذا رأت في المثال المذكور اليوم الاول في بعض الادوار نقاء ثم تقطع عليها الدم والنقاء من اليوم الثاني وجاوز فعند أبي اسحق الحكم علي ما ذكرنا في الصورة السابقة وعلى ظاهر المذهب ان فرعنا علي قول السحب فحيضها خمسة علي التوالى من اليوم الثاني وان فرعنا علي قول اللقط فان لم يجاوز أيام العادة فحيضها الثاني والرابع والسادس وان كنا خارجا عن أيام العادة القديمة لكن بالتأخر قد انتقلت غادتها وصار أول الخمسة الثاني وآخرها السادس وان جاوزنا أيام العادة فحيضها هذه الايام مع الثامن]
[ ٢ / ٥٥٦ ]
[والعاشر ولا يخفى ان قدر طهرها السابق علي الاستحاضة في هذه الصورة قد صار ستة وعشرين وفى صورة التقدم أربعة وعشرين ولو لم يتقدم الدم في المثال المذكور ولا تأخر لكن انقطع الدم والنقاء عليها يومين يومين فلا يعود خلاف أبى اسحق ويبنى الحكم على قول التلفيق ان سحبنا فحيضها خمسة أيام ولاء واليوم السادس استحاضة كالدماء التى بعده وان لقطنا فان لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الاول والثاني والخامس لاغير وان جاوز ضممنا إليها السادس والتاسع وحكي وجه ان الخامس لا يجعل حيضا علي قولنا بعدم المجاوزة ولا التاسع على قولنا بالمجاوزة لانهما متصلان بدم الاستحاضة فيضعفان بضعفه ويجرى هذا الوجه في كل نوبة دم يخرج بعضها عن أيام العادة ان اقتصرنا علي ايام العادة وعن الخمسة عشر ان جاوزنا ايام العادة وإذا عرفنا قدر حيض هذه المستحاضة علي اختلاف الاحوال فكم مدة طهرها بعد الحيض الي استئناف حيضة أخرى ينظر أن كان التقطع بحيث ينطبق الدم علي أول الدور: ابتداء الحيضة الاخرى وان]
[ ٢ / ٥٥٧ ]
[لم ينطبق فابتداء حيضها أقرب نوب الدماء إلى أول الدور تقدمت أو تأخرت فان استوتا في التقدم والتأخر فابتداء حيضها النوبة المتأخرة ثم قد يتفق التقدم أو التأخر في بعض أدوار الاستحاضة دون بعض وإذا أردت أن تعرف هل ينطبق الدم علي أول الدور أم لا فخذ نوبة دم ونوبة نقاء واطلب عددا صحيحا يحصل من ضرب مجموع النوبتين فيه مقدار دورها فان وجدته
فاعرف انطباق الدم علي أول الدور والا فاضربه في عدد يكون مردوده أقرب الي دورها زائدا كان أو ناقصا واجعل حيضها الثاني أقرب الدماء إلى أول الدور فان استوى طرفا الزيادة والنقصان فالاعتبار بالزائد ولنوضح ذلك بامثله: عادتها خمسة من ثلاثين وتقطع الدم يوما ويوما في بعض الادوار وجاوز فنوبة الدم يوم ونوبة النقاء مثله وانت تجد عددا لو ضربت الاثنين فيه كان الحاصل ثلاثين وهو خمسة عشر فاعرف أن الدم ينطبق على أول دورها ابدا مادام التقطع بهذه الصفة ولو كانت المسألة بحالها وتقطع الدم والنقاء يومين يومين فلا تجد عددا يحصل من ضرب أربعة فيه ثلاثون فاطلب ما يقرب الحاصل من الضرب فيه من ثلاثين وههنا عدد ان سبعة وثمانية ان ضربت الاربعة في سبعة رد ثمانية وعشرين وان ضربتها في ثمانية رد اثنين وثلاثين والتفاوت في طرفي الزيادة والنقصان واحد فخذ بالزيادة واجعل أول الحيضة الاخرى الثالث والثلاثين وحينئذ يعود ما سبق نقله من خلاف أبي اسحق لتأخر الحيض عن أول الدور فحيضها عنده في أول الدور الثاني]
[ ٢ / ٥٥٨ ]
[هو اليوم الثالث والرابع لاغير علي قولي التلفيق جميعا وأما على قول السحب فلان ما قبلهما وما بعدهما نقاء لم يتخلل بين دمين في أيام العادة وأما على قول اللقط فلانه ليس لها في أيام العادة دم الا في هذين اليومين وأما علي ظاهر المذهب فان فرعنا على السحب حيضناها من اليوم الثالث خمسة علي التوالي وان فرعنا علي اللقط فان جاوزنا أيام العادة فحيضها الثالث والرابع والسابع والثامن والحادي عشر وان لم يجاوزها فحيضها الثالث والرابع والسابع لا غير ثم في الدور الثالث ينطبق الدم علي أول الدور فلا يبقى خلاف ابي اسحق ويكون الحكم كما ذكرنا في الدور الاول وفى الدور الرابع يتأخر الحيض ويعود الخلاف وعلى هذا أبدا ولم نر أحدا يقول إذا تأخر الدم في الدور الثاني بيومين فقد صار أول أدوار المجلوزة اثنين وثلاثين فنجعل هذا العدد دورا لها تفريعا علي أن العادة تثبت بمرة وحينئذ ينطبق الدم على أول الدور أبدا لانا نجد عددا يحصل من ضرب الاربعة فيه هذا العدد وهو ثمانية ولو قال به قائل لما كان به باس فان قلت هذا الدور حدث في زمان الاستحاضة فلا عبرة به قلنا لا نسلم فانا قد نثبت عادة المستحاضة مع دوام
العلة الا ترى أن المستحاضة المميزة يثبت لها بالتمييز عادة معمول بها ولو كانت المسألة بحالها ورأت ثلاثة دما وأربعة نقاء فمجموع النوبتين سبعة فلا نجد عددا إذا ضربت السبعة فيه رد ثلاثين فاضربه في اربعة ليرد ثمانية وعشرين واجعل أول الحيضة الثانية التاسع والعشرون ولا]
[ ٢ / ٥٥٩ ]
[تضربه في خمسة فانه يرد خمسة وثلاثين وذلك أبعد من الدور وعند ذلك يتقدم الحيض علي أول الدور فعلي قياس ابى اسحق ما قبل الدور استحاضة وحيضها اليوم الاول علي قولي التلفيق جميعا وقياس ظاهر المذهب لا يخفى ولو كانت عادتها قديما ستة من ثلاثين وتقطع الدم في بعض الادوار سته ستة وجاوز ففي الدور الاول حيضها الستة الاولي بلا خلاف واما في الدور الثاني فانها ترى ستة من أوله من أوله نقاء وهى أيام عادتها فعند أبى اسحاق لا حيض لها في هذا الدور أصلا وأما سائر الاصحاب فقد حكي امام الحرمين في هذه الصورة عنهم وجهين أظهرهما انا نحيضها الستة الثانية على قولي السحب واللقط جميعا والثاني أن يحضها الستة الاخيرة من الدور الاول لان الحيضة إذا فارقت محلها فقد تتقدم وقد تتأخر والستة الاخيرة قد تخلل بينها وبين الحيضة التى قبلها طهر كامل فتحيض فيها ونحكم بنقصان طهرها السابق ويجئ هذا الوجه حيث خلا جميع أيام العادة عن الحيض: هذا كله]
[ ٢ / ٥٦٠ ]
[إذا لم ينقص الدم الموجود في زمان العادة عن أقل الحيض اما إذا نقص كما إذا كانت عادتها يوما وليلة فرأت في بعض الادوار يوما دما وليلة نقاء واستحيضت قال صاحب الكتاب فهذا فيه اشكال يعنى علي قول السحب لان اتمام الدم بالنقاء عسير لانه غير محتوش بالدم في وقت العادة ولا يمكن الاقتصار علي اليوم الواحد ولا تكميله باليوم الثاني فان مجاوزة العادة علي قول السحب مما لا يجوز فبماذا نحكم فيه ثلاثة أوجه اظهرها أنه لا حيض لها في هذه الصورة لتعذر الاقسام وبه قال أبو اسحق والثانى انها تعود في هذه الصورة إلى قول التلفيق ونستثنيها عن قول السحب لانه يبعد ان يقال لا حيض لها وهى ترى الدم شطر دهرها علي صفة الحيض وبهذا قال ابو بكر المحمودى والثالث انا نحيضها اليوم الاول والثانى والليلة بينهما وليس فيه الا زيادة حيضها وهو اقرب الاقسام والاحوال
وهذا الوجه ذكره الشيخ أبو محمد واما على قول التلفيق فلا حيض لها ان لم نجاوز أيام العادة وان جاوزناها حيضناها في اليوم الاول والثاني وقلنا الليلة بينهما طهر: الضرب الثاني العادة المنقطعة فإذا استمرت لها عادة منقطعة قبل الاستحاضة ثم استحيضت مع التقطع فننظر ان كان التقطع بعد الاستحاضة كالتقطع قبل الاستحاضة فمردها قدر حيضها علي اختلاف القولين مثاله: كانت تري ثلاثة دما واربعة نقاء وثلاثة دما وتطهر عشرين ثم استحيضت والتقطع بهذه الصفة فعلي قول السحب كان حيضها عشرة قبل الاستحاضة فكذلك بعدها وعلي قول اللقط كان حيضها ستة يتوسط بين نصفيها أربعة فكذلك الآن وان اختلفت كيفية التقطع كما إذا انقطع الدم عليها في المثال المذكور في بعض الادوار يوما يوما واستحيضت فعلى قول السحب حيضها الآن تسعة أيام لانها جملة الدماء الموجودة في أيام العادة وما بينها من النقاء واليوم العاشر نقاء لم يتخلل بين دمين في وقت العادة وعلي قول اللقط أن لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الاول والثالث والتاسع إذ ليس لها في أيام حيضها القديم على هذا القول دم الا في هذه الثلاثة وان جاوزناها ضممنا إليها الخامس]
[ ٢ / ٥٦١ ]
[والسابع والحادي عشر تكميلا لقدر حيضها قال [الثانية المبتدأة فإذا رأت النقاء في اليوم الثاني صامت وصلت وهكذا تفعل مهما رأت النقاء إلى خمسة عشر فإذا جاوز الدم ذلك تبين أنها مستحاضة ثم مردها أما يوم وليلة وأما أغلب عادات النساء في حقها كالعادة في حق المعتادة] * ذكرنا أن المبتدأة إذ انقطع عليها الدم تصوم وتصلي عند الانقطاع الاول وهكذا في سائر الانقطاعات الواقعة في الخمسة عشر وقد اشتمل الفرع المذكور قبل تقسيم المستحاضات على ما ذكره في هذا الموضع أو علي بعضه لان قوله ثم إذا انقطع دمها تؤمر بالعبادة في الحال ان أراد به كل الانقطاع فهو والمذكور في هذا الموضع شئ واحد وان أراد به الانقطاع الاول فهو قوله ههنا: وإذا رأت النقاء في اليوم الثاني صامت وصلت: وليكن قوله وهكذا تفعل مهما رأت النقاء معلما بالواو لما بيناه في شرح]
[ ٢ / ٥٦٢ ]
[ذلك الفرع ثم إذا جاوز دمها بصفة التقطع الخمسة عشر تبين أنها مستحاضة فان قلنا المبتدأة ترد إلى يوم وليلة وهو الاصح وكان تقطع الدم والنقاء عليها يوما يوما فحيضها (يوم وليلة والباقى طهر وان قلنا أنها ترد إلى ست أو سبع فعلى قول السحب ان رددناها الي ست فحيضها) خمسة علي التوالي لان اليوم السادس نقاء لم يحتوشه دمان في المرد وان رددناها إلى سبع فحيضها سبعة على التوالي علي قول اللقط ان لم يجاوز ايام العادة ورددناها إلى ست فحيضها اليوم الاول الثالث والخامس وان رددناها إلى سبع ضممنا اليوم السابع إلى هذه الايام وان جاوزنا ايام العادة ورددناها الي ست فحيضها ست من ايام الدماء وان رددناها إلى سبع فحيضها سبعة منها وكل هذا علي ما تقدم في المعتادة فلذلك قال ومردها في حقها كالعادة في حق المعتادة وابتداء الحيضة الثانية طريقه]
_________________
(١) ما بين القوسين في بعض النسخ فقط ولا يصح المعني بدونه فتأمل ها
[ ٢ / ٥٦٣ ]
[ما ذكرنا في المعتادة ثم إذا كانت تصلى وتصوم في ايام النقاء حتى جاوز الدم الخمسة عشر وتتركهما في ايام الدم كما امرناها به فلا خلاف في أنها تقضي صيام ايام الدم بعد المرد وصلواتها لانها تركتهما رجاء الانقطاع قبل الخمسة عشر فإذا جاوزها الدم وتبين الطهر في تلك الايام فلا بد من قضاء العبادة المتروكة واما صلوات ايام النقاء وصيامها فعلى قول اللقط لا حاجة الي قضائها اصلا واما على قول السحب فلا حاجة ايضا الي قضاء الصلوات لانها ان كانت طاهرا فقد صلت وان كانت حائضا فلا صلاة عليها وفى صومها قولان أظهرهما انها لا تقضى أيضا كما في الصلاة والثاني تقضي لانها صامت علي تردد في صحته وفساده فلا يجزيها بخلاف الصلاة فان الصلاة أن لم تصح لم يجب قضاؤها إذ لا يجب قضاء الصلاة على الحائض ثم منهم من بنى القولين علي القولين فيما إذا صلى خنثي خلف امرأة وأمرناه بالقضاء فلم يقض حتي]
[ ٢ / ٥٦٤ ]
[بان كون امرأة هل يلزمه القضاء لان العبادة في الصورتين مؤداة على التردد في صحتها وفسادها وقال الاكثرون هما مبنيان علي القولين المذكورين في أن المبتدأة هل تحتاط بعد المرد إلى آخر الخمسة عشر أم لا ان قلنا تحتاط وجب القضاء مع الاداء وإلا فلا قالوا ولو كان الخلاف مبنيا علي
مسألة الخنثى لكان مخصوصا بالشهر الاول من شهور الاستحاضة لثوبت الاستحاضة بعد ذلك الشهر وارتفاع التردد والخلاف مطرد في الادوار كلها خرج من هذا انا ان حكمنا باللقط لم تقض من الخمسة عشر الا صلوا ت سبعة ايام وصيامها ان رددنا المبتدأة إلى يوم وليلة وهى ايام الدم سوى اليوم الاول وان رددناها إلى ست أو سبع فان لم تجاوز أيام العادة وكان الرد إلى ست قضتها]
[ ٢ / ٥٦٥ ]
[من خمسة ايام وان ردت الي سبع فمن أربعة أيام وان جاوزناها وردت الي ست قضتها من يومين وان ردت إلى سبع فمن يوم واحد واما ان حكمنا بالسحب فان رددناها الي يوم واحد قضت صلوات سبعة ايام وهى ايام الدم سوى اليوم الاول ولا تقضى غير ذلك وفى الصوم قولان اظهرهما لا تقضى الا صيام ثمانية ايام وهي ايام الدم كلها والثانى تقضى صيام الخمسة عشر ولفظ الوسيط تعبير عن القول الاول أنه لا يلزمها إلا قضاء تسعة أيام في رمضان لانها صامت سبعة في أيام النقاء من الشطر الاول ولولا ذلك النقاء لما لزمها إلا ستة عشر فإذا حسبنا سبعة بقى تسعة والصواب ما قلناه وهو المذكور في التهذيب وغيره ولولا النقاء لما لزمها الا خمسة عشر وإنما تلزم الستة عشر إذا أمكن انباسط اكثر الحيض علي الستة عشر وهو غير ممكن في المثال الذى]
[ ٢ / ٥٦٦ ]
[نتكلم فيه وان رددناها إلى ست أو سبع فان ردت الي ست قضت صلوات خمسة ايام وهى ايام الدماء التى لم تصل فيها بعد المرد لان جملتها ثمانية ويقع منها في الي سبع قضت صلوات اربعة واما الصوم فعلي أحد القولين تقضى صيام الخمسة عشر جميعا وعلي اظهرهما ان ردت إلى ست قضت صيام عشرة ايام ثمانية منها ايام الدم في الخمسة عشر ويومان نقاء وقعا في المرد لتبين الحيض فيهما وان ردت إلى سبع قضت صيام احد عشر يوما هذا تمام الكلام في المبتدأة التى لا تمييز لها قال [الثالثة المميزة وهي التى ترى يوما دما قويا ويوما دما ضعيفا فان أطبق الضعيف بعد الخمسة عشر حيضناها خمسة عشر يوما لاحاطة السواد بالضعيف المتخلل وكل ذلك تفريع علي
[ ٢ / ٥٦٧ ]
[ترك التلفيق فاما إذا استمر تعاقب السواد والحمرة في جميع الشهر فهى فاقدة التمييز لفوات شرطه] المتبدأة إذا كانت مميزة ننظر ان كانت فاقدة لشرط التمييز فهى كالفاقدة لاصل التمييز وحكمها ما سبق نظيره لو رأت يوما سوادا ويوما حمرة إلى آخر الشهر فهى فاقدة لاحد شروط التمييز وهو أن لا يجاوز القوى الخمسة عشر وقوله في هذا المثال فاقدة للتمييز لفوات شرطه أي التمييز المعتبر وإلا فهي واجدة لاصله وإن كان واجدة لشرط التمييز فعلي قول السحب حيضها الدماء القوية في الخمسة عشر مع النقاء المتخلل والضعيف المتخلل وعلي قوله اللقط حيضها القوى دون ما يتخلله مثله رأت يوما سواد ويوما حمرة إلى آخر الخمسة عشر ثم استمرت الحمرة بعد الخمسة عشر أما لصفة التقطع فحيضها علي قول السحب جميع
[ ٢ / ٥٦٨ ]
[الخمسة عشر وعلي قول اللقط أيام السواد وهى ثمانية وقوله المييزة وهى التي ترى يوما دما قويا ويوما دما ضعيفا يوهم اشتراط التقطع بين القوى والضعيف ليثبت التمييز فانه كالتفسير للمميزة ولا يشترط ذلك بل يثبت التمييز المعتبر وان كان التقطع بين القوى والنقاء والشرط أن لا ترى القوى الا في الخمسة عشر ويكون المجاوز هو الضعيف ولا فرق في الضعيف المجاوز بين أن يكون دائما أو منقطعا وقوله ولك ذلك تفريع علي ترك التلفيق أي قول السحب وانما كان يحسن قوله وكل ذلك إذا جري تفريع طويل ولم يجر ههنا كثير شئ * قال [الرابعة الناسية فان أمرناها بالاحتياط على الصحيح فحكمها حكم من أطبق الدم عليها علي قول السحب إذ ما من نقاء الا ويحتمل أن يكون حيضا وانما تفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الوضوء في وقت النقاء لان الحدث في صورته غير متجدد ولا بتجديد الغسل إذ الانقطاع مستحيل في حالة]
[ ٢ / ٥٦٩ ]
[انتفاء الدم وعلى قول التلفيق يغشاها الزوج في أيام النقاء وهى طاهرة فيها في كل حكم] الناسية لعادتها قد تنساها من كل وجه وهى المتحيرة وقد تنساها من وجه دون وجه كما
في حالة الاطباق فاما المتحيرة فيعود فيها القولان المذكوران عند الاطباق ان قلنا هي كالمبتدأة فحكمها ما تقدم وان أمرناها بالاحتياط وهو الصحيح بنينا أمرها على قولي التلفيق ان قلنا بالسحب فتحتاط في أزمنة الدم من الوجوه التي ذكرناها في حالة الاطباق بلا فرق لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع وتحتاط في أزمنة النقاء أيضا إذ ما من نقاء الا ويحتمل أن يكون حيا نعم لا تؤمن بالغسل في وقت النقاء لان الغسل انما يجب لاحتمال الانقطاع ولا انقطاع في حالة انتقاء الدم وكما لا تؤمر بتجديد الغسل لا تؤمر بتجديد الوضوء أيضا لان ذلك انما يجب لتجدد الحدث ولا تجدد في وقت النقاء فإذا يكفيها لزمان النقاء الغسل عنه انقضاع كل نوبة من نوب الدماء وان قلنا باللقط فعليها أن تحتاط في أيام الدم وعند كل انقطاع وأما في أزمنة النقاء فهي طاهر في الغشيان وسائر الاحكام ولك أن تستدرك من]
[ ٢ / ٥٧٠ ]
[من جملة اللفظ على قوله وانما تفارقها في آناء لامرها بتجديد الوضوء في أيام النقاء وتقول انما ينتظم هذا الكلام ان لو كانت المتحيرة عند الاطباق مأمورة بتجديد الوضوء لتكون هذه مفارقة لها ومعلوم أنها لا تؤمر بتجديد الوضوء وانما تؤمر بتجديد الغسل فكان الاحسن أن يقول وانما تفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الغسل وكذلك بتجديد الوضوء: واما الناسية التى نسيت عادتها من وجه دون وجه فتحتاط علي مقتضى قولى التلفيق مع رعاية ما نذكره: مثاله قالت أضلت خمسة في العشرة الاولي من الشهر وقد تقطع الدم والنقاء عليها يوما يوما واستحيضت فان قلنا بالسحب فاليوم العاشر طهر لانه نقاء لم يتخلل بين دمي حيض ولاغسل عليها في الخمسة الاولي لتعذر الانقطاع فإذا انقضت اغتسلت وبعدها لا تغتسل في أيام النقاء وتغتسل في آخر السابع والتاسع لجواز الابتداء في أول الثالث والخامس وهل تغتسل في أثناء السابع والتاسع منهم من قال نعم لامكان الانقطاع في الوسط وغلطهم المعظم لان الانقطاع في الوسط لو فرض ههنا لفرض ابتداء في أثناء الثاني أو الرابع وهي نقية فيهما فان قلت إذا خرج اليوم العاشر انحصر الضلال في التسعة والخمسة التى هي قدر الحيض زائدة على نصف التسعة فهلا كان لها حيض بيقين كما كان في حالة الاطباق فالجواب أن اضلال الخمسة في التسعة المتقطعة يوجب التردد في مقدار الحيض لان]
[ ٢ / ٥٧١ ]
[بتقدير تأخر الحيض الي الخمسة الاخيرة لا تكون الآن حائضا الا في ثلاثة أيام منها لان السادس نقاء لم يتخلل بين دمى حيض وكذلك العاشر وفى حالة الاطباق لاتردد في قدر الحيض فلهذا افترقا في تيقن الحيض وأما إذا قلنا باللقط فان لم يجاوز أيام العادة فالحكم كما ذكرنا في قول السحب الا أنها طاهر في أيام النقاء في كل حكم وانها تغتسل عقيب كل نوبة من نوب الدم في جميع المدة لان المتقطع حيض وان جاوزنا أيام العادة حيضناها خمسة أيام وهى الاول والثالث والخامس والسابع والتاسع وبتقدير انطباق الحيض على الحيضة الاولي بتقدير تأخرها إلى الخمسة الثانية فليس لها في الخمسة الثانية الا يوما دم وهما السابع والتاسع فتضم اليهما الحادى عشر والثالث عشر والخامس عشر فهى إذا حائض في السابع والتاسع بيقين]
[ ٢ / ٥٧٢ ]
[لدخولهما في كل تقدير والله أعلم قال * (الباب الخامس في النفاس) * [واكثره ستون يوما وأغلبه أربعون يوما واقله لحظة (ز) والتعويل فيه على الوجود] * أكثر النفاس ستون يوما خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا اكثره اربعون يوما ورووا عن مالك فيه روايتين احداهما مثل مذهبنا والاخرى انه لا حد له ويرجع الي اهل الخبرة من النساء فتجلس اقصي ما تجلس النساء: لنا الرجوع لي اكثر ما وجد وعهد كما ذكرنا في الحيض وقد روى عن الاوزاعي انه قال عندنا امرأة ترى النفاس شهرين وعن ربيعه ادركت النساء يقولون اكثر ما تنفس المرأة ستون يوما ولك ان تعلم المسألة مع الحاء]
[ ٢ / ٥٧٣ ]
[والالف والميم بالقاف لان ابا عيسى الترمذي روى في جامعه عن الشافعي ﵁ ان دم النفاس إذا جاوز الاربعين لم تدع الصلاة بعد ذلك فحصل قوله علي موافقتهم ووجهه ماروى عن اسم سلمة ﵂ قالت (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ اربعين يوما) وهذا علي ظاهر المذهب محمول علي الغالب ولاشك في ان غالب النفاس اربعون يوما واما اقله فلا حد له ويثبت حكم النفاس لما]
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وجدته قل أو كثر والمعنى فيه الرجوع الي الوجوذ كما ذكرنا ولك ان تعلم المسألة بالحاء لانه روى عن ابي
حنيفة في اقل النفاس ثلاث روايات احداها مثل مذهبنا وهي الاظهر والثانية انه احد عشر يوما والثالثة خمسة وعشرون يوما وبالزاى لان المزني قال اقله اربعة ايام لان اكثر النفاس مثل اكثر الحيض اربع مرات فليكن اقله مع اقله كذلك واعلم انه لا فرق في حكم النفاس بين ان يكون الولد حيا أو ميتا كامل الخلقة أو ناقصها ولو القت علقة أو مضغة وقالت القوابل انه ابتداء خلق الادمي فالدم الذى تجده بعده نفاس ذكره في التتمة قال [فأن رأت قبل الولادة دما علي ادوار الحيض فله حكم الحيض في احد القولين الا في انقضاء العدة به فلو كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وعشرين فحاضت خمسا وولدت قبل مضي خمسة عشر من الطهر]
[ ٢ / ٥٧٥ ]
[فما بعد الولد نفاس ونقصان الطهر قبله لا يقدح في افساده ولا في افساد الحيض الماضي لان تخلل الولادة أعظم من طول المدة ولو اتصلت الولادة بآخر الخمسة وجعلناها حيضا فلا نعدها من النفاس ولا نقول هو نفاس سبق وكذلك ما يظهر من الدم في حال ظهور مخايل الطلق] ما تراه الحامل من الدم على ترتيب أدوار الحيض هل هو حيض أم لا قال في القديم لا بل هو دم فساد وبه قال أبو حنيفة واحمد لقوله صلي الله عليه وسلم (لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض) جعل الحيض]
[ ٢ / ٥٧٦ ]
[دليلا على براءة الرحم فلو قلنا الحامل تحيض لبطلت دلالته ولان فم الرحم ينسد بالحمل فيمتنع خروج دم الحيض فان الحيض يخرج من اقصي الرحم: وقال في الجديد هو حيض وبه قال مالك لقوله صلي الله عليه وسلم (دم الحيض اسود يعرف) اطلق ولم يفصل بين الحامل والحائل ولانه دم في ايام العادة بصفة الحيض وعلي قدره فجاز ان يكون حيضا كدم الحامل والمرضع ولا فرق علي القولين ما تراه قبل حركة الحمل وما تراه بعدها ومنهم من قال القولان فيما بعد حركة الحمل اما من وقت العلوق الي الحركة فهو كحال الحيال فان قلنا انه ليس بحيض فهو حدث دائم كسلس البول وان قلنا أنه حيض حرم فيه الصلاة والصوم والوطئ ويثبت جميع احكام الحيض إلا أنه لا يحرم فيه الطلاق ولا تنقضي به العدة قال الله تعالى (واولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) ثم هذا القول في الدم من التى ولدت بعد خمسة عشر فصاعدا من وقت]
[ ٢ / ٥٧٧ ]
[انقطاعه أما إذا ولدت قبل تمام خمسة عشر من انقطاعه فهل يكون حيضا فيه وجهان أحدهما لا لانه لم يتخلل بينه وبين النفاس طهر كامل واصحهما أنه حيض أيضا علي هذا القول لانه قد تقدمه طهر كامل ونقصان الطهر إنما يؤثر فيما بعده لافيما قبله وههنا لم يؤثر فيما بعده لان ما بعد الولد نفاس بلا خلاف فأولى أن لا يؤثر فيما قبله وعند هذا لا نسلم اشتراط تخلل الطهر الكامل بين الدمين مطلقا وانما يشترط ذلك إذا كان كل واحدها منهما حيضا وههنا احدهما نفاس ولو رأت الحامل الدم علي عادتها وولدت علي الاتصال بآخره ولم يتخلل طهر أصلا ففيه هذا الوجهان ولا خلاف في أن ذلك الدم لا يعد من النفاس لان النفاس لا يسبق الولادة بل هو عند الفقهاء عبارة عن الدم الذى يخرج عقب الولادة ولهذا قطع معظم الاصحاب بأن ما يبدو عند الطلق ليس بنفاس أيضا وقالوا ابتداء النفاس]
[ ٢ / ٥٧٨ ]
[يحسب من وقت انفصال الولد وحكي صاحب الافصاح وجها فيما يبدو عند الطلق أنه نفاس لانه من آثار الولادة ثم علي طريقة المعظم كما لا نجعل ذلك الدم نفاسا لا نجعله حيضا كذلك ذكره القاضى أبو المكارم في العدة ورأيته لابي عبد الله الحناطى أيضا وحكى مع ذلك وجها آخر أنه حيض علي قولنا الحامل تحيض وإذا كان الظاهر في هذه الصورة أنه ليس بحيض أيضا وجب أن يستثني هذا الدم عن صورة القولين في دم الحامل فانها حامل بعد في تلك الحالة واما الدم الخارج مع الولد فهل هو نفاس أم لا فيه وجهان أحدهما نعم وبه قال ابن القاص وأبو إسحق لانه خارج بسبب الولادة فصار كالخارج بعدها وأصحهما لا لما ذكرنا أنه لم يخرج عقيب الولادة وقول الاول يشكل بالبادى عند الطلق فان كلا من الاصحاب استبعد عده من النفاس ثم علي الوجه الثاني ما حكم ذلك]
[ ٢ / ٥٧٩ ]
[الدم حكى صاحب التهذيب فيه وجهين اشهرهما أنه كالخارج قبل الولادة لانها قبل انفصال كل الولد في حكم الحامل الا ترى أنه يجوز للزوج مراجعتها والثاني أنه كالخارج بين الولدين لخروج بعض الحمل فإذا قلنا أنه نفاس وجب به الغسل وإن لم تر بعد الولادة دما وقلنا لا غسل
على ذات الجفاف ويبطل صومها وعلي الوجه الثاني لا يجب الغسل به ولا يبطل صومها إذا لم تر بعد الولادة دما أو كان ما بعد الولادة بعد انقضاء النهار وتحصل من الخلاف المذكور في هذه المسائل وجوه في أن ابتداء مدة النفاس من أي وقت يحتسب أحدها يحسب من وقت الدم البادى عند الطلق الثاني من الدم الخارج مع ظهور الولد والثالث وهو الاظهر من وقت انفصال الولد وحكى إمام الحرمين وجها انها لو ولدت ولم تر الدم أياما ثم ظهر الدم فابتداء مدة النفاس من وقت خروج الدم يحسب لا من وقت الولادة فهذا وجه رابع وموضعه ما إذا كانت الايام المتخللة]
[ ٢ / ٥٨٠ ]
[دون أقل الطهر وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن قوله فلو كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين الي آخر المسألة تفريع علي قولنا أن الحامل تحيض ولذلك حسن في التصوير تسمية ما رأته حيضا وإلا فهو على القول الآخر ليس بحيض ثم جريان عادتها بما ذكرناه ليس بشرط بل مهما رأت دما في زمان الامكان وولدت قبل مضى خمسة عشر من وقت انقطاعه فهو صورة المسألة سواء كان ذلك الدم معتادا لها أم لا وليعلم قوله ولا في افساد الحيض بالواو لما سبق وقوله لان تخلل الولادة أعظم من طول المدة أي في التأثير وفصل أحد الدمين عن الآخر ولقوة تأثيرها قامت في العدة مقام المدة الطويلة وقوله في الصورة الاخرى وجعلناها حيضا أي إذا فرعنا علي أن ما تراه الحامل حيض ولك أن تقول لا حاجة الي هذا التقييد في الحكم الذى رتبه عليه لان الذى]
[ ٢ / ٥٨١ ]
[علي هذء الصورة انا لانعدها من النفاس ولا نقول هو نفاس سبق والامر كذلك وإن لم نجعل تلك الخمسة حيضا علي ما سبق بيانه وقوله ما يظهر من الدم في حال ظهور مخابل الطلق ينبغى أن يعلم أيضا بالواو للوجه الذى رويناه * قال [فاما الدم بين التوأمين فنفاس علي أصح الوجهين وقيل أنه كدم الحامل فان قلنا أنه نفاس فما بعد الثاني معه نفاسان على وجه ونفاس واحد علي وجه وقيل إن تمادى الاول ستين يوما فنفاسان والا فنفاس واحد] *
في الدم الذى تراه المرأة بين التوأمين وجهان أحدهما أنه ليس بنفاس لانه دم خرج قبل فراغ الرحم فأشبه دم الحامل والثاني ويحكي عن صاحب التلخيص أنه نفاس لانه خرج عقيب خروج]
[ ٢ / ٥٨٢ ]
[نفس وجعل صاحب الكتاب هذا الوجه اصح اقتداء بامام الحرمين لكن الاصح عن الشيخ أبى حامد وأصحابنا العراقيين انما هو الاول وتابعهم عليه صاحب التهذيب فان قلنا ليس بنفاس فقال الاكثرون إنه ينبنى علي دم الحامل ان جعلناه حيضا فهو أولي والا ففيه قولان والفرق أنها إذا وضعت احدى التوأمين كان استرخاء الدم قريبا بخلاف ما قبل الولادة فان فم الرحم منسد حينئذ وهذا هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال وقيل انه كدم الحامل وهو الوجه الثاني من قوله على أصح الوجهين وليعلم بالحاء والالف لان عندهما هو نفاس ويحكي مثل ذلك عن مالك وفى كلام بعض الاصحاب ما يقتضى كونه دم فساد وان قلنا الحامل تحيض كالدم الذى يظهر عند الطلق واما إذا فرعنا على انه نفاس فهل يعد الثاني معه نفاس واحد أو نفاسان فيه وجهان اظهرهما نفاسان لانفصال كل واحدة]
[ ٢ / ٥٨٣ ]
[من الولادتين عن الاخرى فعلي وعلي هذا لا يبالى بمجاوزة الدم الستين من الولادة الاولي والثاني هما نفاس واحد لانهما في حكم الولد الواحد ألا ترى ان العدة لا تنقضي بوضع احدهما فعلي هذا إذا زاد الدم علي ستين من الولادة الاولى فهي مستحاضة واختلفوا في موضع الوجهين قال الصيدلاني موضعهما ما إذا كانت المدة المتخللة بين الدمين دون الستين أما لو بلغت الستين فهو نفاس آخر لا محالة وهذا ما أشار إليه بقوله وقيل ان تمادى الاول ستين يوما إلى آخره: وعن الشيخ أبى محمد انه لا فرق وإذا ولدت الثاني بعد الستين وفرعنا علي اتحاد النفاس فما بعده استحاضة ولو سقط عضو من الولد والباقى مجبن ورأت في تلك الحالة دما فهل هو نفاس ذكر في التتمة أنه علي الوجهين في الدم الخارج بين الولدين والله اعلم: هذا إذا لم يجاوز دم النفساء الستين *]
[ ٢ / ٥٨٤ ]
[قال [أما المستحاضات في النفاس فهن أربع الاولى المعتادة فترد الي عادتها من الاربعين مثلا
ثم بحكم بالطهر بعد الاربعين علي قدر عادتها ثم تبتدئ حيضها ولو ولدت مرارا وهى ذات جفاف ثم ولدت واستحيضت فهى كالمبتدأة وعدم النفاس لا يثبت لها عادة كما انها لو حاضت خمسة وطهرت سنة وهكذ مرار ثم استحيضت فلا نقيم الدور سنة بل أقصى ما يرتقى الدور إليه تسعون يوما وهى ما تنقضي به عده الآية فما فوقه لا تؤثر العادة فيه *] إذا جاوز الدم الستين فقد دخلت الاستحاضة في النفاس وطريق التمييز بينهما ما تقدم في الحيض: هذا ظاهر المذهب وعليه يبنى تقسيم حالها إلى المعتادة والمبتدأة كما ذكر في الكتاب وفيه وجهان آخران أحدهما ان جميع الستين نفاس والزائد عليه استحاضة بخلاف ما في الحيض لان]
[ ٢ / ٥٨٥ ]
[الحيض محكوم به ظاهرا لا قطعا فجاز أن ينتقل عنه ألى ظاهر آخر والنفاس مقطوع به إذ الولادة معلومة والنفاس هو الخارج بعد الولادة فلا ينتقل عنه الي غيره الا بيقين وهو مجاوزة الاكثر وعلى هذا يجعل الزائد استحاضة الي تمام طهرها المعتاد أو المردود إليه في المبتدأة ثم ما بعده حيض والوجه الثاني أن الستين نفاس والذى بعده حيض علي الاتصال به لانهما دمان مختلفان فيجوز أن يتعقب كل واحد منهما الآخر وأطبق الجمهور على ضعف هذين الوجهين وقالوا ننظر ان كانت معتادة ذاكرة لعادتها مثل ان كانت تنفس فيما سبق أربعين ثم ولدت مرة وجاوز دمها الستين فترد إلى الاربعين كما ترد في الحيض إلى عادتها ثم لها في الحيض حالتان ذكر أولهما في الكتاب دون الثانية الاولى أن تكون معتادة في الحيض أيضا فنحكم لها بالطهر بعد الاربعين على]
[ ٢ / ٥٨٦ ]
[قدر عادتها في الطهر ثم تحيض قدر عادتها في الحيض والثانية أن تكون مبتدأة في الحيض فنجعل القدر الذى إليه ترد المبتدأة في الطهر استحاضة والذى ترد إليه في الحيض حيضا والخلاف المذكور فيما تثبت به العادة وفى أنه إذا اجتمعت العادة والتمييز أيهما يقدم يجرى ههنا كما في الحيض ولو ولدت المرأة مرارا وهي ذات جفاف ثم ولدت مرة ونفست واستحيضت فلا نقول عدم النفاس عادة لها وانما هي مبتدأة في النفاس كالتى لم تلد أصلا وسنذكر حكم المبتدأة وشبه صاحب الكتاب هذه
المسألة بمسألة في الحيض وهى أن المعتادة في الحيض لو كانت تحيض خمسة وتطهر سنة أو سنتين واستمر بها ذلك ثم انها استحيضت فهل نجعل المدة الطويلة طهرا لها قال القفال لا: إذ يبعد أن لا نحكم بحيضها سنة أو سنتين والحد الفاصل بين ما يكون طهرا بين حيضتين ويثبت عادة وبين مالا يكون كذلك تسعون يوما خمسة عشر فما دونها حيض والباقى طهر لان عدة الآيسة تنقضي بهذا القدر والعدة وجبت لبراءة الرحم والدور الواحد مظنة البراءة بدليل الاستبراء فلو تصور أن]
[ ٢ / ٥٨٧ ]
[يزيد الدور علي هذا القدر لما اكتفى به وهذا هو الذى أورده في الكتاب وعلي هذا لو زاد الطهر المتقدم على الاستحاضة علي القدر المذكور نظر فيما قبل ذلك ان كان لها طهر علي الحد المعتبر جعل طهرها بعد الاستحاضة ذلك القدر والا فحكمها في الطهر حكم المبتدأة ووجه تشبيه مسألة النفاس بهذه المسألة انا لا نجعل عدم الحيض في المدة الطويلة عادة لها فكذلك عدم النفاس لا يصير]
[ ٢ / ٥٨٨ ]
[عادة والذى يوافق اطلاق أكثر الاصحاب الرد الي عادتها في الطهر طالت المدة أو قصرت وقد نص عليه الشيخ أبو حامد والمقتدون به ويدل عليه ظاهر خبر المعتادة التي استفت لها أم سلمة كما سبق فانه مطلق فوجب اعلام قوله فلا نقيم الدور سنة بالواو لهذا المعنى * قال [الثانية المبتدأة إذا استحيضت ترد الي لحظة علي قول والي أربعين علي قول: الثالثة]
[ ٢ / ٥٨٩ ]
[المميزة فحكمها حكم الحائض في شرط التمييز الا أن الستين ههنا بمثابة خمسة عشر ثم لا ينبغى أن يزيد الدم القوى عليه] * إذا استحيضت في النفاس وهى مبتدأة فننظر هل هي مميزة بشرط التمييز ام لا فان لم تكن ففيها قولان أصحهما الرد الي الاقل وهو لحظة والثانى الرد الي الغالب وهو أربعون يوما وفى المسألة]
[ ٢ / ٥٩٠ ]
[طريقة أخرى عن ابن سريج وأبي اسحق وهى الجزم بالرد الي الاقل والمشهور اثبات القولين
كما في الحيض وهو الذى ذكره في الكتاب وحكي في العدة قولا ثالثا وهو الرد الي أكثر النفاس ونقله قولان عن الشافعي غريب نعم هو مشهور بالمزنى وينبغي أن يعلم قوله إلى لحظة والي الاربعين كلاهما بالزاى لذلك ثم منهم من خصص ذهابه إليه بالمبتدأة ومنهم من طرد في المعتادة أيضا وحينئذ يكون مذهبه مثل الوجه الاول من الوجهين اللذين حكيناهما في المعتادة علي خلاف]
[ ٢ / ٥٩١ ]
[ظاهر المذهب ثم ننظر في حال هذه النفساء ان كانت معتادة في الحيض حيث تعد مرد النفاس قدر طهرها استحاضة ثم تبتدئ الحيض على عادتها وان كانت مبتدأة في الحيض أيضا أقمنا لها الهطر والحيض كما يقتضيه حال المبتدأة وأما إذا كانت مميزة بشرط التمييز فترد الي التمييز كما في الحيض وقوله في الكتاب فحكمها حكم الحائض في شرط التمييز غير مجرى على اطلاقه لانا نعتبر]
[ ٢ / ٥٩٢ ]
[في الحيض ثلاثة أمور أن لا ينقص القوى عن يوم وليلة وأن لا يزيد علي خمسة عشر وأن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر والذى يعتبر من ذلك ههنا أن لا يزيد القوى على أكثر النفاس وهو ستون يوما وهى بمثابة الخمسة عشر في الحيض أما في طرف القلة فلا ضبط وكذلك لا يعتبر للضعيف حد معين *]
[ ٢ / ٥٩٣ ]
[قال [الرابعة المتحيرة إذا نسيت عادتها في النفاس ففي قول ترد إلى الاحتياط وعلى قول الي المبتدأة والرد ههنا الي المبتدأة اولى لان أول وقتها معلوم بالولادة] * في الناسية لعادة نفاسها قولان كما في الناسية لعادة الحيض فعلي قول ترد الي ما ترد إليه المبتدأة وعلي قول تؤمر بالاحتياط وعلي هذا فلو كانت مبتدأة في الحيض وجب الاحتياط أبدا لان أول]
[ ٢ / ٥٩٤ ]
[حيضها لا يعلم وقد بينا ان المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء الدم كانت كالمتحيرة وان كانت معتادة في الحيض ناسية لعادتها فكذلك تستمر علي الاحتياط وان كانت ذاكرة لعادة الحيض فهذه
يلتبس عليها الدور لالتباس منفرض النفاس وهى بمثابة ناسية لوقت الحيض عارفة بقدره]
[ ٢ / ٥٩٥ ]
[وقد سبق القول فيها وقوله والرد ههنا الي المبتدأة أولى لا يقتضي ترجيح هذا القول علي قول الاحتياط بل المراد ان هذا القول اظهر منه في الحيض لان وقت النفاس معلوم بالولادة وتعيين اول الهلال للحيض تحكم على ان امام الحرمين رجح قول الرد إلى المبتدأة ههنا علي قول الاحتياط فيجوز ان يكون ما ذكره في الكتاب جريا علي موافقته وقوله المتحيرة إذا نسيت عادتها في اللفظ]
[ ٢ / ٥٩٦ ]
زيادة مستنغي عنها لانها لا تكون متحيرة الا إذا نسيت عادتها وقد تجعل المتحيرة مع الناسية اسمين مترادفين كما سبق فلو اقتصر علي قوله المتحيرة في النفاس لما ضر * قال [فرع إذا انقطع الدم علي النفساء عاد الخلاف في التلفيق ولو طهرت خمسة عشر يوما ثم عاد الدم فالعائد نفاس علي وجه لوقوعه في الستين وهو حيض (ح) علي وجه لتقدم طهر]
[ ٢ / ٥٩٧ ]
كامل عليه فان قلنا انه نفاس فعلي قول السحب مدة النقاء ايضا نفاس وقيل تستثني هذه الصورة ايضا علي قول السحب إذ يبعد تقدير مدة كاملة في الطهر حيضا وعليه يخرج اما إذا ولدت ولم تر الدم إلى خمسة عشر في ان الدم الواقع في الستين هل هو نفاس ام لا والله اعلم] *
[ ٢ / ٥٩٨ ]
[ما ذكرناه من أول الباب الي هذا الموضع فيما إذا كان الدم مستمرا لا ينقطع اما إذا انقطع دم النفساء فله حالتان أحداهما ان لا يجاوز الستين فننظر ان لم تبلغ مدة النقاء بين الدمين أقل الطهر كما لو رأت يوما دما ويوما نقاء فأزمنة الدم نفاس لامحاله وفى أزمنة النقاء القولان المذكوران في الحيض وان بلغ اقل الطهر كما لو رأت الدم اياما عقيب الولادة وطهرت خمسة عشر يوما فصاعدا ثم عاد الدم فالعائد حيض ام نفاس فيه]
[ ٢ / ٥٩٩ ]
[وجهان اصحبهما انه حيض لانه نقاء قبله دمان تخللهما طهر صحيح فلا يضر أحدهما إلى الآخر كدمي
الحيض ولانا لو جعلناه نفاسا لجعلنا الطهر الصحيح نفاسا ايضا تفريعا علي الصحيح وهو قول السحب ولا ضرورة بنا الي ذلك والثانى انه نفاس لوقوعه في زمان امكان النفاس كما لو كان المتخلل دون اقل الطهر وعلي هذا الخلاف يخرج ما إذا ولدت ولم تر الدم خمسة عشر فصاعدا ثم رأت الدم هل هو]
[ ٢ / ٦٠٠ ]
[حيض أو نفاس التفريع ان قلنا العائد حيض فلا نفاس لها في هذه الصورة الاخيرة اصلا ولو نقص العائد عن اقل الحيض ففيه وجهان اظهرهما انه دم فساد لان الطهر الكامل قطع حكم النفاس والثانى أنه نفاس لانه تعذر جعله حيضا وامكن جعله نفاس فيصار إليه وان جاوز العائد اكثر الحيض فهي مستحاضة فننظر اهى معتادة ام مبتدأة ونحكم بما يقتضيه الحال وان قلنا العائد نفاس فمدة النقاء على قولي التلفيق ان قلنا بالسحب فهو نفاس وان قلنا باللقط فهو طهر كما لو كانت المدة دون أقل الطهر هذا أشهر الطريقين ومنهم من قال هو طهر علي القولين وتستثنى هذه الصورة علي قول السحب إذ يبعد ان تجعل المدة الكاملة في الطهر نفاسا ولا نعطى لها حكم الطهر بخلاف ما إذا كانت المدة ناقصة فانها لا تصلح طهرا وحدها فيستعقبها الدم (الحالة الثانية) ايجاوز الستين فننظر ان بلغ زمان النقاء في الستين اقل الطهر ثم جاوز العائد]
[ ٢ / ٦٠١ ]
[فالعائد حيض ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في الحالة الاولي وبهذا تبين أن صاحب الكتاب اراد بكلامه المطلق الحالة الاولي وان لم يبلغ زمان النقاء اقل الطهر فننظر ان كانت مبتدأة مميزة ردت إلى التمييز وان لم تكن مميزة فعلي القولين السابقين في المبتدأة وان كانت معتادة ردت الي عادتها وفي الاحوال تراعي قضية قول التلفيق ان سحبنا فالدم في ايام المرد والنقاء بينهما نفاس وان لفقنا فنلفق في ايام الرد أو من جميع الستين فيه الخلاف المذكور في الحيض والله اعلم ولك أن تعلم قوله في الكتاب وهو حيض علي وجه بالحاء لان عند ابى حنيفة العائد نفاس]
[ ٢ / ٦٠٢ ]
[وان تعلم قوله فالعائد نفاس بالالف وقوله ايضا قبله وعاد الخلاف في التلفيق بالالف لان عند احمد الدم العائد مشكوك فيه تصوم وتصلي فيه وتقضى الصوم ولا يأتيها الزوج لانه يحتمل ان يكون نفاسا ويحتمل انه دم فساد ولا فرق عنده بين ان يبلغ مدة النقاء اقل الطهر وبين ان لا يبلغه والله اعلم *
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٣
فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٣
[ ٣ / ١٠٠١ ]
فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ..الجزء الثالث دار الفكر بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٣ / ١ ]
قال (كتاب الصلاة) (وفيه سبعة ابواب الباب الاول في المواقيت وفيه ثلاثة فصول) (الاول) في وقت الرفاهية: أما الظهر فيدخل وقته بالزوال وهو عبارة عن ظهور زيادة الظل لكل شخص في جانب المشرق ويتمادى وقت الاختيار إلى أن يصير ظل الشخص (م زح) مثله من موضع الزيادة
[ ٣ / ٢ ]
الكلام في الصلاة حواه في سبعة أبواب أو لها في المواقيت وصدر الشافعي كتاب الصلاة بهذا الباب لان أهم الصلوات الوظائف الخمس وأهم ما يعرف منها مواقيتها لانها بدخول الوقت تجب وبخروجه تفوت وفي الباب ثلاثة فصول أولها في وقت الرفاهية والثانى في وقت العذر وفي كلام الشافعي ﵁ أن الوقت وقتان وقت مقام ورفاهية ووقت عذر وضرورة قال الشارحون المقام الاقامة والرفاهية الفسحة والدعة يقال فلان رافه إذا كان حاضرا غير ظاعن وفلان في رفاهية من عيشه أي خفض ودعة واتفقوا علي ان الغرض بهما في كلامه شئ واحد وهو وقت المترفه الذى ليس به عذر ولا ضرورة وهو الوقت الاصلي للصلوات واختلفوا في العذر والضرورة فمنهم من قال وقت العذر غير وقت
[ ٣ / ٣ ]
الضرورة فالعذر ما يرخص في التقديم والتأخير من غير إلجاء إليه وهو السفر والمطر والضرورة ما تدفع وتلجي إليه وذلك في الصبي يبلغ والمجنون يفيق والكافر يسلم والحائص النفساء ينقطع
دمهما وعلى هذا قالوا الاوقات ثلاثة لكن الشافعي ﵁ جعلهما على قسمين وجعل وقتا في حيز ووقتين في حيز لما بينهما من التناسب ومنهم من قال العذر والضرورة واحد وأراد به وقت الصبى يبلغ ومن في معناه وإذا عرفت ذلك فاعلم أن صاحب الكتاب جعل الفصل الاول في وقت الرفاهية والثانى في وقت الضرورة وسماها وقت العذر كانه وافق الفرقة الصائرة الي أن
[ ٣ / ٤ ]
المراد بالعذر والضرورة واحدا فأما الفصل الاول فالاصل فيه ما روى عن ابن عباس ﵄ عن النبي عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال (أمنى جبريل عند باب البيت مرتين فصلي بي الظهر حين زالت الشمس) وروى حين كان الفي مثل الشراك (وصلي بين العصر حين كان كل شئ بقدر ظله وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلي بى العشاء حين غاب الشفق وصلي بي الفجر حين حرم
[ ٣ / ٥ ]
الطعام والشراب علي الصائم فلما كان الغد صلي به الظهر حين كان كل شئ بقدر ظله وصلى بى العصر حين صار ظل كل شى مثليه وصلي بي المغرب للغدر الاول لم يؤخرها وصلي بي العشاء حين ذهب ثلث الليل وصلى بى الفجر حين اسفر ثم التفت فقال يا محمد هذا وقت الانبياء من قبلك
[ ٣ / ٦ ]
والوقت فيما بين هذين الوقتين) ويروى مثل ذلك عن ابن عمر ﵄ وأبي هريرة وأبي موسى وجابر وأنس وغيرهم ﵃ ولهذا الحديث بدأ الائمة بصلاة الظهر ووقتها يدخل بالزوال وبيانه ان الشمس إذا طلعت وقع ظل كل شاخص في جانب المغرب طويلا ثم مادامت الشمس ترتفع فالظل ينقض حتي إذا بلغت كبد السماء وهى حالة الاستواء انتهي نقصانه وقد لا يبقى له ظل أصلا وذلك في بعض البلاد كمكة وصنعاء اليمن في أطوال أيام السنة وإذا بقي فهو مختلف المقدار باختلاف البلاد والفصول ثم إذا مالت الشمس إلى جانب المغرب فان لم يبق ظل عند الاستواء حدث الان في جانب المشرق وان بقى شئ زاد الان وتحول الي المشرق فحدوثه أو زيادته هو الزوال ثم إذا صار ظل الشخاص مثله من اصل الشاخص ان لم يبق شئ من الظل عند الاستواء أو من نهاية القدر الباقي في
[ ٣ / ٧ ]
حالة الاستواء أن بقى شئ فقد خرج وقت الظهر وقوله في الكتاب وهو عبارة عن ظهور زيادة الظل يريد به أغلب الاحوال وهو بقاء الظل في حالة الاستواء وان قل فأما إذا لم يبق شئ عند الاستواء فالزوال بظهور الظل ولا معنى للزيادة لكنه نادر لا يكون الا في يوم واحد من السنة في بعض البلدان وقوله ويتامدى وقت الاختيار الي أن يصير ظل الشخص مثله من موضع الزيادة جار على الغالب أيضا كما بيناه فإذا كان الشاخص ذراعين مثلا والباقى من ظله عند الاستواء ربع ذراع فانما يخرج الوقت إذا صار الظل ذراعين وربع ذراع وأراد بوقت الاختيار ما اشتمل عليه بيان جبريل ﵇ بعد وقت الفضيلة الا تراه يقول في وقت العصر ووقت الفضيلة في الاول وبعده وقت الاختيار وفسر بعضهم وقت الاختيار بما يشتمل عليه بيان جبريل من غير التقييد
[ ٣ / ٨ ]
بكونه بعد وقت الفضيلة وعلي هذا فوقت الاختيار ينقسم إلى وقت الفضيلة والي ما بعده وليكن قوله الي ان يصير ظل الشيخ مثله معلما بالحاء لان عند ابي حنيفة يبقى وقت الظهر الي ان يصير
[ ٣ / ٩ ]
ظل الشئ مثليه ثم يدخل وقت العصر وبالميم أيضا لان عند مالك يبقي وقت الظهر الي أن يصير ظل الشئ مثليه ولكن إذا صار ظل الشئ مثليه دخل وقت العصر ومن مصير الظل مثل الي
[ ٣ / ١٠ ]
مصيره مثليه وقت لكل واحدة من الصلاتين هكذا روى مذهبه طائفة من أصحابنا وروى آخرون أنه قال يدخل وقت العصر بمصير الظل مثله ولا يخرج وقت الظهر حتي يمضي قدر اربع ركعات
[ ٣ / ١١ ]
وهذا القدر هو المشترك بين الصلاتين ويروى هذا عن المزني أيضا فلنضف الزاى الي الحاء والميم قال (وبه يدخل وقت العصر (ح ز) ويتمادى (م) إلى غروب المشس: ووقت الفضيلة
[ ٣ / ١٢ ]
في الاول وما بعده: ووقت الاختيار إلى مصير الظل مثليه: وبعده وقت الجواز الي االاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار)
[ ٣ / ١٣ ]
إذا صار ظل الشئ مثله فقد دخل وقت العصر لما روينا من حديث ابن عباس وقد يوهم الخبر اشتراكا بين الظهر والعصر في قدر من الوقت كما حكيناه عن مالك لانه قال صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثله وصلى العصر في اليوم الاول حين صار ظل الشئ مثله واوله الشافعي علي أنه ابتدأ العصر في اليوم الاول حين صار ظل الشئ مثله وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشئ مثله ودليل التأويل ما روى
[ ٣ / ١٤ ]
عن ابن عمر ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر) ثم يمتد وقت
[ ٣ / ١٥ ]
العصر إلى غروب الشمس لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
[ ٣ / ١٦ ]
العصر) وفيه وجه آخر واليه ذهب أبو سعيد الاصطخرى أنه لا يمتد إلى غروب الشمس بل آخر وقت العصر إذا صار ظل الشئ مثليه لانه لو زاد عليه لبينه جبريل ﵇ وعلى ظاهر المذهب وقت الاختيار الي مصير الظل مثليه وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى اصفرار الشمس ومن اصفرار
[ ٣ / ١٧ ]
الشمس الي الغروب وقت الكراهية ومعناه أنه يكره تأخيرها إليه روي عن النبي ﷺ قال (تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا) واما ما يتعلق بالفاظ الكتاب فقوله وبه يدخل وقت العصر ينبغي
[ ٣ / ١٨ ]
أن يعلم بالحاء لما قدمناه وقوله ويمتد الي غروب الشمس بالواو للوجه المنسوب الي الاصطخرى فان قلت
قال الشافعي في المختصر (ثم لا يزال وقت الظهر قائما حتى يصير ظل كل شئ مثله فإذا جاوز ذلك باقل زيادة فقد دخل وقت العصر) ظاهر هذا يقتضي اعتبار زيادة علي مصير الظل مثله ليدخل وقت العصر وذلك ينافى قوله وبه يدخل وقت العصر ظاهر وهل في ذلك اختلاف قول أو وجه أم كيف الحال فالجواب انه لا خلاف في دخول وقت العصر حين يخرج وقت الظهر عندنا وكلام الشافعي محمول على أن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف الا بزيادة الظل علي المثل والا فتلك الزيادة من وقت العصر وقوله ووقت الفضيلة في الاول لا يختص به العصر بل وقت فضيلة جميع الصلوات أول اوقاتها علي ما سيأتي لكن اجتماع الاوقات الاربعة الفضيلة والاختيار والجواز والكراهية من خاصية العصر والصبح وما عداهما إما ذات وقتين الفضيلة والاختيار كالظهر واما ذات ثلاث اوقات الفضيلة والاختيار والجواز كالعشاء والعصر أول الصلاتين المخصوصتين بالاوقات الاربعة
[ ٣ / ١٩ ]
في الترتيب المذكور فهذا هو الداعي إلى تقسين وقت العصر الي الفضيلة وغيرها قال (وقلت المغرب يدخل بغروب الشمس ويمتد (م) إلى غروب الشفق في قول وعلي قول إذا مضى بعد الغروب وقت وضوء وأذان واقامة وقدر خمس (و) ركعات فقد انتقضي (ح) الوقت لان جبريل ﵇ صلاها في اليومين في وقت واحد وعلي هذا فلو شرع في الصلاة فمد آخر الصلاة إلى وقت غروب الشفق ففيه وجهان) * لا خلاف في أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس والاعتبار بسقوط قرصها وهو
[ ٣ / ٢٠ ]
ظاهر في الصحارى واما العمران وقلل الجبال فالاعتبار بان لا يرى من شعاعها شئ علي أطراف الجدران وقلل الجبال ويقبل الظلام من المشرق روي أنه صلي الله عليه وسلم قال (إذا أقبل الظلام من هاهنا) واشار إلى المشرق (وادبر النهار إلى من ههنا) واشار إلى المغرب (فقد افطر الصائم) والى متي يمتد وقت المغرب فيه قولان القديم أنه يدوم وقتها إلى غيبوبة الشفق لما روى
[ ٣ / ٢١ ]
عن بريدة أن رجلا سأل النبي صلي الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال (صل معنا هذين) يعني اليومين إلى أن قال (وصلي بى المغرب في اليومين الثاني قبل أن يغيب الشفق) وروى في الصحيح أن
[ ٣ / ٢٢ ]
النبي صلي الله عليه وسلم قال (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) ويعبر عن هذا القول بان للمغرب وقتين كسائر الصلوات وفي الجديد إذا مضى قدر وضوء وستر عورة واذان واقامة وخمس ركعات فقد انقضى الوقت لان جبريل ﵇ صلاها في اليومين في وقت واحد ولو كان لها وفتان لبين كما في سائر الصلوات ثم معلوم أن ما لابد منه من شرائط الصلاة لا يجب تقديمه على الوقت فيحتمل التأخير بعد الغروب قدر ما يشتغل بها والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل ويحتمل أيضا اكل
[ ٣ / ٢٣ ]
لقم يكسر بها سورة الجوع وفي وجه ما يمكن تقديمه علي الوقت كالطهارة وستر العورة يحط عن الاعتبار وفي وجه لا يعتبر خمس ركعات وانما يعتبر ثلاث ركعات ويعبر عن هذا القول بان للمغرب وقتا واحدا يعتبر تقديره بالفعل وعلي هذا القول لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز
[ ٣ / ٢٤ ]
أن يستديم صلاته الي أن ينقضى هذا الوقت ان قلنا أن الصلاة التى وقع بضعها في الوقت وبعضها بعد الوقت اداء وانه يجوز تأخيرها الي أن يخرج عن الوقت بعضها فله ذلك لا محالة وان قلنا لا يجوز
[ ٣ / ٢٥ ]
ذلك في الصائر الصلوات ففى المغرب وجهان أحدهما المنع كسائر الصلوات وأصحهما أن يجوز مدها الي غروب الشفق لما روى أنه ﷺ (قرأ سورة الاعراف في المغرب) فظاهر المذهب القول الجديد واختار طائفة من الاصحاب القول الاول ورجحوه وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على
[ ٣ / ٢٦ ]
القديم وإذا عرفت ذلك فعد الي الفاظ الكتاب وعلم قوله ويمتد إلى غروب الشفق بالميم لان مذهب مالك مثل القول الجديد في أظهر الروايتين وقوله فقد انقضى الوقت بالحاء والالف لان مذهبهما مثل
القول القديم ولفظ الوضوء بالواو وكذا قوله وقدر خمس ركعات لما حكينا من الوجهين وادعى القاضي الروياني أن المذهب اعتبار الثلاث دون الخمس وقوله وعلي هذا فلو مد آخر الصلاة الي غروب الشفق فوجهان فيه اشارة إلى أن الوجهين مبنيان علي قولنا ان في سائر الصلوات لا يجوز الاتيان بها بحيث يقع بعضها بعد الوقت لا ما إذا جوزنا ذلك فلا اختصاص للامتداد بغروب الشفق مهما كان الشروع في الوقت المضبوط * قال (ووقت العشاء يدخل بغيبوبة الشفق وهو الحمرة (ح) التى تلى الشمس دون البياض والصفرة ثم يمتد وقت الاختيار الي ثلث الليل على قول وإلى النصف علي قول ووقت الجواز الي طلوع الفجر (و» * إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء لما روينا من خبر جبريل ﵇ والشفق هو الحمرة وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة والمزني حيث قالا هو البياض الذى يعقب الحمرة ويروى عن احمد أن الاعتبار في الصحراء بالحمرة وفي البنيان بالبياض لنا ما روى عن ابن عمر رضى الله
[ ٣ / ٢٧ ]
عنهما عن النبي صلى أنه قال (الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة) والي متى يمتد وقت الاختيار فيه قولان أصحهما الي ثلث الليل لبيان جبريل ﵇ والثانى الي نصف
[ ٣ / ٢٨ ]
الليل وبه قال أبو حنيفة لقوله ﷺ (لولا أن أشق علي أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة ولاخرت العشاء الي نصف الليل) وعن أحمد روايتان كالقولين ثم يستمر وقت الجواز الي طلوع الفجر الثاني وفيه وجه آخر انه إذا ذهب وقت الاختيار علي اختلاف القولين فقد ذهب وقت الجواز أيضا أما علي قول الثلث فلحديث جبريل ﵇ حيث قال (الوقت ما بين هذين
[ ٣ / ٢٩ ]
الوقتين وأما على قول النصف فلما روى أنه ﷺ قال (وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل) والي هذا الوجه ذهب الاصطخرى وكذلك أبو بكر الفارسي فيما حكي المعلق
[ ٣ / ٣٠ ]
عن الشيخ أبي محمد والمذهب الاول واحتجوا له بما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشى أحدكم الصبح فليوتر بركعة) وبما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (ليس التفريط في النوم وانما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى) ظاهره يقتضي امتداد وقت وانما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى) ظاهره يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الاخرى ولا يخفى عليك مما ذكرناه المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب وان قوله ووقت الجواز إلى طلوع الفجر المراد منه الفجر الثاني وقوله في تفسير الشفق دون البياض والصفرة لا كلام في أن البياض خارج عن تفسير الشفق عندنا وانه لا يعتبر غروبه وأما الصفرة فقد ذكر امام الحرمين في النهاية أن أول وقت العشاء يدخل بزوال الحمرة والصفرة والشمس إذا غربت تعقبها حمرة ترق إلى تنقلب صفرة ثم يبقى بياض قال وبين غيبوبة
[ ٣ / ٣١ ]
الشمس الي زوال الصفرة ما بين الصادق الي طلوع قرن الشمس وبين زوال الصفرة إلى انمحاق البياض يقرب مما بين الصبح الصادق والكاذب ونقل صاحب الكتاب في البسيط هذا الكتاب لكن الذى يوافق اطلاق المعظم ما ذكرناه في هذا الموضع وهو الاكتفاء بغيبوبة الحمرة ولفظ الشافعي ﵁ دال عليه ألا تراه يقول في المختصر وإذا غاب الشفق وهو الحمرة فهو أول وقت العشاء ثم غروب الشفق ظاهر في معظم النواحي أما الساكنون بناحية تقصر لياليهم ولا يغيب عنهم الشفق فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلدان إليهم ذكره القاضى حسين في فتاويه
[ ٣ / ٣٢ ]
قال (ووقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الصادق المستطير ضوءه لا بالفجر الكاذب الذى يبدو مستطيلا كذنب السرحان ثم ينمحق أثره ثم يتمادى وقت الاختيار إلى الاسفار ووقت الجواز الي الطلوع) *
يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر الصادق ولا عبرة بالفجر الكاذب والصادق هو المستطير الذى لا يزال ضوء يزداد ويعترض في الافق سمى سمتطيرا لانتشاره قال الله تعالي (كان شره مستطيرا) والكاذب يبدون مستطيلا ذاهبا في السماء ثم يمنحق وتصير الدنيا أظلم مما كانت والعرب تشبهه بذنب السرحان لمعنيين أحدهما طوله والثانى أن الضوء يكون في الاعلى دون الاسفل
[ ٣ / ٣٣ ]
كما أن الشعر يكثر علي أعلى ذنب الذئب دون أسفله روى انه صلي الله عليه وسلم قال (لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير) ويتمادى وقت الاختيار إلى الاسفار لحديث جبريل ﵇ وهل يزيد الوقت عليه قال أبو سعيد الاصطخرى لا والمذهب انه يبقي وقت الجواز الي طلوع الشمس لقوله صلي الله عليه وسلم (ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) ثم من الاسفار الي طلوع الحمرة جواز بلا كراهية ووقت طلوع الحمرة وقت الكراهية فيكره تأخير الصلاة إليها من غير عذر ذكره الشيخ أبو محمد وكذلك أورده في التهذيب فيحصل للصبح أربعة أوقات كما للعصر وقوله ووقت الجواز إلى الطلوع ان كان المراد منه ما تشترك فيه حالة الكراهية وحالة عدمها فلا مخالفة بينه وبين ما حكيناه ولكنه خص
[ ٣ / ٣٤ ]
اسم الجواز بما لا كراهة معه في فصل العصر الا تراه يقول وبعده وقت الجواز الي الاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار فيشبه أن يريد بالجواز ههنا مثل ذلك أيضا وحينئذ يكون ما ذكره مخالفا لما حكيناه والله أعلم * قال (ثم يقدم (وح) أذان هذه الصلاة علي الوقت في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف بنصف سبع وقيل يدخل وقت أذانها بخروج وقت اختيار العشاء ثم ليكن للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والاخر بعده)
[ ٣ / ٣٥ ]
صلاة الصبح تختص في حكم الاذان بأمور ذكر منها ههنا شيئين احدهما أنه
يجوز تقديم أذانها علي دخول الوقت خلافا لابي حنيفة لنا ما روى عن ابن عمر رضى الله
[ ٣ / ٣٦ ]
عنهما أن رسول الله ﷺ قال (ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم) والمعني فيه ايقاظ النوام فان الوقت وقت النوم والغفلة ليتأهبوا للصلاة وقال الشيخ يحيى اليميني في البيان ذكر بعض أصحابنا انه إذا جرت عادة أهل بلد بالاذان بعد طلوع الفجر
[ ٣ / ٣٧ ]
لم يقدم فيها الاذان علي الوقت كيلا يشتبه عليهم الامر وهذا التفصيل غريب وليكن قوله ثم يقدم معلما بالواو مع الحاء لذلك ثم في القدر الذى يجوز به التقديم وجوه ذكر منها في الكتاب وجهين احدهما انه يقدم في الشتاء لسبع بقى من الليل وفى الصيف لنصف سبع بقى من الليل روى عن سعد القرظي
[ ٣ / ٣٨ ]
قال (كان الاذان على عهد رسول لله صلي الله عليه وسلم في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع) وهذا القدر لا يعتبر تحديدا وانما يعتبر تقريبا والغرض ان يتأهب الغافلون لاسباب الصلاة وفي التنبيه قريبا من السحر ما يحصل هذا المقصود والثانى أنه إذا خرج وقت اختيار العشاء إما الثلث وإما النصف علي اختلاف القولين فقد دخل وقت أذان الصبح لانه لا يخاف اشتباه احد الاذانين بالاخر فان الظاهر ان العشاء لا تؤخر عن وقت الاختيار والوجه الثالث أن وقته النصف الاخير من الليل ولا يجوز قبل ذلك وان قلنا ان وقت اختيار العشاء لا يجاوز ثلث الليل وشبه ذلك بالدفع
[ ٣ / ٣٩ ]
من المزدلفة والمعني فيه ذهاب معظم الليل والرابع حكاه القاضي ابو القاسم بن كج وآخرون أن جميع الليل وقت له كما انه وقت لنية صوم الغد * واحتج له باطلاق قوله صلي الله عليه وسلم (أن بلا لا يؤذن بليل) وأظهر الوجوه انما هو الاول ولم يفصل في التهذيب بين الصيف والشتاء واعتبر السبع علي الاطلاق تقريبا وكل هذا في الاذان أما الاقامة فلا تقدم علي الوقت بلا خلاف وهذا الفصل ليس من أحكام الاذان الا أن الشافعي ﵁ ذكره في هذا الموضع لتعلقه بالمواقيت وتأسى به الاصحاب (الثاني)
يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والاخر بعده كما كان لمسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم والاول أولي بالاقامة وان لم يكن الا مؤذن واحد فيؤذن مرتين مرة قبل الصبح وأخرى بعده ويجوز أن يقتصر على مرة واحدة اما قبل الصبح أو بعده أو بعض الكايات قبل الصبح وبعضها بعده فإذا اقتصر علي مرة فالاولي أن تكون بعد الصبح علي المعهود في سائر الصلوات * قال (قاعدة: تجب الصلاة بأول (ح) الوقت وجوبا موسعا (ح) فلو مات في وسط الوقت قبل الاداء عصى على أحد الوجهين ولو أخر حتى خرج بعض الصلاة عن الوقت ففى كونه أداء ثلاثة أوجه وفي الثالث يجعل القدر الخارج قضاء (ح)
[ ٣ / ٤٠ ]
الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا ومعنى كونه موسعا أنه له أن يؤخرها الي آخر الوقت ولا يأثم: وعند أبى حنيفة تجب بآخر الوقت لكن لو صلي في أول الوقت سقطا لفرض * لنا قوله تعالي (أقم الصلاة لدلوك الشمس) والامر للوجوب ولو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت فهل يعصي فيه وجهان أحدهما نعم لانه ترك الواجب وأصحهما لا لانه أبيح له التأخير بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب فمات بعد امكان الاداء يعصي لان آخر الوقت غير معلوم وأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت فإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره وتوانيه وفي الصلاة آخر الوقت معلوم فلا ينسب الي التقصير ما لم يؤخر عن الوقت ولو وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها بعد خروج الوقت فقد حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه ولم يفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة أو دونها (أحدها) أن الكل أداء اعتبارا بأول الصلاة (والثاني) أن الكل قضاء اعتبارا بالاخر فانه وقت سقوط الفرض بما فعل (والثالث) أن الواقع في الوقت أداء وفي الخارج قضاء كما انه لو وقع الكل في الوقت كان أداء وإذا وقع خارجه كان قضاء والذى ذكره معظم لاصحاب الفرق بين ان يكون الواقع في الوقت ركعة فصاعدا أو دونها واقتصروا على وجهين أصحهما انه ان وقع في الوقت ركعة فالكل أداء والا فالكل قضاء وبه قال ابن خيران لقوله صلي الله عليه وسلم
[ ٣ / ٤١ ]
(من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) وأيضا فان للركعة من التأثير ما ليس لغيرها الا يرى انه تدرك الجمعه بركعة ولا تدرك بما دونها والوجه الثاني ان ما وقع في الوفت اداء والخارج عنه قضاء وأورد امام الحرمين الاوجه الثلاثة المذكورة في الكتاب ولكن بعد الفرض في الركعة ثم قال ان الائمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت وكان شيخي يرد ذلك الي تفصيل المذهب فيما يدرك به أصحاب الضرورات الفرض قال والذى ذكره غير بعيد وإذا عرفت ذلك فان كان صاحب الكتاب أراد بالبعض الذي أطلقه الركعة فذلك والا فهو جرى علي المنقول
[ ٣ / ٤٢ ]
عن الشيخ أبى محمد * ثم فيما يدرك به أصحاب الضزوزة الفرض قولان أحدهما ركعة والثانى تكبيرة فرض الخلاف في مطلق البعض تكون جوتبا علي هذا القول الثاني وليكن قوله يجعل القدر الخارج قضاء معلما بالالف لان القاضي الرويانى روى ان عند احمد إذا وقعت ركعة من الصلاة في الوقت فالكل أداء كما هو الصحيح عندنا ولا بأس باعلامه بالحاء لان عند أبى حنيفة لو طلعت الشمس في خلال صلاة الصبح بطلت ولا يعتد بها لا قضاء ولا أداء وسلم انه لو غربت الشمس في خلال الصلاة من
[ ٣ / ٤٣ ]
عصر يومه لا تبطل الصلاة لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن بطلع الشمس فليتم صلاته) ومتى قلنا الخارج عن الوقت قضاء أو قلنا الكل قضاء لم يجز للمسافر قصر تلك الصلاة علي قولنا إن القصر لا مدخل له في القضاء وهل يجوز بأخير الصلاة الي حد يخرج بعضه عن الوقت ان قلنا انها مقضنة أو ان بعضها مقضى فلا وان قلنا مؤداة فقد حكي امام الحرمين عن أبيه تريد الجواب في لا لك ومال الي انه لا يجوز وهذا هو الذى أروده في التهذيب من غير ترديد وبناء على خلاف ولو شرع فيها وقد بقي من الوقت ما يسمع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت لم يأثم ولا يكره أيضا في أظهر الوجهين
[ ٣ / ٤٤ ]
قال (ثم تعجيل الصلاة أفضل (ح) عندنا وفضيلة الاولية بأن تشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت وقليل تتمادى الفضيلة إلى نصف وقت الاختيار ويستحب تأخير العشاء علي أحد القولين ويستحت الابراد بالظهر في شدة الحر إلى وقوع الظل الذى يمشى فيه الساعي الي الجماعة وفى الابراد بالجمعة وجهان اشدة الخطر في فواتها)
[ ٣ / ٤٥ ]
روى عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال (أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله قال الشافعي رضى الله انما يكون للمحسنين والعفو يشبه
[ ٣ / ٤٦ ]
أن يكون للمقصرين وروى ان النبي صلى الله عليه وإله وسلم قال (أفضل الاعمال الصلاة لاول وقتها) (وبم تحصل فضيلة الاولية حكى الامام فيه ثلاثة أوجه أقربها عنده وهو الذى ذكره صاحب التقريب انها تحصل بأن يشتغل باسباب الصلاة كالطهارة كما دخل الوقت فانه لا يعد حينئذ متوانيا ولا مؤخرا والثاني يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت لان معظم الوقت باق ما لم يمض النصف فيكون موقعا للصلاة في حد الاول والى هذا مال الشيخ أو محمد واعتبر نصف وقت الاختيار
[ ٣ / ٤٩ ]
والثالث لا تحصل الفضيلة الا إذا قدم ما يمكن تقديمه من الاسباب لينطبق الوقت علي أول دخول الوقت وعلي هذا قيل لا ينال المتيمم فضيلة الاولية وعلي الاول لا يشترط تقديم ستر العورة كالطهارة وعن الشيخ أبي محمد اشتراطه لان ستر العورة لا تختص بالصلاة والشغل الخفيف كاكل لقم وكلام قصير لا يمنع ادراك الفضيلة ولا يكلف العجلة علي خلاف العادة) ولنتكلم في الصلاة واحدة واحدة أما الظهر فيستحب فيها التعجيل الا إذا اشتد الحر وظاهر المذهب أنه
[ ٣ / ٥٠ ]
يستحب الابراد به لقوله صلي الله عليه وسلم (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحر
من فيح جهنم) ومن الاصحاب من قال الابراد رخصة فلو تحمل القوم المشقة وصلوا في أول الوقت فهو افضل والاول المذهب ثم الابراد المحبوب أن يؤخر اقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد الذى يأتيه الناس من بعد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة فلا ينبغى أن
[ ٣ / ٥١ ]
يؤخر عن النصف الاول من الوقت ولو كانت منازل القوم قريبة من المسجد أو حضر جمع في موضع ولا يأتيهم غيرهم فلا يبردون بالظهر وفيه قول آخر أنهم يبردون بها ولو امكنهم المشى إلى المسجد في كن أو في ظل أو كان يصلى منفردا في بيته فلا ابراد ايضا وفي وجه يستحب الابراد فمن قال بالابراد في هذه الصور احتج باطلاق الخبر ومن منع قال المعنى المقتضى للابراد دفع المشقة والتأذى بسبب الحر وليس في هذه الصور كبير مشقة وهذا هو الاظهر وهل يختص الاستحباب
[ ٣ / ٥٢ ]
بالبلاد الحارة أم لا: فيه وجهان منهم من قال لا وبه قال الشيخ أبو محمد لان التأذى في اشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضا وهذا بخلاف النهي عن استعمال المشمس يختص بالبلاد الحارة علي الظاهر لان المحذور الظنى لا يتوقع مما يشمس في البلاد المعتدلة ومنهم من قال باختصاصه بالبلاد الحارة وبه قال الشيخ أبو علي لان الامر هين في غيرها وهذا اظهر وحكاه القاضي ابن كج عن نص الشافعي ﵁ وهل يلحق صلاة الجمعة بالظهر في الابراد: فيه وجهان احدهما
[ ٣ / ٥٣ ]
نعم كالظهر في سائر الايام والثاني لا لشدة الخطر في فواتها فانها إذا أخرت ربما تكاسلوا فيها وإذا حضروا فلابد من تقديم الخطبة ولان الناس يبكرون إليها فلا يتأذون بالحر وهذا أظهر وأما العصر والمغرب فالافضل تعجيلهما في جميع الاحوال وأما العشاء ففيها قولان أظهرهما ان تعجيلها أفضل كسائر الصلوات لعموم الاخبار والثانى أن تأخيرها أفضل ما لم يجاوز وقت الاختيار لقوله
[ ٣ / ٥٤ ]
صلي الله عليه وسلم (لولا أن اشق على امتى لامرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه) واما
الصبح فيستحب فيها التعجيل أيضا مطلقا لما روى عن عائشة ﵂ قالت) كان النساء ينصرفن من صلاة الصبح مع رسول الله صلي الله عليه وسلم وهن متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس) وينبغي ان يعرف مما يتعلق بنظم الكتاب اثنين أحدهما أن كلمة عندنا في قوله ثم
[ ٣ / ٥٥ ]
تعجيل الصلاة أفضل عندنا علي خلاف عادة الكتاب ثم ليس فيه كبير فائدة فانا إذا اطلقنا الكلام أطلقناه بما عندنا لا بما عند غيرنا وغايته الاشارة الي خلاف في المسألة لكن لا يعرف به المخالف من هو وانه ماذا يقول ولا تغنى عن الرموز التى هي عادة الكتاب فليكن قوله هو افضل معلما بالحاء لان عند ابى حنيفة الافضل في صلاة الصبح الاسفار بها وفي العصر التأخير
[ ٣ / ٥٦ ]
ما لم تتغير الشمس وفي العشاء التأخير ما لم يجاوز ثلث الليل وساعدنا في المغرب على استحباب التعجيل وكذلك في الظهر إذا لم يشتد الحر وليكن معلما بالميم أيضا لما روي عن مالك انه يستحب تأخير الظهر الي ان يصير الفئ قدر ذراع وفي العصر ايضا يستحب التأخير قليلا والثاني أن قوله تعجيل الصلاة أفضل يشمل الصلاة كلها وقوله بعد ذلك يستحب تأخير العشاء علي قول ويستحب الابراد استثناء في الحقيقة عما أطلقه أولا وإن لم يكن لفظه لفظ الاستثناء وينبغى أن يعلم قوله ويستحب الابراد بالواو للوجه الصائر الي انه رخصة
[ ٣ / ٥٧ ]
قال (فرع من اشتبه عليه الوقت يجتهد ويستدل بالاوراد وغيرها فان وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه وان وقعت قبل الوقت قضى علي أحد القولين وكذا في طلب شهر رمضان والقادر على درك اليقين بالصبر هل له المبادرة بالاجتهاد في أول الوقت فيه وجهان) * إذا اشتبه عليه وقت الصلاة بغيم أو حبس في موضع مظلم أو غيرهما اجتهد واستدل عليه بالدرس والاعمال والاوراد وما أشبهها ومن جملة الامارات صياح الديك المجرب اصابة صياحه للوقت وكذلك أذان المؤذنين في يوم الغيم إذا كثروا وغلب علي الظن لكثرتهم انهم
لا يخطئون والاعمى يجتهد في الوقت كالبصير وانما يجتهدان إذا لم يخبرهما عدل عن دخول الوقت عن مشاهدة فلو قال رايت الفجر طالعا أو الشفق غاربا فلا مساغ للاجتهاد ووجب قبول قوله ولو
[ ٣ / ٥٨ ]
أخبر عن اجتهاد فليس للبصير القادر علي الاجتهاد تقليده والاخذ بقوله وهل للاعمي ذلك فيه وجهان أصحهما نعم ويسوغ له الاجتهاد والتقليد جميعا ويترتب علي هذا الاعتماد علي أذان المؤذن فان كان بصيرا لم يعتمد عليه في يوم الغيم لانه يؤذن عن اجتهاد ويعتمد عليه في يوم الصحو إذا كان المؤذن عدلا عالما بالمواقيت لانه يؤذن عن مشاهدة وان كان أعمى فهل يعتمد عليه فيه الوجهان المذكوران في جواز التقليد له وحكى في التهذيب وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الاعمى
[ ٣ / ٥٩ ]
والبصير وقال الاصح الجواز * واحتج عليه بقوله صلي الله عليه وسلم سلم (المؤذنون أمناء الناس علي صلواتهم) ويحكي أن ابن سريح ذهب إليه والتفصيل أقرب وهو اختيار القاضي الرويانى وغيره وإذا لزم الاجتهاد فصلي من غير اجتهاد لزمه الاعادة وان وقعت صلاته في الوقت وان لم يكن دلالة أو كانت ولم يغلب علي ظنه شئ أخر إلى ان يغلب على ظنه دخول الوقت والاحتياط أن يؤخر ان لم يغلب على ظنه انه لو أخر عنه خرج الوقت وعند ابى حنيفة في يوم الغيم يؤخر الظهر ويعجل
[ ٣ / ٦٠ ]
العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء وحكم الفجر كما ذكر في غير يوم الغيم وهل يجتهد إذا قدر على الصبر الي استيقان دخول الوقت فيه وجهان أحدهما وهو اختيار اذستاذ أبى اسحق الاسفرايني انه لا يجتهد للقدرة علي الايقاع في الوقت يقينا واظهرهما انه يجتهد إذ لا قدرة علي اليقين في حالة الاشتباه وهذا كالخلاف فيما إذا اشتبه عليه اناء ان ومعه ماء طاهر بيقين: فان قلت وما من حالة الا ويمكن الصبر فيها الي درك اليقين فان الاوقات في المضى والاشتباه انما يقع في أوائلها فإذا صبر زال الاشتباه قلنا يجوز أن يكون محبوسا في مطمورة لا يعرف شيئا من الاوقات أصلا ولا يدرى أن الساعة التى هو فيها ليل أو نهار ويجوز في حق غيره أيضا الا يحصل له يقين أصلا بأن لا يعرف
[ ٣ / ٦١ ]
في يوم اطباق الغيم هل دخل وقت الظهر أم لا ولا يعرف نه ان دخل هل بقي ام لا ثم إذا اجتهد وصلي فان لم يتبين الحال فذاك وان تبين نظران وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه: وما فعله بعد الوقت قضاء أو اداء فيه وجهان اصحهما انه قضاء حتى لو كان مسافرا يجب عليه
[ ٣ / ٦٢ ]
اعادة الصلاة تامة إذا قلنا لا يجوز قصر القضاء فان وقعت صلاته قبل الوقت نظر ان أدرك الوقت أعاد ولا فقولان وكل ذلك خلافا ووفاقا يجرى فيما إذا اشتبه شهر رمضان علي الاسير فاجتهد وأخطأ:، وأصح القولين وجوب الاعادة وهما مبنيان علي أن المفعول بعد الوقت قضاء كما في غير حالة الاشتباه أو أداء قائم مقام الواقع في الوقت لمكان العذر فان قلنا بالاول لم يعتد بما تقدم على الوقت
[ ٣ / ٦٣ ]
وان قلنا بالثاني اعتد به * قال * (الفصل الثاني في وقت المعذورين) * (ونعني بالعذر ما يسقط القضاء كالجنون والصبا والحيض والكفر ولها ثلاثة أحوال الاولي أن يخلوا عنها آخر الوقت بقدر ركعة كما لو طهرت الحائض قبل الغروب بقدر ركعة يلزمها
[ ٣ / ٦٤ ]
العصر (ز) وكذا بقدر تكبيرة (م ز) على أقيس القولين) * ذكرنا في أول الباب أن الغرض من هذا الفصل هو الكلام في الوقت الذى سماه الشافعي ﵁ وقت الضرورة سواء قلنا انه ووقت العذر شئ واحد أم لا والمراد من وقت الضرورة الوقت الذى يصير فيه الشخص من أهل لزوم الصلاة عليه بزوال الاسباب المانعة من اللزوم وهى الصبى والجنون والكفر والحيض وفي معنى الجنون الاغماء وفي معنى الحيض النفاس ثم لهذه الاسباب أحوال ثلاثة لانها اما أن لا تستغرق وقت الصلاة أو تستغرقه وان لم تستغرقه فاما أن يوجد في أول
[ ٣ / ٦٥ ]
الوقت ويخلو عنها آخره أو يكون بالعكس من ذلك (الحالة الاولي) أن يوجد في أول الوقت ويخلو عنها آخره كما لو طهرت عن الحيض أو النفاس في آخر الوقت فننظر ان بقى من الوقت قدر ركعة فصاعدا لزمها فرض الوقت واحتجوا عليه بقوله ﷺ (من أدرك ركعة من
[ ٣ / ٦٦ ]
الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن ادرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد وانما يلزم فرض الوقت بادراك قدر الركعة بشرط وهو أن تمتد السلامة عن الموانع قدر امكان فعل الطهارة وتلك الصلاة أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا مثاله إذا بلغ الصبى في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق المجنون ثم عاد جنونه
[ ٣ / ٦٧ ]
أو طهرت حائض ثم جنت أو أفاقت مجنونة ثم حاضت فان مضي في حال السلامة قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزم العصر والا فلا هذا إذا كان الباقي من الوقت مقدار ركعة أما إذا كان الباقي مقدار تكبيرة أو فوقها ودون ركعة ففى لزوم فرض الوقت به قولان في الجديد أصحهما وبه قال أبو حنيفة نعم لانه أدرك جزءا من الوقت فصار كما لو أدرك قدر ركعة ولان الادراك الذى
[ ٣ / ٦٨ ]
تعلق به الايجاب تستوى فيه الركعة وما دونها ألا ترى أن المسافر إذا اقتدى بمقيم في جزء يسير من الصلاة لزمه الاتمام كما لو اقتدى به في ركعة ثم اللزوم علي هذا القول انما يكون بالشرط الذى
[ ٣ / ٦٩ ]
ذكرناه فيما إذا بقى قدر ركعة والقول الثاني وبه قال المزني أنه لا يلزم به فرض الوقت لان الادراك في الخبر منوط بمقدار ركعة وصار كما إذا أدرك من الجمعة ما دون ركعة لا يكون مدركا لها هذا مذهبه في القديم ويحكى عن مالك مثل ذلك وقد نقل الناقلون الجديد اللزوم والقديم منعه اقتصارا من قولي الجديد على ما يقابل القديم وقوله في الكتاب ونعنى بالعذر ما يسقط القضاء أي إذا
[ ٣ / ٧٠ ]
استغرق الوقت واستبشع بعضهم عند الكفر من الاعذار وقال الكافر غير معذور بكفره ولا معنى للاستبشاع بعد العناية وتفسير العذر بما يسقط القضاء ولا يشك أن القضاء ساقط عن الكافر ويجوز أن يعد عذرا بعد الاسلام لانه غير مؤاخذ بما تركه في حال الكفر وقوله وكذا بقدر تكبيرة معلم بالميم والزاى * قال (وهل يلزمها الظهر بما يلزم به العصر فيه قولان فعلي قول يلزم وعلى الثاني لابد من زيادة أربع ركعات على ذلك حتى يتصور الفراغ من الظهر فعلا ثم يفرض لزوم العصر بعده وهذه الاربع في مقابلة الظهر والعصر فيه قولان ويظهر فائدته في المغرب والعشاء)
[ ٣ / ٧١ ]
ما ذكرناه من لزوم فرض الوقت بادراك ركعة أو بما دونها علي أحد القولين يشمل الصلوات كلها ثم الصلوات التى يتفق في آخر وقتها زوال العذر اما ان تكون صلاة لا يجمع بينها وبين ما قبلها أو صلاة يجمع بينهما وبين ما قبلها علي ما سيأتي كيفية الجمع في بابه فالقسم الاول هو الصبح
[ ٣ / ٧٢ ]
والظهر والمغرب فلا يلزم بزوال العذر في آخر وقت الواحدة من هذه الصلوات سوى تلك الصلاة والقسم الثاني هو العصر والعشاء فيجب علي الجملة بادراك وقت العصر الظهر وبادراك وقت العشاء المغرب خلافا لابي حنيفة والمزنى قال صاحب المعتمد وقول مالك يشبه ذلك لنا ما روى عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس ﵄ انهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر (بركعة يلزمها المغرب والعشاء) وأيضا فان وقت العصر وقت الظهر في حاله العذر ففى حالة الضرورة وهى فوق العذر أولى وإذا عرفت ذلك فينبغي أن يعرف أن صاحب الكتاب انما فرض الكلام في وقت العصر حيث قال في الفصل السابق كما لو طهرت الحائض قبل الغروب لان العصر من القسم الثاني فأراد ان يرتب لزوم الظهر عليه بعد بيان حكم العصر فقال وهل يلزمها الظهر بما يلزم به العصر الي آخره وشرح ذلك أن الشافعي ﵁ بعد الجزم بأن الظهر قد يلزم بادراك وقت العصر اختلف قوله في انه بماذا يلزم فأصح قوليه انه يلزم بما يلزم به العصر وذلك ركعة علي قول
[ ٣ / ٧٣ ]
وتكبيرة على قول ووجهه انا جعلنا وقت العصر وقتا للظهر ومعلوم انه لو أدرك من وقت الظهر ركعة أو تحريمة يلزمه الظهر فكذلك إذا أدرك من وقت العصر لانا لا نعتبر امكان فعل الصلاتين فيكفى ادراك وقت مشترك والقول الثاني انه لا يلزم به بل لابد من زيادة اربع ركعات بعد ذلك القدر لان انما نجعلها مدركة للصلاتين حملا علي الجمع وانما يتحقق صورة الجمع إذا تمت احدى الصلاتين
[ ٣ / ٧٤ ]
وبعض الاخرى في الوقت ثم الاربع الزائدة تقع في مقابله الظهر أو العصر فيه قولان وليسا بمنصوصين لكنهنا مخرجان ولذلك عبر الصيدلاني وقيره عنهم بوجهين أصحهما أن الاربع في مقابلة الظهر لانها السابقة وعند الجمع لابد من تقديمهما وجوبا أو استحبابا علي ما سيأتي في موضعه.
لانه لو لم يدرك الا قدر ركعة أو تحريمة لما لزمه الظهر علي هذا القول الذى عليه تفرع وإذا زال قدر الاربع
[ ٣ / ٧٥ ]
لزم الظهر فدل علي أن هذه الزيادة في مقابلة الظهر والثاني انها في مقابلة العصر لان الظهر ههنا تابعة للعصر في الوقت واللزوم فإذا اقتضي الحال الحكم بادراك الصلاتين وجب أن بكون الاكثر في مقابلة المتبوع والاقل في مقابلة التابع وفائدة هذا الخلاف الاخير لا يظهر في هذه الصورة وانما يظهر في المغرب والعشاء وذلك ان في لزوم المغرب بما يلزم به العشاء قولين كما في لزوم الظهر بما
[ ٣ / ٧٦ ]
يلزم به العصر اصح القولين انه يلزم به والثانى لابد من زيادة علي ذلك فان قلنا في الصورة الاولي الاربع في مقابلة الظهر كفى ههنا قدر ثلاث ركعات للمغرب زيادة على ما يلزم به العشاء وان قلنا انها في مقابلة العصر وجب أن يزيد قدر أربع ركعات وقوله في الكتاب حتى تتصور الفراغ من الظهر فعلا ثم يفرض لزوم العصر بعده المراد منه ما قد مضي أن صورة الجمع انما يتحقق إذا تمت
[ ٣ / ٧٧ ]
احدى الصلاتين وبعض الاخرى في الوقت وتعيين الظهر ولزوم العصر بعده كأنه مبنى علي أن
الظهر لابد من تقديمه عند الجمع * قال (وهل تعتبر مدة الوضوء مع الوقت الذى ذكرناه فعلى قولين) * هل يعتبر مع القدر المذكور للزوم الصلاة الواحدة أو صلاتي الجمع ادراك زمان الطهارة
[ ٣ / ٧٨ ]
فيه قولان احدهما نعم لان الصلاة انما تمكن بعد تقديم الطهارة وأصحهما لا لان الطهارة لا تختص بالوقت ولا تشترط في الا لزام وانما يشترط في الصحة ألا ترى أن الصلاة تلزم على المحدث ويعاقب علي تركها وإذا جمعت بين الاقوال التي حكيناها حصل عندك في القدر الذى يلزم به كل صلاة
[ ٣ / ٧٩ ]
من ادراك آخر وقتها أربعة أقوال أصحهما قدر تكبيرة وثانيها هذا مع زمان طهارة وثالثها قدر ركعة ورابعها هذا مع زمان طهارة وفيما يلزم به الظهر مع العصر ثمانية أقوال هذه الاربعة وخامسها قدر اربع ركعات مع تكبيرة وسادسها هذا مع زمان طهارة وسابعها قد خمس
[ ٣ / ٨٠ ]
ركعات وثامنها هذا مع زمان طهارة وفيها يلزم به العشاء مع المغرب مع هذه الثمانية أربعة أخرى أحدها ثلاث ركعات وتكبيرة والثانى هذا مع زمان طهارة والثالث أربع ركعات والرابع هذا مع زمان طهارة * قال (فان زال الصبي بعد أداء وظيفة الوقت فلا يجب (ح وز) اعادتها وكذا يوم الجمعة وإن أدرك الجمعة بعد الفراغ من الظهر علي أحد الوجهين وكذا لو بلغ الصبي بالسن في أثناء الصلاة واستمر عليها وقع عن الفرض) * جميع ما ذكرنا فيما إذا كان زوال العذر قبل اداء وظيفة الوقت وهكذا يكون حال ما سوى الصبى من الاعذار فانها كما تمنع الوجوب تمنع الصحة فأما الصبى فيجوز أن يزول بعد اداء وظيفة
[ ٣ / ٨١ ]
الوقت أو في اثنائها لانها لا تمنع الصحة وان منع الوجوب فإذا صلي الصبى وظيفة الوقت ثم بلغ
وقد بقى شئ من الوقت اما بالسن أو بالاحتلام فيستحب له ان يعيد وهل يجب عليه الاعادة ظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب انه لا يجب لانه ادى وظيفة الوقت وصحت منه فلا تلزمه الاعادة كالامة إذا صلت مكشوفة الرأس ثم عتقت والوقت باق لا تعيد وخرج ابن سريج انه يجب لان ما أداه في حال الصغر واقع في حال النقصان فلا يجزى عن الفرض بعد حصول الكمال في الوقت والمفعول مع النقصان كغير المفعول وهذا مذهب أبى حنيفة والمزنى ورواه القاضى الرويانى عن مالك قال وعن احمد روايتان ولا فرق عند ابن سريج بين أن يكون الباقي من الوقت
[ ٣ / ٨٢ ]
حين بلغ قليلا أو كثيرا وعن الاصطخرى انه ان بلغ والباقى من الوقت ما يسع لتلك الصلاة لزمت الاعادة والا فلا ولو بلغ في أثناء الصلاة وانما يكون ذلك بالسن فقد قال الشافعي ﵁ أحببت أن يتم ويعيد ولا يتبين لي أن عليه الاعادة واختلفوا في معناه بحسب الاختلاف فيما إذا بلغ بعد الصلاة فقال جمهور الاصحاب يجب الاتمام وتستحب الاعادة أما وجوب الاتمام فلان صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب فيها فيلزمه اتمامها وقد تكون العبادة تطوعا في الابتداء ثم يجب اتمامها كحج التطوع وكما إذا ابتدأ الصوم وهو مريض ثم شفى وكما لو شرع في صوم التطوع ثم نذر اتمامه يجب عليه الاتمام وأما استحباب الاعادة فليؤدى الصلاة في حال الكمال ومعنى
[ ٣ / ٨٣ ]
قوله أحببت أن يتم ويعيد عند هؤلاء هو استحباب الجمع بينهما وهذا الوجه هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال وقع عن الفرض وقال ابن سريج الاتمام يستحب والاعادة واجبة وهذا خلاف قوله ولا يبين لي أن عليه الاعادة والاصطخري جرى على التفصيل الذى سبق وقال إذا كان الباقي قدرا لا يسع للصلاة أشبه ما إذا بلغ في اثناء صوم يوم من رمضان لا يجب عليه القضاء لان الباقي لا يسع صوم يوم: واعلم ان مسألة الصوم قد سلم فيها ابو حنيفة والمزنى نفى القضاء تعليلا بما ذكره الاصطخرى واختلف سائر اصحابنا في تعليله منهم من ساعدهم علي هذا التعليل وقال بقية اليوم لا يسع الصوم ولا يمكن ايقاع بعضه في الليل بخلاف الصلاة يمكن ايقاع بعضها بعد خروج
[ ٣ / ٨٤ ]
الوقت ومنه من علل بأن الصوم المأتي به صحيح واقع عن الفرض وينبنى علي هاتين العلتين ما إذا بلغ وهو مفطر فعلي التعليل الاول لا قضاء عليه وعلى الثاني يجب وعن ابن سريح أنه يجب القضاء في الصوم كما في الصلاة بلغ مفطرا أو صائما هذا في غير الجمعة من الصلوات أما إذا صلي الظهر يوم الجمعة ثم بلغ والجمعة غير فائتة بعد هل يلزمه حضورها من قال في سائر الصلوات تلزم الاعادة أولي أن يقول باللزوم ههنا ومن نفى الاعادة في سائر الصلوات اختلفوا ههنا علي وجهين أحدهما وبه قطع ابن الحداد أنه يجب عليه الجمعة لانه لم يكن من أهل الفرض حين صلى الظهر وقد كمل حاله بالبلوغ بخلاف سائر الصلوات لانه بالبلوغ لا ينتقل إلى فرض أكمل مما فعل وههنا ينتقل إلى الجمعة وهو أكمل من الظهر الا ترى أمنها تتعلق باهل الكمال وبخلاف المسافر والعبد
[ ٣ / ٨٥ ]
إذا صليا الظهر ثم أقام المسافر وعتق العبد وأدركا الجمعة لا يلزمهما الجمعة لانهما حين صليا الظهر كانا من أهل الفرض والوجه الثاني وهو الاصح أنها لا تلزم كسائر الصلوات ومنعوا قوله أنه ليس من اهل الفرض لانه مأمور بالصلاة مضروب على تركها ولا يعاقب احد على ترك التطوع وعن
[ ٣ / ٨٦ ]
الشيخ ابي زيد يخرج هذا الخلاف علي الخلاف في أن المتعدى بترك الجمعة هل يعتد بظهره قبل فوات الجمعة لان الصبى مأمور بحضور الجمعة فإذا بلغ ولم يصل الجمعة كان مؤديا للظهر قبل فوات الجمعة ولا يخفى بعد حكاية هذه المذاهب الحاجة الي أعلام قوله فلا يجب اعادتها بالحاء والميم
[ ٣ / ٨٧ ]
والالف والزاى وبالواو لما ذكره ابن سريج والاصطخري وكذا اعلام قوله وقع عن الفرض بهذه العلامات وكذا أعلام قوله وكذا يوم الجمعة ما سوى الواو من العلامات * قال (الحالة الثانية أن يخلو أول الوقت فإذا طرأ الحيض وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع
[ ٣ / ٨٨ ]
الصلاة لزمتها ولا يلزم بأقل من ذلك وقيل لا يلزم ما لم تدرك جميع الوقت في صورة الطريان وأما العصر فلا يلزم بادراك أول وقت الظهر لان وقت الظهر لا يصلح للعصر في حق المعذورة ما لم يفرغ من
فعل الظهر) * هذه الحالة الثانية عكس الاولي وهي ان يخلو أول الوقت عن الاعذار المذكورة ثم يطرأ منها في آخر الوقت ما يمكن أن يطرأ منها وهو الحيض أو النفاس والجنون والاغماء واما الصبي فلا يتصور عروضه والكفر وان تصور عروضه لكنه لا يسقط القضاء كما سيأتي فإذا حاضت في اثناء الوقت نظر في القدر الماضي من الوقت ان كان قدر ما يسع لتلك الصلاة استقرت في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت
[ ٣ / ٨٩ ]
لانها ادركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض فلا يسقط بما يطرأ بعده كما لو هلك النصاب بعد الحول وامكن الادا لا تسقط الزكاة وعن مالك انه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت وبه قال ابو حنيفة قال الكرخي في مختصره وان كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت فلا قضاء عليها وخرج ابن سريح مثل ذلك علي اصل الشافعي ﵁ وقال لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت اخذا مما لو سافر الرجل في اثناء الوقت يجوز له القصر وان مضى من الوقت ما يسع للصلاة الثانية واعلم ان في تلك المسألة ايضا تخريجا مما نحن فيه لانه لا يقصر وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعا في الكتاب في باب صلاة المسافرين نشرحه في موضعه ان شاء الله تعالى ثم علي ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة حتى لو طولت صلاتها فحاضت في اثنائها والماضي
[ ٣ / ٩٠ ]
من الوقت يسع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء ولو كان الرجل مسافرا فطرأ عليه جنون واغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين لزمه قضاؤها لانه لو قصر لامكنه أداؤها ولا يعتبر مع امكان فعل الصلاة زمان امكان الطهارة من الوقت لان الطهارة يمكن تقديمها على الوقت الا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة علي الوقت كالتيمم وطهارة المستحاضة وان كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة لم تلزم تلك الصلاة وقال ابويحيي البلخى من اصحابنا إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء اعتبار الاول الوقت بآخره حكاه ابو علي صاحب الافصاح فمن بعده عنه وخطأ فيما قال لانه لم
يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول وقبل امكان الاداء ويخالف آخر الوقت لانه أدرك جزءا من الوقت امكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت ثم ذكرنا في الحالة الاولى ان من الصلوات ما إذا ادرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التى
[ ٣ / ٩١ ]
قبلها معها كالظهر يلزم بادراك آخر وقت العصر والمغرب يلزم بادراك آخر وقت العشاء واما ههنا فالعصر لا يلزم بادراك وقت الظهر ولا العشاء بادراك وقت المغرب خلافا لابي يحيى البلخى حيث قال إذا ادرك من وقت الظهر ثمان ركعات ثم طرأ العذر لزم الظهر والعصر كما لو ادرك ذلك من وقت العصر لزمه الصلاتان معا والفرق علي ظاهر المذهب ان الحكم لزوم الصلاتين إذا ادرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه ولان كل واحدة منهما مؤداة في وقت الاخرى ومعلوم ان وقت الظهر انما يكون وقتا للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر ألا ترى انه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر واما وقت العصر فليس وقتا للظهر علي سبيل تبعية الظهر للعصر ألا ترى انه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر علي العصر بل هو أولي على وجه ومتعين على وجه كما سيأتي في باب الجمع وكان وقت العصر وقتا للظهر من غير التوقف علي فعل العصر فلهذا المعنى افترق الطرفان: جئنا الي ما يتعلق بلفظ الكتاب اما قوله فإذا طرأ الحيض وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة ليس المراد منه مطلق الصلاة بل المراد اخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر ان وجد المعنى المجوز للعصر على ما بيناه قوله لزمتها
[ ٣ / ٩٢ ]
معلم بالخاء والميم لما قدمناه ولا حاجة الي اعلامه بالواو اشارة إلى تخريج ابن سريح لان قوله بعد ذلك وقيل لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان وهو ذلك التخريج: ثم اعلم ان الحكم بلزوم الصلاة إذا ادرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة ايضا ونظيره ما إذا أفاق مجنون في اثناء الوقت وعاد جنونه في الوقت أو بلغ ثم جن أو افاقت مجنونة ثم حاضت وقوله ولا يلزم بأقل من ذلك معلم بالواو للوجه
المشهور عن البلخي وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الاصحاب ايضا وكذلك قوله فأما العصر فلا يلزم بادراك أول الظهر وليس لفظ الاول في قوله بادراك أول الظهر لتخصيص الحكم به فان العصر لا يلزم بادراك آخر وقت الظهر ايضا بل بادراك جميعه وانما جرى لفظ الاول في مقابلة الاخر في الحالة الاولى وقوله لان وقت الظهر لا يصلح للعصر الي آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الاول والاخر واراد بالمعذور ههنا الذى يجمع لسفر أو مطر بخلاف ما في أول الفصل فانه اراد بالمعذور ثم صاحب الضرورة علي ما سبق ايضاحه: واعلم ان الاخيرة من صلوات الجمع وان لم يلزم بادراك وقت الاولي لكن الاولى منهما قد يلزم بادراك وقت الاخيرة كما انها
[ ٣ / ٩٣ ]
تلزم بادراك آخر وقتها مثاله إذا افاق المغمي عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر والظهر جميعا لزمناه فان كان مقيما فالمعتبر قدر ثمان ركعات وان كان مسافرا يقصر كفى قدر اربع ركعات ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق * قال (الحالة الثالثة أن يعم العذر جميع الوقت فيسقط القضاء ولا تلحق الردة بالكفر بل يجب (م ح) القضاء على المرتد (م ح) والصبي يؤمر بالصلاة بعد سبع سنين ويضرب علي تركها بعد العشر وان لم يكن عليه قضاء والاغماء في معنى الجنون (ح) قل أو كثر وزوال العقل بسكر أو بسبب محرم لا يسقط القضاء ولو سكر ثم جن فلا يقضي ايام الجنون ولو ارتد ثم جن قضي أيام الجنون ولو ارتدت أو سكرت ثم حاضت لا يلزمها قضاء أيام الحيض لان سقوط القضاء عن المجنون رخصة وعن الحائض عزيمة) * قوله أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان أحدهما انه فسر العذر من قبل بما يسقط القضاء والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال أن يعم ما يسقط القضاء فيسقط القضاء
[ ٣ / ٩٤ ]
وغير هذا أجود منه وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء في مثل هذا المقام كثير فائدة: والثاني ان قوله جميع الوقت ليس المراد منه الاوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد
ذكرنا انه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر ايضا مع انه عم العذر جميع وقت الظهر فإذا المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعا وغرض الفصل أن الاسباب المانعة من لزوم الصلاة وقد عددناها من قبل مسقطة للقضاء أما الحيض فانه يمنع وجوب الصلاة وجوازها ويسقط القضاء علي ما سبق في كتاب الحيض وأما الكفر فالكافر الاصلي مخاطب بالشرائع علي أشهر وجهى اصحابنا في الاصول لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالي (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) والمعنى فيه أن ايجاب القضاء ينفره عن الاسلام والردة لا تلحق بالكفر بل يجب علي المرتد قضاء صلوات ايام الردة خلافا لابي حنيفة حيث قال الردة تسقط قضاء صلوات ايام الردة والصلوات المتروكة قبلها ايضا * لنا انه التزم الفرائض بالاسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الادميين: فاما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)
[ ٣ / ٩٥ ]
فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعليا سوى الصبى فانه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين
[ ٣ / ٩٦ ]
سنين ويضرب علي تركها إذا بلغ عشرا لما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) قال الائمة فيجب على الاباء والامهات تعليم الاولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السبع والضرب علي تركها بعد العشر وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين أحدهما انه زمان احتمال البلوغ بالاحتلال فربما بلغ ولا يصدق والثاني انه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب واحتج بعض أصحابنا بهذا علي
[ ٣ / ٩٧ ]
انه لا يجوز أن يختن الصبى قبل العشر لان ألم الختان فوق ألم الضرب ويؤمر بالصوم أيضا ان أطاقه كما يؤمر بالصلاة وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل فان لم يكن له مال فعلى الاب وان لم يكن فعلى الام وهل يجوز أن تعطي الاجرة من مال الطفل علي تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض
من القرآن والادب فيه وجهان: وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضا للخبر والاصل ان من لا تجب عليه العبادة لا يجب عليه قضاؤها وانما خالفنا ذلك في حق النائم والناسى لما روى انه صلى الله
[ ٣ / ٩٨ ]
عليه وسلم قال (إذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) والاغماء في معنى الجنون يستوى قليله وكثيره في اسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة خلافا لابي حنيفة حيث قال لا تسقط الصلاة بالاغماء ما لم يزد علي يوم وليلة ولا حمد حيث قال انه لا يسقط القضاء قل أو كثر لنا القياس علي الجنون ولا يلحق بالجنون زوال العقل لسبب محرم كشرب مسكرا أو دواء مزيل للعقل بل يجب عليه القضاء لانه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا اشرب المسكر وهو عالم انه مسكر أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الاغماء ولو عرف ان جنسه مسكر لكن ظن ان ذلك القدر لا يسكر لفلته فليس ذلك بعذر ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه وان فعله عبثا قضى ثم في الفصل فرعان (أحدهما) لو ارتد ثم جن قضى أيام الجنون وما قبلها إذا أفاق واسلم تغليظا علي المرتد ولو سكر ثم جن قضى بعد الافاقة صلوات المدة التى ينتهي إليها السكر لا محالة وهل يقضى صلوات أيام الجنون فيه وجهان احدهما نعم لان السكران يغلظ عليه امر الصلاة كما يغلظ علي المرتد واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يقضي صلوات ايام الجنون والفرق ان من جن في ردته مرتد في جنونه حكما ومن جن في سكره ليس بسكران في
[ ٣ / ٩٩ ]
دوام جنونه قطعا (الثاني) لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرث ثم حاضت فلا تقضي أيام الحيض ولا فرق بين اتصالها بالردة واتصالها بالسكر بخلاف الجنون حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر والفرق ان سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتحقيقات بل هو عزيمة فانها مكلفة بترك الصلاة والمجنون ليس مخاطبا بترك الصلاة كما ليس مخاطبا بفعلها
[ ٣ / ١٠٠ ]
وانما أسقط القضاء عنه تحفيفا فإذا كان مرتدا لم يستحق التخفيف ومما يوضح الفرق انها لو شربت دواء حتي حاضت لا يلزمها القضاء بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح لان سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمهة: فالحاصل ان من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء فإذا لم يؤمر كان تخفيفا ومن أمر بالترك فامتثل الامر لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء وهذا يشكل لفصل الصوم فان الحائض مامورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء الا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعا للنص: والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة والذى لا بأس بذكره قوله ولو ارتد ثم جن قضي أيام الجنون ينبغي أن يعلم قوله قضي بالحاء لان عند أبى حنيفة لا قضاء في الردة فكيف يؤمر في ايجاب قضاء أيام الجنون
[ ٣ / ١٠١ ]
قال الفصل الثالث في الاوقات المكروهة وهى خمسة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ووقت الطلوع إلى أن يرتفع قرص الشمس ووقت الاستواء إلى أن تزول الشمس ووقت اصفرار الشمس الي وقت تمام الغروب) * الاوقات المكروهة خمسة وقتان تعلق النهي فيهما بالفعل وهى بعد صلاة الصبح حتى تطلع
[ ٣ / ١٠٢ ]
الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس روى ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ووجه تعلق النهى فيهما بالفعل ان صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح والعصر دون من لم يصلهما ومن
[ ٣ / ١٠٣ ]
صلاهما فان عجلهما ف أول الوقت طال في حقه وقت الكراهية وان أخرهما قصر وثلاثة أوقات يتعلق النهي فيهما بالزمان وهى عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويستولى سلطانها بظهور شعاعها فان الشعاع يكون ضعيفا في الابتداء وعند استواء الشمس حتى تزول وعند اصفرار الشمس
[ ٣ / ١٠٤ ]
حتى يتم غروبها لما روي انه صلي الله عليه وسلم (ان الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها: ونهي عن الصلاة في هذه الاوقات) وقوله ومعها قرن الشيطان قيل معناه قوم الشيطان وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الاوقات نهى عن الصلاة فيها لذلك وقيل معناه ان الشيطان يقرب رأسه من الشمس في هذه الاوقات ليكون الساجد للشمس ساجدا له ولك ان تعلم قول
[ ٣ / ١٠٥ ]
المصنف الي أن يرتفع قرص الشمس بالوا ولان من الاصحاب من قال يخرج وقت الكراهية بطلوع القرصة بتمامها ولم يعتبر الارتفاع وايراده في الوسيط يشعر بترجيح هذا الوجه وظاهر المذهب الاول ويدل عليه قوله ﷺ (فإذا ارتفعت فارقها) واعلم أن حالة الاصفرار داخلة في الوقت الثاني وهو ما بعد العصر حتى تغرب الشمس لكن في حق من صلي العصر وحالة الطلوع الي الارتفاع متصلة بما بعد الصبح في حق من صلي الصبح وذكر بعضهم في العبارة
[ ٣ / ١٠٦ ]
على الوقت الاول من أوقات الراهية انه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح وعلي هذا فتنقص أوقات الكراهية عن الخمسة وربما انقسم الواحد منها إلى متعلق بالفعل والي متعلق بالزمان
[ ٣ / ١٠٧ ]
قال (وذلك في كل صلاة لاسبب لها بخلاف الفائتة وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وتحية المسجد وركعتي الطواف وفى الاستسقاء تردد وركعتا الاحرام مكروهة لان سببها متأخر) * الاوقات المكروهة لا ينهي فيها عن الصلاة عن على الاطلاق بل عن بعض أنواعها وما ورد فيها من النهى المطلق محمول علي ذلك البعض فالغرض من هذا الفصل بيان ما ينهى عنه من الصلوات
في هذه الاوقات وما لا ينهي عنه وقوله وذلك في كل صلاة لا سبب لها أي النهي والكراهة
[ ٣ / ١٠٨ ]
وقول الاصحاب في هذا المقام صلاة لا سبب لها وصلاة لها سبب ما أرادوا به مطلق السبب إذ ما من صلاة الا ولها سبب ولكن أرادوا بقولهم صلاة لها سبب ان لها سببا متقدما على هذه الاوقات أو مقارنا لها وبقولهم صلاة لا سبب لها أي ليس لها سبب متقدم ولا مقارن فعبروا بالمطلق عن المقيد وقد يفسر قولهم لا سبب لها بأن الشارع لم يخصها بوضع وشرعية بل هي التى يأتي بها الانسان ابتداء وهى النوافل المطلقة وعلي هذا التفسير فكل ما لا سبب له مكروه لكن كل ماله سبب ليس بجائز ألا ترى أن ركعتي الاحرام لهما سبب بهذا التفسير وهما مكروهتان كما سنذكر ان شاء الله ولفظ الكتاب يوافق التفسير الاول لانه خص النهي والكراهة بما لا سبب له من الصلواب ثم انه عد أنواعا من الصلوات التي لها سبب فمنها الفائتة فلا تكره في هذه الاوقات لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (من نام عن صلاد أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها لا وقت لها غيره) ويستوى في الجواز قضاء الفرائض والسنن والنوافل التى اتخذها وردا له ومنها صلاة الجنازة
[ ٣ / ١٠٩ ]
روى انه ﷺ قال (يا علي لا تؤخر أربعا) وذكر منها الجنازة إذا حضرت: ومنها سجود التلاوة فلا يكره في هذه الاوقات لان سبب سجدة التلاوة قراءة القرآن وهي مقارنة لهذه الاوقات فلا يؤخر عن وقتها وفى معناه سجود الشكر فان سببه السرور الحادث فليس ذكرهما في هذا الموضع لكونهما من أنواع الصلاة لكن لانهما كالصلاة في الشرائط والاحكام ومنها تحية المسجد فان اتفق دخوله في هذه الاوقات لغرض في الدخول كاعتكاف ودرس علم وقراءة فيه لم تكره التحية لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ولان سبب التحية هو الدخول في المسجد وقد افترن بهذه الاوقات ولو دخلها في
[ ٣ / ١١٠ ]
هذه الاوقات ليصلي التحية لا لحاجة في الدخول فهل يكره فيه وجهان أحدهما لا لما سبق وأقيسهما
نعم كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الاوقات ويدل عليه ما روى انه ﷺ قال (لا يتحرى احدكم لصلاة قبل طلوع الشمس وغروبها) وومنهم من لا يفصل ويجعل في التحية وجهين على الاطلاق وينسب القول بالكراهية إلى عبد الله الزبيري ﵁ وليكن قوله
[ ٣ / ١١١ ]
وتحية المسجد معلما بالواو لما حكيناه ومنها ركعتا الطواف فلا يكرهان في هذه الاوقات لانهما يؤديان بعد الطواف بسببهما موجود في هذه الاوقات ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان عبر عنهما المنصف بالتردد أحدهما إنما يكره لان الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير فأشبهت صلاة الاستخراة وهذا هو الذى ذكره صاحب التهذيب وآخرون وأظهرهما انها لا تكره لان الحاجة الداعية ايها موجودة في الوقت ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضا ومن هذه الصلوات صلاة الخسوف فانها لو أخرت عن هذه الاوقات فربما انجلت الشمس وفاتت
[ ٣ / ١١٢ ]
الصلوات ومنها إذا تطهر في هذه الاوقات جاز له أن يصلي ركعتين لما روى انه ﷺ قال لبلال (حدثنى بارجي عمل عملته في الاسلام فانى سمعت دف نعليك بين يدى في الجنة قال ما عملت عملا أرجى عندي انى لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) وهل يلحق ركعتا الاحرام بهذه الصلوات فيه وجهان أحدهما نعم لحاجته الي الاحرام في هذه الاوقات بالحج أو العمرة واصحهما وهو المذكور في الكتاب لا: لان سببهما الاحرام وهو متأخر عنهما وقد يتفق بعدهما وقد يعوق دونه عائق ولك أن تعلم قوله وذلك في كل صلاة لا سبب لها بالحاء لانه يقتضى حصر النهى في الصلاة التى لا سبب لها في الاوقات الخمسة جميعا وعند ابي حنيفة الوقتان اللذان يتعلق النهى فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض ولا بأس بأن يصلي فيهما على الجنازة ويقضي فوائت الفرائض وبسجد للتلاوة والسهو ولكن لا يصلى المنذورة ولا ركعتي الطواف والتطوعات وأما في الاوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما الا عصر اليوم عند غروب الشمس فلو دخل في تطوع قال يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور به فلو
مضي فيه اساء وأجزأه وان صلى فيها فرضا أو واجبا اعاد الا عصر يومه وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ولك ان تعلمه بالميم والالف ايضا لانه روى عن مالك انه يقضى الفرائض في الاوقات الخمسة ولا يصلي فيها النافلة سواء كان لها سبب أو لم يكن وبه قال احمد واستثنى علي مذهبه ركعتا
[ ٣ / ١١٣ ]
الطواف وصلاة الجماعة مع امام الحى وأبو حنيفة يكره اعادتها في الجماعة لنا ما تقدم وايضا ما روى انه صلي الله عليه وسلم (دخل بيت أم سلمة ﵂ بعد صلاة العصر وصلي ركعتين فسألته
[ ٣ / ١١٤ ]
عنهما فقال أتانى ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) وروى
[ ٣ / ١١٥ ]
انه صلي الله عليه وسلم (رأى قيس بن قهد يصلى ركعتين بعد الصبح فقال ما هاتان الركعتان فقال اني لم اكن صليت ركعتي الفجر فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم بنكر عليه) ويتبين مما نقلناه انه لو علم الفائتة وما بعدها بالحاء لجاز وقد ورد الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية وقيل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة وورد أيضا باستثناء مكة فلا تكره صلاة ولا طواف في وقت من الاوقات *
[ ٣ / ١١٦ ]
(فرع) لو تحرم بالصلاة في وقت الكراهية انغقدت علي أحد الوجهين كالصلاة في الحمام الصلاة المنهي عنها في الاوقات الخمسة على التفصيل الذى وضح لا ينهي عنها علي الاطلاق عندنا بل يستثنى عنها زمان ومكان أما الزمان فهو يوم الجمعة فيستثنى وقت الاستواء يوم الجمعة ولا تكره فيها التطوعات
[ ٣ / ١١٧ ]
خلافا لابي حنيفة ومالك وأحمد لنا ما روى انه صلى الله عليه وآله (نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس الا يوم الجمعة) وهل يستثنى باقى الاوقات الخمسة يوم الجمعة فيه وجهان أحدهما نعم كوقت الاستواء تخصيصا للجمعة وتفضيلا وقد روى (أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة) وأصحهما لا: لان
[ ٣ / ١١٨ ]
الرخصة وردت في وقت إذ استواء فيبقى الباقي على عموم النهي فان قلنا بالوجه الاول جاز النقل في وقت الاستواء وغيره لكل أحد فيه وجهان أحدهما نعم لمطلق قوله (الا يوم الجمعة) وايراد المصنف يقتضى ترجيح هذا الوجه لانه حكم بالاستثناء ثم روى عن بعضهم تخصيص الاستثناء بمن يغشاه
[ ٣ / ١١٩ ]
النعاس وبترجيحه قال صاحب التهذيب وغيره واحتجوا عليه أيضا بما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم (كره الصلاة نصف النهار الا يوم الجمعة وقال ان جهنم تسجر الا يوم الجمعة) والوجه الثاني انه لا يجوز التنفل لكل أحد لان المعني المرخص لا يشمل الكل وذكروا في الترخيص ومعنيين أحدهما ان الناس عند الاجتماع يوم الجمعة يشق عليهم مراعاة الشمس والتمييز بين حالة الاستواء وما قبلها
[ ٣ / ١٢٠ ]
وما بعدها فخفف الامر عليهم بتعميم الترخيص والثانى أن الناس يبتكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون الي طرد النعاس بالتنفل كيلا يبطل وضوءهم فيفتقرون في اعادة الوضوء إلى تخطى رقاب الناس فعلي المعنيين جميعا المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفل فيه وأما الذى حضر الجمعة فقضية المعنى الاول تجويز التنفل له مطلقا وقضية المعني الثاني تخصيص
[ ٣ / ١٢١ ]
الجواز بالذى يبتكر إليها ثم يغلبه النعاس أما الذى لم يبتكر ولم يؤذه النعاس فلا يجوز له ذلك وقول صاحب الكتاب وقيل يختص بذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة يوافق المعنى الثاني من جهة اعتبار غشيان النعاس ولكن قضية تجويز التنفل بمن يغشاه النعاس وان لم يبتكر إليها وفى كلام غيره ما يقتضى اعتبار التبكير وكون غلبة النعاس لطول الانتظار واعلم ان قوله وقد ورد
[ ٣ / ١٢٢ ]
الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية ظاهره يقتضى استثناء جميع الاوقات الخمسة كما حكيناه وجها عن بعض الاصحاب ولكن قوله وهل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس يبين انه اراد بالاول وقت
الاستواء لا غير وفيه اشتهر الخبر وهو الاصح في المذهب وأما المكان فقد روى عن أبى ذر ان
[ ٣ / ١٢٣ ]
رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) الا بمكة واختلف الاصحاب في هذا الاستثناء ومنهم من قال مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف فان له أن يطوف متى شاء وإذا
[ ٣ / ١٢٤ ]
طاف بالبيت يصلى ركعتي الطواف لانها صلاة لها سبب والاصح وهو المذكور في الكتاب أن مكة تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة فضيلة الصلاة فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال
[ ٣ / ١٢٥ ]
ويدل عليه ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (يا بنى عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن احد اطاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار) وليكن قوله فلا يكره فيها صلاة معلما بالواو للوجه الاول وبالحاء والميم لان عندهما لا فرق بين مكة وسائر البلاد ثم ليس المراد من مكة
[ ٣ / ١٢٦ ]
نفس البلد بل جميع الحرم للاستواء في الفضيلة وفى وجه يحتص بالاستثناء المسجد الحرام وما عداه كسائر البلاد والمشهور الصحيح الاول ومتي ثبت النهى والكراهة فلو تحرم بالصلاة المنهية هل
[ ٣ / ١٢٧ ]
ينعقد أم لا هذا هو الذى رسمه فرعا في الكتاب وفيه وجهان أحدهما نعم كالصلاة في الحمام لا خلاف في انعقاها مع ورود النهى واظهرهما لا كما لو صام يوم العيد لا يصح وعلي هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في الاوقات المنهية ان قلنا تصح الصلاة فيها يصح النذر وان قلنا لا تصح فلا يصح النذر كما لو نذر صوم يوم العيد فان صححنا النذر فالاولي أن يصلى في وقت آخر كمن
[ ٣ / ١٢٨ ]
نذر أن يضحي شاة بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب وأما إذا نذر صلاة
مطلقا فله أن يفعلها في الاوقات المكروهة فانها من الصلوات التى لها سبب كالفائتة ونختم الفصل بشيئين أحدهما ان قوله في أول الفصل في الاوقات المكروهة وهى خمسة يقتضى الحصر في الخمسة المذكورة وهو المشهور والحصر في الخمسة حكم باثبات الخمسة ونفى الزائد لكن في كلام الاصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا أحدهما
[ ٣ / ١٢٩ ]
نعم وبه قال أبو حنيفة لما روى انه ﷺ (قال لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتا الفجر) والثاني لا وبه قال مالك لقوله ﷺ (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس» والمفهوم من صلاة الصبح هو الفريضة فالتخصيص بالفريضة يدل علي عدم الكراهة قبلها والوجه الثاني هو الذى يوافق كلام معظم الاصحاب حيث قالوا بأن النهي في الوقتين يتعلق بالفعل والا فإذا ثبتت الكراهة من طلوع الفجر لم يختلف زمان الكراهة بتقديم الصبح وتأخيرها طولا وقصرا وهذا استدلال بين علي ترجيح هذا الوجه وصرح به الشيخ أبو محمد وغيره لكن ذكر صاحب الشامل أن ظاهر المذهب هو الوجه الاول ولم يورد في التتمة سواه وان قلنا به دخل وقت الكراهية بطلوع الفجر فان عد ما قبل صلاة الصبح وقتا بانفراده زاد الاوقات المكروهة على خمسة وان جعل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتا واحدا وأدرجنا وقت الاصفرار فيما بعد
[ ٣ / ١٣٠ ]
صلاة العصر كما سبق عادت الاوقات المكروهة الي أربعة وان نضم حالة الطلوع إليه فتعود الاوقات المكروهة الي ثلاثة والشيخ أبو إسحق الشيرازي في آخرين ما أطلقوا الوجهين في الكراهة من حين طلوع الفجر لكن نقلوا الوجهين في كراهة التنفل بعد ركعتي الفجر وذلك يقتضي الجزم بنفى الكراهة قبل أن يصلي ركعتي الفجر وما يتعلق بالحصر علي ما بينته لا يختلف بالطريقين (الثاني) إذا فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وردا فقد ذكرنا انه يجوز أن يقضيها في أوقات الكراهة ويدل عليه ما سبق من حديث أم سلمة ثم إذا فعل ذلك فهل له أن يداوم علي تلك الصلاة في وقت الكراهة فيه وجهان أحدهما نعم لان في
[ ٣ / ١٣١ ]
حديث أم سلمة ﵂ ان النبي صلي الله عليه وسلم (داوم علي ركعتين بعد ذلك) وعليه حمل ما روى
[ ٣ / ١٣٢ ]
عن عائشة ﵂ قالت (ما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر الا صلى ركعتين) وأصحهما انه لا يجوز لعموم الاخبار الناهية وما فعله رسول الله صلي الله
[ ٣ / ١٣٣ ]
عليه وسلم كان مخصوصا به فانه كان يداوم علي عمل وقد روى عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ (كان يصلي بعد العصر وينهى عنها) فان قلنا بالاول فهذه الحالة مما تستثنى عن عموم أخبار النهي
[ ٣ / ١٣٤ ]
قال (باب الثاني في الاذان وفيه ثلاثة فصول) (الاول) في محله وهو مشروع سنة علي اظهر الرأيين في الجماعة الاولي من صلوات الرجال في كل مفروضة مؤداة وفى الجماعة الثانية في المسجد المطروق قولان وفى جماعة النساء ثلاثة أقوال وفى الثالث انها تقيم ولا تؤذن ولا ترفع الصوت بحال وفى المنفرد في بيته ثلاثة اقوال وفى الثالث انما يؤذن ان انتظر حضور جمع فان قلنا لا يؤذن ففى اقامته خلاف وان قلنا يؤذن فيستحب رفع الصوت ولا أذان في غير مفروضة كصلاة الخسوف والاستسقاء والجنازة والعيدين بل ينادى لها الصلاة جامعة وفى الصلاة جامعة وفى الصلاة الفائتة المفروضة ثلاثة أقوال وفى الثالث يقيم ولا يؤذن (ح) ولو قدم العصر الي وقت الظهر فيؤذن للظهر ويقيم لكل واحدة ولو أخر الظهر الي العصر يؤديهما باقامتين (ح)
[ ٣ / ١٣٥ ]
بلا أذان (و) بناء علي ان الظهر كالفائتة فلا يؤن لها) * لا شك أن الاذان دعاء إلى الصلاة اعلام للوقت ولكن لا يدعي به الي كل صلاة بل إلى بعض الصلوات وليس دعاء علي أي وجه اتفق بل له كيفية مخصوصة ولا يدعو به كل أحد بل بعض الناس فتمس الحاجة الي بيان الصلاة التى هي محل الاذان وبيان كيفية الاذان وصفات المؤذن فتكلم في هذه الامور في ثلاثة اصول وافتتح القول في الاول
بذكر الخلاف في انه سنة أم فرض كفاية ولو قدم هذه المسألة علي الفصول أجمع وقصر كلام الفصل الاول علي بيان الصلوات التى شرع فيها الاذان سنة كان أم فرضا كان اليق بترجمة الفصل وكذلك فعل في الوسيط واختلفوا في الاذان والاقامة أهما سننان أم فرضا كفاية علي ثلاثة أوجه أصحها انهما سنتان لانهما للاعلام والدعاء الي الصلاة فصار كقوله الصلاة جامعة في العيدين ونحوهما
[ ٣ / ١٣٦ ]
ولانه ﷺ (جمع بين الصلاتين واسقط الاذان من الثانية) والجمع سنة فلو كان
[ ٣ / ١٣٧ ]
الاذان واجبا لما تركه لسنة والوجه الثاني انهما فرضا كفاية لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (صلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) وظاهر الامر للوجوب ولانه من شعائر الاسلام فليؤكد بالفريضة وهذان الوجهان هما اللذان أرادهما المصنف بالرأيين والثالث انهما مسنونتان في غير الجمعة وفرضا كفاية في الجمعة لانها اختصت بوجوب الجماعة فيها
[ ٣ / ١٣٨ ]
فاختصت بوجوب الدعاء إليها وبالوجه الثالث قال ابن خيران ونسبه القاضي بن كج والشيخ أبو حامد الي أبي سعيد الاصطخرى ونسب آخرون إلى أبي سعيد الوجه الثاني دون الثالث فان قلنا هما سنة فلو اتفق أهل بلد علي تركها هل يقاتلون عليه فيه وجهان أصحهما لا كسائر السنن وينسب إلى أبى اسحق المروزى والثانى نعم لانه من شعائر الاسلام فلا يمكن من تركه وان قلنا هما فرضا كفاية فانما يسقط الحرج بالظهارها في البلدة أو القرية بحيث يعلم جميع أهلها انه قد أذن فيها لو أصقوا ففى القرية الصغيرة يؤذن في موضع واحد والبلدة الكبيرة لابد منه في مواضع ومحال فلو امتنع قوم منها قوتلوا ومن قال بافتراضهما في صلاة الجمعة خاصة فقد اختلفوا: منهم من قال الاذان الواجب هو الذى يقام بين يدى الخطيب فانه الذى يختص بالجمعة فلا يبعا ايجابه كالجماعة والخطبة وغيرهما وهذا ما حكاه الشيخ أبو محمد عن احمد بن سيان من أصحابنا قال الشيخ ووجدت لفظ الوجوب في هذا
[ ٣ / ١٣٩ ]
الاذان نصا للشافعي ﵁ فلعله أراد توكيد أمره ومنهم من قال يسقط الوجوب بالاذان الذى يؤتى به لصلاة الجمعة وان لم يكن بين يدى الخطيب ولك أن تعلم قوله مشروع سنة بالالف لان بعض اصحاب احمد ذكر ان الاذان والاقامة فرضان علي الكفاية عندهم وبالميم لان في تعليق الشيخ ابي حامد أن مالكا يقول بوجوب الاذان ويلزم الاعادة ما بقى الوقت فان ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز * ونعود بعد هذا الي بيان محمد الاذان وقد ضبطه المصنف فقال محله الجماعة الاولي من صلاة الرجال الرجال في كل مفروضة مؤداة وفيه خمسة قيود أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في
[ ٣ / ١٤٠ ]
المصر هل يؤذن الجديد أنه يؤذن لما روى أن رسول الله ﷺ قال لابي سعيد الخدرى ﵁ (انك رجل تحب الغنم والبادية فإذا دخل عليك وقت الصلاة فأذن وارفع
[ ٣ / ١٤١ ]
صوتك فانه لا يسمع صوتك حجر ولا شجر ولا مدر الا شهد لك يوم القيامة) وحكي عن القديم انه لا يؤذن لان المقصود من الاذان الابلاغ والاعلام وهذا لا ينتظم في المنفرد وقال بعض اصحابنا انه كان يرجو حضور جمع اذن والا فلا وحمل حديث ابي سعيد على انه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية هذا إذا لم يبلغ المنفرد اذان المؤذنين واما إذا بلغه فالخلاف فيه مرتب على هذا الخلاف وأولى بان لا يؤذن كاحاد الجمع فان قلنا لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان أحدهما لا كالاذان وأصحهما نعم لانهما للحاضرين فيقيم لنفسه وإذا قلنا يؤذن فهل يرفع الصوت فيه وجهان
[ ٣ / ١٤٢ ]
أصحهما نعم لحديث أبى سعيد والثانى ان انتظر حضور جمع رفع والا فلا ولا شك في انه إذا أذن يقيم: وأعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام امام الحرمين وهذا الذى اقتبسه منه المصنف الا أنه جعل الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أولا ينتظر قولا واطلق في المسألة ثلاثة أقوال والامام لم يروه الا عن بعض الاصحاب والجمهور افتصروا على ذكر المذهب المنسوب الي الجديد ولم يتعرضوا
[ ٣ / ١٤٣ ]
لخلاف نعم حكى القول القديم في التتمة ولكن إذا كان المنفرد يصلى في المصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء: وقوله في الكتاب وفى المنفرد في بيته تخصيص البيت بالذكر يمكن أن يحمل علي موافقة ما رواه في التتمة لكنه لم يرد ذلك بل طرد الخلاف في السفر والحضر في الوسيط واما الفرق بين أن يرجو حضور جمع ولا يرجوا فسنيين في الاذان للفائتة أنه من أين اخذ وليكن قوله وان قلنا يؤذن -
[ ٣ / ١٤٤ ]
فيستحب رفع الصوت مرقوما بالواو لما قدمناه ويدل علي استحباب الاذان للمنفرد وعلي ان الاقامة أولى بالرعاية ما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (إذا كان أحدكم بارض فلاة فدخل عليه دقت صلاة فان صلي بغير أذان ولا اقامة صلى وحده وان صلي باقامة صلى بصلاته ملكاه فان صلي باذان واقامة صلي خلفه صف من الملائكة اولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب) ويستثنى عما ذكرنا من أن المفرد يرفع صوته بالاذان صورة وهى ما إذا صلي في مسجد اقيمت الجماعة فيه وانصرفوا فههنا لا يرفع الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى سيما في يوم الغيم وثانيها كونها جماعة أولي ومهما اقيمت الجماعة في مسجد ثم حضر قوم فان لم يكن له امام راتب لم يكره لهم اقامة الجماعة فيه وان كان ففيه وجهان أصحهما أنه يكره وبه قال أبو حنيفة وإذا أقاموا جماعة ثانية مكروهة كانت أو غير مكروهة فهل يسن لهم
[ ٣ / ١٤٥ ]
الاذان حكى امام الحرمين عن رواية صاحب التقريب فيه قولين أحدهما لا لان كل واحد منهم يدعو بالاذان الاول وقد أجاب بالحضور فصاروا كالحاضرين في الجماعة الاولي بعد الاذان والثانى نعم لان الاذان الاول قد انتهى حكمه باقامة الجماعه الاولي لكن الاذان الثاني لا يرفع فيه الصوت كيلا يلتبس الامر علي الناس وهذ أظهر والاول مذهب أبى حنيفة قال الكرخي في مختصره ولا يؤذن في مسجد له امام معروف مرتين واما ذكر المصنف المطروق في صورة المسالة فليس للتقييد لان رواية صاحب التقريب مطلقة ولعله انما ذكره لان اقامة الجماعة بعد الجماعة انما تتفق غالبا في المساجد المطروقة والله أعلم: وثالثهما صلاة الرجال ففى جماعة النساء ثلاثة أقوال حكاها في النهاية اصحها وهو نصه في الام والمختصر أنه يستحب لهن الاقامة دون الاذان اما أن الاذان لا يستحب فلان الاذان للابلاغ والاعلام ولا يحصل ذلك
الا برفع الصوت وفى رفع النساء الصوت خوف الافتتان وقد روى عن ابن عمر ﵄
[ ٣ / ١٤٦ ]
انه قال ليس علي النساء اذان واما ان الاقامة تستحب فلانها لاستفتاح الصلاة واستنهاض الحاضرين فيستوى فيها الرجال والنساء فلو اذنت علي هذا القول من غير رفع الصوت لم يكره وكان ذكر الله تعالى والثانى انه لا أذان ولا اقامة أما الاذان فلما سبق واما الاقامة فلانها تبع الاذان والثالث انه يستحب الاذان والاقامة لما روى عن عائشة ﵂ انها كانت تؤذن وتقيم ثم لا يختص هذا الخلاف بما إذا صلين جماعة بل وهو جار في المرأة المنفردة ولكن بالترتيب علي الرجل ان قلنا لا يؤذن الرجل المنفرد فالمرأة أولى وان قلنا يؤذن ففى المرأة هذا الخلاف وقوله ولا يرفع الصوت بحال أي لا ترفع المؤذنة صوتها فوق ما تسع واحبها ويحرم عليها أن تزيد على ذلك قال في النهاية وحيث قلنا في أذان الجماعة الثانية في المسجد الذى أقيم فيه الجماعة الاولي والاذان الراتب انه لا يرفع صوته فلا يعنى به أن الاولى أن لا يرفع فان الرفع أولي في حقه ولكن يعني به انه يعتد باذانه دون الرفع ورابعها المفروضة فليس في غير المفروضة اذان ولا اقامة سواء فيه الصلاة التي
[ ٣ / ١٤٧ ]
يسن له الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء واتى لا يسن كصلاة الضحي لانه لم ينقل الامر به عن الرسول صلي الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ﵃ ولكن ينادى لصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء الصلاة جامعة وكذلك لصلاة التراويح إذا اقيمت جماعة واختلف الناقلون في صلاة الجنازة فعدها المصنف في جملة ما يستحب فيه هذا النداء وكذلك فعله القاضى ابن كج وآخرون وقال الشيخ ابو حامد وطبقته لا يستحب لها الاذان والاقامة ولا هذا النداء ووافقهم صاحب التهذيب فلا بأس بأعلام قوله بل ينادى لها الصلاة جامعة لهذا السبب
[ ٣ / ١٤٨ ]
وخامسها المؤداة ففى الفائتة ثلاثة أقوال الجديد انه لا يؤذن لها لما روى عن ابى سعيد الخدرى ﵁ قال (حسبنا عن الصلاة يوم الخندق حتى كان بعد المغرب هو يا من الليل فدعا رسول
الله صلي الله عليه وسلم بلالا فاقام للظهر فصلاها ثم أقام للعصر فصلاها ثم اقام للمغرب فصلاها
[ ٣ / ١٤٩ ]
ثم أقام للعشاء فصلاها ولم يؤذن لها مع الاقامة) والقديم انه يؤذن لها وبه قال مالك وابو حنيفة وأحمد لما روى انه صلي الله عليه وسلم كان في سفر فقال (احفظوا علينا صلاتنا) يعتى الفجر فضرب علي اذاتهم فما ايقظهم الاحر الشمس فقاموا فسار واهينة ثم نزلوا فتوضأ واو اذن بلال فصلوا ركعتي الفجر وركبوا وقال في الاملاء ان امل اجتماع قوم يصلون معه اذن والا فلا قال الائمة الاذان في
[ ٣ / ١٥٠ ]
الجديد حق الوقت وفى القديم حق الفريضة وفى الاملاء حق الجماعة وهذا الخلاف في الاذان اما الاقامة فنأتي بها علي الاقوال كلها ثم استفيد من هذا الخلاف شيئان أحدهما أن الفرق في المنفرد بين ان ينتظر حضور جمع أولا ينتظر مخرج من قول الاملاء مصيرا إلى ان الاذان حق الجماعة حكى تخريجه منه عن ابى اسحق المروزى والثاني ظهور القول بان المنفرد في المؤداة هل يؤذن لها وجب ان يرتب فنقول ان قلنا المؤداة لا يؤذن لها فالفائتة أولي وان قلنا يؤذن ففى الفائتة
[ ٣ / ١٥١ ]
خلاف ولو اقيمت الفائتة جماعة فلا جريان للقول الثالث: واعلم بعد هذا ان قول المصنف وفى صلاة الفائتة المفروضة ثلاثة أقوال لفظ المفروضة مستغنى عنها فانا عرفنا بالتقييد سابقا ان غير المفروضة لا اذان لها إذا كانت مؤداة فكيف يتوهم لها الاذان إذا كانت مؤداة فائتة ثم قوله فيه ثلاثة اقوال في الثالث يقيم ولا يؤذن يقتضي ان يكون احد الاقوال انه يؤذن لها والثانى لا يؤذن لها ولا يقيم والثالث ما ذكره وتكون هذه الاقوال حينئذ علي مثال ما قدمه في جماعة النساء لكن سهو ههنا بلا شك فقد اطبقت النقلة على ان الفائتة يقيم لها وانما الاقوال في الاذان وأن ثالثها الفرق بين ان ينتظر حضور جمع اولا ينتظره وقد نقله المصنف علي الصحة في الوسيط فقال في الجديد يقيم ولا يؤذن
[ ٣ / ١٥٢ ]
وفى القديم يقيم ويؤذن وفى الاملاء ان انتظر حضور جمع اذن والا اقتصر علي الاقامة وهى متفقة
علي انه يقيم لها وهذا كله في الفائتة الواحدة فان كانت عليه فوائت وقضاها على التوالى ففى الاذان للاولي هذه الاقوال ولا يؤذن لما عداها بلا خلاف ويقيم لكل واحدة منها الاولي وغيرها وعند ابي حنيفة يتخير فيما بعد الاولى ان شاء اذن واقام وان شاء اقتصر على الاقامة ولو والي بين فريضة وقت وفائتة فان قدم فريضة الوقت اذن واقام لها واقتصر على الاقامة للفائتة وان قدم الفائتة
[ ٣ / ١٥٣ ]
أقام لها وفى الاذان الاقوال وأما فريضة الوقت فقد قال في النهاية ان قلنا يؤذن للفائتة فلا يؤذن للمؤداة بعدها كي يتوالى الاذانان وان قلنا يقتصر للفائتة علي الاقامة فيؤذن للاداء بعدها ويقيم والاظهر انه يقتصر لصلاة الوقت بعد الفائتة علي الاقامة بكل حال لحديث ابي سعيد الخدرى فانه لم يأمر للعشاء بالاذان وإن جمع بين صلاتي جمع بسفر أو مطر فان قدم الاخيرة الي وقت الاولي كتقديم العصر الي الظهر فيؤذن ويقيم للاولى ويقتصر للثانية علي الاقامة لما روى انه صلي الله عليه وسلم
[ ٣ / ١٥٤ ]
(جمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر باذن واقامتين) وايضا فانه لو اذن للثانية للاخل بالموالاة وهى مرعية عند التقديم لا محالة وإن أخر الاولى الي وقت الثانية كتأخير الظهر إلى العصر اقام لكل واحدة منهما ولم يؤذن للعصر محافظة علي الموالاة وأما الظهر فتجرى فيه أقوال الفائتة لانها تشبهها من جهة انها خارجة عن وقتها الاصلي والاصح انه لا يؤذن لها ايضا لان النبي
[ ٣ / ١٥٥ ]
ﷺ (جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء باقامتين من غير أذان) قال امام الحرمين قدس الله روحه وينقدح أن يقول يؤذن قبل الظهر وان قلنا الفائتة لا يؤذن لها اما لانها مؤداة ووقت الثانية وقت الاولى عند العذر واما لان اخلاء صلاة العصر عن الاذان وهى واقعة في وقتها بعيد فيقدر الاذان الواقع قبل صلاة الظهر للعصر وقد يؤذن الانسان لصلاة ويأتي بعده بتطوع وغيرها الي ان تتفق الاقامة وتخلله لا يقدح في كون الاذان لتلك الصلاة * وعند ابى حنيفة يصلى للمغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واقامة ولا يقيم للعشاء ويجوز ان
يعلم بالواو قوله بلا اذان وكذا قوله في حالة التقديم فيؤذن للظهر لانه لتخصيص الاذان بالظهر وقد حكي القاضى ابو القاسم بن كج ان ابا الحسن بن القطان خرج وجها انه يؤذن لكل واحدة
[ ٣ / ١٥٦ ]
من صلاتي الجمع قدم أو اخر وقوله علي أن الظهر كالفائته فلا يؤذن لها هذا وحده لا يوجب نفى الاذان فيهما لكنه يفيد نفى الاذان للظهر واما العصر فانما لا يؤذن لها لمعنى الموالاة ويلزم من مجموع الامرين ان يكون اداؤهما بلا اذان وقد نجد في بعض النسخ التعرض لسبب نفى الاذان للعصر ايضا والله اعلم وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك ان القيود الخمسة مختلف فيها كلها سوى القيد الرابع وان الظاهر عدم اعتبار الاول والثاني واعتبار الثالث والخامس * (فرع) - لا يشرع الاذان في الصلاة المنذورة كذلك رواه صاحب التهذيب وغيره ويخرج عن الضابط بقيد الجماعة فان الجماعة لا يشرع فيها * قال (الفصل الثاني في صفة الاذان وهو مثني مثني والاقامة فرادى علي الادراج: والترجيع مأمور به وكذا التثويب في اذان الصبح علي القديم وهو الصحيح: والقيام والاستقبال شرط للصحة في احد الوجهين ثم يستحب أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يحول صدره عن القبلة)
[ ٣ / ١٥٧ ]
الفصل ينتظم مسائل (احدها) الاذان مثني والاقامة فرادى خلافا لابي حنيفة حيث قال الاقامة كالاذان الا أنه يزاد فيها كلمة الاقامة لنا ما روى عن ابن عمر ﵁ قال (كان الاذان على
[ ٣ / ١٥٨ ]
عهد رسول الله ﷺ مثنى والاقامة فرادى الا أن المؤذن كان يقول قد قامت الصلاة مرتين) ثم قولنا الاذان مثنى ليس المراد منه ان جميع كلماته مثناة لان كلمة لا اله الا الله في آخره لا يؤتي
[ ٣ / ١٥٩ ]
بها الا مرة واحدة فكلمة التكبير يؤتى بها في أوله أربع مرات خلافا لمالك حيث قال لا يؤتى
بالتكبير في أوله الامرتين لنا أن ابا محذورة كذلك (حكاه عن تلقين رسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم إياه) وكذلك هو في قصة رؤيا عبد الله بن زيد في الاذان وهي مشهورة وقولنا الاقامة فرادى
[ ٣ / ١٦٠ ]
لا نعنى به أن جميع كلماتها موحدة بل كلمة التكبير مثناة في الابتداء والانتهاء وكذلك كلمة الاقامة هذا قوله في الجديد وفى القديم لا يقول هذه الكلمات الامرة وبه قال
[ ٣ / ١٦١ ]
مالك لما روى أنه (أمر بلالا أن يشفع الاذان ويوتر الاقامة) وهذا يقتضى ايتار جميع الكلمات وحجة الجديد ما قدمنا من خبر ابن عمر ﵄ ومنهم من يقتصر في حكاية القديم علي
[ ٣ / ١٦٢ ]
إفراد كلمة الاقامة دون التكبير ويجوز أن يعلم قوله والاقامة فرادى مع الحاء بالواو لان محمد بن اسحق بن خزيمة من أصحابنا قال ان رجع في الاذان ثني الاقامة وإلا أفردها جمعا بين الاخبار في
[ ٣ / ١٦٣ ]
الباب وذكر في التهذيب أنه قول للشافعي ﵁ لما روى عن أبى محذورة أن النبي ﷺ (علمه الاذان تسع عشرة كلمة والاقامة سبع عشر كلمة) (الثانية) المستحب أن يرتل الاذان ويدرج الاقامة والترتيل أن يأتي بكلماتها مبينة من غير تمطيط يجاوز الحد والادراج أن يأتي بالكلمات حدرا
[ ٣ / ١٦٤ ]
من غير فصل لما روى عن جابر ﵁ ان رسول الله ﷺ قال لبلال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) والترسل هو الترتيل (الثالثة) ينبغى أن يرجع في أذانه خلافا لابي حنيفة واحمد والترجيع
[ ٣ / ١٦٥ ]
هو أن يأتي بالشهادة مرتين مرتين بصوت خفيض ثم يمد صوته فيأتي بكل واحدة منهما مرتين أخريين بالصوت الذى افتتح الاذان به لنا ما روى عن أبى محذورة قال (القي على رسول الله صلي
[ ٣ / ١٦٦ ]
الله عليه وسلم التأذين بنفسه فقال قل الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله الا اله الا الله اشهد أن لا اله الا الله اشهد أن محمدا رسول الله اشهد أن محمدا رسول الله ثم قال أرجع فمد صوتك اشهد ان لا اله الا الله اشهد ان لا اله الا الله اشهد ان محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله وذكر باقى الاذان ووافقنا مالك علي أنه يرجع لكن الصيدلانى روى من مذهبه أنه لا يزيد في كلمات الاذان بل الترجيع
[ ٣ / ١٦٧ ]
أن يقول مرة أشهد أن لا اله الا الله ثم مرة اشهد أن محمدا رسول الله ثم يرجع فيمد صوته ويعيد الكلمتين مرة مرة بصوت عال ثم أن المصنف لم يزد في الكتاب على كون الترجيع مأمورا به والامر به يشمل المستحق والمستحب فمن أي القسمين هو الاصح أنه مستحب ولو تركه لم يضر كالتثويب ولان المقصود الاعلام والابلاغ والذى يأتي به بصوت خفيض لا يسمعه الا من حوله فلا يتعلق به ابلاغ وفيه وجه اخر انه مستحق فيه كسائر الكلمات المأمور بها ومنهم من يحكيه قولا الرابعة
[ ٣ / ١٦٨ ]
التثويب في أذان الصبح ورد الخبر به وهو أن يقول بعد الحيعلتين الصلاة خير من النوم مرتين ثم يأتي بباقى الاذان وسمي تثويبا من قولهم ثاب إلى الشئ أي عاد والمؤذن يعود به الي الدعاء الي الصلاة بعد ما دعا إليها بالحيعلتين وفيه طريقان أحدهما وهو المذكور في الكتاب ان فيه قولين القديم انه يثوب والجديد انه لا يتوب والثانى القطع بأنه يثوب وبه قال مالك وأحمد لما روى عن بلال رضى
[ ٣ / ١٦٩ ]
الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (لا تثوبن في شئ من الصلاة الا في صلاة الفجر) وبهذه الطريقة قال أبو علي الطبري والشيخ ابو حامد والقاضى ابن كح وحكاها الصيدلانى واعتمدها قال هؤلاء وانما كرهه في الجديد معللا بأن أبا محذورة لم بحكه وقد ثبت عن أبي محذورة
[ ٣ / ١٧٠ ]
انه قال (علمتي رسول الله ﷺ الاذان وقال وإذا كنت في اذان الصبح فقلت حي علي الفلاح فقل الصلاة خير من النوم مرتين) فيحتمل انه لم يبلغه عن أبى محذورة وبنى
التثويب في القديم على رواية غيره ويحتمل انه يلغه في القديم ونسيه في الجديد وعلى كل حال فاعتماده في الجديد علي خبر أبى محذورة وروايته فكأنه قال مذهبي ما ثبت في حديثه ومن أثبت القولين
[ ٣ / ١٧١ ]
قال المسالة مما يفتى فيها علي القديم * وأما أبو حنيفة فقد روى عنه مثل مذهبنا وروى انه يمكث بعد الاذان بقدر عشرين آية ثم يقول حى علي الصلاة حي علي الفلاح مرتين وقال انه التثويب ثم المشهور في التثويب القطع بأنه ليس بركن في الاذان وقال امام الحرمين فيه احتمال عندي من جهة انه يضاهى كلمات الاذان في شرع رفع الصوت به فكان أولي بالخلاف من الترجيع وقوله وكذا التثويب
[ ٣ / ١٧٢ ]
في اذان الصبح مطلق يشمل الاذان الاول والثاني للصبح لكن ذكر في التهذيب انه إذا أذن مرتين وثوب في الاول لا يثوب في الثاني علي أصح الوجهين (الخامسة) ينبغي أن يؤذن ويقيم قائما لان الملك الذى رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن قائما وكذلك كان يفعل بلال وغيره من مؤذني رسول الله صلي الله عليه وسلم ولانه أبلغ في الاعلام فلو ترك القيام مع القدرة ففيه وجهان أصحهما ان الاذان والاقامة صحيحان لحصول أصل الابلاغ والاعلام ولانه يجوز ترك القيام في صلاة النفل ففى الاذان أولي الا انه يكره ذلك الا إذا كان مسافرا فلا بأس بأن يؤذن راكبا قاعدا والثاني انه لا يعتد بأذانه واقامته كما لو ترك القيام في الخطبة وهذا لان شرائط الشعار تتلقي من استمرار
[ ٣ / ١٧٣ ]
الخلق واتفاقهم وهذا مما استمروا عليه وينبغى أن يستقبل فيهما القبلة بمثل ما قدمناه ولو تركه وأذن
[ ٣ / ١٧٤ ]
مستديرا ففيه الخلاف المذكور في ترك القيام ويستحب الالتفات في الحيلعتين يمينا وشمالا وذلك
[ ٣ / ١٧٥ ]
بأن يلوى رأسه وعنقه من غير أن يحول صدره عن القبلة أو يزيل قدميه عن مكانهما لما روى عن أبي جحيفة
[ ٣ / ١٧٦ ]
قال (رايت بلالا خرج إلى الابطح فأذن فلما بلغ حي علي الصلاة حى الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدبر) وكيفيته أن يلتفت يمينا فيقول حى علي الصلاة مرتين ثم يلتفت شمالا فيقول حى على الفلاح مرتين وهذا هو الاصح وعليه العمل وبه قال أبو حنيفة وعن القفال انه يقسم كل حيعلة علي الجهتين فيقول حي علي الصلاة مرة عن يمينه ومرة عن يساره وكذلك قوله حي علي الفلاح ولفظ الكتاب يصلح لهذا الوجه بأن يكون المعنى انه يلتفت في كل حيعلة يمينا وشمالا ولكنه لم يرد ذلك وانما اراد الهيأة المشهورة والمعنى يستحب أن يلتفت في الحيعلتين يمينا في الاولى وشمالا في الثانية ثم حكى صاحب البيان على الوجه الاول وجهين فيما يفعل الي تمام كل واحدة من الحيعلتين (أحدهما) انه يلتفت يمينا
[ ٣ / ١٧٧ ]
ويقول حي علي الصلاة مرتين ثم يرد وجهه الي القبلة ثم يلتفت شمالا ويقول حي علي الفلاح مرتين وهذا ما عليه العمل والثانى يلتفت يمينا ويقول حى على الصلاة مرة ثم يرد وجهه الي القبلة ثم يلتفت يمينا ويقول حى على الصلاة مرة أخرى وكذلك يفعل بالجهة الثانية وانما اختصت الحيعلتان بالالتفات دون سائر الاذان لان سائر الاذان ذكر الله تعالي وهنا خطاب الادمى فلا يعدل عن القبلة فيما
[ ٣ / ١٧٨ ]
ليس بخطاب الادمى وهذا كالسلام في الصلاة ويلتفت فيه ولا يلتفت في سائر الاذكار وانما لم يستحب في الخطبة أن يلتفت يمينا وشمالا لان ألفاظها تختلف والغرض منها الوعظ والافهام فلا يخص بعض الناس بشئ منها كيلا يختل الفهم بذهاب بعض الكلام عن السماع وههنا الغرض الاعلام بالصوت وذلك يحصل بكل حال وفي الالتفات اسماع النواحى وهل يستحب الالتفات
[ ٣ / ١٧٩ ]
في الاقامة فيه وجهان أشهرهما نعم كما في الاذان والثاني لا لان المقصود منها اعلام الحاضرين فلا حاجة الي الالتفات الا أن يكبر المسجد ويحتاج إليه وليكن قوله ولا يحول صدره عن القبلة معلما بالحاء والالف لان عند أبى حنيفة وأحمد ان أذن علي المنارة دار عليها وان أذن علي وجه الارض اقتصر علي الالتفات
قال (ورفع الصوت في الاذان ركن) *
[ ٣ / ١٨٠ ]
ينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالاذان وأن يبالغ فيه ما لم يجهده وروى انه ﷺ قال (يغفر للمؤذن مدى صوته) ثم الاذان ينقسم الي ما يأتي به الانسان لفنسه وإلى ما يأتي به للجماعة أما الاول فيكفى فيه أن يسمع نفسه على المشهور لان الغرض منه الذكر دون الاعلام وقال الامام الاقتصار علي اسماع النفس يمنع كون المأتي به أذانا واقامة فليزد عليه قدر ما يسمع من عنده لو حضر ثم نفر بخلاف الذى قدمناه في أن المنفرد إذا أذن هل يرفع صوته مفروض علي المشهور في انه هل يستحب الرفع وعلي ما ذكره الامام في انه هل يعتد به دون الرفع وأما الاذان للجماعة فقد نقل عن نصه انه لو جهر بشئ من الاذان وخافت بشئ لم يكن عليه اعادة ما خافت به كما لو أسر بالقراءة في موضع الجهر وللاصحاب فيه ثلاثة أوجه (أحدها) انه لا باس بالاسرار جريا
[ ٣ / ١٨١ ]
علي ظاهر النص (وثانيها) انه لا يجوز الاسرار بالكل ولو أسر بكلمة أو بكلمتين فلا بأس والنص محمول علي هذه الحالة (وأصحها) وبه قال صاحب الافصاح أنه لا يجوز الاسرار بشئ منه لان ذلك مما يبطل مقصود الاذان وهو الابلاغ والاعلام والنص محمول علي أذان المنفذر وقد عرفت بما ذكرنا ان لفظ الكتاب محمول علي أذان الجماعة ثم هو معلم بالواو للوجهين الاخرين وأما الاقامة فلا يكفى فيها الاقتصار علي اسماع النفس كما في الاذان علي الاصح ولكن الرفع فيها دون الرفع في الاذان لانها للحاضرين * قال (والترتيب في كلمات الاذان شرط ولو عكسها لا يعتد بها وان طول السكوت في أثنائها فقولان ولو بنى عليه غيره فقولان مرتبان وأولي بالالبطلان ولو ارتد في أثناء الاذان بطل وان قصر الزمان على أحد القولين لان الردة تحبط العبادة) *
[ ٣ / ١٨٢ ]
لعلك تقول لم عد رفع الصوت ركنا والترتيب شرطا فاعلم ان ليس في هذا كثير شئ
وكلاهما مما لابد منه ولو عد الترتيب ركنا في الاذان كما فعل في الوضوء لم يبعد لكن يمكن ان يقال ركن الشئ ما يفوت بفواته المقصود من ذلك الشئ والشرط زينة الشئ وتتمتة وإذا كان كذلك فرفع الصوت مما يفوت بفواته المقصود من الاذان وهو الاعلام والترتيب زينة وهيئة للكلمات ولهذا فرقنا بين الترتيب وسائر الاركان في الوضوء فجعلنا النسيان عذرا فيه دون غيره علي قول على ان الظن أنه ما قصد تحقيق فرق بينهما وفى سياق كلامه في الوسيط ما يفهم ذلك وغرض الفصل انه يعتبر في الاذان شيثان احدهما الترتيب بين كلماته لان النبي ﷺ (علمه مرتبا) فيتبع ولانه لو لم يكن لها ترتيب خاص لا ورث ذلك اختلال الاعلام والايلاغ
[ ٣ / ١٨٣ ]
فلو عكس الكلمات لم يعتد بها معكوسة ويبنى علي القدر المنتظم ولو ترك بعض الكلمات من خلاله اتى به واعاد ما بعده الثاني الموالاة لان غرض الاعلام يبطل إذا تخلل الفصل الطويل ويظن السامعون انه لعب أو تعليم ويتعلق بهذا الشرط مسائل (أحداها) لو سكت في اثناء الاذان يسيرا لم يضر لان مثله يقع للنفس والاستراحة ولا ينقطع به الولاء وان طول السكوت فقد حكي في الكتاب فيه قولين وبناهما امام على القولين في الطهارة وهذا أولي باعتبار الموالاة فيه كيلا يلتبس الامر على السامعين ولا يبطل غرض الاعلام فان اعتبرها الموالاة بطل الماتي به بالسكوت الطويل ووجب الاستئناف والا فله البناء علي المأتى به وبنى بعض الاصحاب القولين على القولين في جواز
[ ٣ / ١٨٤ ]
البناء علي الصلاة إذا سبقه الحدث (الثانية) لكلام في خلال الاذان بمطلقه لا يبطله لانه ليس بآكد من الخطبة وهى لا تبطل به ولكن ينظر ان كان يسيرا لم يضر كما في الخطبة وكما في السكوت اليسير هذا هو المشهور وعن الشيخ ابي محمد تردد في تنزيل الكلام اليسير إذا رفع الصوت به منزلة السكوت الطويل لان الكلام اشد جرا للبس من السكوت وان تكلم بكلام كثير ففيه قولان مرتبان على السكوت الطويل وهو أولي بابطان الولاء لما ذكرنا وإذا خرج عن اهلية الاذان بغير الردة كما إذا أغمى عليه أو نام في خلال الاذان فهو علي هذا التفصيل ان كان
يسيرا أو زال علي قرب لم يضر وجاز البناء عليه وان طال ففيه القولان وان خرج عن اهلية الاذان بالردة فسياتى واعلم ان صاحب الافصاح والعراقيين قالوا يجوز البناء في هذه الصور وان طال الفصل وحكوه عن نص الشافعي ﵁ لكن الاشبه وجوب الاستئناف عند تخلل الفصل الطويل لانهم اتفقوا علي اشتراط الترتيب في الاذان وما يقتضى اشتراط الترتيب فيه هو بعينه يقتضي اشتراط الموالاة وهذا هو الذى اورده الصيدلاني والشيخ أبو علي وتابعهما صاحب التهذيب وغيره وحملوا كلام الشافعي ﵁ علي الفصل اليسير ثم في الاغماء والنوم يستحب الاستئناف وان لم يجب أما لقصر الزمان أو على قولنا انه لا يضر وان طال الزمان وكذلك يستحب
[ ٣ / ١٨٥ ]
الاستئناف في الكلام والسكوت الكثيرين وان قلنا انهما لا يبطلان ولا يستحب الاستئناف إذا كانا يسيرين (الثالثة) المستحب ان لا يتكلم في اذانه بشئ فلو عطس حمد الله تعالى في نفسه وبنى ولو سلم عليه انسان أو عطس لم يجب ولم يشمت حتى يفرغ ولو أجاب أو شمت أو تكلم بما فيه مصلحة لم يكره وان ترك المستحب وان رأى اعمي يكاد يقع في بئر فلابد من انذاره (الرابعة) إذا لم يحكم ببطلان الاذان بالفصل المتخلل فله ان يبني علي اذانه وهل لغيره البناء عليه فيه قولان بناهما بعضهم علي جواز الاستخلاف في الصلاة وقال ان جوزنا صلاة واحدة بامامين ففى الاذان أولى وان لم نجوز ففى الاذان قولان والفرق ان الاذان لا يتأثر باكلام اليسير والاغماء بخلاف الصلاة ومنهم من بناهما علي جواز البناء علي خطبة الخطيب إذا أغمى عليه في اثنائها وهما قريبان لان الخلاف في الخطبة ايضا مبنى علي قولي الاستخلاف في الصلاة ولذلك إذا جوزنا البناء شرطنا ان يكون الذى يبنى ممن سمع الخطبة من أولها ومنهم من رتب بناء غيره على بنائه علي اذان نفسه عند طول الفصل وهو أولي بالبطلان لان صدور الاذان من رجلين ابلغ في اثارة اللبس وهذا الترتيب هو المذكور في الكتاب وظاهر المذهب المنع من بناء الغير عليه (الخامسة) لو ارتد بعد
[ ٣ / ١٨٦ ]
الفراغ من اذانه ثم اسلم واقام جاز لكن المستحب ان لا يصلي باذانه واقامته بل يعيد غيره الاذان
ويقيم لان ردته تورث شبهة في حاله ولو ارتد في خلال الاذان لم يجز البناء عليه في الردة بحال لان اذان الكافر لا يعتد به كما سيأتي ولو عاد الي الاسلام فهل يجوز البناء عليه منهم من يحكى فيه قولين وكذلك فعل المصنف ومنهم من رواهما وجهين وهم الاكثرون وانما كان كذلك لانهما ليسا بمنصوصين لكن روى عن نصه في الاذان انه لا يبنى وفي المعتكف إذا ارتد ثم أسلم انه يبني فخرجوهما علي قولين احدهما وبه قال ابو حنيفة انه لا يجوز البناء لانه عبادة واحدة فتحبط بعروض الردة فيها كالصلاة وغيرها واصحهما الجواز والردة انما تمنع العبادة في الحال فلا تبطل ما مضى الا إذا اقترن بها الموت وتخرج عليه الصلاة ونحوها من العبادات لانها لا تقبل الفصصل بحال
[ ٣ / ١٨٧ ]
وقطع بعضهم بهذا الوجه الثاني وحمل كلام الشافعي ﵁ على ما إذا اطال زمان الردة فالحاصل في الردة طريقان احدهما طرد الخلاف في مطلق الارتداد طال زمانه أم قصر وعلى هذا فللبطلان عند طول الزمان ماحذان طول الفصل وكون الردة مبطلة للعبادة والطريقة الثانية تخصيص الخلاف بما إذا طال الزمان الارتداد وتجويز البناء إذا قصر جزما وعلى هذا فالردة بمثابة الاغماء والكلام وغيرهما وهل لغير المرتد البناء على اذانه فيه خلاف الذى سبق وكذا لو مات في خلال الاذان وقوله ولو ارتد في اثناء الاذان بي ل وان قصر الزمان على احد القولين جرى علي الطريقة الاولى واثبات للخلاف في طول الزمان وقصره تعليلا بان الردة مبطلة للعباد * قال (الفصل الثالث في صفة المؤذن ويشترط ان يكون مسلما عاقلا ذكرا فلا يصح اذان كافر وامرأة ومجنون وسكران مختبط ويصح أذان الصبى المميز) * الصفات المعتبرة في المؤذن تنقسم إلى مستحقة ومستحبة فبدأ بالمستحقة وهى الاسلام والعقل والذكورة أما الاسلام فلا يصح أذان الكافر لانه ليس من اهل العبادة ولانه لا يعتقد مضمون الكلمات ولا الصلاة التى هي دعاء إليها فاتيانه به ضرب من الاستهزاء ثم الكفار ضربان أحدهما
[ ٣ / ١٨٨ ]
الذين يستمر كفرهم مع الاتيان بالاذان وهم العيسوية فرقة من اليهود ويقولون محمد رسول الله
إلى العرب خاصة فلا ينافى لفظ الاذان مإقالتهم والثانى سائر الكفار وفى الحكم باسلامهم بكلمتي الشهادة في الاذان وجهان نقلهما صاحب البيان أحدهما لا نحكم لانه يأتي به علي سبيل الحكاية وأصحهما وهو المشهور في الكتب انه يحكم بالاسلام كما لو تكلم بالشهادتين باستدعاء غيره فعلي هذا لا يستمر كفر هؤلاء مع الاتيان بالاذان ولكنه لا يعتد باذانهم لوقوع أوله في الكفر وأما العقل فهو شرط فلا يصح أذان المجنون لانه ليس أهلا للعبادة وفي أذان الكسران وجهان مبنيان علي الخلاف في تصرفاته واعتبار قصده واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه يلحق بالمجنون تغليظا للامر عليه وانما شرط كونه مخبطا اشارة الي ان الذى هو في أول النشوة ومبادي النشاط يصح أذانه كسائر تصرفاته لانتظام قصده وفعله وأما الذكورة فلا يصح من المرأة أن تؤذن للرجال كما لا يجوز ان تؤمهم وكذلك لا يعتد باذان الخنثى المشكل للرجال وأما أذان المرأة لنفسها ولجماعة النساء فقد سبق حمكه وقوله وولا يصح أذان كافر وامرأة المراد منه ما إذا أذنت للرجال وان كان الكلام مطلقا ويصح الاذان من الصبى المميز لوجود الشرائط الثلاث وصار كامامته للبالغين وليكن قوله ذكرا وقوله وامراة مرقوما بالحاء لان المحكى عن أبى حنيفة أنه يعتد بأذانها للرجال وبالواو لان صاحب التتمة روى وجها مثل ذلك وليكن قوله ويصح اذان الصبي المميز معلما بالواو أيضا لان صاحب التتمة روى وجهان انه لا يعتد بأذانه ومأخذ الوجهين الغريبين تنزيل الاذان منزلة الاخبار لانه بناء عن دخول الوقت وخبر المرأة مقبول وخبر الصبي غير مقبول * قال (ويستحب الطهارة في الاذان ويصح بدونها والكراهية في الجنب أشد وفي الاقامة أشد)
[ ٣ / ١٨٩ ]
يستحب الطهارة في الاذان ولا تجب خلافا لاحمد وبعض أصحابه لنا ما روى ان النبي ﷺ قال (حق وسنة ان لا يؤذن الرجل الا وهو طاهر) وهذا يقتضى الاستحباب
[ ٣ / ١٩٠ ]
وينفى الوجوب وروى انه صلي الله عليه وسلم قال (لا يؤذن الا متوضئ) وأيضا فانه يدعو
الي الصلاة فينبغي ان يكون هو بصفة تمكنه ان يصلى والا فهو واعظ غير معظ فلو اذن واقام جنبا أو محدثا فقد فعل مكروها ولكن يحسب أذانه لحصول مقصوده وكونه اهلا واذان الجنب أشد كراهة من اذن المحدث لان الجنابة اغلظ وما يحتاج إليه الجنب لتمكنه الصلاة فوق ما يحتاج إليه المحدث والاقامة مع أي واحد من الحدثين اتفقت أشد كراهة من الاذان مع ذلك الحدث لان الاقامة يتعقبها الصلاة وتكون بعد حضور القوم فان انتظروه ليتظهر ويعود شق عليهم والا ساءت الظنون فيه واتهم بالكسل في الصلاة * قال (وليكن المؤذن صيتا حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه وليكن عدلا ثقة لتقلده عهدة المواقيت) *
[ ٣ / ١٩١ ]
مما يستحب في المؤذن أن يكون صيتا لقوله صلي الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن زيد (القه علي بلال فانه اندى منك صوتا) والمعنى فيه زيادة الابلاغ والاسماع ولهذا يستحب أن يضع اصبعيه في صماخي اذنيه لتنسد خروق الاذنين فيكون اجمع للصوت وان يؤذن علي موضع عال من منارة وسطح ونحوهما ومما يستحب فيه ان يكون حسن الصوت لان النبي صلي الله عليه وسلم اختار أبا محذورة لحسن صوته ولان الدعاء الي العبادة جذب للنفوس الي خلاف ما تقتضيه طباعها فإذا كان الداعي حلو المقال رقت قلوب السامعين فيكون ميلهم الي الاجابة أكثر ومما يستحب فيه أن يكون عدلا لمعنيين أحدهما ان السنة أن يؤذن علي موضع عال وحينئذ يشرف على العورات فإذا كان عدلا غض البصر وأمن منه والثانى انه يتقلد عهدة المواقيت فإذا كان فاسقا لم يؤمن أن يؤذن قبل الوقت وهذا المعنى هو الذى ذكره في الكتاب فان قلت قد قدمتم فيما سبق خلافا في انه هل يجوز الاعتماد على أذان المؤذن أم لا فان جاز فربما يؤذن قبل الوقت فيفطر الصائم ويصلي المبادر فيلزم المحذور أما إذا لم يجز فكل يعمل بعلمه واجتهاده فلا يستمر هذا المعنى قلنا
[ ٣ / ١٩٢ ]
الاذان قبل الوقت غير محسوب ولا يؤمن أن يقدمه علي الوقت فيكون القوم مصلين بغير أذان وكل
احد وان اجتهد للصلاة لا يجتهد للاذان فظهر المحذور علي التقدير الثاني أيضا وأما قوله عدلا ثقة فلعلك تقول لم جمع بين اللفظين فاعلم انهما جميعا موجودن في كلام الشافعي ﵁ واختلف الاصحاب منهم من قال انه تأكيد في الكلام ومنهم من قال أراد عدلا في دينه ثقة في العلم بالمواقيت ومنهم من قال أراد عدلا ان كان حرا ثقة ان كان عبدا لان العبد لا يوصف بالعدالة لكن يوصف بالثقة والامانة * قال (والامامة أفضل من التأذين على الاصح لمواظبة النبي صلي الله عليه وسلم عليها) كل واحد من الاذان والامامة عمل فيه فضيلة ثم لا يخلو اما أن تكون الامامة أفضل من الاذان أو بالعكس أو لا يكون واحد منهما أفضل من الاخرو رابع هذه الاقسام محال وأما القسم الثالث وهو التسوية بينهما فهو وجه غريب لعبض الاصحاب حكاه صاحب البيان وغيره وأما القسمان الاولان ففيهما وجهان مشهوران أحدهما أن الامامة أفضل لان الرسول صلي الله عليه وسلم واظب عليها دون الاذان وكذا الخلفاء بعده والثاني أن الاذان أفضل لقوله صلي الله عليه وسلم (الائمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الائمة وغفر للمؤذنين) والامين أحسن حالا من الضمين والدعاء بالمغفرة خير من الدعاء بالارشاد واعتذر الصائرون إلى هذا الوجه عن ترك الرسول صلي الله عليه وسلم الاذان بوجوه (أحدها) انه إذا قال حي علي الصلاة
[ ٣ / ١٩٣ ]
لزم أن يتحتم حضور الجماعة لانه أمر ودعاء واجابة النبي ﷺ واجبة فتركه شفقة علي أمته (والثانى) انه لو أذن لكان اما أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله وليس ذلك بجزل والقائل محمد الرسول صلي الله عليه وسلم واما أن يقول أشهد أني رسول الله وهو تغيير لنظم الاذان (والثالث) انه ما كان يفرغ للمحافظة علي الاذان لاشتغاله بسائر مهمات الدين من الجهاد وغيره والصلاة لابد من اقامتها بكل حال فآثر الامامة فيها والي هذا الوجه أشار عمر رضي عنه بقوله (لولا الخليفى لاذنت) ولمن نصر الوجه الاول أن يقول لا اسلم غانه لو اذن لتحتم الحضور وانما يلزم ذلك أن لو كان الامر والدعاء في هذا الموضع للايجاب ومعلوم ان الاوامر منقسمة إلى
ما يكون للايجاب والى ما يكون للاستحباب وأما الثاني فلم قلتم انه لو قال اشهد ان محمدا رسول الله لاختلت الجزالة ألا ترى ان الله تعالي يقول (انما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب) ولم يقل
[ ٣ / ١٩٤ ]
وخشينى بالغيب ونظائر ذلك لا تحصى ثم ما قولكم في كلمة الشهادة في التشهد أكان يقول اشهد ان محمدا رسول الله أو يقول أشهد أني رسول الله فان كان الاول فلا اختلال وان كان الثاني وهو المنقول فلم احتمل تغيير النظم منه ثم ولا يحتمل ههنا وأما الثالث فلا نسلم أن الاشتغال بسائر المهمات يمنع من الاذان مع حضور الجماعة واقامة الصلوات في أول الوقت وبتقدير التسليم فلا شك انه كان له أوقات فراغ فينبغي ان يؤذن في تلك الاوقات وإذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى اختاره كثيرون من اصحابنا منهم الشيخ ابو حامد واتباعه أن الاذان أفضذل وغلطوا من صار الي تفضيل الامامة وبالغوا فيه وتابعهم صاحب التهذيب وعكس المصنف ذلك فجعل تفضيل الامامة أصح والذى فعله أولى وبه قال صاحب التقريب والقفال والشيخ أبو محمد وغيرهم ورجحه القاضي الرويانى أيضا وحكاه عن نص الشافعي ﵁ في كتاب الامامة وعلل بان الامامة أشق فيكون الفضل فيها اكثر وتوسط بعض علمائنا بين المذهبين منهم أبو علي الطبري والقاضى بن كج والمسعودي والقاضى الحسين فقالوا ان علم من نفسه القيام بحقوق الامامة وما ينوب فيها واستجمع خصالها فالامامة افضل له وإلا فالاذان أفضل وأما الجمع بين الاذان والامامة فلا يستحب لم يفعله الرسول صلي الله عليه وسلم
[ ٣ / ١٩٥ ]
ولا أمر به ولا السلف الصالح بعده وأغرب القاضي ابن كج فقال الافضل لمن يصلح لهما أن يجمع بينهما ولعله أراد الاذان لقوم والامامة لاخرين والله أعلم * قال (وللامام أن يستأجر المؤذن من بيت المال وهل لاحاد الناس ذلك فيه خلاف) * المؤذن يستحب له التطوع بالاذان لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (من أذن سبع سنين محتسبا كتبت له براءة من النار) فان لم يتطوع وطمع في شئ ففيما يصرف إليه طريقان أحدهما إدرار رزق عليه والثانى أن يعطي أجرة في اجارة والمذكور في الكتاب هو الثاني فأما
الطريق الاول فللامام أن يرزق المؤذن من مال المصالح وهو خمس خمس الفئ والغنيمة المضاف
[ ٣ / ١٩٦ ]
الي الله تعالي ورسوله ولا يرزقه من اربعة أخماس خمسها لانها لاقوام مخصوصين كالزكاة وكذا لا يرزقه من أربعة أخماس الغنيمة لانها للغانمين وفي أربعة أخماس الفئ قولان يأتي ذكرهما في موضعهما ان شاء الله تعالي ان جعلناها للمصالح جاز أن يرزقه منها والا فلا: ثم إنما يرزق عند الحاجة وعلي قدر الحاجة فلو وجد فاسقا يتطوع بالاذان فله أن يرزق أمينا لا يتطوع وفيه وجه بعيد ولو وجد أمينا يتطوع وثم آخر حسن صوتا منه فهل يجوز أن يرزقه فيه وجهان أحدهما وينسب الي ابن سريج نعم والثاني ويحكي عن القفال لا وإذا كان في البلد مساجد فان لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عددا من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدي الشعار وان امكن فوجهان احدهما يجمع ويقتصر على رزق واحد نظرا لبيت المال والثاني يرزق الكل حتى لا تتعطل المساجد ولو لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالاهم وهو رزق
[ ٣ / ١٩٧ ]
مؤذن الجامع واذان صلاة الجمعة اهم من غيره وكما يجوز الرق من بيت المال يجوز للامام ان يرزق من مال نفسه وكذلك للواحد من الرعايا وحينئذ لا حجر يرزق كم شاء ومتي شاء واما الطريق الثاني وهو ان يستأجر على الاذان ويعطي اجرة عليه فهل يجوز ذلك فيه وجهان احدهما وبه قال ابو حنيفة واحمد انه لا يجوز لانه عمل يعود نفعه الي الاجير فلا يصح الاستئجار عليه كالاستئجار علي القضاء لا يجوز وان جاز ان يرزق القاضى من بيت المال وهذا اختيار الشيخ ابى حامد ويقال ابن ابن المنذر نقله عن الشافعي ﵁ واصحهما انه يجوز وبه قال مالك لانه عمل معلوم يجوز اخذ الرزق عليه فيجوز اخذ الاجرة عليه ككتبة المصاحف وعلي هذا فهل يختص الجواز بالامام ام يجوز لكل واحد فيه وجهان احدهما انه يختص بالامام أو من اذن له الامام لانه من الشعائر والمصالح العامة والامام هو القوام بها فيصرف مال بيت المال الي هذه الجهة واظهرهما أنه يجوز لاحاد الناس من أهل المحلة وغيرهم الاستئجار عليه ما مالهم كالاستئجار علي الحج وتعليم القرآن ويحصل من هذا الترتيب ثلاثة أوجه المنع المطلق والجواز المطلق والفرق بين الامام وغيره وقد
ذكرها المصنف جميعا في باب الاجارة من الكتاب وان لم يذكر في الامام خلافا في هذا الموضع فلو اعلمت قوله وللامام أن يستأجر بالواو مع الحاء والالف لكلان صحيحا والمذكور في الاجارة يشتمل علي القدر المذكور ههنا مع زيادة فلو طرحه لماضر وإذا فرعنا علي جواز الاستئجار فانما نجوز للامام الاستئجار من بيت المال حيث يجوز له الرزق منه خلافا ووفاقا وذكر في التهذيب أنه لا يحتاج الي بيان المدة إذا استأجر من بيت المال بل يكفى أن يقول استأجرتك لتؤذن
[ ٣ / ١٩٨ ]
في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا وان استأجر من مال نفسه أو استأجر واحد من عرض الناس ففى اشتراط بيان المدة وجهان قال والاقامة تدخل في الاستئجار للاذان فلا يجوز الاستئجار علي الاقامة إذ لا كلفة فيها وفى الاذان كلفة لمراعاة الوقت وليست هذه الصورة بصافية عن الاشكال * قال (فرع) إذا كثر المؤذنون فلا يستحب ان يتراسلوا بل ان اتسع الوقت ترتبوا ثم من اذن أولا فهو يقيم فان تساووا أقرع بينهم ووقت الاقامة منوط بنظر الامام ووقت الاذان بنظر المؤذن) * الفرع يشتمل علي قاعدتين أحدهما يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله ﷺ بلال وابن ام مكتوم ومن الفوائد فيه أن يؤذن أحدهما لصلاة الصبح قبل الفجر والاخر بعده كما تقدم وتجوز الزيادة لكن الاحب ان لا يزاد علي أربعة فقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة
[ ٣ / ١٩٩ ]
من المؤذنين ولم يزد الخلفاء الراشدون علي هذا العدد وإذا ترشح للاذان اثنان فصاعدا فلا يستحب ان يتراسلوا بالاذان إذ لم يفعله مؤذنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ولكن ينظر ان وسع الوقت ترتبوا فان تنازعوا في البداية اقرع بينهم وان ضاق الوقت فان كان المسجد كبيرا اذنوا متفرقين في افطار المسجد فانه ابلغ في الاسماع وان كان صغيرا وقفوا معا واذنوا وهذا إذا لم يؤد اختلاف الاصوات الي تشويش فان ادى لم يؤذن الا واحد فان تنازعوا اقرع بينهم روى انه صلى
الله عليه وسلم قال (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا الا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه) وإذا انتهى الامر الي الاقامة فان اذنوا علي الترتيب فالاول أولى بالاقامة لما روى عن زياد الصدائي قال أمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال
[ ٣ / ٢٠٠ ]
أن يقيم فقال ﷺ (أن أخا صدا قد أذن ومن أذن فهو يقيم) وهذا إذا لم يكن مؤذن راتب أو كان السابق هو المؤذن الراتب فاما إذا سبق غير المؤذن الراتب فأذن فهل يستحق ولاية الاقامة فيه وجهان أحدهما نعم لاطلاق الخبر واظهرهما لا لانه مسئ بالتقدم وفي القصة المروية كان بلال غائبا وزياد أذن باذن رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا قلنا ولاية
[ ٣ / ٢٠١ ]
الاقامة لمن أذن أولا فليس ذلك علي سبيل الاستحقاق بل لو اذن واحد وأقام غيره اعتد به روى أن عبد الله ابن زياد (لما القى الاذان علي بلال فأذن قال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده يا رسول الله قال فأقم انت) وحكى صاحب التتمة وغيره وجها انه لا يعتد به تخريجا من قول الشافعي رضي عنه انه لا يجوز ان يخطب واحد ويصلي آخر فهذا إذا اذنوا على الترتيب أما إذا أذنوا معا فان اتفقوا علي اقامة واحد فذاك والا اقرع بينهم ولا يقيم في المسجد الواحد الا واحد فانها لا سننها ض الحاضرين الا إذا لم تحصل الكفاية بواحد وقيل لا بأس بأن يقيم ومعا ايضا أن لم يؤد الي التشويش: ونعود إلى لفظ لكتاب قوله فلا يستحب ان يتراسلوا بل ان وسع الوقت ترتبوا نفى لاستحباب التراسل مطلقا وبيان لما يستحب علي أحد التقديرين وهو سعة الوقت وكان اللائق أن يبين معه حكم التدير الثاني فالتعرض لاحدهما والسكوت عن الثاني ترك غير مستحسن لا إيجاز فان قلت تقييد الترتيب بما أذا وسع الوقت يفيد أن الحكم بخلافه فيما إذا لم يسع الوقت قلنا نعم لكن لا يفيد الا انهم لا يترتبون ولا يعرف من ذلك انهم
[ ٣ / ٢٠٢ ]
يؤذنون جميعا لان ههنا قسما آخر وهو انه لا يؤذن الا أحدهم وبتقدير انه يفيد انهم يؤذنون جميعا اما وحده أو بقرينة قوله بعد ذلك فان استووا أقرع بينهم لكنه لا يفيد انهم يؤذنون مجتمعين
أو متفرقين في نواحى المسجد فإذا القدر المذكور لا يفيد معرفة الحكم المطلوب وأما الاقامة فقد بين حكمها علي التقديرين وأما إذا أذنوا مرتبا فحيث قال ثم من أذن أولا فهو يقيم واما إذا أذنوا
[ ٣ / ٢٠٣ ]
معا فحيث قال فان استووا أقرع بينهم والمعنى فان استووا في الاذان وتنازعوا في الاقامة والا فلو سلموها لواحد فلا حاجة الي القرعة وقوله من أذن أولا فهو يقيم وان كان مطلقا لكنه محمول علي ما إذا لم يكن السابق مسيئا بمبادرة المؤذن الراتب كما قدمناه ثم الحكم بأنه يقيم استحقاق أو استحباب قد ذكرناه (الثانية) وقت الاذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الامام ووقت الاقامة منوط به نظر الامام فانما يقيم المؤذن عند اشارته لما روى انه ﷺ قال (المؤذن أملك بالاذان والامام أملك بالاقامة) والمعنى فيه أن الاقامة سببها ان تعقبها الصلاة علي الاتصال والصلاة إلى الامام فينبغي أن يكون عازما علي الشروع عند تمامها ولهذا لم يقولوا بترتيب الاقامة عند كثرة المؤذنين لان ما سوى الاقامة الاخيرة لا يتصل بها الصلاة ونختم الباب بذكر محبوبات مما يتعلق بالاذان أهملها المصنف (منها) أن يكون المؤذن ممن جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم أو بعض صاحبته الاذان في آبائهم إذا وجد وكان عدلا صالحا له وان يصلى المؤذن ومن يسمع الاذان على رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد الاذان ويقول اللهم رب هذا الدعوة التامة والصلاة
[ ٣ / ٢٠٤ ]
القائمة آت محمدا لوسيلة والضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته وان يجب من يسمع الاذان المؤذن فيقول مثل ما يقول وان كان السامع جنبا أو محدثا الا في الحيعلتين فانه يقول لا حول ولا قوة الا بالله والا في كلمة الاقامة فانه يقول أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها والا في التثويب فانه يقول صدقت وبررت وفي وجه يقول صدق رسول الله ﷺ الصلاة خيرمن النوم فان كان في قراءة أو ذكر فيستحب أن يقطعهما ويجيب فان ذلك لا يفوت ولو كان في الصلاة فالمستحب لا يجيب حتى يفرغ منها بل يكره أن يجيب في أظهر القولين لكن لو أجاب
[ ٣ / ٢٠٥ ]
بما استحببناه لم تبطل صلاته لانها اذكار نعم لو قال حى علي الصلاة أو تكلم بكلمة التثويب بطلت
صلاته لانه كلام ولو أجاب في خلال الفاتحة استأنفها فان الاجابة في الصلاة غير محبوبة ويستحب أن يقول من سمع أذان المغرب اللهم هذا إقبال ليلك وادبار نهارك فاغفر لي ويستحب الدعاء بين الاذان والاقامة وأن يتحول المؤذن الي موضع آخر للاقامة قال (الباب الثالث في الاستقبال: والنظر فيه في ثلاثة أركان (الاول) لصلاة ويتعين الاستقبال في فرائضها (و) الا في القتال فلا تؤدى فريضة علي الراحلة ولا منذورة أن قلنا يسلك بها مسلك واجب الشرع ولا صلاة الجنازة (ح) لان الركن الاظهر فيها القيام)
[ ٣ / ٢٠٦ ]
قال الله تعالي (قد نرى تقلب وجهك في السماء) الاية ووى أنه صلي الله عليه وسلم (د خل الببت ودعى في نواحيه ثم خرج وركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة) واعلم أن الاستقبال يفتقر إلى مستقبل ومستقبل وهو المسمي قبلة ولابد من حالة يقع فيها الاستقبال ومعلوم ان الاستقبال لا يجب في غير حالة الصلاة والحاجة تمس الي الكلام في الامور الثلاثة فلذلك قال والنظر فيه في ثلاثة اركان وهي الصلاة القبلة والمستقبل أولها الصلاة وتنقسم الي فرائض ونوافل أما الفرائض فيتعين الاستقبال فيها الا في حالة واحدة وهى حالة شدة الخوف في القتال فانه يأتي بها بحسب الامكان قال الله تعالي (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) قال ابن عمر ﵄ (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) قال نافع لا أراه ذكر ذلك الا عن رسول الله ﷺ وقوله في الكتاب إلا في القتال يعنى به حالة شدة الخوف لا مطلق القتال ثم الشرط ان يكون القتال مباحا علي ما سيأتي في صلاة الخوف ان شاء الله تعالي ويلتحق بهذا الخوف ما إذا انكسرت السفينة فبقي علي لوح منها وخاف الغرق لو ثبت على جهة القبلة وكذلك سائر وجوه الخوف فليس القتال معنيا لعينه وانما المعتبر الخوف وأما النوافل فكذلك يجب الاستقبال فيها الا في حالة الخوف وفى السفر على ما سيأتي فالمستثنى في قسم الفرائض حالة واحدة وفي قسم النوافل حالتان والشافعي ﵁ عبر عن الفرض بعبارة اخرى من غير تقسيم الصلوات الي الفرائض والنوافل فقال لا تجوز الصلاة من غير الاستقبال الا في حالتين احداهما
النافلة في السفر والثانية شدة الخوف فان قيل الاستثناء لا ينحصر في هاتين الحالتين ألا ترى أن المريض الذى لا يجد من يوجهه الي القبلة ولا يطيق التوجه معذور وكذلك المربوط على الخشبة قلنا الكلام في القادر على ان يصلي متوجها فاما العاجز فلا يكلف بما ليس في وسعه ولا حاجة الي استثنائه من موارد امكان التكليف وإذا عرفت هذه المقدمة فيتفرع عليها انه لا يجوز فعل الفريضة علي الراحلة لاختلال امر الاستقبال وينبغي أن تعرف من قوله فلا يؤدى فريضة علي الراحلة شيئين (أحدهما) اثه ليس المراد منه الاداء الذى هو ضد القضاء فان الفريضة كما لا تؤدى علي الراحلة لا تقتضي
[ ٣ / ٢٠٧ ]
أيضا وانما المراد منه الفعل (والثانى) انه وان كان مطلقا لكن الفرض ما إذا لم يلحقه خوف فاما إذا خاف الانقطاع عن الرفقة لو نزل لاداء الفريضة أو خاف علي نفسه أو ماله من وجه آخر فله ان يصلي علي الدابة لكنه يعيد إذا نزل وهل يجوز فعل المنذورة علي الراحلة يبنى على اصل سبق ذكره وهو أن المنذورة من العبادة عند الاطلاق يحمل علي أقل واجب ويعطى احكام الواجبات أم لا ان قلنا لا جاز ذلك وان قلنا نعم لم يجزو هو الصحيح والمحكى عن نصه في الام ولك أن تعلم قوله ولا منذورة بالحاء لان ابا الحسن الكرخي حكى في مختصره انه لا يصلي علي الراحلة صلاة نذر اوجبها وهو بالارض فان أوجب صلاة وهو راكب اجزأه فعلها على الدابة واما صلاة الجنازة ففى جواز فعلها علي الراحلة ثلاثة طرق بيناها في التيمم والظاهر ما ذكره في الكتاب وهو المنع لان الركن الاظهر فيها القيام وفعلها على الراحلة يمحو صورة القيام وذكر بعضهم للمنع معني آخر سنذكره من بعد ويجب ان يكون قوله ولا صلاة جنازة مرقوما بالواو لما تقدم * قال (ولا تصح الفريضة علي بعير معقول وفى ارجوحة معلقة بالحبال لانهما ليسا للقرار بخلاف السفينة الجارية لان المسافر محتاج إليها وبخلاف الزورق المشدود علي الساحل لانها كالسرير والماء كالارض) فعل الفريضة عل الراحلة كما يشتمل علي الاخلال بامر القيام والاستقبال ففيه شى آخر وهو اقامة الفريضة على ما لا يصلح للقرار وفى اشتراط اقامتها على ما يصلح للقرار كلام فاراد المصنف ان يبين ان امتناع فعل الفريضة علي الراحلة ليس لاختلال أمر الاستقبال فحسب بل
من شرط الفريضة فعلها على ما هو للقرار وهذا الشرط فائت إذا أقيمت على الراحلة وفقه الفصل أن استقرار المصلي في نفسه شرط فليس له أن يصلي الفريضة وهو سائر ماش لان المشئ يشتمل علي الحركات والاصل أنه لا يحتمل أصلا فخالفنا في النوافل في السفر لما سيأتي
[ ٣ / ٢٠٨ ]
وهل يجوز فعلها علي الدابة نظر ان أخل فعلها بالقيام أو الاستقبال فلا يجوز وان امكنه اتمام أركان الصلاة بان كان في هودج أو علي سرير موضوع علي الدابة فالذي ذكره المصنف أن الفريضة لا تصح وان كانت الدابة واقفة معقولة واتبع فيه امام الحرمين حيث قال لا تقام الفريضة على الراحلة وان كان المصلى قادرا علي المحافظة علي الاركان كلها مستقبلا وكان البعير معقولا لانه مأمور باداء الفرائض متمكنا علي الارض أوما في معناها وليست الدابة للاستقرار عليها وكذلك القول في الارجوحة المشدودة بالحبال فانها لا نعد في العرف مكان التمكن وهو مأمور بالتمكن والاستقرار وهذا بخلاف السفينة حيث تصح الصلاة فيها وإن كانت تجرى وتتحرك بمن فيها كالدواب تتحرك بالراكبين لان ذلك انما يجوز لمساس الحاجة إلى ركوب البحرو تعذر العدول في أوقات الصلاة عنه فجعل الماء علي الارض كالارض وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة علي الارض وألحق بالسفينة الجارية
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الزورق المشدود علي الساحل تنزيلا له منزلة السرير وللماء منزلة الارض وتحركه تسفلا وتصعدا كتحرك السرير ونحوه علي وجه الارض فلا يمنع صحة الفريضة وأما الزورق الجارى فهل للمقيم في بغداد وغيره اقامة الفريضة فيه مع تمام الاركان والافعال قال امام احرمين فيه احتمال وتردد ظاهر فان الافعال تكثر بجريان الزواريق وهو قادر علي دخول الشط واقامة الصلاة قال وان احتمل رجال سرير أو عليه انسان لم يصح عليه الفرض فانه محمول الناس فكان كمحمول البهائم هذا كلامهما ولا يخفى أن من حكم بالمنع والدابة معقولة فلان يحكم به وهى سائرة أولي وأورد أكثر أصحابنا منهم صاحب المعتمد والحسين الفراء وأبو سعيد المتولي والقاضى الروياني وغيرهم أنه يجوز فعل الفريضة علي الدابة مع اتمام الافعال والاركان بان كان في هودج أو علي سرير ونحوهما
إذا كانت الدابة واقفة ولم يذكروا خلافا فيه وان كانت سائرة ففيه وجهان (أحدهما) الجواز كما لو صلي في سفينة جارية ومنهم من قاسه علي ما لو صلي علي سرير يحمله جماعة كأنهم اتخذوا هذه الصورة متفقا عليها (وأصحهما) وهو المحكى عن نصه في الاملاء أنه لا يجوز لان سير الدابة منسوب إليه ولهذا يجوز الطواف عليها وسير السفينة بخلافه فانها بمثابة الدار في البر وأيضا فان البهيمة لها اختيار في السير فلا يكاد يثبت علي حالة واحدة والسفينة كما يسير تسير اذلا اختيار لها وإذا وقفت علي ما حكيته تبين لك انه يجب أن يكون قوله ولا تصح الفريضة على بعير معلما بالواو بل الظاهر الجواز إذا كانت الدابة واقفة علي خلاف ما في الكتاب نقلا عن المذهب في معنى أما النقل فقد بيناه وأما المعني فلان المصنف وامام الحرمين لم يريدا في التوجيه علي أن المصلى في الفريضة مأمور بالاستقرار علي الارض أو غيرها مما يصلح للقرار وهذا لا يسلمه اصحاب الطريقة الاخرى انما المسلم عندهم انه مأمور بالاستقرار في نفسه ثم هو مشكل بالزورق المشدود علي الشط فانه لا تتعلق به الحاجة المفروضة في السفينة والزورق الجاريين وهو قادر على الخروج الي الساجل والاستقرار علي الارض فلم كان الزرق المشدود كالسرير علي الارض ولم تكن الدابة المعقولة كعدل أو متاع ساقط على الارض فان حاولت دفع الخلاف وقلت الفارقون بين أن تكون الدابة واقفة أو سائرة صوروا المسألة فيما إذا كان في هودج أو سرير على الدابة وليس في الكتاب تعرض لذلك فلعل مسألة الكتاب فيما إذا وقف علي ظهر الدابة من غير سرير ونحوه وحينئذ لا يتنافى الكلامان لتغاير الصورتين نعم يجب طلب الفرق والجواب ان هذا فاسد من وجوه ثلاثة (أحدها) أن الدابة الواقفة
[ ٣ / ٢١٠ ]
إذا لم تصلح للقرار فالمحمول عليها من السرير ونحوه أولى أن لا يصلح للقرار فمحال أن يمنع من الوقوف عليها ولا يمنع من الوقوف علي ما عليها (والثاني) ان الفارقين بأسرهم ما صوروا المسأة في الهودج والسرير بل منهم من تعرض لذلك ايضاحا لان اتمام الاركان والافعال حينئذ يتيسر ومنهم من فصل بين وقوف الدابة وسيرها من غير تعرض للسرير هذا الشيخ ابراهيم المروروذى ذكر فيما علق عنه ان أمكنه القيام والاستقبال في جميع الفريضة علي الدابة نظر ان كانت واقفة
جازو ان كانت تسير فوجهان ولم يشترط أن يكون عليها سرير ونحوه (والثالث) انا حكينا عن امام الحرمين انه الحق ما إذا احتمل السرير رجال فصلي عليه بما إذا صلى على ظهر الدابة وذلك يوضح انه لا فرق بين أن يكون علي الدابة سرير أم لا والله أعلم * قال (أما النوافل فيجوز اقامتها في السفر الطويل راكبا وماشيا وفى السفر القصير قولان ولا يجوز (و) في الحضر) * تكلمنا في حكم اقامة الفرائض علي الرواحل وأما النوافل فيجوز اقامتها في السفر الطويل عند السير راكبا كان أو مشايا متوجها الي طريقه لما روى عن ابن عمر ﵄ (ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي في السفر علي راحلته حيث توجهت به) وخالف ابو حنيفة في الماشي ويحكى مثله عن احمد فليكن قوله وماشيا معلما برقميهما لنا أن الانسان قد يكون له أوراد ووظائف ويحتاج إلى السفر لمعاشه فلو منع من التفل في سيره لفاته احد امرين اما اوراده أو مصالح معاشه
[ ٣ / ٢١١ ]
ولا فرق في ذلك بين الراكب والماشي وهل يختص ذلك بالسفر الطويل فيه قولان احدهما وبه قال مالك نعم كالقصر والفطر واصحهما لا: لاطلاق الخبر الذى رويناه وروى مثله عن جابر ولان الحاجة كما تمس إلى الاسفار الطويلة تمس الي الاسفار القصيرة أو هي اغلب ومنهم من قطع بالجواز في السفر القصير وامتنع من اثبات خلاف فيه فلك ان تعلم بالواو لفظ القولين من قوله وفي السفر القصير قولان واما في الحضر فظاهر المذهب انه لا يجوز ترك استقبال القبلة في النوافل وهى والفرائض سواء في امر القيام وذلك لان الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار وقال ابو سعيد الاصطخرى يجوز للحاضر ترك لاستقبال فيها والتنفل متوجها إلى مقصده في الترددات لان المقيم ايضا محتاج الي التردد في دار اقامته وعلى هذا فالراكب والراجل سواء وذكر في التتمة ان هذا اختيار القفال ولم يحكه غيره عن اختياره على هذا الاطلاق لكن الشيخ ابا محمد ذكر انه اختار الجواز بشرط أن يكون مستقبلا في جميع الصلاة فليكن قوله ولا يجوز في الحضر معلما بالواو لمكان هذا الوجه ثم يتعلق بلفظ الكتاب في الفصل مباحثتان (أحداهما) انه قال اما النوافل فيجوز اقامتها في السفر
الطويل ولفظ النوافل تدخل فيه الرواتب وغيرها فما ليس بفرض فهل يشمل الجواز الكل أم لا والجواب أن طائفة من اصحابنا منهم القاضي ابن كج ذكروا أنه لا تقام صلاة العيدين والسكوفين والاستسقاء علي الراحلة وانما تقام الرواتب وصلاة الضحى وما يكثر ويتكرر واما هذه الصلوات فهى نادرة فاشبهت صلاة الجنازة وبهذا العلة منع بعضهم صلاة الجنازة على الراحلة وهذه العلة والتى قدمناها من نحو صورة القيام ينبغي أن تختلفا في التفريع إذا صلاهما علي الراحلة قائما وقضية هذه العلة المنع وقضية تلك العلة الجواز وبه أجاب امام الحرمين ﵀ وقضية لفظ الكتاب اطلاق القول في النوافل بالجواز وهو الظاهر عند الاكثرين ولذلك قالوا في ركعتي الطواف ان قلنا بالافتراض فلا تؤدى على الراحلة والا فتؤدى ولم يبالوا بالندرة وقال في التهذيب يستوى فيه الرواتب وغيرها مما ليس بفرض (والثانية) أنه قال راكبا وماشيا والركوب كما يستعمل في الدابة يستعمل في السفينة فيقال ركب السفينة أو الدابة وركب البحر فهل يجوز أن يتنفل في السفينة حيث ما توجهت كما يجوز علي الدابة والجواب لاحكى ذلك عن نص الشافعي ﵁ ذلك لانه متمكن من الاستقبال ولهذا نقول لو كان في هودج علي الدابة يتمكن فيه من الاستقبال يلزمه ذلك على الصحيح كما سيأتي واستثنى في العدة عن راكبي السفينة الملاح الذى يسيرها فله أن يتنفل إلى حيث توجه لان تكليفه
[ ٣ / ٢١٢ ]
الاستقبال يقطعه عن النافلة أو عن عمله وسيره * قال (ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة وقيل يجب الاستقبال عند التحرم (و) وقيل لا يجب إلا إذا كان العنان بيده ثم صوب الطريق بدل عن القبلة في دوم الصلاة ولا يصلي راكب التعاسيف إذ ليس له صوب معين وان حرف الدابة عمدا عن صوب الطريق بطلت صلاته وان كان ناسيا لم تبطل ان قصر الزمان لكن يسجد للسهو وان طال ففى البطلان خلاف يجرى مثله في الاستدبار ناسيا وان كان بجماع الدابة بطل ان طال الزمان وان قصر فوجهان ثم على الراكب أن يومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود (ح) اخفض من الركوع وان كان في مرقد أتم السجود والركوع) * المتنفل في سيره أما راكب أو ماش ولابد في الحالتين من النظر في الاستقبال وكيفية
الافعال فبدأ بالكلام في الراكب ثم تكلم في الماشي أما الراكب فاما أن يكون على سرج ونحوه ولا يمكنه اتمام السجود والركوع والاستقبال في جميع صلاته واما أن يكون في مرقد يمكنه ذلك فاما في الحالة الاولى فلا يمنع من الصلاه بتعذر الاستقبال في جميعها ولكن هل يجب عليه أن يستقبل القبلة عند التحرم فيه وجوه (أحدها) لا كما في دوام الصلاة لان تكليف الاستقبال يشق عليه ويشوش عليه سيره (والثانى) نعم ليكون ابتداء الصلاة على صفة الكمال ثم يخفف الامر في الدوام كما أن النية يشترط اقنرانها بالتكبير ولا يشترط في دوام الصلاة فعلى هذا الوجه لو تعذر الاستقبال في تلك الحالة لم تصح الصلاة أصلا (والثالث) انه ان سهل عليه الاستقبال عند التحرم وجب والا فلا فلو كانت الدابة واقفة وأمكنه الانحراف عليها إلى القبلة لو أدارها إليها أو كانت سائرة والزمام في يده ولاحران بها فالاستقبال سهل وان كانت مقطرة أو صعبة الادارة لحرانها فهو عسير أما الاشتراط عند السهولة فلما روى عن أنس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلي حيث وجهه ركابه) وأما عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه ولهذا رخصصنا في ترك الاستقبال في دوام الصلاة وهذه الوجوه الثلاثة هي التى أوردها في الكتاب واعلم أن الاكثرين سكتوا عن الوجه الثاني واقتصروا
[ ٣ / ٢١٣ ]
على ايراد الاول والثالث لكن حكاه الصيدلانى وتابعه امام الحرمين والمصنف على نقله ثم ايراد الكتاب يقتضي أن يكون عدم الاشتراط مطلقا أظهر لانه قال ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة ثم ذكر الوجهين الاخرين والمذهبيون إذا أطلقوا الحكم ثم قالوا وقيل كذا كان اشارة منهم إلى ترجيح الاول الا إذا نصوا على خلافه لكن الذى رجحه معظم الائمة انما هو الوجه الثالث وفيه جمع بين الخبر والمعنى كما تقدم ثم ظاهر لفظه في حكاية الوجه الثالث يقتضى الايجاب فيما إذا كان العنان بيده ونفيه في غير هذه الحالة لكن لو كانت الدابة واقفة وسهل الانحراف عليه يلزمه ذلك علي هذا الوجه وان لم يكن العنان بيده فكأنه جعل هذا مثالا الصورة سهولة الاستقبال ليلحق به ما هو في معناه ويمكن أن يكون الذى حكاه ثانيا وجها مغايرا الوجه الثالث الذى قدمنا
روايته فان الصيدلانى وغيره نقلوا كما نقله المصنف لكن الاول أقرب فان الفرق بين ما إذا كان العنان بيده وبين سائر صور السهولة بعيد وفى لفظ الكتاب شئ آخر يحتاج الي تأويله وذلك أنه قال ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة ومعلوم أنه لا اعتبار بانحراف الدابة واستقبالها وانما الاعتبار بحال الراكب حتي لو استقبل عند التحرم حصل الغرض وارتفع الخلاف وإن كانت الدابة منحرفة واقفة كانت أو سائرة فإذا المعنى ولا يضر انحرافه على الدابة أو لانحراف الدابة وما اشبه ذلك وفى المسالة وجه رابع وهو أنه لو كانت الدابة متوجهة به عند افتتاح الصلاة أما إلى القبلة أو طريقه تحرم بالصلاة كما هو ولو كانت منحرفة به الي غيرها لم يجز التحرم إلا إلي القبلة لان تكليف صرف الدابة عن صوب الطريق إذا كانت متوجهة إليه قد يعسر أما عند الانحراف الي غير القبلة والطريق فلابد من صرفها فيصرفها إلى القبلة أولا ثم الي الطريق فليس فيه كثير عسر وإذا شرطنا الاستقبال عند التحرم ففى اشتراطه عند السلام وجهان أحدهما يشترط لانه أحد طرفي الصلاة ولهذا اعتبرنا نية الخروج على رأى اعتبارا بالطرف الاول واصحهما لا يتشرط كما في سائر الاركان وهذا قضية نظم الكتاب لانه قال لا يضر الانحراف ولم يستثن على بعض الوجوه سوى حالة التحرم وإذا عرفت الخلاف في التحريم والتحلل فاعرف أن فيما عداهما من اركان الصلاة يجعل صوب الطريق بدلا عن القبلة وكذلك عند التحرم والتحلل إذا لم يشترط فيهما الاستقبال وإنما كان كذلك لان المصلي لابد وأن يستمر على جهة واحدة ليجتمع همه ولا يتوزع فكره وجعلت تلك الجهة جهة الكعبة لشرفها فإذا عدل عنها لحاجة السير فليلزم الجهة التى قصدها محافظة علي
[ ٣ / ٢١٤ ]
المعنى المقتضي للاستمرار علي الجهة الواحدة: ثم الطريق في الغالب لا يستد بل يشتمل علي معاطف يلقاها السالك يمنة ويسرة فيتبعه كيف ما كان لحاجة السير وإنما قال صوب الطريق لانه لا يشترط أن يكون سلوكه في نفس الطريق المعبد فقد يعدل المسافر عند لزحمة ودفع غبار ونحوهما فالمعتبر الصوب دون نفس الطريق * ويتعلق بهذه القاعدة مسائل (أحداها) ليس لراكب التعاسيف ترك الاستقبال في ى شئ من صلاته وهو الهائم الذى يستقبل تارة ويستدبر أخرى إذ ليس له صوب
ومقصد معين وقوله ولا يصلي راكب التعاسيف معناه أنه لا ينتفل متوجها إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره لا أنه لا ينتفل أصلا فان هذا الرجل لو تنفل مستقبلا في جميع صلاته أجزأه ولو كان له مقصد معلوم لكن لم يسر في طريق معين فهل يتنفل مستقبلا صوبه فيه قولان اظهرهما نعم لان له مقصدا معلوما والثانى لا: إذ لم يسلك طريقا مضبوطا وقد لا يؤدى سيره الي مقصده (الثانية) لو انحرف عن صوب الطريق أو نحرفت الدابة عنه فيبنى ذلك علي ما لو انحرف المصلي علي الارض عن القبلة وينظر فيه إن استدبر القبلة في صلاته أو تحول إلى جهة أخرى عمدا بطلت صلاته وان فعله ناسيا للصلاة فان تذكر على القرب وعاد إلى الاستقبال لم تبطل صلاته كما لو تكلم في صلاته ناسيا بكلام قليل وان طال الفصل ففى البطلان وجهان كما لو تكلم ناسيا بكلام كثير أصحهما البطلان ذكره الصيدلانى وصاحب التهذيب لان الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل ولان ذلك مما يندر والثانى الصحة كما لو قصر الزمان للعذر وهو الذي ذكره المحاملى وطبقته ولو أماله انسان عن جهة القبلة قهرا وطال الزمان بطلت صلاته فان عاد إلى الاستقبال على قرب فوجهان أصحهما البطلان والفرق بين النسيان وقهر الغير إياه أن النسيان مما يكثر ويعم والاكراه في مثل ذلك يندر ولهذا المعني نقول لو اكره علي الكلام في صلاته تبطل صلاته علي الصحيح بخلاف النسيان جنئا إلى الانحراف عن صوب الطريق أو تحريف الدابة عنه فلو فعل ذلك عمدا فقد قال في الكتاب بطلت صلاته وهذا غير مجرى علي اطلاقه لانه لو انحرف إلى جهة القبلة لا تبطل صلاته وكيف تبطل وقد توجه الي الجهة التي هي الاصل فإذا المراد ما إذا حرف الدابة عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة أو انحرف عليها وهكذا قيده سائر الائمة وانما حكمنا بالبطلان لما ذكرنا من كون هذه الجهة قائمة مقام جهة القبلة وان حرف الدابة أو انحرف عليها الي غير القبلة ناسيا فان تذكر وعاد علي قرب لم تبطل صلاته وان طال الزمان فوجهان كما ذكرنا في استدبار المصلى علي وجه الارض ناسيا والاصح البطلان ولو أخطأ وظن ان الذى توجه إليه طريقه فهو كما لو انحرف ناسيا للصلاة ولو
[ ٣ / ٢١٥ ]
انحرف الي غير القبلة لجماح الدابة فهذه الصورة تشبه ما لو أماله غيره قهرا فان طال الزمان بطلت
صلاته وذكر الشيخ أبو حامد انها لا تبطل كما ذكر في النسيان فقوله بطل معلم بالواو لذلك وان قصر فقد حكى في الكتاب فيه وجهين كما روينا في صورة الامالة ولم يأت امام الحرمين بحكاية الخلاف في الجماح لكن قال قد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافا فيمن يصرف عن القبلة والظاهر ههنا أن الصلاة لا تبطل لان جماح الدابة مما يعم به البلوى بخلاف صرف الرجل فهو نادر لا يعهد وان اراد ان الظاهر القطع بهذا والامتناع من تخريجه علي الخلاف في صورة الصرف لانه قال بعد الفرق بين الصورتين ولهذا قطع الائمة بان جماح الدابة في زمن قريب لا يبطل الصلاة ولم أر ما يخالف هذا للاصحاب فالامر على ما ذكرناه فإذا بحثت وجدت كتب الاصحاب متفقة على أن الصلاة لا تبطل في صورة جماح الدابة إذا ردها على القرب على أن الاكثرين سووا بين صورة النسيان وصورة الجماح سواء منهم الحاكم بالصحة عند طول الزمان والحاكم بالبطلان ويتبين من هذا أن المصنف كالمنفرد برواية الوجهين في بطلان الصلاة عند قصر المدة في صورة الجماع فاعلم ذلك (الثالثة) إذا لم يحكم بالبطلان في النسيان والجماح فهل يسجد للسهو اما عند النسيان فقذ ذكر في الكتاب أنه يسجد للسهو عند قصر الزمان وهكذا حكي الصيدلاني والامام وصاحب التهذيب ووجهه أن التحريف عمدا منطل للصلاة فإذا اتفق سهوا اقتضى سجود السهو لكن الشيخ ابا حامد في طائفة حكوا عن نص الشافعي ﵁ أنه لا يسجد للسهو إذا عاد عن قريب فان طال الزمان فحينئذ يسجد فليكن قوله يسجد للسهو معلما بالواو لذلك وأما عند الجماح فمنهم من قال لا يسجد إذا لم نحكم ببطلان الصلاة لانه لم يوجد منه ترك مامور ولافعل منهي والذى وجد فعل الدابة ومنهم من قال وهو الاظهر يسجد وفعل الدابة كفعله وطريقة الشيخ أبي حامد ههنا كما في النسيان فالحاصل في الجماح ثلاثة أوجه يسجد: لا يسجد يفرق بين أن يطول الزمان أو يقصر وفي النسيان لا يصلح الا وجهان وهذا كله متفرع علي ظاهر المذهب وهو ان السهو في النافلة يقتضي السجود كما في الفريضة وحكي قول أنه لا مدخل لسجود السهو في النافلة بحال هذا تمام الكلام في استقبال الراكب علي السرج ونحوه: وأما كيفية اقامته الاركان فليس عليه وضع الجبهة علي عرف الدابة ولا علي السرج والاكاف لما فيه من المشقة وخوف
الضرر من نزقات الدابة ولكن ينحنى للركوع والسجود الي الطريق ويجعل السجود أخفض من الركوع قال امام الحرمين والفصل بينهما عند التمكن محتوم والظاهر أنه لا يجب مع ذلك أن
[ ٣ / ٢١٦ ]
يبلغ غاية وسعه في الانحناء وأما كيفية سائر الاركان فبينة (الحالة الثانية) أن يكون الراكب في مرقد ونحوه يسهل عليه الاستقبال واتمام الاركان فعليه الاستقبال في جميع الصلاة كراكب السفينة إذ لا مشقة عليه في ذلك وينبغى أن يتم الركوع والسجود أيضا فلو اقتصر على الايماء كان بمثابة المتمكن علي الارض إذا تنفل مضطجعا مقتصرا علي الايماء وفي جوازه وجهان مذكور ان في موضعهما وحكى القاضي ابن كج عن نص الشافعي ﵁ انه لا يلزم الاستقبال ولا اتمام الركوع والسجود في المحمل الواسع كما لا يجب علي راكب السرج ذلك وفرق بينه وبين السفينة بان حركة راكب السفينة لا تؤثر فيها وحركة راكب الدابة تؤثر في المحمل فيخاف الضرر فإذا قوله أتم الركوع والسجود ينبغى أن يعلم بالواو لما رواه ابن كج أو للوجه الصائر الي تجويز التنفل موميا مضطجعا الا أن لا يريد بقوله اتم انه يلزم ذلك بل يريد انه الاحسن والاولي والظاهر ارادة اللزوم قال (وأما الماشي فاستقباله كمن بيده زمام دابته فيركع ويسجد ويقعد لا ينافي هذه الاركان ولا يمشى الا في حال القيام وفيه قول أنه يومئ بذلك كله) لما فرغ من الكلام في استقبال الراكب وكيفية اقامته الاركان اشتغل بالكلام فيهما في حق الماشي وقد حكى الاصحاب على طبقاتهم عن نص الشافعي ﵁ أن الماشي يركع ويسجد علي الارض ولا يقتصر علي الايماء لسهولة الامر عليه بخلاف الراكب فان اتمامها عسير عليه أو متعذر والنزول لهما أعسر وأشق وزاد الشيخ أبو محمد فحكي مع ذلك عن نصه أنه يقعد في موضع التشهد أيضا ويسلم ولا يمشى الا في حال القيام وتابعه امام الحرمين والمصنف فقال ويركع ويسجد ويقعد لا ينافى هذه الاركان الي آخره ونفى الشيخ أبو حامد والعراقيون من أصحابنا هذه الزيادة وقالوا لا يجب القعود بل يمشى في حال التشهد كما في حال القيام وهو ظاهر المذهب لطول زمان
التشهد كالقيام وهذا ما أورده الشيخ الحسين وأبو سعيد المتولي ثم ذكر امام الحرمين ان ابن سريج خرج قولا انه لا يلبث ولا يضع جبهته علي الارض بل يومئ راكعا وساجدا كالراكب لان كثرة اللبث قد يفضى إلى الانقطاع عن الرفقة ويشوش عليه أمر السفر وعلى هذا فيجعل السجود أخفض من الركوع كالراكب ولا يقعد في التشهد وحكي الشيخ أبو محمد هذا القول المنسوب الي ابن سريج عن القفال وانه أول نص الشافعي رضى الله عثه علي الاستحباب قال الشيخ ثم
[ ٣ / ٢١٧ ]
وجدت ما ذكره القفال منصوصا للشافعي ﵁ فحصل في الاركان يتمها المشاي لابثا أم لا قولان منصوص ومخرج علي ما ذكره في الكتاب أو منصوصان علي ما رواه الشيخ ويترتب على ما ذكرناه القول في استقبال القبلة أما إذا قلنا أنه يركع ويسجد ويقعد لا ينافيها فلا شك في انه يستقبل القبلة فيها ويتحلل عن صلاته وهو مستقبل وإذا لزم الاستقبال في هذه الاحوال فهو عند التحرم ألزم فان الراكب يستقبل عند التحرم على الاظهر وان لم يستقبل في سائر الافعال والاركان وان استثنينا حالة الشتهد عن النص وقلنا لا يقعد فيها بل يمشى ففى وجوب الاستقبال عند السلام وجهان كما قدمناهما في الراكب واما إذا قلنا بالاقتصار على الايماء فلا يجب الاستقبال في الركوع والسجود ولا في التشهد وحكمه في التحرم حكم الراكب الذى بيده زمام دايته والحاصل من الخلاف الذى سبق في هذا الراكب وجهان اظهرهما لزوم الاستقبال فكذلك في الماشي وإذا عرفت هذا فلك في عبارة الكتاب أعنى قوله أما الماشي فاستقباله كمن بيده زمام دابته نظران (أحدهما) أنه أطلق الكلام اطلاقا ولم يقيد بحالة التحرم ومعلوم أن استقبال الماشي ليس كاستقبال من بيده زمام دابته على الاطلاق فان الراكب لا يؤمر بالاستقبال في الركوع والسجود وان كان بيده زمام دابته والماشي يؤمر به على الاظهر (والثاني) انه قيد بحالة التحرم لكن هذا الكلام اما أن يكون موصولا بما بعده أو يكون منقطعا عنه مستقلا بنفسه فان كان موصولا بما بعده علي معنى أنه مقول على قولنا أنه يركع ويسجد ويقعد لابثا فيكون هذا اثباتا للخلاف في الاستقبال مع الحكم باتمام هذه الاركان لان استقبال الراكب الذى بيده زمام دابته
مختلف في وجوبه ولا خلاف في وجوب الاستقبال عند التحرم علي هذا المذهب كذلك ذكره امام الحرمين وغيره وهو المعقول وان كان مستقلا بنفسه منقطعا عما بعده كان هذا اثباتا للخلاف في انه هل يلزمه الاسته بال عند التحرم على الاطلاق والظاهر القطع بانه يلزمه ذلك لان الظاهر أنه يتم الركوع والسجود وحينئذ لا خلاف فيه على ما ذكرنا وانما الخلاف فيه علي القول المخرج فكان ينبغي أن يرتب قوله استقبال الماشي كمن بيده زمام دابته علي القول المخرج كما نقله الامام وقوله في حكاية القول المخرج انه يومي في ذلك كله يرجع الي الركوع والسجود دون القعود وان عمم
[ ٣ / ٢١٨ ]
اللفظ فانه لا إيماء الي القعود بل يعتدل قائما بعده الايماء بالسجود ويتشهد فيقع قيامه بدلا عن القعود كما يقع القعود بدلا عن القيام في حق العاجز عن القيام ثم صوب الطريق حيث لا يجب استقبال القبلة يكون بدلا عن القبلة في حق الماشي كما ذكرناه في الراكب ويعود فيه المسائل السابقة * قال (فرع لو مشى في نجاسة قصدا فسدت صلاته بخلاف لو وطئ فرسه نجاسة ولا يلزمه المبالغة في التحفظ عند كثرة النجاسة في الطريق) * يجب أن يكون ما يلاقى الراكب وثيابه طاهرا من السرج وغيره ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة لم يضر لان تلك النجاسة لا تلاقى بدنه وثيابه ولا هو حامل لها بل لو كان السرج نجسا فالقي عليه ثوبا طاهرا وصلي عليه جازا ما لو أوطأ الدابة نجاسة فالذي ذكره في الكتاب أن ذلك لا يضره كما لو وطئت بنفسها وكذلك أورده صاحب النهاية لكن قال في التتمة لو سيرها على النجاسة عمدا بطلت صلاته لامكان التحرز عنها فليكن قوله بخلاف ما لو أوطأ فرسه نجاسة معلما بالواو وأما الماشي فلا كلام في أنه لو مشي علي نجاسة قصدا فسدت صلاته لانه يصير ملاقيا لها بخفة الملبوس ولا يجب عليه التحفظ والاحتياط في المشى لان النجاسات تكثر في الطرف وتكليفه التحفظ يشوش عليه غرض السير ولو انتهى الي نجاسة ولم يجد معدلا عنها فقد قال امام الحرمين فيه احتمال قال يو لا شك أنها لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته وان كان عن غير قصد لانه يصير حاملا للنجاسة وما سبق في النجاسة اليابسة (واعلم) أنه يشترط في جواز التنفل راكبا وماشيا دوام السفر والسير فلو بلغ المنزل في خلال الصلاة وجب اتمام الصلاة
متمكنا متوجها إلى القبلة وينزل ان كان راكبا ولو دخل بلد اقامته فعليه النزول أول ما دخل البنيان واتمام الصلاة مستقبلا الا إذا جوزنا للمقيم التنفل علي الراحلة وكذلك لو نوى الاقامة ببلدة أو قرية ولو مر ببلدة مجتازا فله اتمام الصلاة راكبا وان كان له بها أهل فهل يصير مقيما بدخولها قولان إن قلنا نعم وجب النزول والاتمام وحيث أمرناه بالنزول فذلك عند تعذر البناء علي الدابة فلو لم يتعذر بان أمكنه الاستقبال واتمام الافعال عليها وهى واقفة جاز ويشترط أيضا الاحتراز عن الافعال التي لا يحتاج إليها فلو ركض الدابة للحاجة إليه فلا بأس ولو أعداها بغير عذر أو كان ماشيا فعدا قصدا بغير عذر بطلت صلاته في أصح الوجهين * قال (الركن الثاني القبلة ومواقف المستقبل مختلفة فالمصلى في جوف الكعبة يستقبل أي جدار شاء ويستقبل الباب وهو مردود وان كان مفتوحا والعتبة مرتفعة قدر موخرة الرحل جاز
[ ٣ / ٢١٩ ]
ولو انهدمت الكعبة والعياذ بالله صحت صلاته خارج العرصة متوجها إليها كمن صلى على أبى قبيس والكعبة تحته ولو صلى فيها لم يجز (ح م) إلا أن يكون بين يديه شجرة أو بقية حائط والواقف على السطح كالواقف علي العرصة فلو وضع بين يديه شيئا لا يكفيه ولو غرز خشبة فوجهان) * مسائل الركن مبنية علي النظر في موقف المصلي وهو اما ان لا يكون وراء الكعبة أو يكون وراءها وان كان وراءها فاما أن يكون في المسجد الحرام أو وراءه وان كان وراءه فاما أن يكون بمكة أو المدينة أو غيرهما والفصل يشتمل علي القسم الاول وهو أن لا يكون وراء الكعبة وحينئذ له ثلاثة أحوال لانها اما أن تكون على هيئتها مبنية أو تنهدم والعياذ بالله فيقف في عرصتها وإذا كانت على هيئتها مبنية فاما أن يقف في جوفها أو على سطحها (الحالة الاولي) أن يقف في جوفها فتصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافا لمالك واحمد في الفريضة لنا أنه صلى متوجها إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة وكما لو توجه إليها من خارج ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء لانها أجزاء البيت ويجوز أن يستقبل الباب أيضا ان كان مردودا فان باب االبناء معدود من أجزائه الا ترى أنه يدخل في بيعه وان كان مفتوحا نظر في العتبة ان كانت قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وان كانت دونها فلا: ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع
تقريبا قال امام الحرمين وكان الائمة راعوا في اعتبار هذا القدر أن يكون في جلوسه يسامت بمعظم بدنه الشاخص ولكنه يكون في القيام خارجا بمعظم بدنه عن المسامتة فليخرج علي الخلاف فيما إذا وقف علي طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة وليكن قوله والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل معلما بالوا ولانه مذكور قيدا في الجواز وقد حكي في البيان عن الشيخ أبى حامد وابن الصباغ أنه يكفى للجواز أن تكون العتبة شاخصة باى قدر كان وان قل لانه استقبل جزءا من البيت وكذا قوله جاز لان امام الحرمين حكى وجها آخر أنه لا يكفى أن يكون الشاخص قدر المؤخرة بل يجب أن يكون بقدر قامة المصلي طولا وعرضا ليكون مستقبلا بجميع بدنه الكعبة والعتبة لا تبلغ هذا الحد غالبا فلا تصح الصلاة اليبا علي هذا الوجه (الحالة الثانية) أن تنهدم الكعبة حاشاها ويبن وضعها عرصة فان وقف خارجها وصلى إليها جاز لان المتوجه الي هواء البيت والحالة هذه يسمى مستقبلا وصار كمن صلى علي جبل أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه الي هواء البيت ولو صلى فيها فالحكم فيه كالحكم في الحالة الثالثة وهو أن يقف علي سطحها فينظر ان لم يكن بين يده شئ شاخص من نفس الكعبة ففيه وجهان أحدهما وبه قال أبو حنيفة وابن
[ ٣ / ٢٢٠ ]
سريج يجوز كما لو وقف خارج العرصة متوجها الي هواء البيت وأصحهما وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجزئه لما روي أنه ﷺ (نهي عن الصلاة علي ظهر الكعبة) ولانه والحالة هذه مصل على البيت لا الي البيت وخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السطح لكن قال امام الحرمين لا شك انه يجزئه في ظهر الكعبة وصرح في التهذيب بنقل الجواز عنه في الواقف على ظهر الكعبة فلا فرق وان كان بين يده شاخص من نفس الكعبة فان كان قدر مؤخرة الرجل جاز والا فلا كما ذكرنا في العتبة ويجرى الوجهان الاخران المذكوران في العتبة فيما نحن فيه أحدهما اشتراط كون الشاخص بقدر قامة المصلى والثاني الاكتفاء بأى قدر كان وإذا عرف ذلك فلو وضع بين يديه متاعا لم يكفه وان استقبل بقية حائط أو شجرة نبتت في العرصة جاز وكذا لو جمع ترابها تلا واستقبله أو حفر حفرة ووقف
فيها وكذا لو وقف في آخر السطح أو العرصة وتوجه الي الجانب الاخر وكان الجانب الذى وقف فيه أخفض من الجانب الذى استقبله يجوز ولو نبتت حشيشة وعلت قال في النهاية لا حكم لها في الاستقبال والحق صاحب التهذيب الزرع بالشجرة وما ذكره الامام أظهر ولو غرز عصا أو خشبة فوجهان أحدهما يكفى لحصول الاتصال بالغرز ولذلك تعد الاوتاد المغروزة من الدار وتدخل في البيع وأصحهما لا كما لو وضع متاعا بين يده ومطلق الغرز لا يوجب كون المغروز من البناء والاوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من المصالح فقد تعد من البناة لذلك والوجهان في الغرز المجرد أما لو كانت مثبتة أو مسمرة كفت للاستقبال نعم قال امام الحرمين الخشبة وان كانت مثبتة فبدن الواقف خارج عن مجاذاتها من الطرفين فيكون علي الخلاف الذى يأتي ذكره فيمن وقف علي طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة *
[ ٣ / ٢٢١ ]
قال (والواقف في المسجد لو وقف علي طرف ونصف بدنه في محاذاة الركن ففى صحة صلاته وجهان ولو امتد صف مستطيل قريب من البيت فالخارج عن سمت البيت لا صلاة له وهؤلاء قد يفرض تراخيهم الي آخر باب المسجد فتصح صلاتهم لحصول اسم الاستقبال) * سنذكر اختلاف قول في ان المطلوب في الاستبال عين الكعبة أو جهتها وذلك الخلاف في حق البعيد عن الكعبة أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة لانه قادر عليه وقد روينا أنه صلي الله عليه وسلم (دخل البيت ثم خرج فاستقبله وصلي ركعتين ثم قال هذه القبلة) أشار إلى عين الكعبة وحصر القبلة فيها وإذا عرفت ذلك ففى الفصل ثلاث صور (أحداها) لو وقف على طرف من اطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة ركن والباقى خارج ففى صحة صلاته وجهان أحدهما تصح لانه توجه الي الكعبة بوجهه وحصل اصل الاستقبال واصحهما لا تصح لانه يصدق ان يقال ما استقبل الكعبة انما استقبلها بعضه (الثانية) الامام يقف خلف المقام والقوم يقفون مستديرين بالبيت فلو استطال الصف خلفه ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة لانهم لا يسمون مستقبلين وذكر صاحب التهذيب وغيره من اصحابنا ان ابا حنيفة يصحح صلاة
الخارجين عن محاذاة الكعبة لان الجهة كافية عنده وعلم لهذا قوله في الكتاب والخارج عن
[ ٣ / ٢٢٢ ]
سمت البيت لا صلاة له بالحاء لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فصلوا وقالوا الفرض علي المصلي استقبال القبلة واصابة عينها إذا قدر عليها أو الجهة إذا لم يقدر علي عينها وهذا يدل على انه انما يكتفى بالجهة في حق البعيد الذى لا يقدر علي اصابة العين لا مطلقا (الثالثة) لو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لان المتبع اسم الاستقبال وهو يختلف بالقرب والبعد ولهذا يزول اسم الاستقبال عن القريب بانحراف يسير ولا يزول عن البعيد مثله والمعنى فيه أن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه بعدا ازداد واله محاذاة كغرض الرماة وغيره * قال (والواقف بمكة خارج المسجد ينبغي أن يسوى محرابه بناء علي عيان الكعبة فان لم يقدر استدل عليها بما يدل عليها) * المصلى بمكة خارج المسجد ان كان يعاين الكعبة كمن هو علي جبل أبى قبيس صلى إليها بالمعاينة ولو سوى محرابه بناء علي العيان صلى إليه أبدا لانه يستيقن الاصابة ولا حاجة في كل صلاة الي معاينة الكعبة وفي معنى المعاين المكي الذى نشأ بمكة وتيقن اصابة الكعبة وان لم يشاهدها حين يصلي واما إذا لم يعاين الكعبة ولا تيقن الاصابة فيستدل بما أمكنه ويسوى محرابه بناء على الادلة هذا ما ذكره في الكتاب وحكاه في النهاية عن العراقيين وانهم قالوا لا يكلف الرقى الي سطح الدار مع امكان العيان واعتمدوا فيه ما صادفوا أهل مكة عليه في جميعا لاعصار قال وفيه نظر عندي فان اعتماد الاجتهاد بمكة مع امكان البناء علي العيان بعيد وسنذكره في الركن الثالث ان شاء الله تعالى ما يزداد به هذا الفصل وضوحا * قال (والواقف بالمدينة ينزل محراب رسول الله ﷺ في حقه منزلة الكعبة فليس له الاجتهاد فيه بالتيامن والتياسر وهل ذلك في سائر البلاد فعلى وجهين) *
[ ٣ / ٢٢٣ ]
محراب الرسول صلي الله عليه وسلم بالمدينة نازل منزلة الكعبة لانه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعا وإذا كان كذلك فمن يعاينه يستقبله ويسوى محرابه عليه اما بناء على العيان أو استدلالا كما ذكرنا في الكعبة ولا يجوز العدول عنه إلى جهة أخرى بالاجتهاد بحال وفى معني المدينة سائر البقاع التى صلي فيها رسول الله ﷺ إذا ضبط المحراب وكذلك المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين وفى الطرق التى هي جادتهم يتعين التوجه إليها ولا يجوز الاجتهاد معها وكذلك في القرية الصغيرة ان نشأ فيها قرون من المسلمين ولا اعتماد علي العلامة المنصوبة في الطريق الذى يندر مرور الناس بها أو يستوى فيه مرور المسلمين والكفار وفى القرية الخربة التى لا يدري انها من بناء المسلمين أو الكفار ولابد من الاجتهاد في هذه المواضع وإذا منعنا من الاجتهاد في الجهة فهل يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر اما في محراب الرسول ﷺ فلا ولو تخيل عارف بادلة القبلة أن الصواب فيه أن يتيامن أو يتياسر فليس له ذلك وخياله باطل وأما في سائر البلاد فعلي وجهين اصحهما ولم يذكر الاكثرون سواه أنه يجوز لان الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفقاهم ممتنع لكن الخطأ في الانحراف يمنة ويسرة مما لا يبعد ويقال أن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج تياسروا يا اهل مرو والثانى أنه لا يجوز لان احتمال اصابة الخلق الكثير أقرب وأظهر من احتمال اصابة الواحد وهذا يستوى فيه الجهة والانحراف يمنة ويسرة وفصل القاضى الروياني وغيره بين البلاة بعد المدينة فجعلوا قبلة الكوفة صوابا يقينا كقبلة المدينة لانه صلي إليها الصحابة ولم يجعلوا قبلة البصرة يقينا وقضية هذا الكلام جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة وفيما علق عن ابن يونس القزويني مثل هذا الفرق فانه قال قبله الكوفة قد صلي إليها على كرم الله وجهه مع عامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولا اجتهاد مع اجماع الصحابة ﵃ قال واختلف أصحابنا في قبلة البصرة فمنهم من قال هي صواب أيضا كقبلة الكوفة ومنهم من جوز فيها الاجتهاد وفرق بان قبلة الكوفة نصبها علي ﵁ وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غروان والصواب في فعل علي ﵁ أقرب ثم حكى في قبلة سائر البلاد وجهين وجعل أصحهما جواز الاجتهاد فيها وهذا أن عنى به الاجتهاد في الجهة من اصلها
فهو بعيد بمرة بل الذى قطع به معظم الاصحاب منع ذلك في جميع البلاد في المحاريب المتفق عليها بين أهلها وان عنى به الاجتهاد في التيامن والتياسر فالفرق بين الكوفة والبصرة كما نقله الروياني
[ ٣ / ٢٢٤ ]
بعيد ايضا لان كل واحدة منهما قد دخلها الصحابة وسكتوا وصلوا إليها فان كان ذلك مما يفيد اليقن وجب استواؤهما فيه وان لم يفد اليقين فكذلك والله أعلم * قال (الركن الثالث في المستقبل فالقادر علي معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد والقادر علي الاجتهاد لا يجوز له التقليد والاعمي العاجز يقلد شخصا مكلفا مسلما عارفا بادلة القبلة وليس للمجتهدان يقلد غيره وان تحير في الحال في نظره صلي علي حسب حاله وقضى وقيل يقلد ويقضى وقيل انه يقلد ولا يقضى واما البصير الجاهل بالادلة ان قلد يلزمه القضاء الا إذا قلنا لا يجب تعلم أدلة القبلة علي كل بصير فعند ذلك ينزل منزلة الاعمي) * المصلى اما أن يقدر على معرفة القبة يقينا أو لا يقدر عليها فان قدر علي اليقين فليس له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الاجتهاد وحكى القاضى
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الرويانى وجهين فيما إذا استقبل المصلي حجر الكعبة وحده بناء علي هذا الاصل وقال الاصح المنع لان كونه من البيت غير مقطوع به وانما هو مجتهد فيه فلا يجوز العدول عن اليقين إليه ثم المعرفة يقينا قد تحصل بالمعاينة وقد تحصل بغير المعاينة كالناشئ بمكة يعرف القبلة باومارات تفيده اليقين وان لم يعاين كما سبق وكما لا يجوز للقادر علي اليقين الاجتهاد لا يجوز له الرجوع الي قول الغير أيضا وان لم يقدر علي درك اليقين فلا يخلوا ما أن يجد من يخبره عن القبلة عن علم وكان المخبر ممن يعتمد قوله أولا يجد فان وجد رجع الي قوله ولم يجتهد أيضا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبرا يؤخذ به وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شئ ويتشرط في المخبر أن يكون عدلا يستوى فيه الرجل والمرأة والحر والعبد وفى وجه لا تشترط العدالة بل يقبل خبر الفاسق لانه لايتهم في مثل ذلك والمذهب الاول ولا يقبل خبر الكافر بحال وفى الصبى بعد التمييز وجهان كما في رواية أخبار الرسول ﷺ والاكثرون
علي انه لا يقبل: ثم الاخبار عن القبلة قد يكون صريحا وقد يكون دلالة اما الصريح فلا يخفى وأما الدلالة فنصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها كما سبق في التفصيل ولا فرق في لزوم الرجوع الي الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون حتى ان الاعمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمد البصير بالرؤية وكذا البصير إذا دخل المسجد في ظلمة الليل
[ ٣ / ٢٢٦ ]
اعتمد المحراب بالمس هكذا ذكر صاحب التهذيب وغيره وقال في العدة انما يعتمد الاعمى علي المس إذا شاهد محراب المسجد قبل العمي أما لو لم يشاهد فلا يعتمد عليه ولو اشتبهت عليه طيقان المسجد فلا شك انه يصبر حتى يخبره غيره صريحا وان خاف فوات الوقت صلي على حسبن الحال وأعاد هذا إذا وجد من يخبره عن علمه وكان ممن يعتمد قوله أما إذا لم يجد فلا يخلو اما ان يكون قادرا على الاجتهاد أو لا يكون فان قدر على الاجتهاد لزمه الاجتهاد والتوجه إلى الجهة التي يظنها جهة القبلة ولا تحصل القدرة علي الاجتهاد الا بمعرفة أدلة القبلة وهى كثيرة صنفوا لذكرها كتبا مفردة وأضعفها الرياح لانها تختلف واقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدى إذا جعله الواقف خلف اذنه اليمنى كان مستقبلا للقبلة هكذا يكون بناحية الكوفة وبغداد وهمذان وقزوين الرى وطبرستان وجرجان وما والاها إلى نهر الشاش وليس علي القادر على الاجتهاد ان يقلد غيره فيعمل باجتهاده كما في الاحكام الشرعية ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق بين أن يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد أو اتمه وبين أن لا يخاف في انه لا يقلد لكن عند ضيق الوقت يصلي لحق الوقت كيفما كان ثم يجتهد ويقضي وقال ابن سريج يقلد عند خوف الفوات وقال في النهاية لو كان في نظره وعلمه ان وقت الصلاة ينتهي قبل انتهاء نظره فيقلد ويصلي في الوقت أم يتمادى الي تمام الاجتهاد في نظره هذا كما لو تناوب جمع على بئر وعلى ان النوبة لا تنتهي إليه الا بعد الوقت وقد
[ ٣ / ٢٢٧ ]
ذكرنا خلافا في انه هل يصبر أم يتيمم ويصلي في الوقت فتحصل من هذا الكلام وجه ثالث انه يصبر إلى تمام اجتهاد ولا يصلي وان فات الوقت لا كيفما كان ولا بالتقليد وما ذكرناه من
الاجتهاد مستمر في حق الغائب عن مكة فأما الحاضر بمكة إذا لم يعاين الكعبة لحائل بينه وبين الكعبة نظر ان كان الحائل اصليا كالجبل فله الاجتهاد والاستقبال بالاستدلال ولا يكلف صعود الجبل أو دخول المجسد لما فيه من المشقة وان كان الحائل حادثا كالابنية فوجهان أحدهما لا يجوز لان الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء انما هو المعاينة دون الاجتهاد فلا يتغير بما طرأ من البناء وأصحهما الجواز كما في الحائل الاصلي لما في تكليف المعاينة من المشقة وما ذكره في الكتاب قبل هذا الفصل ان الواقف بمكة خارج المسجد إذا لم يعاين الكعبة يستدل عليها بما يدل عليها كأنه جواب على هذا الوجه ولو خفيت الدلائل على المجتهد اما لتغيم اليوم أو لكنه محبوسا في ظلمة فتحير لذلك أو لتعارض الدلائل عنده ففى المسألة ثلاثة طرق أظهرها ان فيها قولين اصحهما عند الاكثرين أنه لا يقلد لانه قادر على الاجتهاد والتحير عارض وقد يزول عن قريب والثانى وهو اختيار ابن الصباغ أنه يقلد لانه عجز عن استبانة الصواب بنظره فاشبه الاعمى والطريق الثاني القطع بالقول الاول والثالث القطع بالثاني فإذا قلنا لا يقلد فيصلي كيف اتفق
[ ٣ / ٢٢٨ ]
ويقضى كالاعمى لا يجد من يقلده يصلى لحق الوقت ويقضى وان قلنا انه يقلد فهل يقضى ذكر في النهاية أنه علي وجهين مبنيين على القولين في لزوم القضاء إذا صلي بالتيمم لعذرنا در لا يدوم كما سيأتي بنظائره وقضية هذا الكلام أن يكون الاظهر وجوب القضاء على قولنا أنه يقلد كما أن الاظهر لزوم القضاء علي من تيمم في الحضر لفقد الماء ولكن الذى أورده الجمهور تفريعا علي قولنا أنه يقلد أنه لا قضاء عليه كالاعمي إذا صلى بالتقليد ثم قال امام الحرمين قدس الله روحه الخلاف المذكور في تحير المجتهد موضعه ما إذا ضاق الوقت وخشى الفوات فاما في أول الوقت ووسطه يمتنع التقليد لا محالة إذ لا حاجة إليه ثم قال وفى المسألة نوع احتمال وسببه الالحاق بالتيمم في أول الوقت مع العلم بانه ينتهي إلى الماء في آخر الوقت وهذا آخر الكلام في القادر على الاجتهاد.
أما العاجز عنه فينقسم إلى عاجز لا يمكنه تعلم الادلة كالاعمى والى عاجز يمكنه التعلم: أما الاول فالاعمى لا سبيل له الي معرفة أدلة القبلة لانها تتعلق بالبصر فالواجب عليه التقليد كالعامي في الاحكام وانما يجوز تقليد المكلف
المسلم العدل العارف بادلة القبلة يستوى فيها لرجل والمرأة والحر والعبد وتقليد الغير هو قبول قوله المستند الي الاجتهاد حتى أن الاعمى لو أخبره بصير بمحل القطب منه وهو عالم بدلالته أو قال رأيت الخلق الكثير من المسلمين يصلون إلى هذه الجهة كان الاخذ بمقتضاه قبول خبر لا تقليد ولو وجد مجتهدين واختلف اجتهادهما قلد من شاء منهما والا حب أن يقلد الاوثق والاعلم عنده وقيل يجب للذلك فان تساوى قول اثنين عنده تخير وقيل يصلي مرتين الي الجهتين وفى معنى الاعمي البصير
[ ٣ / ٢٢٩ ]
الذى لا يعرف الالة وليس له أهلية معرفتها فيقلد كالاعمي لان عدم البصرة أشد من عدم البصر (القسم الثاني) لعاجز الذى يمكنه التعلم فيبني أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل هو من فروض الاعيان أم لا وفيه وجهان أحدهما لا بل هو من فروض الكفايات كالعم باحكام الشريعة ولان الحاجة إلي استعمالها نادرة فان الاشتباه مما يندر وأصحهما أنه من فروض الاعنان كان الصلاة وشرائطها بخلاف تعلم الاحكام فانه يحتاج إلي زمن طويل وتحمل مشقة كبيرة فان قلنا لا يجب التعلم فله أن يصلى بالتقليد ولا يقضي كالاعمى وان قلنا بعين فليس له التقليد فان قلد قضي لتقصيره وإذا اضاق الوقت عن ان تعلم فهو كالعالم إذا تحير في اجتهاده وقد قدمنا الخلاف فيه: وارجع بعد هذا إلي ما يتلق بلفظ الكتاب خاصة فاقول أما قوله فالقادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد فاعلم أن القادر على معرفها وان كان يمتنع عليه الاجتهاد لكن امتناع الاجتهاد لا يختص به لان من وجد عد لا يخبره عن القبلة أخبارا ايستند إلى علم في زعم المخبر يمتنع عليه الاجتهاد ومع ان قوله لا يحصل المعرفة فان قلت قوله يحصل الظن وان لم تحصل المعرفة والفقهاء كثيرا
[ ٣ / ٢٣٠ ]
ما يعبرون بلفظ العلم والمعرفة عن الظن وعن المشترك بين العلم والظن لالتحاق الظن بالعلم في كونه معمولا به في الشرعيات فلعله أراد بالمعرفة ذلك والجواب أن لفظ المعرفة وان كان يستعلمل فيما ذكرت لكنه ما أراد به في هذا الموضع إذ العلم اليقيى الابراه يقول في الوسيط فان كان قادرا علي معرفة جهة القبلة يقينا لم يجزله الاجتهاد على انه لا يمكن ارادة المشترك بين العلم والظن في هذا السياق لان الاجتهاد يفييد ضربا من الظن فإذا كان المراد من المعرفة المشترك دخل القادر على
الاجتهاد في قوله فالقادر على معرفة القبلة وحينئذ لا ينتظم الحكم بانه لا يجوز له الاجتهاد وأما قوله والقادر علي الجتهاد لا يجوز له التقليد فانه يفيد ما يفيده قوله بعد ذلك وليس للمجتهد أن يقلد غيره فالثاني تكرار والغالب على الظن انه انما أعاده تمهيد البناء مسألة التحير عليه لكن المحوج الي الاعادة لهذا الغرض توسيط حكم الاعمي بين الكلامين فلو عقب الكلام الاول بمسألة التحير وأخر حكم الاعمى لاستغنى عن ذلك وأما قوله والاعمى العاجز يقلد شخصا إلى آخره فليعلم المكلف بالواو لان في كلام الاصحاب وجها انه يجوز تقليد الصبى وهو كالخلاف المذكور في الرجوع الي أخباره ثم الصفات المذكورة غير كافية في المقلد بل يشترط فيه شئ آخر وهو العدالة وليس لفظ العاجز للتقليد فان كل أعمى عاجز وانما هو وصف له وتنبيه علي المعني المجوز للتقليد ومسألة التحرير قد أطلق الخلاف فيها وهو محمول علي ما إذا ضاق الوقت كما حكيناه من قبل وفوله أما البصير الجاهل
[ ٣ / ٢٣١ ]
بالادلة ان قلد يلزمه القضاء ليس مجرى علي اطلاقه أيضا لان البصير الجاهل إذا كان بحيث لا يمكنه التعلم فهو كالاعمى يقلد ولا يقضى كما تقدم * قال (ثم مهما صلي بالاجتهاد فتيقن الخطأ وبان جهة الصواب وجب (ح م) عليه القضاء علي أحد القولين فان تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب الا بالاجهاد ففى القضاء قولان مرتبان واولى أن يجب عليه ومن صلي أربع صلوات الي أربع جهات بأربع اجتهادات ولم يتعين له الخطأ فلا قضاء (و) عليه) * المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده فله ثلاث أحوال (أحدها) أن يظهر له الخطأ قبل الشروع في الصلاة (والثانية) أن يظهر بعد الفراغ منها (والثالثة) أن يظهر في اثنائها أما الحالة الاولى فهى غير مذكورة في الكتاب وحكمها أن ننظر ان تيقن الخطأ في اجتهادة أعرض عن مقتضاه وتوجه إلى الجهة التى نعلمها أو يعلمها أو يظنها جهة الكعبة وان ظن الخطأ في اجتهاده وظن أن الصواب جهة أخرى فان كان دليل الاجتهاد الثاني أوضح عنده من الاول اعرض عن مقتضي الاول وان كان دليل الاول اوضح عنده جرى علي مقتضاه وان تساويا تخير وقيل
يصلي الي الجهتين مرتين وأما الحالة الثانية وهي ان يظهر الخطأ يقينا أو ظنا والقسمان مذكوران في الكتاب أما القسم
[ ٣ / ٢٣٢ ]
الاول وهو ان يظهر الخطأ يقينا ففى وجوب القضاء قولان أصحهما الوجوب لانه تعين له الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلا يعتد بما فعله كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه واحترزوا بقولهم فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا يجب القضاء لان مثله غير مأمون في القضاء ويمكن أن يقال في قولنا تعيين الخطأ ما يفيد هذا الاحتراز لان الامر ثم مبني علي رؤية الهلال ولا يقين بكون الرأييين مصيبين أو على استكمال العدد وهو مبني علي الرؤية في الشهور المتقدمة والاصابة فيها مظنونة والمبنى علي المظنون مظنون والقول الثاني انه لا يجب القضاء لانه ترك القبله تعذر فأشبه تركها في حالة المسايفة قال الصيدلانى ومعنى القولين ايه كلف الاجتهاد لا غير أو كلف التوجه إلى القبلة فان قلنا بالاول فلا قضاء وان قلنا بالثاني وجب القضاء وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ومالك واحمد والمزنى وقوله في الكتاب وجب القضاء معلم برقمهم جمبعا وللمسألة نطائر منها ما إذا اجتهد في وقت الصلاة فتبين تعد انقضاء الوقت انه اخطأ بالتقديم أو اجتهد المتحوس في الصيام فوافق اجتهاده شعبان وتبين بعد انقضاء رمضان ففى وجوب القضاء قولان قال امام الحرمين وهذا إذا لم يتأت الوصول إلى النقين فان بأتى ذلك فالوجه القطع بوجوب القضاء وان اجتهاده انما يغنى بشرط الاصابة ومنها ما إذا رأوا سوادا فظنوه عبوا فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان الخطأ ففى القضاء قولان ومنها ما إذا دفع الزكاة الي رجل ظنه فقيرا فبان غنيا ففى الضمان قولان ثم اختلفوا في موضع
[ ٣ / ٢٣٣ ]
القولين فيما نحن علي طريقين قال الاكثرون القولان جاريا فيما إذا تبين الصواب يقينا مع يقين الخطأ وفيما إذا لم يتبين اصواب يقينا مع يقين الخطأ ولا فرق ومنهم من قال القولان فيما إذا بان يقين الخطا مع يقين الصواب اما إذا تيقن الخطاء دون الصواب فلا يخب القضاء بحال لانه لا يأمن الخطأ في القضاء أيضا فأشبه خطأ الحجيج في الوقوف بعرفة فانهم لما لم يأمنوا مثله في القضاء لم يلزمهم القضاء وهذا معنى قوله في الكتاب فان تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب الا باجتهاد
ففى القضاء قولان مرتبان وأولا بأن لا يجب ومتى رتب المذهبيون صورة علي صورة في الخلاف وجعلوا الثانية أولي بالنفى أو الاثبات حصل في الصورة المرتبة طريقان أحدهما طرد الحلاف والثانى
[ ٣ / ٢٣٤ ]
القطع بما في الصورة الاخيرة اولي به من النفى أو الاثبات وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة اخرى مثل ان يقال فيما نحن فيه هل يجب القضاء عند تيقن الخطأ فيه ثلاثة اقوال يجب: لا يجب: يفرق بين أن يتيقن معه الصواب فيجب وبين أن لا يتيقن فلا يجب والاظهر طريقة طرد القولين واعترض امام الحرمين على التشبيه بخطأ الحجيج بأن قال الخطأ ثم غير مأمون في السنين المستقبلة بحال وههنا ان لم يأمن الخطأ في حالة الاشتباه فيمكنه الصبر حتى ينتهي الي بقعة يستيقن فيها الصواب وما ذكرناه من الخلاف في ان المجتهد إذا بان له يقين الخطأ هل يقضى يجرى بعينه في حق الاعمي ذى قلده (القسم الثاني) ان يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ظنا وذلك لا يوجب القضاء لان
[ ٣ / ٢٣٥ ]
الاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد الا ترى ان القاضي لو قضى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لا ينقض قضاؤه اول وينبنى علي هذا ما لو صلى اربع صلوات الي اربع جهات بأربعة اجتهادات فلا يجب عليه قضاء واحدة منها لان كل واحدة منها مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ هذا ظاهر المذهب وهو الذى ذكره في الكتاب وعن صاحب التقريب وجهان آخران احدهما يجب عليه قضاء الكل لان الخطأ مستيقن في ثلاث صلوات منها وان لم يتعين فأشبه ما إذا فسدت عليه صلاة من صلوات وحكى في التتمة هذا الوجه عن الاستاذ ابى اسحق الاسفراينى والثانى انه يجب قضاء ما سوى الصلاة الاخيرة ويجعل الاجتهاد الاخير ناسخا لما قبله وعلي هذا الحلاف لو صلى صلاتين الي جهتين باجتهادين أو ثلاثا الي ثلاث جهات باجتهادات فعلي ظاهر المذهب لا قضاء عليه وعلي الوجه الثاني يقضي الكل وعلى الثالث يقضي ما سوى الاخيرة واعلم انا سنذكر خلافا في انه إذا صلي بالاجتهاد هل يجب عليه تجديد الاجتهاد للصلاة الثانية وحكم هذه الصورة لا يختلف بين ان
[ ٣ / ٢٣٦ ]
توجب تجديد الاجتهاد فيجدد وبين الا نوجب لكن اتفق له ذلك * قال (وان تيقن انه استدبر وهو فط اثناء الصلاة يحول وبناء الا إذا قلتا يجب القضاء عند الخطأ فههنا اولى بالابطال كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين اما إذا ظهر الخطأ يقينا أو ظنا ولكن لم يظهر جهة الصواب فان عجز عن الدرك بالاجتهاد بطلت صلاته وان قدر علي ذلك على القرب ففى البطلان قولان مرتبان على تيقن الصواب واولى بالبطلان لاجل التحير في الحال) * هذا الفصل لبيان الحالة الثالثة وهى أن يظهر الخطأ في الاجتهاد في اثناء الصلاة ولا يخلو أما أن يظهر له الصواب مقترنا بظهور الخطأ وأما أن لا يكون كذلك فهما ضربان (الضرب الاول)
[ ٣ / ٢٣٧ ]
أن يظهر له الصواب مقترنا بظهور الخطأ فننظر ان كان الخطأ مستيقنا فنبي ذلك علي القولين في وجوب القضاء عند ظهور يقين الخطأ بعد الصلاة إن فلنا يجب بطلت صلاته ههنا ولزمه الاستئناف جهتين كالحادثة الواحدة لا يتصور امضاؤها بحكمين مختلفين وأصحهما أنه ينحرف الي جهة الصواب ويبنى على صلاته احتسابا لما مضي من صلاته كما يحتسب بجميع صلاته علي هذا القول إذا بان يقين الخطأ بعد الصلاة ولا ننكر اقامة الصلاة الواحدة إلى جهتين الا ترى أن أهل قباء كذلك فعلوا وان كان الخطأ ظاهرا بالاجتهاد فقد ذكرنا أنه إذا وقع ذدلك بعد الصلاة لم يؤثر فإذا اتفق في اثنائها فهو
[ ٣ / ٢٣٨ ]
علي هذين الوجهين أو القولين وأصحهما أنه ينحرف وينبي لان الامر بالاستئناف نقض لما أدى من الصلاة والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد والثانى أنه استأنف كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين فعلي الوجه الاول لو صلي أربع ركعات إلى أربع جهات باربعة اجتهادات فلا اعادة عليه كما ذكرنا في الصلاة وخص في التهذيب رواية الوجهين بما إذا تغير اجتهاده وكان الدليل الثاني أوضح من الاول فاما إذا كان الدليل الثاني مثل الاول أو دونه قال لا يتحول بل يتم صلاته إلي تلك الجهة ولا اعادة عليه ولك أن تقول ان كان الدليل الثاني دون الاول فلا يتغير الاجتهاد
ولا يظهر الخطأ لان أقوى الظنين لا يترك باضعفهما وان كانا مثلين فقضيته التوقف والتحيرو حينئذ لا يكون الصواب ظاهرا فتكون الصورة من الضرب الثاني وسنذكر حكمه (الضرب الثاني) أن لا يظهر الصواب مع ظهور الخطأ فان عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته إذ لا سبيل إلى الاستمرار علي الخطأ ولا وقوف على جهة الصواب لينحرف وان قدر على ذلك على القرب فهل يبني وينحرف أم يستانف يعود فيه الخلاف الذى ذكرناه في الضرب الاول بالترتيب وههنا أولي بان يستأنف لان ثم يمكن من الانحراف إلى الصواب كما ظهر الخطأ
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وههنا بخلافه فانه متحير في الحال مثال هذا الضرب عرف أن قبلته يسار المشرق والسماء متغيمة فتوجه إلى جهة علي ظن أنها يسار المشرق فانقشع الغيم بحذائه وظهر كوكب قريب من الافق فقد علم الخطأ يقينا إذ بين له أنه مشرق أو مغرب ولم يعلم الصواب إذ لم يعرف أنه مشرق أو مغرب ثم قد يعرف الصواب علي القرب بان يرتفع الكوكب فيعلم أنه مشرق أو ينط فيعلم أنه مغرب ويترتب على ذلك معرفة القبلة وقد يعجز عن ذلك بان يظبق الغيم ويستمر الالتباس ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب مما ذكرناه (اعلم) انا قسمنا الضرب الاول قسمين أحدهما أن يستقن الخطأ والثاني أن لا يستيقنه فقوله وأن تيقن أنه استدر هو القسم الاول من هذا الضرب فان المستيقن للاستدبار عارف بالصواب أيضا مع معرفة الخطأ بقينا وفرق تعذ تيقن الخطا بين أن يظهر الصواب يقينا أو ظنا وأن كانت الصورة المذكورة في الكتاب هو يقين الصواب مع يقين الخطا وقوله تحول وبنى جواب علي قولنا انه إذا بان يقين الخطا بعد الصلاة لا يجب عليه القضاء وقد روينا وجهين علي هذا القول فما ذكره جواب علي اصحهما ثم اشار الي التفريع
[ ٣ / ٢٤٠ ]
علي القول الثاني بقول الا إذا قلنا يجب القضاء عند الخطأ أي إذا أوجبنا الف إقضاء عند ظهور الخطأ يقينا بعد الصلاة فنحكم ببطلان الصلاة عند ظهوره في أثنائها ولا يعتد بما أتى به بل البطلان ههنا أولي كيلا بجمع في صلاة بين جهتين وأما القصم الثاني من هذا الضرب فهو غير مذكور في
الكتاب وحكمه قريب من حكم القسم الاول لانا وان رتبنا الحكم ثم علي القولين في ان تعين الخطأ بعد الصلاة هل يوجب القضاء كما سبق فلا يحصل الا وجهان أحدهما انه يبنى والثانى انه يستأنف وهما حاريان في القسم الثاني علي ما بينا ولهذا قال في الوسيط وان تبين بالاجتهاد انه مستدبر فحكمة حكم المتيقن نعم يختلف التوجيه بحست القسمين كما قدمناه وأما قوله أما إذا ظهر الخطا يقينا أو ظنا الي آخر فهو الضرب الثاني وههنا صرح باتسوية بين تيقن الخطأ وظنه وقوله ففى البطلان قولان مرتبان علي يقين الصواب أي يقين الصواب مع الخطأ وهو صورة الاستدبار وقد ذكر فيها قولين انه تبطل صلاته أو يبني وهذه مرتبة عليها والله أعلم *
[ ٣ / ٢٤١ ]
قال (ولو بان له بالخلطا في التيامن والتياسر فهل هو كالخطأ في الجهة فعلى وجهين يرجع حاصلهما إلى ان بين الشتد في الاستقبال وبين الاشد تفاوتا عند الحاذق فهل يجب طلب الاشد أم يكفى حصول أصل الاشتداد فعلي وجهين) * جميع ما ذكرنا من الاحوال الثلاث فيما إذا بان له الخطأ في الجهة فاما إذا كانت الجهة واحدة وبان له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا يستدعي تقديم أصل وهو ان المطلوب بالاجتهاد عين الكعبة أم جهتها وفيه قولان أظهرهما أن المطلوب عين الكعبة لظاهر قوله تعالى (فولوا وجوهكم شطره) وقوله ﷺ في الخبر الذى تقدم ذكره مشيرا إلى العين (هذه القبلة) وهما مطلقان ليس فيهما فصل بين القريب والتعيد والثاني أن المطلوب جهة الكعبة لان حرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا فيكتفى بالجهة ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضم خارجون عن محاذاة العين وهذا القول يوافق والمنقول عن أبى حنيفة وهو أن المشرق قبلة أهل المغرب والمغرب قبلة أهل المشرق والجنوب قبلة أهل الشمال والشمال قبلة أهل الجنوب
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وعن مالك ان الكعبة قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل مكة ومكة قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الدنيا: وإذا ثبت هذا الاصل فنقول الخطأ في التيامن والتياسر ان ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراع من الصلاة فلا يقتضي وجوب الاعادة لان الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر
ففى التيامن والتياسر اولي وان كان في اثناء الصلاة فينحرف ويبنى ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة لانا استبعدنا الصلاة الواحدة الي جهتين مختلفين فاما الالتفات اليسير فانه لا يبطل الصلاة وان كان عمدا اما إذا ظهر الخطأ في التيامن والبياسر يقينا فيبني علي ان الفرض اصابة عين الكعبة ام اصابة جهتها فان قالا الفرض اصابة الجهة فلا اثر لهذا الخطأ في وجوب الاعادة ان ظهر بعد الصلاة ولا في وجوب الاستئناف ان ظهر في في آثنائها وان قلنا الفرض اصابة العين ففى الاعادة والاستئناف القولان المذكوران في الخطأ في الجهة ثم قال صاحب التهذيب وغيره لا يستيقن الخطأ في الانحراف مع بعد المسافة عن مكة وانما يظن اما إذا قربت المسافة فكل منهما ممكن وهذا كالتوسط بين اختلاف اطلقه اصحابنا العراقيون في انه هل يتيقين الخطا في الانحراف من غير معاينة الكعبة بلا فرق بين قرب المسافة وتعدها فقالو قال الشافعي ﵁ لا يتصور ذلك الا بامعاينة وقال بعض الاصحاب يتصور والله أعلم هذا شرح المسألة: واما قوله يرجع حاصلهما الي ان بين المستند في الاستقبال الي آخره فهو كلام نحا فيه نحو امام الحرمين
[ ٣ / ٢٤٣ ]
رحمة الله عليهما وذلك انهما حكيا ان الاصحاب بنوا الخلاف في خطا التيامن والتياسر على الخلاف في ان مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها واعترضا على هذه العبارة فقالا محاذاة الجهة غير كافية لان القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة العين لا تصح صلاته وان كان مسيقبلا للجهة ومحاذاة العين لا يمكن اعتبارها فان البعيد عن الكعبة علي مسافة شاسعة لا يمكنه اصابة العين ومسامتتها والمحال لا يطلب وأيضا فالصف الطويل في آخر المسجد تصح صلاة جميعهم مع خروج تعضهم عن محاذاة العين وإذا بطل ذلك فما موضع الخلاف وما معنى العين والجهة ذكرنا ان الانحراف اليسير لا يسلب أسم الاستقبال عن البعيد عن الكعبة في المسجد وان كان يسلبه نعن القريب من الكعبة وإذا لم يسلبه عن البعيد الواقف في المسجد فاولي أن لا يسلبه عن الواقف في أقصى المشرق والمغرب ثم البصير بادلة القبلة يجعل التفات البعيد وانحرافه علي درجتين (أحدهما) لانحراف السالب لاسم الاستقبال وهو الكثير منه وأن يولي الكعبة يمينه أو يساره والثاني النحراف الذى لا يسلب اسم الاستقبال وفى هذه الدرجة مواقف يظن الماهر في الادلة أن بعضها
أشد من بعض وان شملها أصل الشداد فهل يجى طلب الاشد أم لا فيه الخلاف وربما أشعر كلام امام الحرمين باثبات درجات التفات بقطع البصير بانه يسلب اسم الاستقبال والتفات يقطع بأنه لا يسلبه والتفات يظن انه لا يسلب لكنه لا يقطع به فهل تجوز القناعة بالشداد المظنون
[ ٣ / ٢٤٤ ]
أم يجب طلب المقوع به فيه الخلاف هذا ما ذكراه والجمهور علي التعبير عن الخلاف بالعين والجهة واتفق العراقيون والقفال علي ترج يح القول الصائر إلى أن المطلوب العين ولهم أن يقولوا لا نسلم ان التعيد لا يمكنه اصابة عين الكعبة بل عليه ربط الفكر في اجتهادة بالعين دون الجهة وأما الصف الطويل فلا نسلم خروج بعضهم عن محاذاة العين وذلك لان التباعد من الحرم الصغير يوجب زيادة محاذاة العين كما تقديم * قال (فروع أربعة (الاول) إذا صلى الظهر باجتهاد فهل يلزمه الاستئناف للعصر فعلي وجهين (الثاني) لو أدى اجتهاد رجلين الي جهتين فلا يقتدى احدهما بالاخر (الثلالث إذا تحرم المقلد في الصلاة فقال له من هو دون مقلده أو مثله أخطأ بك فلان لم يلزمه قبوله وان كان أعلم فهو كتغير اجتهاد البصير في اثناء صلاته في نفسه ولو قطع بخطأه وهو عدل لزمه القبول لان قطعه أرجح من ظن غيره (الرابع) ولو قال البصير الاعمى الشمس وراءك وهو عدل فعلي الاعمي قبوله لانه اختار عن محسوس لا عن اجتهد) * ختم الباب بفروع (احدهما) إذا صلى الي جهة بالاجتهاد ثم دخل عليه وقت صلاة اخرى أو اراد قصاء فائتة فهل يحتاج الي تجديد الاجتهارد للفريضة الثانية وجهان احدهما لا لان الاصل استمرار الضن الاول فيجرى عليه الي ان يتبين خلافه وأظهر نعم سعيا في اصابة الحق
[ ٣ / ٢٤٥ ]
لان الاجتهاد الثاني ان وافق الاول تأكد الظن وان خاله فكذلك لان تغير الاجتهاد لا يكون الا لامارة أقوى من الامارة الاولي وآكد الظنين أقرب إلى اليقين وهذان الوجهان كالوجهين في طلب الماء في التيمم وكالوجهين في المفتى إذا استفتى عن واقعة واجتهد وأجاب فاستفى مرة اخرى عن تلك الواقعة هل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد وأما النوافل فلا يحتاج الي تجديد الاجتهاد
لها كما لا يحتاج إلى تجديد التيم لها ذكره صاحب التهذيب وغيره: فان قلت ذكرتم ان الوجهين في وجوب تجديد الطلت مخصوصان بما إذا لم يبرح من مكانه فهل الامر كذلك ههنا قلنا في كلام تعض الاصحاب ما يقتضى تخصيص الوجهين تما إذا كان في ذلك المكان ههنا أيضا لكن الفرق ظاهر لان الطلب في موضع لا يفيد معرفة العدم في موضع إخر والادلة المعرفة لكون الجهة جهة القبلة لا تختلف بالمكانين فان أكثرها سماوية ولا تختلف دلالاتها بالمسافات القريبة (الثاني) لو أدى اجتهاد رجلين الي جهتين فكل واحد منهما يعمل باجتهاده ولا يفتدى أحدهما بالاخر فان كل واحد منهما مخطئ عند الثاني فصار كما لو اختلف اجتهادهما والاناءين والثوبين ولو اجتهد جماعة وتوافق اجتهادهم فامهم واحد منهم ثم تعغيير اجتهاد واحد من المأمومين فعليه أن يفارقه وينحرف الي الجهة الثانية وهل عليه أن يستأنف أم له البناء فيه الخلاف الذى قدمناه في تغيير الاجتهاد في أثناء الصلاة وللخلاف ههنا مأخذ آخر وهو انا سنذكر خلافا في ان المأموم هل أنه يفارق الامام أم وهل يفترق الحال بين أن يفارق بعذر أو غير عذر ثم منهم من قال هذه المفارقة
[ ٣ / ٢٤٦ ]
بعذر ومنهم من قال هو مقصر بترك امعان ابحث والنظر ولو عذر ولو تغير اجتهاد الامام فنيحرف الي الجهة الاخرى اما بانيا أو مستأنفا على الخلاف الذى بق وهم يفارقونه ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة فان فان أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو الاختلاف في الجهة فلا يقتدى أهدهما بالاهر والا فلا بأس (الثلاث) إذا شرع المقلد في الصلاة بالتقلد ثم قال له عدل أخطأ بك من قادته فلا يخلو اما أن يقول ذلك عن اجتهاد أيضا أو عن علم ومعاينة فهما حالتان (فأما في الاحالة الاولى) فننظر ان كان قول الاول ارجح عنده واولى بالاتباع اما لزيادة عدالته وهدايته إلى الادلة فلا اعتبار بقول الثاني إذا الاقوى لا يرفع بالاضعف وان كان قول الثاني مثل قول الاول أو لم يعرف انها مثلان أو احدهما أقوى من الاحر فكذلك أثر لقول الثاني وان كان قول الثاني ارجح عند قهو كتغير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في انه يبنى أو يستأنف كذا هو في التهذيب وغيره ولو أخبره المجتهد الثاني بعد الفرع من
[ ٣ / ٢٤٧ ]
الصلاة لم يلزم الاعادة وان كان قول الثاني أرجح كما لو تغير اجتهاد بعد الفراع وقوله فقال له من هو دون مقلده أو مثله أراد به هذه الحالة الاولى أي قال ذلك عن اجتهاد واما قوله لم يلزمه قبوله فلعلك تقول قد عرفت انه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب ان هذا يرتب على ان المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الاخر فهل يجب عليه ان يأخذ بقول الاعلم أم يتخير فان قلنا بالاول فلا قبوله وان قلنا باثناى ففيه خلاف لانه ان بنى كان مصليا للصلاة الواحدة جهتين وان استأنف كان مبطلا للفرض من غير ضرورة وفى نظائر كل واحد منهما خلاف (الحالة الثانية) ان يخبره عن علم ومعاينة فيجب لرجوع الي قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الاولى على الاجتهاد ولا فرق ههنا بين ان يكون قول الثاني اصدق عنده أو لا يكون ومن هذا القبيل ان يقول الاعمى انت مستقبل للشمس أو مستدبر والاعمى يعرف ان قبلته ليست في صوب الشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله ويكون هذا ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثنا الصلاة فيلزمه الاستئناف على الصحيح ولو قال الثاني انك علي الخطأ قطعا فكذلك يجب قبوله فان قطعه أرجح من ظن الاول
[ ٣ / ٢٤٨ ]
فينزل قطعه منزلة الاخبار عن محسوس ثم القاطع باخطأ قد يخبر عن الصواب به وقد يخبر عنه مجتهدا ويجب قبوله علي التقديرين لبطلان تقليد الاول بقطعه ولا يمكن ان يكون قطعه بالخطأ عن
[ ٣ / ٢٤٩ ]
اجتهاد فان الاجتهاد لا يفيد القطع فلا عبرة بالعتارة الفارغة عن المعنى وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا اخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعا فأما إذا أخبره عن الخطأ علي وجه يجب قبوله ولم
[ ٣ / ٢٥٠ ]
يخبره هو ولا غير عن الصواب فهو كتغير اجتهاد المجتهد في أصلاة وقد سبق حكمه والله اعلم: فان قلت وعد في الكتاب باربعة فروع ولم يذكر الا ثلاثة المذكورة في هذا الفصل
[ ٣ / ٢٥١ ]
لم يعدها في الوسيط الا ثلاثة فروع وجعل في اولها فرعا آخر وههنا عدها اربعة من غير ذلك
المضموم فيجوز ان يقال جعل حالتى الفرع الاخير فرعين ويجوز غير ذلك والامر فيه هين * قال (الباب الرابع في كيفية الصلاة)
[ ٣ / ٢٥٢ ]
(وأركانها أحد عشر التكبير والقرائة والقيام والركوع والاعتدال عنه والسجود والقعدة بين السجدتين مع الطمأنية في الجميع والتشهد الاخير والقعود فيه والصلاة على النبي ﷺ والسلام (ح) والنية بالشرط اشبه) * الصلاة في الشريعة عبارة عن الافعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم ولابد من رعاية أمور أخر ليقع الاعتداد بتلك الافعال وتسمى هذه الامور شروطا وتلك الافعال أركان فجعل هذا الباب في الاركان والذى يليه في الشروط ولابد من معرفة الفرق بينهما (اعلم) أن الركن والشرط
[ ٣ / ٢٥٣ ]
يشتركان في انه لابد منهما وكيف يفبرقان منهم من قال يفترقان العام والخاص ولا معنى للشرط الا ما لابد منه فعلي هذا كل ركن شرط ولا ينعكس وقال الاكثرون ويفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة والاركان بما تشتمل عليه الصلاة ويرد علي هذا ترك الكلام والفعل الكثير وسائر المفسدات فاتها لا تقديم علي الصلاة وهى معدودة من الشروط دون الاركان ولك أن تفرق بينهما بعبارتين (أحدهما) أن تقول يعنى بالاركان المفروضات المتلاحقة التى أوله الكبير وآخرها التسليم ولا يلزم التروك فانها دائمة ولا تلحق ونعنى بالشروط ما عداها من المفروضات (والثانية) ان نقول يعنى بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه: مثاله الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنا كان أو شرطا والركوع معتبر لا على هذا الوجه إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الافعال المسماة اركان وما لم يشرع فيها لا يسمي شارعا في الصلاة وان تطهر وستر العورة واستقبل وهذا واضح في عرف الشرع واطلاقاته ثم ان المصنف عد الاركان احد عشر يعني اجناسها ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر اما في الركعة الواحدة كالسجود أو بحسب عدد الركعات كالركوع ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره اركانا
[ ٣ / ٢٥٤ ]
بل جعلنا في كل ركن كالجزء منه والهثية التابعة له وبه يشعر قوله صلي الله عليه وسلم للاعرابي «ثم اركع حتى تطمئن راكعا) وضم صاحب التخليص إلى الاركان المذكورة استقبال القبلة واستحسنه القفال وصوبه ومن فرض نية الخروج والموالاة والصلاة على آل النبي صلي الله عليه وسلم الحقها بالاركان ومنهم من ضم الي الاحد عشر التي ذكرها الترتيب في الافعال وهكذا أورد صاحب التهذيب ويظهر عده من الاركان على العبارة الثانية في تفسير الركن وأما النية فقد حكي الشسخ أبو حامد وغيره وجهين في انها من قبيل الشرائط أو من الاركان أحدهما وهو الاشبه عند صاحب الكتاب أنها من الشرائط لان النية تتعيق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة والا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى وأظهرهما عند الاكثرين انها من الاركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الاركان ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الاركان ويكون قول الناوى أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الاركان تبعيرا باسم الشئ عن معطمه وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنا والا فما الفرق ولك أن تعلم قوله واركانها احد عشر بالواو لما حكينا من الاختلاف على أن أكثره يرجع الي التعبيرات وكيفية العد وحظ المعني لا يختلف وابو حنيفة وسائر العلماء رحمة الله عليهم يخالفون في بعض الاركان المذكورة وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فان الغرض الان تزاحم جملة وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة الي العلامات من هذا الفصل *
[ ٣ / ٢٥٥ ]
قال (والابعاض اربعة القنوت والتشهد الاول والقعود فيه والصلاة علي النبي ﷺ في التشهد الاول وعلى الاول في التشهد الاخير علي احد القولين وهذه الاربعة تجبر بالسجود وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) .
للصلاة مفروضات ومندوبات أما المفروضات فهي الاركان والشروط وأما المندوبات فقسمان مندوبات يشرع في تركها سجود السهو ومندوبات لا يشرع فيها ذلك والتى تقع في القسم الاول تسمى أبعاضا ومنهم من يخصها باسم المسنونات وتسمى التى تقع في القسم الثاني هيآت قال امام الحرمين وليس
في تسميتها ابعاضا توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا يتعلق السجود ببعض السنن دون بعض والتى يتعلق بها السجود اقل مما لا يتعلق ولفظ البعض في أقل قسمي الشئ أغلب اطلاقا فلذلك سميت هذه الابعاض وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود قد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن وبذلك القدر من التأكيد شاركت الاركان فسميت ابعاضا تشبيها بالاركان التى هي ابعاض واجزاء حقيقة وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب ولو لم يتعرض ها في هذا الموضع لما ضر لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن من ابعاضها اسنحسن دكرها في هذا الموضع ايضا ثم انه عدها اربعة أحدها القنوت وثانيها التشهد الاول وثالثا القعود فيه ورابعا الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه وسلم فيه وفى استحبابها قولان يذكر ان من بعد فان قلنا
[ ٣ / ٢٥٦ ]
بالاستحباب فهو من الابعاض والحق بهذه الاربعة شيئان احدهما الصلاة على الا ال في التشهد الثاني ان قلنا انها مستحبة لا واجبة وكذلك في التشهد الاول ان استحببناها تفريعا علي استحباب الصلاة علي الرسول صلي الله عليه وسلم وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات ونشرح الخلاف فيه من بعد ان شاء الله تعالي والثانى القيام للقنوت عد بعضنا برأسه وقراءة القنوت بعضا آخر حتى لو وقف ولم يقرأ يسجد للسهو وهذا هو الوجه إذا عددنها التشهد بعضا والقعود له بعضا آخر وقد اشار الي هذا التفصيل في القنوت امام الحرمين قدس الله روحه وصرح به في التهذيب ثم كون القندت بعضا لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضا في النصف الاخير من رمضان وقوله وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود ينبغي ان يعلم بالحاء والميم والالف لما سيأتي في باب سجود السهو * قال (الركن الاول التكبير ولتكن النية مقرونة به بحيث يحضر في العلم صفات الصلاة ويقرن القصد الي هذا المعلوم بأول التكبير ويبقى مستديما للقصد والعلم إلى آخر التكببر فلو عزبت بعد التكبير لم يضر ولو غربت قبل تمام التكبير فوجهان) * لما لم يعد النية ركنا خلط مسائلها بمسائل التكبير لان وقت النية هو التكبير ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا لو تقدمت النية علي التكبير بلزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية لنا ان التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره ولهذا لو تقدمت بزمان طويل لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من
عسر مراقبة طلوع الفجر ولهذا يحتمل فيه التقدم بالزمان الطويل ثم في كيفية المقارنة وجهان احدهما أنه يجب ان يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير واصحهما أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لان التكبير من الصلاة فلا يجوز الاتيان بشئ منه قبل تمام النية وعلي تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليا عن تمام النية المعتبرة وهذا هو الذى ذكره في الكتاب حيث قال ويقرن القصد إلى هذا المعلوم باول التكبير ثم اختلفوا علي هذا الوجه فقال قوم منهم ابو منصور بن مهران شيخ الاودني يجب أن تتقدم النية علي التكبير ولو بشئ يسير ليأمن من تأخر اولها عن أول التكبير واستشهد عليه بالصوم وقال الاكثرون لا يجب ذلك ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم فان التقديم كان لورود الشرع بالتبييت ثم سواء قدم أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان أحدهما لا لان ما بعد أول التكبير
[ ٣ / ٢٥٧ ]
في حكم الاستدامة واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب واصحهما نعم لان النية مشروطة في الانعقاد والانعقاد لا يحصل الا بتمام التكبير الا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه واما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية ولا يضر غروبها لما في تكليف استصحابها من العسر واما قوله بحيث يحضر في العلم صفات الصلاة إلى آخره فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه وذلك أن النية قصد والقصد يتعلق بمقصود ولابد وان يكون المقصود معلوما فالناوي يحضر في ذهنه أو لا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفاتها كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي ثم يقصا الي هذا المعلوم ويجعل قصده مقارنا لاول التكبير ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير وقوله ويبقى مستديما للقصد والعلم الي آخر التكبير ينبغى أن يتنبه فيه لشيئين أحدهما أنه لو لم يتعرض في مثل هذا الموضع للعلم لكان الفرض حاصلا لان المستدام هو القصد الي الصلاة بصفاتها المعتبرة ولا يمكن استدامة هذا القصد الا باستدامة حضور المقصود في الذهن وهو العلم والثانى أن هذا الكلام بيان لما ينبغى أن يفعله المصلي ثم هو واجب أو مسنون قد بينه آخرا بقوله وان عزبت قبل تمام التكبير فوجهان ان قلنا يجوز فالاستدامة مسنونة والا فواجبة *
قال (ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جزم النية بطل كما لو نوى الخروج في الحال أو في الراكعة الثانية أو تردد في الخروج ولو علق نية الخروج بدخول شخص فيه وجهان أحدهما يبطل في الحال وهو الاقيس والثانى لا يبطل لانه قد لا يدخل فيستمر علي مقتضي النية فعلي هذا ان دخل ففى البطلان وجهان) * استدامة النية وان لم يكن شرطا في دوام الصلاة الا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط فان هذا هين وان كان الاول عسيرا وهذا كالايمان لا يشترط فيه استحضار العقد الصحيح علي الدوام ولكن يستدام حكمه ويشتزط الامتناع عما يناقضه إذا تبين ذلك فنقول لو نوى الخروج من الصلاة في أثنائها بطلت صلاته فان هذه النية تناقض قصده الاول ولو تردد في أنه يخرج أو يستمر فكذلك تبطل صلاته لما بين التردد والجزم من التنافى قال امام الحرمين والمراد من هذا التردد أن يطرأ له الشك المناقض للجزم واليقين ولا عبرة بما يجرى في الفكر أنه لو تردد في الصلاة كيف يكون الحال فان ذلك مما يبتلي به الموسوس وقد يقع له ذلك في الايمان بالله تعالي أيضا فلا مبالاة به ولو نوى الخروج من صلاته في الركعة الثانية أو علق الخروج بشئ آخر يقع في صلاته لا محالة بطلت صلاته
[ ٣ / ٢٥٨ ]
في الحال لانه قطع موجب النية فان موجبها الاستمرار علي الصلاة الي انتهائها وهذا يناقضه وحكي في النهاية عن كلام الشيخ أبى علي أنه لا تبطل صلاته في الحال ولو رفض هذا التردد قبل الانتهاء الي الغاية المضروبة صحت صلاته فال بأس باعلام قوله أو في الراكعة الثانية بالواو لهذا الكلام وان كان غريبا ولو علق نية الخروج بدخول الشخص ونحوه مما يجوز عروضه في الصلاة وعدمه فهل تبطل صلاته في الحال فيه وجهان أصحها نعم كما لو قال ان دخل فان تركت الاسلام فانه يكفر في الحال وكما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته بلا خلاف والثانى لا تبطل في الحال فان ذلك المعلق عليه ربما لا يوجد فتبقى النية علي استمرارها فعلي هذا لو دخل الشخص ووجدت الصفة المعلق عليها فهل تبطل الصالة حينئذ فيه وجهان عند الشيخ ابى محمد أنها لا تبطل إذا لو بطلت لبطلت في الحال القيام التردد فإذا لم تبطل لم يكن لهذا التردد وكان وجوده وعدمه بمثابة واحدة وقطع الاكثرون
بانها تبطل عند وجود الصفة فانه مقتضى تعليقه قال امام الحرمين ويظهر علي هذا أن يقال يتبين عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت التعليق لان بوجود الصفة يعلم أن التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة في الصلاة وموضع الوجهين المفرعين علي الوجه الثاني ما إذا وجدت الصفة وهو ذا هل عن التعليق المقدم اما إذا لم يكن ذاهلا فال خلاف في بطلان صلاته وليكن قوله ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جزم النية بطل معلما بالحاء لان عنده لا أثر لنية الخروج لا في الحال ولا في المال وللتردد في الخروج وليس قوله ما يناقض جزم النية مجرى علي اطلاقه لان الغفلة عن جزم النية يناقضه وهى غير قادحة على ما سبق والمراد ما عدا الغفلة (واعلم) أنه لو لم ينو الخروج مطلقا ولكن نوى الخروج من الصلاة التى شرع فيها وصرفها الي غيرها كان كقصد الخروج المطلق في أن الصلاة المشروع فيها تبطل ثم ينظران صرف فرضنا الي فرض كما لو شرع في الظهر ثم صرفها الي العصر لا يصير عصرا وان صرف فرضا الي سنة راتبة أو بالعكس فكذلك وفى بقاء صلاته نفلا في هذه الصورة قولان تذكرهما من بعد * قال (ولو شك في أصل النية ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة كركوع بطل وان لم يمض وقصر الزمان لم يبطل ولو طال فوجهان والصوم يبطل بالتردد في الخروج علي أحد الوجهين لانه ليس له عقد وتحريم يؤثر القصد فيه) * الفصل يشتمل علي مسألتين وثانيتهما في النظم الكتاب أولاهما بالتقديم لمضاهاتها المسائل المتقدمة
[ ٣ / ٢٥٩ ]
علي هذا الفصل فنقدمها ونقول لو تردد الصائم في انه هل يخرج من صومه أو لا أو علق نية الخروج بدخول شخص فقد ذكر المعظم أن صومه لا يبطل واشعر كلامهم بنفى الخلاف فيه وذكر ابن الصبالغ في كتاب الصوم أن ابا حامد حكى فيه وجهين كما سنذكره في الصورة الآتية ولو جزم نية الخروج ففيه وجهان أحدهما تبطل كما في الصلاة وأظهرهما وبه قال ابو حنيفة لا كما في الحج والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بقصد الشخص واختياره والصوم بخلافه فان الناوى ليلا يصير شارعا في الصوم بطلوع الفجر وخارجا منه بغروب الشمس وان لم يكن له شعور بهما وإذا كان كذلك كان
تأثر الصلاة بضعف النية فوق تأثر الصوم ولهذا يجوز تقديم النية علي أول الصوم وتأخيرها في الجملة عن أوله ولا يجوز ذلك في الصلاة والمعنى فيه أن الصلاة أفعال وأقوال والصوم ترك وامساك والافعال إلى النية أحوج من الترك إذا تقرر ذلك فقوله في الكتاب وكذا يحرم الخروج مقطوع عما قبله علي ما أشعر به كلام المعظم ولا جريان للوجهين في صورة التردد وعلي ما رواه ابن الصباغ يجوز صرف الوجهين إلى الصورتين والاول هو قضية ايراده في الوسيط (المسألة الاخرى) لو شك في صلاته أنه هل أتى بالنية المعتبرة في ابتدايها سواء شك في أصلها أو بعض شروطها فينظر ان أحديث علي الشك ركنا فعليا كالركوع والسجود بطلت صلاته وان أحدث ركنا قوليا كالقراءة وتشهد فهل هو كالفعلى حتى تبطل الصلاة بمضيه على الشك أيضا اختلف الناقلون فيه فمنهم من قال لا فرق بان المأتى به علي التردد غير محسوب فلابد من اعادته والاركان الفعلية إذا زيدت عمد ابطلت الصلاة ولئن عد معذورا في الاعادة فهو غير معذور في الانشاء علي الشك بل كان من حقه التوقف واما الاركان القولية فزيادتها عمدا لا تبطل الصلاة فلا يضر أحداثها علي التردد وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب فانه قال ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة وقصد به الاحتراز عن القراءة والتشهد ومد الطمأنينة وهذا مبني علي ظاهر المذهب في انه لا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة والتشهد عمدا بخلاف تكرير الركوع والسجود وفيه وجه منقول عن أبى الوليد النيسابوري وغيره ان تكرير الفاتحة كتكرار الركوع فلا فرق علي ذلك الوجه ومنهم من سوى بين الاركان القولية والفعلية وعللوا بان البطلان بان المأتى به علي الشك إذا لم يكن محسوبا فالاشتغال به تلاعب بالصلاة فليمتنع مما ليس من الصلاة ولا فائدة فيه وليتوقف إلى التذكر وهذه الطريقة أظهر وبه قال العراقيون ورووها عن نص الشافعي ﵁ وليكن قوله لا يزداد مثله في الصلاة مسلما بالواو لانه مذكور للتقييد ولا تقييد على هذه الطريقة الاخيرة وان لم يحدث شيئا من
[ ٣ / ٢٦٠ ]
فروض الصلاة علي التردد حتى يذكر النية نظر أن قصر الزمان لم يضر أيضا لانه قد أتى بما يليق بالحال حيث لم يحدث على الشك قولا ولا تقصير منه في عروضه وأطهرهما البطلان لانقطاع نظم الصلاة وندرة مثل هذا الشك وشبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا كثر الكلام ناسيا والفرق بين طول الزمان وقصره سيأتي في نظائر المسألة *
قال (ثم كيفية النية أن ينوى الاداء أو الظهر وهل يجب التعرض للفرضية والاضافة إلى الله عزوجل فوجهان والنية بالقلب لا باللسان وأما النوافل فلابد من تعيين الرواتب بالاضافة وغير الرواتب يكفى فيها نية الصلاة مطلقة) * الصلاة قسمان فرائض ونوافل أما الفرائض فيعتين فيها قصد أمرين بلا خلاف (أحدهما) فعل الصلاة لتمتاز عن سائر الافعال فلا يكفى اخطار نفس الصلاة بالبال مع الغفلة عن الفعل (الثاني) تعيين الصلاة المأتى بها من ظهر وعصر وجمعة لتمتاز عن سائر الصلوات ولا يجزئه نية فريضة الوقت عن نية الظهر والعصر في أصح الوجهين لانه لو تذكر فائتة غير الظهر في وقت الظهر كان الاتيان بها فيه اتيانا في الوقت قال صلي الله عليه وسلم (فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها) وقتها ليست هي بظهر ولا يصح الظهر بنية الجمعة وفيه وجه ضعيف وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة ان قلنا انها ظهر مقصورة وان قلنا هي صلاة على حيالها لم تصح ولا تصح بنية مطلق الظهر علي التقديرين واختلفوا في اعتبار أمور سوى هذين الامرين منها التعريض للفرضية في اشتراطه وجهان اداء كانت الفريضة أو قضاء احدهما وبه قال ابن ابى هريرة لا يشترط لان الشافعي قال في الصبي يصلي ثم يبلغ في آخر الوقت يجزئه ولو كانت نية الفرض مشروطة لما اجزأه ذلك لانه لم ينو الفريضة واظهرهما عند الاكثرين وبه قال ابو اسحاق تشترط لان الظهر قد يوجد من الصبى وممن صلى منفردا ثم اعادها في الجماعة ولا يكون فرضا فوجب التمييز ولك ان تقول قولنا المصلى ينوى الفرضية اما ان يعنى بالفريضة في هذا المقام كونها لازمة علي المصلي بعينه أو كونها من الصلوات اللازمة على اهل الكمال أو شيئا آخر ان عنينا به شيئا آخر فلنلخصه اولا ثم لنبحث عن لزومه وان عنينا الاول وجب ان لا ينوى الصبى
[ ٣ / ٢٦١ ]
الفريضة بالاخلاف ولم يفرق الائمة بين الصبى والبالغ بل اطلقوا لوجهين وايضا فانهم قالوا فيمن صلى منفردا ثم ادرك جماعة الصحيح أنه ينوى الفرض بالثاني وهو غير لازم عليه وان عنينا الثاني فمن تعرض للظهر والعصر فقد تعرض لاحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال وكونها ظهرا أخص من كونها صلاة لازمة عليهم والتعرض للاخص يغني عن التعرض للاعم ولهذا كان التعرض للصلاة مغنيا عن التعرض للعبادة ونحوها من الاوصاف وبهذا البحث يضعف ما ذكر في توحيه الوجهين ومنها
الاضافة الي الله تعالى بأن يقول لله أو فريضة الله فيها وجهان احدهما وبه قال بن القاص يشترط ليتحقق معني الاخلاص وأصحهما عند الاكثرين لا يشترط لان العبادة لا تكون الا لله تعالي ومنها التعرض لكون المأتي به قضاء أو أداء في اشتراطه وجهان احدهما يشترط أنه ليمتاز كل واحد منها عن الآخر كما يشترط التعرض للظهر والعصر والثاني وهو الاصح عند الاكثرين أنه لا يشترط بل يصح الاداء بنية القضاء وبالعكس لان القضاء والاداء كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر قال الله تعالي فإذا قضيتم مناسككم أي أديتم ويقال قضيت الدين واديته بمعنى واستشهدوا لهذا الوجه بنص الشافعي ﵁ علي انه لو صلى يوم الغيم بالاجتهاد ثم بان انه صلي بعد الوقت يحكم بوقوعه عن القضاء مع انه نوى الاداء ولك أن تقول القول بأن النية الاداء هل تشترط في الاداء ونية القضاء هل تشترط في القضاء وفرض الخلاف فيه منقدح لكن قولنا هل يصح الاداء بنية القضاء وبالعكس أما أن يعنى به أن يتعرض في الاداء لحقيقته ولكن يجرى في قلبه أو علي لسانه لفظ القضاء وكذلك في عكسه أو يعنى به انه يتعرض في الاداء حقيقة القضاء وفى القضاء لحقيقة الاداء أو شيئا آخر ان عنينا به شيئا آخر فلابد من معرفته أولا وان عنينا الاول فلا ينبغى ان يقع النزاع في جوازه لان الاعتبار في النية بما في الضمائر ولا عبرة بالعبارات وان عنينا الثاني فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع لان قصد الاداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزء وعبث فوجب ان لا ينعقد به الصلاة كما لو نوى الظهر ثلاث ركعت أو خمسا ومنها التعرض لاستقبال القبلة شرطه بعض اصحابنا واستبعده الجمهور لانه اما شرط أو ركن وليس علي الناوى التعرض لتفاصيل الاركان والشرائط ومنها التعرض لعدد الركعات شرطه بعضهم والصحيح خلافه الان الظهر إذا لم يكن قصر الا يكون الا أربعا (القسم الثاني) النوافلل وهى ضربان احدهما النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها ايضا نية فعل الصلاة والتعيين فينوي سنة الاستسقاء والخسوف وسنة عيد
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الفطر والتراويح والضحي وغيرها وفى الرواتب يعين بالاضافة فيقول اصلي ركعتي الفجر أو راتبة الظهر أو سنة العشاء وفى الرواتب وجه ان ركعتي الفجر لابد فيهما من التعيين بالاضافة وفيما عداهما يكفى نية أصل الصلاة الحافا لركعتي الفجر بالفرائض لتأكدها والحاقا لسائر الرواتب بالنوافل المطلقة وفى الوتر ينوى سنة الوتر ولا يضيفها الي العشاء فانها مستقلة بنفسها وإذا زاد علي واحدة
ينوى بالجميع الوتر كما ينوى في جميع ركعات التراويح وحكى القاضى الروياني وجوها اخر احدها انه ينوى بما قبل الواحدة صلاة الليل والثانى ينوى سنة الوتر والثالث مقدمة الوتر ويشبه ان تكون هذه الوجوه في الاولوية دون الاشتراط وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب اختلف كلام النافلين فيه وهو قريب من الخلاف في اشتراط التعريض لل فريضة في الفرائض والخلاف في التعرض للقضاء والاداء والاضافة الي الله تعالى يعود ههنا ايضا الضرب الثاني النوافل المطلقة فيكفى فيما نية فعل الصلاة لانها ادنى درجات الصلاة فإذا قصد الصلاة وجب ان يحصل له ولم يذكروا ههنا خلافا في التعرض للنفلية ويمكن أن يقال قضية اشتراط قصد الفريضة لتمتاز الفرائض عن غيرها اشتراط التعرض للنفلية ههنا بل التعريض لخاصيتها وهى الاطلاق والانفكاك عن الاسباب والاوقات كالتعرض لخاصية الضرب الاول من النوافل ثم النية في جميع العبارات معتبرة بالقلب فلا يكفى النطق مع غفلة القلب ولا يضر عدم النطق ولا النطق بخلاف ما في القلب كما إذا قصد الظهر وسبق لسانه الي العصر وحكي صاحب الافصاح وغيره عن بعض أصحابنا أنه لابد من التلفظ باللسان لان الشافعي ﵁ قال في الحج ولا يلزمه الا ذا أحرم ونيوى بقلبه أن يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح الا بالنطق قال الجمهور لم يرد الشافعي ﵁ اعتبار التلفظ بالنية وانما أراد التكبير فان الصلاة به تنعقد وفى الحج يصير محرما من غير لفظ ولو عقب النية بقوله ان شاء الله بقلب أو باللسان فان قصد التبرك أو وقوع الفعل بمشيئة الله تعالي لم يضره وان قصد الشك لم تصح صلاته وأعود الي ما يتعلق بلفظ الكتاب فاقول قوله أن ينوى الاداء والظهر قصد بلفظ الاداء التعرض لشيئين أحدهما أصل الفعل وهذا لابد منه وثاني الوصف المقابل للقضاء وهو الوقوع في الوقت وهذا فيه خلاف بين الاصحاب كما سبق وما ذكره جواب على وجه اشتراط نية الاداء في الاداء فليكن كلمة الاداء معلمة بالواو وقوله والنية بالقلب لا باللسان معلم بالواو للوجه الذى حكيناه فيه وهذه المسألة لا تختص بنية الفرائض ولا بنية النوافل بل تعمهما فلو ذكرها في أول المسألة النية أو آخرها
[ ٣ / ٢٦٣ ]
لكان أحسن من ذكرها بين قسم الفرائض والنوافل وقوله ولابد من تعيين الرواتب بالاضافة معلم بالواو أو ايضا للوجه المنقول فيهما سوى ركعتي الفجر ثم اهم الرواتب في المشهور للنوافل التابعة للفرائض وهى التى ارادها بلفظ الرواتب في باب صلاة التطوع لكن لا يمكن حمل اللفظ في هذا الموضع عليها وحدها لانه قال وغير الرواتب يكفى فيه نية غير كافية في صلاة العيد واخواتها مع انها غير النوافل التابعة للفرائض *
قال (ولو نوى الفرض قاعدا وهو قادر علي القيام لم ينعقد فرضه وهل ينعقد نفلا فيه قولان وكذا الخلاف في التحريم بالظهر قبل الزوال وكل حالة تنافى الفرضية دون النفلية هذا حكم النية) * الاصل الجامع لهذه المسائل أن من أتي بما ينافى الفرضية دون النفلية اما في أول صلاته أو في أثائها وبطل فرضه فهل تبقى صلاته نافلة أم تبطل مطلقا فيه قولان ذكر الائمة أنهما مأخوذان بالنقل والتخريج من نصوص مختلفة للشافعي ﵁ في صور هذا الاصل فمنها لو دخل في الظهر قبل الزوال لا يصح ظهر أو نص أنه ينعقد نفلا كذلك رواه الصيدلاني وتابعه صاحب التهذيب ولو تحرم بالفرض منفردا فجاء الامام وتقدم ليصلى بالناس قال احببت أن يسلم عن ركعتين تكونان نافلة له ويصلي الفرض في الجامعة فقد صحح النفل مع ابطال الفرض مع ابطال الفرض ونص فيما إذا وجد القاعد خفة في أثناء الصلاة فلم يقم انه تبطل الصلاة رأسا ولو قلب فرضه نفلا بلا سبب يدعو إليه فقد حكي ابن كج عن نصه أن صلاته تبطل فجعل الائمة في هذه الصور وأخواتها كلها قولين أحدهما أن صلاته لا تبطل بالكلية وتكون نفلا لان الاختلال انما وقع في شرط الفرض لا في شرط الصلاة طلقها وقد نوى صلاة بصفة الفريضة فان بطلت الصفة يبقى قسد الصالة مطلقا وهذا القصد مصروف الي النافلة والثانى انها تبطل لان المنوي هو الفرض والنفل غير منوى فإذا لم يحصل المنوي فلان لا يحصل غير المنوي كان أولي وهذان القولان كالقولين فيما إذا أحرم بالحج قبل اشهر الحج هل ينعقد عمرة ام لا ولتوجيههما شبه بتوجيه القولين فيم إذا قال لفلان علي الف من ممن الخمر هل يلغو جميع كلامه ام تلغو الاضابة ويلزمه ومن صور هذا الاصل ما إذا نوى الفرض قاعدا وهو قادر على القيام والمسبوق إذا وجد الامام في الركوع فبادر إلى الركوع واتى ببعض تكبيرة الاحرام بعد مجاوزة حد القيام فلا يصح الفرض فيهما وهل يكون نفلا فيه القولان واما الاصح من القولين فقد ذكر الاصحاب انه مختلف باختلاف الصور ففي إذا تحرم بالظهر فان قبل الزوال ان كان عالما بحقيقة
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الحال فالاصح البطلان لانه متلاعب بصلاته وان كان يظن دخول الوقت لاجتهاد فتبين خلافه فالصح انها تكون نفلا لانه نوى التقرب إلى الله تعالى وبنى قصد الفرض على اجتهاد فإذا ظهر الخطأ حسن ان لا يضيع سعيه وفيما إذا تحرم بالفرض منفردا ثم أقيمت الجماعة فانفرد بركعتين وسلم الاصح أن صلاته تبقى نفلا لانه قصد النفل بعد الاعراض عن الفرض وانما فعل ذلك لامر محبوب وهو استئناف الصلاة بالجماعة وفيما إذا وجد القاعد خفة فلم يقم أو قلب فرضه إلى النفل لا لسبب وعذر الاظهر البطلان لان الخروج عن الفرض بغير عذر وابطاله مما لا يجوز وفيما إذا نوى الفرض قاعدا
وهو قادر علي القيام الاظهر البطلان أيضا لتلاعبه بالصلاة واما مسألة المسبوق فان كان عالما بانه لا يجوز ايقاع التكبيرة فيما بعد مجاوزة حد القيام فالاظهر البطلان وان كان جاهلا فالاظهر أنها تنعقد نفلا كما ذكرنا في التحرم بالظهر قبل الزوال * قال (اما حكم التكبير فتتعين كلمته على القادر فلا تجزئ (ح) ترجمته ولو قال الله الاكبر فلا بأس لانه لم يغير النظم والمعنى ولو قال الله جليل اكبر فوجهان لتغير النظم ولو قال الاكبر الله نص علي أنه لا يجوز ونص في قوله عليكم السلام أنه يجوز لانه يسمى تسليما وذلك لا يسمي تكبيرا وقيل قولان بالنقل والتخريج) * عن النبي ﷺ أنه قال (مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) والكلام في التكبير في القادر والعاجز أما القادر فيتعين عليه كلمته فلا يجوز له العدول إلى ذكر آخر وان قرب منها كقوله الرحمن أجل والرب أعظم بل لا يجزئه قوله الرحمن أو الرحيم
[ ٣ / ٢٦٥ ]
اكبر ايضا ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر وخالفنا ابو حنيفة في الفصلين جميعا فحكم باجزاء الترجمة وباجزاء التسبيح والتهليل وسائر الاذكار والادعية الا أن يذكر اسما على سبيل النداء
[ ٣ / ٢٦٦ ]
كقوله يا الله أو يقول اللهم اغفر لي ونحوه من الادعية لنا أنه ﷺ (كان يبتدئ الصلاة بقوله الله اكبر) هكذا روته عائشة ﵂ وقد قال صلي الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة فيقول الله اكبر) وحكى القاضي ابن كج وجها لاصحابنا أنه تنقعد الصلاة بقوله الرحمن اكبر والرحيم اكبر كله اعتبر لفظ الكبرياء علي ذلك ولم يعتبر اسما من اسماء الله تعالى بخصوصه ولو قال الله الاكبر اجزأه لان زيادة الالف واللام لا تبطل لفظة التكبير ولا المعني بل قول القائل الله الاكبر يشتمل على ما يشتمل عليه قوله الله اكبر مع زيادة مبالغة في التعظيم للاشعار بالاختصاص والزيادة التى لا تغير النظم لا المعنى لا تقدح كزيادة المد حيث يحتمله وكقوله الله اكبر من كل شئ أو اكبر أو أجل وأعظم ووثال مالك واحمد لا يجزئه قوله الله اكبر لظاهر الخبر السابق وحكي قول عن القديم مثل مذهبهما وممن حكاه القاضى ابو الطيب الطبري ذكران ابا محمد الكرابيسي نقل عن الاستاذ أبي الوليد روايته فليكن قوله فلا بأس مرقوما بالميم
والالف والقاف ولو قال الله الجليل اكبر ففى انعقاد الصلاة به وجهان اظهرهما الانقعاد لان هذه الزيادة لا تبطل اسم التكبير ومعناه فاشبه الزيادة في قوله الله الاكبر والثاني المنع لتغير النظم منها بخلاف قوله الله الاكبر فان الزائد ثم غير مستقثل ولا مفيد ويجرى هذا الخلاف فيما إذا أدخل بين كلمتي التكبير شيئا آخر من نعوت الله تعالي بشرط أن يكون قليلا كقوله الله عزوجل اكبر وما اشبهه فاما إذا كثر الداخل بينهما كقوله الله الذى لا اله الا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس اكبر
[ ٣ / ٢٦٧ ]
فلا يجزئه لان هذه الزيادة تخرج المأتي به عن أن يسمى تكبيرا في اللغة ولهذا السبب لا يجوز أن يقف بين كلمتيه وقفة متفاحشة ولو عكس فقال الاكبر الله فظاهر كلامه في الام والمختصر انه لا يجوز ونص في الام على أنه لو قال في آخر الصلاة عليكم السلام يجزئه وان كان مكروها فاختلف الاصحاب علي طريقين أظهرهما تقرير النصين والفرق أنه مأمور بالتكبير وقول القائل الاكبر الله يسمى تكبيرا وعند السلام هو مأمور بالتسليم وقوله عليكم السلام يسمى تسليما ولاصحاب الطريق الثاني ان ينازعوا في تحقيق هذا الفرق فيقولوا ذاك يسمى تكبيرا ان كان هذا يسمى تسليما والثانى أن المسألتين علي القولين نقلا وتخريجا أحدهما الجواز لان المعنى واحد قدم أو أخر فصار كما لو ترك الترتيب في التشهد واظهرهما المنع لما سبق من الظواهر ويتأيد بترك الترتيب في الفاتحة وأصحابنا العراقيون حكوا في عكس التكبير وجهين بدل القولين بالنقل والتخريج وهما متقاربان والخلاف في قوله الاكبر الله يجرى في قوله اكبر الله أيضا وقيل لا يجزئ اكبر الله بلا خلاف ويجب علي المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى بان يقول الله اكبر فينقلب الكلام استفهاما أو يقول الله اكبار فالاكبار جمع كبر وهو الطبل ولو زاد واوا بين الكلمتين أماسا كنة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضا ويجب أن يكبر بحيث يسمع نفسه ويجب أن يكبر قائما حيث يلزمه القيام * قال (أما العاجز فيلزمه ترجمته ولا يجزئه ذكر آخر لا يؤدى معناه والبدوي يلزمه قصد البلدة
لتعلم كلمة التكبير علي أحد الوجهين ولا يجزئه الترجمة بدلا بخلاف المتيمم) * العاجز عن جميع كلمة التكبير أو بعضها له حالتان (إحداهما) أنه لا يمكنه كسب القدرة عليها فان كان لخرس ونحوه حرك لسانه أو شفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه وان كان ناطقا لكن لم يطاوعه لسانه علي هذه الكلمة فيأتى بترجمتها لانه ركن عجز عنه فلابد له من بدل وترجمته أولي ما يجعل بدلا عنه لادائها معناها ولا يعدل الي سائر الاذكار بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة لا يعدل الي الترجمة لان القرآن معجز وسائر السور تشتمل أيضا علي النظم المعجز بخلاف الترجمة وينبغي أن يعلم قوله ولا يجزئه ذكر أخر بالحاء لان أبا حنيفة يجوز سائر الاذكار في حال القدرة ففى حال العجز اولى وانما قال لا يؤدى معناه لانه لو أدى كان كالترجمة بلغة أخرى وترجمة التكبير بالفارسية (خداى بزركتر) ذكر الشيخ أبو حامد والقاضى الروياتي فلو قال خداى بزرك وترك صيغة التفضيل لم يجز لقوله الله الكبير وجميع اللغات في الترجمة سواء فتخير بينهما وقيل السريانية
[ ٣ / ٢٦٨ ]
والعبرانية قد انزل الله بهما كتابا فان احسنهما لم يعدل عنهما والفارسية بعدهما أولى من التركية والهندية (والحالة الثانية) أن يمكنه كسب القدرة عليها اما بالتعلم من انسان أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيفة عليه فليزمه ذلك فلو كان بدويا لا يجد في موضعه من يعلمه الكلمة فهل يلزمه المسير إلى بلدة أو قرية لتعلمها فيه وجهان احدهما لا بل له الاقتصار علي الترجمة بدلا كما لا يلزمه الانتقال ليتطهر بالماء ويجزئه التيمم بدلا واصحهما نعم لانه قادر على السير والتعلم وإذا تعلم عاد الي موضعه وانتفع بالكلمة طول عمره بخلاف التيمم فان استصحاب الماء للمستقبل لا يمكن ومفارقة الموضع بالكلية قد يشق عليه ويدل علي الفرق بين المفصلين ان العادم في اول الوقت يجوز له ان يتيمم ولا يلزمه التأخير ليصلي بالوضوء كما سبق والجاهل بالكلمة لا يجوز له الاقتصار على الترجمة في اول الوقت إذا امكنه التعلم والاتيان بها في آخر الوقت فان قلت وهل علي العاجز قضاء الصلوات التى اتي بها بلا تكبير فالجواب أما في الحالة الاولي فلا لان العبادة المختلة إذا قضيت فانما تقضي بعد ارتفاع الخلل وثم لا يتوقع ارتفاعه واما في الحالة الثانية فان ضاق الوقت أو كان بليدا لا يمكنه التعلم الا في يوم فصاعدا لم يلزمه قضاء الصلوات المؤداة بالترجمة في الحال لانه معذور ولا تقصير منه
ولو أخر التعلم مع القدرة فإذا ضاق وقت الصلاة فلابد من ان يصلي بالترجمة لحرمة الوقت وههنا يلزمه القضاء لتفريطه بالتأخير وفيه وجه آخر ضعيف * قال (وسنن التكبير ثلاث ان يرفع يديه مع التكبير الي حذو المنكبين في قول والي أن تحاذى رؤوس الاصابع أذنيه في قول والى أن تحاذى اطراف أصابعه الذنيه وابهامه شحمة أذنيه وكفاه منكبيه في قول ثم قيل يرفع غير مكبر ثم يبتدئ التكبير عند ارسال اليد وقيل يبتدئ الرفع مع التكبير وقيل يكبر ويداه قارتان بعد الرفع وقبل الارسال ثم إذا أرسل يديه وضع اليمني على كوع (ح) اليسرى تحت صدره) * لما فرغ من ذكر ما يجب رعايته في التكبير عدل الي بيان السنن وذكر منها ثلاثا (أحدها) رفع اليدين عند التكبير وقد حكي في بعض نسخ الكتاب في قدر الرفع ثلاثة أقوال أحدها ان يرفع يديه الي حذ والمنكبين والثانى انه يرفعها الي أن تحاذى رؤوس اصابعه اذنيه والثالث الي أن تحاذى اطراف اصابعه اذنيه وابهامه شحمة أذنيه وكفاه منكبيه وليس في بعض النسخ الا ذكر القول الاول والثاني ويمكن ان يحتج للقول الاول بما روى عن ابن عمر ﵁ انه صلى الله
[ ٣ / ٢٦٩ ]
عليه وسلم (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة) وللقول الثاني بما روى عن وائل بن حجر انه ﷺ لما كبر رفع يديه حذو أذنيه) وللثالث لاستعمال هذين الخبرين وبما روى انه ﷺ (رفع الي شحمة أذنيه) واعرف في ما نقله شيئين احدهما أن المراد من القول الاول وهو الرفع الي حذ والمنكبين ان لا يجاوز بأصابعه منكبيه هذا قد صرح به إمام الحرمين وقوله في حكاية القول الثاني والي ان تخاذ رؤوس اصابعه أذنيه كأنه يريد شحتمه الاذنين واسافلهما والا فلو حاذت رءوس اصابعه أعلى الاذنين حصلت الهيئة المذكورة في القول الثالث وارتفع الفرق والثانى انه كالمنفرد بنقل الافوال الثالثة في المسألة أو بنقل القولين لان معظم الاصحاب لم ينقلوا فيه اختلاف قول بلا اقتصر بعضهم علي ما ذكره في المختصر انه يرفع يديه إذا كبر حذو منكبه واقتصر آخرون علي الكيفية المذكورة في القول الثالث وبعضهم جعلها تفسيرا لكلامه في المختصر وللشافعي ﵁ فيها حكاية مشهورة مع أبى ثور والكرابيسي حين قدم بغداد ولم أر حكاية الخلاف في المسألة الا للقاضى ابن كج وامام الحرمين لكنهما لم يذكرا الا القول
الاول والثالث فظهر تفرده بما نقل من القولين أو الثلاثة وكلامه في الوسيط لا يصرح بها جميعا وكيف ما كان فظاهر المذهب الكيفية المذكورة في القول الثالث واما ابو حنيفة فالذي رواه الطحاوي والكرخي انه يرفع يديه حذو اذنيه وقال القدورى يرفع بحيث يحاذي ابهامه شحمة
[ ٣ / ٢٧٠ ]
أذنيه وهذا يخالف القول الاول وذك بعض اصحابنا منهم صاحب التهذيب أن مذهبه رفع اليدين بحيث تحاذى الكفان الاذنين وهذا بخلاف القول الثالث فلك أن تعلمهما معا بالحاء للروايتين ولو كان المصلي مقطوع اليدين أو احداهما من المعصم رفع الساعد وان كان القطع من المرفق رفع عظم العضد في أصح الوجهين تشبيها بالرافعين ولو لم يقدر علي رفعهما أو رفع أحداهما القدر المنون بل كان إذا رفع زاد أو نقص اتي بالممكن فان قدر عليهما جميعا فالزيادة أولي (الثانية) في وقت الرفع وجوه أحدهما أنه يرفع غير مكبر ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الارسال وينهيه مع انتهائه روى ذلك عن ابي حميد الساعدي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وثانيها ان يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ويروى ذلك عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ وثالثها أن يرفع ثم يكبر ويداه قارتان ثم يرسلهما فيكون التكبير بين الرفع والارسال ويروى ذلك عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم وذكر في التهذيب أن هذا أصح لكن الاكثيرين علي ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل وهو انه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير واختلفوا علي هذا في انتهائه فمنهم من قال يجعل انتهاء الرفع والتكبير معا كما جعل ابتداؤهما معا ومنهم من قال يجعل انتهاء التكبير والارسال معا وقال الاكثرون الاستحباب في الانتهاء فان فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس
[ ٣ / ٢٧١ ]
أتم الباقي وان فرغ مهما حط يديه ولم يستدم الرفع ولو ترك رفع اليدين حتى أتى ببعض التكبير
[ ٣ / ٢٧٢ ]
رفعهما في الباقي وان اتمه لم يرفع بعد ذلك (الثالثة) يسن بعد التكبير وحط اليدين من رفعهما أن يضع
[ ٣ / ٢٧٣ ]
اليمنى اليسرى خلافا لمالك في احدى الروايتين عنه حيث قال يرسلهما لنا ما روي انه صلى الله
[ ٣ / ٢٧٤ ]
عليه وأله وسلم قال (ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمنى على الشمال في الصلاة)
[ ٣ / ٢٧٥ ]
ثم المستحب أن يأخذ بيمينه علي شماله بأن يقبض بكفه اليمني كوع اليسرى وبعض
[ ٣ / ٢٧٦ ]
الرسغ والساعد خلافا لابي حنيفة حيث قال يضع كفه اليمني علي ظهر كفه اليسرى من
[ ٣ / ٢٧٧ ]
غير أخذ كذلك رواه أصحابنا * لنا ما روي عن وائل انه ﷺ
[ ٣ / ٢٧٨ ]
(كبر ثم أخذ شماله بيمينه)
[ ٣ / ٢٧٩ ]
ويروى عنه (ثم وضع يده اليمنى علي ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد) ويتخير بين بسط اصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد ذكره القفال لان القبض
[ ٣ / ٢٨٠ ]
باليمني على اليسرى حاصل في الحالتين ثم يضع يديه كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته خلافا لابي حنيفة حيث قال يجعلهما تحت سرته وبه قال أحمد في احدى الروايتين ويحكى عن أبى اسحق المروزى من اصحابنا لنا ما روى عن علي ﵁ انه فسر قوله تعالي (فصل لربك وانحر) بوضع اليمين على الشمال تحت النحر ويروى ان جبريل ﵇ كذلك فسره للنبي ﷺ إذا عرفت ذلك فاعلم قوله وضع اليمنى بالميم وقوله على كوع اليسرى بالحاء لانه يقول يضع علي ظهر كفه اليسرى دون الكوع وقوله تحت صدره بالحاء والالف والواو ولك أن تبحث عن لفظ الارسال الذى أطلقه في هذه السنة والتي قبلها وتقول كيف يفعل المصلى بعد رفع اليدين عند التكبير أيدلي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمهما إلى الصدر أم يحطهما ويضمهما إلى الصدر من غير
أن يدليهما والجواب ان المصنف ذكر في الاحياء انه لا ينفض يديه يمينا وشمالا إذا فرغ من التكبير
[ ٣ / ٢٨١ ]
لكن يرسلهما ارسالا خفيفا رفيقا ثم يستأنف وضع اليمين علي الشمال قال وفى بعض الاخبار انه كان يرسل يديه إذا كبر فإذا أراد ان يقرأ وضع اليمنى علي اليسرى فهذا ظاهر في انه يدلى ثم يضمهما الي الصدر قال صاحب التهذيب وغيره المصلي بعد الفرغ من التكبير يجمع بين يديه وهذا يشعر بالاحتمال الثاني ونختم الفصل بكلامين أحدهما ان لمضايق ان ينازع في عد هذا المندوب الثالث من سنن التكبير ويقول انه واقع بعد التكبير مقارن لحال القيام فكان عده من سنن القيام أولي وكذلك فعل أبو سعد المتولي والثاني ان ظاهر قوله وسنن التكبير ثلاث حصر سننه فيها وله مندوبات أخر منها أن يكشف يديه عند الرفع للتكبير وأن يفرق بين اصابعه تفريقا وسطا وان لا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يمططه وهو أن يبالغ في مده بل يأتي به مبينا والاولى في فيه الحذف
[ ٣ / ٢٨٢ ]
لما روى انه صلي الله عليه واله وسلم قال (التكبير جزم والتسليم جزم) أي لا يمد وفيه وجه انه يستحب فيه المد والاول هو ظاهر المذهب بخلاف تكبيرات الانتقالات فانه لو حذفها على باقى انتقاله عن الذكر إلى أن يصل الي الركن الثاني وههنا الاذكار مشروعة علي الاتصال بالتكبير * قال (الركن الثاني القيام وحده الانتصاب مع الاقلال فان عجز عن الاقلال انتصب متكئا فان عجز عن الانتصاب قام منحنيا فان لم يقدر الا على حد الراكعين قعد فان عجز عن الركوع والسجود دون القيام قال (ح) وأوما بهما) * القيام بعينه ليس ركنا في مطلق الصلاة بخلاف التكبير والقراءة لان القعود في النفل جائز مع القدر علي القيام فإذا الركن هو القيام أو ما يقوم مقامه فيحسن أن لا يعد القيام بعينه ركنا بل يقال الركن هو القيام أو ما في معناه وإذا عرف ذلك فنقول اعتبر في حد القيا أمرين الانتصال والاقلال أما الاقلال فالمراد منه أن يكون مستقلا غير مستند ولا متك علي جدار وغيره وهذا الوصف قد اعتبره امام الحرمين وأبطل صلاة من اتكاة في قيامه من غير حاجة وضرورة وأن كان
[ ٣ / ٢٨٣ ]
منتصبا وتابعه المصنف عليه وحكي صاحب التهذيب وغيره انه لو استند في قيامه الي جدار أو انسان صحت صلاته مع الكراهة قالوا ولا فرق بين أن يكون استناده بحيث لو رفع السناد لسقط وبين أن لا يكون كذلك مهما كان منتصبا وفى بعض التعاليق انه ان كان بحيث لو رفع السناد لسقط لم تجزه صلاته فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه أحدهما وهو المذكور في الكتاب انه لا يجوز الاتكاء عند القدرة بحال والثانى الجواز ولعله أظهر لان المأمور به القيام ومن انتصب متكئا فهو قائم والثالث الفرق بين الحالتين وهذا الكلام في الاتكاء الذى لا يسلب اسم القيام أما لو اتكأ بحيث لو رفع قدميه عن الارض لامكنه فهذا معلق نفسه بشئ وليس بقائم ولو لم يقدر على الاقلال انتصب متكئا فان الانتصاب ميسور له ان كان الاقلال معسورا والميسور لا يسقط بالمعسور وحكي في التهذيب وجها آخر انه لا يلزمه القيام والحالة هذه بل له أن يصلي قاعدا فليكن قوله انتصب متكئا مرقوما بالواو لهذا الوجه أما الانتصاب فلا يخل به أطراق الراس وانما يعتبر نصب الفقار فليس للقادر عليه أن يقف مائلا إلى اليمين أو اليسار زائلا عن سنن القيام ولا أن يقف منحنيا في حد الراكعين لانه مأمور بالقيام ويصدق أن يقال هذا راكع لا قائم وان لم يبلغ انحناؤه حد الركوع لكن كان أقرب إليه منه الي الانتصاب فوجهان اظهرهما انه لا يجوز أيضا هذا عند القدرة علي الانتصاب فاما إذا لم يقدر عليه بل تقوس ظهره لكبر أو زمانة وصار في حد الراكعين فقد قال في الكتاب انه يقعد لان حد الركوع يفارق حد القيام فلا يتأدى هذا بذاك وذكر امام الحرمين مثل ما ذكره استباطا عن كلام الائمة فقال الذى دل عليه كلامهم انه يقعد ولا يجزئه غيره لكن الذى ذكره العراقيون من اصحابنا وتابعهم صاحب التهذيب والتتمة انه لا يجوز له القعود بل يجب عليه أن يقوم فإذا اراد ان يركع زاد في الانحناء ان قدر عليه ليفارق الركوع القيام في الصورة وهذا هو المذهب فان الواقف راكعا أقرب الي القيام من العقود فلا ينزل عن الدرجة القرب الي البعدى وقد حكي القاضى ابن كج ذلك عن نص الشافعي ﵁ فيجب اعلام قوله قعد بالواو ومعرفة ما فيه ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافا لابي حنيفة لنا انه مستطيع للقيام فيلزمه لما
[ ٣ / ٢٨٤ ]
روي انه صلي الله عليه وأله وسلم قال لعمران بن الحصين (صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلي جنب) ولانه عجز عن ركن فلا يسقط عنه غيره كما لو عجز عن القيام لا تسقط عنه القراءة ثم إذا انتهى الي الركوع والسجود يأتي بهما على حسب الطاقة فيحنى صلبه بقدر الامكان فان لم يطلق حنى رقبته ورأسه فان احتاج فيه الي الاعتماد علي شئ أو إلى أن يميل علي جنبه لزمه ذلك فان لم يطق الانحناء أصلا أو مأبهما قال (ولو عجز عن القيام قعد كيف شاء لكن الاقعاء مكروه وهو أن يجلس علي وركيه وينصب ركبتيه والافتراض افضل في قول والتربع في قول وقيل ينصب ركبته اليمنى كالقارئ يجلس بين يدى القرئ ليفارق جلسة التشهد) * إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود لما سبق في خبر عمران ولا ينقص ثوابه لمكان العذر ولا يعني بالعجز عدم التأتى فحسب بل خوف الهلاك وزيادة المرض ولحوق المشقة الشديدة في معناه ومن ذلك خوف الغرق ودوران الرأس في حق راكب السفينة ولو حبس الغازون في مكمن فادركتهم الصلاة ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم ان يصلوا قعودا لكن يلزمهم القضاء فان هذا سبب نادر وإذا قعد المعذور فلا يتعين للقعود هيثة بل يجزئه جميع هيئات القعود لاطلاق الخبر الذى تقدم لكن يكره الاقعاء هذا في القعود وفى جميع قعدات الصلاة لما روى أنه ﷺ
[ ٣ / ٢٨٥ ]
(نهي ان يقعي الرجل في صلاته) ويروى انه قال (لا تقعوا اقعاء الكلاب) واختلفوا في تفسيره علي ثلاثة أوجه أحدها أن الاقعاء أن يفترش رجليه ويضع اليتيه علي عقبيه والثاني أن يجعل يديه على الارض ويقعد على اطراف أصابعه والثالث وهو الذى ذكره في الكتاب ان الاقعاء هو الجلوس على الوركين ونصف الفخذين والركبتين وهذا أظهر لان الكلب هكذا يقعد وبهذا فسره ابو عبيدة لكن زاد فيه شيئا آخر وهو وضع اليد ين على الارض وما الاولي من هيئات القعود فيه
[ ٣ / ٢٨٦ ]
قولان ووجهان أحد القولين أن يقعد متربعا لما روي أنه صلي الله عليه واله وسلم (لما صلى جالسا تربع) ويروى هذا عن مالك واحمد وابي حنيفة ثم يركع متربعا أم يفترش إذا أراد الركوع عن أبى حنيفة واصحابه فيه اختلاف رواية واصحهما أنه يقعد مفترشا لانه قعود لا يعقبه سلام فاشبه التشهد الاول وسيأتى معنى الافتراش في موضعه وتأويل الخبر انه ربما لم يمكنه الجلوس علي هيئة الافتراش أو اراد تعليم الجواز والا فالتربع ضرب من التنعم لا يليق بحال العبادة ويجرى القولان فيما إذا قعد في النافلة واما الوجهان فاحدهما وقد ذكره في الكتاب أنه ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى كالقارئ يجلس بين يدى المقرئ ولا يتربع لما ذكرنا ولا يفترش لتفارق هيئة الجلوس هنا هيئة الجلوس في التشهد وهذا يحكي عن القاضى الحسين والوجه الثاني حكى في النهاية أن بعض المصنفين ذكر انه يتورك في هذا القعود ويمكن أن يوجه هذا بان مدة القيام طويلة وهذا القعود بدل عنه فاللائق به التورك كما في آخر الصلاة واما الافتراش فانما يؤمر به عند الاستيفاز وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك ان تفسير الاقعاء من لفظ الكتاب ينبغي أن يعلم بالواو وقوله الافتراش أفضل بالميم والالف والحاء وكذلك ينصب ركبتيه اليمني وقوله ليفارق جلسة التشهد بعض التوجيه معناه لا يفترش لهذا المعنى ولا يتربع لانه هيئة تنعم واما هذه فهي لائقة بالتعظيم * قال (ثم ان قدر القاعد على الارتفاع إلى حد الركوع يلزمه ذلك في الركوع فان لم يقدر فيركع قاعدا إلى حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام فان عجز عن وضع الجبهة انحنى للسجود وليكن السجود اخفض منه للركوع) * حكم المصنف بان القاعد لو قدر على الارتفاع عند الركوع الي حد الراكعين عن قيام لزمه ذلك ذكره امام الحرمين ووجهه بان الركوع مقدور عليه فلا يسقط بالمعجوز عنه وهذا الكلام مفرع منهما علي أن من بلغ انحناؤه حد الركوع يقعد فاما إذا فرعنا على انه يقف كذلك وهو الاظهر علي ما تقدم فلا تجئ هذه المسألة الا أن يفرض لحوق ضرر في الوقوف قدر القيام دون الوقوف قدر الركوع فيحنئذ يقعد لخوف الضرر لا بسبب الانحناء ويرتفع عند الركوع واما من لا يقدر علي
[ ٣ / ٢٨٧ ]
الارتفاع فنتكلم في ركوعه قاعدا ثم في سجوده فاما ركوعه فقد ذكر الائمة فيه عبارتين أحداهما انه ينحنى حتى يصير بالاضافة الي القاعد المنصب كالراكع قائما بالاضافة إلى القائم المنتصب فيعرف النسبة بين حالة الانتصاب وبين الركوع قائما ويقدر كان المائل من شخصه عند القعود هو قدر قامته فينحى بمثل تلك النسبة والثانية وهى المذكورة في الكتاب أنه ينحي الي حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام ومعناه ان اكمل الركوع عند القيام أن ينحنى بحيث يستوى ظهره ورقبته ويمدهما وحينئذ تحاذى جبهته موضع سجوده واقله أن ينحنى بحيث تنال راحتاه ركبتيه وحينئذ يقابل وجهه أو بعض وجهه ما وراء ركبته من الارض ويبقى بين الموضع المقابل وبين موضع السجود مسافة فيراعي هذه النسبة في حال القعود فاقل ركوع القاعد ان ينحنى قدر ما يحاذي وجهه وراء ركبة من الارض والاكمل أن ينحنى بحيث تحاذى جبهته موضع سجوده ولا يخفى انه لا منافاة بين العباربين وكل واحدة منهما مؤدية للغرض واما السجود فلا فرق فيه بينه وبين القادر علي القيام هذا قدر القاعد علي الركوع والسجود فان عجز لعلة بظهره أو غيرها أتى بالقدر الممكن من الانحناء ولو قدر على الركوع وعجز عن وضع الجبهة علي الارض للسجود فقد قال في الكتاب أنه ينحنى للسجود أخفض منه للركوع ويجب ههنا معرفة شيئين أحدهما أن هذا الكلام غير مجرى على اطلاقه ولكن للمسألة ثلاث طرق أوردها صاحب النهاية (أحداها) أن يقدر علي الانحناء الي أقل الركوع أعني ركوع القاعدين ولا يقدر علي الزيادة عليه فلا يجوز بقسيم المقدور عليه الانحاء الي الركوع والسجود بان يصرف الي الركوع وتمامه الي السجود حتى يكون الانحناء للسجود أخفض وذلك لانه يتضمن ترك الركوع مع القدرة عليه بل يأتي بالمقدور عليه مرة للركوع ومرة للسجود وان استويا (الثانية) أن يقدر علي أكمل ركوع القاعدين من غير زيادة فله أن ياتي به مرتين ولا يلزمه الاقصار للركوع علي حد الاقل حتي يظهر التفات بينه وبين السجود فان المنع من اتمام الركوع حالة الركوع بعيد (الثالثة) أن يقدر علي اكمل الركوع وزيادة فيحب ههنا أن يقتصر علي حد الكمال للركوع وياتي بلزياة للسجود لان لان الفرق بين الركوع والسجود واجب عند الامكان وهو ممكن ههنا قال امام الحرمين وليس هذا عريا عن احتمال فليتأمل إذا
[ ٣ / ٢٨٨ ]
عرفت ذلك تبين أنه لا يجب أن يكون الانحناء للسجود أخفص منه للركوع في الصورة الاولي الثانية بل لو وجب ايماء في الصورة الثالثة الثاني أن ظاهر كلامه يقضى الاكتفاء بجعله الانحناء للسجود اخفض منه للركوع لقوله في الراكب المتنفل يومئ للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض منه للركوع فانه يكفيه ارتفاع التفات بينهما علي ما تقديم وليس الامر علي الظاهر ههنا بل يلزمه مع جعل الانحناء للسجود اخفض ان يقرب جبهه من الارض اقصي ما يقدر عليه حتي قال الاصحاب لو امكنه ان يسجد علي صدغه أو عظم رأس الذى فوق الجبهة وعلم انه إذا فعل ذلك كانت جبهته اقرب إلي الارض يلزمه ان يسجد عليه فإذا كان الاحسن ان يقول يجعل السجود اخفض من الركوع ويقرب جبهته من الارض بقدر الامكان فجميع بينهما وكذلك فعله في الوسيط
[ ٣ / ٢٨٩ ]
قال (فان عجز عن القعود صلي (ح) على جنبه الايمن (و) مستقبلا بمقاديم (ح) بدنه الي القبلة كالموضوع (و) في اللحد فان عجز فيومئ (ح) بالطراف أو يجرى الافعال علي قلبه لقوله صلي الله عليه وسلم سلم إذا أمرتكم بشئ فأتوا ما استطعتم) * ذكرنا أن العجز عن القيام يتحقق بتعدده وفى معناه ما إذا لحقه خوف ومشقة شديدة وأما العجز عن القعود فهو معتبر به ولم يفرق الجمهور بينهما وقال في النهاية لا أكتفى في ترك القعود بما اكتفى به في ترك القيام بل يشترط فيه تصور العقود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل الحاقا له بالمرض الذى يعدل بسببه الي التيمم إذا عرف فنقول العاجز عن القعود كيف يصلي فيه وجهان من قال قولان أصحهما أنه يضطجع على جنبه الايمن مستقيلا بوجهه مقدم بدنه القبلة كما يضجع الميت في اللحد وبهذا قال احمد وهو المذكور في الكتاب ووجهه قوله صلي الله عليه وسلم في حديث عمران (فان لم تستطع فعلي جنب) وعلى هذا لو اضطجع علي جنبه الايسر مستقبلا جاز الا انه ترك سية التيامن والثانى أنه يستلقى علي ظهره ويجعل رجعل رجليه إلى القبلة فانه إذا
[ ٣ / ٢٩٠ ]
رفع وسادته قليلا كان وجه الي القبلة وإذا أوما بالكوع والسجود كان ايماؤه في صوب القبلة والضطجع علي
الجنب إذا أومأ لا يكون ايماؤه في صوب القبلة وبهذا قال أبو حنيفة وهذا الخلاف فيمن قدر علي الاضطجاع وألاستلقاء أما إذا لم يقدر الا علي احدى الهيئتين اتى بها وذكر امام الحرمين أن هذا الخلاف ليس راجعا إلى الاول بخلاف ما سبق من الكلام هيئة القاعد وانما هو خلاف فيما يجب لان امر الاستقبال يختلف به وفى المسألة وجه ثالث ضعف انه يضطجع علي جنبه الايمن واخمصاه إلى القبلة وإذا صلى على الهيئة المذكورة فان قدر علي بهما والا أومأ بهما منحنيا وقرب جبهته من الارض بحسب الامكان وجعل السجود أخفض من الركوع فان عجز عن الاشارة بالرأس أومأ بطرفه فان لم يقدر على تحريك الاحفان أجرى أفعال الصلاة علي قبله وان اعتقل لسانه أجرى القرآن والاذكار علي قلبه وما دام عاقلا لا تسقط عنه الصلاة خلافا لابي حنيفة هيث إذا عجز عن الايماء بالرأس لا يصلي ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ثم يقضى بعد البرء ولمالك حيث قال لا يصلي ولا تقضى لنا ما
[ ٣ / ٢٩١ ]
روى عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال (يصلي المريض قائما فان لم يستطع صلي جالسا فان لم يستطع السجود أومأ وجعل السجود أخفض من الركوع فان لم يستطع صلى على جنبه
[ ٣ / ٢٩٢ ]
الايمن مستقبل القبلة فان لم يستطع صلي علي قتاه مستلقيا وجعل رجليه مستقبل القبله) وجه الاستدلال انه قال
[ ٣ / ٢٩٣ ]
اومأ بطرفه وفيه دليلل علي أن العاجز عن القعود يصلي علي جنبه الايمن فان عجز حينئذ يستلقى واحتج في الكتاب
[ ٣ / ٢٩٤ ]
* للترتيب المذكور بما روى انه ﷺ قال (إذا امرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) ولا يتضح الاحتجاج به في هذا الخبر أمر بالاتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور فانه قال فاتوا منه ما استطعتم والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور بن حتى يكون مستطاعا من المأمور به وكذلك الاضطجاع لا يشتمل عليه القعود وأجراء الافعالى علي القلب لا تشتمل عليه الافعال المأمور بها الا ترى أنه إذا اتي بالافعال ولم يحضرها
في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته فلا تكون هذه المسائل متناولة بالخبر ولتعد الي أمور تتعلق بلفظ الكتاب قوله فان عجز عن القعود صلي علي جنبه الايمن كلمة صلى قد اعلم في النسخ بالخاء لان المصنف روى في الوسيط أن ابا حنيفة رحمة الله عليه قال إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة لكن هذا النقل لا يكاد يلفى في كتبهم ولا في كتب أصحابنا وانما الثابت عن ابي حنيفة اسقاط الصلاة إذا عجز عن الايماء بالرأس فإذا موضوع العلامة بالحاء قوله فيومئ بالطرف وليعلم بالميم أيضا لما قدمنا حكايته وبالواو ايضا لان صاحب البيان حكى عن بعض أصحابنا وجها مثل مذهب ابي حنيفة وقوله علي جنبه الايمن ينبغى أن يرقم بالحاء لان عنده يستلقى علي ظهره وكذلك بالواو اشارة الي الوجه الصائر إلى مثل مذهبه وكذلك قوله مستقبلا بمقاديم بدنه القبلة بالواو اشارة الي الوجه الثالث وقوله أو يجرى الافعال علي قلبه ليست كلمة أو للتخيير بل للترتيب واعلم أن جميع ما ذكره من اول الركن إلى هذه الغاية من ترتيب المنازل والهيئات مفروض في الفرائض فاما النوافل فسنذكر حكمها في الفرع الثالث *
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قال (فروع ثلاثة (الاول) من به رمد لا يبرأ الا بالاضطجاع فلا قيس أن يصلي مضطجعا وان قدر على القيام ولم ترخص عائشة وابو هريرة لابن عباس ﵁ فيه) * القادر على القيام إذا أصابه رمد وقال له طبيب يوثق بقوله ان صليت مستلقيا أو مضطجعا أمكن مدلوانك والاخفت عليك العمي فهل له أن يستلقى أو يضطجع بهذا العذر فيه وجهان أحدهما وبه قال الشيخ أبو حامد لما لما روى أن ابن عباس ﵄ لما وقع الماء في عينه قال له الاطباء ان مكثت سبعا لا تصلى الا مستلقيا عالجناك فسأل عائشة وأم سلمة وأبا هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃ فلم يرخصوا له في ذلك فترك المعالجة وكف بصره ويروي هذا الوجه عن مالك واظهرهما وبه قال أبو حنيفة واحمد له ذلك كما يجوز له الافطار في رمضان بهذا العذر وكما يجوز ترك الوضوء والعدول الي التيمم به ولانه يجوز ترك القيام لما فيه من المشقة الشديدة والمرض المضجر فلان يجوز تركه لذهاب البصر كان اولي ولو كانت المسألة بحاها وامره الطبيب بالعقود
فقد قال امام الحرمين الذى أراه أنه يجوز القعود بلا خلاف وبنى هذا علي ما حكيناه عنه في أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود قال ولهذا فرض سيوخ الاصول الخلاف في المسألة في صورة الاضطجاء وسكنوا عن صورة الفعود والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق والله أعلم * قال (الثاني مهما وجد القاعد خفة في اثناء الفاتحة فليبادر إلى القيام وليترك القراءة في النهوض إلى ان يعتدل ولو مرض في قيامه فليقرأ في هويه وان خف بعد الفاتحة لزمه القيام دون الطمأنينة ليهوى الي الركوع فان خف في الركوع فبل الطمأنينة كفاه أن يرتفع منحنيا إلى حد الراكعين) * إذا عجز المصلي في اثناء صلاته عن القيام قعد وبنى وكذا لو كان يصلي قاعدا فعجز عن القعود في اثناء صلاته يضطجع ويبني ولو كان يصلي قاعدا فقدر علي القيام في صلاته يقوم ويبنى وكذا لو كان يصلى مضطجعا فقدر علي القيام أو القعود يأتي بالمقدور عليه ويبنى خلافا لابي حنيفة في هذه الصورة الاخيرة حيث قال يستأنف لنا انه قدر علي الركن المعجوز عنه في صلاته فيعدل
[ ٣ / ٢٩٦ ]
إليه ويبنى كما لو صلي قاعدا فقدر علي القيام إذا عرف ذلك فنقول تبدل الحال أما أن يكون من النقصان الي الكمال أو بالعكس (القيم الاول) كما إذا وجد القاعد قدرة القيام لخفة المرض ينظر فيه ان اتفق ذلك قبل القرءة قا وقرأ قائما فان كان في أثناء القراءة فكذلك يقوم ويقرأ بقية الفاتحة في القيام ويجب أن يترك القراءة في النهوض الي أن ينتصب ويعتدل فلو قرأ بعض الفاتحة في نهوضه لم يحسب وعليه ان يعيده لان حالة النهوض دون حالة القيام وقد قدر على أن يقرأ في اكمل الحالتين وان قدر بعد القراءة وقيل الركوع فيلزمه القيام ايضا ليهوى منه إلى الركوع * ولا يلزمه الطمأنينة في هذا القيام فانه غير مقصود لنفيه وانما الغرض منه الهوى إلى الركوع * لا غير ويستحب في هذه الاحوال إذا قام ان يعيد الفاتحة لتقع في حالة الكمال ولو وجد المريض الخفة في ركوعه قاعدا نظر ان وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام ولا يجوز له أن ينتصب قائما ثم يركع لانه لو فعل ذلك لكان قد زاد ركوعا وان وجدها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين وفى لفظ الكتاب ما ينبه علي افتراق هاتين الحالتين في
وجوب الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام وان لم يصرح بذكرهما لانه قيد الخفة في الركوع بما قبل الطمأنينة فيشعر بأنه لو خف بعد الطمأنينة كان الامر بخلافة وقوله كفاه ان يرتفع يفهم أن هذا الكافي لابد منه وانه يجب عليه الارتفاع منحنيا الي حد الراكعين عن قيام وهذا التفصيل ذكره امام الحرمين هكذا بعد ما حكى عن الاصحاب انهم قالوا يجوز ان يرتفع راكعا ولم ينصوا علي انه يجب ذلك (واعلم) انهم لم يفرقوا في جواز الارتفاع الي حد الراكعين بين ان يخف قبل الطمأنينة وبعدها لانه لابد له من القيام للاعتدال أما مستويا أو منحنيا فإذا ارتفع منحنيا فقد اتي بصورة
_________________
(١) ما بين النجمتين زائد في بعض النسخ
[ ٣ / ٢٩٧ ]
ركوع القائمين في ارتفاعه الذى لابد فلم يمنع منوه بخلاف ما لو انتصب قائما ثم ركع فانه زاد ما هو مستغن عنه فقلنا ببطلان صلاته ولو خف المريض في الاعتدال عن الركوع قاعدا فان كان قبل ان يطمئن لزمه ان يقول للاعتدال ويطمئن فيه بخلاف ما إذا خف بعد القراءة فقام ليهوى منه إلى الركوع حيث لا تجب الطمأنينة فيه لما سبق ولان كان بعد الطمأنينة فهل يلزمه ان يقوم ليسجد عن قيام حكى في التهذيب فيه وجهين احدهما نعم كما يلزمه إذا خف بعد القراءة ليركع عن قيام واظهرهما لا لان الاعتدال ركن قصير فلا يمد زمانه نعم لون اتفق ذلك في الركعة الثانية من صلاة الصبح قبل القنوت فليس له ان يقنت قاعدا ولو فعل بطلت صلاته بل يقوم ويقنت (واما القسم الثاني) وهو ان يتبدل حاله من الكمال إلى النقصان كما إذا مرض في صلاته فعجز عن القيام فيعدل فيه إلى المقدور عليه بحسب الامكان فان اتفق في اثناء الفاتحة فيجب عليه ادامة القراءة في هويه لان حالة الهوى اعلي من حالة القعود * قال (الثالث القادر علي القعود لا يتنفل مضطجعا علي أحد الوجهين إذ ليس الاضطجاع كالقعود فانه يمحه صورة الصلاة) * النوافل يجوز فعلها قاعدا مع القدرة على القيام لكن الثواب يكون علي النصف من ثواب
[ ٣ / ٢٩٨ ]
القاثم لما روى عن عمران بن الحصين ﵁ قال (سألت رسول الله صلي الله عليه وأله وسلم) عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال من صلى قائما فهو أفضل ومن صلي قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلي نائما فله نصف اجر القاعد) ويروى (وصلاة النائم علي النصف من صلاة القاعد) ولو تنفل مضطجعا مع القدرة علي القيام والقعود فهل يجوز فيه وجهان احدهما لا لان قوام الصلاة بالافعال فإذا اضطجع فقد ترك معظمها وانمحت صورتها بخلاف القعود فان صورة الصلاة تبقي منظومة
[ ٣ / ٢٩٩ ]
معه اصحهما الجواز لما روينا من الخبر ثم المضطجع في صلاة الفرض ان قدر على الركوع والسجود يأتي بهما كما تقدم وههنا الخلاف في جواز الاضطجاع جار في جواز الاقتصار علي الايماء لكن الاظهر منع الاقتصار علي الايماء ثم قال الامام ما عندي أن من يجوز الاضطجاع يجوز الاقتصار في الاركان الذكرية كالتشهد والتكبير وغيرهما علي ذكر القلب وبهذا يضعف الوجه الثاني من أصله وان ارتكبه من صار إليه كان طاردا للقياس لكنه يكون خارجا عن الضبط مقتحما ولمن جوز الاضطجاع أن يقول ما روينا من الخبر صريحا في جواز الاضطجاع فليجز ثم المضطجع وان جوزنا له الاقتصار على الايماء في الركوع والسجود فلا يلزم من جواز الاقتصار على الايماء في الافعال جواز الاقتصار على ذكر القلب في الاذكار فان الافعال أشق من الاذكار فهي أولي بالمسامحة ولا فرق في النوافل بين الرواتب وصلاة العيدين وغيرهما وقال القاضى ابن كج في شرحه صلاة العيدين والاستسقاء والخسوف لا يجوز فعلها عن قعود كصلاة الجنازة * قال (الركن الثالث القراءة ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستحب (م ح) ثم التعوذ (م) بعده من غير جهر (و) وفى استحباب التعود في كل ركعة وجهان) * لركن القراءة سنتان سابقتان واخريان لاحتقال اما الساقتان فأولاهما دعاء الاستفتاح فيستحب للمصلي إذا كبر ان يستفتح بقوله (وجهت وجهي للذى فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من
[ ٣ / ٣٠٠ ]
المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين) خلافا لمالك حيث قال لا يستفتح بعد التكبير إلا بالفاتحة والدعاء والتعوذ يقدمهما على التكبير ولابي حنيفة واحمد حيث قالا يستفتح بقوله سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك
وتعالي جدك ولا إله غيرك لنا ما روى عن علي ﵁ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم
[ ٣ / ٣٠١ ]
أنه (كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهى الي أخره وقال في أخره وانا أول المسلمين) لانه صلي الله عليه وسلم أول مسلمى هذه الامة وروى أنه كان يقول بعده (اللهم أنت الملك لا اله الا أنت سبحانك وبحمدك أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا انه لا يغفر الذنوب الا أنت واهدنى لاحسن الاخلاق لا يهدى لاحسنها الا أنت واصرف عنى سيئها لا يصرف على سيئها الا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والمهدى من هديت انا بك واليك لا ملجأ ولا منجى منك الا اليك تباركت وتعاليت استغفرك واتوب اليك) وروى بعد قولة والخير كله في يديك (والشر ليس اليك) قال المزني أي لا يضاف اليك علي انفراده وقيل أي لا يتقرب به اليك زيادة علي ما ذكرنا أولا نستحبها للمنفرد والامام إذا علم رضاء المأمومين بالتطويل إذا عرفت ذلك فاعلم قوله ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستحب بالميم واللفط لا يقتضي الاعلام بالحاء والالف لانهما يساعدان علي انه يستفتح قبل القراءة بشئ وانما يخالفان في انه بم يستفتح وكل واحد من الذكرين اعني وجهت وسبحانك اللهم يسمي دعاء الاستفتاح وثناءه وليس في لفظ الكتاب تعرض للاول بعينه الا انه هو الذى اراده فلذلك اعلم بهما ايضا ومن ترك دعاء الاستفتاح عمدا أو سهوا حتى تعوذ أو شرع في الفاتحة لم يعد إليه ولم يتداركه في سائر الركعات وفرع عليه ما لو ادرك الامام المسبوق في التشهد الاخير فكبر وقعد فسلم الامام كما قعد يقوم ولا يقرأ دعاء الاستفتاح * لفوات وقته بالقعود ولو سلم الامام قبل قعوده يقعد
[ ٣ / ٣٠٢ ]
ويقرأ دعاء الاستفتاح ولا فرق في دعاء الاستفتاح بين الفريضة غيرها وحكى بعض الاصحاب ان السنة في دعاء الاستفتاح ان يقول سبحانك اللهم وبحمدك الي آخره ثم يقول وجهت وجهى الي آخره جمعا بين الاخبار ويحكى هذا عن ابي اسحق المروزى وابى حامد وغيرهما الثانية يستحب بعد
[ ٣ / ٣٠٣ ]
دعاء الاستفتاح ان يتعوذ خلافا لمالك الا في قيام رمضان لنا ما روى عن جبير بن مطمم وغيره ان النبي ﷺ
كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وصيغة التعوذ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذكره الشافعي رضي الله
[ ٣ / ٣٠٤ ]
عنه وورد في لفظ الخبر وحكى القاضي الرويانى عن بعض اصحابنا الاحسن ان يقول اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ولا شك ان كلا منهما جائز مؤد لغرض وكذا كل ما يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان وهل يجهر به فيه قولان أحدهما انه يستحب الجهرية في الصلاة الجهرية كالتمسية والتأمين واصحهما وهو المذكور في الكتاب ان المستحب فيه الاسرار بكل حال لانه ذكر مشروع بين التكبير والقراءة فيسن فيه الاسرار كدعاء الاستفتاح وذكر الصيدلانى وطائفة من الاصحاب ان الاول قوله القديم والثانى الجديد وحكي في البيان القولين علي وجه آخر فقال أحد القولين انه يتخير بين الجهر والاسرار ولا يرجح والثاني انه يستحب فيه الجهر ثم نقل عن أبي علي الطبري انه يستحب الاسرار به فيحصل في المسألة عوخ ثلاثة مذاهب * ثم استحباب التعوذ يخت ص باركعة الاولى أم لا منهم من قال لا بل يسن في كل ركعة الا انه في الركعة الاولى أكد وحكوا ذلك عن نص الشافعي ﵁ اما انه يستحب في كل ركعة فلظاهر قوله تعالي (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من شيطان الرجيم)
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وقد وقع الفصل بين القراءة خارج الصلاة بشل ثم عاد إليها يستحب له التعوذ وأما ان الاستحباب في الركعة الاولي أكد فلان افتتاح قراءته في صلاته انما يكون في الركعة الاولي وقد اشتهر ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم ولم يشتهر في سائر الركعات ومنهم من قال فيه قولان أحدهما الاستحباب لما ذكرنا والثانى لا يستحب في سائر الركعات ويروى ذلك عن أبى حنيفة كما لو سجد للتلاوة في قراءته ثم عاد الي القراءة لا يعيد
[ ٣ / ٣٠٦ ]
التعوذ وكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة وعلى هذا فلو كتركه في الركعة الاولى عمدا أو سهوا تدارك في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة أم لا فالاظهر انه يستحب في كل ركعة وبه فكل قال القاضى أبو الطيب الطبري وامام الحرمين والرويانى وغيرهم وبعضهم يروى في المسألة وجهين بدل القولين ومنهم امام الحرمين والمصنف *
[ ٣ / ٣٠٧ ]
قال (ثم الفاتحة بعده متعينة (ح) ترجمتها مقامها ويستوي فيه الامام والمأموم (ح) في السرية والجهرية (ح) الا في ركعة المسبوق ونقل المزني سقوطها عن المأموم في الجهرية) * للمصلي طحالتان احداهما أن يقدر على قراءة الفاتحة والثانية أن لا يقدر عليها فاما في الحالة
الاولى فيتعين عليه قراءتها في القيام أو ما يقع بدلا عنه ولا يقوم مقامها شئ آخر من القرآن ولا ترجمتها وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة حيث قال الفرض من القراءة آية من القرآن
[ ٣ / ٣٠٨ ]
سواء كانت طويلة أو قصيرة وباى لسان قرأ جاز وان كان ترك الفاتحة مكروها والعدول الي لسان آخر اساءة * لنا ما روى عن عبادة بن الصامت انه صلي الله عليه وسلم وسلم قال (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) ولا فرق في تعيين الفاتحة بين الامام والمأموم في الصلاة السرية: وفى الجهرية قولان ت أحدهما انها لا تجب على المأموم وبه قال مالك واحمد لما روى أنه صلي
[ ٣ / ٣٠٩ ]
الله عليه وسلم (انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معى أحد منكم فقال رجل نعم يارسول الله فقال مالى أنازع بالقرآن فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه بالقرادة) واصحهما أنها
[ ٣ / ٣١٠ ]
تجب عليه أيضا لما روى عن عبادة بن الصامت رضي الله عن هقال (كنا خلف رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحبه وسلم في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال لعلكم تقرؤن خلفي قلنا نعم قال لا تفعلوا ذلك الا بفاتحة الكتاب) وهذا القول يعرف بالجديد ولم يسمعه المزني م نلا شافعي ﵁ فنقله عن بعض اصحابنا عنه يقال انه اراد الربيع واما القول الاول فقد نقله سماعا عن الشافعي ﵁ * وقال ابو حنيفة لا يقرأ المأموم لا في السرية ولا في الجهرية وحكى القاضي ابن كح ان بعض اصحابنا قال به وغلط فيه (التفريع) ان قلنا لا يقرأ المأموم في الجهرية فلو كان اصم أو كان بعيدا لا يسمع قراءة الامام فهل يقرأ فيه وجهان أصحهما نعم ولو جهر الامام في صلاة السر أو بالعكس فالاعتبار بالكيفية المشروعة في الصلاة أم بفعل الامام فيه وجهان قال صاحب التهذيب أصحهما ان الاعتبار بصفة الصلاة وهذا ظاهر لفظ المصنف حيث قال سقوطها عن المأموم في الجهرية والصلاة جهرية وان اسر الامام بهاو الذى ذكره المحاملي حكاية عن نص الشافعي ﵁ يقتضي الاعتبار بفعل الامام وهو الموافق الموجه الاصح في المسألة المتقدمة وهل يسن للمأموم علي هذا القول أن يتعوذ روى في البيان
فيه وجهين أحدهما لا وبه قال أبو حنيفة لانه لا يقرأ والثاني نعم لانه ذكر سرى فيشارك الامام فيه كما لو اسر بالفاتحة واذ قلنا المأموم يقرأ فلا يجهر بحيث يغلب جاره ولكن يأتيب بها سرا بحيث يسمع نفسه لو كان سميعا فان ذلك اذنى القراءة ويستحب للامام علي هذا القول أن يسكت بعد قراءة
[ ٣ / ٣١١ ]
الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ذكره في التهذيب وإذا عدت إلى الفاظ الكتاب عرفت أن قوله متعينة وقوله ولا تقوم ترجمتها مقامها لم أعلم كل واحد منهما بالحاء وقوله يستوى فيه الامام والمأموم ينبغي ن يعلم بالحاء ثم ان كان المراد استواءهما في معنى الفاتحة فالحاء عليه كهو علي قوله متعينة فان ابا حنيفة لا يقول بتعينها على الامام ولا علي المأموم فقوله يخالف قول القائل باستوائهما في تعينها عليهما لانه يقول باستوائهما في عد تعينها عليهما وان كان المراد استواءهما في اصل ركن القراءة فتكون الحاء اشار الي ان القراءة غير واجبة علي المأموم اصلا بخلاف الامام وليعلم هذا الموضع بالواو أيضا للوجه الذى نقله القاضي ابن كج وقوله والجهرية بالميم والالف لما روينا من مذهبهما وقوله الا في ركعة المسبوق انما استشاها لان من ادرك الامام في الركوع كان مدركا للركعة علي ما سيأتي وان لم يقرأ الفاتحة في تلك الركعة ثم كيف يقول أيتحمل الامام عنه الفاتحة أم لا يجب عليه اصلا فيه مأخذان للاصحاب وفى هذا الاستثناء اشارة الي أن اشتمال الصلاة علي القراءة في الجملة غير كاف بل هي
[ ٣ / ٣١٢ ]
واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة خلافا لابي حنيفة حيث قال لا تجب القراءة في الفرائض الا في ركعتين فان كانت الصلاة ذات ركعتين فذاك وان كانت أكثر من ركعتين فالواجب الفراءة في ركعتين وفيما سواهما يتخير بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت ولمالك حيث قال تجب القراءة في معظم الركعات ففى الثلاثية يقرأ في ركعتين وفى الرباعية في ثلاث ركعات ويروى هذا عن أحمد والمشهور عنه مثل مذهبنا * لنا ما روى عن أبي سعيد الخدرى انه قال (أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة) وقوله ونقل المزني أي سماعا عن الشافعي
[ ٣ / ٣١٣ ]
﵁ والا فقد نقل القول الاول أيضا عن غيره عن الشافعي كما ذكرنا وهما جميعا مذكوران في المختصر *
[ ٣ / ٣١٤ ]
قال (ثم بسم الله الرحمن الرحيم آية (ح م) منها وهى آية من كل سورة أما مع الآية الاولى أو مستقلة بنفسها على أحد القولين) *
[ ٣ / ٣١٥ ]
التسمية آية من الفاتحة لما روى انه ﷺ (قرأ فاتحة الكتاب فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية منها) وروى انه قال (إذا قرأ تم فاتحة الكتاب فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فانها أم القرآن والسبع المثاني وان بسم الله الرحمن الرحيم أية منها) وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة براءة لاصحابنا فيه طريقان أحدهما ان في كونها من القرآن في اول سائر السور
[ ٣ / ٣١٦ ]
قولين أصحهما انها من القرآن لانها مثبتة في أولها بخط المصحف فتكون من القرآن كما الفاتحة ولم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرأن والثانى انها ليست من القرأن وانما كتبت للفصل بين السورتين لما روي عن ابن عباس قال (كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورتين حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم) والطريقة والثانية وهى الاصح انها من القرآن في أول سائر
[ ٣ / ٣١٨ ]
السور أيضا بلا خلاف وانما الخلاف في انها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آيه في أول السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة الا يرى انهم اتفقوا علي آية من سورة النمل وان الحمد الله رب العالمين آية تامة من الفاتحة وهو بعص آيه في قوله تعالي (وآخر دعواهم أن الحمد الله رب العالمين) فاحد القولين انها بعض الاية
[ ٣ / ٣١٩ ]
من سائر السور لما روى انه ﷺ قال (سورة تشفع لقادئها وهى ثلاثون آية ألا وهي الملك) وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية وأصحهما انها آية تامة كما في أول الفاتحة (واعلم) ان
جمهور اصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعا باقتصار علي نقل الثانية والاكثرون علي نقل الاولي لكن جمع بينهما الصيدلانى وتابعه امام الحرمين وغيره هذا مذهبا * وقال مالك ليست التيسمة
[ ٣ / ٣٢٠ ]
من القرآن الا من سورة النمل وهو أشهر الروايتين عن ابي حنيفة وقال بعض أصحابه مذهبه انها آية في كل موضع أثبتت فيه لكنها ليست من السورة وإذا عرفت ذلك فعندنا بجهر المصلى بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفى السورة بعدها خلافا لمالك حيث قال لا يقرأها أصلا لا في الجهرية ولا في السرية ولابي حنيفة حيث قال يسر بها وقال أحمد الا انه يوجب ذلك في كل ركعة لان التسمية عنده من الفاتحة وأبو حنيفة يأمر بها الا استحبابا ويقال انه لا يأمر
[ ٣ / ٣٢١ ]
بها الا في الركعة الاولي كالتعوذ لنا ما روى عن ابن عمر انه قال (صليت خلف النبي صلي الله عليه سلم وأبى بكر وعمر وكانوا يجهرون بالتسمية) وعن علي وابن عباس ان النبي ﷺ (كان يجهر بها في الصلاة بين السورتين واما ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله آية منها معلم بالميم الحاء وكذا قوله من كل سورة ولا يخفى ان المراد ما سوى براءة ويروى عن احمد ان التسمية حيث أثبتت آية وليست من السورة ورأيت في رؤس المائل لتعض اصحابه انها ليست من الفاتحة ولا من سائر السور والمشهور عنه في كتب اصحابنا انه يوافقنا في كونها من القرآن وانما
[ ٣ / ٣٢٢ ]
يخالف في الجهر فعلى غير المشهور لكن الكلمتان معلمين بلالف ايضا وقوله وهى آيه من كل سورة الي آخر سورة الي آخره كلامان احدهما ان ظاهر قوله وهى آيه من كل سورة انها آية مستقلة لانها إذا كانت مع صدر السورة آية وانما تكون بعض آية وإذا كان كذلك فلا يحسن ان يرتب عليه التردد فيه انها مستقلة ام لا فان الشئ إذا اثبتناه لا ينظم مثار التردد فيه معني الكلام انها من جملة السور معدودة من القرآن وهل هي آية مستقلة فيه الخلاف والثانى ان لفظ الكتاب يمكن التنزيله علي الطريقة الثاني بأن يجعل جازما بانها من السورة وترد الخلاف إلى انها مستقلة ام لا
[ ٣ / ٣٢٣ ]
ويكون تقدير الكلام اما مع الاية الاولي على احد القولين أو مستقلة بنفسها علي احد القولين وهذا الذي اراده ويمكن تنزيله علي ذكر الخلاف الذى اشمل عليه الطريقان جميعا بأن يصرف قوه علي احد القولين الي اول الكلام وهو قوله وهى آية من كل سورة والقول المقابل له انها ليست من السور ويجعل الترديد في قوله اما مع الاية الاولى أو مستقلة بنفسها اشارة إلى الخلاف المذكور في الطريقة الثانية تفريعا علي انا من القرآن وإذا انتظم التردد في انها آية علي استقلالها لم لا بعد القطع بأنها من القرآن ينتظم التردد فيه بعد اثبات الخلاف تفريعا على انها من القرآن *
[ ٣ / ٣٢٤ ]
قال (ثم كل حرف وتشديد ركن وفى ابدال الضاد بالظاء تردد) * لا شك ان فاتحة الكتاب عبارة عن هذه الكلمات المنظومة والكلمات المنظومة مركبة
[ ٣ / ٣٢٥ ]
من الحروف المعلومة وإذا قال الشارع ﷺ (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) فقد وقف الصلاة جملتها والموقوف على أشياء مفقودة عند فقد بعضها كما هو مفقود عند فقد كلها فلو اخل بحرف منها لم تصح صلاته ولو خفف حرفا مشددا فقد اخل بحرف لان المشدد حرفان مثلان أولهما ساكن فإذا خفف فقد أسقط احدهما ولو ابدل حرفا بحرف فقد ترك الواجب وهل يستثني ابدال الضاد في قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) بالظاء ذكروا فيه وجهين احدهما نعم فيحتمل ذلك لقرب المخروج وعسر التمييز بينهما وأصهما لا يستثني ولو ابدل كان كابدال غيرهما من الحروف وكما لا يتحمل الاخلال بالحروف لا يتحمل اللحن المخل المعنى كقوله انعمت عليهم
[ ٣ / ٣٢٦ ]
واياك نعبد بل تبطل صلاته ان تعمد ويعيد علي الاستقامة ان لم يتعمد ويسوغ القراءات السبع وكذا القراءة الشاذة ان لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه وقوله ثم كل حرف
وتشديد ركن يجوز ان يريد به انه ركن من الفاتحة لان ركن الشئ احد الامور التي يلتئم منها ذلك الشئ ويجوز ان يريد به انه ركن من الصلاة لان الفاتحة من اركان الصلاة وجزء الجزء جزء والاول أصوب لئلا تخرج اركان الصلاة عن الضبط * قال (ثم الترتيب فيها شرط فلو قرأ النصف الاخير اولا لم يجزه ولو قدم آخر التشهد فهو كقوله عليكم السلام والموالاة ايضا شرط بين كلماتها فلو قطعها بسكوت طويل وجب الاستئناف (و) وكذا بتسبيح يسير الا ماله سبب في الصلاة كالتأمين لقراءة الامام والسؤال والاستعاذة أو سجود التلاوة عند قراءة الامام آية سجدة أو رحمة أو عذاب فان الولاء لا ينقطع علي احد الوجهين ولو ترك الموالاة ناسيا ففيه تردد ولو طول ركعا قصير لم نوسيا لم يضر) *
[ ٣ / ٣٢٧ ]
الفصل يشتمل علي جملتين مشروطتين في الفاتحة (أحداهما) الترتيب فيجب رعايتها لان الاتيان بالنظم المعجز مقصود والنظم والترتيب ومناط البلاغة والاعجاز فلو قدم مؤخرا علي مقدم نظران كان عامدا بطلت قراءته وعليه الاستئناف وان كان ساهيا عاد الي الموضع الذى اخل منه بالترتيب فقرأ منه قال الصيدلانى الا أن يطول فيستأنف وعلى كل حال لا يعتد بالمؤخر الذى قدمه وينبغي ان يحمل قوله فلو قدم النصف الاخير قبل الاول لم يجزه على هذا أي لا يجزئه النصف الاخير فاما النصف الاول فهل يجزئه ويبنى عليه ام يلزمه الاستئناف فيه التفصيل الذى ذكرناه ولو اخل بترتيب التشهد نظر أن غير تغييرا مبطلا للمعني فليس ما جاء به محسوبا وان تعمده بطلت صلاته لانه أتى بكلام غير منظوم قصدا وان لم يبطل المعنى وكان كل واحد من المقدم والمؤخر مفيدا مفهوما ففيه الطريقان المذكوران فيما إذا عكس لفظ السلام فقال عليكم السلام والاظهر الجواز لانه لا يتعلق بنظمه اعجاز وقوله ولو قدم آخر التشهد يعني به هذه (الحالة الثانية) وهى أن لا يغير المعنى وان كان اللفظ مطلقا واعلم أن تغيير الترتيب علي وجه يبطل المعنى كما يفرض في التشهد يفرض في الفاتحة فوجب أن يقال ثم أيضا إذا غير تغييرا مبطلا للمعنى عمدا تبطل صلاته والثانية الموالاة بين كلماتها والاخلال بها على ضربين (أحدهما) أن يكون الشخص عامدا فيه فان سكت في اثنائها
نظر ان طالت مدة السكوت وذلك بان يشعر مثل ذلك السكوت بقطعه القراءة واعراضه عنها اما اختيار أو لعائق فتبطل قراءته ويلزمه الاستئناف لانه صلي الله عليه وسلم (كان يوالى في قراءته) وقد قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) وروى امام الحرمين والمصنف في الوسيط وجها آخر عن العراقبين
[ ٣ / ٣٢٨ ]
أن ترك الموالاة بالسكوت الطويل عمدا لا يبطل القراءة وأعلم لهذا الوجه قوله وجب الاستئناف بالواو وان قصرت مدة السكوت فلا يؤثر لان السكوت اليسير قد يكون لتنفس وسعال ونحوهما فلا يشعر بقطع القراءة ونظيره التفريق اليسير في الوضوء لا يؤثر وان أوجبنا الموالاة فيه وهذا إذا لم ينو مع السكوت قطع القراءة فان نواه والسكوت يسير ففيه وجهان حكيا عن الحاوى أحدهما انه لا تبطل القراءة أيضا لان السكوت اليسير لا اثر له بمجرده ولا للنية بمجردها فلا يضر انضمام أحدهما إلي الآخر واصحهما وهو الذى ذكره المعظم انها تبطل ويجب الاستئناف لا قران الفعل بنية القطع وقد تؤثر النية مع الفعل فيما لا يؤثر فيه أحدهما الا ترى ان نية التعدي من المودع لا توجب كون الوديعة مضمونة عليه وكذلك مجرد النقل من موضع إلى موضع وإذا اقترنا صارت مضمونة عليه وانما لم توثر مجرد النية ههنا بخلاف نية قطع الصلاة فانها تؤثر فيها لان النية ركن في الصلاة تجب ادامتها حكما إن لم تجب ادامتها حقيقة ولا يمكن ادامتها حكما مع نية القطع فتبقى الافعال بالنية وقراءة الفاتحة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا يؤثر فيها نية القطع فلواتي بتسبيح أو تهليل في اثنائها أو قرأ آية اخرى فيها بطلت الموالاة قل ذلك ام كثر لان الاشتغال بغيرها يغير النظم ويوهم الاعراض عنها وهذا فيما لا يؤمر به في الصلاة اما ما يؤمر به وتتعلق به مصلحة الصلاة كما إذا أمن الامام والمأموم في خلال الفاتحة فأمن معه أو قرأ الامام آية رحمة فسألها المأموم أو آية عذاب فاستعاذ منه أو آية سجدة
[ ٣ / ٣٢٩ ]
فسجد المأموم معه أو فتح على الامام قراءته ففى بطلان الموالاة في جميع ذلك وجهان أحدهما وبه قال الشيخ ابو حامد تبطل كما لو فتح علي غير امامه أو اجاب المؤذن أو عطس فحمد الله تعالى واصحهما وبه قال صاحب الافصاح والقاضي أبو الطيب والقفال لا تبطل لانه ندب الي هذه الامور في الصلاة
لمصلحتها فالاشتعال بها عند عروض أسبابها لا يجعل قادحا وهذا مفرع علي استحباب هذه الامور للمأموم وهو المشهور وفيه وجه آخر ثم لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب إليه فان الحمد عند العطاس مندوب إليه وإن كان في الصلاة وهو قاطع للموالاة ولكن في المندوبات التى تختص بالصلاة وتعد من صلاحها وقوله الاماله سبب في الصلاة محمول على هذا ولما كان السكوب مبطلا للموالاة بشرط ان يكون طويلا وكان التسبيح مبطلا من غير هذا الشرط قيد في لفظ الكتاب السكوت بالطويل وجعل التسبيح بوصف كونه يسيرا مبطلا للموالاة تنبيها علي الفرق بينهما ثم لا يخفى أن ما يبطل يسيره فكثيره أولى ان يبطل (الضرب الثاني) أن يخل بالموالاة ناسيا ونذكر
[ ٣ / ٣٣٠ ]
أولا مسألة وهى أنه لو ترك الفاتحة ناسيا هل تجزئه صلاته الجديد وهو المذهب أن لا يعتد بتلك الركعة بل إن تذكر بعد ما ركع عاد إلى القيام وقرأ وإن تذكر بعد القيام الي الركعة الثانية صارت هذه الركعة أولاه ويلغو ما سبق ووجهه الاخبار الدالة على اعتبار الفاتحة والالحاق بسائر الاركان وقال في القديم تجزئه صلاته تقليد العمر ﵁ (فانه نسي القراءة في صلاة المغرب فقيل له في ذلك فقال كيف كان الركوع والسجود قالوا كان حسنا قال فلا بأس) وقد ذكرت ما قيل في الفرق بين الفاتحة وسائر الاركان في فصل الترتيب في الوضوء إذا عرف ذلك فنقول إذا ترك المولالة ناسيا فالذي ذكره الجمهور ونقلوه عن نص الشافعي ﵁ انه لا تنقطع الموالاة وله أن يبني وليس هذا تفريعا علي القول القديم في ترك الفاتحة ناسيا بل نقلوا ذلك مع القول بانه إذا ترك الفاتحة ناسيا لم يعتد بالركعة ومال إمام الحرمين إلى انه ينقطع الولاء بالنسيان إذا قلنا النسيان
[ ٣ / ٣٣١ ]
ليس بعذر في ترك الفاتحة حتى لا يجزئه ما اتي به كما لو ترك الترتيب نايبا وتابعه الامام الغزالي ﵀ فجعل المسألة علي التردد واعترض امام الحرمين قدس الله روحه علي كلام الجمهور فقال ترك الولاء إذا كان مما تختل به القراءة فجريانه النسيان وجب ان يكون بمثابة ترك القراءته ناسيا حتى لا يعذر به وللجمهور ان يقولوا سلمت في هذا الاعتراض مقدمة مطلقة وهى ان ترك الولاء
مما تختل به القراءة وعندنا لا تختل به القراءة الا عند التعمد فان قال إذا اختلت به عند التعمد وجب ان تختل عند النسيان كما ان ترك القراءة من أصلها لا يفترق حكمه في الحالتين فلهم أن
[ ٣ / ٣٣٢ ]
يقولوا في الفرق الموالاة هيئة في الكلمات تابعة لها فإذا ترك القراءة فقد ترك التابع والمتبوع وإذا ترك الموالاة فقد ترك التابع دون المتبوع فلا يبعد أن يجعل النسيان عذرا ههنا ولا يجعل عذرا ثم ونظيره غسل الاعضاء في الوضوء لا يحتمل تركها عمدا ولا سهوا وترك المولاة سهوا يحتمل على الاظهر وان اوجبنا فيه الموالاة واما ما ذكره من ترك الترتيب ناسيا فقد فرق الشيخ ابو محمد بينه وبين الموالاة بأن امر الموالاة أهون ألا ترى انه لو أخل المصلى بترتيب الاركان ناسيا فقدم
[ ٣ / ٣٣٣ ]
السجود على الركوع لم يعتد بالسجود المقدم ولو أخل بالموالاة بان طول ركنا في الصلاة ناسيا لم يضر واعتد بما أتي به وكذلك لو ترك سجدة من الركعة الاولي أقيمت السجدة المأتي بها في الركعة الثانية مقامها وان اختلت الموالاة ولهذا يحتمل غير افعال الصلاة في خلالها إذا كانت يسيرة كالخطوة وقبل الحية ونظائرهما مع أنها تخل بصورة الموالاة فلا يلزم من جعل النسيان عذرا في اضعف المعتبرين جعله عذرا في أقواهما وقد حكي الامام بعض هذا الفرق عن الشيخ ولم يعترض عليه بازيد مما سبق وربما وجه النص المنقول في ان ترك الموالاة ناسيا لا يضر بمسائل ترك الموالة ناسيا
[ ٣ / ٣٣٤ ]
في الصلاة كتطويل الركن القصير ونحوه والله اعلم وينكشف لك من هذا الشرح ما السبب الداعي الي ايراد المصنف مسألة تطويل الركن القصير في خلال مسائل القراءة ومن لم يعرف هذا السبب ولم تكن فيه غباوة فانه يتعجب من ذلك وليس في لفظ الكتاب ما ينبه عليه وأما تسمية كل واحد من الترتيب والموالاة شرطا والحروف والتشديدات اركانا فقد تقدم في باب الاذان ما يناظر ذلك والقول فيهما قريب * قال (أما العاجز فلا تجزئه ترجمته (ح) بخلاف التكببر بل يأتي بسبع آيات من القرآن متوالية لا تتقص حروفها عن حروف الفاتحة فان لم يحسن فمتفرقة فان لم يحسن فيأتى بتسبيح وتهليل لا تنقص
حروفه عن حروف الفاتحة) * ذكرنا أن للمصلى حالتين أحداهما أن يقدر علي قراءة الفاتحة وما ذكرناه الي الآن كلام فيها والثانية أنه لا يقدر فيلزمه كسب القدرة عليها اما بالتعلم أو التوسل الي مصحف يقرأها منه
[ ٣ / ٣٣٥ ]
سواء قدر عليه بالشرى أو الاستئجار أو الاستعارة فان كان بالليل أو كان في ظلمة فعليه تحصيل السراج أيضا عند الامكان فلو امتنع عن ذلك مع الامكان فعليه اعادة كل صلاة صلاها الي أن قد ر علي قراءتها وإذا تعذر التعلم عليه أو تأخر لضيق الوقت أو بلادته وتعذرت القراءة من المصحف أيضا فكيف يصلى هذا غرض الفصل وجملته أن لا تجزئه الترجمة وخلاف أبي حنيفة يعود ههنا بطريق الاولى ويخالف التكبير حيث يعد العاجز إلى ترجمته لما قدمناه أن نظم القرآن معجز وهو المقصود فيراعى ما هو أقرب منه واما لفظ التكبير فليس بمعجز ومعظم الفرض معناه فالترجمة اقرب إليه وإذا عرفت ذلك فينظر ان احسن غير الفاتحة من القران فيجب عليه ان يقرأ سبع آيات من غيرها ولا يجوز له العدول إلى الذكر لان القران بالقرآن أشبه ولا يجوز أن ينقص
[ ٣ / ٣٣٦ ]
عدد الآيات الماتى بها عن السبع وان كانت طويلة لان عدد الآدى مرعى فيها قال الله تعالى سبعا من المثاني (وعدها رسول الله صلي الله عليه وسلم سبع آيات) فيراعي هذا العدد في بدلها وهل يشترط مع ذلك أن لا تنقص حروفها عن حروف الفاتحة فيه وجهان احدهما لا ويكفى اعتبار اعتبار الآيات كما لو فاته صوم يوم طويل يجوزه قضاؤه في يوم قصير ولا ينظر إلي الساعات واصحهما وهو المذكور في الكتاب انه يشترط لانها معتبرة في الفاتحة وقد أمكن اعتبارها في البدل فاشبهت الآيات وهذان الوجهان في جملة الفاتحة مع جملة البدل فلا يمتنع أن يجعل ايتين بدلا عن آية
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وفى وجه يجب ان تعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة علي الترتيب وينبغى ان تكون مثلها أو اطول منها ويحكى هذا عن الشيخ ابى محمد ثم ان احسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول
إلي المتفرقة فان المتوالية اشبه بالفاتحة وان لم يحسنها اتي بها متفرقة واستدرك امام الحرمين فقال لو كانت الآيات المفرودة لا تفيد معنى منظوما إذا قرئت وحدها كقوله (ثم نظر) فيظهر ان لا نأمره بقراءة
[ ٣ / ٣٣٨ ]
هذه الآيات المتفرقة ونجعله كمن لا يحسن شيئا من القرآن اصلا ولو كان ما يحسنه من القران دون السبع كآية أو آيتين ففيه وجهان احدهما انه يجب عليه ان يكرر حتي يبلغ قدر الفاتحة واصحهما انه يقرأ ما يحسنه ويأتي بالذكر للباقى هذا كله إذا احسن شيئا من القرآن اما إذا لم يحسن فيجب عليه ان ياتي بالذكر كلا تسبيح والتهليل خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يلزمه الذكر ويقف ساكنا
[ ٣ / ٣٣٩ ]
بقدر القراءة ولمالك حيث قال لا يلزمه الذكر ولا الوقوف بقدر القراءة لنا ما روى انه صلي الله عليه واله وسلم قال (إذا قام احدكم إلي الصلاة فليتوضأ كما امره الله فان كان لا يحسن شيئا من القرآن فليحمد الله
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وليكبره) وروى ان رجلا جاء إلى النبي صلي الله عليه واله وسلم فقال (اني لا استطيع أن آخذ شيئا من القران فعلمني ما يجزينى في صلاتي فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله) ثم هل يتعين شئ من الاذكار ام يتخير فيها فيه وجهان احدهما ان الكلمات المذكورة في الخبر الثاني متعينة لظاهر الامر وعلي هذا اختلفونا منهم من قال تكفيه هذه
[ ٣ / ٣٤١ ]
الكلمات الخمس لانه قال علمني ما يجزينى في صلاتي والنبي صلي الله عليه وسلم علمه هذه الكلمات وبهذا قال ابو علي الطبري والقاضى ابو الطيب ومنهم من قال يضم إليها كلمتين اخريبن حتى تصير سبعة أنواع فيكون كل نوع بدلا عن آية والمراد بالكلمات ههنا انواع الذكر لا الالفاظ المفردة واصحهما انه لا يتعين شئ من الاذكار وبه قال ابو اسحق المروزى وهذا هو الذى ذكره في الكتاب لانه أطلق فقال فيأتى بتسبيح وتهليل وعلي هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل وهل يشترط ان لا تنقص حروف ما يأتي به عن حروف الفاتحة وجهان كما ذكرنا
فيما إذا احسن غير الفاتحة من القرآن والاصح وهو المذكور في الكتاب انه شرط ثم قال امام الحرمين لا يرعي ههنا الا الحروف بخلاف ما إذا احسن غير الفاتحة من القرآن فانه يراعي عدد الايات وفى الحروف الخلاف وقال في التهذيب يجب أن ياتي بسبعة انواع من الذكر ويقام كل نوع
[ ٣ / ٣٤٢ ]
مقام آية وهذا أقرب تشبيها لمقاطع الانواع بغايات الايات وهل الادعية المحضة كالاثنية فيه تردد للشيخ ابى محمد قال امام الحرمين والاشبه ان ما يتعلق بامور الاخرة كالاثنية دون ما يتعلق بالدنيا ويشترط ان لا يقصد بالذكر الماني به شيئا آخر سوى البدلية كما إذا استفتح أو تعوذ علي قصد اقامة سنتهما ولكن لا يشترط قصد البدليه فيهما ولا في غيرهما من الاذكار في أظهر الوجيهن وان لم يحسن شيئا من القران والاذكار فعليه ان يقوم بقدر الفاتحة ثم يركع وكل ما ذكرناه فيما إذا لم يحسن الفاتحة أصلا *
[ ٣ / ٣٤٣ ]
قال (فان لم يحسن النصف الاول منها اتي بالذكر بدلا عنه ثم يأتي بالنصف الاخير * اصل المسألة ان من يحسن بعض الفاتحة دون بعض يكرره ام يأتي به ويبدل الباقي فيه وجهان وقيل قولان (احدهما) انه يكرر ما يحسنه قدر الفاتحة ولا يعدل إلى غيره لان بعضها اقرب الي الباقي من غيرها فصار كما إذا احسن غيرها من القرآن لا يعدل إلى الذكر (واصحهما) انه يأتي به وببدل الباقي لان الشئ الواحد لا يكون اصلا وبدلا ويدل عليه ان النبي ﷺ (امر ذلك السائل بالكلمات الخمس) ومنها الحمد لله وهذه الكلمة من جملة الفاتحة ولم يأمره بتكريرها
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وهذا الخلاف فيما إذا كان يحسن للباقى بدلا اما إذا لم يحسن الا ذلك البعض فيكرره بلا خلاف إذا تقرر ذلك فلو أحسن النصف الثاني دون الاول فقد قال في الكتاب يأتي بالذكر بدلا عن النصف الاول ثم يأتي بالنصف الثاني وهذا جواب على الوجه الاصح ويجب أن يقدم البدل للنصف الاول علي قراءة النصف الثاني رعاية للترتيب كما يجب الترتيب في اركان الصلاة وفى كلمات الفاتحة
وحكي في التهذيب وجها انه لا يشسترط التريب بين البدل والاصل وكيف ما قرأ جاز وأما إذا فرعنا علي الوجه الاول وهو انه يكرر القدر الذى يحسنه فلا يأتي في هذه الصورة لنصف الاول ببدل بل يكرر النصف الاخير وليعلم لهذا الوجه قوله اتي بالذكر بدلا عنه بالواو وكذا قوله ثم يأتي بالنصف الاخير لان كلمة ثم للترتيب وقد ذكرنا وجها أنه لا يجب الترتيب ولو كان الامر بالعكس فكان يحسن النصف الاول دون الثاني فعلي الوجه الاول يكرره وعلي الاصح يأتي بالنصف الاول ثم بالذكر بدلا عن الثاني * قال (قان تعلم قبل قراءة البدل لزمه قراءتها وان كان بعد الركوع فلا وان كان قبل الركوع وبعد الفراغ فوجهان)
[ ٣ / ٣٤٥ ]
جميع ما سبق فيما إذا استمر العجز عن القراءة في الصلاة فاما إذا تعلم الفاتحة في اثنائها أو لقنه انسان أو احضر مصحف وتمكن من القراءة منه فينظر ان اتفق ذلك قبل الشروع في قراءة البدل فعليه أن يقرأ الفاتحة وان كان في خلال قراءة البدل مثل ان اتى بنصف الاذكار ثم قدر علي قراءة الفاتحة فعليه قراءة النصف الاخير وفى الاول وجهان احدهما لا يجب كما إذا شرع في صوم الشهرين ثم قدر علي الاعتاق لا يلزمه العدول الي الاعتاق وأظهرهما يجب كما إذا وجد الماء قبل تمام التيمم يبطل تيممه وان كان ذلك بعد قراءة البدل وبعد الركوع فلا يجوز الرجوع وقد مضت تلك الركعة على الصحة وان كان بعد القراءة وقبل الركوع فوجهان احدهما عليه قراءة الفاتحة لان محل القراءة باق وقد قدر عليها واظهرهما لا يجب لان البدل قد تم وتأدى الفرض وبه واشبه ما لو اتي المكفر بالبدل ثم قدر علي الاصل أو صلى بالتيمم ثم قدر علي الوضوء ويجوز أن يعلم قوله لزمه قراءتها بالواو لان قوله قبل قراءة البدل يتناول ما إذا لم يشرع في البدل أصلا وما إذا شرع لكن لم
[ ٣ / ٣٤٦ ]
يتمه حتى تعلم الفاتحة وقد ذكرنا في الصورة الثانية وجهين ويجوز أن يعلم قوله فوجهان في الصورة الاخيرة أيضا لان صاحب البيان ذكر طريقا آخر أنه لا يجب قراءة الفاتحة وجها واحدا *
قال (ثم بعدن الفاحة سنتان أحداهما التمين مع تخفيف الميم ممدودة أو مقصورة وفى جهر الامام به خلاف والا ظهر الجهر وليؤمن المأموم مع تأمين الامام لا قبله ولا بعده) * بينا أن لركن القراءة سنتين لاحقتين فاشتغل بذكرهما حين فرغ من احكام الفاتحة احداها التأمين فيستحب لكل من قرأ الفاتحة خارج الصلاة أو في الصلاة أن يقول عقيب الفراغ آمين ثبت ذلك من رسول الله صلي الله عليه وسلم معنى الكلمة ليكن كذلك وفيها لغتان القصر والمد
[ ٣ / ٣٤٧ ]
والميم مخففة في الحالتين وينبغي أن يفصل بينها وبين قوله ولا الضالين بسكتة لطيفة تمييزا بين القرآن وغيره ويستوى في استحبابها الامام والمأموم والمنفرد ويجهر بها الامام والمنفرد في صلاة الجهر تبعا للقراءة وقد روى عن وائل بن حجر (صليت خلف النبي صلى اله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين ت آمين ومدبها صوته) أما المموم فقد نقل عن القديم انه يؤمن جهرا ايضا وعن الجديد أنه لا يجهر واختلف الاصحاب فقال الاكثرون في المسألة قولان احدهما
[ ٣ / ٣٤٨ ]
أنه لا يجهر كما لا يجهر بالتكبيرات ان كان الامام يجهر بها واصحهما وبه قال احمد انه يجهر لما روى عن عطاء قال (كنت اسمع الائمة وذكر ابن الزبير ومن بعده يقولون آمين ويقول من خلفهم آمين
[ ٣ / ٣٤٩ ]
حتي أن للمسجد للجة) ويروى عن ابي هريرة قال كان إذا امن رسول الله صلي الله عليه وسلم امن من خلفه حتي كان للمسجد ضجة) ولان المقتدى متابع للامام في التأمين فانه انما يؤمن لقراءته فيبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين ومنهم من اثبت قولين في المسألة ولكن لا علي الاطلاق
[ ٣ / ٣٥٠ ]
بل فيما إذا جهر الامام اما إذا لم يجهر الامام فيجهر المأمون ليتبه الامام وغيره ومنهم من حمل النصين على حالين فحيث قال لا يجهر المأمومون اراد ما إذا قل المقتدون أو صغر المسجد وبلغ صوت الامام القول فيكفى اسماعه اياهم التأمين كاصل القراءة وان كثر القوم يجهرون حتى يبلغ الصوت
الكل والاحب ان يكون تأمين المأموم مع تأمين الامام لا قبله ولا بعده لما روى عن ابي هريرة
[ ٣ / ٣٥١ ]
﵁ أن النبي ﷺ قال (إذا أمن الامام امنت الملائكة فامنوا فان من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) فان لم يتفق ذلك أمن عقيب تأمينه * واما لفظ الكتاب فلك ان تعلم قوله التأمين بالميم لانه روى مالك أنه لا يسن التأمين للمصلى أصلا وعنه رواية اخرى أن الامام لا يؤمن في الجهرية ورواية أخرى ان الامام والمأموم يؤمنان لكن يسران وهو
[ ٣ / ٣٥٢ ]
مذهب أبي حنيفة ولذلك اعلم قوله والاظهر الجهر بعلامتهما وقوله ممدودة أو مقصورة التأنيث علي تقدير الكلمة وقوله وفى جهر المأموم به خلاف أي الصلاة الجهرية واما في السرية فالمحبوب الاسرار لمأموم وغيره بلا خلاف ثم قوله خلاف يجوز أن يريد به قولين جوابا علي الطريقة المشهورة ويجوز ان يريد به طريقين وهما الاول والثالث فقد ذكرهما في الوسيط فان كان الاول فقوله والاظهر الجهر أي من القولين وان كان الثاني فالمعنى والاظهر مما قيل في المسألة انه يجهر * قال (الثانية السورة وهى مستحبة للامام والمنفرد في ركعتي الصبح والاوليين من غيرهما وفى الثالثة والرابعة قولان منصوصان الجديد انها تستحب (ح) وان كان العمل على القديم والمأموم لا يقرأ السورة في الجهرية بل يستمع وان لم يبلغه الصوت ففى قراءته وجهان) *
[ ٣ / ٣٥٣ ]
يسن للامام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعة الصبح والاوليين من سائر الصلوات لما سيأتي وأصل الاستحباب يتادى بقراءة شئ من القرآن لكن السورة أحب حتي ان السورة القصير أولي من بعض سورة طويلة وروى القاضي الرواياني عن احمد انه يجب عنده قراءة شئ من القرآن وهل يسن قراءة السورة في الثالثة من المغرب وفي الثالثة والرابعة من الرباعيات فيه قولان
[ ٣ / ٣٥٤ ]
الجديد أنها تسن لكن تجعل السورة فيهما أقصر لما روى عن أبي سعيد الخدرى ﵃
ان النبي صلي الله عليه وسلم كان (نقرأ في الصلاة الظهر في الركعتين الاوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آيه وفى الاخريين قدر خمس عشرة آية وفى العصر في الركعتين الاوليين في كل
[ ٣ / ٣٥٥ ]
ركعة قدر خمس عشرة اية وفى الاخريين وقدر نصف ذلك) والقديم وبه قال ابو حنيفة ومالك واحمد أنها لا يتسن لما روى عن أبي قتادة أن النبي صلي الله واله وسلم (كان يقرأ في الظهر في الاوليين بام الكتاب وسورتين وفى الركعتين الاخيريين بام الكتاب ويسمعنا الاية ويطول
[ ٣ / ٣٥٦ ]
في الركعة الاولى يطول في الثانية) هل يفضل الركعة الاولى على الثانية فيه وجهان أظهرهما لا ويدل عليه حديث أبي سعيد والثانى وبه قال الامام السرخسى نعم ويدل عليه حديث أبي قتادة ويجرى الوجهان في الركعتين لاخرتين ان قلنا تستحب فيهما السورة وقال ابو حنيفة يستحب تفصيل الاولى علي الثانية في الفجر خاصة ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل كالحجرات نعم
[ ٣ / ٣٥٧ ]
في الركعة الاولى من صبح يوم الجمعة يستحب قراءة الم السجدة وفى الثانية هل أتى ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح وفى العصر والعشاء بأوساط المفصل وفى المغرب بقاصره وأما المأموم فلا يقرأ السورة في الصلاة التى يجهر بها الامام وهو يسمع صوته بل ينبغى ان ينصت
[ ٣ / ٣٥٨ ]
ويستمع قال الله تعالي (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ولهذا يستحب الامام أن يسكت بعد الفاتحة قدر يقرأ فيه المأموم الفاتحة كيلا يفوته استماع الفاتحة ولا استماع السورة وان كانت
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الصلاة سرية أو جهرية والمأموم لا يسمع لبعد أو صمم فوجهان أحدهما انه لا يقرأ لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا كنتم خلفي فلا تقرؤا الا بفاتحة الكتاب) وأصحهما يقرأ كالمنفرد وانما لا يؤمر بالقراءة حيث يستمع ليستمع وأما الحديث فله سبب وهو ان اعرابيا راسل رسول
الله صلي الله عليه وسلم في قراءة الشمس وضحاها فتعسرت القراءة علي رسول الله صلى اله عليه وسلم فلما تحلل عن صلاته قال ذلك ويستحب للقارئ في الصلاة وخارج الصلاة أن يسأل الرحمة إذا مر بآية رحمة وأن يتعوذ إذا مر بآية عذاب وأن يستح إذا مر باية تسبيح وأن يتفكر إذا مر بآية مثلل ذلك وان يقول بلي وانا علي ذلك من الشاهدين إذا قرأ أليس الله بأحكم الحاكمين
[ ٣ / ٣٦٠ ]
ويقول آمنا بالله إذا قرأ فبأى حديث بعده يؤمنون والمأموم يفعل ذلك لقراءة الامام وقوله في الكتاب فقولان منصوصان التصريح بكونها منصوصين يعرف انهما ليسأ ولا واحد منهما مخرمج ولا يتوهم من ذلك انه إذا أرسل ذكر القولين كان ثم تخريح كما ان التعرض للقديم والجديد يعرف تاريخ القولين ولا يلزم من ارسال القولين أن يكون أحدهما قديما ولآخر جديدا
[ ٣ / ٣٦١ ]
وقوله وان كان العمل علي القديم اشارة إلى ترجيح القول القديم وبه أفتي الاكثرون وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتي فيها علي القديم ونازع الشيخ أبو حامد وطائفة فيه ورجحوا الجديد (واعلم) أن مسألة جهر المأموم بالتأمين من جملة تلك المسائل إذا أثبتنا الخلاف فيها كما تبين في الفصل السابق وقوله والمأموم لا يقرأ السورة في الجهرية إلى آخره التعرض لحكم قراءته في الجهرية واهما له
[ ٣ / ٣٦٢ ]
في السرية فيه اشار بأنه يقرأ في السرية وهو الاظهر كما بيناه وان لم يكن متفقا عليه * قال (الركن الرابع الركوع وأقله أن ينحى بحيث تنال راجتاه وكبتيه ويطمنن (ح) بحيث ينفصل هويه عن ارتفاعه ولا يجب الذكر) *
[ ٣ / ٣٦٣ ]
تكلم في أقل الركوع ثم في اكمله ما اقله فقد ذكر فيه شيئين لا بد منهما (احدهما) ان ينحى بحيث
[ ٣ / ٣٦٤ ]
تنال راحتاه ركبتيه يقال أنه ورد في لفظ الخبر ومعناه أن يصير بحيث لو أراد أن يضع
راحتيه علي ركبتيه لمكن وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين وفي لفظ الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعا وان صار بحيث
[ ٣ / ٣٦٥ ]
لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه لن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء قال امام الحرمين ولو مزج الانحناء بهذه الهيئة وكان التمكن من وضع الراحتين علي الركبتين بهما جميعا لم يعتد بما جاء به ركوعا
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أيضا ثم أن لم يقدر علي أن ينحنى الي الحد المذكور الا بمعين أو الاعتماد علي شئ أو بان ينحني على شق لزمه ذلك وان لم يقدر انحنى القدر المقدور عليه وان عجز اومأ بطرفه عن قيام (واعلم)
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ان الذى ذكره في هذا الموضع هو حد ركوع القائمين فاما إذا كان يصلي قاعدا فقد صار حد أقل ركوعه واكمله مذكورا في فصل القيام (والثاني) ان يطمئن خلافا لابي حنيفة حيث قال لا تجب
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الطمأنينة لنا ما روى عن ابى هريرة رالله عنه (ان رجلا دخل المسجد ورسول الله صلي الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فصلي ثم جاء فسلم عليه فقال صلي الله عليه وسلم وعليك السلام ارجع فصل فانك لم تصل فرجع فصلي ثم جاء فقال له مثل ذلك فقال علمني يا رسول الله فقال إذا قمت الي الصلاة
[ ٣ / ٣٦٩ ]
فاسبغ الوضوء استقبل القبلة فكبر اقرا أبما يتيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا) ومعنى الطمأنينة في الركوع أن يصبر تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع وينفصل هويه عن ارتفاعه
[ ٣ / ٣٧٠ ]
منه فلو جاوز حد أقل الركوع وزاد في الهوى ثم ارتفع والحركات متصلة فلا طمأنينة وزيادة الهوى لا تقوم مقام الطمأنينة فهذا بيان الامرين اللذين لابد منهما وأما قوله ولا يجب الذكر فالغرض
[ ٣ / ٣٧١ ]
من ذكره ههنا بيان خروجه عن حد الاقل خلافا لا حمد فانه يحكي عنه ايجاب التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة وكذلك ايجاب التكبير للركوع والسجود لنا أن النبي صلي الله عليه وسلم (لم يأمر المسئ صلاته بالذكر فيهما) ويجوز أن (يع)؟ الاقل شئ آخر وهو أن (لا)؟ به غير الركوع لان صاحب التهذيب وغيره ذكروا انه لو قرأ في صلاته آية سجدة فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له
[ ٣ / ٣٧٢ ]
بعد ما بلغ حد الراكعين ان يركع لم يعتد بذلك عن الركوع لانه لم يقطع القيام لقصد الركوع بل يجب عليه أن يعود إلي القيام ثم يركع وسيأتي لهذا نظائر ولك أن تعلم قوله بحيث تنال راحتاه ركتبيه (؟؟؟) القاضي ابن كج حكى عن ابن حنيفة أنه لا يعتبر ذلك ويكتفى باصل الانحناء *
[ ٣ / ٣٧٣ ]
قال (وأكمله أن ينحني بحيث يستوى ظهره وعنقه وينصب ركبتيه عليهما ويضع كفيه عليهما يجافى الرجل مرفقيه عن جنبيه ولا يجاوز في الانحناء حد الاستواء ويقول الله أكبر رافعا يديه عند الهوى ممدودا علي قول ومحذوفا علي قول كيلا يغير المعنى بالمدو يقول سبحان ربى العظيم ثلاثا ولا يزيد الامام علي الثلاث) *
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الكلام في اكمل الركوع يقع في جملتين (أحداهأما) في هيئته وهى أن ينحنى بحيث يستوى ظهره وعنقه ويمدهما كالصفحة الواحدة فلا تكون رأسه ورقبته أخفض من ظهره ولا أعلي يروى أن رسول
[ ٣ / ٣٧٥ ]
الله ﷺ (كان يستوى في الركوع بحيث لو صب الماء علي ظهره لا ستمسك وروى
[ ٣ / ٣٧٦ ]
انه صلي الله عليه وسلم (عن التذبيح في الصلاة) وفى رواية (نهى ان يذبح الرجل في الركوع كما يذبح الحمار) والتذبيح ان يبسط ظهره ويطأطئ رأسه فتكون رأسه اشد انحطاطا من اليتيه وهذا اللفظ
[ ٣ / ٣٧٧ ]
يذكر بالدال والاول اشهر وينبغي للراكع ان ينصب ساقيه إلي الحقو ولا يثني ركبتيه وهذا هو الذى اراده بقوله وينصب ركبتيه ويستحب له وضع اليدين علي الركبتين واخذهما بهما ويفرق بين اصابعه
[ ٣ / ٣٧٨ ]
حينئذ ويوجههما نحو القبلة روى انه صلي الله على وسلم (كان يمسك راحتيه على ركبتيه في الركوع كالقابض عليهما) ويفرج بين اصابعه فان كان اقطع أو كانت إحدى يديه عليلة فعل بالاخرى ما ذكرنا
[ ٣ / ٣٧٩ ]
فان لم يمكنه وضعهما على الركبتين ارسلهما: ويجافى الرجل مرفقيه عن جنبيه فقد روي ان النبي صلى الله عليه
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وسلم (كان يفعل ذلك) والمرأة لا تجافى فانه استر لها والخنثى كالمرأة: اما قوله ولا يجاوز في الانحناء
[ ٣ / ٣٨١ ]
الاستواء فالمراد استواء الظهر والرقية وفى قوه اولا واكمله ان ينحنى بحيث يستوى ظهره وعنقه
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ما يفيد هذا الغرض فانا إذا عرفنا استحاب استواء الظهر والعنق نعرف انه لا ينبغى ان نتجاور الاستواء
[ ٣ / ٣٨٣ ]
فاعادته ثانيا اما ان تكون تأكيدا أو يكون الغرض الاشارة إلي ان المجاوزة مكروهة قصية للنهي
[ ٣ / ٣٨٤ ]
عن التذبيح وعلي هذا فالاعادة لا تكون لمحض التأكيد إذ لا يلزم من استحباب الشئ ان يكون تركه منهيا عنه مكروها وعلي كل حال فلو ذكر قوله ولا يجاوز متصلا بالكلام الاول لكان احسن
[ ٣ / ٣٨٥ ]
(الجملة الثانية) في الذكر المستحب فيه ويستحب ان يكبر للركوع لما روى عن ابن مسعود ﵁
[ ٣ / ٣٨٦ ]
ان النبي صلي الله عليه وسلم (كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعمود) ويبتدئ به في ابتداء
[ ٣ / ٣٨٧ ]
الهوى وهل يمده فيه قولان القديم وبه قال ابو حنيفة لا يمده بل يحذف لما روى انه ﷺ قال (التكبير جزم) أي لا يمد ولانه لو حاول المد لم يأمن ان يجعل المد على غير موضعه فيغير
[ ٣ / ٣٨٨ ]
المعني مثل ان يجعله علي الهمزة فيصير استفها ما والجديد انه يمده إلي تمام الهوى حتى لا يخلو جزء من صلاته عن الذكر والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات هل يندها من الركن المنتقل
[ ٣ / ٣٨٩ ]
عنه إلى أن يصحل في المنتقل إليه ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير خلافا لابي حنيفة لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع) ويستحب أن يقول في ركعه سبحان ربى العظيم ثلاثا وذلك أدني درجات
[ ٣ / ٣٩٠ ]
الكمال لما روى أنه ﷺ (قال ركع أحدكم فقال سبحان ربى العظيم ثلاثا فقد
[ ٣ / ٣٩١ ]
تم ركوعه وذلك أدناه فإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربى الاعلي ثلاثا فقدم سجوده وذلك
[ ٣ / ٣٩٢ ]
ادناه) واستحب بعضهم ان يضيف إليه وبحمده وقال انه ورد في بعض الاخبار والافضل أن يضعيف إليه (اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصرى ومخفي وعظمي وعصبي وشعرى وبشرى وما استقلت به قدمى لله رب العالمين) فقد روى ذلك الخبر
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وهو أتم الكمال وحكى عن الحاوى ان اتم الكمال من سبع تسبيحات الي احدى عشرة واوسطه
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ثم الزائد علي أدنى الكمال من سبع تسبيحات الي احدي عشرة واوسطه خمس
[ ٣ / ٣٩٦ ]
ادنى الكمال انما يستحب للمنفرد اما الامام فلا يزيد علي التسبيحات الثلاث كيلا يطول على القوم وقال القاضى الروايانى في الحلية لا يريد علي خمس تسبيحات وذكره غيره ايضا فليكن قوله ولا يزيد الامام
[ ٣ / ٣٩٧ ]
علي الثلاث معلما بالواو واستحباب التخفيف للامام فيها إذا لم يرض القوم بالتطويل اما إذا كان
[ ٣ / ٣٩٨ ]
الحاضرون لا يريدون ورضوا بالتطويل فيسوى في أتم الكمال ويكره قراءة القرآن في الركوع والسجود * قال (ثم يعتدل عن ركوعه ويطمئن (ح) ويستحب رفع اليدين إلى المكبين ثم يخفض يديه بعد الاعتدال ويقول وعند رفعه سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ويستوى (ح) فيها الامام والمأموم والمنفرد) * الاعتدال ركن في الصلاة لكنه غير مقصود في نفسه ولذلك عند ركنا قصيرا فمن حيث
[ ٣ / ٣٩٩ ]
أنه ركن عده في ترجمة الاركان في أول الباب ومن حيث أنه ليس مقصودا في نفسه جعله ههنا
[ ٣ / ٤٠٠ ]
تابعا للركوع وأوردهما في فصل وهكذا بالجلسة بين السجدتين وقال أبو حنيفة لا يجب الاعتدال وله أن ينحط من الركوع ساجدا وعن مالك روايتان (أحدهما) كمذهبنا
[ ٣ / ٤٠١ ]
الاخرى كمذهب الي حنيفة لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال للمسئ صلاته (ثم ارفع حتى تعتدل قائما) ولو كان يصلي قاعدا لمرض فيعود إلى الفعود بعد الركوع وبالجملة فالاعتدال الواجب أن يعود بعد الركوع الي الهيئة التى كان عليها قبل الركوع فلو ركع عن قيام وسقط في ركوعه نظر ان لم يطمئن في ركوعه فعليه أن يعود إلي الركوع ويعتدل منه وان اطمأن فيعتدل قائما ويسجد منه ولو رفع الراكع رأسه ثم سجد وشك في أنه هل تم اعتداله وجب عليه أن يعتدل قائما
[ ٣ / ٤٠٢ ]
ويعيد السجود وتجب المطأنينة في الاعتدال كما تجب في الركوع وقال في النهاية في قلبي من الطمأنية في الاعتدال شئ فان النبي صلي الله عليه وسلم في المسئ صلاته ذكر الطمأنينة في الركوع والسجود ولم يذكرها في الاعتدال وللقعدة بين السجدتين فقال (ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطئمن ساجدا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسا قال وفي كلام الاصحاب ما يقتضي التردد فيها والمنقول هو الاول ويستحب عند الاعتدال رفع اليدين إلي
[ ٣ / ٤٠٣ ]
حذ والمنكبين فإذا اعتدل قائما حطهما وقال أبو حنيفة لا يرفع لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) ويستحب أن يقول عند الارتفاع سمع الله لمن حمده ويكون بتداؤة برفع الرأس من الركوع ورفع اليدين
[ ٣ / ٤٠٤ ]
والتسميع دفعة واحدة فإذا استوى قائما قال ربنا لك الحمد وروينا في خبر ابن عمر (ولك الحمد) والروايتان معا صحيحتان ويستوى في الذكرين الامام والمأموم والمنفرد خلافا لمالك وأبى حنيفة حيث قالا لا يزيد الامام علي سمع الله لمن حمده ولا المأموم علي ربنا ولك الحمد وأما المنفرد فقد روى صاحب التهذيب عنهما أنه يجتمع بين الذكرين ثم روى مثل مذهبهما عن احمد والاشهر عن
[ ٣ / ٤٠٥ ]
احمد انه يجمع الامام والمنفرد بينهما ولا يزيد المأموم علي ربنا لك الحمد ويستحب أن يزاد فيه ما روى عن عبد الله بن ابى اوفي قال (كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد)
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ (كان يقول مع ذلك اهل اثناء والمجد حق ما قال
[ ٣ / ٤٠٧ ]
العبد كلنا لك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد والامام
[ ٣ / ٤٠٨ ]
لا يأتي بهذه الزيادة الاخيرة ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب قوله ثم يعتدل عن ركوعه ويطمئن إشارة منه إلى واجب الاعتدال لذلك قال عقييه ويستحب رفع اليدين ليمتاز واجبه عن مسنونه
[ ٣ / ٤٠٩ ]
واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الامرين المذكورين بل له واجب ثالث وهو أن لا يقصد بالارتفاع شيئا إخر حتى لو رأى حية في ركوعه فاعتدل فزعا منها لم يعتد به وواجب رابع وهو أن لا يطوله فلو طول عمدا بذكر أو قراءة بطلت صلاته علي الاصح ة نه ركن قصير وسيأتي الكلام فيه من بعد في باب سجود السهو إن شاء الله تعالي وقوله ويستحب رفع اليدين
[ ٣ / ٤١٠ ]
إلي المنكبين يجوز أن يعلم لفظ إلى المنكبين بالوا أو ولان رفع اليدين في الاعتدال وفي الركوع مثل رفعهما في حالة التحريم وقد سبق ثم ذكر الخلاف في أنه يرفع إلى المنكبين أو يزيد فيعود ذلك الخلاف ههنا وقوله ويقول عند رفعه سمع الله لمن حمده يجوز أن يكون المعني عند رفعه رأسه من الركوع ويجوز أن يكون المعنى عند رفعه اليدين لان المستحب في الرفعين المقارنة فما يقارن هذا يقارن
[ ٣ / ٤١١ ]
ذلك أيضا وظاهر الكلام يوهم ان يكون قوله سمع الله لمن حمده وقوله ربنا لك الحمد عند الرفع لكن المستحب أن يكون الاول في حال الرافع والثاني بعد أن يعتدل قائما كما بيناه ولك أن تعلم قوله عند الرفع بالوا وولان القاضى ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله سمع الله لمن حمده وهو راكع ثم إذا ابتدأ به اخذ في الرأس واليدين وقوله يستوى فيه الامام والمنفرد معلم بالحاء والميم وعلي رواية صاحب التهذيب بالالف أيضا * قال (ويستحب (ح) القنوت في الصبح وان نزلت بالمسلمين نازلة ورأى الامام القنوت في سائر
[ ٣ / ٤١٢ ]
الصلوات فقولان ثم الجهر بالقنوت مشروع علي الظاهر والمأموم يؤمن فإذا لم يسمع صوته قنت علي أحد القولين)
[ ٣ / ٤١٣ ]
لما كان القنوت مشروعا في حال الاعتدال ذكره متصلا بالكلام في الاعتدال وإذا كاره (واعلم) أن القنوت يشرع في صلاتين أحدهما من النوافل وهي الوتر في النصف الاخرين من رمضان
[ ٣ / ٤١٤ ]
وسيأتى في باب النوافل والثانية من الفرائض وهى الصبح فيستحب القنوت فيها في الركعة الثانية خلافا
[ ٣ / ٤١٥ ]
لابي حنيفة حيث قال لا يستحب وعن احمد أن القنوت الائمة يدعون للجيوش فان ذهب إليه ذاهب فلا بأس لنا
[ ٣ / ٤١٦ ]
ما روى النبي صلي الله عليه وسلم (قنت شهرايد عو علي فاتلى أصحابه ببئر معونة ثم تركه) فاما في الصبح
[ ٣ / ٤١٧ ]
فلم يقنت حتى فارق الدنيا وروى ذلك عن خلفائه الاربعة رضوان الله عليهم أجمعين ومحله بعد الرفع
[ ٣ / ٤١٩ ]
من الركوع خلافا لمالك حيث قال يقنت قبل الركوع لنا ما روى عن ابن عباس وأبى هريرة وأنس رضي الله
[ ٣ / ٤٢٠ ]
عنهم ان النبي ﷺ (قنت بعد رفع رأسه من الركوع في الركعة الاخيرة) () والقنوت أن يقول
[ ٣ / ٤٢١ ]
(اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن تولني فيمن توليت وبارك لى فيما اعطيت وقنى شر ما قضيت
[ ٣ / ٤٢٥ ]
انك تقضى ولا يقضى عليك لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعايت) هذا القدر
[ ٣ / ٤٢٦ ]
يروى عن الحسن بن على ﵄ ان رسول الله صلى الله والامام لا يخص نفسه بل يذكر
[ ٣ / ٤٣٠ ]
بلفظ الجمع وزاد العلماء ولا يعز من عاديت (قبل تباركت ربنا وتعاليت وبعده) فلك لحمد علي ما قضيت استغفرك
[ ٣ / ٤٣٢ ]
واتوب اليك ولم يستحسن القاضي ابو الطيب كلمة ولا يعز من عاديت وقال لا تضاف العداوة إلى الله تعالى
[ ٣ / ٤٣٣ ]
قال سائر الاصحاب ليس ذلك ببعيد قال الله تعالى (فان الله عدو للكافرين) وهل يسن فيه الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم فيه وجهان (احدهما) لا لان أخبار القنوت لم ترد بها واظهر هما وبه قال الشيخ ابو محمد نعم لانه
[ ٣ / ٤٣٤ ]
روى في حديث السحن انه قال ﷺ تباركت ربنا وتعاليت عليه النبي وسلم وأيضا فقد قال الله تعالي (ورفعنا لك ذكرك) قال المفسرون أي لا أذكر الا وتذكر معي إذا عرفت ذلك فقوله
[ ٣ / ٤٣٥ ]
ويستحب القنوت في الصبح ينبغى ان يعلم بالحاء والالف لما ذكرناه ويجوز ان يعلم بالواو ايضا لان ابا الفضل ابن عبدان حكي عن ابى علي بن ابى هريرة انه قال المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذا صار شعار قوم من المبتدعة إذ الاشتغال به تعريض النفس للتهمة وهذا غريب وضعيف وهل تتعين كلمات القنوت فيه وجهان (احدهما) وهو الذى ذكره المصنف في الوسيط نعم كالتشهد وأظهرهما عند الاكثرين لا بخلاف
[ ٣ / ٤٣٦ ]
التشهد لانه فرض اومن جنس الفرض وعلى هذا قالوا الوقت بما روى عن عمر ﵁ كان حسنا وسنذكره في باب النوافل ان شاء الله تعالي واما ما عدا الصبح من الفرائض فقال معظم الاصحاب
[ ٣ / ٤٣٧ ]
ان نزلت بالمسلمين نازلة من وباء أو قحط فيقنت فيها ايضا في الاعتدال عن ركوع الركعة الاخيرة كما فعل النبي ﷺ في حديث بئر معونة على ما سبق وان لم نتزل نازلة ففيه قولان اصحهما الا يقنت لان النبي ﷺ ترك القنوت فيها والثانى انه يتخير ان شاء قنت والا فلا وعن الشيخ ابي محمد
انه قلب هذا التريب فقال ان لم تكن نازلة فلا قنوت الا في الصبح وان كانت نازلة فعلي قولين: وجه
[ ٣ / ٤٣٨ ]
المنع القياس علي سائر اركان الصلاة وركعاتها لا يراد فيها الدعاء بنزول النوازل وهذه الطريقة الثانية هي التى اوردها في الكتاب فانه خص القولين بما إذا انزلت نازلة اشعار ابانها إذا لم تنزل فلا قنوت في غير الصبح بحال وينبغي ان يعلم قوله فقولان بالواو لان اصحاب الطريقة الاولي قالوا يقنت عند نزول النازلة ونفوا الخلاف فيه واما قوله ورأى الامام القنوت في سائر الصلوات فليس علي معني ان جواز القنوت
[ ٣ / ٤٣٩ ]
فيها للناس موقوف على رأى الامام واذنه بل من أراد القنوت جاز له ذلك وكانه اراد القوم إذا صلوا جماعة فقال ان رأى قنت والقوم يتبعونه كما في الصبح وان اراد ترك ولا بد للمتقدين من الترك ايضا وفيه اشارة إلى انه لا يستحب القنوت في غير الصبح بحال وانما الكلام في الجواز فحيث يجوز فالامر فيه الي اختيار المصلى وهذا قضيه كلام اكثر الائمة ومنهم من يشعر ايراده
[ ٣ / ٤٤٠ ]
بالاستحباب والله اعلم ثم الامام في صلاة الصبح هل يجهر بالقنوت فيه وجهان (احدهما) لا كالتشهد وسائر الدعوات المشروعة في الصلاة (واظهرهما) انه يجهر لانه روى الجهر به عن
[ ٣ / ٤٤١ ]
رسول الله ﷺ وقوله على الظاهر أي من هذين الوجهين وقوله مشروع أي بصفة الاستحباب وليس المراد مجرد الجواز ولفظ الكتاب وإن كان مطلقا
[ ٣ / ٤٤٢ ]
فالوجهان في الامام أنما المنفرد فيسر به كسائر الاذكار والدعوات ذكره التهذيب وأما المأموم فالقول فيه مبنى علي الوجهين في الامام إن قلنا لا يجهر الامام به فيقنت المأموم كما يقنت الامام قياسا
[ ٣ / ٤٤٣ ]
علي سائر الاذكار وإن قلنا يجهر الامام به فان كان المأموم يسمع صوته فوجهان (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه يؤمن ولا يقنت لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (كان يقنت ونحن نؤمن خلفه) والثانى ذكره ابن الصباغ أنه يتخير بين أن يؤمن وبين أن قنت معه فعلي الاول فيماذا يؤمن فيه وجهان حكاما القاضي الرويانى وغيره أوفقهما لظاهر لفظ الكتاب أنه يؤمن في الكل وأظهرهما أنه يؤمن في القدر الذى هو دعاء أما في الثناء فيشاركه أو يسكت وإن كان لا يسمع صوت الامام لبعد وغيره وقلنا أنه لو سمع لا من فههنا وجهان أحدهما يقنت والثاني يؤمن كالوجهين في قراءة السورة إذا كان لا يسمع صوت الامام وإنما لم يجر الخلاف علي قولنا الامام يسر بالقنوت مع جريانه في قراءة السورة في الصلاة السرية على الجملة مجهور بها والقنوت إذا لم
[ ٣ / ٤٤٤ ]
ير الجهر به ينزل منزلة سائر الاذكار فيشارك المأموم الامام فيه لا محالة فهذا حكم الجهر بالقنوت في الصبح وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها فايراده في الوسيط يشعر بانه يسر في السريات وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح وإطلاق غيره يقتضى طرد الخلاف في الكل وحديث بئر معونة يدل علي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات وهل يسن رفع اليدين في القنوت فيه وجهان أحدهما نعم لما روى
[ ٣ / ٤٤٥ ]
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال (إذا دعوت فادع بيطون كفيك فإذا فرغت فاسمح راحتيك علي وجهك) وقد روى الرفع في القنوت عن ابن مسعود بل عن عمر وعثمان
[ ٣ / ٤٤٦ ]
﵃ وهو اختيار أبى زيد والشيخ أبى محمد وابن الصباغ وهو الذى ذكره
[ ٣ / ٤٤٧ ]
في الوسيط وأظهرهما عند صاحبي المهذب والتهذيب أنه لا يرفع لما روى عن أنس ﵁ أن
[ ٣ / ٤٤٨ ]
النبي صلي الله عليه وسلم (لم يكن يفع اليد الا في ثلاثة مواطن الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة) وهذا اختيار القفال واليه ميل امام الحرمين فان قلنا لا يرفع فذاك وان قلنا يوضع فوجهان في أنه هل يمسح بهما وجهه قال في التهذيب اصحهما أنه لا يمسح *
[ ٣ / ٤٤٩ ]
قال (الركن الخامس السجود وأقله وضع الجبهة علي الارض مكشوفة بقدر ما ينطلق عليه الاسم وفي وضع اليدين والركبتين والقديمن قولان فان أوجبنا وضع اليدين ففى كشفهما قولان وكشف الجبهة واجب وان سجد علي طرته (ح) أو كور عمامته (ح) أو طرف كمه المتحرك بحركته لم يجز (ح) والتنكس واجب في السجود وهو استعلاء الاسافل ولو تعذر التنكس بمرض وجب وضع وسادة ليضع الجبهة عليها في أظهر الوجهين) *
[ ٣ / ٤٥٠ ]
الكلام في السجود في الاقل والاكمل (أما الاقل) فهذا الفصل يتكلف ببيانه وفيه مسائل (أحدها) فيما يجب وضعه علي مكان السجود ولابد من وضع الجبهة خلافا لابي حنيفة حيث قال الجبهة والانف يجزئ وضع كل واحد منهما عن الاخر ولا تتعين الجبهه * لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (إذا سجدت فمكن جبهتك من الارض ولا تنقر نقرا) ولا يجب وضع جميع الجبهة علي الارض بل يكفى وضع ما يقع عليه الاسم منها وذكر القاضي ابن كج ان أبا الحسين بن القطان حكى وجها انه لا يكفى وضع البعض لظاهر خبر ابن عمر والمذهب الاول لما روى عن جابر رضي الله
[ ٣ / ٤٥١ ]
عنه قال (رأيت رسول الله ﷺ سجدبا علي جبهته علي قصاص الشعر) ولا يجزى وضع الجبين عن وضع الجبهة وهما جانبا الجبهة وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود فيه قولان (احدهما) وبه قال احمد يجب وهو اختيار الشيخ ابي على لما روى عن ابن عباس ﵄
[ ٣ / ٤٥٢ ]
قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (أمرت أن اسجد على سبعة اعظم على الجبهة واليدين
[ ٣ / ٤٥٣ ]
والركبتين وأطراف القدمين) ويروى علي سبعة آراب * وأظهرهما لا يجب وبه قال أبو حنيفة ويروى عن مالك أيضا لانه لو وجب وضعها لوجب الايماء بها عند العجز ونقريبها من الارض كالجبهة فان
[ ٣ / ٤٥٤ ]
قلنا يجب فيكفى وضع جزء من كل واحد منها والاعتبار في اليدين بباطن الكف وفي الرجلين ببطون الاصابع وإن قلنا لا يجب فيعتمد علي ما شاء منها ويرفع ما شاء ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع هذا هو الغالب أو المقطوع به ولا يجب وضع الانف على الارض في السجود خلافا لاحمد في إحدى الروايتين حيث قال يجب وضعه مع الجبهة لنا ما سبق من حديث جابر ﵁ ومعلوم
[ ٣ / ٤٥٥ ]
أن من سجد باعلي الجبهة لا يكون أنفه علي الارض (الثانية) يجب كشف الجبهة في السجود لما روى عن خباب قال (شكونا الي رسول الله صلي الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا أي لم يزل شكوانا -) ولا يجب كشف الجميع بل يكفى ما يقع عليه الاسم كما في الوضع ويجب أن يكون المكشوف من الموضوع على الارض فلو كشف شيئا ووضع غيره لم يجزو انما يحصل الكشف إذا لم يكن بينه وبين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه فلو سجد علي طرته أو كور عمامته لم يجز لانه لم يباشر
[ ٣ / ٤٥٦ ]
بجبهته موضع السجود وقال ابو حنيفة يجوز السجود على كور العمامة علي الناصية والكم وعلي اليد ايضا
[ ٣ / ٤٥٧ ]
إذا لم تكن مرفوعة عن الارض بحيث لا يبقى اسم السجود وعن احمد روايتان كالمذهبين واختلف
[ ٣ / ٤٥٨ ]
نقل اصحابنا عن مالك * لنا حديث خباب وايضا فقد روى انه ﷺ قال (الزق جبهتك بالارض) ولو سجد علي طرف كمه أو ذيله نظران كان يتحرك بحركته قياما وقعودا لم يجز
[ ٣ / ٤٦٢ ]
ككور العمامة وان طال وكان لا يتحرك بحركته فلا بأس لانه في حكم المنفصل عنه فاشبه ما لو سجد على ذيل غيره وإذا اوجبنا وضع الركبتين والقدمين فلا نوجب كشفهما اما الركبتان فلانهما من العورة أو
[ ٣ / ٤٦٣ ]
متصلان بالعورة فلا يليق بتعظيم الصلاة كشفهما واما القدمان فلانه قد يكون ماسحا علي الخف وفى كشفهما ابطال طهارة المسح وتفويت تلك الرخصة واما اليدان إذا أوجبنا وضعهما ففى كشفهما قولان احدهما يجب
[ ٣ / ٤٦٤ ]
لحديث خباب واصحهما لا يجب لان المقصود من السجود اظهار هيئة الخضوع وغاية التواضع وقد حصل ذلك بكشف الجبهة وأيضا فلانه قد يشق ذلك عند شدة الحر والبرد بخلاف الجبهة فانها بارزة بكل حال فان أوجبنا الكشف كفى كشف البعض من كل واحدة منهما كما ذكرنا في الجبهة (الثالثة) إذا هو من الاعتدال ووضع الجبهة وسائر أعظائه علي الارض فلوضع أعالي
[ ٣ / ٤٦٥ ]
اعضائه مع الاسافل ثلاث هيئات (إحداها) أن تكون الاعالي أعلى كما لو وضع راسه علي شئ مرتفع وكان راسه أعلي من حقوه فلا يجزئه ذلك لان اسم السجود لا يقع علي هذه الهيئة فصار كما لو أكب ومدر جليه (والثانية) أن تكون الاسافل أعلي فهذه هيئة التنكس وهى المطلوبة ومهما كان المكان مستويا فيكون الحقو أعلي لا محالة وان كان موضع الراس مرتفعا قليلا فقد ترتفع أسافله وتحصل هذه الهيئة ايضا (والثالثة) ان يتساوي الاعالي والاسافل لارتفاع موضع الجبهة وعدم رفعه
[ ٣ / ٤٦٦ ]
الاسافل ففيها تردد للشيخ ابى محمد وغيره والاظهر أنه اغير مجزية أيضا وهذا هو المذكور في الكتاب وكذلك أورد صاحب التهذيب حيث قال وحد السجود ان تكون أسافل بدنه أعلى من اعاليه فلو تعذرت
[ ٣ / ٤٦٧ ]
هذه الهيئة لمرض أو غيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة عليها ام يكفى انهاء الرأس إلى الحد الممكن من غير وضع الجبهة على شئ فيه وجهان حكاهما في النهاية (اظهرهما) عند صاحب
الكتاب انه يجب وضع شئ ليضع الجبهة عليه لان الساجد يلزمه هيئة التنكس ووضع الجبهة فإذا تعذر احد الامرين يأتي بالثاني محافظة على الواجب بقدر الامكان (والثانى) انه لا يجب ذلك لان هيئة السجود فاتتة وان وضع الجبهة علي شئ فيكفيه الانحناء بالقدر الممكن وهذا اشبه بكلام الاكثرين ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الارض وقدر على وضعها علي سادة مع رعاية هيئة التنكس يلزمه ذلك ولو عجز عن الانحناء أشار بالرأس ثم بالطرف كما تقدم نظيره هذا شرح مسائل الكتاب: واما ما يتعلق بالفاظه (فقوله) واقله وضع الجبهة يجوز أن يعلم بالحاء لان عنده الجبهة غير متعينة كما سبق (وقوله) مكشوفة كذلك لان عنده يجوز أن يسجد على كور العمامة وقوله بقدر ما ينطلق عليه الاسم يجوز ان يرجع إلي القدر الموضوع منها ويجوز أن يرجع إلى المكشوف
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وعلى التقديرين فليعلم بالواو اشارة إلى الوجه الذى حكاه ابن القطان (وقوله) فان اوجبنا وضع اليدين ففى كشفهما قولان بعد ذلك القولين فيهما وفي الركبتين والقدمين جميعا ففيه تنبيه علي ان كشف الركبتين والقدمين لا يجب لا خلاف (وقوله) وكشف الجبهة واجب لا حاجة إليه بعد قوله اولا مكشوفة واعلم انه يعتبر في اقل السجود وراء ما ذكره امور (احدها) الطمأنينة كما في الركوع خلافا لابي حنيفة وكانه ترك ذكرها ههنا اكتفاء بما سبق (والثانى) لا يكفى في وضع الجبهة الامساس بل يحب ان يتحامل علي موضع سجوده بثقل راسه وعنقه حتى تستقر جبهته وتثبت قال ﷺ (مكن جبهتك من الارض) فلو كان يسجد علي قطن أو حشيش أو علي شئ محشو بهما فعن الشيخ ابى محمد انه ينبغي ان يتحامل قدر ما يظهر اثره علي يده لو فرضت تحته وقال في التهذيب
[ ٣ / ٤٦٩ ]
ينبغى ان يتحامل عليه حتى ينكنس وتثبت جبهته عليه فان لم يفعل لم يجزه والكلامان متقاربان وقال امام الحرمين بل يكفى عندي ان يرخي رأسه ولا يقله ولا حاجة إلى التحامل كيفما فرض موضع السجود لان الغرض ابداء هيئة التواضع وذلك لا يحصل بمجرد الامساس فانه مادام يقل رأسه كان كالضنين بوضعه فإذا ارخي حصل الغرض بل هو اقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل واليه الاشارة بقول عائشة ﵂ (رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم في سجوده كالخرقة البالية) وهذا
[ ٣ / ٤٧٠ ]
ما أورده المصنف في الوسيط (الثالث) ينبغي ان لا يقصد بهويه غير السجود فلو سقط علي الارض من الاعتدال قبل قصد الهوى للسجود لم يحسب بل يعود الي الاعتدال ويسجد منه ولو هوى ليسجد فسقط على الارض بجبهته نظران وضع جبهته علي الارض بنية الاعتماد لم يحسب عن السجود وان لم تحدث هذه النية يحسب ولو هوى ليسجد فسقط علي جنبه فانقلب واتى بصورة السجود على قصد الاستقامة والاشتداد لم يعتد به وان قصد السجود اعتد به والله اعلم * قال (اما اكمل السجود فليكن اول ما يقع منه على الارض ركبتاه (ح م) وليكبر عند الهوى ولا يرفع اليد ويقول سبحان ربى الاعلي ثلاث مرات ويضع الانف مع الجبهة مكشوفا ويفرق بين ركبتيه ويجافى مرفقيه وجنبيه ويقل بطنه عن فحذيه وهو التخويه والمراة لا تخوى ويضع يديه بازاء منكبيه منشورة الاصابع ومضمومتها) *
[ ٣ / ٤٧١ ]
السنة أن تكون أول ما يقع من الساجد علي الارض ركبتاه ثم يداه ثم أنفه وجبهته خلافا لمالك حيث قال يضع يديه قبل ركبتيه وربما خير فيه * لنا ما روى وائل بن حجر ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) ويبتدئ التكبير مع ابتداء الهوى وهل يمد أو يحذف فيه ما سبق من القولين ولا يرفع اليد مع التكبير ههنا لما روى عن ابن عمر
[ ٣ / ٤٧٢ ]
﵄ أن النبي ﷺ (كان لا يرفع يديه في السجود) ويقول في سجوده سبحان ربي الاعلي ثلاثا لما روينا من الخبر في فصل الركوع وذلك أدناه والافضل أن يضيف إليه ما روى عن علي ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم (أنه كان يقول في سجوده اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين) وهذا أتم الكمال وما ذكرناه في فصل الركوع ان المستحب لذمام ماذا وللمنفرد ماذا يعود كله ههنا ويستحب للمنفرد أن يجتهد في الدعاء في سجوده ويضع الساجد الانف مع الجبهة مكشوفا لما روى عن أبى حميد قال (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم
إذا سجد مكن أنفه وجبهته من الارض ونجى يديه عن جنبيه ووضع كيفيه حذو منكبيه ويجوز أن يعلم قوله ويضع الانف بالالف لانه معدود من السنن وقد بينا ان احدى الروايتين عن احمد ان الجمع بين وضع الانف والجبهة واجب ويستحب له أن يفرق بين ركبتيه وبين مرفقيه وجنبيه وبين بطنه وفخذيه: أما التفريق بين الركبتين فمنقول عن فعل رسول الله ﷺ في بعض الاخبار وأما بين المرفقين والجنبين
[ ٣ / ٤٧٣ ]
فقد رواه أبو حميد كما سبق وأما بين البطن والفخذين فقد روى عن البراء ﵁ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وهذه الجملة يعبر عنها بالتخوية وهو ترك الخرواء بين الاعضاء روى انه ﷺ (كان إذا سجد خوي في سجود) والمرأة لا تفعل ذلك بل تضم بعضها إلى بعض فانه أتسر لها ويضع
[ ٣ / ٤٧٤ ]
يديه بازاء منكبيه لما سبق من حديث ابى حميد ولتكن الاصابع منشورة ومضمومة مستطيلة في جهة القبلة لما روى عن وائل بن حجر ﵁ أن النبي ﷺ (كان إذا سجد ضم اصابعه) وعن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان إذا سجد وضع أصابعه تجاه القبلة) قال الائمة وسنة أصابع اليدين إذا كانت منشورة في جميع الصلاة التفريج المقتصد الا في حالة السجود وينبغى
[ ٣ / ٤٧٥ ]
ان لا يفرش ذراعيه بل يرفعهما وأما أصابع القدمين فيوجهها الي قدميه وتوجيهها الي القبلة انما يحصل بالتحامل عليها والاعتماد علي بطونها وقال في النهاية الذى صححه الائمة انه يضع أطراف الاصابع علي الارض من غير تحامل والاول أظهر والله أعلم * قال (ثم يجلس مفترشا (ح) بين السجدتين حتي يمئن ويضع يديه قريبا من ركبتيه منشورة الاصابع ويقول اللهم اغفر لى واجبرني وعافني وازرقني واهدنى) *
[ ٣ / ٤٧٦ ]
يجب أن يعتدل جالسا بين السجدتين خلافا لابي حنيفة ومالك حيث قالا لا يجب بل يكفى ان يصير الي الجلوس اقرب وربما قال اصحاب ابي حنيفة يكفى أن يرفع رأسه قدر ما يمر السيف
[ ٣ / ٤٧٧ ]
* عرضا بين جبهته وبين الارض * لنا قوله صلي الله عليه وسلم في خبر المسئ صلاته (ثم اسجد حتي تطمئن ساجدا ثم ارفع راسك حتي تعتدل جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا) ويجب فيه الطمأنينة لانه
[ ٣ / ٤٧٨ ]
قد روى في بعض الروايات (ثم ارفع حتي تطمئن جالسا) وينبغى ان لا يقصد بالارتفاع شيئا
[ ٣ / ٤٧٩ ]
آخر وان لا يطول الجلوس كما ذكرنا في الاعتدال عن الركوع والسنة أن يرفع رأسه مكبرا لما تقدم من الخبر وكيف يجلس المشهور وهو الذي ذكره في الكتاب انه يجلس مفترشا لما روى عن ابى حميد الساعدي ﵁ في وصفه صلاة النبي صلي الله عليه وسلم (فلما رفع رأسه من السجدة الاولى
[ ٣ / ٤٨٠ ]
ثنى رجله اليسرى وقعد عليها وحكى قول آخر أنه يضجع قدميه ويجلس يروى ذلك عن ابن عباس ﵄ فليعلم قوله مفترشا بالقاف لذلك وبالميم أيضا لان أصحابنا
[ ٣ / ٤٨١ ]
حكوا عن مالك أنه أمر بالتورك في جميع جلسات الصلاة ويضع يديه علي فخذيه قريبا من ركبتيه منشورة الاصابع قال في النهاية ولو انعطف أطرافها على الركبة فلا بأس ولو تركها علي الارض من
[ ٣ / ٤٨٢ ]
جانبي فخذ به كان كارسالها في القيام ويقول في جلوسه اللهم اغفر لى واجبرني وعافنى وارقني واهدنى وقال ابو حنيفة لا يسن فيه ذكر: لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول ذلك ويروي وارحمني بدل واجبرني * قال (ثم يسجد سجدة أخرى مثلها ثم يجلس جلسة خفيفة للاستراحة ثم يقوم مكبرا واضعا يديه علي الارض كما يضع العاجن) *
[ ٣ / ٤٨٣ ]
مضمون الفصل مسألتان (أحداهما) أنه يسجد السجدة الثانية مثل السجدة الاولى في واجباتها ومندوباتها بلا فرق (الثانية) إذا رفع رأسه من السجدة الثانيه في ركعة لا يعقبها تشهد
[ ٣ / ٤٨٤ ]
فما الذى يفعل نص في المختصر أنه يستوى قاعدا ثم ينهض وفي الام أنه يقوم من
[ ٣ / ٤٨٥ ]
السجدة وللاصحاب فيه طريقان (أحدهما) أن فيها قولين (أحدهما) انه يقوم من السجدة الثانية ولا يجلس وبه قال ابو حنيفة ومالك واحمد لما روى عن وائل أن النبي ﷺ (كان إذا رفع راسه من السجدتين استوى قائما) (وأصحهما) وهو المذكور
[ ٣ / ٤٨٦ ]
في الكتاب انه يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم وتسمي هذه الجلسة جلسة الاستراحة ووجهه ما روى عن مالك بن الحويرث انه رأى النبي صلي الله عليه وسلم (يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض
[ ٣ / ٤٨٧ ]
حتى يستوى) قاعدا ووصف أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين صلاة النبي صلي الله عليه وسلم (فذكر هذه الجلسة) (والطريق الثاني) قال ابو اسحق المسألة علي حالتين
[ ٣ / ٤٨٨ ]
إن كان بالمصلي ضعف لكبر وغيره جلس للاستراحة والا فلا (فان قلنا) لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع وينهيه مع استوائه قائما ويعود قول الحذف كما تقدم (وان قلنا) يجلس فمتى يبتدئ التكبير فيه وجهان (أحدهما) أنه يرفع راسه غير مكبر ويبتدئ التكبير جالسا ويمده الي ان يقوم لان الجلسة للفصل بين الركنين فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير كما إذا قام إلي الركعة الثالثة ويحكى هذ عن اختيار القفال (واصحهما) أنه يرفع رأسه مكبرا لما روى انه ﷺ (كان يكبر في كل خفض ورفع) فعلى هذا فمتى يقطع فيه وجهان (أحدهما) أنه يمده الي أن يقوم ويخفف الجلسة حتى لا يخلو شئ من صلاته عن الذكر وهذان الوجهان الاخيران كأنهما المفرعان علي أن التكبير يمد ولا يحذف وإذا
[ ٣ / ٤٨٩ ]
لم يميز الابتداء عن الانتهاء حصل في وقت التكبير ثلاثة أوجه وصاحب الكتاب أورد منها في الوسيط (الاول) الذى اختاره القفال والثانى الذى قال به ابو اسحق ولم يورد الثالث الذى هو الاظهر عند جمهور الاصحاب وكذلك
[ ٣ / ٤٩٠ ]
فعل إمام الحرمين والصيدلاني وقوله ههنا ثم يقوم مكبرا بعد قوله ثم يجلس لاختيار القفال وهو أبعد الوجوه عند الاكثرين ويجب أن يعلم قوله مكبرا بالواو اشارة الي الوجه الثاني وهو أنه يقوم عن الجلسة غير مكبر والي الوجه الثالث ايضا فانه عند القائلين به لا يقوم مكبرا إنما يقوم متمما للتكبير ولا خلاف في أنه لا يكبر تكبيرتين والسنة في هيئة جلسة الاستراحة الافتراش كذلك رواه أبو حميد ثم سواء قام من جلسة الاستراحة أو من السجدة فانه يقوم معتمدا علي الارض بيديه فلافا لابي حنيفة حيث قال يقوم معتمدا على صدور قدميه ولا يعتمد بيديه علي الارض: لنا ما روى عن مالك بن الحويرث ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ (فلما رفع راسه من السجدة الاخيرة في الركعة الاولى واستوى قاعدا قام واعتمد علي الارض بيديه) وعن اين عباس ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان إذا قام في صلاته وضع يديه علي الارض كما يضع العاجن قال صاحب المجمل العاجن هو الذى إذا نهض اعتمد على يديه كبرا كأنه يعجن أي الخمير ويجور أن يكون معنى الخبر كما يضع عاجن الخمير وهما متقاربان
[ ٣ / ٤٩١ ]
قال (الركن السادس التشهد) الاول سنة والقعود فيه علي هيئة الافتراش (م) لانه مستوفز للحركة والمسبوق يفترش في التشهد الاخير لاستيفازه ومن عليه سجود السهو هل يفترش فيه خلاف والافتراش أن يضجع الرجل اليسرى ويجلس عليها وينصب القدم اليمنى ويضع اطراف الاصابع علي الارض والتورك سنة في التشهد الاخير (ح) وهو أن يضع رجليه كذلك ثم يخرجهما من جهة يمينه ويمكن وركه من الارض) *
[ ٣ / ٤٩٢ ]
أدرج في هذا الركن اركانا ثلاثة (القعود) (والتشهد) (والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم) ولو فصل
العقود والتشهد والصلاد علي النبي صلي الله عليه وسلم عنهما لجاز كما فصل القيام عن القراءة فان القيام للقراءة كالقعود لهما وهكذا فعل في ترجمة الاركان وعدها ثلاثة: وففه الفصل أن التشهد والقعود ينقسمان إلى واقعين في آخر الصلاة كتشهد الصبح وتشهد الركعة الرابعة من الظهر والي واقعين لا في آخر
[ ٣ / ٤٩٣ ]
الصلاة كالتشهد بعد الثانية من الظهر (فالاول) من القسمين مفروض مسنون ثم لا يتعين للعقود هيئة متعينة فيما يرجع إلى الاجزاء بل يجزئه القعود علي أي وجه كان لكن السنة في العقود في آخر الصلاة التورك وفي العقود الذى لا يقع في إخرها الافتراش وقال احمد إن كانت الصلاة ذات تشهدين تورك في الاخر وان كانت ذات تشهد واحد افترش فيه والافتراش أن يضجع الرجل اليسرى بحيث يلي ظهرها الارض ويجلس عليها وينصب اليمنى ويضع أطراف اصابعها علي الارض موجهة إلى القبلة والتورك أن يخرج رجليه وهما علي هيئتهما في الافتراش من جهة يمينه ويمكن الورك من الارض وقال ابو حنيفة السنة في العقودين
[ ٣ / ٤٩٤ ]
الافتراش وقال مالك السنة فيهما التورك: لنا ما روي عن أبى حميد الساعدي انه وصف صلاة رسول الله ﷺ فقال (فإذا جلس في الركعتين جلس علي رجله اليسرى ونصب اليمني فإذا جلس في الركعة الاخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الاخرى وقعد علي مقعدته) والفرق من جهة المعنى ان المصلي في التشهد الاول مستوفز للحركة يبادر إلى القيام عند تمامه وذلك عن هيئة الافتراش أهون وأما الجلسة الاخيرة فليس بعدها عمل فيناسبها التورك الذى هو هيئة السكون والاستقرار ويترتب على هذه القاعدة مسألتان (احداهما) المسبوق إذا جلس مع الامام في تشهده الاخير يفترش ولا يتورك نص عليه لانه مستوفز يحتاج الي القيام عند سلام الامام ولانه ليس آخر صلاته والتورك انما ورد في آخر الصلاة وحكى الشيخ ابو محمد وجها عن بعض الاصحاب انه يتورك متابعة لامامه وذكر ابو الفرج البزار ان ابا طاهر الزيادي حكي في المسألة - هذين الوجهين ووجها ثالثا (انه) ان كان محل تشهد المسبوق كأن ادرك ركعتين من صلاة الامام جلس منتصبا والا جلس متوركا لان أصل الجلوس لمحض المتابعة فيتابعه في هيئته أيضا والاكثرون علي الوجه الاول (الثانية) إذ قعد في التشهد الاخير وعليه سجود سهو فهل يفترش ام
يتورك فيه وجهان (احدهما) يتورك لانه قعود آخر الصلاة وقال الرويانى في التلخيص وهو ظاهر المذهب
[ ٣ / ٤٩٥ ]
(والثاني) انه يفترش ذكره القفال وساعده الاكثرون لانه يحتاج بعد هذا القعود إلي عمل وهو السجود فاشبه التشهد الاول بل السجود عن هيئة التورك أعسر من القيام عنها فكان اولي بان لا يتورك وايضا فلانه جلوس يعقبه سجود فاشبه الجلوس بين السجدتين وينبغي ان يعلم قوله والتشهد الاول مسنون بالالف لان احمد يقول بوجوبه: لنا أنه صلي الله عليه وسلم (قام من اثنين من الظهر أو العصر ولم يجلس فسبح الناس به فلم يعد فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين ثم سلم) ولو كان واجبا لعاد إليه ولما جبره السجود ولا تخفي سائر المواضع المستحقة للعلامات (وقوله) ويضع اطراف الاصابع علي الارض كذلك أي منتصبة (وقوله) في التورك ان يضجع رجليه كذلك أي عمل هيئتهما في الافتراش فاليمني منصوبة مرفوعة العقب واليسرى مضجعة * قال (ثم اليد اليسرى علي طرف الركعة منشورة مع التفريج المقتصد واليد اليمنى يضعها كذلك لكن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة وفي الابهام أوجه (قيل) يرسلها (وقيل) يحلق الابهام والوسطى (وقيل) يضمها إلي الوسطى المقبوضة كالقابض ثلاثا وعشرين ثم يرفع مسبحته في الشهادة عند قوله الا الله وفي تحريكها عند الرفع خلاف) *
[ ٣ / ٤٩٦ ]
السنة في التشهدين جميعا ان يضع يده اليسرى علي فخذه اليسرى لما روى أنه صلي الله عليه وسلم (كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى) وينبغي ان ينشر أصابعه ويجعلها قريبة من طرف الركبة بحيث تسامت رؤسها الركبة وهل يفرج بين أصابع اليسرى أو يضمها الذى ذكره في الكتاب أنه يفرج تفريجا مقتصدا وهذا هو الاشهر الا تراهم قالوا لا يؤمر بضم الاصابح مع نشرها إلا في السجود علي ما قدمناه وحكى الكرخي وغيره من أصحاب الشيخ ابى حامد أنه يضم بعضها إلى بعض حتي الابهام ليتوجه جميعها إلي القبلة وهكذا ذكر القاضي الرويانى فليكن قوله مع التفريج معلما بالواو وأما كونه مقتصدا فليس من خاصية هذا الموضع بل لا يؤمر بالتفريج المتفاحش في موضع ما اما اليد اليمنى فيضعها على طرف الركبة
اليمنى كما ذكرنا في اليسرى وهو المراد من قوله فيضعها كذلك ولكن لا ينشر جميع أصابعه بل يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة وفيما يفعل بالابهام والوسطي ثلاثة اقاويل أحدها انه يقبض الوسطى مع البنصر ويرسل
[ ٣ / ٤٩٧ ]
الابهام مع المسبحة لما روى انه ابا حميد الساعدي وصف رسول الله صلي الله عليه وسلم فذكر انه كان يفعل هكذا) والثانى أنه يحلق بين الابهام والوسطي لما روى عن وائل بن حجر ان النبي صلي الله عليه وسلم فعل هكذا) وفي كيفية التحليق وجهان (احدهما) أنه يضع أنملة الوسطي بين عقدتي الابهام (وأصحهما)
[ ٣ / ٤٩٨ ]
انه يحلق بينهما برأسيهما والقول (الثالث) وهو الاصح انه يقضبها لما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى علي فخذه اليمني وقبض أصابعه كلها وأشار بالاصبع التي تلى الابهام) وفي كيفية وضع الابهام على هذا القول وجهان (أحدهما) أنه يضعها علي أصبعه الوسطى كانه عاقد ثلاثة وعشرين لما روي عن ابن الزبير ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يضع ابهامه عند الوسطي) وأظهرهما انه يضعها بجنب المسبحة كانه عاقد ثلاثة وخمسين لما روى عن ابن عمر ﵄ ان النبي ﷺ (كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليمني علي ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين واشار بالسبابة) ثم قال ابن الصباغ وغيره كيفما فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة لان الاخبار قد وردت بها جميعا وكأنه صلي الله عليه وسلم كان يضع مرة
[ ٣ / ٤٩٩ ]
هكذا ومرة هكذا وعلى الاقوال كلها فيستحب له أن يرفع مسبحته في كلمة الشهادة إذا بلغ همزة الا الله خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يرفعها * لنا ما سبق انه كان يشير بالسبابة وهل يحركها عند الرفع فيه وجهان (أحدهما) نعم لما روى عن وائل ﵁ قال (ثم رفع رسول الله صلي الله عليه وسلم أصبعه فرأيته يحركها) (وأصحهما) لا لما روى عن ابن الزبير ﵁ (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان ى يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره اشارته) (وقوله) في الكتاب ويقبض الخنصر والبنصر والوسطى ان أراد بالقبض ههنا القدر الذى يشارك فيه الوسطى الخنصر والبنصر وهو ترك البسط
والارسال فهذا لا خلاف فيه وان أراد أنه يصنع بالوسطي ما يصنع بالخنصر والبنصر فهذا تنازع فيه قول التحليق فاعرفه واما التعبير عن الخلاف المذكور بالاوجه فانما اقتدى فيه بامام الحرمين
[ ٣ / ٥٠٠ ]
وعامة الاصحاب حكوه أقوالا منصوصة للشافعي ﵁ معزية إلى كتبه (وقوله) يرسلها هو القول الاول والتحليق (الثاني) والذى ذكره آخر أحد الوجهين على القول الثالث (وقوله) ثم يرفع
[ ٣ / ٥٠١ ]
معلم بالحاء (وقوله) عند قوله الا الله يجوز ان يعلم بالواو لان الكرخي حكى وجهين في كيفية الاشارة بالمسبحة (اصحهما) انه يشير بها وقت التشهد وهو الذى ذكره الجمهور (والثاني) أنه يشير بها في جميع التشهد *
[ ٣ / ٥٠٢ ]
قال (أما التشهد الاخير فواجب (ح م) والصلاة علي الرسول ﵇ واجبة معه (ح م) وعلي الال قولان وهل تسن الصلاة على الرسول في الاول قولان) * القعود للتشهد الاخير والتشهد فيه واجبان خلافا لابي حنيفة حيث قال القعود بقدر التشهد واجب ولا يجب قراءة التشهد فيه ولمالك حيث قال لا يجب لا هذا ولا ذاك.
لنا أن ابن مسعود ﵁ قال (كانا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله قبل عباده السلام علي جبريل) الي آخره دل علي انه قد فرض ثم التشهد الاخير انما يكون لصلاة لها تشهد أول وقد تكون الصلاة بحيث لا يشرع فيها الا تشهد واحد كالصبح والجمعة فحكمه حكم التشهد الاخير في ذات التشهدين والعبارة الجامعة أن يقال: التشهد الذى يعقبه التحلل عن الصلاة واجب وتجب الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم في التشهد الواجب خلافا لابي حنيفة ومالك * لنا ما روى عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (لا يقبل الله صلاة الا بطهور والصلاة على) وهل تجب الصلاة علي الال فيه قولان
[ ٣ / ٥٠٣ ]
وبعضهم يقول وجهان (أحدهما) تجب لظاهر ما روى انه قيل يا رسول كيف نصلي عليك فقال (قولوا
[ ٣ / ٥٠٤ ]
(اللهم صلي علي محمد وعلي آل محمد (واصحهما) لا وانما هي سنة تابعة للصلاة على النبي ﷺ وهل يسن الصلاة علي الرسول في التشهد الاول فيه قولان (أحدهما) وبه قال أبو حنيفة واحمد لا لانها
[ ٣ / ٥٠٥ ]
مبنية علي التخفيف روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان في التشهد الاول كمن يجلس علي الرضف) وهي الحجارة المحماة وذلك يشعر بانه ما كان يطول بالصلاة الدعاء (وأصحهما) ويروي عن مالك أنها تسن لانها ذكر يجب في الجلسة الاخيرة فيسن في الاولي كالتشهد وأما الصلاة فيه علي الآل فتبنى علي ايجابها في التشهد الاخير ان أوجبناها ففى استحبابها في الاول الخلاف المذكور في الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم وان لم نوجبهها وهو الاصح فلا نستحبها في الاول وإذا قلنا لا تسن
[ ٣ / ٥٠٦ ]
الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم في الاول فصلي عليه كان ناقلا للركن الي غير موضعه وفي بطلان الصلاة به كلام يأتي في باب سجود السهو وكذا إذا قلنا لا يصلي علي النبي صلي عليه وسلم في
[ ٣ / ٥٠٧ ]
القنوت وهكذا الحكم إذا أوجبنا الصلاة على الآل في الاخير ولم نستحبها في الاول فاتي بها وآل النبي صلي الله عليه وسلم بنو هاشم وبنو المطلب نص عليه الشافعي ﵁ وفيه وجه أن كل مسلم آله * قال (ثم أكمل التشهد مشهور وأقله التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهو القدر المتكرر في جميع الروايات واوجز ابن سريج بالمعنى وقال التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام علينا وعلي عباد
[ ٣ / ٥٠٨ ]
الله الصالحين أشهد ان لا إله الا الله وان محمدا رسوله) * الكلام في أكل التشهد ثم في اقلة: أما أكمله فاختار الشافعي رصي الله عنه ما رواه ابن عباس
رصي الله عنهما وهو التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وبركاته سلام علينا وعلي عباد الله الصالحين اشهد ان لا إله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله هكذا روى الشافعي ﵁ وروى غيره السلام عليك السلام علينا باثبات الالف واللام وهما صحيحان ولا فرق وحكى في النهاية عن بعضهم أن الاصل اثبات الالف واللام وقال ابو حنيفة واحمد الافضل ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم وهو (التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله) وقال مالك الافضل ان يتشهد بما علمه عمر بن الخطاب ﵁ الناس علي المنبر وهو (التحيات لله الزاكيات لله الطيبات
[ ٣ / ٥١٠ ]
لله الصلوات لله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته إلى آخره) كما رواه ابن مسعود ﵁ ووجه اختيار الشافعي ﵁ يستوى في الخلاف عن أن الامر فيه قريب فان الفضيلة تتأدى بجميع ذلك ثم جمهور الاصحاب علي أنه لا يقدم التسمية لما روي انه صلي الله عليه وسلم كان اول ما يتكلم به عند القعدة التحيات لله وعن أبى علي الطبري وغيره من اصحابنا أن الافضل أن يقول
[ ٣ / ٥١١ ]
بسم الله وبالله التحيات ويروى بسم الله خير الاسماء نقل عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ وعن بعض أصحابنا أن الافضل أن يقول التحيات المباركات الزاكيات والصلوات والطيبات لله ليكون آتيا بما اشتملت عليه الروايات كلها: واما الاقل فالمنقول عن نص الشافعي ﵁ أن أقل التشهد التحيات لله سلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلي عباد الله الصالحين اشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله هكذا روى اصحابنا العراقيون وتابعهم القاضى الروياني وكذا صاحب التهذيب الا انه نقل واشهد ان محمدا رسوله واسقط الصيدلاني في نقل نصه كلمة وبركاته وجعل صيغة الشهادة الثانية واشهد ان محمدا رسول الله وهذا هو الذى أورده في الكتاب وحكاية القاضى بن كج فإذا حصل الخلاف في المنقول عن الشافعي
﵁ في ثلاثة مواضع (أحدها) في كلمة وبركاته (والثاني) في كلمة وأشهد في الكرة الثانية (والثالث) في لفظ الله في الشهادة الثانية فمنهم من اكتفى بقوله رسوله ثم نقلوا عن ابن سريج في الاقل طريقة أخرى وهى التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام علي عباد الله الصالحين اشهد ان لا اله إلا الله وأن محمدا رسوله هذا ما ذكره في الكتاب ورواه طائفة وأسقط بعضهم لفظ السلام الثاني واكتفى بان يقول أيها النبي وعلي عباد الله الصالحين وأسقط بعضهم لفظ الصالحين ويحكى هذا عن الحليمي ووجه ذلك بان لفظ العباد مع الاضافة ينصرف غالبا إلي الصالحين كقوله تعالي (عينا يشرب بها عباد الله) ونظائره فاستغنى بالاضافة عنه ثم قال الائمة كأن الشافعي ﵁ اعتبر
[ ٣ / ٥١٢ ]
في حد الاقل ما رآه مكررا في جميع الروايات ولم يكن تابعا لغيره به الروايات أو كان تابعا لغيره جوز حذفه وابن سريح نظره إلي المعنى وجوز حذف ما يتغير به المعنى واكتفى بذكر السلام عن الرحمة والبركة وقال وابن بدخولها فيه: وقوله في الكتاب وهو القدر المتكرر في جميع الروايات وأوجر ابن سريج بالمعني الشارة إلي هذا الكلام لكن لم بتعرض إلا للتكرر في جميع الروايات ولابد من التعرض للوصف الاخير وهو أن لا يكون تابعا للغير وإلا فالصلوات والطيبات متكررة جميع الروايات وقد جوز حذفها * واعلم أن ما ذكره الاصحاب من اعتبار التكرر وعدم التبعية أن جعلوه ضابطا لحد الاقل فذلك وان عللوا حد الاقل به ففيه إشكال لان التكرر في الروايات يشعر بانه لابد من القدر المتكرر فاما انه مجزى فلا ومن الجائر أن يكون المجرى هذا القدر مع ما تفردت به كل رواية: ولك أن قوله في طريقة الشافعي ﵁ وأشهد في الكرة الثانية بالواو وكذا كلمة السلام الثاني والصالحين في طريقة ابن سريج اشارة إلى ما سبق من الخلاف *
[ ٣ / ٥١٣ ]
قال (ويقول بعد اللهم صلى علي محمد علي آل محمد ثم ما بعده مسنون إلي قوله حميد مجيد ثم الدعاء بعده مسنون وليخير كل من الدعاء أعجبه إليه)
[ ٣ / ٥١٤ ]
أقل الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم أن يقول اللهم صل على محمد ولو قال صلي الله
علي محمد أو صلي الله علي رسوله جاز وفي وجه يجوز أن يقتصر علي قوله صلي الله عليه وسلم والكناية ترجع الي ذكر محمد صلي الله عليه وسلم في كلمة الشهادة وهذا نظر الي المعنى: وأقل الصلاة على الال أن يقول وآله ولفظ الكتاب يشعر بأنه يجب أن يقول وعلي آل محمد لانه ذكر ذلك ثم حكم بان ما بعده مسنون والاول هو الذى ذكره صاحب التهذيب وغيره والاولى أن يقول اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي ابراهيم وعلي آل ابراهيم وبارك علي محمد
[ ٣ / ٥١٥ ]
وعلي آل محمد كما باركت علي ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد.
روى كعب بن عجرة أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل عن كيفية الصلاة عليه فامرهم بذلك قال الصيدلانى ومن الناس من يزيد وارحم محمدا: وآل محمد كما رحمت علي ابراهيم وربما يقول كما ترحمت على ابراهيم قال وهذا لم يرد في الخبر وهو غير فصيح فانه لا يقال ترحمت عليه وانما يقال رحمته وأما الترحم ففيه معنى التكلف والتضنع فلا يحسن اطلاقه في حق الله تعالي * ثم يستحب الدعاء في التشهد الاخير بعد الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم وعلي آله وأن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والاخرة خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يدعو الا بما يشبه الفاظ القرآن والادعية المأثورة عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا يدعو بما يشبه كلام الناس ومن اصحابه من قال يجزى الدعاء بما لا يطلب الا من الله تعالي فاما إذا دعا بما يمكن أن يطلب من الآدميين بطلت صلاته: وقال احمد إذا قال اللهم ارزقني جارية حسناء ونحو ذلك فسدت صلاته * لما روى عن ابن مسعود ﵁ في آخر حديث التشهد أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (ثم ليتخير من الدعاء اعجبه إليه فيدعو) وروى أنه قال (وليدع بعد ذلك بما شاء) والافضل أن يكون دعاؤه لامور الاخرة وما ورد في الخبر أحب من غيره ومن ذلك (اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما اعلنت وما اسررت وما اسرفت وما انت اعلم به منى انت المقدم وانت المؤخر لا إله
[ ٣ / ٥١٦ ]
إلا أنت) وايضا (اللهم اني اعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسسيح الدجال) وايضا (اللهم انى اعوذ بك من المأثم والمغرم) (اللهم انى ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك انك انت الغفور الرحيم) وقوله ثم الدعاء بعده مسنون
أي في التشهد الاخير فاما في الاول فيكره بل لا يصلي على الال ايضا علي الصحيح كما سبق ويجوز ان يعلم قوله مسنون بالواو لانه يقتضى الاستحباب مطلقا وقد ذكر الصيدلاني في طريقته أن المستحب للامام أن يقتصر علي التشهد والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ليخفف علي من خلفه فان دعا جعل دعاءه دون قدر التشهد ولا يطول وأما المنفرد فلا بأس له بالتطويل هذا
[ ٣ / ٥١٧ ]
ما ذكره والظاهر الذى نقله الجمهور أنه يستحب للامام الدعاء كما يستحب لغيره ثم الاحب أن يكون الدعاء أقل من النشهد والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم لانه تبع لهما فان زاد لم يضر الا ان يكون اماما فيكره له التطويل وقوله وليتخير معلم بالحاء والالف لما روينا ويجوز أن يعلم بالواو ايضا لان امام الحرمين حكى في النهاية عن شيخه انه كان يتردد في مثل قوله اللهم ارزقني جارية صفتها كذا ويميل إلى المنع منه وانه يبطل الصلاة * قال (فرع العاجز عن التشهد يأتي بترجمته كتكبيرة التحرم والعاجز عن الدعاء بالعربية لا يدعو بالعجمية بحال وفى سائر الاذكار هل يأتي بتجمتها بالعجمية فيه خلاف) * لا يجوز لمن احسن التشهد بالعربية ان يعدل الي ترجمته كالتكبير وقراءة الفاتحة فان عجز أتى بترجمته كتكبيرة الاحرام بخلاف القرآن لا يأتي بترجمته لان نظمه معجز كما سبق والصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم وعلي الال ان اوجبناها كالتشهد واما ما عدا الواجبات من لالفاظ المشروعة في الصلاة إذا عجز عنها بالعربية فقد قسمها المصنف قسمين (احدهما) الدعاء فمنعه من ان يدعو بالعجمية مطلقا (والثاني) سائر الاذكار كثناء الاستفتاح والقنوت وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود فقد روى منها في الوسيط ثلاثة أوجه (أحدها) ليس له أن يأتي بترجمتها لانها مسنونة لا ضرورة الي الاتيان بها (والثانى) أنه يأتي بمعانيها ويقيمها مقام العربية كالتكبير والتشهد (والثالث) ما يجبر تركه بالسجود يأتي بترجمته ومالا فلا وقضية هذه الطريقة المنع من أن يأتي بالترجمة عند القدرة على العربية بطريق الاول ولم يجعل امام الحرمين الدعاء قسما على اطلاقه لكن قال ليس للمصلي أن يخترع دعوة بالعجمية يدعو بها في صلاته وان كان له أن يدعو بغير
الدعوات المأثورة بالعربية ثم حكي الوجوه الثلاثة في الاذكار المسنونة وايراده يشعر بالمنع من الذكر المخترع كالدعاء المخترع وتطرد الوجوه في الدعاء المسنون كما في سائر الاذكار المسنوية ولا فرق وصرح سائر الاصحاب بهذا الذى أشعر به كلامه فقالوا إذا عجز عن الاذكار العربية والادعية المسنونة هل يأتي بترجمتها فيه وجهان (أحدهما) لا لانه لا ضرورة إليها بخلاف الواجبات (واصحهما)
[ ٣ / ٥١٨ ]
نعم ليجوز فضلها ولو أحسن العربية فهل يجوز له أن يأتي بالترجمة فيه وجهان (أصحهما) لا يجوز كما في التكبير والتشهد ولو فعل تبطل الصلاد ذكر في التهذيب هذين الوجهين فيما إذا دعا بالعجمية مع القدرة علي العربية واطلقهما في بعض التعاليق في جميع الاذكار إذا عرفت ذلك فقوله والعاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال ان اراد به الدعاء المخترع الذى لم يؤثر كما ذكره امام الحرمين فلا يلزم منه المنع من ان ياتي العاجز بترجمة الدعاء المسنون بعد التشهد جزما بل يجرى فيه الخلاف المذكور في سائر الاذكار وان اراد به مطلق الدعاء فما الفرق بين الدعاء المسنون وبين التسبيح المسنون ولم يمنع من ترجمة احدهما جزما ويجعل ترجمة الآخر علي الخلاف ويلزم على ذلك أن لا يأتي بترجمة اللهم اغفر لي وارحمني في الجلوس بين السجدتين وظاهر لفظه الاحتمال الثاني ولذلك اعلم بالواو اشارة إلى الوجه المجوز للترجمة مع القدرة علي العربية فانه اولي بتجويزها عند العجز ويجوز أن يعلم بالحاء ايضا لان ابا حنيفة بجوز ترجمة القرآن وان كان قادرا على نظمه فترجمة الدعاء عند العجز أولي بأن يجوزها واعلم انه إذا حمل كلامه على المحمل الثاني أشبه أن يكون هو منفردا بنقل الفرق بين الدعاء وغيره والله اعلم) * قال (الركن السابع السلام وهو واجب ولا يقوم (ح) مقامه اضداد الصلاة واقله أن يقول السلام عليكم ولو قال سلام عليكم فوجهان وفي اشتراط نية الخروج وجهان وأكمله السلام عليكم ورحمة الله مرتين (ح م) في الجديد مع الالتفات من الجانبين بحيث ترى خداه ومع نية السلام علي من علي جانبيه من الجن والانس والملائكة والمقتدى ينوى الرد علي امامه بسلامه) *
[ ٣ / ٥١٩ ]
(لما وصف السلام بكونه ركنا فلو لم يقل وهو واجب لما ضره لان ركن الصلاة لابد وان يكون واجبا وإذا ذكرهما فينبغي أن يعلما بالحاء وكذلك قوله ولا يقوم مقامه اضداد الصلاة لان عند ابي حنيفة لو أتي بما ينافي الصلاة اختيارا من حديث أو كلام خرج به عن الصلاة وقام مقام السلام قال ولو كان ناسيا فلا يخرج به من الصلاة ولا تبطل صلاته لكن يتوضأ ويبنى ولو وقع ذلك من غير اختياره كانقضاء مدة المسح ورؤية المتيمم الماء في الصلاة تبطل صلاته: لنا قوله صلي الله عليه وسلم (وتحليلها التسليم) جعل التحليل بالتسليم فوجب أن لا يحصل بغيره ثم القول في أقل السلام وأكمله: أما الاقل فهو أن يقول السلام عليكم ولابد من هذا النظم لان النبي صلي الله عليه وسلم كذلك كان يسلم وهو كاف لانه تسليم وقد قال صلي الله عليه وسلم (وتحليلها التسليم) ولو قال سلام عليكم فوجهان (أحدهما) أنه لا يجزئه لانه نقص الالف واللام فاشبه ما لو قال سلام عليكم من غير تنوين وأظهرهما أنه يجزئه ويقوم التنوين مقام الالف واللام كما في التشهد يجزئه السلام وسلام ولو قال السلام عليكم فقد سبق حكمه في فصل التكبير ولا يجزئه قوله السلام عليك ولا سلامى عليك ولا سلام الله عليكم ولا السلام عليهم وما لا يجزئ فيبطل الصلاة إذا قاله عمدا سوى قوله السلام عليهم فانه دعاء لا علي وجه الخطاب وهل يجب أن ينوى الخروج من الصلاة بسلامه فيه وجهان (أحدهما) نعم وبه قال ابن سريج وابن القاص ويحكي عن ظاهر نصه في البويطى لانه ذكر واجب في احدى طرفي الصلاة فتجب فيه النية كالتكبير ولان نظم السلام يناقض الصلاة في وصفه من حيث هو خطاب الآدميين ولهذا لو سلم قصدا في الصلاة بطلت صلاته فإذا لم يقترن به نية صارفة الي قصد التحلل كان مناقضا (والثاني) لا يجب وبه قال أبو حفص بن الوكيل وابو الحسين بن القطان ووجهه القياس علي سائر العبادات لا يجب فيها نية الخروج لان النية تليق بالاقدام دون الترك وهذا هو الاصح عند القفال واختيار معظم المتأخرين وحملوا نصه علي الاستحباب (فان قلنا) تجب نية الخروج فلا تحتاج الي تعيين الصلاة عند الخروج بخلاف حالة الشروع فان الخروج لا يكون الا عن المشروع فيه ولو عين غير ما هو فيه عمدا بطلت صلاته علي هذا الوجه ولو سهي سجد للسهو وسلم ثانيا مع النية بخلاف ما إذا قلنا لا تجب نية الخروج فانه لا يضر الخطأ في التعيين وعلي وجه الوجوب
ينبغي أن ينوى الخروج مقترنا بالتسليمة الاولي فلو سلم ولم ينو بطلت صلاته ولو نوى الخروج
[ ٣ / ٥٢٠ ]
قبل السلام بطلت صلاته ايضا ولو نوى قبله الخروج عنده فقد قال في النهاية لا تبطل صلاته بهذا ولكنه لا يكفيه بل يأتي بالنية مع السلام ويجب على المصلى أن يوقع السلام في حال القعود إذا قدر عليه: واما الاكمل فهو أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وهل يزيد علي مرة واحدة الجديد انه يستحب ان يقوله المصلي مرتين لما روى عن ابن مسعود ﵁ (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله) ويحكى عن القديم قولان (أحدهما) أن المستحب تسليمة واحدة لما روى عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يسلم تسليمه واحدة تلقاء وجهه) (والثانى) أن غير الامام يسلم تسليمة واحدة ويفرق في حق الامام بين أن يكون في القوم كثرة أو كان حول المسجد لغط فيستحب أن يسلم تسليمتين ليحصل الابلاغ وان قلوا ولا لغط ثم فيقتصر على تسليمة واحدة فان قلنا يقتصر علي تسليمة فتجعل تلقاء وجهه كما روى عن عائشة ﵄ وان قلنا بالصحيح وهو انه يسلم تسليمتين فالمستحب أن يلتفت في الاولى عن يمينه وفي الاخرى عن شماله وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة ثم يلتفت بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات وكيف يلتفت قال الشافعي ﵁ في المختصر حتى يري خداه وحكى الشارحون أن الاصحاب اختلفوا في معناه (منهم) من قال معناه حتي يرى خداه من كل جانب ومنهم من قال حتى يرى من كل جانب خده وهو الصحيح لما روى أن
[ ٣ / ٥٢١ ]
النبي صلي الله عليه وسلم (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الايمن وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الايسر) ثم المصلى ان كان اماما فيستحب له أن ينوى بالتسليمة الاولى السلام علي من علي يمينه من الملائكة وعلي الجن والانس وبالثانية السلام علي من على يساره منهم والمأموم ينوى مثل ذلك ويختص بشئ آخر وهو انه ان كان على يمين الامام ينوى بالتسليمة الثانية الرد على الامام وان كان علي يساره ينويه بالتسليمة الاولي وان كان
في محاذاته ينويه بايهما شاء وهو في التسليمة الاولى أحب ويحسن أن ينوى بعض المأمومين الرد على
[ ٣ / ٥٢٢ ]
البعض روى عن سمرة قال (امرنا رسول الله ﷺ أن نسلم علي أنفسنا وان ينوى بعضنا علي بعض) وقال علي ﵁ (كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى قبل الظهر أربعا
[ ٣ / ٥٢٣ ]
وبعدها اربعا وقبل العصر أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم علي الملائكة المقربين والنبيين ومن معهم من المؤمنين) وأما المنفرد فينوي بهما السلام علي من علي جانبيه من الملائكة وكل منهم ينوى بالتسليمة الاولى الخروج من الصلاة أيضا ان لم نوجبها فقوله في الكتاب مرتين ينبغى أن يعلم بالميم لان المنقول عن مالك أن الاختيار للامام والمنفرد الاقتصار علي تسليمة واحدة وأما المأموم فيسلم تسليمتين ويروى عنه استحباب الاقتصار علي التسليمة الواحدة مطلقا وقال احمد في اصح الروايتين التسليمتان جميعا واجبتان مطلقا فيجوز ان يعلم قوله مرتين بالالف لان عنده ليس ذلك من حد الكمال ويجوز ان يعلم به قوله واقله السلام عليكم ايضا وقوله بحيث يرى خداه اراد به المعني الثاني الصحيح علي ما صرح به في الوسيط فليكن مرقوما بالواو للوجه الاول * قال (خاتمة لا ترتيب في قضاء الفوائت لكن الاحب تقديم الفائتة على المؤداة الا إذا ضاق وقت الاداء فان تذكر فائتة وهو في المؤداة اتم التي هو فيها ثم اشتغل بالقضاء) إذا فتت الفريضة وجب قضاؤها (قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من نام صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) امر المعذور بالقضاء ويلزم مثله في حق غير المعذور بطريق الاولي وينبغي ان يقضى على الفور محافظة على الصلاة وتنزيه الذمة وهل يجب ذلك فيه كلام أخرناه الي كتاب الحج لان صاحب الكتاب أورد المسالة ثم وإذا قضى فائتة الليل بالليل جهر فيها وإذا قضى فائتة النهار بالنهار لم يجهر فيها وان قضى فائتة الليل بالنهار وبالعكس فالاعتبار بوقت القضاء في اصح الوجهين وبوقت الاداء
[ ٣ / ٥٢٤ ]
في الثاني وإذا فاتته صلاة فالمستحب في قضائها الترتيب لان النبي صلي الله عليه وسلم فاتته اربع صلوات يوم الخندق فقضاها على الترتيب ولا يستحق في قضائها الترتيب وكذا لا يستحق الترتيب بين الفائتة وصلاة الوقت خلافا لمالك وأبي حنيفة واحمد: لنا أنها عبادات مستقلة والترتيب فيها من توابع الوقت وضروراته فلا يبقى معتبرا في القضاء كصيام ايام رمضان ولنفصل المذاهب فيه اما عندنا فيجوز تقديم الفائتة المؤخرة على المقدمة وتأخير المقدمة ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة نظر ان كان وقت الحاضرة واسعا فالمستحب له أن يبدأ بالفائتة ولو عكس صحتا وان كان الوقت ضيقا بحيث لو بدأ بالفائتة لفاتتة الحاضرة فيجب أن يبدأ بالحاضرة كيلا تفوت ولو عكس صحتا ايضا وان أساء ولو انه تذكر الفائتة بعد شروعه في صلاة الوقت اتمها سواء كان الوقت واسعا أو ضيقا ثم يقضي الفائتة ويستحب ان يعيد صلاة الوقت بعدها ولا تبطل بتذكر الفائتة الصلاة التى هو فيها روى ان النبي صلي الله عليه وسلم وسلم قال (إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلي التى نسي) وقال ابو حنيفة يجب
[ ٣ / ٥٢٥ ]
* الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يدخل في حد التكرار بان لا تزيد علي صلوات يوم وليلة فان زادت جار التنكيس وكذا لو كان عليه فائتة ودخل وقت الحاضرد ان دخلتا مع ما بينهما في حد التكرار لم يجب اعادة الترتيب والا وجب الترتيب ولم يجز تقديم الحاضرة مع تذكر الفائتة الا ان يخشى فوت الحاضرة فله تقديمها وان تذكرها في خلال صلاة الوقت بطلت ان وسع الوقت فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت وان كان الوقت ضيقا فلا تبطل وان تذكرها بعد ما فرغ من صلاة الوقت فقد مضت علي الصحة ويشتغل بقضاء الفائتة ومذهب مالك يقرب من هذا لكن نقل عنه انه يستحب إذا تذكر الفائتة في خلال الحاضرة ان يتمها ثم يقضى الفائتة ثم يعيد الحاضرة ونقل ايضا أنه إذا تذكرها بعد الفراغ من الحاضرة فعلية قضاء الفائتة واعادة الحاضرة ولا يجعل النسيان
[ ٣ / ٥٢٦ ]
عذرا في سقوط الترتيب وقال احمد يجب الترتيب في قضاء الفوائت وان كثرت حتى لو تذكر فائتة ولم يعدها حتى طالت المدة وهو ياتي بصلوات الوقت فعليه فضاء تلك الفائتة واعادة جميع ما صلي بعدها قال ولو تذكر فائتة وهو في الحاضرة يجب عليه اتمامها وقضاء الفائتة واعادة الحاضرة إذا عرفت ذلك لم يخف عليك اعلام قوله لا ترتيب في قضاء الفوائت بعلامتهم جميعا وكذا اعلام قوله أتم التى هو فيها بالحاء لانها تبطل عنده وبالميم لانا نعني بقولنا أتم انه يجب عليه الاتمام ومالك لا يوجبه ولا حاجة إلى اعلامه بالالف وقوله لكن الاحب تقديم الفائتة على الموداة الا إذا ضاق
[ ٣ / ٥٢٧ ]
وقت الاداء أي فيجب تقديم المؤداة ولا يجوز تقديم الفائتة وليس سلب الا حبيبة واعلم ان هذه المسائل لا اختصاص لها بباب صفة الصلاة لكن طرفا منها مذكور في المختصر في أواخر هذا الباب فتبرك المصنف بترتيب المزني ﵀ أو الشافعي ﵁ وجعلها خاتمة الباب *
[ ٣ / ٥٢٨ ]
فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٤
فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٤
[ ٤ / ١٥١٥ ]
فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ الجزء الرابع دار الفكر
[ ٤ / ١ ]
قال * (الباب الخامس) * * (في شرائط الصلاة وهى ستة) * (الاول) الطهارة عن الحدث فلو احدث عمدا أو سهوا بطلت صلاته ولو سبقه الحدث بطلت (ح) علي الجديد وعلي القديم يتوضأ ويبني بشرط أن لا يتكلم ولا يحدث عمدا) * ترجم الباب بشروط الصلاة ولم يرد جميع شروطها لان منها الاستقبال وقد سبق له باب
[ ٤ / ٢ ]
منفرد ومنها ايقاع الصلاة بعد العلم بدخول وقتها أو بعد غلبة الظن به وقد صار ذلك مذكورا في باب المواقيت ولكن الغرض ههنا الكلام في ستة شروط سوى ما سبق (أحدها) طهارة الحدث وقد تبين في كتاب الطهارة أنها كيف تحصل فلو لم يكن عند الشروع في الصلاة متطهرا لم تنعقد صلاته بحال سواء كان عامدا أو ساهيا ولو شرع فيها وهو متطهر ثم احدث نظر إن احدث
[ ٤ / ٣ ]
باختياره بطلت صلاته لانه قد بطلت طهارته " وقد قال رسول الله ﷺ " لا صلاة الا بطهارة " ولا فرق بين أن يكون ذاكرا للصلاة أو ناسيا لها وهو المراد من قوله في الكتاب فلو أحدث عمدا أو سهوا بطلت صلاته وان أحدث بغير اختياره كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته وهل تبطل صلاته فيه قولان (الجديد) انها تبطل لانه لا صلاة إلا بطهارة ولما روى
[ ٤ / ٤ ]
عن علي بن ابى طالب قال " قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا فسا احدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة " وبهذا قال احمد ويروى عن مالك ايضا (والقديم) وبه قال أبو حنيفة انها لا تبطل بل يتوضأ ويبنى علي صلاته وهو أشهر الروايتين عن مالك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من قاء أو رعف أو امذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن علي صلاته ما لم يتكلم " وليس المراد ما إذا فعل ذلك باختياره بالاجماع فيتعين السبق مرادا فان فرعنا على القديم
[ ٤ / ٥ ]
فلا فرق بين الحدث الاصغر والاكبر كما إذا غلب عليه النوم في صلاته فاحتلم فانه يغتسل ويبنى وقال أبو حنيفة تبطل صلاته ههنا وكيف يبنى ايعود الي الركن الذى سبقه الحدث فيه ام يشتغل بما بعده قال الصيدلاني لو سبقه الحدث في الركوع فيعود الي الركوع لا يجزئه غيره قال ووافقنا ابو حنيفة فيه وفصل امام الحرمين فقال ان سبقه الحدث قبل أن يطمئن في ركوعه فلا بد من العود إليه وان كان بعد أن يطمئن فالظاهر انه لا يعود إليه لان ركوعه قد تم في الطهارة وهذا التفصيل هو الذى أورده المصنف في الوسيط فيجوز أن يجزى كلام الصيدلانى علي اطلاقه ويقال لابد من العود إليه وان اطمأن قبل الحدث لينتقل منه الي الركن الذى بعده فان الانتقال من الركن إلى الركن واجب وقد قدمنا له نظائر ويجب علي المصلي إذا سبقه الحدث وأراد أن يتوضأ
[ ٤ / ٦ ]
ويبنى أن يسعي في تقريب الزمان وتقليل الافعال بحسب الامكان فليس له أن يعود الي الموضع الذى كان يصلي فيه بعد ما تطهر أن كان يقدر على الصلاة في موضع أقرب منه الا إذا كان اماما لم يستخلف أو مأموما يبغى فضيلة الجماعة فهما معذوران في العود ذكره في التتمة وما لا يستغنى عنه من السعي إلى الماء والاستقاء وما اشبه ذلك فلا بأس به ولا يؤمر بالعود والبدار الخارج عن
[ ٤ / ٧ ]
الاقتصاد ويشترط أن لا يتكلم علي ما ورد في الخبر الا إذا احتاج إليه في تحصيل الماء وهل يشترط أن يمتنع عن أسباب الحدث عمدا إلى أن يتوضأ حكى أصحابنا العراقيون وغيرهم عن نص الشافعي
﵁ تفريعا على القديم انه لو سبقه البول فخرج واستتم الباقي لم يضر ذلك لان طهارته قد بطلت بما سبق ولم تتأثر الصلاة به فالبول بعده يطرأ على طهارة باطلة فلا يؤثر وقال امام الحرمين تبطل صلاته بما فعله إذا امكنه التماسك لان الفعل الكثير يبطل صلاته إذا كان مستغنى عنه فكذلك الحدث إذا كان مختارا فيه وهذا هو الذى اورده في الكتاب فقال ولا يحدث عمدا والذى أورده الجمهور هو الاول ونقل صاحب البيان هذه الصورة وحكمها عن النص قال واختلفوا في المعنى
[ ٤ / ٨ ]
فمنهم من علل بحاجته إلى اخراج البقية ومنهم من علل بان الطهارة قد بطلت بالقدر الذى سبقه فلا أثر لما بعده فعلي الاول لا يجوز ان يحدث حدثا آخر مستأنفا وعلي الثاني يجوز ولا يخفى ان جميع ما ذكرناه في طهارة الرفاهية فاما صاحب طهارة الضرورة كالمستحاضة فلا اثر لحدثه المتجدد لا عند الشروع ولا في اثناء الصلاة *
[ ٤ / ٩ ]
قال (ويجرى هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه كما إذا انحل ازاره فرده سريعا أو وقع عليه نجاسة يابسة فدفعها في الحال وانقضاء مدة المسح منسوب إلى تقصيره وفى تخرق الخف تردد لتقصيره بالذهول عنه) * ما سوى الحدث من الاسباب المناقضة للصلاة إذا طرأت في الصلاة باختياره بطلت صلاته كما لو احدث باختياره وكل ما يبطل الصلاة إذا طرأ باختياره يبطلها ايضا إذا طرأ لا باختياره لكن إذا كان منتسبا فيه إلى تقصير كما لو كان ماسحا علي الخف فانقضت مدة مسحه في اثناء الصلاة واحتاج في ذلك الي غسل القدمين أو استئناف الوضوء فتبطل صلاته ولا يخرج علي قول سبق الحدث لانه مقصر بايقاع الصلاة في الوقت الذى تنقضي
[ ٤ / ١٠ ]
مدة المسح في اثنائها فاشبه المختار في الحدث وقضية هذا أن يقال لو شرع في الصلاة على مدافعة الاخبثين وهو يعلم أنه لا تبقى له قوة التماسك في اثنائها ووقع ما علمه تبطل صلاته لا محالة ولا يخرج علي القولين ولو تخرق خف الماسح في صلاته وظهر شئ من محل الفرض فوجهان (احدهما) أنه تبطل الصلاة بلا خلاف
لانه مقصر من حديث ذهل عن الخف ولم يتعهده ليعرف قوته وضعفه فاشبه انقضاء المدة (وأظهرهما) أنه على قولي سبق الحدث لان الانسان لا يتعهد الخف كل ساعة فلا يعد مقصرا بترك البحث عنه وقد يفجأ الخرق لبعض العوارض ايضا أما إذا حدث مناقض في الصلاة لا باختياره ولا تقصير منه فان امكن ازالته علي الاتصال بحدوثه كما لو انكشف عورته فرد الثوب في الحال أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفض ثوبه وسقطت في الحال فلا يقدح في صحة الصلاة وكذا لو القي الثوب الذى وقعت عليه النجاسة في الحال صحت
[ ٤ / ١١ ]
صلاته ولا يجوز أن ينحيها بيده أو كمه هكذا نقل صاحب التهذيب وغيره وان احتاج في الدفع إلى زمان يتخلل بين عروضه واندفاعه ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث: وقوله يجرى هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه يعني به هذه الحالة وان كان اللفظ مطلقا فاما إذا دفعه في الحال فالصلاة صحيحة بلا خلاف ومثال ما يحتاج في دفعه الي زمان ما إذا تنجس ثوبه أو بدنه واحتاج إلى الغسل أو
[ ٤ / ١٢ ]
طيرت الريح ثوبه وابعدته ولو اصاب المصلي جرح وخرج منه دم علي سبيل الدفق ولم يلوث البشرة فقد قال في التتمة لا تبطل صلاته بحال لان المنفصل منه غير مضاف إليه ولعل هذا فيما إذا لم يمكن غسل موضع الانفتاق أو كان ما أصابه قليلا وقلنا القليل من الدم معفو عنه كما سيأتي والا فقد صار ذلك من الطاهر فيجب؟ له *
[ ٤ / ١٣ ]
قال (الشرط الثاني طهارة الخبث وهي واجبة في الثوب والبدن والمكان أما الثوب فان أصاب أحد كميه نجاسة فادى اجتهاده الي احدهما فغسله لم تصح صلاته علي أحد الوجهين لانه استيقن نجاسة الثوب ولم يستيقن طهارته) * النجاسة قسمان (احدهما) النجاسة التي لا تقع في مظنة العذر والعفو (والثانى) التي تقع فيها أما الاول فيجب الاحتراز عنه في ثلاثة أشياء في الثوب والبدن والمكان ويجوز ان يعلم قوله فهي واجبة بالميم لان اصحابنا نقلوا عن مالك ان ازالة النجاسة عنده لا تجب للصلاة وانما يستحب ويدل على وجوب طهارة
[ ٤ / ١٤ ]
الثوب قوله تعالي (وثيابك فطهر) وقد قال النبي ﷺ لاسماء ﵂ " حتيه ثم اقرضيه ثم اغسليه بالماء ثم صلي فيه " فان اصابه نجاسة وعرف موضعها منه فطريق ازالتها بالغسل كما سبق
[ ٤ / ١٥ ]
ولو قطع موضع النجاسة حصل الغرض ويلزمه ذلك إذا تعذر الغسل وامكن ستر العورة بالطاهر منه ولم ينقص من قيمته بالقطع اكثر من اجرة مثل الثوب لو استأجره وان لم يعرف موضع النجاسة من الثوب وكان يجوزه في كل جرء منه وجب غسل جميعه وكذلك في البدن ولا يجوز الاقتصار على غسل البعض لا بالتحرى ولا دونه وان أفاد ذلك الشك في نجاسة الباقي لان حصول النجاسة في هذا الثوب متيقن واليقين
[ ٤ / ١٦ ]
لا يدفع بالشك ولو شقه نصفين لم يجز التحريم فيهما لجواز ان يكون الشق في موضع النجاسة فيكونا نجسين ولو اصاب شئ رطب طرفا من هذا الثوب لا نحكم بنجاسته لانا لا نتيقن نجاسة موضع الاصابة ولو غسل احد نصفيه ثم غسل النصف الثاني فهو كما لو تيقن نجاسة لكل وغسله هكذا وفيه وجهان (احدهما) انه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة واحدة (واظهرهما) انه ان غسل مع النصف الثاني القدر الذى يجاوره من الاول طهر الكل وان لم يغسل الا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان وبقى المنتصف نجسا في صورة التيقن ونجسا في الصورة الاولي ولو نحس واحد من موضعين منحصرين أو مواضع واشكل عليه كما لو تنجس أحد الكمين فادى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله وصلي فيه فهذه مسألة الكتاب وفى صحة صلاته
[ ٤ / ١٧ ]
وجهان (احدهما) وينسب الي ابن سريج أنها تصح لحصول غلبة الظن بالطهارة (واصحهما) عند معظم الاصحاب أنها لا تصح لان الثوب واحد وقد تيقن نجاسته ولم يتيقن الطهارة فيستصحب اليقين وصار كما لو خفى موضع النجاسة ولم تنحصر في بعض المواضع ولو فصل أحد الكمين عن الثوب واجتهد فيهما فهما كالثوبين ان غسل ما ظنه نجسا وصلي فيه جاز وان صلي فيما ظنه طاهرا جاز أيضا لانه لم يستيقن نجاسته
[ ٤ / ١٨ ]
أصلا فاجتهاده متأيد باستصحاب أصل الطهارة بخلاف ما قبل الفصل ويجرى الوجهان فيما إذا نجس احدى يديه أو احدى اصابعه وغسل النجس عنده وصلى وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين وغسل النجس عنده وصلي فيهما معا لانه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستيقن الطهارة لكن الاظهر ههنا الجواز وفرقوا بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين الشيئين فاما إذا اشتبه عليه اجزاء الشئ الواحد
[ ٤ / ١٩ ]
فلا يؤمر فيه بالاجتهاد ولهذا لا يجتهد إذا خفى عليه موضع النجاسة ولم ينحصر في موضعين أو مواضع مخصوصة وإذا كان كذلك فتأثير الاجتهاد فيه أضعف ولو غسل احدى الكمين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصلاة فيما لم يغسله وحده على الخلاف وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد تجوز الصلاة في كل
[ ٤ / ٢٠ ]
واحد منهما وحده بلا خلاف ولو اشتبه عليه ثوبان طاهر ونجس أو أثواب بعضها طاهر وبعضها نجس فيجتهد كما سبق في الاواني فان لم يغلب علي ظنه شئ وامكنه غسل واحد ليستصحبه في صلاته لزمه ذلك والا فهو كما لو لم يجد الا ثوبا نجسا وسيأتى حكمه في الشرط الثالث ولو غلب علي ظنه طهارة أحد الثوبين واستصحبه ثم تغير اجتهاده عمل بمقتضي الاجتهاد الثاني في أظهر الوجهين كما في القبلة بخلاف
[ ٤ / ٢١ ]
الاواني حيث لا يعمل فيها بالاجتهاد الثاني علي النص لما سبق انه يلزم منه نقض الاجتهاد بالاجتهاد * قال (ولو القى طرف عمامته على نجاسة بطلت صلاته وان كان لا يتحرك بحركته ولو قبض طرف حبل ملقى علي نجاسة بطلت صلاته ان كان الملاقى للنجاسة يتحرك بحركته والا فوجههان ولو كان علي ساجور كلب أو عنق حمار عليه نجاسة فوجهان مرتبان واولي بالجواز ولو كان رأس الحبل تحت رجله فلا بأس لانه ليس حاملا ما لبسه المصلي يجب أن يكون طاهرا سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده أو كان يتحرك بعض اطرافه كذبابة العمامة وكما لا يجوز ان يكون شئ من ملبوسه نجسا لا يجوز ان يكون ملاقيا للنجاسة فلو القى طرف عمامته علي ارض نجسة أو عين نجسة بطلت صلاته وان لم يتحرك بحركته لانها ملبوسة له ومعدودة من ثيابه فصار كما
لو لبس قميصا طويلا لا يرتفع ذيله بارتفاعه وكان نجسا لا تصح صلاته وذكر الصيدلاني وآخرون ان عند أبي حنيفة ان لم يتحرك طرف العمامة الملقى علي النجاسة بحركته جازت صلاته فليكن قوله
[ ٤ / ٢٢ ]
وان كان لا يتحرك بحركته معلما بالحاء لذلك ولو قبض طرف حبل أو ثوب وطرفه الآخر نجس أو ملقي على نجاسة فان كان يتحرك ذلك الطرف بارتفاعه وانخفاضه بطلت صلاته لانه حامل للشئ النجس أو لما هو متصل بالنجاسة وان كان لا يتحرك فوجهان (احدهما) تبطل صلاته كما في العمامة لانه حامل لشئ متصل بالنجاسة (والثانى) أنها لا تبطل لان الطرف الملاقى للنجاسة ليس محمولا له فانه لا يرتفع بارتفاعه بخلاف العمامة فانها منسوبة إليه لبسا والمصلى مأخوذ بطهارة ثيابه وكلام الاكثرين يدل علي أن الوجه الاول ارجح عندهم ولو كان طرف الحبل ملقى على ساجور كلب أو مشدودا به فوجهان مرتبان علي الصورة السابقة وهذه الصورة أولي بصحة الصلاة لان بين الكلب وطرف الحبل واسطة وهى الساجور فيكون ابعد عن النجاسة ولو كان طرف الحبل على الكلب فهو والصورة السابقة سواء ولو كان طرف الحبل علي موضع طاهر من حمار وعليه نجاسة في موضع آخر فالخلاف فيه مرتب وهذه الصورة أولي بالصحة من صورة الساجور لان الساجو قد يعد من توابع الحبل واجزائه بخلاف الحمار هكذا رتب المسائل امام الحرمين وصاحب الكتاب في الوسيط وأشار ههنا إلى معظم الغرض وإذا تركت الترتيب وقلت أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس أو متصل بنجاسة حصل في الجواب ثلاثة اوجه (أحدها) تصح (والثاني) لا (والثالث) ان كان الطرف
[ ٤ / ٢٣ ]
الآخر نجسا أو متصلا بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا تصح وإن كان متصلا بشئ طاهر وذلك الطاهر متصل بنجاسة كما لو كان مشدودا في ساجور أو خرقه وهما في عنق كلب أو كان عنق حمار وعليه حمل نجس فلا بأس وهكذا أورد الخلاف الصيدلانى وتابعه صاحب التهذيب ثم أعرف ههنا أمورا (أحدها) أن فرض صاحب الكتاب الصورة فيما إذا قبض بيده على طرف الحبل ليس لتخصيص الحكم بالقبض بل لو شده في يده أو رجله أو في وسطه كان كما لو قبض عليه علي أن صاحب
[ ٤ / ٢٤ ]
التهذيب جعل صورة الشد أولي بالمنع حيث الحقها بمسألة العمامة ولم يحك فيها خلافا وفي القبض باليد روى الوجوه الثلاثة (الثاني الفرق بين أن يكون الطرف الملقى على النجاسة يتحرك بحركته وبين أن لا يتحرك في الجزم بالمنع في الحالة الاولي وتخصيص الخلاف بالحالة الثانية لم أره إلا للمصنف وإمام الحرمين ومن تابعهما وعامة الاصحاب ارسلوا الكلام إرسالا سواء منهم من جزم بالمنع ومن أثبت الخلاف (الثالث) أطلق الكلام في الكلب وهكذا فعل الشيخ أبو محمد والصيدلاني وابن الصباغ وفصل الاكثرون وقالوا ان كان الكلب صغيرا أو ميتا وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف لانه حامل للنجاسة ويعنون به انه لو مشى لجره وان كان الكلب كبيرا حيا فاصح الوجهين أنها تبطل ايضا لانه حامل لشئ متصل بالنجاسة والثاني لا لانه يمشى باختياره وله قوة الامتناع وإذا كان مشدودا في سفينة وموضع الشد طاهر وفى السفينة نجاسة فان كانت صغيرة تنجر بالجر فهى كالكلب وإن كانت كبيرة فلا بأس كما لو كان مشدودا في باب دار فيها نجاسة وحكوا وجها بعيدا في السفينة الكبيرة أيضا ويعرف من هذا الفصل صحة قولنا من قبل ان قضية كلام الاكثرين ترجيح وجه البطلان (الرابع) قوله علي ساجور كلب أو عنق حمار عليه نجاسة يفهم ان الشد ليس بشرط بل يجرى الخلاف عند حصول الاتصال والالتقاء والعراقيون من اصحابنا اطبقوا علي التصوير في الشد ولعل السبب فيه انهم ينظرون إلي الانجرار عند الجر ولا يكون ذلك إلا بتقدير الشد ثم اتفقت الطوائف على أنه لو جعل رأس الحبل تحت رجله صحت صلاته في الصور جميعها لانه ليس حاملا لنجاسة ولا لما هو متصل بنجاسة وما تحت قدمه
[ ٤ / ٢٥ ]
طاهر فاشبه ما لو صلى علي بساط طرفه الآخر نجس * قال (واما البدن فيجب تطهيره كما سبق في الطهارة وفيه مسألتان (أحداهما) إذا وصل عظمه بعظم نجس وجب (ح و) نزعه وإن كان يخاف الهلاك علي المنصوص ولكن إذا كان متعديا في الجبر بان وجد عظما طاهرا وإذا لم يكتس العظم باللحم فان استتر سقط حكم النجاسة عنه فان مات قبل النزع لم ينزع علي النص لانه ميت كله وفيه قول مخرج انه لا ينزع عند خوف الهلاك) *
قوله فيجب تطهيره كما سبق في الطهارة لا اختصاص له بالبدن بل حكم ازالة النجاسة فيه وفى الثوب والمكان واحد فلو ذكر هذا الكلام عند قوله وهى واجبة في الثوب والبدن والمكان لكان أحسن الا أن يريد به الاشارة الي الاستنجاء أيضا فان النجاسة التى تصيب البدن تنقسم الي ما يزال
[ ٤ / ٢٦ ]
بالماء لا غير وإلي ما يخفف بالحجر ونحوه وهذا من خاصية البدن ثم تكلم ههنا في مسألتين (أحداهما) وصل العظم ومن انكسر عظم من عظامه فجبره بعظم طاهر فلا بأس وإن جبره بعظم نجس وينبغى أن يتذكر أولا ان هذا يتفرع علي ظاهر المذهب في نجاسة العظام فينظر ان احتاج إلي الجبر ولم يجد عظما طاهرا يقوم مقامه فهو معذور للضرورة وليس عليه نزعه وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرا يقوم مقامه فيجب عليه النزع ان كان لا يخاف الهلاك ولا تلف عضو من أعضائه ولا شيئا من المحذورات المذكورة في التيمم فان لم يفعل أجبره السلطان عليه ولم تصح صلاته معه لانه حامل لنجاسة يمكنه ازالتها وقد تعدى بحملها ولا عبرة بالالم الذى يلحقه ولا يخاف منه ولا فرق بين ان يكتسي باللحم وبين ان لا يكتسي خلافا لابي حنيفة حيث قال إذا اكتسى باللحم لم يجب النزع وان كان لا يخاف الهلاك: لنا أنه حامل لنجاسة اصابته من خارج ولم تحصل في معدن النجاسة فيلزمه الازالة عند القدرة كما لو كانت علي ظاهر البدن ومال امام الحرمين الي ما ذكره أبو حنيفة وذكر القاضي ابن كج أن ابا الحسين حكاه عن بعض الاصحاب وان خاف من النزع الهلاك أو ما في معناه ففى وجوب النزع وجهان (أحدهما) يجب لتفريطه ولو لم ينزع لكان مصليا عمره مع النجاسة ونحن نحتمل سفك الدم في ترك صلاة واحدة (والثانى) وهو المذهب انه لا يجب ابقاء للروح كما لو كان عليه نجاسه يخاف من غسلها التلف لا يجب عليه غسلها بل يحرم وهذا في حالة الحياة اما لو مات قبل النزع فهل ينزع منه العظم الذى يجب نزعه في الحياة فيه وجهان أظهرهما وهو الذى نص عليه في المختصر وغيره انه لا ينزع لان فيه مثلة وهتكا لحرمة الميت ولان النزع في حالة الحياة انما أمر به محافظة على شرائط الصلاة فإذا مات زال التكليف وسقط التعبد (والثاني) انه ينزع لئلا يلقى الله تعالي حاملا للنجاسة ومنهم من خصص هذا الوجه بما إذا لم يستتر باللحم وقطع بنفي النزع بعد الموت عند استتاره ولنعد الي
ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله وجب نزعه وان كان يخاف الهلاك علي المنصوص الخلاف في وجوب النزع يرجع الي حالة خوف الهلاك وليس هو مختلفا فيه علي الاطلاق وقوله ولكن إذا كان متعديا
[ ٤ / ٢٧ ]
في الجبر لا يختص بقولنا يوجب النزع عند خوف الهلاك بل حيث وجب النزع أما وفاقا وهو حالة عدم الخوف أو علي أحد المدهبين في حالة الخوف فشرطه ان يكون متعديا في الجبر وقوله في آخر المسألة وفيه قول مخرج أنه لا ينزع عند خوف الهلاك هو المقابل لقوله ههنا وان كان يخاف الهلاك علي المنصوص ولا تعلق له بقوله لم ينزع علي النص لانه ميت كله وتعبيره عن الخلاف في وجوب النزع بالقولين المنصوص والمخرج من تفرداته وسائر الاصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين كما قدمنا ورجحوا القول بعدم الوجوب وإيراده يشعر بترجيح الوجوب ويجوز أن يقال إنما عبر عن وجوب النزع بالمنصوص لان الشافعي ﵁ قال في المختصر ولا يصل ما انكسر من عظمه الا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا وان رقعه بعظم ميتة أجبره السلطان علي قلعه وهذا مطلق يتناول حالة الخوف وعدمه ولك ان تعلم قوله وان كان يخاف الهلاك بالحاء لان الصيدلانى روى عن ابى حنيفة أنه لا ينزع عند خوف الهلاك سواء التحم أو لم يلتحم وعند الالتحام لا ينزع خيف الهلاك أم لم يخف وقوله بان وجد عظما طاهرا معناه عظما طاهرا يقوم مقام العظم النجس عند الحاجة الي الجبر وإلا فالتعدي لا يحصل بمجرد وجدان العظم الطاهر وقوله وإذا لم يستتر العظم باللحم فان استتر سقط حكم نجاسته جواب عن الوجه الذى ذكرنا أن إمام الحرمين مال إليه والظاهر عند الجمهور انه لا فرق بين ان يستتر أو لا يستتر حيث أوجبنا النزع فليكن قوله وإذا لم يستتر معلما بالواو لانه جعله مشروطا وكذا قوله سقط حكم نجاسته وقوله فان مات قبل النزع لم ينزع علي النص لعلك تقول ما معنى قوله لم ينزع معناه انه لا يجوز النزع ام انه لا يجب والجواب أن
[ ٤ / ٢٨ ]
قضية التعليل بهتك الحرمة انه لا يجوز وقضية التعليل الثاني انه لا يجب وقد اختلف كلام الناقلين في الوجه المقابل له وهو انه ينزع منهم من روى الوجوب ومنهم من قال الاولي النزع وقوله لانه
ميت كله لفظ الشافعي ﵁ قال في المختصر فان مات صار ميتا كله والله حسيبه أي محاسبه فان شاء عفا عنه وان شاء عذبه واختلفوا في معنى قوله صار ميتا منهم من قال اراد أنه صار نجسا كله مثل ذلك العظم فلا معنى لقلعه واستخرجوا من هذا اللفظ أن له قولا في نجاسة الادمى بالموت ومنهم من قال اراد انه سقط عنه حكم التكليف بالموت وكنا نأمره بالقلع لحق الصلاة فلا حاجة إلى النزع الآن واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس والخيط النجس كالوصل بالعظم النجس فيجب النزع حيث يجب نزع العظم النجس وكذا لو شق موضعا من بدنه وجعل فيه دما وكذا لو وشم يده بالنؤورة أو العظلم فانه ينجس عند الغرز وحكى عن تعليق الفراء انه يزال الوشم بالعلاج فان لم يمكن إلا بالجرح لا يجرح ولا اثم عليه بعد التوبة * قال (الثانية قال صلي الله عليه وسلم " لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة وعلة تحريم الوصل ان الشعر أما ان يكون نجسا أو شعر اجنبي لا يحل النظر إليه وان كان
[ ٤ / ٢٩ ]
مبانا علي احد الوجهين فان كان شعر بهيمة ولم تكن المرأة ذات زوج فهى متعرضة للتهمة وان كانت ذات زوج فهى ملبسة عليه فان كان باذن الزوج لم يحرم على اقيس الوجهين وفى تحمير الوجنة تردد في الحاقه بالوصل) * المسألة الثانية وصل الشعر والاصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ انه قال " لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة " قال علماء العرب الواصلة هي التي تصل الشعر بشعر آخر والمستوصلة هي التي تسأل أن يفعل بها ذلك والوشم غرز ظهر الكف ونحوه بالابرة واشباعه بالعظلم ونحوه حتي يخضر والواشمة هي التى تفعل ذلك والمستوشمة هي التي تفعل بها والواشرة التى تشر الاسنان حتى يكون لها اشر وهو التحدد والرقة في طرف
[ ٤ / ٣٠ ]
الاسنان تفعله الكبيرة تشبها بالصغائر ويروى بدل المستوشمة والمستوشرة المتوشمة والمتوشرة والمعنى واحد وإذا عرفت ذلك فاعلم ان وصل الشعر حرام وفاقا في بعض الاحوال وخلافا في
بعضها ثم قد يحرم لمعنى واحد وقد يجتمع له معان وتفصيله ان الشعر أما نجس وأما طاهر وهذا التقسيم مفرع علي ظاهر المذهب وهو ان الشعر قد ينجس بالموت فاما الشعر النجس فيحرم وصله لانه لا يجوز استصحابه في الصلاة وفى غير الصلاة يكون مستعملا للشئ النجس العين في بدنه استعمال اتصال وذلك حرام في أصح القولين ومكروه في الثاني الا عند ضرورة أو حاجة حاقة ونظيره الادهان بالدهن النجس ولبس جلد الميتة والكلب والخنزير والامتشاط بمشط عاج كل ذلك حرام علي الاصح وأما غير النجس فينقسم إلى شعر الآدمى وغيره وهذا التقسيم مفرع علي ظاهر المذهب وهو ان شعر الادمى لا ينجس بالموت والابانة فاما شعر الادمى فيحرم وصله لان من كرامته أن لا ينتفع بشئ منه بعد موته وانفصاله عنه بل يدفن وايضا فلانه ان كان شعر رجل فيحرم على المرأة استصحابه والنظر إليه وان كان شعر امرأة فيحرم على زوجها أو سيدها النظر إليه وهذا بتقدير أن يكون شعر
[ ٤ / ٣١ ]
رجل اجنبي عنها أو شعر امرأة اجنبية عن زوجها أو سيدها وبتقدير أن يتفرع علي أن العضو المبان يحرم النظر إليه ومسه وفيه وجهان فان كان شعر رجل من محارمها أو شعر امرأة من محارم زوجها أو لم يكن لها زوج أو فرعنا على جواز النظر إلى العضو المبان فلا تكاد تطرد هذه العلة الاخيرة ويثبت التحريم بظاهر الخبر وبالمعني الاول ولا فرق في تحريم الوصل بالشعر النجس وشعر الادمى بين أن تكون المرأة خلية أو ذات زوج وأما شعر غير الادمى فينظر فيه الي حال المرأة ان لم يكن لها زوج ولا سيد فلا يجوز لها وصله للخبر ولانها تعرض نفسها للتهمة ولانها تغر الطالب وذكر الشيخ ابو حامد وطائفة انه يكره ولا يحرم والاول اظهر وبه قال القاضي ابن كج والاكثرون فان كان لها زوج أو سيد فلا يجوز لها الوصل بغير اذنه لانه تغرير له وتلبيس عليه وان وصلت باذنه فوجهان (احدهما) المنع ايضا لعموم الخبر (واقيسهما) واظهرهما الجواز كسائر وجوه الزينة المحببة الي الزوج وقال الشيخ أبو حامد ومتبعوه لا يحرم ولا يكره إذا كان لها زوج ولم يفرقوا بين أن ياذن أو لا ياذن
[ ٤ / ٣٢ ]
وسوى ابن كج بين حالتى الاذن وعدمه وحكي في الجواز وجهين فيهما هذا حاصل المسألة وقوله
وعلة تحريم الوصل يوهم الجزم بالتحريم على الاطلاق ورد الكلام إلى العلة لكنه لم يرد ذلك الا تراه يقول آخر الم يحرم علي أقيس الوجهين وانما أراد أن يبين مواضع التحريم خلافا ووفاقا مع التعرض للمعانى الموجبة للتحريم فقوله اما أن يكون نجسا أي فيحرم وهو اشارة الي قسم النجس من الشعور وغير النجس علي ما ذكرناه أما شعر الآدمى وقوله أو شعر اجنبي إشارة واليه وأما شعر غيره وهو قوله أو شعر بهيمة وإنما قال أو شعر أجنبي لانه اراد التعليل بالمعني الثاني علي سبق دون المعنى الاول وهو كرامة الآدمى والشعر الموصول مبان فبين أن في تحريم النظر الي العضو المبان وجهين ليعرف أن التحريم معللا بهذا المعنى انما يستمر على قولنا بتحريم النظر واعلم انه نص في هذا الموضع على وجهين في تحريم النظر والذي أجاب به في أول كتاب النكاح انما هو التحريم حيث قال والعضو المبان كالمتصل وسنشرح المسألة ثم ان شاء الله تعالى (وقوله) فهى متعرضة للتهمة أي فيحرم عليها وكذا قوله فهى ملبسة عليه وكانه حذف ذكر التحريم اكتفاء بقوله أو لا وعلة تحريم الوصل ولا بأس لو اعلمت قوله اما ان يكون نجسا بالحاء والواو لان عنده الشعر لا يكون نجسا أصلا وهو قول لنا وأما قوله وفى تحمير الوجنة تردد فاعلم ان الصيدلاني والقاضي الحسين ذكرا في طريقهما ان تحمير الوجنة كوصل الشعر الطاهر فلا يجوز ان كانت المرأة خلية ولا إذا كانت ذات زوج ولم يأذن لها وان فعلته باذنه ففيه وجهان واستبعد امام الحرمين قدس الله روحه الخلاف فيما
[ ٤ / ٣٣ ]
إذا كان بأذن الزوج وخصه بالوصل لانه ورد فيه النهي وفيه تغيير للخلقة وليس في التحمير نهى ولا تغيير ظاهر إذ الوجنة قد تحمر لعارض غضب أو فرح فعلي هذا لا يلتحق تحمير الوجنة بوصل الشعر الطاهر علي الاطلاق بل هو جائز عند الاذن بلا خلاف وعلي الاول يلتحق به مطلقا فهذا تنزيل التردد المذكور في الكتاب ومعناه ونسب في الوسيط التردد في المسألة الي الصيدلاني وليس في كلامه ما يقتضي ذلك ولا حكاه امام الحرمين عنه والخضاب بالسواد وتطريف الاصابع الحقوه بالتحمير قال في النهاية ويقرب منه تجعيد الشعر ولا بأس بتصفيف الطرة وتسويد الاصداغ واطلقوا القول بستحباب الخضاب بالحناء لها بكل حال وقد تنازع معنى التعرض للتهمة في بعض هذه الاحوال إذا كانت خلية فليكن الامر على تفصيل سنحكيه في فصل سنن الاحرام ان شاء الله تعالي واما الوشم المذكور في
الخبر فلا يجوز بحال والوشر كوصل الشعر الطاهر * قال (وأما المكان فليكن كل ما يماس بدنه طاهرا (ح) وما لا يماس فلا بأس بنجاسته الا ما يحاذي صدره في السجود ففيه وجهان لانه كالمنسوب إليه) * يجب أن يكون ما يلاقى بدن المصلي وثيابه من موضع الصلاة طاهرا خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يشترط الا طهارة موضع القدمين وفي رواية طهارة موضع القدمين والجبهة ولا يضر نجاسة ما عداه الا أن يتحرك بحركته لنا النهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة كما سيأتي ولا سبب له الا نجاستهما وكما يعتبر ذلك في جهة السفل يعتبر في جهة العلو والجوانب المحيطة به حتي لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نجس بطلت
[ ٤ / ٣٤ ]
صلاته ولو صلي علي بساط تحته نجاسة أو على طرف آخر منه نجاسة أو على سرير قوائمه على نجاسة لم يضر خلافا لابي حنيفة حيث قال ان كان يتحرك ذلك الموضع بحركته لم يجز وإذا نجس احد البيتين تحرى كما في الثياب والاواني وإذا اشتبه مكان من بيت أو بساط فوجهان (اصحهما) انه لا يجزى كما لو خفى موضع النجاسة من الثوب الواحد والثاني نعم كما لو اشتبه ذلك في الصحراء يتحرى ويصلي ولو كان ما يلاقى بدنه وثيابه من موضع الصلاة طاهر لكن كان ما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئا من بدنه في السجود نجسا فهل تصح صلاته فيه وجهان (احدهما) لا لان القدر الذى يوازيه منسوب إليه بكونه مكان صلاته فيعتبر طهارته كقميصه الفوقاني الذى لا يلاقى بدنه لما كان منسوبا إليه نعتبر طهارته (واصحهما) ان صلاته صحيحة لانه ليس حاملا للنجاسة ولا ملاقيا لها فصار كما لو صلي علي بساط احد طرفيه نجس تصح صلاته وان عد ذلك مصلاه ونسب إليه وقوله فليكن كل ما يماس بدنه طاهرا ينبغي ان يعلم بالحاء وكذا قوله فلا بأس بنجاسته لما ذكرناه والمراد ما يماس بدنه وثيابه وقوله وما لا يماس أي لا يماسهما وفى لفظ المماسة اشارة الي انه لو كان تحت البساط الذى يصلي عليه نجاسة لم يضر وان كان يصلي علي نجاسة لانه لا مماسة ولو بسط علي النجاسة ثوبا مهلهل النسيج وصلى عليه فان كان يحصل المماسة والالتقاء في الفرج لم
[ ٤ / ٣٥ ]
تصح الصلاة وان كان لا يحصل الالتقاء لكن النجاسة تحاذى من الفرج يده الموضوعة عليه في السجود
أو سائر بدنه فهذا علي الوجهين السابقين في نجاسة ما يحاذي صدره * قال (وقد نهى ﵇ عن الصلاة في سبعة مواطن المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وبطن الوادي والحمام وظهر الكعبة وأعطان الابل * أما مسلخ الحمام ففيه تردد * واعطان الابل مجتمعها عند الصدر عن المنهل إذ لا يؤمن نفارها هذا حكم النجاسات التى لا عذر في استصحابها) * مما يتعلق بمكان الصلاة الكلام في الاماكن التى ورد النهى عن الصلاة فيها وقد روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن الصلاة في سبعة مواطن المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وبطن الوادي والحمام ومعاطن الابل وفوق ظهر بيت الله تعالي ويروى بدل بطن الوادي المقبرة فاما المزبلة والمجزرة فالنهي فيهما لنجاسة المكان فلو فرش عليه ثوبا أو بساطا طاهرا فللنهى معنيان (احدهما) غلبة النجاسة في الطرق والثاني ان مرور الناس يشغله عن الصلاة قال في التتمة اختلفوا في ان العلة ماذا وبنى عليه الصلاة في جوار الطرق في البراري ان
[ ٤ / ٣٦ ]
قلنا النهي للمعنى الاول يثبت فيها ايضا وان قلنا للمعنى الثاني فلا وفى صحة الصلاة في الشوارع مع غلبة النجاسات فيها القولان اللذان ذكرناهما في باب الاجتهاد لتعارض الاصل والغالب فان صححناها فالنهى للتنزيه وإلا فللتحريم فلو بسط شيئا طاهرا صحت لا محالة وتبقى الكراهة بسبب الشغل: وأما بطن الوادي فسبب النهى فيه خوف السيل السالب للخشوع فان لم يتوقع السيل ثم فيجوز ان يقال لا كراهة ويجوز ان يتبع ظاهر النهي: وأما الحمام فقد اختلفوا في سبب النهي فيه: منهم من قال سببه انه يكثر فيه النجاسات والقاذورات فيخاف اصابة الرشاش اياه ومنهم من قال بل سببه انه مأوى الشيطان فلا يصلى فيه وفي المسلخ وجهان مبنيان على هذين المعنيين ان قلنا بالاول فلا تنكره الصلاة فيه وان قلنا بالثاني فتكره وأيضا فان دخول الناس يشغله وهذا الوجه أظهر وتصح الصلاة بكل حال في المسلخ وغيره إذا علم طهارة الموضع خلافا لاحمد: وأما ظهر الكعبة فحكمه ما سبق في باب الاستقبال وأما اعطان الابل فقد فسرها الشافعي ﵁ بالمواضع التي تنحى إليها الابل
الشاربة ليشرب غيرها فإذا اجتمعت استبقت وهو المراد من قوله مجتمعها عند الصدر من المنهل وليس النهي فيها لمكان النجاسة فانه لا كراهة في مراح الغنم وأمر النجاسة لا يختلف روى انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا ادركتكم الصلاة وانتم في مراح الغنم فصلوا فيها فانها سكينة وبركة وإذا ادركتكم وانتم في أعطان الابل فاخرجوا منها وصلوا فانها جن خلقت من جن ألا ترى إذا نفرت
[ ٤ / ٣٧ ]
كيف تشمخ بانفها " والفرق من وجهين (احدهما) قال الشافعي ﵁ يبين الخبر انها خلقت من اجن والصلاة تكره في مأوى الجن والشياطين ولهذا قال صلي الله عليه وسلم " اخرجوا من هذا الوادي فان فيه شيطانا " والثاني انه يخاف من نفارها وذلك يبطل الخشوع وهذا المعنى لا يوجد في الغنم ومراح الغنم هو مأواها ليلا وقد يصور في الغنم مثل ما صور في أعطان الابل وحكمهما واحد ومأوى الابل ليلا كالموضع المعبر عنه بالعطن نظرا الي انها مخلوقة من الجن ويخاف منها أيضا نعم النفار في الموضع الذى تقف فيه صادرة من المنهل اقرب لاجتماعها وازدحامها جائية وذاهبة فتكون الكراهة فيه اشد وكل واحد من العطن والمراح ااكان نجسا بالابوال والابعار لم تجز الصلاة فيه وإن كانا طاهرين صحت مع افتراقهما في الكراهة وقال احمد لا تصح الصلاة في العطن بحال وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " الارض كلها مسجد الا المقبرة والحمام " ثم ان كانت جديدة لم تنبش أو فرش على نبشها ثوبا طاهرا وصلى صحت
[ ٤ / ٣٨ ]
صلاته خلافا لاحمد وإن صلي في مقبرة يعلم أن موضع الصلاة منها منبوش لم تصح الصلاة لاختلاط صديد الموتي به وإن شك في نبشه فقولان سبقا في نظائر المسألة اظهرهما الجواز لان الاصل الطهارة وبه قال مالك وابن ابى هريرة والثانى المنع لان الغالب في المقابر النبش وبه قال أبو اسحق ويكره استقبال القبور في الصلاة لما روى أنه ﷺ " نهى ان تتخذ القبور محاريب " هذا تمام الكلام في النجاسات التي ليست هي في مظنة العفو والعذر * قال (اما مظان الاعذار فخمسة الاولي الاثر علي محل النجو ولو حمل المصلى من استجمر لم يجز
على أصح الوجهين لان العفو في محل نجو المصلي للحاجة ولو حمل طيرا جاز وما في البطن ليس له حكم النجاسة
[ ٤ / ٣٩ ]
قبل الخروج لانها مستترة خلقة وما على منفذه لا مبالاة به على الاظهر وفى الحاق البيضة المذرة بالحيوان تردد لان النجاسة مستترة خلقة والقارورة المصممة الرأس ليست كالبيضة (و) * القسم الثاني من النجاسات النجاسات الواقعة في مظنة العذر والعفو وقد جعل مظان الغذر خمسا (أحداها) الاثر علي محل النجو إذا استنجى بالحجر فهو معفو عنه وإن كان ذلك المحل نجسا اما كونه معفوا عنه فلما سبق من جواز الاقتصار علي الحجر واما كونه نجسا فلان المطهر هو الماء فلو خاض في ماء قليل نجس الماء لان العفو رخصة وتخفيف والخوض في الماء مما تندر الحاجة إليه ولو حمل المصلي من استنجى بالحجر ففى صحة صلاته وجهان (أحدهما) تصح لان ذلك الاثر واقع في محل العفو فلا عبرة به كما لو صلى المحمول معه وكما يعفى عنه من الحامل (واصحهما) انها لا تصح لان العفو عنه من المستجمر انما كان للحاجة ولا حاجة به الي حمل الغير فصار كما لو حمل شيئا آخر نجسا وينسب الوجه الاول إلى الشيخ ابي علي والثاني الي القفال ويجرى الوجهان فيما إذا حمل المصلي من علي ثوبه نجاسة معفو عنها ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق وتلوث بمحل النجو غيره لكن الاصح ههنا العفو لتعذر الاحتراز بخلاف حمل الغير ولو حمل طيرا أو حيوانا آخر لا نجاسة عليه صحت صلاته ولا نظر إلى ما في بطنه من النجاسة لانها في معدنها الخلقى فلا يعطى لها حكم النجاسة كما في جوف المصلي وما قدمناه من الفرق بين المصلي والمحمول ينقدح ههنا لكن روى ان النبي صلي الله عليه وسلم حمل امامة بنت ابى العاص في صلاته وهى بنت بنت رسول الله ﷺ زينب
[ ٤ / ٤٠ ]
فلذلك قلنا بالصحة وهذا إذا كان الحيوان المحمول طاهر المنفذ فان لم يكن فهو جزء طاهر تنجس بما يخرج من النجاسة فهل تصح الصلاة فيه وجهان (أظهرهما) عند المصنف أنها تصح ولا مبالاة بذلك القدر اليسير (والثاني) لا تصح كما لو كان جزء آخر منه نجسا وهذا أظهر عند امام الحرمين ولم يورد في التتمة سواه والوجهان جاريان فيما لو وقع هذا الحيوان في ماء قليل أو مائع آخر وخرج حيا هل يحكم بنجاسته لنجاسة المنفذ لكن الظاهر ثم العفو لان الحمل لا تعرض الحاجة إليه الا علي سبيل الندور وصيانة الماء وسائر المائعات
عنها مما يشق وأيضا فان الطيور لم تزل تغوص في المياه الكثيرة والقليلة وكان الاولون لا يحترزون عنها ولو حمل بيضة صار حشوها دما وظاهرها طاهر ففى صلاته وجهان حكاهما القفال وغيره (أحدهما) تصح صلاته كما لو حمل حيوانا طاهر الظاهر لان النجاسة في الصورتين مستترة خلقة (وأظهرهما) أنها لا تصح كالنجاسات الطاهرة إذا حملها بخلاف باطن الحيوان لان للحيوان اثرا في درء النجاسات الا ترى انها إذا زالت نجس جميع الاجزاء وأما البيضة فهي جماد ويجرى هذا الخلاف فيما إذا حمل عنقودا استحال باطن حباته خمرا ولا رشح على ظاهرها وكذلك في كل استتار خلقي ولو حمل قارورة مصممة الرأس بصفر ونحوها وفيها نجاسة فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب ان صلاته تبطل لان الاستتار ههنا ليس بخلقي بخلاف البيضة والحيوان وعن أبي على بن أبي هريرة أنها تصح لان النجاسة باطنة لا يخرج منها شئ فاشبهت ما في البيضة وباطن الحيوان ولو حمل حيوانا مذبوحا بعد غسل الدم عن موضع الذبح فالذي قاله الائمة أن الصلاة باطلة بخلاف الحمل في حال الحياة ولم يذكروا ههنا الخلاف المذكور في البيضة ونحوها وذلك جواب منهم علي ظاهر المذهب والا فالنجاسة مستترة ههنا أيضا خلقة ويجوز أن يجعل منافذ الحيوان فارقا والله أعلم وقوله في مسألة حمل الطير لانها مستترة خلقة ظاهر اللفظ انما هو التعليل بمجرد الاستتار خلقة ولو كان كذلك لوجب ان لا يقع التردد في البيضة لوجود العلة لكن في الحيوان وجد امران الاستتار الخلقي وكونه في باطن الحيوان فكأن بعضهم جعل العلة مجموع الامرين ومنع من حمل البيضة وبعضهم اكتفى بالوصف الاول وجوز حمل البيضة فإذا قوله لانها مستترة خلقة اشارة الي الوصف الذى لابد منه ثم يبقى الكلام في انه مؤثر وحده أو مع شئ آخر وأراد بالبيضة المذكورة التى صار حشوها دما والا فهي كالمح المنتن وهو طاهر وقوله القارورة المصممة الرأس
[ ٤ / ٤١ ]
يعنى بالصفر والنحاس وما أشبه ذلك أما التصميم بالخرقة ونحوها فلا يغنى كلف النجاسة في الخرقة والشمع عند بعضهم كالخرقة والحقة القاضى ابن كج بالرصاص * قال (الثانية يعذر من طين الشوارع فيما يتعذر الاحتراز عنه غالبا وكذا ما علي الخف في حق من يصلى معه) *
طين الشوارع ينقسم الي ما يغلب علي الظن اختلاطه بالنجاسات والي ما يستيقن والي غيرهما فاما
[ ٤ / ٤٢ ]
غيرهما فلا بأس به واما ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات ففيه قولان سبق ذكرهما في باب الاجتهاد وأما ما تستيقن نجاسته فيعفى عن القليل منه لان الناس لابد لهم من الانتشار في حوائجهم وكثير منهم لا يملك الا ثوبا واحدا فلو أمروا بالغسل لعظم العناء والمشقة واما الكثير فلا يعفي عنه سائر النجاسات والقليل هو الذى يتعذر الاحتراز عنه والرجوع في الفرق بينه وبين الكثير الي العادة ويختلف الامر فيه بالوقت وبموضعه من البدن وذكر الائمة له تقريبا فقالوا القليل المعفو عنه هو الذى لا ينسب صاحبه الي سقطة أو نكبة أو قلة تحفظ فان نسب الي شئ
[ ٤ / ٤٣ ]
من ذلك فهو كثير وقوله ويعذر من طين الشوارع اراد به القسم الثالث وهو المستيقن النجاسة على ما صرح به في الوسيط ثم الذى يغلب علي الظن نجاسته في معناه ان فرعنا علي العمل بالغالب واما قوله وكذا ما على الخف في حق من يصلي معه فاعلم أولا أن اصحابنا حكوا عن الشافعي ﵁ قولين في أنه إذا أصابت أسفل خفه أو نعله نجاسة فدلكه بالارض حتى ذهب أجزاؤها هل تجوز صلاته فيه قالوا وهما؟؟ علي انه لا يطهر والكلام في العفو احدهما وهو القديم أنه تجوز صلاته فيه وبه قال أبو حنيفة لما روى انه ﷺ قال " إذا أصاب أحدكم أذى فليدلكه بالارض " ولان النجاسة تكثر في الطرق وغسله كل مرة
[ ٤ / ٤٤ ]
مما يشق فعفى عنه فاكتفى بالمسح كمحل النجو والثانى وهو الجديد أنه لا يجوز الصلاة فيه ما لم يغسل كالثوب إذا أصابته نجاسة والاذى في الخبر محمول علي المستقذرات وذكروا للقولين شروطا (أحدها) ان يكون تنجسه بنجاسة لها جرم يلتصق به أما البول ونحوه فلا يكفى فيه الدلك بحال (والثانى) ان يقع الدلك في حال الجفاف فاما ما دام رطبا فلا يغنى الدلك بلا خلاف (والثالث) حكى عن الشيخ ابي محمد ان الخلاف فيما إذا كان يمشى في الطريق فأصابته النجاسة من غير تعمد منه فاما إذا تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل لا محالة ثم قال الاصحاب الفتوى علي الجديد ولم يفرقوا في حكاية القولين بين
[ ٤ / ٤٥ ]
القليل والكثير من طين الشوارع المستيقن نجاسته ومن سائر النجاسات الغالبة في الطرق واعلم ثانيا ان قوله وكذا ما على الخف يعني من طين الشوارع وسائر النجاسات الغالبة في الطرق كالروث وغيره لان لفظه في الوسيط وكذا ما علي الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عن مثلها وإذا عرفت ذلك فلك ان تقول (ان قلنا) بالقديم فيحتمل نجاسة الخف ويكتفى بانتشار جرم النجاسة عنه بالدلك بعد الجفاف وان قلنا بالجديد فلا يحتمل ذلك فما معني قوله وكذا ما علي الخف اهو جواب على القديم ام كيف الحال والجواب ان خروجه علي القديم واضح لا ينكرو وراءه احتمالان اقربهما أن يكون القولان مفروضين في الكثير الذى لا يعفى عنه من النجاسات هل يجب غسله إذا اصاب الخف ام يكفى فيه الدلك ويكون المراد مما ذكره في الكتاب القليل من الطين المستيقن نجاسته ومن
[ ٤ / ٤٦ ]
الروث وغيره فيعفى عنه في الخف كما في الثوب والبدن من غير غسل ولا دلك بل العفو فيه لان الاحتراز اشق وكذلك يكتفى فيه بالدلك علي قول ولا يكتفى به في الثوب والبدن بحال فعلي هذا لا يتعين كلام الكتاب جوابا على القديم بل القليل معفو عنه بلا خلاف والاثر الباقي علي القديم ايضا فينتظم فيهما الحكم بالعفو مما علي الخف والاحتمال الثاني ان يؤخذ باطلاق القولين ويطرد في القليل والكثير من هذه النجاسات ويجوز ان يفرق علي هذا بين الخف والثوب بأن الحاصل علي الثوب لطخات قليلة والحاصل على الخف قدر كبير وايضا فان الخف ينزع في الغالب ولا يحتاج إلى استصحابه بخلاف الثياب فعلي هذا يتعين كلام الكتاب جوابا علي القديم ومتى وقع التفريع على القديم مرادا سواء كان ذلك كل المراد أو من المراد فيجب ان يريد بقوله وكذا ما على الخف
[ ٤ / ٤٧ ]
اثر النجاسات المذكورة بعد الجفاف دون عينها فانه لو بقى العين فلا يحتمل علي القديم ايضا كما لا يحتمل على الجديد وعلى الاحتمال الاول ينبغى ان يعفى عن اللوث الحاصل على جميع اسفل الخف واطرافه ويعد ذلك قليلا بخلاف ما لو كان علي الثوب والبدن وكذا يعفى عن اللوث في حال الرطوبة كما في
الثوب والبدن بخلاف ما إذا فرعنا علي القديم فان العفو يختص بالاثر الباقي بعد الجفاف والدلك ثم
[ ٤ / ٤٨ ]
العفو بكل حال فيما يحصل من غير قصد منه اما لو تعمد التلطيخ فلا وهكذا يكون الحكم في الثوب والبدن ولهذا قال في باب الاستقبال الماشي المتنفل لو مشي على نجاسة قصدا بطلت صلاته ولا تجب المبالغة في التحفظ عند كثرة النجاسات في الطرق (فان قلت) حكيتم ثم عن امام الحرمين أنه لو مشى علي نجاسة رطبة بطلت صلاته سواء كان قاصدا إليها أو لم يكن وهذا يخالف ما ذكرتم الآن (قلنا) ذاك إذا جرينا علي الاحتمال الاول الاقرب محمول علي ما إذا حصل تلويث كثير لا يقع في حد العفو واعلم أن قوله في باب المسح على الخفين يمسح أعلى الخف وأسفله إلا أن يكون على أسفله نجاسة إن كان تجويزا للصلاة معه وعفوا فتنزيله علي قضية القولين كما ذكرنا في قوله وكذا ما على الخف
[ ٤ / ٤٩ ]
ويمكن أن يقال ليس الغرض ثم سوى أنه لا يمسح علي الاسفل إذا كان عليه نجاسة كما قدمناه * قال (الثالثة دم البراغيث معفو عنه إلا إذا كثر كثرة يندر وقوعها ويختلف ذلك بالاوقات والاماكن فان وقع كثرته في محل الشك فالاحتياط أحسن والترخص به جائز ايضا) *
[ ٤ / ٥٠ ]
دم البراغيث ينقسم إلى قليل وكثير فالقليل معفو عنه في الثوب والبدن جميعا لانه مما تعم البلوى به ويشق الاحتراز عنه فعفي عنه نفيا للحرج واما الكثير ففيه وجهان أصحهما عند العراقيين والقاضي الرويانى وغيرهم انه يعفي عنه أيضا لانه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه والغالب في هذا الجنس عسر الاحتراز فيلحق غير الغالب منه بالغالب كما أن المسافر يترخص وإن لم يلحقه في سفره مشقة اعتبارا بالغالب ولان الحاجة الي الفرق والتمييز بين القليل والكثير مما توجب المشقة والوجه الثاني انه لا يعفي عنه لان الاصل اجتناب النجاسات وانما خالفنا في القليل لعموم البلوى به وهذا أصح عند امام الحرمين وهو المذكور في الكتاب وفى معنى دم البراغيث دم القمل والبعوض وما أشبه ذلك وكذا ونيم الذباب وبول الخفاش ولو كان قليلا فعرق وانتشر اللطخ
[ ٤ / ٥١ ]
بسببه ففيه الوجهان المذكوران في الكثير واختيار القاضي الحسين انه لا يعفى عنه لمجاوزته محله واختيار أبى عاصم العبادي العفو لتعذر الاحتراز ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير في دم البراغيث وغيره حكى فيه قولان قديمان أحدهما ان القليل قدر دينار فما دونه وان زاد عليه فهو كثير والثانى ان القليل ما دون قد الكف والجديد انه لا عبرة بذلك واختلفوا فيما يضبط به علي قياسه في الجديد علي وجهين أحدهما انه إذا بلغ حد يظهر للناظر من غير تأمل وامعان طلب فهو كثير وان كان دونه فهو قليل لان المقصود من الاحتراز عن النجاسات تعظيم أمر الصلاة وأداؤها على الهيئة
[ ٤ / ٥٢ ]
الحسني وإذا صارت النجاسة بحيث تظهر للناظرين فقد اختل معنى التعظيم وأظهرهما ان الرجوع فيه الي العادة فما يقع التلطيخ به غالبا وتعسر الاحتراز عنه فهو قليل وان زاد عليه فهو كثير وذلك لان اصل العفو انما اثبتناه لتعذر الاحتراز عن هذه النجاسة فينظر في الفرق بين القليل والكثير إليه ايضا فعلي الوجه الاول لا يختلف الحال بالاماكن والاوقات وعلى الوجه الثاني هل يختلف فيه وجهان
[ ٤ / ٥٣ ]
احدهما لا بل يعتبر الوسط المعتدل ولا ينظر في الازمنة والامكنة الي ما يندر فيه ذلك ولا إلى ما يتفاحش فيه وأظهرهما انه يختلف الامر باختلاف الاوقات والاماكن لان لها تأثيرا ظاهرا في سهولة الاحتراز وعسرة فعلى هذا يجتهد المصلى فيه وينظر اهو قليل أم كثير وإذا فرعنا علي ما ذكره في الكتاب وهو أن الكثير لا يعفي عنه فلو شك في ان ما اصابه قليل أو كثير فقد ذكر امام الحرمين فيه احتمالين
[ ٤ / ٥٤ ]
أحدهما انه لا يعفى عنه لان الاصل اجتناب النجاسة والرخصة انما تثبت في القليل فإذا شككنا في انه قليل ام لا فقد شككنا في المرخص والثانى انه يعفى لان الاصل في هذه النجاسة العفو الا إذا تيقنا الكثرة وهذا هو الذى رجحه وذكره في الكتاب حيث قال والترخص جائز ايضا والاول هو الاحتياط
[ ٤ / ٥٥ ]
ولنبين المواضع المستحقة للعلامات من هذا الفصل قوله الا إذا كثر ينبغي ان يعلم بالواو للوجه الصائر إلى العفو في الكثير والقليل وكذلك بالحاء والالف لان الحكاية عن أبي حنيفة ان دم البراغيث طاهر وبه قال أحمد في أصح الروايتين فلا فرق بين القليل والكثير وهذا مذهبهما في الرطوبة
[ ٤ / ٥٦ ]
المنفصلة عن كل ما ليس له نفس سائلة كونيم الذباب ونحوه وقوله كثرة يندر وقوعها بالواو اشارة الي القولين القديمين فانهما لا ينظران الي غلبة الوقوع وندرته ولا يعتبران الكثرة بندرة الوقوع وقوله ويختلف ذلك بالاوقات والاماكن للوجه الصائر إلى مراعاة الظهور والوجه المعتبر للوسط ايضا وقوله والترخص جائز أيضا ينبغي ان يعلم ايضا للاحتمال الاول على ما سبق قال (الرابعة دم البثرات وقيحها وصديذها معفو عنه وان أصابه من بدن غيره فوجهان ولطخات الدماميل والفصدان دام غالبا فكدم الاستحاضة وان لم يدم ففى الحاقها بالبثرات تردد) دم البثرات كدم البراغيث لان الانسان قلما يخلو عن بثرة يترشح منها شئ فلو وجب الغسل كل مرة لشق بل ليس دم البراغيث الا رشحات تمصها البراغيث من بدن الانسان ثم
[ ٤ / ٥٧ ]
تمجها والا فليس لها دماء في نفسها ذكره امام الحرمين وغيره ولذلك عدت البراغيث مما ليس له نفس سائلة إذا تمهد ذلك فالقليل منه معفو عنه بلا خلاف وفى الكثير وجهان كما في دم البراغيث ولفظ الكتاب ههنا وان كان مطلقا الا انه اراد به القليل لوجهين (أحدهما) أنه أجاب بعدم العفو في دم البراغيث إذا كان كثيرا والخلاف في الدمين واحد فلا ينتظم أن نحكم ههنا
[ ٤ / ٥٨ ]
بالعفو في الكثير والثانى انه قال متصلا به وان أصابه من بدن الغير فوجهان والخلاف فيما يصيبه من بدن الغير في القليل دون الكثير على ما سيأتي وإذا كان مراده القليل فلا حاجة إلى اعلامه بالواو من حديث أن اللفظ يتناول الكثير وهو مختلف فيه لان القلة مضمرة فيه لكن يجوز ان يعلم بالواو من جهة انه يشمل ما إذا عصر البثرة قصدا واخرج ما فيها وقد
[ ٤ / ٥٩ ]
نقل صاحب التتمة في هذه الصورة وجهين لانه مستغنى عنه والاظهر العفو علي ما يقتضيه اطلاق الكتاب لما روى أن ابن عمر ﵄ عصر بثرة على وجهه ودلك بين اصابعه بما خرج منها وصلي ولم يغسله ولو اصابه دم من بدن غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما نظر ان كان كثيرا
[ ٤ / ٦٠ ]
فلا عفو عنه لانه قدر فاحش والاحتراز عنه سهل وان كان قليلا وهو المراد من لفظ الكتاب فقد حكى فيه وجهين وكذلك فعل الصيدلانى وجماعة والجمهور حكوهما قولين احدهما وهو نصه في الاملاء انه لا يعفى عنه لانه لا يشق الاحتراز عنه فاشبه القليل من الخمر وسائر النجاسات والثانى وهو نصه في القديم وفى الام انه يعفي عنه لان جنس الدم يتطرق إليه العفو فيقع القليل منه في محل
[ ٤ / ٦١ ]
المسامجة والاصح منهما عند العراقيين انما هو العفو وتابعهم صاحب التهذيب وعند امام الحرمين وجماعة عدم العفو وهو الاحسن ولو أصابه شئ من دم نفسه ولكن لا من البثرات بل من
[ ٤ / ٦٢ ]
الدماميل والقروح ومن موضع الفصد والحجامة ففيه وجهان (احدهما) ويحكى عن ابن سريج انه كدم البثرات لانها وان لم تكن غالبة فليست بنادرة ايضا وإذا وجدت دامت وعسر الاحتراز
[ ٤ / ٦٣ ]
عن لطخها ولان الفرق بين البثرات والدماميل الصغار قد يعسر والثانى انها لا تلحق بدم البثرات
[ ٤ / ٦٤ ]
لان البثرات لا يخلو معظم الناس عنها في معظم الاحوال بخلاف الدماميل والجراحات وعلي هذا فينظر ان كان مثلها مما يدوم غالبا فهى كدم الاستحاضة وحكمه ما سبق في الحيض وان كان مما لا يدوم غالبا
[ ٤ / ٦٥ ]
فيلحق بدم الأجنبي حتى لا يعفى عن كثيره بحال وفى قليله الخلاف الذى سبق والوجه الاول هو قضية كلام
الاكثرين حيث لم يفرقوا في الدم الخارج من البدن بين ان يخرج من البثرات أو غيرها والوجه الثاني وهو اختيار القاضى ابن كج والشيخ ابى محمد وامام الحرمين ﵏ وهو الاولي وإذا أردت تلخيص حكم الدماء بعد دم البراغيث فطريقه علي قضية الوجه الاول أن نقول ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه فهو كدم البراغيث والى غيره فلا يعفي عن كثيره وفى قليله الخلاف وعلي قضية الوجه الثاني أن نقول ما سوى دم البراغيث ينقسم الي الخارج من بدنه على وجه يعم وهو دم البثرات فهو كدم البراغيث والي غيره ويدخل فيه ما يخرج من بدنه وعلي وجه لا يعم وما يخرج من غيره فلا يعفي عن كثيره وفى قليلة الخلاف وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه لانهما دما مستحيلان الي نتن وفساد وأما ماء القروح والنفطات فان كان له رائحة كريهة فهو نجس كالقيح والصديد والا ففيه طريقان (أحدهما) القطع بطهارته تشبيها له بالعرق (والثاني)
[ ٤ / ٦٦ ]
فيه قولان (احدهما) هذا (وأظهرهما) النجاسة كالصديد الذى لا رائحة له ويحكى هذا عن الشيخين أبي محمد وأبى علي وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فمنه ما اندرج في اثناء الكلام ومنه ان قوله وان أصابه من بدن الغير راجع الي اول كلامه وهو دم البثرات لكن الخلاف في دم الغير لا يختص بالخارج من بثراته بل يستوى فيه الخارج من البثرات وغير البثرات وقوله ولطخات الدماميل والفصد وقد يقرأ بعضهم بدل الفصد العقد ولا بأس به فموضع الفصد والحجامة والدماميل كلها في الحكم سواء وقوله ان دام غالبا أي أن دام مثلها غالبا وكذا قوله وان لم يدم أي مثلها أو ما اشبه ذلك والا فلا يمكن ان يكون قوله دام ولم يدم صفة الدماميل ولا صفة اللطخات لان منها ما هو دائم ومنها ما هو غير دائم فلا يجوز وصف كلها لا بالدوام ولا بعدم الدوام ثم لك ان تستدرك فتقول نظم الكتاب يقتضى أن يكون التردد في الحاقها بدم البثرات مخصوصا بلطخات الدميل التى لا تدوم وان تكون
[ ٤ / ٦٧ ]
لطخات الدماميل الدائمة ملحقة بدم الاستحاضة من غير تردد وليس الامر كذلك بل حكى امام الحرمين وغيره في الحاقها بدم البثرات وجهين مطلقا كما قدمنا ثم يفصل على وجه عدم الالحاق
فيقال ما يدوم منها كدم الاستحاضة وما لا يدوم كدم الأجنبي وايراده في الوسيط محتمل لما ذكره في الوجيز ولما هو الحق * قال (الخامسة الجاهل بنجاسة ثوبه فيه قولان الجديد وجوب القضاء فان كان عالما ثم نسي فقولان مرتبان واولى بالوجوب (م) ومثار التردد انه من قبيل المناهى فيكون النسيان عذرا فيه أو من قبيل الشروط كطهارة الحدث) *
[ ٤ / ٦٨ ]
إذا صلي وعلي ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنهما وهو لا يدرى نظر ان لم يعلم بها أصلا ثم تبين الامر له ففى وجوب القضاء قولان الجديد وبه قال أبو حنيفة انه يجب كما لو بان له بعد الفراغ من الصلاة انه كان محدثا والقديم انه لا يجب لما روى انه صلي الله عليه وسلم " خلع نعله في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما قضى صلاته قال ما حملكم علي ما صنعتم قالوا رأيناك القيت نعلك فالقينا نعالنا فقال ان جبريل أتاني واخبرني أن فيها قذرا " والاستدلال انه بعد تبين الحال مضى في صلاته ولم يستأنف ولو علم بالنجاسة ثم نسى فصلى ثم تذكر فطريقان (احدهما) القطع بوجوب القضاء لتفريطه (والثانى) أنه علي القولين لان النسيان عذر كالجهل ويقال
[ ٤ / ٦٩ ]
ان القول بعدم وجوب الاعادة مخرج من القول القديم في نسيان الماء في الرحل ولا يمكن اعتبارها بالحدث فان العفو الي النجاسات أسرع منه إلي الحدث فيجوز ان يعد الجهل والنسيان فيها من الاعذار ثم إذا أوجبنا الاعادة فيجب اعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع تلك النجاسة وان احتمل انها حدثت بعد ما صلي فلا شئ عليه وعن أبي حنيفة ان كانت النجاسة رطبة اعاد صلاة واحدة وان كانت يابسة وكان في الصيف فكذلك وان كان في الشتاء اعاد صلاة يوم وليلة إذا عرفت ذلك فاعلم ان قوله الجاهل بنجاسة ثوبه المراد منه النجاسة التى لا يعفي عنها والخلاف لا يختص بالثوب بل البدن والمكان في معناه وإنما ذكر الثوب مثالا فقوله الجديد وجوب القضاء اعلم لفظ الوجوب بالميم لان المنقول عن مالك انه كان الوقت باقيا يعيد والا فلا قال الشيخ أبو حامد ومهما قال مالك ذلك
[ ٤ / ٧٠ ]
فلا يوجب الاعادة ولكن يستحبها في الوقت وحكى امام الحرمين مثل ذلك عن أئمة مذهبه ويجوز ان يعلم بالالف ايضا لانه روى عن أحمد روايتان في المسألة كالقولين وقوله فقولان مرتبان في الصورة الثانية يشير الي أن فيها طريقين كما رويناهما وقوله وأولي بالوجوب يجوز ان يعلم لفظ الوجوب بالميم والالف اشارة الي مذهبهما والحكم عندهما واحد في الصورتين وقوله ومثار التردد الي آخره شرحه ان خطاب الشارع قسمان (أحدهما) خطاب التكليف بالامر أو النهي والنسيان يؤثر في هذا القسم الا يرى ان الناس لا ياثم بترك المأمور ولا بفعل المنهى لانه لم يبق مكلفا عند النسيان بل التحق بالمجنون وبسائر من لا يخاطب والقسم الثاني خطاب الاخبار وهو ربط الاحكام بالاسباب وجعل الشي شرطا من هذا القبيل فان معناه ان يقول إذا لم يوجب كذا في كذا فهو غير معتد به والنسيان لا يؤثر في هذا القسم ولهذا يجب الضمان علي من اتلف مال الغير ناسيا لانه مأخوذ من قوله من أتلف ضمن واختلاف القولين مستند الي أن استصحاب النجاسة من قبيل المناهي في الصلاة
[ ٤ / ٧١ ]
حتى إذا كان ناسيا يعذر ولا يعد مقصرا مخالفا أو الطهارة عنها من قبيل الشروط فلا يؤثر الجهل والنسيان كما في طهارة الحدث وقد ورد في الباب الفاظ ناهية نحو قوله صلي الله عليه وسلم " تنزهوا من البول " وقوله تعالي والزجر فاهجروا الفاظ شارطة نحو ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم ": فهذا بيان ما ذكره واعلم ان هذا الكلام يوجب ان يكون
[ ٤ / ٧٢ ]
قوله من قبل الشرط الثاني طهارة الحدث بناء على قوله الجديد وان يكون القول القديم منازعا فيه ثم لك أن تقول انه عد ترك الكلام من الشروط ومعلوم ان الكلام ناسيا لا يضر بلا خلاف بيننا فان كانت الشروط لا تتأثر بالنسيان فمن الواجب ان لا يعده شرطا وحيث ادرجه في الشروط فكأنه
[ ٤ / ٧٣ ]
اراد بالشروط عند عد الاشياء الستة ما لا بد منه في الصلاة عند العلم واراد بالشروط في قوله ههنا
ومن قبيل الشروط ما لا بد منه مطلقا وما لا بد منه عند العلم قد يكون بحيث لا بد منه علي الاطلاق وقد لا يكون كذلك ثم بتقدير ان يكون استصحاب النجاسة من المناهى في الصلاة فلم تبطل الصلاة إذا استصحبها عالما ايلزم ذلك من نفس النهي ام يؤخذ من دليل زائد فيه كلام اصولي
[ ٤ / ٧٤ ]
لا اطول منها بذكره خاتمة لهذا الشرط قوله في اول القسم الثاني اما مظان الاعذار فخمس يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة لكن للعذر مظان أخر منها النجاسة التى تستصحبها المستحاضة وسلس البول في صلاته ومنها ما إذا كان على جرحه دم كثير يخاف من ازالته ومنها تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف ومنها الشعر الذى ينتف ولا يخلوا عنه ثوبه
[ ٤ / ٧٥ ]
وبدنه وحكمه حكم دم البراغيث ومنها القدر الذى لا يدركه الطرف من البول والخمر وغير الدم من النجاسات ففيه خلاف ذكرناه في الطهارة وقال أبو حنيفة النجاسة قسمان مغلظة ومخففة فالمغلظة
[ ٤ / ٧٦ ]
كالخمر والعذرة وبول ما لا يؤكل لحمه فيعفى عنها في الثوب والبدن والمكان بقدر الدرهم البغلي فما دونه فان زاد لم يجز والمخففة كبول ما يؤكل لحمه فتجوز الصلاة معه ما لم يتفاحش وهو ان لا يبلغ ربع الثوب ومنهم من قال التفاحش الشبر في الشبر *
[ ٤ / ٧٧ ]
قال (الشرط الثالث ستر العورة وهو واجب في غير الصلاة وفى وجوبه في الخلوة تردد والمصلي في الخلوة يلزمه الستر في الصلاة) * وجوب ستر العورة عند القدرة لا يختص بحالة الصلاة بل يجب في غير حالة الصلاة أيضا لما روى انه صلي الله عليه وسلم " قال لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حى ولا ميت " وروى
[ ٤ / ٧٨ ]
" لا تبرز فخذك " وهذا إذا كان معه غيره فاما إذا كان في الخلوة فوجهان احدهما وبه قال الشيخ أبو محمد
لا يجب إذ ليس ثم من ينظر إليه وروى هذا عن أبى حنيفة واحمد واصحهما وبه قال الشيخ أبو علي
[ ٤ / ٧٩ ]
يجب لظاهر الخبر وللتستر عن الجن والملائكة وأيضا فان الله تعالي أحق ان يستحيي منه واما في حالة الصلاة فهو شرط للصحة فلو تركه مع القدرة بطلت صلاته سواء كان في خلوة أو معه غيره
[ ٤ / ٨٠ ]
خلافا لمالك حيث قال انه ليس بشرط لكنه واجب في الصلاة وغيرها وروى بعضهم عن مذهبه أن الستر شرط عند الذكر ولا يشترط حالة النسيان لنا قوله تعالي خذوا زينتكم عند كل مسجد عن ابن عباس ﵄ انه قال يعنى الثياب عند الصلاة وروى أنه ﷺ قال " لا يقبل الله صلاة الحائض الا بخمار " والمراد بالحائض البالغة فلك أن تعلم قوله الشرط الثالث ستر العورة بالميم
[ ٤ / ٨١ ]
لما حكينا عن مذهب مالك وقوله يلزمه الستر في الخلوة ان كان المراد منه الاشتراط فكذلك ينبغى أن يعلم بالميم وان كان المراد منه الوجوب فلا ويجوز أن يعلم قوله ستر العورة بالحاء والالف أيضا لانه يشير إلى أن ستر الكل شرط فانه لو كان البعض مكشوفا فاصح أن يقال ما ستر عورته انما ستر بعضها وعند أبي حنيفة لو ظهر من العورة المغلظة قدر درهم بطلت صلاته ولا باس بظهور ما دونه ولو ظهر من العورة المخففة قدر ربع عضو بطلت الصلاة ولا باس بظهور ما دونه قال والمغلظة السوأتان والمخففة ما سواهما
[ ٤ / ٨٢ ]
علي تفاوته بين الرجل والمرأة كما سيأتي وعند أحمد لو ظهر اليسير من العورة لم يضر ولم يقدر كما فعله أبو حنيفة ﵀ * قال (وعورة الرجل ما بين السرة والركبة وعورة الحرة جميع بدنها الا الوجه واليدين إلى الكوعين وظهر القدم عورة في الصلاة وفى أخمصها وجهان أما الامة فما يبدو منها في حال المهنة ليس بعورة وما هو عورة من الرجل فو عورة منها وما بينهما) *
[ ٤ / ٨٣ ]
ترجمة هذا الشرط الثالث انما هي ستر العورة فيجب بيان العورة وبيان كيفية الستر وانه بم يحصل وهذا الفصل لبيان حد العورة وهى من الرجل حرا كان أو عبدا ما بين السرة والركبة وليست السرة من العورة ولا الركبة علي ظاهر المذهب لما روى عن أبى أيوب الانصاري ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " ما فوق الركبة ودون السرة عورة " وروى انه قال " عورة الرجل ما بين سرته
[ ٤ / ٨٤ ]
وركبته " وليكن قوله ما بين السرة والركبة معلما بالحاء لان عند ابي حنيفة الركبة غير خارجة عن حد العورة وان كانت السرة خارجة وبالميم لان عن مالك الفخذ ليس بعورة وبالواو لامور ثلاثة (أحدها) انهم حكوا وجها عن بعض الاصحاب أنهما جميعا من العورة (والثانى) أن أبا عبد الله الحناطي حكى عن
[ ٤ / ٨٥ ]
الاصطخرى أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط (والثالث) أن أبا عاصم العبادي حكي عن بعضهم أن الركبة من العورة دون السرة وليكن معلما بالالف ايضا لان عن احمد رواية أن عورته القبل والدبر
[ ٤ / ٨٦ ]
لا غير وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا وهي أظهر عندهم وايضا فان المراد من العورة ههنا ما يجب ستره في الصلاة وعنده يجب ستر المنكب في الصلاة المفروضة وهو خارج عما بين السرة والركبة اما المرأة فان كانت حرة فجميع بدنها عورة الا الوجه واليدين لقوله تعالي (ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها) قال
[ ٤ / ٨٧ ]
المفسرون هو الوجه والكفان وليس المراد الراحة وحدها بل اليدان ظهرا وبطنا الي الكوعين خارجتان عن حد العورة ولا يكاد يفرض ظهور باطن اليدين دون ظاهرهما ولا يستثنى ظهور قدميها
[ ٤ / ٨٨ ]
خلافا لابي حنيفة حيث قال القدمان من العورة وبه قال المزني لنا ما روى صلي الله عليه وسلم " سئل عن المرأة تصلي في درع وخمار من غير ازار فقال لا باس إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " وهل يستثني اخمصا القدمين حكي صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين وجعلهما آخرون قولين منهم
القفال (احدهما) انهما ليستا من العورة لان النبي صلي الله عليه وسلم خص ظهور القدمين بالذكر فاشعر ذلك بان تغطية باطن القدمين لا تجب (واصحهما) انهما من العورة تسوية بين ظاهرهما وباطنهما كما يسوى
[ ٤ / ٨٩ ]
بين ظاهر اليدين وباطنهما في الخروج عن حد العورة: ولك ان تعلم قوله واليدين بالالف لان اصحابنا حكوا عن احمد انه لا يستثنى الا الوجه ويدها عورة وقوله وظهر القدمين عورة في الصلاة كالمستغنى عنه ولو اقتصر علي قوله الا الوجه واليدين وفى اخمصي قدميها وجهان لحصل الغرض لانه إذا لم يستثن الا الوجه واليدين بقى ظهر القدمين داخلا في المستثنى منه واذ ذكره فليعلم بالحاء والزاى لما قدمناه وقوله عورة في الصلاة أشار به إلى ان العورة قد تطلق لمعنى آخر وهو ما يحرم النظر إليه وكلامنا
[ ٤ / ٩٠ ]
الآن فيما يجب ستره في الصلاة فاما ما يجوز النظر إليه وما لا يجوز فيذكر في اول كتاب النكاح هذا ما قصده لكن هذه الاشارة لا اختصاص لها بظهر القدم فلو تعرض لها في اول ما ذكر العورة لكان احسن واما الامة فقد جعل بدنها على ثلاث مراتب (احداها) ما هو عورة من الرجل فلا شك في كونه عورة منها (والثانية) ما يبدو وينكشف في حال المهنة فليس بعورة منها وهو الراس والرقبة والساعد وطرف الساق لانها تحتاج الي كشفه ويعسر عليها ستره وفيه وجه ان جميع ذلك عورة كما في حق الحرة سوى الرأس لان عمر ﵁ رأى أمة سترت رأسها فمنعها عن ذلك وقال أتتشبهين بالحرائر فليكن قوله مما يبدو منها في حال المهنة معلما بالواو لهذا الوجه (والثالثة) ما عداهما كالظهر والصدر وفيه وجهان أحدهما انه عورة كما في حق الحرة وانما احتملنا الشكف فينا يظهر عند المهنة لان الحاجة تدعو إليه واصحهما انه ليس بعورة لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال في الرجل يشترى الامة " لا باس أن ينظر إليها الا الي العورة وعورتها بين معقد ازارها الي ركبتها " وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الامة وحكم الخنثي المشكل ان كان رقيقا وقلنا بظاهر المذهب وهو ان عورة الامة كعورة الرجل فلا يلزمه أن يستر في صلاته الا ما بين السرة والركبة وان كان حرا أو رقيقا وقلنا ان عورة الامة أكثر من عورة الرجل وجب عليه ستر الزيادة على عورة الرجل ايضا
لجواز الانوثة فلو خالف ولم يستر الا ما بين السرة والركبة فهل تجزيه صلاته فيه وجهان نقلهما في البيان أحدهما نعم لان كون الزيادة عورة مشكوك فيه والثانى لا لاشتغال ذمته بفرض الصلاة والشك في براءتها *
[ ٤ / ٩١ ]
قال (وأما الساتر فكل ما يحول بين الناظر وبين البشرة ولا يكفى الثوب السخيف ولا الماء الصافى ويكفى الماء الكدر والطين وفى وجوب التطيين عند فقد الثوب وجهان وإذا كان القميص متسع الذيل فلا باس وان كان متسع الجيب لم يجز الا إذا كانت كثافة لحيته تمنع من الرؤية عند الركوع فيجوز علي أحد الوجهين وكذا لو ستر باليد بعض عورته) * في الفصل مسألتان (أحداهما) في صفة الساتر ويجب ان يستر عورته بما يحول بين الناظر ولون البشرة فلا يكفى الثوب الرقيق الذى يشاهد من ورائه سواد البشرة وبياضها وكذا الغليظ المهلهل النسج الذي تظهر بعض العورة من فرجه فان مقصود الستر لا يحصل بذلك اما لو ستر اللون ووصف حجم الاعضاء فلا باس كما لو لبس سروالا ضيقا أو ثوبا ضيقا ووقف في الشمس وكان حجم أعضائه يبدو
[ ٤ / ٩٢ ]
من وارئه ولو وقف في ماء صاف لم تصح صلاته لانه لا يحول بين الناظر ولون البشرة الا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء فان خاض فيه الي عنقه ومنعت الخضرة من رؤية لون البشرة فحينئذ يجوز وقوله ولا الماء الصافى المراد منه غير هذه الحالة وان كان اللفظ مطلقا ولو وقف في ماء كدر وصلي فهل يجزئه فيه وجهان اصحهما وهو المذكور في الكتاب انه يجزئه لانه يمنع مشاهدة اللون فاشبه ورق الشجر والجلد وغيرها والثانى لا يجزئه لانه لا يعد ساتر حكي هذا عن الحاوى ونقله أبو الحسن العبادي عن القفال ايضا وانما تفرض الصلاة في الماء إذا قدر علي الركوع والسجود علي الارض أو كان في صلاة الجنازة حتى لا يحتاج إلى الركوع والسجود ولو طين عورته واستتر اللون اجزأه وان قدر على الستر بالثياب لحصول مقصود الستر هذا هو المشهور وذكر امام الحرمين انه متفق عليه بين الاصحاب لكن صاحب العدة قال
[ ٤ / ٩٣ ]
فيه وجه آخر انه لا يجوز لانه إذا جف تشقق فلا يحصل به الستر وهذا قريب من الوجه المحكي في الماء الكدر فان الستر بهما مما لا يعتاد بحال فليكن كل واحد من اللفظين الماء الكدر والطين معلما بالواو وإذا فرعنا على الظاهر فلو لم يجد ثوبا ونحوه وأمكنه التطيين فهل يجب عليه ذلك فيه وجهان احدهما لا وبه قال أبو اسحق لما فيه من المشقة والتلويث واصحهما نعم لحصول الستر وإذا طين فان كان الطين ثخينا وأمكن الاحتراز عن مس الفرج بثخنه فذاك وان كان رقيقا فليلف خرقة علي اليد ان وجدها وله ان يستعين فيه بغيره وكل هذا إذا عجز عن تقديم التطيين علي الوضوء (المسألة الثانية) في كيفية الستر قال الاصحاب الستر يرعى من الجوانب ومن فوق ولا يرعي من اسفل الازار والذيل حتي لو صلى في قميص متسع الذيل وان كان على طرف سطح يرى عورته من نظر من الاسفل لان الستر انما
[ ٤ / ٩٤ ]
يلزم من الجهة التى جرت العادة بالنظر منها والعادة لم تجر بالنظر من أسفل وتوقف امام الحرمين وصاحب المعتمد في صورة الواقف علي طرف السطح لان الستر من الاسفل انما لا يراعي إذا كان علي وجه الارض فان التطلع من تحت الازار لا يمكن الا بحيلة وتعب أما إذا كان علي طرف السطح فالاعين تبتدر ادراك السوءة فليمتنع ذلك ولو صلي في قميص واسع الجيب ترى عورته من الاعلي في حال من احوال الصلاة اما في الركوع والسجود أو غيرهما لم تصح الصلاة لما روى عن سلمة بن الاكوع قال " قلت يا رسول الله انى رجل اصيد أفاصلى في القميص الواحد قال نعم وازرره بشوكة " وطريقه عند سعة الجيب أن يزره
[ ٤ / ٩٥ ]
كما أرشد إليه النبي صلي الله عليه وسلم أو يشد وسطه بخيط أو يستر موضع الجيب بشئ يلقيه على عاتقه أو ما أشبه ذلك وكذا لو لم يكن واسع الجيب لكن كان علي صدر القميص أو ظهره خرق تبدو منه العورة فلا بد من شئ مما ذكرناه ولو كان القميص بحيث يرى من سعة جيبه شئ من العورة عند الركوع والسجود لكن منع منها لحيته أو شعر رأسه ففيه وجهان أحدهما لا تجزيه صلاته لان الساتر لا بد وان يكون غير المستتر فلا يجوز أن يكون بعضه لباسا له وهذا ما ذكره القاضي ابن كج والروياني واصحهما أنه يجوز لحصول مقصود الستر كما لو ستره بمنديل وكما لو كان على ازاره ثقبة فجمع عليها الثوب
بيده ولو ستر باليد الثقبة ففيه الوجهان ولا يخفى أن الكلام فيما إذا لم تمس السوءة ولو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع ولا مانع وكان لا يظهر شئ منها في القيام فهل تنعقد صلاته ثم إذا انحنى بطل أو لا تنعقد أصلا قال امام الحرمين فيه هذا الوجهان لان سبب عدم التكشف التصاق صدره في القيام بموضع ازراره وتظهر فائدة الخلاف فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع وفيما لو القى ثوبا على عاتقه قبله ويتبين بما ذكرناه أن قوله الا إذا كانت كثافة لحيته مانعة من الرؤية ليس لحصر الاستثناء في هذه الصورة بل لو صلى في قميص متسع الجيب وشد وسطه أو أتى بطريق آخر يمنع الرؤية كما سبق جاز وكذا لو ستر باليد بعض عورته في جريان الوجهين والاصح منهما (واعلم) أنه يشترط في الستر ان يكون الساتر شيئا يشتمل الستور عليه اما باللبس كالثوب والجلد أو بغير
[ ٤ / ٩٦ ]
اللبس كما في صورة التطيين فأما الفسطاط الضيق ونحوه فلا عبرة به لانه لا يعد مشتملا عليه وانما يقال هو داخل فيه ولو وقف في جب وصلي على جنازة فان كان واسع الرأس تظهر منه العورة لم يجز وان كان ضيق الرأس فقد قال في التتمة يجوز ذلك ومنهم من قال لا يجوز لانه لا يعد ذلك سترا * قال (ولو وجد خرقة لا تكفى الا لاحدى السوءتين لم يستر بها الفخذ ويخير بين السوءتين علي أعدل الوجوه إذ لا ترجيح ولو عتقت الامة في أثناء الصلاة تسترت واستمرت فان كان الحمار بعيدا فعلي قولي سبق الحدث) *
[ ٤ / ٩٧ ]
في الفصل مسالتان نذكرهما وما يليق بهما في قاعدتين (احداهما) إذا لم يجد المصلى ما يستر به العورة صلى عاريا والقول في أنه كيف يصلى وإذا صلى هل يقضى قد سبق في آخر كتاب التيمم ولو حضر جمع من العراة فلهم أن يصلوا جماعة وينبغى أن يقف امامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة وهل يسن لهم اقامة الجماعة أم الاولى ينفردوا فيه قولان القديم أن الانفراد اولي ويحكى عن أبي حنيفة ولو كان فيهم لابس فليؤمهم وليقفوا صفا واحدا خلفه فان خالفوا فأم عار واقتدى به اللابس جاز خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يجوز اقتداء
اللابس بالعارى ولو اجتمع رجال ونساء فلا يصلون معا لا في صف ولا في صفين بل يصلي الرجال أولا والنساء جالسات خلفهم مستدبرات للقبلة ثم يصلي الرجال والنساء جالسون خلفهن كذلك ولو وجد المصلي ما يستر به بعض العورة فعليه أن يستر به القدر الممكن بلا خلاف لا كمن يجد من الماء
[ ٤ / ٩٨ ]
ما لا يكفيه لطهارته فان فيه خلافا قدمناه لان للماء بدلا ينتقل إليه والستر بخلافه ثم ان كان ما وجده يكفى للسوءتين بدأ بهما ولو كان لا يكفى الا أحدهما لم يعدل الي ستر غيرهما كالفخذ لان ما سوى السوءتين كالتابع والحريم لهما فسترهما أهم واولي وفيهما ثلاثة أوجه أصحها عند جمهور الاصحاب وحكوه عن نص الشافعي ﵁ أنه يستر القبل رجلا كان أو امرأة لانه لا حائل دون القبل ودون الدبر حائل وهو الاليتان والثانى انه يستر الدبر لانه افحش عند الركوع والسجود والثالث انه يتخير لتعارض هذين المعنيين حكى هذا الوجه القاضي ابن كج وغيره وهو ارجح عند المصنف وأعدل لتقابل الامرين وانتفاء الترجيح لكن من صار الي الوجه الاول ذكر شيئا آخر وهو انه يستقبل بالقبل القبلة فيكون ستره اهم تعظيما لها وهذا كله في واضح الذكورة والانوثة
[ ٤ / ٩٩ ]
أما الخنثى المشكل ان وجد ما يستر به قبله ودبره قدم سترهما فان لم يف الموجود بهما وفرعنا على انه يقدم القبل فيستر قبليه فان كان لا يكفى الا لاحدهما ستر ايهما شاء والاولي ان يستر آلة الرجال ان كان ثم امراة وآلة النساء ان كان ثم رجل ثم ما ذكرناه من تقديم السوءتين أو احداهما علي الفخذ وغيره ومن تقديم احدى السوءتين علي الاخرى على الخلاف الذى فيه كلام في الاستحقاق أو في الاولوية والاستحباب قال امام الحرمين لا يمتنع ان يقال الكلام في الاولوية وله ستر ما شاء لان الفخذ وما دون السرة من العورة ولا فرق عندنا بين السوءة وغيرها في وجوب الستر وابو حنيفة
[ ٤ / ١٠٠ ]
﵀ هو الذى يفصل ويقسم العورة الي مغلظة ومخففة قال وفى كلام الاصحاب ما يدل علي أنه في التحتم نظر الي عرف الناس فان من ستر فخذه وترك السوءة بادية يعد منكشفا (واعلم) أن الاول
من هذين الاحتمالين هو الذى أورده طائفة منهم القاضى الرويانى وردوا الكلام الي الاولوية صريحا والثاني قضية كلام الاكثرين وهو الاولى وقوله في الكتاب لم يستر بها الفخذ: ان كان المراد منه احد الاحتمالين فليعلم بالواو لمكان الثاني وان كان المراد المشترك بينهما وهو الظاهر
[ ٤ / ١٠١ ]
فذاك (الثانية) لو كانت الامة تصلي مكشوفة الرأس فعتقت في خلال الصلاة نظر ان لم تقدر على الستر مضت في صلاتها كالعاجز ياتي بجميع الصلاة في العرى وان كانت قادرة على الستر لكنها لم تشعر بقدرتها عليه أو لم تشعر بالعتق حتي فرغت من الصلاة ففى وجوب القضاء عليها القولان المذكوران فيما إذا صلي جاهلا بنجاسة ثوبه ومنهم من قطع بالوجوب ههنا لانها كانت متمكنة من الستر قبل الشروع في الصلاة وان شعرت بهما فان كان الخمار قريبا منها فطرحته علي رأسها أو طرحه غيرها عليها مضت في صلاتها وكان ذلك بمثابة ما لو كشف الريح عورته فرد الثوب في الحال وان كان بعيدا أو احتاجت في التستر إلى أفعال كثيرة ومضي مدة في التكشف ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث فان فرعنا على القديم فلها ان تسعى في طلب الساتر كما يسعي في طلب الماء وان وقفت حتي أتيت به نظر ان وصل إليها في المدة التي كانت تصل إليه لو سعت فلا باس وان زادت المدة فوجهان
[ ٤ / ١٠٢ ]
أحدهما يجوز ذلك لما فيه من ترك المشي والافعال وأظهرهما لا يجوز وتبطل صلاتها لزيادة المدة وكثره الافعال لا باس بها علي القول الذى يفرع عليه وينبغي أن يطرد هذا التفصيل والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث وان لم نذكره ثم هو لو شرع العارى في الصلاة ثم وجد السترة في اثنائها فحكمه علي ما ذكرنا في الامة تعتق وهي واجدة السترة: ونختم الكلام في هذا الشرط بفروع مهمة (منها) أنه ليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرا ولو وهبه منه لم يلزمه قبوله وحكى فيه وجهان آخران أحدهما أنه يلزمه القبول والصلاة فيه ثم له الرد والثاني عليه القبول وليس له الرد ولو اعاره منه فعليه القبول فلو لم يقبل وصلي عريانا لم تصح صلاته ولو باعه أو آجره منه فهو كما لو بيع الماء منه وقد ذكرناه في التيمم واقراض الثوب كاقراض الثمن ولو احتاج الي شراء الثوب
[ ٤ / ١٠٣ ]
والماء ولم يقدر علي شرائهما يقدم شراء الثوب (ومنها) لو أوصى بثوبه لاولي الناس به في ذلك الموضع فالمرأة أولي من الرجل والخنثى أولى من الرجل (ومنها) لو لم يجد الا ثوبا نجسا ولم يجد ما يغسله به فقولان أحدهما يصلي فيه تسترا عن أعين الناس كما أنه يجب التستر به خارج الصلاة وعلي هذا تجب الاعادة واصحهما انه يصلي عاريا ولا يلبسه فان لم يجد الا ثوب حرير فاصح الوجهين أنه يصلي فيه لان لبس الحرير يباح للحاجة (ومنها) يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمم ويتقمص ويرتدى فان اقتصر علي ثوبين فالافضل قميص ورداء أو قميص وسراويل فان اقتصر علي واحد فالقميص أولي ثم الازار ثم السراويل وانما كان الازار أولي لانه يتجافى ثم في الثوب الواحد ان كان واسعا التحف به وخالف بين طرفيه كما يفعل القصار في الماء وان كان ضيقا عقده
[ ٤ / ١٠٤ ]
فوق سرته ويجعل علي عاتقه شيئا ويستحب ان تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابا كثيفا فوقا ثيابها ليتجافي عنها ولا يتبين حجم اعضائها قال (الشرط الرابع ترك الكلام والعمد منه مع العلم بتحريمه مبطل للصلاة قل أو كثر فتبطل الصلاة بالحرف الواحد ان كان مفهما وان لم يكن مفهما فلا تبطل الا بتوالي حرفين وفى حرف بعده مدة تردد والتنحنح بغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه وان تعذرت القراءة الا به لم يضر وان تعذر الجهر فوجهان) * عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال " ان صلاتنا هذه لا يصح فيها شئ من كلام الآدميين
[ ٤ / ١٠٥ ]
انما هي للتسبيح والتكبير وتلاوة القرآن " وروى انه صلي الله عليه وسلم قال " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تتكلموا في الصلاة " للمتكلم في الصلاة حالتان (أحداهما) أن لا يكون معذورا فيه (والثانية) أن يكون معذورا وهذا الفصل مسوق لبيان الحالة الاولي فينظر ان نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته الا إذا كان مفهما اما انه لا تبطل إذا لم يكن مفهما فلان أقل ما بنى عليه
الكلام حرفان والحرف الواحد ليس من جنس الكلام واما انه تبطل إذا كان مفهما فلاشتماله على مقصود الكلام والاعراض به عن الصلاة ومثال الحرف الواحد المفهم ق وش من وقى ووشي وما أشبه
[ ٤ / ١٠٦ ]
ذلك فانه يفهم وان كان ينبغى أن يسكت عليها بالهاء وان نطق بحرفين بطلت صلاته سواء أفهما أم لا لان ذلك من جنس الكلام والكلام ينقسم الي مفيد وغير مفيد ولو اتي بحرف ومدة بعده فهل هما كالحرفين فيه وجهان أحدهما لا لانها قد تتفق لاشباع الحركة ولا يعد حرفا وأظهرهما نعم لان المدة الف أو ياء أو واو وهي حروف مخصوصة فضمها الي الحرف كضم حرف آخر إليه ومال امام الحرمين الي رفع هذا الخلاف بحمل الوجه الاول علي ما إذا أتبعه بصوت غفل لا يقع علي صورة المدات والجزم بالمنع إذا أتبعه بحقيقة المد وفى التنحنح ثلاثة اوجه أظهرها انه ان لم يبن منه حرفان فلا تبطل الصلاة والا فيبطلها كما لو اتي بحرفين على وجه آخر والثانى انه لا تبطل وان بان منه حرفان لانه ليس من جنس الكلام ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فاشبه الصوت الغفل وحكي هذا عن نص الشافعي ﵁ والثالث ذكر القفال انه ان كان مطبقا فمه لم يضر وان كان فاتحا فمه ننظر حينئذ هل يبين منه حرفان ام لا والفرق انه ان كان مطبقا شفتيه كان التنحنح كقرقرة في التجاويف فإذا فرعنا على الاول وهو الذى قطع به الجمهور فذلك إذا أتى به قصدا من غير حاجة فاما إذا كان مغلوبا فلا باس ولو تعذرت القراءة الا به تنحنح وهو معذور وان أمكنه القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح ففيه وجهان أحدهما أنه يعذر به اقامة لشعار الجهر ولان التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعا عن القراءة بل يعد من توابعها وأظهرهما أنه ليس بعذر لان الجهر أدب وسنة ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له ولو تنحنح الامام وظهر منه حرفان فهل للمأموم أن يدوم على متابعته فيه وجهان ذكرهما القاضي الحسين أحدهما لا بل يفارقه لان الاصل سلامته وصدور
[ ٤ / ١٠٧ ]
أفعاله عن اختياره وأظهرهما أن له أن يدوم علي متابعته لان الاصل بقاء العبادة والظاهر من حاله الاحتراز عن مبطلات الصلاة فيحمل علي كونه مغلوبا والضحك والبكاء والنفخ والانين
كالتنحنح ان بان منها حرفان بطلت صلاته والا فلا ولا فرق بين أن يكون بكاؤه لامر الدنيا أو الآخرة وعند أبي حنيفة ان كان الانين والبكاء لامر الجنة أو النار لم يضر وان كان لمرض ونحوه بطلت صلاته بكل حال إذا عرفت ذلك فعد إلى الفاظ الكتاب واعلم أن قوله والعمد منه مبطل للصلاة الغرض منه بيان حكم الكلام في غير المعذور لادارة الحكم على وصف العمدية فانه قد يتكلم عامدا ولا تبطل صلاته علي ما سيأتي في الاعذار لكن الوصف المقابل للعمدية وهو النسيان أشهر الاعذار فكني بالعامد عن غير المعذور وقوله فتبطل الصلاة بالحرف الواحد الي آخره اشارة إلى حد القليل معناه ما قل هو الحرف الواحد ان كان مفهما أو حرفان كيفما كانا وقوله والتنحنح لغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه مطلق والمراد منه ما إذا ظهر منه حرفان فان قلت لو لم يظهر الا حرف واحد لم يقع عليه اسم التنحنح وقد تعرض في الكتاب للتنحنح فلا حاجة إلى التقييد المذكور فالجواب أن انتقاء ظهور الحرفين قد يكون لانحصار ما ظهر في الحرف الواحد وقد يكون لاسترسال سعال لا يبين منه حرف أصلا فلا بد من التقييد (وقوله) لغير ضرورة كأن المراد بالضرورة الحاجة والا فيدخل في قوله والتنحنح لغير ضرورة مبطل ما إذا تعذرت القراءة الا به لانه يمكنه الصبر فلعلها تتيسر على قرب وحينئذ يكون ما ذكره حكما بالبطلان في تلك الصورة ومعلوم انه ليس كذلك *
[ ٤ / ١٠٨ ]
قال (ولا تبطل الصلاة بسبق اللسان ولا بكلام الناسي (ح) ولا بكلام الجاهل (ح) بتحريمه ان كان قريب العهد بالاسلام وهل تبطل بكلام المكره فيه قولان ومصلحة الصلاة ليست عذرا (م) في الكلام) * غرض هذا الفصل القول في اعذار الكلام فمنها سبق اللسان إلى الكلام عن غير قصد منه لا يقدح في الصلاة بحال لانا سنبين ان الناسي معذور فهذا أولي لان الناسي يتكلم قاصدا إليه وانما غفل عن الصلاة وهذا غير قاصد الي الكلام وكذلك لو غلبه الضحك أو السعال لم يضر وان بان منه حرفان ومنها النسيان فلا تبطل الصلاة بكلام الناسي للصلاة خلافا لابي حنيفة حيث قال كلام الناسي ككلام العامد وسلم أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها وعن احمد روايتان أحداهما
مثل مذهبه والاشهر مثل مذهبنا لنا ما روى عن أبى هريرة ﵁ قال " صلي بنا رسول الله ﷺ العصر وسلم في ركعتين فقال ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة ام نسيت فقال كل ذلك لم يكن فقال قد كان بعض ذلك فاقبل على الناس فقال أصدق ذو اليدين فقيل نعم فاتم ما بقى من الصلاة وسجد للسهو " ووجه
[ ٤ / ١٠٩ ]
الاستدلال انه تكلم معتقدا انه ليس في الصلاة ثم بني عليها وايضا القياس علي السلام ناسيا وعلي الاكل في الصوم ناسيا ومنها الجهل بتحريم الكلام علي المصلى لما روى عن معاوية بن الحكم قال " لما رجعت من الحبشة صليت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فعطس بعض القوم فقلت يرحمك الله فحدقنى الناس بابصارهم فقلت ما شأنكم تنظرون الي فضربوا بايديهم علي أفخاذهم يسكتونني فسكت فلما فرغ رسول الله ﷺ قال يا معاوية ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " وهذا عذر في حق قريب العهد بالاسلام فان كان بعيد العهد به بطلت صلاته
[ ٤ / ١١٠ ]
لانه مقصر بترك التعلم ولو علم أن الكلام حرام في الصلاة ولكن لم يعلم أنه مبطل لها لم يكن ذلك عذرا كما لو علم أن شرب الخمر حرام ولم يعلم أنه يوجب الحد بخلاف ما لو لم يعلم التحريم والسبب فيه انه بعد ما عرف التحريم حقه الامتناع وقال في الوسيط عقيب هذه المسألة الجهل بكون التنحنح أو ما يجرى مجراه مبطلا فيه تردد يعنى وجهين والاصح انه عذر ويبعد أن يكون التصوير فيما إذا جهل كون التنحنح مبطلا بعد العلم بتحريمه فانا انما اكتفينا في المسألة السابقة بالعلم بالتحريم من حيث انه إذا علم التحريم فينبغي أن يمتنع عن الحرام ولا حاجة إلى العلم بكونه مبطلا وهذا موجود في التنحنح فلا يظهر بينهما فرق مع التسوية في الحرمة والقول بكونهما مبطلين ولكن الاقرب شيئان أحدهما ان يكون هذا التردد في الجاهل بكون التنحنح مبطلا بعد العلم بكون الكلام مبطلا أو حراما لا التنحنح وان بان منه حرفان لا يعد كلاما فلا يلزم من العلم بالمنع عن الكلام العلم بالمنع منه والتردد علي هذا التنزيل قريب من التردد فيما إذا علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم ان ما أتي به هل هو محرم ام لا والظاهر في الصورتين أنه معذور والثانى ان يكون التردد في حق بعيد العهد بالاسلام إذا جهل كون التنحنح مبطلا هل يعذر ام لا فعلي رأى لا كما إذا
[ ٤ / ١١١ ]
جهل كون الكلام مبطلا وعلى رأى نعم لان ذلك مشهور لا يكاد يجهله مسلم وهذا مما يختص بمعرفته الفقيه والله اعلم ومنها الاكراه فلو اكره حتي تكلم هل تبطل صلاته فيه قولان كالقولين فيما لو اكره الصائم علي الاكل احدهما لا تبطل صلاته الحاقا للاكراه بالنسيان وفى الخبر " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " واصحهما ولم يذكر في التهذيب سواه انها تبطل لانه أمر نادر بخلاف النسيان وصار كما لو اكره علي أن يصلى بلا وضوء أو قاعدا تجب عليه الاعادة ولا يكون عذرا ثم جميع هذه الاعذار في الكلام اليسير فاما إذا كثر ففى صورة النسيان وجهان مشهوران (احدهما) انه لا يبطل الصلاة لانه لو أبطلها لابطلها القليل كما في حالة التعمد وبهذا قال أبو اسحق واظهرهما عند الجمهور انها تبطل وعليه يدل كلام الشافعي ﵁ في المختصر وذكروا له معنيين احدهما ان الاحتراز عن الكثير سهل غالبا لان النسيان فيه يبعد ويندر وما يقع نادرا لا يعتد به والثانى انه يقطع نظم الصلاة وهيئتها والقليل يحتمل لقلته ورتبوا علي هذه المسألة بطلان الصوم بالاكل الكثير ناسيا ان قلنا لا تبطل الصلاة فالصوم أولي بان لا يبطل وان قلنا ببطلان الصلاة ففى الصوم وجهان مبنيان علي المعنبين ان قلنا بالمعني الاول يبطل وان قلنا بالثاني فلا إذ ليس في الصوم افعال منظومة حتى يفرض انقطاعها وانما هو انكفاف مجرد واجري صاحب المهذب وغيره هذا الخلاف في حالة الجهل ايضا وكذلك في سبق اللسان: وما الحد الفارق بين القليل والكثير حكى في البيان عن الشيخ ابي حامد ان الكلام اليسير حده الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها وعن ابن الصباغ ان اليسير هو القدر الذى تكلم به النبي ﷺ في حديث ذى اليدين وكل واحد منهما للتمثيل اصلح منه للتحديد والاظهر فيه وفى نظائره الرجوع الي العادة علي ما سيأنى إذا عرفت ذلك عرفت أن قوله ولا تبطل بسبق اللسان ولا بكلام الناسي الي آخره المراد منه الكلام اليسير وان كان اللفظ مطلقا الا أن يريد الجواب على الوجه المنسوب إلى ابى اسحق فحينئذ لا حاجة إلى التقييد ويحتاج إلى الاعلام بالواو والظاهر انه ما اراد الا اليسير وقوله ولا بكلام الناسي معلم بالحاء والالف لما قدمنا ولك ان تعلم قوله ولا بكلام الجاهل بالحاء ايضا لان
[ ٤ / ١١٢ ]
في كلام اصحابنا حكاية الخلاف عن أبي حنيفة في صورة الجهل ايضا (وقوله) بان كان قريب العهد بالاسلام في بعض النسخ ان كان قريب العهد وهو اولى لان الغرض تقييد الجاهل وانما يقال بان يكون كذا في موضع التفسير والبيان (وقوله) ومصلحة الصلاة ليست عذرا في الكلام الغرض منه بيان انه لا
[ ٤ / ١١٣ ]
فرق بين أن يتكلم لمصلحة الصلاة مثل أن يقول لامامه الساهي بالقيام اقعد أو بالقعود قم أو تكلم لا لمصلحتها وكونه لمصلحتها ليس من جملة الاعذار خلافا لمالك ﵁ وهو رواية عن أحمد في حق الامام خاصة * لنا ما روى أنه ﷺ " قال الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء " وهذا مطلق * واحتج الاصحاب أيضا بان المأموم إذا أراد تنبيه الامام على سهوه فالسنة له أن يسبح إن كان رجلا وأن تصفق إن كانت امرأة فلو جاز أن ينبهه بالكلام لما أمر بالعدول إلى التسبيح وغيره واعرف ههنا شيئين (احدهما) ان التسبيح والتصفيق لا اختصاص لهما بحالة تنبيه الامام بل متى ناب الرجل شئ في صلاته كما إذا رأى اعمي يقع في بئر واحتاج الي تنبيهه أو استأذنه انسان في الدخول أو أراد اعلام غيره امرا فالسنة له ان يسبح والمرأة تصفق في جميع ذلك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا ناب احدكم شئ في صلاته فليسبح فانما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " (والثاني) ان المراد من التصفيق ان تضرب بطن كفها الايمن على ظهر كفها الايسر وقيل ان تضرب اكثر اصابعها اليمني على ظهر اصابعها اليسرى وقيل هو ضرب اصبعين على ظهر الكف والمعاني متقاربة والاول اشهر ولا ينبغى ان تضرب بطن الكف علي بطن الكف فان ذلك لعب ولو فعلت ذلك على اللعب بطلت صلاتها وان كان
[ ٤ / ١١٤ ]
ذلك قليلا لان اللعب ينافى الصلاة فهذا شرح مسائل الكتاب وينخرط في سلك الاعذار سوى ما ذكره أمور (منها) ما يقع جوابا للرسول صلي الله عليه وسلم فإذا خاطب مصليا في عصره وجب عليه الجواب ولم تبطل بذلك صلاته (ومنها) لو أشرف انسان علي الهلاك فاراد انذاره وتنبيهه ولم يحصل ذلك الا بالكلام فلا بد له من ان يتكلم وهل تبطل صلاته فيه وجهان (أحدهما) وبه قال
أبو إسحق واختاره جماعة من الاصحاب لا كاجابة النبي صلي الله عليه وسلم (واصحهما) عند الاكثرين نعم للنصوص المطلقة ويستثني جواب رسول الله صلي الله عليه وسلم لشرفه ولهذا أمر المصلي بان يقول سلام عليك ايها النبي ولا يجوز ان يقول ذلك لغيره (ومنها) ما حكى المحاملي وغيره انه لو قال آه من خوف النار لم تبطل صلاته والمشهور خلافه * قال (ولو قال ادخلوها بسلام على قصد القراءة لم يضر وان قصد التفهيم فان لم يقصد الا التفهيم بطلت وفي السكوت الطويل في اثناء الصلاة وجهان) الكلام الذى يقدح في الصلاة عند عدم الاعذار هو ما عدا القرآن والاذكار وما في معناها فاما القرآن فإذا أتي بشئ من نظمه قاصدا به القراءة لم يصر وان قصد مع القراءة شيئا آخر كتنبيه الامام أو غيره والفتح علي من ارتج عليه وتفهيم أمر من الامور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول ادخلوها بسلام آمنين أو يقول يا يحيى خذ الكتاب وما أشبه ذلك ولا فرق بين أن يكون منتهيا في قراءته إلى تلك الآية أو ينشئ قراءتها حينئذ وقال أبو حنيفة إذا قصد شيئا آخر سوى القراءة بطلت صلاته الا أن يريد تنبيه الامام أو المار بين يديه وكذا لو اتي بذكر وتسبيح في الصلاة وقصد به مع الذكر شيئا آخر ففيه هذا الخلاف وذلك مثل أن يحمد الله تعالي على عطاس
[ ٤ / ١١٥ ]
أو بشارة يبشر بها أو يخبر بما يسوءه فيقول انا لله وانا إليه راجعون لنا ما روى عن علي ﵁ قال " كانت لي ساعة ادخل فيها علي رسول الله صلي الله عليه وسلم فان كان في الصلاة سبح وذلك أذنه وان كان في غير الصلاة أذن " ولانه قصد الافهام والاعلام بشئ مشروع في الصلاة فلا يضر كما لو قصد تنبيه الامام والمار بين يديه ونقل صاحب البيان وغيره وجها عن بعض أصحابنا ايضا انه إذا قصد مع التلاوة شيئا آخر بطلت صلاته فليكن قوله وان قصد التفهيم معلما بالحاء والواو كذلك وان لم يقصد الا الافهام والاعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة كما لو افهم
[ ٤ / ١١٦ ]
بعبارة أخرى ولو أتى بكلمات لا توجد في القرآن علي نظمها وتوجد مفرداتها مثل ان يقول يا ابراهيم
سلام كن بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال واما الاذكار والتسبيحات والادعية بالعربية فلا تقدح أيضا سواء المسنون وغير المسنون منها نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله صلي الله عليه وسلم يجب الاحتراز منه فلا يجوز ان يقول للعاطس يرحمك الله وعن يونس بن عبد الاعلي عن الشافعي ﵁ انه لا يضر ذلك وصحح القاضى الروياني هذا القول والمشهور الاول ويدل عليه ما قدمنا من حديث معاوية بن الحكم ولم ينقل خلاف في انه لا يجوز أن يسلم ولا ان يرد السلام لفظا ويرده بالاشارة بيده أو برأسه خلافا لابي حنيفة ولو قال يرحمه الله أو ﵇ لم يضر هذا هو الكلام في احدى مسألتي الفصل وما يتعلق بها (والثانية) السكوت اليسير في الصلاة لا يضر بحال وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان احدهما انه يبطل الصلاة لانه كالاضراب عن وظائفها إذ اللائق بالمصلى الذكر والقراءة والدعاء ومن رآه في سكتة طويلة سبق الي اعتقادة انه ليس في الصلاة كما أذا رآه يتكلم واصحهما لا تبطل لان السكوت لا يخرم هيئة الصلاة وما يجب فيها من رعاية الخضوع والاستكانة وخص في التهذيب الوجهين بما إذا سكت لغير غرض فاما لو سكت طويلا لغرض بان نسي شيئا فتوقف لتذكره فلا تبطل صلاته لا محالة ولو سكت سكوتا طويلا ناسيا وقلنا ان عمده مبطل فطريقان أحدهما التخريج علي الخلاف المذكور في الكلام الكثير ناسيا والثانى انه لا يضر جزما تنزيلا له منزلة الكلام اليسير ولهذا عند التعمد جعل طويل السكوت كقليل الكلام وسومح بقليل السكوت قال في الوسيط وهذا أصح (واعلم) ان الاشارة المفهمة من الاخرس نازلة منزلة عبارة
[ ٤ / ١١٧ ]
الناطق في العقود هل تبطل الصلاة بها اجاب الامام الغزالي ﵀ في الفتاوى بانها لا تبطل ورأيت بخط والدى ﵀ حكاية وجه آخر أنها تبطل ككلام الناطق * قال (الشرط الخامس ترك الافعال الكثيرة والكثير ما يخيل للناظر الاعراض عن الصلاة كثلاث خطوات أو ثلاث ضربات متواليات ولا تبطل بما دونه ولا بمطالعة القرآن ولا بتحريك الاصابع في سبحة أو حكة علي الاظهر) *
[ ٤ / ١١٨ ]
ما ليس من أفعال الصلاة ضربان (أحدهما) ما هو من جنسها فان فعله ناسيا عذر ولم تبطل صلاته لما روى أنه ﷺ " صلي الظهر خمسا فلما تبين له الحال سجد للسهو ولم يعد الصلاة " وان كان عامدا بطلت سواء كثر أو قل كركوع وسجود ونحوهما لانه تلاعب في الصلاة واعراض عن نظام اركانها * وقال أبو حنيفة لا تبطل صلاته بزيادة الركوع والسجود عمدا وانما تبطل بزيادة ركعة: والضرب الثاني ما ليس من جنس أفعال الصلاة وهو المقصود في الكتاب فلا خلاف انه يفرق فيه بين القليل والكثير لما روى انه صلي الله عليه وسلم " صلي وهو حامل أمامة بنت أبي
[ ٤ / ١١٩ ]
العاص فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها " وروى أنه ﷺ قال " اقتلوا
[ ٤ / ١٢٠ ]
الاسودين في الصلاة الحية والعقرب " وروى انه صلي الله عليه وسلم " أخذ باذن ابن عباس
[ ٤ / ١٢١ ]
﵄ وهو في الصلاة فاداره من يساره الي يمينه " ودخل أبو بكرة المسجد والنبي صلي الله
[ ٤ / ١٢٢ ]
عليه وسلم في الركوع فركع خيفة أن يفوته الركوع ثم خطا خطوة ودخل الصف فلما فرغ قال
[ ٤ / ١٢٣ ]
له النبي صلي الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يامره بالاعادة وروى انه ﷺ سلم عليه نفر من الانصار فرد عليهم بالاشارة دلت هذه الاخبار ونحوها علي احتمال
[ ٤ / ١٢٤ ]
الفعل القليل في الصلاة والي هذا أشار المصنف حيث قال في ترجمة الشرط ترك الافعال الكثيرة وفى الكلام لما استوى قليله وكثيره في الابطال اطلق فقال ترك الكلام والمعنى فيه انه يعسر علي الانسان أو يتعذر السكون علي هيئة واحدة في زمان بل لا يخلو عن حركة واضطراب ولا بد للمصلى من رعاية التعظيم والخشوع فعفي عن القدر الذى لا يحمل على الاستهابة بهيئة الخشوع
[ ٤ / ١٢٥ ]
وأما في الكلام فالاحتراز عن قليله وكثيره هين * ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير للاصحاب فيه عبارتان غريبتان وعبارتان مشهورتان فاحدى الغريبتين أن القليل مالا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة فان وسع فهو كثير حكاها صاحب العدة والثانية ان كل عمل لا يحتاج فيه الي كلتا اليدين فهو قليل وما يحتاج فيه اليهما فهو كثير فالاول كرفع العمامة وحل اشرطة السراويل والثاني
[ ٤ / ١٢٦ ]
كتكوير العمامة وعقد الازار والسراويل واما المشهورتان فاحداهما ما حكي عن القفال وغيره ان القليل هو القدر الذى لا يظن الناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة والكثير ما يظن ان فاعله ليس في الصلاة وهذا هو الذى ذكره في الكتاب فقال والكثير ما يخيل الي الناظر الاعراض عن الصلاة واعترضوا عليها بان هذا الظن والتخيل اما ان ينشا من انه غير محتمل في الصلاة شرعا أو من ان غالب
[ ٤ / ١٢٧ ]
عادة المصلين الاحتراز عنه من غير ان ينظر إلى انه محتمل ام لا فان كان الاول فانما يحصل هذا الظن أو الخيال لمن عرف حد الكثير المبطل ونحن عنه نبحث فكأنا قلنا الكثير هو الذي يحكم ببطلان الصلاة به من عرف انه مبطل ومعلوم ان هذا لا يفيد شيئا وان كان الثاني فهو يشكل بما إذ رآه يحمل صبيا أو يقتل حية أو عقربا فانه محتمل مع ان الناظر إليه يتخيل انه ليس في الصلاة
[ ٤ / ١٢٨ ]
لانه علي خلاف عادة المصلين غالبا والثانية ان الرجوع في الفرق بينهما الي العادة فلا يضر ما يعده الناس قليلا كالاشارة برد السلام وخلع النعل ولبس الثوب الخفيف ونزعه وما أشبه ذلك وهذه العبارة هي التى اختارها الاكثرون ومنهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه ولم يذكر صاحب التهذيب سواها واوردها الصيدلانى مع الاولي واشعر ايراده بترجيح هذه الثانية ايضا وعند هذا لا يخفى عليك ان قوله والكثير ما يخيل إلى الناظر وينبغى ان يعلم بالواو اشارة الي العبارات الاخر ثم اطبق اصحاب العبارتين المشهورتين على ان الفعلة الواحدة معدودة من القليل كالخطوة الواحدة والضربة
الواحدة وقد نص عليه الشافعي ﵁ وعلى ان الثلاث فصاعدا من الكثير وفي الفعلتين وجهان محكيان عن رواية القاضى ابى الطيب وغيره احدهما انهما من حد الكثير لمكان التكرار وكالثلاث واصحهما انهما من القليل لما روى انه صلي الله عليه وسلم " خلع نعليه في الصلاة " وهما فعلتان ورايت في كثير من نسخ الكتاب قوله ولا تبطل بما دونه معلما بالواو كأنهم اشاروا به إلى الوجه الاول لكن انما ينتظم ذلك لو رجعت الكناية في قوله بما دونه إلى الخطوات والضربات ورجوعها الي قوله والكثير أظهر من رجوعها الي الخطوات الا ترى انه ذكر الكناية ولم يؤنثها ثم اجمعوا على ان الكثير انما يبطل بشرط أن يوجد علي التوالي واليه أشار بقوله متوالية أما لو تفرق كما لو خطا خطوة ثم بعد زمان خطا خطوة أخرى وهكذا مرارا لم تبطل صلاته وكذلك لو خطا خطوتين ثم بعد زمان خطوتين أخريين إذا قلنا أن الفعلتين من حد القليل * واحتجوا عليه بحديث حمل أمامة فان النبي صلي الله عليه وسلم كان يحملها ويضعها ولم يضر ذلك لتفريق الافعال والتفريق بان يعد الثاني منقطعا عن الاول في العادة وقال في التهذيب فيما إذا ضرب ضربتين ثم بعد زمان ضربتين أخريين وحد التفريق عندي ان يكون بين الاوليين والاخريين قدر ركعة لحديث امامة ثم ما ذكره الائمة ان الفعلة الواحدة تعد من القليل ارادوا به نحو الطعنة والضربة والخطوة فاما إذا أفرطت كالوثبة
[ ٤ / ١٢٩ ]
الفاحشة فانها تبطل الصلاة ذكره صاحب التهذيب وغيره وهو قضية العبارتين المشهورتين وكذلك قولهم الثلاث المتوالية من الكثير المبطل أرادوا الخطوة وما يشبهها واما الحركات الخفيفة كتحريك الاصابع في سبحة أو حكة أو عقد وحل ففيها وجهان أحدهما انها إذا كثرت وتوالت ابطلت لانها افعال متعددة فاشبهت الخطوات واظهرهما انها لا تؤثر لانها لا تخل بهيئة الخشوع فهي مع كثرة العدد بمثابة الفعل القليل وقد حكي عن نص الشافعي ﵁ انه لو كان يعد الآى في صلاته عقدا باليد لم تبطل صلاته وان كان الاولى ان لا يفعله وبه قال أبو حنيفة وجميع ما ذكرناه فيما إذا تعمد الفعل الكثير فاما إذا اتى به ناسيا فقد حكى في النهاية فيه طريقين احدهما انه علي الوجهين في الكلام الكثير ناسيا والثانى ان اول حد الكثرة لا يؤثر كالكلام اليسير من الناسي
فان اول حد الكثرة هو الذى يبطل عند التعمد كالكلام اليسير عند التعمد وما جاوز اول حد الكثرة وانتهي الي السرف فهو علي الخلاف في الكلام الكثير ناسيا والذى حكاه الجمهور من هذا الخلاف انه لا فرق في الفعل الكثير بين العمد والسهو وهو الذى يوافق ظاهر قوله الشرط الخامس ترك الافعال الكثيرة وفرقوا بينه وبين الكلام بان الفعل أقوى من القول ولهذا ينفذ احبال الجنون دون اعتاقه قالوا ولا يعارض هذا بان القليل من الفعل محتمل والقليل من الكلام غير محتمل لان القليل من الفعل لا يتأتى الاحتراز عنه والكلام مما يتاتي الاحتراز عنه من النوعين والله اعلم.
واعلم انه يستثني عن ابطال العمل الكثير الصلاة حال شدة الخوف فيحتمل فيها الركض والعدو عند الحاجة وهل يحتمل عند عدم الحاجة فيه كلام مذكور في الكتاب في صلاة الخوف على ما سيأتي ان شاء الله تعالي: واما قوله ولا بمطالعة القرآن فاعلم انه لو قرأ القرآن من المصحف لم يضر بل يجب ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة علي ما سبق ولو قلب الاوراق احيانا لم يضر لانه عمل يسير * وعن ابي حنيفة انه لو قرأ القرآن من المصحف بطلت صلاته لان النظر عمل دائم وعندنا لو كان ينظر في غير القرآن ويردد في نفسه ما فيه لا تبطل صلاته ايضا لان النظر لا يشعر بالاعراض عن الصلاة وحديث النفس
[ ٤ / ١٣٠ ]
معفو عنه وحكى القاضى ابن كج وجها ان حديث النفس إذا كثر ابطل الصلاة وقوله بعد مطالعة القرآن ولا بتحريك الاصابع في سبحة أو حكة علي الاظهر: الوجهان المخصوصان بالتحريك لا جريان لهما في مطالعة القرآن فلا يتوهم من العطف غير ذلك * قال (وإذا مر المار بين يديه فليدفعه فان أبي فليقاتله فانه شيطان هذا لفظ الخبر وهو تأكيد لكراهية المرور واستحباب الدفع فان لم ينصب المصلي بين يديه خشبة أو لم يستقبل جدار أو علامة لم يكن له الدفع علي أحد الوجهين لتقصيره ولا يكفيه أن يخط علي الارض بل لا بد من شئ مرتفع أو مصلي ظاهر وان لم يجد المار سبيلا سواه فلا يدفع بحال) * السبب الداعي للى ايراد هذا الفصل ههنا الاستدلال بالامر بالدفع علي الفعل القليل لا باس به في الصلاة ثم يتعلق به مسائل مقصودة فجرت العادة بذكرها في هذا الموضع والخبر المشار إليه
ما روى أنه ﷺ (قال إذا مر المار بين يدى احدكم وهو في الصلاة فليدفعه فان أبى فليدفعه فان أبي فليقاتله فانه شيطان) وروى البخاري في الصحيح عن أبى سعيد الخدرى ﵁ ان النبي ﷺ (قال إذا صلي احدكم إلي شئ يستره من الناس فاراد أحد ان يجتاز بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانما هو شيطان) قيل معناه شيطان الانس وقيل معناه فان معه شيطانا فان الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدى المصلي وحده فإذا مر إنسي رافقه والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما ويدنو منها بحيث لا يزيد ما بينه
[ ٤ / ١٣١ ]
وبينها علي ثلاثة أذرع وان كان في الصحراء فينبغي ان يغرز عصا ونحوها أو يجمع شيئا من رحله ومتاعه وليكن قدر مؤخرة الرحل فان لم يجد شيئا شاخصا خط بين يديه خطا أو بسط مصلي لما روى عن أبى هريرة رضى الله عن أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فان لم يجد فلينصب عصا فان لم يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه " ثم إذا صلى إلى سترة كره لغيره ان يمر بينه وبين السترة وهل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه الذى ذكره في التهذيب انه لا يجوز المرور وصاحب الكتاب اراد بقوله وهو تأكيد لكراهية المرور التنزيه لانه صرح في الوسيط بان المرور ليس بمحذور وانما هو مكروه وكذلك ذكره امام الحرمين والاول اظهر لانه صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قال " لو يعلم المار بين يدى المصلي ماذا عليه من الاثم لكان أن يقف اربعين خير له من ان يمر بين يديه " والاثم
[ ٤ / ١٣٢ ]
انما يلحق بالحرام وليكن قوله لكراهية المرور معلما بالواو لما ذكرناه وذكر القاضى الرويانى في الكافي أن للمصلي ان يدفعه وله ان يضربه علي ذلك وان أدى الي قتله وكل هذا لا يكون الا إذا حرم المرور ولو لم يجعل بين يديه سترة فهل له دفع المار فيه وجهان حكاهما صاحب النهاية وغيره أحدهما نعم لعموم الخبر المذكور في الكتاب وأصحهما وهو الذى أورده في التهذيب لا لتقصيره وتضييعه حظ نفسه ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلي الي السترة والمطلق محمول علي المقيد ولو وقف بعيدا
من السترة فهو كما لو صلي لا إلى سترة ولو وجد الداخل فرجة في الصف الاول فله أن يمر بين يدى الصف الثاني ويقف فيها لتقصير اصحاب الصف الثاني باهمالها ذكره الشيخ أبو محمد واما قوله فلا يكفيه ان يخط علي الارض فاعلم أن امام الحرمين نقل ان الشافعي ﵁ مال إلى الاكتفاء بالخط في القديم وروى في الجديد ذلك أيضا وحض عليه قال وما استقر عليه الامر ان الخط لا يكفى إذا الغرض الاعلام وذلك لا يحصل بالخط وهذا هو الذى ذكره في الكتاب وقال لا بد من شئ مرتفع أو مصلي ظاهر ليقف المار عليه فيعدل عن حريم صلاته وقد تعرض لما نقله عن الجديد متعرضون لكن لم يثبتوه قولا واتفقت كلمة الجمهور علي الاكتفاء بالخط كما إذا استقبل شيئا شاخصا فليكن قوله ولا يكفيه ان يخط معلما بالواو لذلك فان توهمت الجمع بين كلام الكتاب وما ذكره الاكثرون وقلت انهم وان ذكروا استحباب الخط لم يذكروا انه يمتنع به المرور ويثبت للمصلي ولاية الدفع فلعله وان كان مستحبا لا يفيد جواز الدفع وحينئذ لا يكون بين قوله ولا يكفيه ان يخط وبين ما ذكروه منافاة وبتقدير أن يكون هذان الحكمان متلازمين فانما ذكروا الاستحباب فيما إذا لم يجد شيئا شاخصا فليحمل ما ذكره امام الحرمين والمصنف علي ما إذا وجد فالجواب اما الاول فممتنع نقلا وحجاجا اما النقل فلان صاحب البيان حكي عن المسعودي امتناع المرور وولاية الدفع فيما إذا خط حسب ثبوتهما فيما إذا صلي الي سترة أو عصا واما الحجاج فمن وجهين (احدهما) انه صلي الله عليه وسلم قال في آخر خبر أبى هريره ﵁ ثم لا يضره ما مر بين يديه أي من وراء العلامات المذكورة ومنها الخط والثاني ان المقصود من أمر المصلي بنصب السترة وغيرها ان يظهر حريم صلاته ليضطرب فيه في حركاته وانتقالاته ولا يزحمه
[ ٤ / ١٣٣ ]
غيره ويشغله عن صلاته وأما الثاني فلو انهما أرادا حالة وجدان الشاخص لسويا بينه وبين بسط المصلي كما ان الذين قالوا باستحباب الخط عند فقدان الشاخص سووا بينه وبين بسط المصلي ذكره صاحب التهذيب وغيره * ولم يفعلا ذلك بل الحقا بسط المصلي بنصب الخشبة ويدل عليه ظاهر لفظ الكتاب في موضعين من الفصل وبالجملة فليس في لفظه ههنا ولا في الوسيط ما يشعر بهذا التأويل بل فيه ما يدل علي انه لا عبرة بالخط بحال وقوله فان لم ينصب المصلي بين يديه خشبة أو لم يستقبل جدارا أو علامة
عني بالعلامة بسط المصلى وقضيه ما سبق نقله حمل أو في قوله أو علامة علي الترتيب وكذا في قوله أو مصلى ظاهر دون التخيبر والتسوية واما قوله وإذا لم يجد الماء سبيلا سواه فلا يدفع بحال فقد ذكر امام الحرمين ايضا وقال النهى عن المرور والدفع إذا وجد سواه سبيلا اما إذا لم يجد وازدحم الناس فلا نهي عن المرور ولا يسوع الدفع وهذا فيه اشكال لان البخاري روى في الصحيح عن ابي صالح السمان قال " رأيت أبا سعيد الخدرى ﵁ في يوم جمعة يصلي الي سترة فاراد شاب ان يمر بين يديه فدفع أبو سعيد ﵁ في صدره فنظر الشاب فلم يجد مساغا الا بين يديه فعاد ليجتاز ودفعه أبو سعيد أشد من الاولي فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذى قدمناه " وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع بما إذا وجد سواه سبيلا والله اعلم * قال (الشرط السادس ترك الاكل وقليله مبطل لانه اعراض وهل تبطل بوصول شئ الي جوفه كامتصاص سكرة من غيره مضغ فيه وجهان) * الا كل نوع من الافعال فافراده بالذكر يبين انه اراد بترك الافعال في الشرط الخامس ما عدا الاكل من الافعال والفرق بينه وبين سائر الافعال ان قليلها لا يبطل كما سبق وقليل الاكل يبطل لانه ينافى هيئة الخشوع ويشعر بالاعراض عن الصلاة فلو
[ ٤ / ١٣٤ ]
كان بين اسنانه شئ أو نزلت نخامة من رأسه فابتلعها عمدا بطلت صلاته هذا ظاهر المذهب وهو الذى ذكره في الكتاب فقال فقليله مبطل وليكن معلما بالواو لان صاحب التتمة حكى في القليل وجها انه لا يبطل كالقليل من سائر الافعال ثم الحكم بالبطلان فيما إذا اكل عمدا اما لو كان مغلوبا كما لو جرى الريق بباقي الطعام أو نزلت النخامة ولم يمكنه امساكها لم تبطل صلاته ولو اكل ناسيا أو جاهلا بالتحريم فان كان قليلا لم تبطل وان كان كثيرا فوجهان اصحهما البطلان هكذا ذكره الائمة وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسيا والاكل في الصوم ناسيا ولم يجعلوه كسائر الافعال في الصلاة إذ الجمهور علي أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو علي ما تقدم واعلم انه لا يعنى بالقليل ههنا ما بقابل الكثير بالمعنى الذى ذكره في الافعال لان تفسير الكثير ثم ما يخيل الي الناظر الاعراض عن الصلاة فالقليل المقابل له ما لا يخيل والاكل أي قدر كان يخيل الاعراض فيكون كثيرا بذلك التفسير
بكل حال وانما المراد من القليل والكثير ههنا ما يعده أهل العرف قليلا وكثيرا ولو وصل شئ الي جوفه من غير ان يفعل فعلا من ابتلاع ومضغ كما لو وضع في فمه سكرة كانت تذوب وتسوغ ففى بطلان صلاته وجهان احدهما وبه قال الشيخ أبو حامد لا تبطل صلاته لانه لم يوجد منه مضغ وازدراد وهذا ذهاب إلى ان الاكل انما يبطل لما فيه من العمل وقضيته ان لا يبطل القليل منه كما حكاه صاحب التتمة واظهرهما انها تبطل ويعبر عنه بان الامساك شرط في الصلاة كما يشترط الانكفاف عن الافعال وعن مخاطبة الآدميين ليكون حاضر الذهن راجعا إلى الله تعالي وحده تاركا للعادات فعلي هذا تبطل الصلاة بكل ما يبطل به الصوم وقوله كامتصاص سكرة من غير مصغ ينبغي ان يعرف ان الامتصاص لا اثر له بل متى كانت في فمه وهى تذوب وتصل الي جوفه يحصل الخلاف وان لم يكن امتصاص وانما قال من غير مضغ لان المضغ فعل من الافعال يبطل الكثير منه وان لم يصل شى الي الجوف حتى لو كان يمضغ علكا في فمه بطلت صلاته وان لم يمضغه وكان جديدا فهو كالسكرة وان كان مستعملا لم تبطل صلاته كما لو أمسك في فمه اجاصة ونحوها
[ ٤ / ١٣٥ ]
قال (خاتمة: للمحدث المكث في المسجد وللجنب العبور عند خوف التلويث وعند الامن وجهان والكافر يدخل المسجد باذن المسلم ولا يدخل بغير اذن على أحد الوجهين فان كان جنبا منع كالمسلم وقيل لا لانه لم يلتزم تفصيل شرعنا) * مسائل الخاتمة إلي قوله فوجهان مكررة اما ان المحدث له المكث فقد صار معلوما بقوله في باب الغسل ثم حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريمه قراءة القرآن والمكث في المسجد وفيه تصريح بتحريم المكث وجواز العبود للجنب واما حكم الحائض فقد ذكره في كتاب الحيض وشرحنا المسائل في الموضعين ثم جميع ذلك في حق المسلم اما الكافر فلا يمكن من دخول حرم مكة بحال يستوى فيه مساجده وغيرها قال الله تعالى (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) واما مساجد غير الحرم فله أن يدخلها باذن المسلم خلافا لمالك ووافقه احمد في أظهر الروايتين لنا أن النبي صلي الله عليه وسلم " ربط ثمامة بن ثال في المسجد قبل اسلامه " وقدم عليه قوم من ثفيف فانزلهم في المسجد ولم يسلموا بعد "
وهل يدخلها بغير اذن أحد من المسلمين فيه وجهان أحدهما نعم لانه ببدل الجزية صار من أهل دار الاسلام والمسجد من المواضع العامة فيها فصار كالشوارع وهذا أظهر عند القاضى الرويانى وجماعة والثاني وهو الاصح عند الاكثرين ولم يذكر صاحب التهذيب والتتمة سواه أنه ليس له ذلك ولو فعله عزر ووجهه أنه لا يؤمن أن يدخل على غفلة من المسلمين فيلوثه ويستهين به ولانه ليس من أهل من بنى المسجد له وكان المسجد مختصا بالمسلمين اختصاص دار الرجل به وذكر في التهذيب انه لو جلس الحاكم في المسجد يحكم فللذمي الدخول للمحاكمه ويتنزل جلوسه فيه منزلة التصريح بالاذن وإذا استأذن في الدخول بعض المسلمين لنوم أو اكل فينبغي ان لا يأذن له وان استأذن لسماع القرآن أو علم اذن له رجاء ان يسلم هذا كله إذا لم يكن جنبا فان كان جنبا فهل يمكن من المكث في المسجد ام يجب
[ ٤ / ١٣٦ ]
منعه فيه وجهان احدهما يمنع لان المسلم ممنوع عند الجنابة لحرمة المسجد فالكافر أولي بان يمنع واصحهما انه لا يمنع لان الكفار كانوا يدخلون مسجد النبي ﷺ ويطيلون الجلوس ولا شك بأنهم كانوا يجنبون ويخالف المسلم فانه يعتقد حرمة المسجد فيؤخذ بموجب اعتقاده والكافر لا يعتقد حرمته ولا يلتزم تفاصيل التكليف فجاز أن لا يؤخذ به وهذا كما أن الكافر لا يحد علي شرب الخمر لانه لا يعتقد تحريمه والمسلم يحد واما الكافرة الحائض فتمنع حيث تمنع المسلمة لان المنع ثم لخوف التلويث ولهذا يمنع من به جرح يخاف من التلويث وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله وقوله والكافر يدخل المسجد يعنى به غير مساجد الحرم وان كان اللفظ مطلقا وقوله فان كان جنبا منع أي من المكث فانه الذى يمنع منه المسلم دون أصل الدخول: ثم ايراده يشعر بترجيح هذا الوجه لكن الوجه الثاني أرجح على قضية كلام اكثر الاصحاب واوفق لكلام الشافعي ﵁ وصرح بترجيحه الشيخ أبو محمد والقاضي الرويانى والله أعلم *
[ ٤ / ١٣٧ ]
قال * (الباب السادس في السجدات وهي ثلاثة) * (الاولي سجدة السهو: وهي سنة (ح م) عند ترك التشهد الاول أو الجلوس فيه أو القنوت
أو الصلاة علي الرسول في التشهد الاول أو علي الآل في التشهد الثاني ان رأيناهما سنتين: وسائر السنن لا تجبر بالسجود: وأما الاركان فجبرها بالتدارك فان تعمد ترك هذه الابعاض لم يسجد علي أظهر الوجهين) * السجدات ضربان (أحدهما) سجدات صلب الصلاة ولا يخفى أمرها والثانى غيرها وهى ثلاث (أحداها) سجدة للسهو وليست بواجبة وانما هي سنة خلافا لابي حنيفة حيث قال بوجوبها مع تسليم ان الصلاة لا تبطل بتركها وبعض أصحابنا يرويه عن الكرخي: وعن مالك انه ان كان السهو لنقصان يجب السجود ويروى عن احمد وأصحابه الوجوب مطلقا * لنا ان الصلاة لا تبطل بتركها فلا تجب كالتشهد الاول وأيضا فان سجود السهو مشروع لترك ما ليس بواجب وبدل ما ليس بواجب لا يكون واجبا ثم انه جعل الكلام في سجود السهو قسمين أحدهما فيما يقتضيه والثاني في محله وكيفيته أما مقتضيه فشيئان ترك مأمور وارتكاب منهى أما ترك المأمور فاعلم أن المأمورات تنقسم إلى أركان وغيرها أما الاركان فلا تنجبر بالسجود بل لا بد من التدارك ثم قد يقتضى الحال بعد التدارك السجود علي ما سيأتي وأما غير الاركان فتنقسم الي الابعاض وهى التى عددناها في أول صفة الصلاة والى غيرها فالابعاض مجبورة بالسجود أما التشهد الاول فلما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلى الظهر بهم فقام في الركعتين الاوليين لم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضي الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم " ولو قعد ولم يقرأ يسجد أيضا فان القعود مقصود للذكر وأما الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم
[ ٤ / ١٣٨ ]
في التشهد الاول إذا استحببناها وهو الصحيح فلانه لو تركها في التشهد الاخير عامدا بطلت صلاته فيسجد لها في التشهد الاول كالتشهد وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني فان قلنا بوجوبها فهي من الاركان يجب تداركها وان قلنا انها سنة فهي من الابعاض وتجبر بالسجود وكذلك احكم لو جعلناها سنة في التشهد الاول وقد سبق بيان الخلاف فيه وأما القنوت فلانه ذكر مقصود في نفسه فيشرع لتركه سجود السهو كالتشهد الاول ومعنى قولنا مقصود في نفسه
انه شرع له محل مخصوص به ويخرج عنه سائر الاذكار فانها كالمقدمة لبعض الاركان كدعاء الاستفتاح أو كالتابع كالسورة واذكار الركوع والسجود وأما موضع القنوت فانما شرع فيه التطويل للقنوت وحيث لا يقنت يمنع من تطويله فهذا حكم الابعاض إذا تركت سهوا وان تركت عمدا فهل يشرع لها السجود فيه: فيه وجهان احدهما لا وبه قال أبو حنيفة واحمد لان الساهي معذور فيشرع له سبيل الاستدراك ومن تعمد الترك فقد التزم النقصان وفوت الفضيلة على نفسه وأصحهما نعم لان الخلل عند تعمد الترك أكثر فيكون الجبر أهم وصار كالحلق في الاحرام لا فرق فيه بين العمد والسهو وأما غير الابعاض من السنن فلا يجبر بالسجود خلافا لابي حنيفة حيث قال يسجد لترك تكبيرات العيد وترك السورة وكذلك لو أسر في موضع الجهر أو جهر بثلاث آيات في موضع الاسرار ولمالك حيث قال يسجد لترك كل مسنون
[ ٤ / ١٣٩ ]
ذكرا كان أو عملا وعن أبي اسحق أن للشافعي ﵁ في القديم قولا مثل ذلك حكاه ابن الصباغ قال وهو مرجوع عنه وحكى ابن يونس القزويني عن عبد الباقي أن الداركي ذكر وجها فيمن نسى لتسبيح في الركوع والسجود أنه يسجد للسهو وعند أحمد لا يسجد لترك تكبيرات العيد والسورة وعنه في تبديل الجهر بالاسرار وعكسه روايتان أصحهما أنه لا يسجد وقال في تكبيرات الانتقالات وتسبيح الركوع والسجود والتسميع والتحميد يسجد لتركها * لنا ظاهر ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " لا سهو الا؟؟ قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام " وعلي أبي حنيفة القياس على دعاء الاستفتاح وسائر المسنونات وكذلك عن أحمد وعلى مالك ما روى أن أنسا " جهر في العصر فلم يعدها ولم يسجد للسهو ولم ينكر عليه أحد " فهذا هو الكلام في ترك المأمورات ونعود الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) وهى سنة ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والالف وكذا قوله وسائر السنن لا تجبر بالسجود ولا باس باعلامه بالواو أيضا لما سبق حكايته وليس المراد من قوله سنة عند ترك التشهد الاول الي آخرها تخصيص الاستحباب بترك هذه الامور لا بمعنى أنها لا تشرع الا عند تركها ولا بمعنى ان في سائر الاسباب تجب بل حيث تشرع سنة واراد في
هذا الفصل ذكر شيئين أحدهما ان سجدة السهو سنة والثانى الكلام فيما يقتضيها من ترك المأمورات ثم وصل أحدهما بالآخر فقال هي سنة عند كذا وكذا وهذا بين من كلامه في الوسيط (وقوله) عند ترك التشهد الي قوله لا يجبر بالسجود مذكورة في أول الباب الرابع نعم زاد ههنا ذكر الصلاة على الآل وما عداها مكرر وأحق الموضعين بذكره هذا الباب وقوله ان رأيناهما سنتين المقابل لهذا لرأى في الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم في التشهد الاول عدم الشرعية ايجابا واستحبابا وفى الصلاة على الآل في التشهد الثاني الايجاب دون عدم الشرعية (وقوله) وأما
[ ٤ / ١٤٠ ]
الاركان فجبرها بالتدارك معناه انه لا بد في جبرها من التدارك لا أن كل الجبر يحصل به لانه قد يؤمر مع التدارك بسجود السهو علي ما سيأتي بيانه وقوله لم يسجد علي أظهر الوجهين خلاف ما ذكره جمهور الائمة فانهم حكوا أن الاظهر في المذهب انه يسجد منهم اصحابنا العراقيون وصاحب التهذيب وغيرهم ومن الائمة من لم يذكره سواه كالشيخ ابي حامد والصيدلاني وعبر بعضهم عن الخلاف في المسالة بالقولين وجعل المنصوص انه يسجد والثاني من تخريج ابي اسحق المروزى * قال (ولو أرتكب منهيا تبطل الصلاة بعمده كالاكل والافعال فليسجد عند ارتكابه سهوا ومواضع السهو ستة الاول إذا قرأ الفاتحة أو التشهد في الاعتدال من الركوع عمدا بطلت صلاته وان سها سجد لانه جمع بين تطويل ركن قصير ونقل ركن ولو وجد أحد المعنيين دون الثاني ففى البطلان بعمده وجهان فان قلنا لا تبطل ففي السجود لسهوه وجهان والاظهر أن الجلسة بين السجدتين ركن طويل) * المقتضي الثاني لسجود السهو ارتكاب المنهي: والمنهيات قسمان (أحدها) مالا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة والخطوتين والثانى ما تبطل بعمده نحو الكلام والركوع الزائد وما أشبه ذلك فقال الاصحاب مالا تبطل بعمده لا يقتضى السهو به السجود وما تبطل الصلاة بعمده
[ ٤ / ١٤١ ]
يقتضي سهوه السجود اما الاول فلان النبي ﷺ " فعل الفعل اليسير في الصلاة ورخص فيه ولم يسجد للسهو ولا أمر به " واما الثاني فلما روى أنه صلي الله عليه وسلم " صلى الظهر خمسا ثم سجد
للسهو وقد ذكر الطرف الثاني في الكتاب صريحا وأشار به إلى الاول ولا شك في جريان هذا الضابط من الطرفين في أغلب الصور ومنهم من وفى بطرده على الاطلاق كما سنفصله والطرف المذكور في الكتاب وهو أن ما تبطل الصلاة بعمده يسجد عند ارتكابه سهوا يرد عليه شيئان أحدهما ان الفعل الكثير سوى الاكثرون بين عمده وسهوه في ابطال الصلاة كما سبق فعلى ما ذكروه الفعل الكثير منهي تبطل الصلاة بعمده ولا يسجد عند سهوه بل تبطل الصلاة ايضا وكذلك الاكل والكلام الكثير عمدهما يبطل الصلاة وكذلك سهوهما في أصح الوجهين كما قدمنا والثاني أنه لو أحدت عمدا بطلت صلاته ولو أحدث سهوا فكذلك تبطل ولا يسجد للسهو فادرج صاحب التهذيب في هذا الضابط ما يخرج عنه الثاني فقال ما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو ان لم تبطل الطهارة وإذا أحدث فعمده وسهوه يستوى في ابطال الطهارة وأما الاول فما احترز عنه بل أدخل العمل في أمثلة هذا الضابط ولم يحسن فيه مع تسويته في فصل العمل بين العمد والسهو من كثيره ولو قيل ما تبطل الصلاة بعمده يسجد عند ارتكابه سهوا إذا لم تبطل
[ ٤ / ١٤٢ ]
الصلاة لخرجت المسائل كلها وقد ذكر أبو سعيد المتولي هذه اللفظة وقيدا آخر وبذلك القيد قصد الاحتراز لكن فيها غنية عنه ثم تكلم في الكتاب في ستة من مواضع السهو منها ما يتعلق بترك المأمور ومنها ما يقع في قسم ارتكاب المنهي وهذا الفصل يشتمل علي أولها وهو يتضمن مسائل يقتضى الشرح أن نفصلها أولا ثم نطبق نظم الكتاب عليها (احدها) الاعتدال عن الركوع ركن قصير أمر المصلي فيه بالتخفيف ولهذا لا يسن تكرير الذكر المشروع فيه بخلاف التسبيح في الركوع والسجود وكأنه ليس مقصودا لنفسه وان كان فرضا وانما الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود ولو كان
[ ٤ / ١٤٣ ]
مقصودا لنفسه لشرع فيه ذكر واجب لان القيام هيئة معتادة فلا بد من ذكر يصرفها عن العادة الي العبادة كالقيام قبل الركوع والجلوس في آخر الصلاة لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيه العادة والعبادة وجب فيها شئ من الذكر وبهذا الفقه اجاب أصحابنا احمد بن حنبل ﵀
حيث قال بوجوب التسبيح في الركوع والسجود كالقراءة في القيام والتشهد في القعود فقالوا الركوع والسجود لا تشترك فيهما العادة والعبادة بل هما محض عبادة فلا حاجة إلى ذكر مميز بخلاف القيام والقعود فان قيل لو كان الغرض الفصل لما وجبت الطمأنينة فيه فالجواب ان الطمأنينة انما وجبت ليكون علي سكينة وثبات فان تناهى الحركات في السرعة يخل بهيئة الخشوع والتعظيم ويخرم الابهة إذا عرف ذلك فلو أطاله عمدا بالسكوت أو بالقنوت أو بذكر آخر ليس بركن فهل تبطل صلاته فيه وجهان حكاهما صاحب النهاية وغيره أحدهما لا لما روى عن حذيفة قال " صليت مع رسول
[ ٤ / ١٤٤ ]
الله صلي الله عليه وسلم ليلة فقرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم رفع رأسه وقام قريبا من ركوعه ثم سجد " والثانى انها تبطل الا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت أو في صلاة التسبيح لان تطويله يعتبر لموضوعه فاوجب عمده بطلان الصلاة كما لو قصر الاركان الطويلة ونقص بعضها وهذا الوجه هو الذى اورده في التهذيب وذكر امام الحرمين انه ظاهر المذهب ايضا وحكى وجها ثالثا عن القفال أنه ان قنت عامدا في اعتداله بطلت صلاته وان طول بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل ويقرب من هذا كلام الشيخ ابى اسحق في المهذب فانه عد من المبطلات تطويل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت واحتج امام الحرمين للوجه الاظهر بانه لو جاز تطويله لبطل معنى الموالاة فان سائر الاركان قابلة للتطويل فإذا طوله ايضا لم تبق الموالاة ولا بد من الموالاة في الصلاة ولمن ذهب الي الوجه الاول أن يقول ان كان معني الموالاة ان لا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها فلا يلزم من تطويله وتطويل سائر الاركان فوات الموالاة والا فلا اسلم اشتراط الموالاة بمعنى آخر (المسألة الثانية) لو نقل ركنا ذكريا عن موضعه الي ركن آخر طويل كما لو قرأ الفاتحة أو بعضها في الركوع أو الجلوس آخر الصلاة أو قرأ
[ ٤ / ١٤٥ ]
التشهد أو بعضه في القيام عمدا فهل تبطل صلاته فيه وجهان أحدهما نعم كما لو نقل الاركان الفعلية إلى غير موضعها وأصحهما لا لان نقل الاركان الذكرية لا يغير هيئة الصلاة ولهذا قلنا لو كرر الفاتحة
أو التشهد عمدا لا تبطل صلاته على الصحيح بخلاف الركوع والسجود وقطع قاطعون بهذا الوجه الثاني ويجرى الخلاف فيما لو نقله إلى الاعتدال ولم يطل بان قرأ بعض الفاتحة أو التشهد (الثالثة) لو اجتمع المعنيان فطول الاعتدال بالفاتحة أو التشهد فقد ذكر في النهاية ما يخرج منه طريقان أظهرهما طرد الوجهين فيه ولا يخفى ان الاصح بطلان الصلاة لما ذكرنا والثانى القطع بالبطلان لانضمام نقل الركن الي التطويل (الرابعة) الجلوس بين السجدتين ركن طويل أم قصير فيه وجهان أحدهما أنه طويل حكاه أمام الحرمين عن ابن سريج والجمهور تشبيها بالجلوس بعد السجدتين والثاني أنه قصير حكاه عن الشيخ أبي على وهذا هو الذى ذكره الشيخ أبو محمد في الفروق وتابعه صاحب التهذيب وغيره وهو الاصح لمثل ما ذكرناه في الاعتدال فان قلنا بالاول فلا بأس بتطويله وان قلنا بالثاني ففى تطويله عمدا الخلاف المذكور في الاعتدال (الخامسة) إذا قلنا في هذه الصور ببطلان الصلاة فلو فرض السهو بذلك الشئ سجد سهوا وحصل الوفاء بما سبق أن ما يبطل عمده
[ ٤ / ١٤٦ ]
يسجد لسهوه إذا لم يبطل وإذا قلنا بعدم البطلان فهل يسجد عن الارتكاب سهوا فيه وجهان أحدهما لا كالالتفات والخطوة والخطوتين وسائر مالا يبطل عمده الصلاة وعلى هذا يحصل الوفاء بالطرف الثاني أيضا وهو أن ما لا يبطل عمده الصلاة لا يقتضي سهوه السجود واصحهما نعم أما في تطويل الركن القصير فكما لو قصر الركن الطويل فلم يتم الواجب وعدل إلى غيره سهوا واما في نقل الركن فكما لو نقل الركوع الي غير محله سهوا وهذا لان المصلى مأمور بالتحفظ واحضار الذهن حتى لا يتكلم ولا يزيد في صلاته ما ليس منها وهذا الامر مؤكد عليه تأكد التشهد الاول فإذا غفل فطول الركن القصير أو نقل الركن فقد ترك الامر المؤكد وغير شعار الصلاة فاقتضي الحال الجبر بالسجود وكترك التشهد الاول والقنوت وعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة على قولنا مالا تبطل الصلاة بعمده لا يقتضى سهوه السجود فهذه هي المسائل: أما ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله إذا قرأ التشهد أو الفاتحة في الاعتدال من الركوع عمدا هو صورة المسألة الثالثة وقوله بطلت صلاته يجوز أن يكون جوابا علي الطريقة القاطعة بالبطلان ويجوز أن يكون جوابا
علي الاصح مع اثبات الخلاف وعلى التقديرين فليكن معلما بالواو (واعلم) أن الحكم بالبطلان في هذه الصورة قد نقل عن الشافعي ﵁ وذكر الشيخ أبو محمد وغيره أن الاصحاب اختلفوا في معناه منهم من قال انما بطلت الصلاة لتطويل الركن القصير فلم يحكم بالبطلان إذا قرأ الفاتحة في القيام أو الركوع ومنهم من قال انما بطلت لنقل الركن فحكم بالبطلان حيث وجد النقل وقوله ولو وجد أحد المعنيين دون الثاني ان وجد التطويل وحده فهو صورة المسألة الاولي والاظهر فيها البطلان وان وجد النقل وحده فهو صورة المسألة الثانية والاظهر فيها عدم البطلان ويجوز أن يعلم قوله وجهان
[ ٤ / ١٤٧ ]
بالواو اشارة الي طريقة القاطعين بعدم البطلان في الصورة الثانية وقولنا فان قلنا لا تبطل هو المسألة الاخيرة وقوله والاظهر الي آخره هو المسألة الرابعة لكن الحكم بانها قصيرة أظهر على ما سبق ولا يتضح فرق بين الاعتدال والجلسة * قال (الثاني من ترك اربع سجدات من اربع ركعات سهوا لم يكفه أن يقضيها في آخر صلاته بل لا يحتسب له من الاربع الا ركعتان ولو ترك من الاولى واحدة ومن الثانية ثنتين ومن الرابعة واحدة فليسجد سجدة واحدة ثم ليصل ركعتين فان ترك اربع سجدات من اربع ركعات ولم يدر من أين تركها فعليه سجدة واحدة وركعتان اخذا باسوأ التقديرين المذكورين * (فرع) لو تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة واحدة ولم يكن جلس بعد السجدة الاولي فليجلس ثم ليسجد والقيام لا يقوم مقام الجلسة وان كان قد جلس بعد السجدة الاولي فيكفيه أن يسجد عن قيامه فان كان قد قصد بتلك الجلسة الاستراحة ففى تأدى الفرض بنية النفل وجهان ثم لا يخفى أنه يسجد للسهو في جميع ذلك) *
[ ٤ / ١٤٨ ]
قاعدة الفصل أن الترتيب في أركان الصلاة واجب الرعاية فان النبي ﷺ كان يرتب وقد قال ﷺ " صلوا كما رأيتموني أصلي " فلو ترك الترتيب عمدا بطلت صلاته ولو تركه سهوا لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك حتى يأتي بما تركه فان تذكر
الحال قبل فعل مثله في ركعة بعدها فكما تذكر يشتغل به وان تذكر بعد فعل مثله في ركعة أخرى تمت الركعة الاولى به ولغا ما بينهما هذا إذا عرف عين المنروك وموضعه وان لم يعرف أخذ بأدني الممكن واتي بالباقي وفى الاحوال كلها يسجد للسهو الا إذا وجب الاستئناف بان ترك ركنا واشكل عينه عليه وجوز أن يكون ذلك الركن هو النية أو التكبير والا إذا كان المتروك هو السلام فانه إذا تذكر ولم يطل الفصل يسلم ولا حاجة الي سجود السهو وقد ذكر في الكتاب مسألتين مما يترتب علي هذه القاعدة (احداهما) لو تذكر في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الاولي فلا يخلو اما أن يتذكر قبل أن يسجد في الثانية أو بعد أن يسجد فيها فاما الحالة الاولي فيشتمل عليها الفرع المرسوم في الكتاب آخرا ولا باس أن نقدمه فنقول إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الاولى فلا بد من الاتيان بها كما تذكر ثم ننظر ان لم يجلس عقيب السجدة المفعولة فهل يكفيه أن يسجد عن قيام أم يجلس مطمئنا ثم يسجد فيه وجهان (أحدهما) أنه يخر ساجدا والقيام يقوم مقام الجلسة بين السجدتين لان الغرض منها الفصل بينهما وقد حصل ذلك بالقيام (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه يجب أن يجلس مطمئنا ثم يسجد لانه وان كان المقصود الفصل فالفصل واجب بهيئة الجلوس فلا يقوم القيام مقامها كما لا يقوم مقام الجلوس للتشهد وان جلس عقيب السجدة المفعولة نظر أن قصد به الجلسة بين السجدتين ثم غفل ولم يسجد الثانية فمن قال في الصورة الاولى يكفيه أن يسجد عن قيامه فههنا أولي ومن قال ثم يجلس ثم يسجد اختلفوا ههنا فقال أبو إسحق وغيره يجب أن يجلس
[ ٤ / ١٤٩ ]
ههنا أيضا لينتقل منه الي السجود كما لو قدر المريض علي القيام بعد القراءة يجب عليه أن يقوم ليركع عن قيام وظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أنه يكفيه أن يسجد عن القيام كما لو ترك اربع سجدات من اربع ركعات ثم تذكر تحتسب له ركعتان كما سيأتي وان كانت السجدة التي في الثانية والتى في الرابعة واقعتين عن قيام وان قصد بتلك الجلسة الاستراحة لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعا فوجهان مذكوران في الكتاب (أحدهما) لا يحسب ذلك الجلوس ويجب أن يجلس ثم يسجد لانه قصد بتلك الجلسة السنة فلا تنوب عن الفرض كما في سجدة التلاوة لا تقوم مقام سجود الفرض وبهذا قال
ابن سريج وبه يقول أبو إسحق أيضا لينتقل من الجلوس الي السجود والثاني أنه يكفيه أن يسجد عن قيام ولا يضر اعتقاده أنه يجلس للاستراحة كما لو جلس في التشهد الاخير وهو يظن أنه الاول ثم تذكر يجزيه ذلك وما الاظهر من هذين الوجهين قال في التهذيب المذهب هو الاول لكن الاكثرون منهم العراقيون والقاضى الرويانى رجحوا الوجه الثاني والوجهان في المسألة كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضئ لمعة في المرة الاولى وانغسلت في الثانية أو الثالثة هل يجزيه وقد ذكرنا في باب الوضوء أن الاصح عند المعتبرين الاجزاء بخلاف ما إذا انغسلت في تجديد الوضوء لان قضية نيته في ابتداء الوضوء أن لا يقع شئ عن السنة حتي يرتفع الحدث كذلك ههنا قضية نيته السابقة أن لا يكون الجلوس عن الاستراحة الا بعد الفراغ من السجدتين ولو تردد في أنه جلس بعد السجدة المفعولة أم لا فالحكم كما إذا علم أنه لم يجلس وقوله في الكتاب فليجلس ثم ليسجد ينبغي أنه يعلم بالميم لان عند مالك ان ذكر الحال بعد أن ركع في الثانية واطمأن فلا يعود الي السجود بل تلغو الاولي وتصير الثانية أولاه وانما يعود الي السجود إذا تذكر قبل الركوع وبالالف أيضا لان عند أحمد ان ذكر بعد الشروع في القراءة لا يعود الي السجود بل تلغو الاولى ويعتد بالثانية وانما يعود إذا ذكر قبل الشروع في القراءة لنا ان ما أتي به من الاولى وقع صحيحا فلا يبطل بترك ما بعده كما إذا ذكر قبل الركوع عند مالك وقبل القراءة عند احمد ويجوز أن يعلم بالحاء أيضا لان عند أبى حنيفة رحمة
[ ٤ / ١٥٠ ]
الله عليه يكفيه أن يسجد في آخر صلاته سجدة فتلحق بموضعها ولا يرجع إلى السجود وكذلك الحكم عنده لو ترك سجدة عمدا حكاه القاضى الرويانى وغيره وليعلم قوله فليجلس بالواو أيضا وكذلك قوله والقيام لا يقوم مقام الجلسة اشارة إلى الوجه الذى ذكرناه أنه يسجد عن قيام ولا يجلس وفى قوله فليجلس ثم ليسجد ما يفيد أصل الفرض ويبين أن القيام لا يقوم مقام الجلسة لكن عقبه به ايضاحا وتنبيها علي ما يتمسك به صاحب الوجه البعيد وقوله بعد السجدة الاولى في موضعين من الفرع انما سماها أولي بالنسبة إلى ما سيفعله من بعد والا فليس قبل التذكر الا سجدة واحدة (الحالة الثانية) أن يتذكر الحال بعد أن يسجد في الثانية فينظر إن تذكر بعد
السجدتين معا أو في الاخيرة منهما فقد تم بما فعل ركعته الاولى ولغا ما بينهما ثم ان كان قد جلس في الاولي علي قصد الجلسة بين السجدتين فتمامها بالسجدة الاولى وكذا إن كان قد جلس علي قصد الاستراحة واقمناها مقام الجلسة بين السجدتين وان لم يجلس أصلا أو جلس علي قصد الاستراحة ولم يكتف بها فان قلنا إذا تذكر في القيام والحالة هذه يجلس ثم يسجد وهو الاصح فتمام الركعة الاولى ههنا بالسجدة الثانية وان قلنا ثم يسجد عن قيام فتمامها بالسجدة الاولى وينبنى علي هذا الخلاف ما إذا تذكر بعد السجدة الاولي فان قلنا بالاول فركعته غير تامة فيسجد سجدة ثم يقوم الي ركعة ثانية وان قلنا بالثاني فركعته تامة فيقوم إلى أخرى هذه مسألة والثانية إن تذكر في جلوس الركعة الرابعة أنه ترك من صلاته الرباعية أربع سجدات فلا يكفيه أن يقضيها فيأتي باربع سجدات ولاء ويسلم لان الترتيب يقتضى أن لا يعتد بشئ بعد الركن المتروك حتى يأتي به في ركعة أخرى ثم ترك السجدات الاربع من الصلاة الرباعية قد يقتضي الاحتساب بثلاث ركعات الا سجدتين وقد يقتضى الاحتساب بركعتين ناقصتين بسجدة فهذه ثلاثة أوجه والثالث أسوأها والمصنف ذكر لكل واحد من الوجهين الاخيرين مثالا دون الوجه الاول ونحن نذكرها جميعا على الاختصار
[ ٤ / ١٥١ ]
فلو ترك ثنتين من الثالثة وثنتين من الرابعة صحت له الركعتان الاوليان وصحت الركعة الثالثة أيضا لكن لا سجدة فيها وفيما بعدها حتى يتم بها فيسجد سجدتين ويقوم الي ركعة رابعة فهذه الصورة من صور الوجه الاول وكذلك ترك واحدة من الاولي وواحدة من الثانية وثنتين من الرابعة وكذا ترك واحدة من الثانية وواحدة من الثالثة وثنتين من الرابعة: وأما الوجه الثاني فمن صوره أن يترك من كل ركعة سجدة فيحصل له ركعتان لان الاولي تتم بالسجدة التى في الثانية ويلغو ما بينهما وكذلك تتم الركعة الثالثة بالسجدة التى في الرابعة ومنها ترك ثنتين من الثانية وثنتين اما من الاولى أو الثالثة ومنها ترك ثنتين من الثانية وواحدة من الاولى وأخرى من الثالثة ومنها ترك ثنتين من الثانية وواحدة من الثالثة وأخرى من الرابعة ومنها ترك ثنتين من الاولى واثنتين من ركعتين بعدها متواليتين ومنها ترك واحدة من الاولي وواحدة من الثانية واثنتين من الثالثة ومنها ترك واحدة من
الثانية واثنتين من الثالثة وواحدة من الرابعة يحصل في هذه الصور كلها ركعتان ويفوم إلى ركعتين أخريين وأما الوجه الثالث فمن صوره أن يترك من الاولي واحدة ومن الثانية ثنتين ومن الرابعة واحدة فالحاصل ركعتان الا سجدة وذلك لان ما بعد السجدة في الركعة الاولي غير محسوب حتى تتم هي وليس في الثانية ما يتمها فتتم بسجدة من الثالثة وتلغو سجدتها الاخرى لان الركعة إذا تمت فالواجب بعدها القيام وتحتسب ركعته الرابعة وليس فيها الا سجدة فيسجد أخرى ليتمها ويقوم الي ركعتين أخريبن ومنها لو ترك من الاولي ثنتين وواحدة من الثانية وأخرى من الرابعة وكذلك كل صورة ترك فيها ثنتين من ركعة وثنتين من ركعتين أخريين غير متواليتين إذا عرفت ذلك فان عرف الساهي موضع الاربع المتروكة فالحكم ما بينا وان لم يعرف أخذ بالاسوأ ليخرج عن العهدة بيقين والاسوأ أن ياتي بسجدة وركعتين وحكى امام الحرمين عن أبيه أنه كان يقول يلزمه في صورة الاشكال أن يسجد سجدتين ثم يقوم الي ركعتين أخريين لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثالثة وثنتين من الرابعة أو على صورة أخرى من صور الوجه الاول ولو كان كذلك لكان عليه أن يسجد سجدتين ثم يقوم الي ركعة أخرى فيجب أن يسجد سجدتين لجواز أن يكون الترك علي وجه يقتضى ذلك ثم لا يجزئه الا ركعتان لجواز أن يكون الترك علي وجه آخر فيصلي ركعتين أخريين ليكون آتيا بكل ما تعذر
[ ٤ / ١٥٢ ]
وجوبه واعترض عليه بان السجدة الثانية غير معتد بها فانه إذا سجد سجدة واحدة والاشكال مستمر حصل له مما فعل ركعتان قطعا ولا شك انا نأمره بركعتين أخريين فالزيادة لغو والله اعلم * ثم جميع ما ذكرناه فيما إذا كان قد جلس عقيب السجدات كلها علي قصد الجلسة بين السجدتين أو على قصد الاستراحة واقمناها مقام الجلسة المفروضة وإذا فرعنا علي أن القيام يقوم مقام الجلسة فاما إذا لم يجلس في بعض الركعات أو في شئ منها الا في الرابعة وفرعنا علي الصحيح وهو أن القيام لا يقوم مقام الجلسة لم يحسب ما بعد السجدة المفعولة إلى ان يجلس حتى لو تذكر انه ترك من كل ركعة سجدة ولم يجلس الا في الاخيرة أو جلس بنية الاستراحة أو جلس في الثانية علي قصد التشهد الاول وقلنا الفرض لا يتأدى بالنفل فلا يحصل له مما فعل الا ركعة ناقصة بسجدة لانه لم يأت بعدها بجلوس علي قصد الفرضية
ثم هذا الجلوس الذى نذكر الحال فيه يقوم مقام الجلسة بين السجدتين فيسجد سجدة ويقوم الي ثلاث ركعات فهذا ما يتعلق بترك اربع سجدات من صلاة رباعية ولو تذكر أنه ترك منها سجدة واحدة فان علم أنه نسيها من الاخيرة سجدها واستأنف التشهد ان كان قد تشهد وان علم أنه تركها من غير الاخيرة فعليه أن يقوم الي ركعة أخرى وان أشكل أخذ بالاحتمال الآخر وان تذكر ترك سجدتين منها فان كانتا من الركعة الاخيرة كفاه أن يأتي بسجدتين وان كانتا من غير الاخيرة فان كانتا من ركعة واحدة فعليه أن يقوم الي ركعة وان كانتا من ركعتين فقد يكفيه أن يقوم إلى ركعة وقد يلزمه أن يقوم إلى ركعتين بان ترك واحدة من الاولي وواحدة
[ ٤ / ١٥٣ ]
من الثالثة وان أشكل أخذ بهذا الاسوأ وان تذكر ترك ثلاث سجدات فقد يقتضي ذلك حصول ثلاث ركعات الا سجدة فيسجد سجدة ويقوم إلى ركعة وذلك مثل أن يكون اثنتان من الاولي أو الثانية أو الثالثة وواحدة من الرابعة وقد يكون بحيث يحصل له ثلاث ركعات الا سجدتان مثل أن تكون واحدة من الاولى واثنتان من الرابعة وقد يكون بحيث لا يحصل له الا ركعتان مثل أن يكون الثلاث من الثلاث الاوليات فان أشكل اخذ بهذا الاسوأ وان تذكر ترك خمس فقد يحصل ركعتان سوى سجدتين بان تكون واحدة من الاولى وثنتان من الثانية وثنتان من الرابعة وقد لا يحصل الا ركعة مثل أن تكون واحدة من الاولى وثنتان من الثانية وثنتان من الثالثة فان أشكل الحال فقد قال في المهذب يلزمه سجدتان وركعتان وقال غيره لا بل ثلاث ركعات وهو الصحيح ولا وجه للاول ولو ترك ست سجدات فلا يحصل الا ركعة ولو ترك سبعا فلا يحصل الا ركعة ناقصة بسجدة وحكم الثمان لا يخفى ونعود الي ما يتعلق بالفاظ الكتاب سوى ما تقدم (قوله) من ترك أربع سجدات من أربع ركعات عنى به ما إذا ترك كل سجدة من ركعة وان كان اللفظ مطلقا وقد صرح به في الوسيط وهذه الصورة من جملة الصور التى تقتضي ترك السجدات الاربع فيها الاحتساب بركعتين علي ما سبق ذكرها ولو اقتصر في الحكم علي قوله لم يكفه أن يقضيها في آخر صلاته لامكن اجراؤه علي اطلاقه فانه لا يكفى قضاء السجدات
في آخر الصلاة بحال ولكن لما عقبه بقوله بل لا يحتسب له من الاربع الا ركعتان تعذر أجراؤه علي الاطلاق ثم شرط الاحتساب بالركعتين أن يجلس عقيب السجدات كما سبق وان لم يتعرض له لفظ الكتاب (وقوله) لم يكفه معلم بالحاء لان أبا حنيفة يقول في الصورة المرادة يكفيه أن يسجد أربع سجدات ولاء ويسلم وليس كذلك لان الترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط عنده فانه سلم أنه لو ترك ثمان سجدات لم يكفه الاتيان بها في آخر الصلاة بل لا يحتسب له الا ركعة بلا سجدة كما هو مذهبنا لكنه اكتفى ههنا بالسجدات لان عنده إذا تقيدت الركعة بسجدة اعتد بها حتى لو ترك من كل ركعة سجدة قصدا كفاه فعلها في آخر الصلاة أيضا * لنا أنه لو وقع الاعتداد بالركعة المقيدة بسجدة لما وجب فعل السجدات في آخر الصلاة كركعة المسبوق لما اعتد بها لم يجب تدارك القيام والقراءة منها (وقوله) في آخر صلاته انما سماه آخر الصلاة علي تقدير ان لو كان قضاؤها كافيا أو بالاضافة الي ظن المصلى
[ ٤ / ١٥٤ ]
اولا والا فليس الجلوس الذى فرضنا فيه التذكر آخر صلاته في الحقيقة ثم في هذه أللفظة أشعار بانه أراد تصوير الكلام فيما إذا تذكر سهوه قبل أن يسلم من صلاته والا فالسجدات لو قضيت لا تكون في آخر صلاته بل بعد آخرها واما الحكم لو تذكر السهو في المسائل المذكورة بعد السلام ان لم يطل الفصل فهو كما لو تذكر قبل السلام بلا فرق وان طال وجب الاستئناف ومعني طول الفصل سيأتي وقوله الا ركعتان يجوز أن يعلم بالميم والالف لانهما لا يصححان الا الركعة الاخيرة وهى ناقصة بسجدة فيسجد سجدة ويقوم الي ثلاث ركعات.
وروى عن مالك ان صلاته تبطل فاما قوله ولو ترك من الاولي واحدة إلى آخره فهو من الصور التي يقتضي ترك السجدات الاربع فيها الاحتساب بركعتين الا سجدة وقوله في الصورة الثالثة ولم يدر من أين تركها يوضح انه اراد بالصورة الاولي ما إذا درى من أين ترك وهو ما بيناه (وقوله) فعليه سجدة واحدة يجوز أن يعلم بالواو لما حكينا عن الشيخ ابى محمد ﵀ (وقوله) اخذ باسوء التقديرين المذكورين اسوء التقديرين ما إذا ترك سجدة من الاولي وثنتين من الثانية وواحدة من الرابعة ولا يجب عند الاشكال الحمل على هذه الصورة بعينها فان لها اخوات في معناها كما بينا وانما الواجب الحمل عليها أو علي شئ منها وقوله
في آخر الفصل ثم لا يخفى انه يسجد للسهو في جميع ذلك أي في جميع مسائل الفصل ويمكن عدها من قسم ترك المأمور لان الترتيب مأمور به وتركه عمدا مبطل فإذا سها سجد ومن قسم ارتكاب المنهى أيضا لانه إذا ترك الترتيب فقد زاد في الافعال والاركان *
[ ٤ / ١٥٥ ]
(قال الثالث إذا قام إلى الثالثة ناسيا فان انتصب لم يعد إلى التشهد لان الفرض لا يقطع بالسنة فان عاد عالما بطلت صلاته وان عاد جاهلا لم تبطل لكن يسجد للسهو وإن كان مأموما وقعد امامه جاز الرجوع علي أحد الوجهين لان القدوة في الجملة واجبة وان لم يكن التقدم بهذا القدر مبطلا وان تذكر قبل الانتصاب فيرجع ثم يسجد للسهو ان كان قد انتهى الي حد الراكعين لانه زاد ركوعا) * قد سبق أن فوات التشهد الاول يقتضي سجود السهو وفى هذا الفصل يتبين أنه متى يفوت والي متى يجوز تداركه بالعود إليه وإذا عاد إليه هل يحتاج إلي سجود السهو ام لا فنقول: إذا نهض من الركعة الثانية ناسيا للتشهد أو جلس ولم يقرأ التشهد ونهض منه ناسيا ثم تذكر فلا يخلو إما ان يتذكر بعد الانتصاب أو قبله (الحالة الاولى) ان يتذكر بعد الانتصاب فلا يجوز له العود الي التشهد خلافا لاحمد حيث قال يجوز ما لم يشرع في القراءة والاولي أن لا يعود وحكى القاضي ابن كج عن ابي الحسين مثل ذلك لنا ما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁ ان النبي ﷺ قال " إذا قام احدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس وإذا استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو " ولان القيام فرض والتشهد الاول سنة لما سبق والفرض لا يقطع بالسنة فلو خالف وعاد نظر ان تعمده وهو عالم بانه لا يجوز العود بطلت صلاته وان عاد ناسيا لم تبطل وعليه ان يقوم كما تذكر وان عاد
[ ٤ / ١٥٦ ]
جاهلا بعدم الجواز ففيه وجهان منقولان في التهذيب وغيره (احدهما) انه لا يعذر وتبطل صلاته لتقصيره بترك التعلم (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب يعذر ولا تبطل صلاته كالناسي لانه مما يخفى على العوام ولا يمكن تكليف كل احد تعلمه وعلي هذا يسجد للسهو لما زاد في صلاته سهوا وكذلك في صورة النسيان وهذا
الذى ذكرناه في المنفرد والامام في معناه فلا يرجع بعد الانتصاب الي التشهد ولا يجوز للمأموم ان يشتغل به ولو فعل بطلت صلاته نعم لو نوى مفارقته ليتشهد جاز وكان مفارقا بالعذر ولو انتصب مع الامام ثم عاد الامام لم يجز للمأموم ان يعود بل يخرج عن متابعته لانه اما مخطئ بالعود فلا يوافقه في الخطأ أو عامد فصلاته باطلة وهل يجوز ان ينتظره قائما حملا على أنه عاد ناسيا حكي في التهذيب فيه وجهين وقد سبق في التنحنح نظيره ولو قعد الامام للتشهد الاول وقام المأموم ساهيا أو نهضا ثم تذكر الامام فعاد قبل الانتصاب والمأموم قد انتصب هل يعود المأموم في الصورتين فيه وجهان (اصحهما) نعم لان متابعة الامام فرض بخلاف الامام والمنفرد فانهما لو رجعا لرجعا من فرض الي سنة (والثاني) أنه لا يعدو بل يصبر إلى ان يلحقه الامام لانه حصل في ركن القيام وليس فيما فعله الا تقدم الامام بركن وانه غير مبطل وان كان عمدا فلا حاجة الي الرجوع وقوله في الكتاب لان القدوة في الجملة واجبة وان لم يكن التقدم بهذا القدر مبطلا اشارة الي توجيه الوجهين وفى بعض النسخ لان القدوة في الجملة واجبة (والثانى) لا لان سبق الامام بركن لا يبطل وهما قريبان ويجوز أن يعلم قوله وان لم يكن التقدم مبطلا بالواو لان في وجه التقدم على الامام يبطل الصلاة ولو بركن واحد وقد أورده في الكتاب في الصلاة بالجماعة والذى ذكره ههنا مفرع علي ظاهر المذهب وصاحب النهاية قد صرح
[ ٤ / ١٥٧ ]
بذلك ثم ذكر ان الخلاف في المسالة في جواز الرجوع وعدم الجواز ولا خلاف في أنه لا يجب الرجوع لانه لو قام قصدا لم يقض ببطلان صلاته ووافقه المصنف فقال جاز الرجوع علي أحد الوجهين ففرض الخلاف في الجواز لكن الشيخ ابا محمد ومن تابعه نقلوا الوجهين في أنه هل يجب الرجوع وقالوا اصحهما الوجوب ولو لم يرجع بطلت صلاته لان متابعة الامام فرض ولم يورد صاحب التهذيب الا وجه الوجوب ثم قطع امام الحرمين بان في صورة قصد القيام ليس له أن يعود كما لو ركع قبل الامام أو رفع رأسه قبله عمدا لا يجوز أن يعود ولو عاد بطلت صلاته لانه زاد ركنا عمدا ولو فعل ذلك سهوا كما لو سمع حسا فظن ان الامام ركع فركع ثم تبين انه لم يركع بعد أو ظن أنه اعتدل عن الركوع فاعتدل ثم بان أنه لم يعتدل بعد فقد ذكر في النهاية وجهين في انه هل يجوز له أن يرجع لانه غالط فيما فعل وصاحب التهذيب وآخرون حكوا الوجهين في هذه المسألة في وجوب الرجوع أيضا وقالوا في وجه تبطل صلاته لو لم يرجع وفى وجه يتخير بين ان يرجع
أو لا يرجع وهو الاصح وللنزاع في صورة قصد القيام ايضا مجال ظاهر لان اصحابنا العراقيين اطبقوا علي أنه لو ركع قبل الامام عمدا فينبغي ان يرجع ليرجع مع الامام واستحبوا الرجوع فضلا عن الجواز وربما تعود المسألة في باب الجماعة وقوله لم يعد الي التشهد معلم بالالف والواو لما قدمناه وكذا قوله بطلت صلاته وقوله في الجاهل لم تبطل معلم بالواو (الحالة الثانية) أن يتذكر قبل الانتصاب فقد نص الشافعي ﵁ علي أنه يرجع الي التشهد وحكى الروياني خلافا للاصحاب في انه ما الذى أراد بالانتصاب فمنهم من قال اراد الاعتدال والاستواء ومنهم من قال اراد به ان يصير الي حالة هي ارفع من حد أقل الركوع والاول ظاهر اللفظ وهو الذي ذكره الجمهور ويدل عليه حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وبالثانى فسر المسعودي كلام الشافعي ﵁ وبه قال الشيخ أبو محمد وهذا لاختلاف يرجع الي شئ وهو أن من قام في صلاته منحنيا فوق حد اقل الركوع هل يجزيه ذلك أم لا وفيه وجهان حكيناهما في ركن القيام فمن قال لا يجزيه وهو الاصح قال ههنا له أن يعود ومن قال يجزيه قال إذا صار في ارتفاعه الي هذا الحد لا يعود لانه حصل في حد الفرض وقوله في الكتاب فيرجع معلم بالميم لان عند مالك ان كان الي الانتصاب اقرب لم يرجع وعن ابن المنذر عنه انه إذا فارقت اليتاه الارض لم يرجع وبالحاء لان عند ابى حنيفة ان كان إلى القيام اقرب لم يعد ذكره القدورى ويجوز ان يعلم بالواو ايضا لان مراده من الانتصاب الاستواء ومن ذهب الي التفسير الثاني لا يطلق الرجوع إذا لم يستو ثم إذا عاد قبل الانتصاب فهل يسجد للسهو حكي الشيخ أبو حامد واصحابنا العراقيون فيه قولين (اظهرهما) عندهم انه لا يسجد لانه روى في حديث
[ ٤ / ١٥٨ ]
المغيرة انه ﷺ قال " وأن ذكر قبل ان يستتم قائما جلس ولا سهو " ولانه عمل قليل فلا يقتضى سجود السهو والثانى وبه قال احمد واختاره القاضي أبو الطيب انه يسجد لما روى ان انسا ﵁ " تحرك للقيام في الركعتين من العصر فسبحوا به فجلس ثم سجد للسهو " ولان ما اتى به زيادة من جنس الصلاة فاشبه ما إذا زاد ركوعا وقال كثير من الاصحاب ان صار اقرب الي القيام منه الي القعود ثم عاد سجد للسهو وان كان يعد اقرب الي القعود لم يسجد: ويحكى هذا عن القفال ايضا ووجهه انه إذا صار الي القيام أقرب فقد اتي بفعل يغير نظم الصلاة ولو أتي به عمدا في غير موضعه لبطلت صلاته
فيقتضى سهوه السجود وهذا كالتوسط بين القولين وحمل للقولين علي الحالين وذكر في النهاية هذه العبارة وزاد انه لو عاد من حد يكون نسبته إلى القعود كنسبته إلى القيام لا يسجد ايضا وذكره عبارة اخرى عن الشيخ ابي محمد وآخرين وهى انه لو عاد قبل ان ينتهى إلى حد الراكعين فلا يسجد وان عاد بعد ان ينتهي الي حد الراكعين يسجد لانه زاد ركوعا سهوا وهذه العبارة هي التى ذكرها في الكتاب وليس المراد من حد الركوع ههنا أقل الركوع فان المرتفع إذا انتهى إلى حد اقل الركوع فقد جاوز حد اكمله وزاد ركوعا ولم يبلغه فهو في حد الراكعين ايضا نص عليه في النهاية وهذا الخلاف في الوجه الذى حكيناه عن بعضهم في تفسير الانتصاب حيث يعتبر اقل الركوع لان النظر ثم إلى الحصول في حد فرض القيام والعبارة الاولي اوفى بالغرض فان الثانية لا تجزئ الا إذا انتهض منحنيا ومن الجائز ان لا ينحني في انتهاضه فيحتاج الي الرجوع إلى العبارة الاولى وهما متقاربتان وليستا علي التنافي بل من قال بالاولي قال بانه إذا انتهي إلى حد الراكعين الي حد الراكعين وعاد يسجد للسهو ومن قال بالثانية سلم بانه إذا عاد بعدما صار اقرب إلى القيام من غير انحناء يسجد وليكن قوله ثم يسجد للسهو معلما لواو لمكان طريقة القولين المطلقين في العود قبل الانتصاب والظاهر التفصيل وبه اجاب صاحب التهذيب والرويانى في الحلية وجميع ما ذكرناه من الحالتين فيما إذا ترك التشهد الاول ونهض ناسيا فاما إذا فعل ذلك عمدا ثم عاد قبل الانتصاب والاعتدال فان عاد بعدما صار الي القيام اقرب بطلت صلاته وان عاد قبله لم تبطل ذكره في التهذيب ولو كان يصلى قاعدا فافتتح القراءة بعد الركعتين فان كان علي ظن أنه فرغ من التشهد وجاء وقت الثالثة لم يعد بعد ذلك الي قراءة التشهد في اصح الوجهين وان سبق لسانه الي القراءة وهو عالم بانه لم يتشهد فله ان يعود الي قراءة التشهد وترك القنوت يقاس بما ذكرنا في التشهد فإذا نسيه ثم تذكر
[ ٤ / ١٥٩ ]
بعد وضع الجبهة علي الارض لم يجز العود وان كان قبله فله العود ثم ان عاد بعد بلوغه حد الراكعين يسجد للسهو وان كان قبله فلا * قال (الرابع إذا تشهد في الاخير قبل ان يسجد تدارك السجود واعاد التشهد وسجد للسهو
لانه زاد قعودا طويلا ولو ترك السجدة الثانية وتشهد ثم تذكر لم يسجد لهذا السهو لانه ركن طويل فلم يوجد الا نقل التشهد وهو غير مبطل علي احد الوجهين وان جلس عن قيام ولم يتشهد لكن طول سجد للسهو وان تذكر علي القرب فلا لان قدر جلسة الاستراحة في مثل هذا الوقت عمدا لا يبطل الصلاة) * صورة المسالة الاولى ان يجلس في الركعة الاخيرة عن قيامه ظانا انه إذا اتي بالسجدتين ويتشهد ثم يتذكر الحال بعد التشهد فيجب عليه تدارك السجدتين واعادة التشهد مراعاة لترتيب الصلاة ويسجد للسهو والحالة هذه لمعنيين (احدهما) وهو المذكور في الكتاب انه زاد قعودا طويلا في الصلاة ولو فعل ذلك عمدا بطلت صلاته فإذا فعله سهوا سجد والثاني انه نقل ركن التشهد عن موضعه الي غير موضعه وذلك يقتضى سجود السهو علي أظهر الوجهين كما تقدم ويتفرع علي هذا ما لو جلس بعد السجدتين في الركعة الاولي أو الثالثة وقرأ التشهد أو بعضه ثم تذكر سجد للسهو نص عليه الشافعي ﵁ لانه نقل ركن التشهد إلى غير موضعه ولو لم يقرأ شيئا فان طول سجد للسهو لانه زاد قعودا طويلا وان لم يطول فلا لانتفاء المعنيين والتطويل بان يزيد علي قدر جلسة الاستراحة (واعلم) ان الحكم المذكور لا يختص بالركعة الاخيرة بل لو اتفق له ذلك في الركعة الثانية من صلاة رباعية أو ثلاثية فكذلك يتدارك السجود ويعيد التشهد ويسجد للسهو الا ان اعادة التشهد ههنا تكون مسنونة ولو اتفق ذلك في ركعة لا يعقبها تشهد فإذا تذكر تدارك (المسألة الثانية) لو سجد في الركعة الاخيرة سجدة وتشهد علي ظن أنه فرغ من السجدتين ثم تذكر فلا شك في أنه يتدارك السجدة الثانية ويعيد التشهد وهل يسجد للسهو قال في الكتاب لا يسجد بناء علي شيئين احدهما ان الجلوس بين السجدتين ركن طويل فلم يوجد منه زيادة قعود طويل والثانى ان نقل الركن الذكرى عن موضعه لا يقتضي السجود فتكون قراءة التشهد ههنا بمثابة ما لو اتى بذكر آخر ويحكى هذا عن ابن سريج لكن كل واحد من هذين الاصلين مختلف فيه والظاهر ان الجلسة بين السجدتين ركن قصير وان نقل الركن عن موضعه يقتضى السجود على ما بيناه من قبل فإذا الظاهر في المسألة أنه يسجد للسهو وبه قال الشيخ أبو علي وغيره وذكر في التهذيب انه المذهب ولو كانت المسألة بحالها وطول لا بالتشهد فههنا لا نقل لكن الظاهر انه يسجد للسهو ايضا
[ ٤ / ١٦٠ ]
تفريعا علي قولنا الجلسة بين السجدتين ركن قصير * واعرف من لفظ الكتاب في المسألة امورا ثلاثة (احدها) ان قوله لم يسجد لهذا السهو ليس جوابا ينفى السجود جزما لانه ذكر الخلاف فيما جعله علة لنفى السجود حيث قال لانه ركن طويل ولم يوجد الا نقل التشهد وهو غير مبطل يعنى إذا كان عمدا علي احد الوجهين والخلاف في العلة يوجب الخلاف في المعلول فتبين بذلك انا إذا قلنا ان عمده مبطل يسجد للسهو فإذا لا حاجة الي اعلام قوله لم يسجد بالواو لانه بمثابة قوله لم يسجد علي أحد الوجهين (الثاني) قوله على أحد الوجهين يجوز ان يرجع إلى النقل وحده ويجوز ان يرجع إليه والي قوله قبله ركن طويل فان الخلاف ثابت فيهما فان كان الاول فليعلم قوله ركن طويل بالواو (الثالث) لفظ الكتاب يشعر بان الحكم بان عمده غير مبطل مع قولنا الجلسة ركن طويل يقتضى نفي السجود ههنا لكنه قد ذكر من قبل انا وان لم نجعل عمد النقل مبطلا ففى السجود لسهوه وجهان فإذا القول بنفي السجود ههنا بناء علي الاصلين جواب علي انه إذا لم يبطل عمده لا يسجد لسهوه فالاظهر انه وان لم يبطل عمده يسجد لسهوه كما تقدم (المسألة الثالثة) لو جلس عن قيام ولم يتشهد نم تذكر اشتغل بالسجدتبن وبما بعدهما علي ما يقتضيه ترتيب صلاته ثم ان طال جلوسه سجد للسهو لما سبق ان زيادة القعود الطويل عمدا مبطلة وان
[ ٤ / ١٦١ ]
لم يطل بل كان في حد جلسة الاستراحة فلا يسجد للسهو لان العمد منه في غير موضعه لا يبطل الصلاة بخلاف الركوع والسجود والقيام يبطل عمدها الصلاة وان قصر زمانه وذلك لان الجلوس معهود في نفس الصلاة من غير أن يكون ركنا كجلوس التشهد الاول وجلسة الاستراحة وهى لا تقع في نفس الصلاة الا اركانا فيكون تأثيرها في تغيير نظم الصلاة أشد والمسألتان الاخيرتان لا اختصاص لهما بالركعة الاخيرة كما ذكرنا في المسألة الاولى لكن هذا السهو حيث يكون بين يديه تشهد أقرب وقوعا وإذا كان التشهد فرضا يجب عليه اعادته بعد تبين الحال فلذلك كانت مسائل الكتاب مصورة في الركعة الاخيرة قال (الخامس إذا قام الي الخامسة ناسيا بعد التشهد فان تذكر جلس وسلم والقياس أنه لا يعيد التشهد
والنص أنه يتشهد لرعاية الولاء بين التشهد والسلام وكيلا يبقى السلام فردا غير متصل بركن من أحد الجانبين) * إذا قام إلى الخامسة في صلاة رباعية ثم تذكر قبل أن يسلم فعليه أن يعود الي الجلوس ويسجد للسهو سواء تذكر في قيام الخامسة أو ركوعها أو سجودها وان تذكر بعد الجلوس فيها سجد للسهو ويسلم قال أبو حنيفة ان تذكر قبل أن يسجد في الخامسة يعود الي الجلوس وان تذكر بعد
[ ٤ / ١٦٢ ]
ما سجد فيها فان لم يكن قعد في الرابعة بطل فرضه وتحولت صلاته نفلا وعليه أن يضم إليها ركعة سادسة وان كان قد قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى وتكون أربع ركعات من صلاته فرضا وركعتان نفلا لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم " صلي الظهر خمسا فقيل له أتزيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا صليت خمسا فسجد سجدتين بعدما سلم " والاستدلال أنه لا يخلو اما ان كان قد قعد في الرابعة أو لم يقعد فان قعد فيها لم يضم إلى صلاته ركعة أخرى وان لم يقعد فيها لم يعد الصلاة وقوله في الكتاب جلس وسلم يعني وسلم بعد سجود السهو وهل يتشهد بعدما تذكر الحال نظر ان تذكر بعد الجلوس والتشهد في الخامسة فلا حاجة إلى اعادته بحال وان تذكر قبل الجلوس فيها فجلس أو بعد الجلوس فيها وقبل التشهد فان لم يكن تشهد في الرابعة فلا بد وأن يتشهد الآن وان كان قد تشهد فيها وهذه الحالة هي المذكورة في الكتاب فهل يحتاج الي اعادة التشهد فيه وجهان (أصحهما) وبه قال معظم الاصحاب لا لانه أتى به في موضعه فاشبه ما إذا قام الي الخامسة من السجود ثم تذكر فانه يقعد ويتشهد ولا يحتاج الي العود إلى السجود (والثانى) وبه قال ابن سريج أنه يجب اعادته وينسب هذا الي نص الشافعي ﵁ لانه قال في المختصر وان ذكر أنه في الخامسة سجد أو لم يسجد قعد في الرابعة أو لم يقعد فانه يجلس للرابعة ويتشهد ويسجد للسهو حكم بانه يجلس ويتشهد سواء قعد في الرابعة أو لم يقعد وذكر ابن سريج لهذا الوجه الثاني معنيين (احدهما) رعاية الموالاة بين التشهد والسلام فان تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة فلا بد
[ ٤ / ١٦٣ ]
من اعادته ليليه السلام (والثانى) أنه لو لم يعد التشهد لبقى السلام فردا غير متصل بركن قبله ولا بعده والكتاب يشتمل على هذين المعنيين معا وفرع ابن سريج عليهما ما إذا ترك الركوع ثم تذكره في السجود وان قلنا بالمعنى الاول يجب أن يعود الي القيام ويركع منه وان قلنا بالمعنى الثاني كفاه أن يقوم راكعا فانه لا يبقى فردا لاتصاله بالسجود وما بعده والاول مثل ما حكينا عن أبى اسحق فيما إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الاولي وكان قد جلس بعد السجدة المفعولة أنه يجلس ثم يسجد قال أصحاب الوجه الاول اما لفظ الشافعي ﵁ فانما يتعرض للقعود ولم يقل تشهد أو لم يتشهد فالمراد ما إذا قعد ولم يتشهد واما المعنيان فضعيفان أما الاول فلان الفصل بالنسيان لا يقدح في الموالاة لانه إذا اعاد التشهد فاما أن يكون المعتد به تشهده الاول أو يكون هو الثاني فان كان المعتد به الاول فلا معنى للامر بالثاني ثم المحذور وهو انقطاع الموالاة بين التشهد والسلام يبقى بحاله وان كان المعتد به الثاني فلا موالاة بينه وبين ما قبله من الاركان فلم يحتمل انقطاع الموالاة بين التشهد وما قبله ولا يحتمل بين التشهد والسلام واما المعني الثاني فهو مفرع على انقطاع الموالاة والا فالسلام ليس فردا بل هو متصل بما قبله وهذا كله إذا كان قد تشهد علي قصد التشهد الاخير وهو المراد من مسألة الكتاب فاما إذا تشهد علي ظن أنه التشهد الاول عاد الوجهان في تأدى الفرض بنية النفل ان قلنا يتادى ففيه الخلاف المذكور وان قلنا لا يتادى فيجب اعادة التشهد بلا خلاف وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أنه لم قال القياس أنه لا يتشهد والنص أنه يتشهد لكن في اللفظ شيئان (أحدهما) أنه سلم أن النص أنه يتشهد واصحاب الوجه الاول لم يسلموا ذلك بل منهم من يمنع دلالته عليه ومنهم من أوله (والثاني) ان قوله في مقابلته القياس أنه لا يتشهد انما يذكر مثله في ابداء الشئ على سبيل الاحتمال وهو منقول منصوص عليه من جهة معظم الاصحاب والله اعلم *
[ ٤ / ١٦٤ ]
قال (السادس إذا شك في اثناء الصلاة أخذ بالاقل (ح) وسجد للسهو ولو شك بعد السلام فقولان أحدهما أنه يقوم الي التدارك وكانه لم يسلم والثانى انه لا يعتبر بعد الفراغ لما فيه من العسر وان لم يشك الا بعد طول الزمان فالقياس أنه لا يلتفت إليه) *
ليس في هذا الموضع السادس سهو محقق فكأنه أراد بقوله أولا ومواضع السهو ستة مواضع سجود السهو ثم ليس ذلك علي سبيل الحصر بل الصور المفردة التى يشرع فيها السجود تزيد علي اضعاف هذا العدد ويمكن التقسيم الجملى علي وجه ينتقص عنه وقوله إذا شك في اثناء الصلاة يعني في عدد الركعات وسبب الاخذ بالاقل وسجود السهو قد ذكره في الكتاب بعد هذا واعاد المسألة كما سنشرحها وليعلم قوله اخذ بالاقل بالحاء والالف لما سيأتي وان وقع الشك في عدد الركعات أو في ترك ركن من الاركان بعد السلام فينظر ان لم يطل الزمان ففيه قولان (احدهما) انه يشتغل بالتدارك ويسجد للسهو كما لو وقع الشك في اثناء الصلاة لان الاصل انه لم يفعله وايضا فلانه لو تيقن بعد السلام ترك ركن أو ركعة ولم يطل الفصل يتدارك كما لو كان ذلك قبل السلام فكذلك يتساويان في حكم الشك واظهرهما انه لا عبرة بهذا الشك لان الظاهر ان ختم الصلاة كان علي تمام الركعات والاركان ولو اعتبر الشك الطارئ بعد الفراغ لعسر الامر علي الناس وفى المسألة طريق آخر وهو القطع بهذا القول الثاني فليكن قوله فقولان معلما بالواو لذلك ولفظ الكتاب وان لم يصرح بوضع القولين فيما إذا لم يطل الزمان لكنه اشتمل على ما يبين ذلك الا ترى انه قال بعد القولين فان لم يشك الا بعد طول الزمان فافهم انهما فيما إذا لم يطل وان طال الزمان ثم شك ففيه طريقان حكاهما في النهاية (احدهما) طرد القولين (واصحهما) القطع بانه لا عبرة بالشك بعده لان الانسان بعد طول المدة تكثر تردداته وشكوكه فيما مضى من افعاله ولو اعتبر ذلك لكان الطريق ان يؤمر
[ ٤ / ١٦٥ ]
بالقضاء ومثل هذا الشك غير مأمون في القضاء ايضا وقوله على الصحيح أي من الطريقين وبه قال الشيخ أبو محمد ويجوز ان يريد من القولين جوابا على الطريقة الاولي وإذا لم يفصل بين طول الزمان وقصره قلت في الشك الطارئ بعد الفراغ طريقان (احدهما) انه لا يعتبر بحال (والثانى) وهو المذكور في الوسيط أن فيه ثلاثة اقوال (اصحها) الفرق بين أن يطول الزمان فلا يعتبر وبين أن لا يطول فيعتبر (فان قلت) وبم يضبط الزمان الطويل ويميز عن غير الطويل وهذا البحث يحتاج إليه ههنا وفيما إذا تيقن انه ترك ركعة أو ركنا بعد السلام فان الحكم فيه يختلف بطول الزمان وقصره علي ما سبق
(فالجواب) أنه حكي عن البويطي ان الطويل ما يزيد على قدر ركعة وبه قال أبو إسحق المروزى وعن ابن أبي هريرة أن الطويل قدر الصلاة التى كان فيها والاظهر أن الاعتبار فيه بالعرف والعادة ويحكى ذلك عن الام وإذا جوزنا البناء فلا فرق بين أن يتكلم بعد السلام ويخرج من المسجد ويستدبر القبله وبين أن لا يفعل ذلك وقيل القدر الذى نقل عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في الفصل محتمل فان زاد فلا والمنقول أنه قام ومضى الي ناحية المسجد وراجع ذا اليدين وسأل الصحابة فأجابوا
[ ٤ / ١٦٦ ]
قال (قواعد اربع (الاولي) من شك في ترك مأمور سجد للسهو إذ الاصل انه لم يفعله وان شك في ارتكاب منهى لم يسجد لان الاصل العدم ولو شك في انه سجد للسهو أو في انه سجد واحدة أو ثنتين للسهو فالاصل العدم الا في مسالة وهو أنه لو شك انه صلي ثلاثا أو اربعا أخذ بالاقل قياسا وسجد للسهو جبرا وان كان الاصل انه لم يزد وقيل ان علته انه أدى الرابعة علي تردد حتى لو تيقن قبل السلام انها رابعة سجد أيضا وقيل لا يسجد عند زوال التردد) * هذه القواعد اصول في الباب لا بد من معرفتها والاولى منها مبنية علي أصل كثير الولوج في أبواب الفقه وهو أنا إذا تيقنا وجود شئ أو عدمه ثم شككنا في تغيره وزواله عما كان فانا نستصحب اليقين الذى كان ونطرح الشك إذا تذكرت ذلك فلو شك في ترك مامور ينجبر تركه بالسجود وهو
[ ٤ / ١٦٧ ]
الابعاض فالاصل انه لم يفعله فيسجد للسهو قال في التهذيب هذا إذا كان الشك في ترك مامور مفصل فاما إذا شك في الجملة في أنه هل ترك مامورا أم لا فلا يسجد كما لو شك هل سها أم لا ولو شك في ارتكاب منهي مثل شكه في أنه تكلم ناسيا أم لا أو سلم ناسيا أم لا فالاصل انه لم يفعل ولا سجود عليه ولو تيقن السهو وشك في أنه هل سجد للسهو أم لا فيسجد لان الاصل انه لم يسجد ولو شك في انه سجد للسهو سجدة أو سجدتين فيأخذ بانه لم يسجد الا واحدة ويسجد أخرى لان الاصل في الثانية العدم ولو شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلي أم اربعا اخذ بالاقل وأتى بالمشكوك فيه وسجد
للسهو خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال ان كان هذا الشك أول ما عرض له بطلت صلاته وان كان يعرض له كثيرا تحرى وبنى علي غالب ظنه فان لم يغلب علي ظنه شئ بني على اليقين وعن أحمد رواية ان الامام يتحرى خاصة ويعمل بغالب ظنه والظاهر عنه مثل مذهبنا لنا ما روى أبو سعيد الخدرى ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا شك احدكم في صلاته فلم يدر كم صلي ثلاثا ام اربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ويسجد سجدتين فان كانت صلاته تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة وان كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تماما والسجدتان ترغيما للشيطان "
[ ٤ / ١٦٨ ]
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ان النبي ﷺ قال " إذا شك احدكم فلم يدر اواحدة صلي أم اثنتين فليبن علي واحدة وان لم يدر أثنتين صلي ام ثلاثا فليبن على اثنتين وان لم يدر ثلاثا صلى أم اربعا فليبن على ثلاث ويسجد سجدتين قبل أن يسلم " وعندنا لا مجال للاجتهاد في هذا الباب ولا يجوز العمل بقول الغير أيضا وفيه وجه انه يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته وكذلك إذا قام الامام الي ركعة يظنها رابعته وعند القوم انها خامسة فنبهوه لا يرجع الي قولهم وفى وجه ان كثر عددهم رجع الي قولهم والمشهور الاول لانه تردد في فعل نفسه فلا يرجع الي قول غيره فيه كالحاكم إذا نسي حكمه لا ياخذ بقول الشهود عليه إذا عرف ذلك فالبناء على الاصل مستمر على الاصل الذى تقدم لان الاقل فيما سوى القدر المستيقن العدم واما الامر بسجود السهو فمخالف لذلك الاصل لانه إذا بنى على اليقين واتى بركعة اخرى فقد تمت صلاته خالية عن السهو بالزيادة ظاهرا فلماذا يسجد حكي امام الحرمين خلافا في تنزيله قال قال شيخي وطائفة المعتمد فيه ما روينا من الخبر ولا اتجاه له من جهة المعني وقال الشيخ أبو علي المقتضي للسجود تردده في
[ ٤ / ١٦٩ ]
أمر الركعة الاخيرة فان كانت زائدة فزيادتها تقتضي السجود والا فالتردد فيها أهى أصلية مفروضة أم زائدة يوجب ضعف النية ويحوج إلى الجبر بالسجود قال ويتفرع على هذا الخلاف ما لو زال تردده قبل السلام وعرف ان الركعة الاخيرة هي الرابعة حقا وانه ما زاد شيأ هل يسجد للسهو
قطع الشيخ أبو محمد بانه لا يسجد فان المتبع الحديث والحديث ورد في دوام الشك والتردد وقال الشيخ أبو على يسجد لان تلك الركعة تأدت علي التردد وضعف النية فيها فزوال التردد بعد ذلك لا يغنى عن الجبر ثم الذى مال إليه امام الحرمين كلام شيخه انه لا يسجد عند زوال التردد واعترض علي كلام الشيخ أبي علي وقال انه منقوض بما إذا لم يدر الرجل اقضي الفائتة التى كانت عليه أم لا فانا نأمره بقضائها ولا يسجد للسهو إذا قضاها وان كان هو مترددا في انها هل هي مفروضة عليه من أول الصلاة الي آخرها أم لا وفى لفظ الكتاب ما يشعر بموافقته الامام علي اختياره فانه اسند سجود السهو في المسألة الي الخبر ثم قال وقيل إن عليه كذا وقال بينا ان هذا
[ ٤ / ١٧٠ ]
السياق يشعر بترجيح الاول لكن المنقول عن القفال يوافق ما نسبه في المسألة إلى الشيخ ابي على ولم يورد صاحب التهذيب وكثيرون سواه وضبطوا صور عروض الشك وزواله فقالوا ان كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله ما لا بد منه علي كل احتمال فلا يسجد للسهو وان كان زائدا علي بعض الاحتمالات سجد للسهو مثاله لو شك في قيام من صلاة الظهر ان تلك الركعة ثالثة أو رابعة فركع وسجد علي هذا الشك وهو علي عزم القيام الي ركعة أخرى اخذا باليقين ثم تذكر قبل القيام الي الاخرى انها ثالثته أو رابعته فلا يسجد للسهو لان ما فعله في زمان الشك لا بد منه علي التقديرين جميعا وان لم يتذكر حتى قام الي الاخرى يسجد للسهو وان تذكر انها كانت ثالثته وهذه رابعة لانه كان احتمال الزيادة وكونها خامسة ثابت حين قام وقوله في الكتاب فالاصل العدم الا في مسألة يعني انه يعمل بقضية هذا الاصل الا في هذه المسألة فلا يعمل به لا أن هذه المسألة تغاير ما قبلها في نفس الاصل حتي لا يكون الاصل فيها العدم وليس الغرض استثناء هذه الصورة الفردة بل نظائرها في معناها كما إذا شك في ترك ركن سوى النية والتكبير يبني على اليقين ويسجد للسهو وترك الاصل في هذه الصورة ليس في الاخذ بالاقل ولكنه في الامر بسجود السهو كما بينا ولذلك قال اخذ بالاقل قياسا وسجد للسهو جبرا والصورة المستثناة قد ذكرها وحكمها في الفصل السابق علي هذا الفصل فهي معادة ههنا لكن هذا الموضع احق بذكرها ولذلك زاد ههنا الكلام في سبب سجود السهو وفرع عليه وكأنه قصد بذكرها في الفصل السابق التدرج منها الي الشك بعد السلام ولو اقتصر
على ذكرها في هذا الموضع وعقبها بمسألة الشك بعد السلام لم يكن به باس وقوله آخرا وقيل لا يسجد عند زوال التردد تفريع على اسناد سجود السهو الي الجبر وليس شيئا مستأنفا ولو قال وعلي الاول لا يسجد عند زوال التردد لكان اوضح *
[ ٤ / ١٧١ ]
قال (الثانية إذا تكرر السهو فيكفى سجدتان في آخر الصلاة وانما يتعدد سجود السهو في حق المسبوق إذا سجد لسهو الامام فانه يعيد في آخر صلاة نفسه وكذا إذا صلوا صلاة الجمعة ثم بان لهم بعد سجود السهو ان الوقت خارج تمموها ظهرا واعادوا السجود ولو ظن الامام سهوا فسجد ثم تبين أن لا سهو فقد زاد سجدتين فيسجد لهذا السهو سجدتين اخريين وقيل هما جايرتان لانفسهما كشاة من اربعين شاة تزكي نفسها وغيرها) * لا يتكرر سجود السهو بتكرر السهو وتعدده بل يكفى سجدتان في آخر الصلاة سواء تكرر نوع واحد أو وجود نوعان فصاعدا ووجهه الخبر والمعنى أما الخبر فهو حديث ذى اليدين فان النبي صلي الله عليه وسلم " سلم وتكلم واستدبر القبلة ومشى ولم يزد على سجدتين " واما المعني فهو ان سجود السهو مؤخر الي آخر الصلاة ولولا أنه يتداخل لامر به عند السهو كسجود التلاوة ياتي عند التلاوة قال الائمة ولا يتعدد سجود السهو الا في مواضع قالوا ونعنى بذلك صورة السجود والا فالمعتد به سجدتان
[ ٤ / ١٧٢ ]
بلا استثناء فمنها المسبوق إذا سجد مع الامام لسهوه يعيد في آخر صلاة نفسه على اختلاف ياتي من بعد والغرض ههنا الاشارة إلى أنه من المستثنيات واقتصر علي ذكر الاصح وهو أنه يعيد في آخر صلاة نفسه ويجوز أن يعلم قوله يعيد بالواو للخلاف الذى ياتي ذكره: ومنها لو سها الامام في صلاة الجمعة فسجدوا للسهو ثم تبين لهم قبل أن يسلموا خروج وقت الظهر فعليهم اتمامها ظهرا ويعيدون سجود السهو لان محل السجود في آخر الصلاة وقد تبين أن الاول لم يقع في آخر الصلاة وهذا تفريع علي ظاهر المذهب وفى المسالة قول آخر ياتي ذكره في الجمعة انهم لا يتمونها ظهرا بل يستأنفون فعلي ذلك القول لا تستمر المسألة ولا بأس لو اعلمت قوله تمموها ظهرا بالواو لمكان ذلك
القول ومنها لو ظن أنه سها في صلاته فسجد للسهو ثم بان قبل أن يسلم أنه لم يسه فهل يسجد فيه وجهان أصحهما أنه يسجد لانه زاد سجدتين سهوا فيجبر هذا الخلل بالسجود والثانى وبه قال الشيخ أبو محمد لا يسجد لان سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة فيجبر نفسه كما يجبر غيره وهذا كوجوب شاة في اربعين إذا أخرج واحدة تزكي نفسها فانها من جملة الاربعين فهذه الصور الثلاث هي المذكورة في الكتاب وقوله وانما يتعدد سجود السهو يشعر بالحصر فيها ولكن وراءها صورا أخر منها لو شرع المسافر في الصلاة بنية القصر فسها وسجد للسهو ثم نوى الاتمام قبل أن يسلم أو صار مقيما بانتهاء السفينة الي دار الاقامة يجب عليه أن يتم الصلاة ويعيد السجود في آخر صلاته لان محله آخر الصلاة ومنها لو سجد للسهو ثم سها قبل أن يسلم بكلام أو غيره هل يسجد للسهو فيه وجهان احدهما وبه قال ابن القاص نعم لانه وان جبر ما قبله وما فيه فلا يجبر ما يقع بعده واصحهما لا يسجد كما لو تكلم في سجود السهو أو سلم بينهما والمعني فيه أنه لا يؤمن من وقوع مثله في السجود ثانيا أو بعده فيتسلسل ولو سجد للسهو ثلاثا سهوا لا يسجد لهذا السهو وكذلك لو شك في أنه سجد
[ ٤ / ١٧٣ ]
للسهو سجدة أو سجدتين فاخذ بالاقل وسجد أخرى كما امرناه ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين لا يسجد ثانيا للمعني الذى ذكرناه وعبروا عن هذا الوجه الاصح وعن الاصح في الثالثة من صور الكتاب بان قالوا السهو في سجود السهو لا يقتضي السجود والسهو بسجود السهو يقتضي السجود ومنها لو ظن أن سهوه ترك القنوت فسجد للسهو ثم بان له قبل ان يسلم ان سهوه شئ آخر هل يسجد ثانيا فيه جوابان للقاضى الحسين احدهما نعم لانه قصد بالاول جبر ما لا حاجة الي جبره وبقى الخلل بحاله واظهرهما لا لانه قصد جبر الخلل وانه يجبر كل خلل * قال (الثالثة إذا سها المأموم لم يسجد بل الامام يتحمل عنه كما يتحمل عنه سجود التلاوة ودعاء القنوت والجهر والقراءة عن المسبوق والتشهد الاول عن المسبوق بركعة واحدة ولو سها بعد سلام الامام لم يتمحله ولو ظن أن الامام سلم فقام ليتدارك ثم جلس قبل سلام الامام فكل ما جاء به سهو ولا سجود عليه فإذا سلم الامام فليتدارك الآن وان تذكر في القيام ان الامام لم يتحلل فليرجع الي القعود أو لينتظر
قائما سلامه ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة بعده) * إذا سها المأموم خلف الامام لم يسجد ويتحمل الامام سهوه لما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " ليس على من خلف الامام سهو وان سها الامام فعليه وعلي من خلفه " ولحديث معاوية بن الحكم الذى رويناه في فصل الكلام فان النبي ﷺ لم يأمره بالسجود مع أنه تكلم خلفه وشبه في الكتاب تحمله سهو المأموم بامور اخر يتحملها احدها سجود التلاوة فان المأموم لو قرأ آية سجدة لا يسجد علي ما سيأتي والثاني دعاء القنوت علي ما سبق والثالث الجهر فان المأموم لا يجهر في الصلاة الجهرية ولو كان منفردا لجهر ويجوز ان يعلم هذا بالحاء لان عند أبي حنيفة لا يجهر المنفرد وإذا كان كذلك فلا معني للتحمل والرابع القراءة يتحملها عن المسبوق الذى ادركه في الركوع وكذلك يتحمل عنه اللبث في القيام.
لا يتحمل
[ ٤ / ١٧٤ ]
عنه أصل القيام فانه لا بد له من ايقاع التكبيرة في حد القيام والخامس التشهد الاول يتحمله عن المسبوق الذى لحقه في الركعة الثانية فانه إذا قعد الامام للتشهد الاول يتابعه وهو غير محسوب للمسبوق من صلاته وموضع تشهده الاول آخر الركعة الثالثة للامام وهو لا يقعد فيه بل يقوم مع الامام فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب * ومنها القنوت في صلاة الصبح إذا لحق المسبوق في الركعة الثانية علي ما ذكرنا في التشهد الاول * ومنها قراءة السورة على التفصيل المتقدم ومنها قراءة الفاتحة في الجهرية علي القول القديم ولو سها المأموم بعد سلام الامام لم يتحمله الامام لانقطاع رابطة الاقتداء وذلك في المسبوق إذا سها فيما ينفرد بتداركه وكذلك المأموم الموافق لو تكلم ساهيا عقيب سلام الامام والمنفرد إذا سها في صلاته دخل في جماعة جوزنا ذلك علي ما سيأتي فلا يتحمل الامام سهوه ذلك ولو ظن المأموم ان امامه قد سلم فسلم ثم بان له انه لم يسلم بعد فيسلم معه ولا سجود عليه فانه سهو في حالة الاقتداء ولو تيقن في التشهد أنه ترك الفاتحة أو الركوع من ركعة سهوا فإذا سلم الامام فعليه أن يقوم الي ركعة أخرى ثم لا يسجد للسهو لان سهوه كان خلف الامام ولو سلم الامام فسلم المسبوق سهوا ثم تذكر بني على صلاته وسجد للسهو لان سلامه وقع بعد انفراده ولو ظن المسبوق
ان الامام سلم بان سمع صوتا خيل إليه ذلك فقام ليتدارك ما عليه وكان ما عليه ركعة مثلا فاتي بها وجلس ثم علم ان الامام بعد لم يسلم وان ظنه كان خطأ فهذه الركعة غير معتد بها لانها مفعولة في غير موضعها فان وقت التدارك ما بعد انقطاع القدوة اما لخروج الامام عن الصلاة أو لقطع المأموم القدوة حيث يجوز ذلك ولم يوجد واحد من الامرين وانما ظن زوال القدوة فتبين خلافه فإذا سلم الامام يقوم الي التدارك ثم لا يسجد للركعة التى سها بها لبقاء حكم القدوة وهذه المسألة منقولة عن نص الشافعي ﵁ والعبارة عنها في الكتاب تحتاج إلى اضمارات فقوله ولو ظن أن الامام سلم يعني المسبوق وقوله فقام ليتدارك ثم جلس الي آخره أي تدارك ثم جلس قبل سلام الامام وعلم ان الامام لم يسلم بعد وكل ما جاء به سهو ولو كانت المسألة بحالها فسلم الامام وهو قائم فهل يجوز له أن يمضى في صلاته ام يجب عليه ان يعود إلى القعود ثم يقوم حكى صاحب التهذيب وغيره فيه
[ ٤ / ١٧٥ ]
وجهين ان جوزنا المضي فلا بد من استئناف القراءة وفرعوا علي الوجهين ما لو سلم الامام في قيامه لكنه لم يتنبه لذلك حتى أتم الركعة ان جوزنا المضى فركعته محسوبة ولا يسجد للسهو وان قلنا عليه القعود لم يحسب ويسجد للسهو لزيادته في الصلاة بعد تسليم الامام ولو كانت المسألة بحالها وتبين له في القيام ان الامام لم يسلم بعد فقد خيره في الكتاب بين أن يرجع الي القعود وبين ان ينتظر قائما سلام الامام وذكر امام الحرمين قدس الله روحه في هذه المسألة انه ان آثر ان يرجع فهو الوجه وان بدا له ان يتمادى ويقصد الانفراد قبل أن يتحلل الامام فهو مبنى على أن المقتدى إذا أراد الانفراد ببقية الصلاة وقطع القدوة هل له ذلك ان منعناه تعين عليه الرجوع وان جوزنا الانفراد فوجهان احدهما يجب الرجوع لان نهوضه غير معتد به فليرجع ثم ليقطع القدوة ان شاء والثانى لا يجب لان الانتهاض ليس مقصودا لعينه وانما المقصود نفس القيام وما بعده فصار كما لو قصد عند ابتداء النهوض: إذا عرفت ذلك فالمفروض في المسألة إذا لم يرجع الي القعود حالتان احداهما أن يقطع القدوة والثانية ان لا يقطعها بل ينتظر قائما الي ان يسلم الامام والذى نقلناه عن الامام كلام في الحالة الاولى وفيه ما يقتضى وجوب الرجوع في الحالة الثانية وامتناع الانتظار وما في الكتاب كلام في الحالة الثانية
لانه إذا قطع القدوة وجوزناه فلا ينتظر سلام الامام بل يشتغل بتدارك ما عليه وليس تجويز الانتظار قائما إلى سلام الامام صافيا عن الاشكال لما فيه من المخالفة الظاهرة بخلاف سبقه الامام بركن فان السبق اليسير الي ما سينتهي الامام إليه لا يعد مخالفة محضة وبتقدير ان يكون قيام المسبوق كالسبق بركن فقد ذكرنا من قبل وجهين فيما إذا غلط المأموم فسبق الامام بركن هل يجب عليه العود ام يجوز له ان ينتظره فيه فليكن قوله أو لينتظر قائما معلما بالواو وعلى كل حال فلو كان قد قرأ قبل تبين الحال لم يعتد بقراءته بل عليه الاستئناف فلذلك قال ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة بعده * (قال الرابعة يسجد المأموم مع الامام إذا سجد لسهوه (ح) فان ترك الامام سجد المأموم علي النص لاجل سهو (ز) الامام ولو سجد المسبوق مع الامام فهل يعيد في آخره صلاة نفسه فيه قولان يلتفتان الي انه يسجد لسهوه أو لمتابعته فان لم يسجد الامام سجد في آخر صلاة نفسه علي النص وسهو الامام قبل اقتدائه يلحقه على الاظهر كما بعد اقتدائه) *
[ ٤ / ١٧٦ ]
إذا سهاالامام في صلاته لحق سهوه المأموم لما روى في الخبر الذي تقدم وان سها الامام فعليه وعلي من خلفه ولانه لما تحمل سهو المأموم ألزمه سهو نفسه ويستثنى صورتان (احداهما) أن يتبين له كون الامام جنبا فلا يسجد لسهوه ولا يتحمل هو علي المأموم ايضا (الثانية) ان يعرف سبب سهو الامام ويتيقن انه مخطئ في ظنه كما إذا ظن ترك بعض الابعاض والمأموم يعلم انه لم يترك فلا يوافق الامام إذا سجد * إذا ثبت هذا الاصل فينظر ان سجد الامام وافقه المأموم فيه ولو تركه عمدا بطلت صلاته قال صلي الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به " وسواء عرف المأموم سهوه أو لم يعرفه فإذا سجد سجدتين في آخر صلاته وجب علي المأموم متابعته حملا علي انه سها وان لم يطلع علي سهوه بخلاف ما لو قام الي ركعة خامسه لا يتابعه حملا على انه ترك ركنا من ركعة لانه وان تحقق الحال ثم لم يكن له متابعته لاتمامه الصلاة يقينا ولو لم يسجد الا سجدة واحدة سجد المأموم أخرى حملا علي أنه نسى وان ترك الامام السجود لسهوه وسلم فهل يسجد المأموم نص الشافعي ﵁ على أنه يسجد لان صلاة المأموم كملت بسبب اقتدائه بالامام فإذا تطرق نقص الي صلاة الامام تعدى الي صلاة المأموم وخرج بعض اصحابنا على أصول الشافعي ﵁ منهم أبو حفص بن الوكيل انه
لا يسجد بل يتابعه في السلام كما لو ترك الامام التشهد الاول أو سجود التلاوة لا ينفرد المأموم بهما وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ وكذلك احمد ﵀ في احدى الروايتين والمزني وقد اشار في المختصر الي تخريجه علي أصل الشافعي ﵁ لانه ينفرد به مذهبا وظاهر المذهب هو الاول واجابوا عن التشهد الاول وسجدة التلاوة بانهما يقعان في خلال الصلاة فلو انفرد بهما لخالف الامام وههنا سجود السهو يقع بعد سلام الامام وخروجه من الصلاة قال في النهاية وعبر عن هذا الخلاف بان المقتدى يسجد لسهو الامام أو لمتابعته ان قلنا لسهوه يسجد وان لم يسجد الامام وان قلنا لمتابعته فلا ولو سلم الامام ثم عاد إلى السجود نظر ان سلم المأموم معه ناسيا يوافقه في السجود فلو لم يفعل هل تبطل صلاته فيه وجهان مبنيان على أن من سلم ناسيا قبل السجود ثم عاد الي السجود هل يعود الي حكم صلاته ام لا وسياتى ذلك وان سلم المأموم عمدا مع ذكر السهو فلا يلزمه متابعته وان لم يسلم المأموم وعاد الامام ليسجد فان عاد بعد ان سجد المأموم للسهو لم يتابعه لانه قطع صلاته عن صلاة الامام بالسجود وان عاد قبل ان يسجد المأموم فاصح الوجهين
[ ٤ / ١٧٧ ]
انه لا يجوز ان يتابعه بل يسجد منفردا والثانى انه يلزمه متابعته وتبطل صلاته لو لم يفعل ولو سبق الامام حدث بعد ما سها اتم المأموم صلاته وسجد لذلك السهو تفريعا علي ظاهر المذهب وان كان الامام حنيفا فلم قبل ان يسجد للسهو لم يسلم معه المأموم بل يسجد قبل السلام ولا ينتظر سجود الامام لانه فارقه بسلامه وهذا تفريع علي ان اقتداء الشافعي بالحنفى جائز وسيأتي ولو كان المأموم مسبوقا وسها الامام بعد ما لحقه وسجد في آخر صلاته فيجب علي المسبوق ان يسجد معه رعاية للمتابعة كما يوافقه في سائر الافعال التي لا تحتسب له ويدل عليه قوله صلي الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به " وحكى الصيدلانى عن بعض أصحابنا انه لا يسجد معه لان موضع سجود السهو آخر الصلاة والصحيح المنصوص هو الاول وعليه فرع في الكتاب قوله ولو سجد مع الامام فهل يعيد في آخر صلاة نفسه فيه قولان اصحهما نعم لان سهو الامام اقتضي خللا في صلاته فيحتاج إلى جبره بالسجود ومحل الجبر بالسجود آخر الصلاة وما أتى به كان لمتابعة الامام والثاني لا وهو اختيار المزني ﵀ لانه انما يسجد لمتابعة الامام والا فليس من جهته سهو وقد ارتفعت المتابعة بسلام الامام فهذا إذا سجد الامام وسجد
المسبوق معه فاما إذا لم يسجد الامام فلا شك في ان المسبوق لا يسجد في آخر صلاة الامام إذ لا متابعة وليس هو محل السجود بالاضافة إلى المسبوق وهل يسجد في آخر صلاة نفسه فيه الخلاف الذى قدمناه في المأموم الموافق هل يسجد إذا لم يسجد الامام فليكن قوله سجد في آخر صلاة نفسه معلما بالحاء والالف والزاى ايضا وكل هذا في سهو الامام بعد اقتدائه فاما إذا سها قبل اقتداء المسبوق به فهل يلحقه حكمه فيه وجهان احدهما لا لانه لم يكن بينهما رابطة الاقتداء حينئذ كما لو سها في تداركه بعد سلام الامام لا يتحمله الامام فعلى هذا قال في النهاية ان لم يسجد الامام فلا يسجد هو اصلا وان سجد فالظاهر انه لا يسجد معه وقال بعضهم يسجد متابعة لكن لا يسجد في آخر صلاته والوجه الثاني وهو الاظهر أنه يلحقه حكمه لانه دخل في صلاة ناقصة فعلي هذا ان سجد الامام سجد معه وهل يعيد في آخر صلاة نفسه فيه القولان وان لم يسجد الامام سجد هو في آخر صلاته علي النص وإذا قلنا ان المسبوق يعيد السجود في آخر صلاته فلو اقتدى بالمسبوق
[ ٤ / ١٧٨ ]
بعد ما انفرد مسبوق آخر وبذلك المسبوق بعد ما انفرد مسبوق ثالث فكل واحد منهم يسجد لمتابعة امامه ثم يسجد في آخر صلاة نفسه ولو سها المسبوق في تداركه فان قلنا لا يسجد لسهو الامام في آخر صلاته فليسجد لسهوه سجدتين وان قلنا يسجد لسهو الامام في آخر صلاته فكم يسجد فيه وجهان احدهما اربع سجدات لتغاير الجهتين واصحهما سجدتان كما لو سها سهوين ولو انفرد المصلي بركعة من صلاة رباعية وسها فيها ثم اقتدى بمسافر وجوزنا الاقتداء في اثناء الصلاة وسها امامه ثم قام إلى ركعته الرابعة وسها فيها فكم يسجد في آخر صلاته فيه ثلاثة أوجه اصحها سجدتان والثاني اربع نظرا إلى سهوه في حالتي الجماعة والانفراد والثالث ست باعتبار الاحوال فان كان قد سجد الامام فلا بد وان يسجد معه ويكون قد أتى على الوجه الثالث بثمان سجدات وكذا المسبوق بركعة إذا اقتدى بمسافر وسها الامام وسجد وسجد معه المسبوق ثم صار الامام مقيما قبل أن يسلم فأتم وأعاد سجود السهو وأعاد معه المسبوق ثم قام إلى الركعة الرابعة وسها فيها وقلنا انه يسجد اربع سجدات فقد اتى بثمان سجدات فان سها بعدها بكلام ونحوه وفرعنا علي قول صاحب التلخيص صارت السجدات عشرا وقد يزيد عدد السجود علي هذا تفريعا على الوجوه الضعيفة *
قال * (اما محل السجود وكيفيته فهما سجداتان (ح م) قبل السلام على القول الجديد فان سلم عامدا قبل السجود فقد فوت على نفسه وان سلم ناسيا وطال الزمان فقد فات وان تذكر علي القرب فان عن له ان لا يسجد فقد جرى السلام محللا وان عن له ان يسجد عاد الي الصلاة على أحد الوجهين وبان ان السلام لم يكن محللا) * ذكرنا ان الكلام في سجود السهو يقع في قسمين (أحدهما) في مقتضيه وقد تم (والثاني) في محله وكيفيته وهما سجدتان بينهما جلسة يسن في هيئتها الافتراش وبعدهما الي ان يسلم يتورك وكتب الاصحاب ساكتة عن الذكر فيهما وذلك يشعر بان المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كسائر ما سكتوا عنه من واجبات السجود ومحبوباته وسمعت بعض الائمة يحكى أنه يستحب ان
[ ٤ / ١٧٩ ]
يقول فيهما " سبحان من لا ينام ولا يسهو " وهو لائق بالحال وفى محلهما ثلاثة أقوال (اصحها) أنه قبل السلام روى عن عبد الله بن بحينه ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي بهم الظهر فقام في الركعتين الاولتين لم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضي الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم " ولحديث أبي سعيد وعبد الرحمن ﵄ المذكورين في الشك في عدد الركعات (والثاني) وبه قال مالك والمزني رحمهما الله انه ان سها بزيادة فعل سجد بعد السلام وان كان بنقصان سجد قبل السلام أما انه يسجد في الزيادة بعد السلام فلقصة ذى اليدين فان النبي صلي الله عليه وسلم " سلم وتكلم ومشي فلما بنى علي صلاته سلم ثم سجد للسهو " وأما أنه يسجد في النقصان قبل السلام فلحديث ابن بحينة (والثالث) أنه مخير ان شاء قدم وان شاء أخر لثبوت الامرين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وهذان القولان الاخيران منقولان عن القديم والاول هو الجديد الصحيح وقد نقل عن الزهري ان آخر الامرين من فعل رسول الله ﷺ السجود قبل السلام ثم هذا الاختلاف في
[ ٤ / ١٨٠ ]
الاجزاء علي المشهور بين الاصحاب وحكى القاضى ابن كج وامام الحرمين طريقة اخرى انه في الافضل ففى قول الافضل التقديم وفى قول الافضل التاخير وفى قول هما سواء وقال أبو حنيفة السجود
بعد السلام بكل حال واختلفت الرواية عن أحمد فروى عنه مثل القول الثاني وروى مثل القول الاول وروى أنه قبل السلام الا في موضعين (أحدهما) ان يسلم ساهيا وقد بقي عليه شئ من صلاته كالركعة ونحوها (والثاني) ان يكون اماما ويشك في عدد صلاته ويتحرى علي احدى الروايتين لهم فانه يسجد بعد السلام والرواية الثالثة اظهر عند اصحابه وقد عرفث من هذه الاختلافات الحاجة الي أعلام قوله قبل السلام بالحاء والميم والالف والزاى (التفريع) ان قلنا يسجد قبل السلام فلو سلم قبل ان يسجد لم يخل اما ان يسلم عامدا ذاكرا للسهو أو يسلم ناسيا فان سلم عامدا ففيه وجهان (اصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه فوت السجود علي نفسه لان محل السجود قبل السلام وقد قطع الصلاة بالسلام (والثاني) أنه كما لو سلم ناسيا ان طال الفصل لم يسجد والا سجد كالنوافل التى تقضى لا فرق فيها بين العمد والنسيان ولا خلاف في أنه وان سجد لا يكون عائدا الي الصلاة بخلاف ما لو سلم ناسيا وسجد ففيه خلاف سيأتي وان سلم ناسيا فينظر ان طال الزمان ففيه قولان الجديد وهو الذى ذكره في الكتاب انه لا يسجد لفوات محله وتعذر البناء بطول الفصل كما لو ترك ركنا وتذكر بعد طول الفصل لا يبنى والقديم انه يسجد لانه جبران عبادة فيجوز ان يتراخى عنها كجبرانات الحج وعن مالك انه إذا ترك السجود ناسيا سجد متى تذكر ولو كان بعد شهر ولهذا أعلم قوله فقد فات بالميم مع القاف وان لم يطل الزمان بل تذكر علي القرب فان بدا له ان لا يسجد فذاك والصلاة ماضية علي الصحة وحصل التحلل بالسلام لانه لما لم يكن له رغبة في السجود عرفنا انه وإن لم يعتره نسيان لكان يسلم ولا يسجد وقال في النهاية رأيت في ادراج كلام الائمة ترددا في ذلك والظاهر انه إذا أراد أن يسجد قلنا له سلم مرة أخرى لان ذلك السلام
[ ٤ / ١٨١ ]
غير معتد به فانك لو اردت ان تسجد لحكمنا بانك في الصلاة وهذا يوجب ان يكون قوله فقد جرى السلام محللا معلما بالواو وان اراد أن يسجد فقد حكي امام الحرمين فيه وجهين احدهما لا يسجد لان السلام ركن جرى في محله والسجود يجوز تركه قصدا فلو قلنا يسجد لاحتجنا الي اخراج السلام عن الاعتداد به فانا نفرع علي أن محل السجود قبل السلام وذلك مما لا وجه له والي هذا الوجه مال الامام وصاحب الكتاب في الفتاوى والثانى أنه يسجد وبه قطع الجمهور ونص عليه الشافعي رضي الله
عنه لان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي الظهر خمسا وسلم فقيل له في ذلك فسجد للسهو " وإذا قلنا أنه يسجد ههنا وهو الصحيح أو قلنا إذا طال الفصل تفريعا علي القديم فقد اختلفوا في انه هل يعود الي حكم الصلاة علي وجهين (احدهما) لا لان التحلل قد حصل بالسلام بدليل انه لا يجب اعادة السلام والعود الي الصلاة وهذا ارجح عند صاحب التهذيب (والثانى) يعود الي حكم الصلاة وبه قال أبو زيد وذكر القفال أنه الصحيح وتابعهما امام الحرمين والمصنف قطع في الفتاوى بذلك إذا قلنا أنه يسجد وهكذا ذكر القاضى الرويانى وغيره ووجهه أنه سلم ناسيا لسهوه ولو كان ذاكرا لما سلم لرغبته في السجود وعلمه ان محل السجود قبل السلام فالنسيان يخرجه عن كونه محللا كما يخرجه عن كونه محللا إذا سلم ناسيا لركن ثم تذكر ويتفرع علي الوجهين مسائل (منها) لو تكلم عامدا أو احدث في السجود بطلت صلاته علي الوجه الثاني وعلي الاول لا تبطل (ومنها) لو كان السهو في صلاة جمعة وخرج وقت الظهر في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني وعلي الاول لا (ومنها) لو كان مسافرا يقصر ونوى الاتمام في السجود لزمه الاتمام على الثاني وعلي الاول لا (ومنها) هل يكبر للافتتاح وهل يتشهد ان قلنا بالوجه الثاني فلا يفعل ذلك وان قلنا بالاول فيكبر وفى التشهد وجهان اصحهما انه لا يتشهد قال في التهذيب والصحيح انه يسلم سواء قلنا يتشهد أو لا يتشهد بقى ههنا كلامان (احدهما) البحث عن حد طول الزمان وفيه الخلاف الذى ذكرناه فيما إذا ترك ركنا ناسيا ثم تذكر بعد السلام أو شك فيه والاصح الرجوع الي العرف والعادة وحاول امام
[ ٤ / ١٨٢ ]
الحرمين ضبط العرف فقال إذا مضى من الزمان قدر يغلب على الظن انه اضرب عن السجود قصدا أو نسيانا فهذا فصل طويل والا فليس ذلك بفصل قال وهذا إذا لم يفارق المجلس فان فارق ثم تذكر على قرب من الزمان فهذا محتمل عندي لان الزمان قريب لكن ان نظرنا إلى العرف فمفارقته المجلس تغلب على الظن الاضراب عن السجود كطول الزمان قال ولو سلم واحدث ثم انغمس في ماء علي قرب الزمان فالظاهر ان الحدث فاصل وان لم يطل الزمان (واعلم) انه قد نقل قول عن الشافعي ﵁ ان الاعتبار بالمجلس فان لم يفارقه سجد وان طال الزمان وان فارقه لم يسجد
وان قرب الزمان لكن الذى اعتمده الاصحاب الرجوع الي العرف كما سبق وقالوا لا تضر مفارقة المجلس واستدبار القبلة والله اعلم (الثاني) ان لفظ الكتاب في المسألة وهو قوله وان عن له ان يسجد عاد الي الصلاة على احد الوجهين يمكن حمله علي طريقة الجمهور بان يقال انه يسجد ثم في عوده الي الصلاة الوجهان ولكنه لم يرد ذلك وانما اراد نقل الوجهين في انه هل يسجد جريا علي طريقة الامام كما قدمناها ان قلنا يسجد فهو عائد الي الصلاة والا فلا وقد صرح بذلك في الوسيط وغيره هذا كله تفريع على قولنا أن السجود قبل السلام اما إذا قلنا انه بعد السلام اما في السهو بالزيادة أو علي الاطلاق فينبغي أن يسجد علي القرب فان طال الفصل عاد الخلاف وإذا سجد فلا يحكم بالعود الي الصلاة جزما وقال أبو حنيفة يعود إليها وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويتحلل قال في النهاية الحكم فيها كحكمها في سجدة التلاوة وسيأتى ذلك ثم إذا رأينا التشهد فالمشهور أنه يتشهد بعد السجدتين كما في سجود التلاوة يتشهد بعده وعن الاستاذ أبى اسحق الاسفراينى رحمة الله عليه
[ ٤ / ١٨٣ ]
أنه يتشهد قبل السجدتين ليليهما السلام وحكي الحناطى ﵀ عليه هذين المذهبين قولين وروى في البيان الوجهين في التفريع على القول الاول إذا قلنا أنه يتشهد *
[ ٤ / ١٨٤ ]
قال (السجدة الثانية سجدة التلاوة وهى مستحبة في اربع عشرة آية (م و) ولا سجدة في ص (ح م) وفى الحج سجدتان (م) ثم هي علي القارئ والمستمع جميعا فان سجد القارئ تأكد الاستحباب علي المستمع وان كان في الصلاة سجد لقراءة نفسه ان كان منفردا أو لقراءة امامه ان سجد امامه ولا يسجد (ح) لقراءة غير الامام ومن قرأ آية في مجلس مرتين هل تشرع السجدة الثانية فيه وجهان) * الفصل يشتمل على مسائل (احداها) سجود التلاوة سنة خلافا لابي حنيفة حيث قال بوجوبها لنا ما روى عن زيد بن ثابت ﵁ " أنه قرأ عند رسول الله ﷺ سورة النجم فلم يسجد فيها ولا امرء بالسجود " وعن عمر بن الخطاب ﵁ " أنه قرأ على المنبر سورة سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الاخرى قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال
علي رسلكم ان الله لم يكتبها علينا الا ان نشاء " (الثانية) في عدد آيات السجدة قولان (الجديد) انها اربع عشرة آية وفى القديم اسقط سجدات المفصل وردها الي احدى عشرة لما روى عن ابن عباس
[ ٤ / ١٨٥ ]
﵄ أن النبي ﷺ " لم يسجد في شئ من المفصل منذ تحول الي المدينة " واحتج في الجديد بما روى عن أبى هريرة ﵁ قال " سجدنا مع رسول الله ﷺ في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك " وكان اسلام أبي هريرة ﵁ بعد الهجرة بسنين فرأى اثباته أولي من النفى وابو حنيفة ﵀ يوافق الجديد في العدد ومالك القديم الا انهما اثبتا سجدة لا نعدها ونفيا بدلها اخرى نحن نثبتها أما الاولي فسجدة ص عندنا ليست من عزائم السجود وانما هي سجدة شكر خلافا لهما لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم " سجد في ص وقال سجدها داود توبة وسجدتها شكرا " أي علي النعمة التى أتاها الله تعالي داود وهى قبول توبته وعن ابن مسعود ﵁ أنه كان لا يسجد في ص إذا ثبت ذلك فلو سجد فيها خارج الصلاة فهو حسن ولو سجد في الصلاة جاهلا أو ناسيا لم يضر وان
[ ٤ / ١٨٦ ]
كان عالما فوجهان (أحدهما) وبه قال ابن كج لا تبطل صلاته لان سببه التلاوة واصحهما تبطل كسجود الشكر ولو سجد امامه في ص لانه ممن يراها فلا يتابعه المأموم فيها بل يفارقه أو ينتظره قائما وإذا انتظره قائما هل يسجد للسهو فيه وجهان (واما الثاني) ففي الحج عندنا سجدتان خلافا لهما في الثانية لنا ما روى عن عقبة بن عامر ﵁ قال " قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بان فيها سجدتين قال نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " وصار ابن سريج إلى اثبات سجدة ص والثانية في الحج معا وجعل آيات السجود خمس عشرة لما روى عن عمرو بن العاص ان النبي صلي الله عليه وسلم " اقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفى الحج سجدتان " وعن احمد روايتان (احداهما) مثل مذهب ابن سريج (واصحهما) مثل القول الجديد وإذا وقفت علي هذه الاختلافات اعلمت قوله وهي مستحبة بالحاء وقوله في اربع عشرة آية بالواو للقول القديم ولمذهب
الاختلافات اعلمت قوله وهي مستحبة بالحاء وقوله في اربع عشرة آية بالواو للقول القديم ولمذهب ابن سريج وقوله ولا سجدة في ص بالميم والحاء والالف والواو وقوله وفى الحج سجدتان بالميم والحاء ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها الا في حم السجدة ففى موضع السجود
[ ٤ / ١٨٧ ]
فيها وجهان (احدهما) عند قوله اياه تعبدون ويروى هذا عن أبى حنيفة واحمد (واصحهما) أنه عند قوله وهم لا يسأمون لان عنده يتم الكلام (الثالثة) كما يسن السجود للقارئ يسن للمستمع إليه لما روى عن ابن عمر ﵄ قال " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن.
فإذا مر بسجدة كبر وسجد وسجدنا معه " ولا فرق بين أن يكون القارئ في الصلاة أو لا يكون كذلك ذكره في التهذيب وبه قال أبو حنيفة وحكى في البيان أنه لا يسجد المستمع لقراءة من في الصلاة وأقام هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبى حنيفة والاول أظهر واوفق لاطلاق لفظ الكتاب وكذلك ظاهر اللفظ يشتمل قراءة الصبى والمحدث والكافر ويقتضى شرعية السجود للمستمع الي قراءتهم وبه قال أبو حنيفة وقال في البيان لا اعتبار بقراءتهم خلافا له وأما الذى لا يستمع قصدا ولكنه سمع ما رأى فقد حكى عن مختصر البويطى ان الشافعي ﵁ قال لا أؤكد عليه كما أؤكد علي المستمع وان سجد فحسن وعند أبى حنيفة لا فرق بينه وبين المستمع والقارئ ونقل مثله عن بعض أصحابنا لكنه يقول باللزوم ونحن بالاستحباب ودليل الفرق ما روى عن عثمان ﵁ " أنه مر بقاص فقرأ آية سجدة ليسجد عثمان ﵁ معه فلم يسجد وقال ما استمعنا لها " وعن ابن عباس ﵄ انه قال " السجدة لمن جلس لها " وذكر في النهاية أن السامع لا يسجد لانه لم يقرأ ولا قصد الاستماع فلو سجد لكانت سجدته
[ ٤ / ١٨٨ ]
منقطعة عن سبب ينشئه فحصل في السامع ثلاثة أوجه كما يرى وإذا سجد القارئ فيكون الاستحباب في حق المستمع آكد وان كان أصل الاستحباب لا يتوقف علي سجوده هذا ما ذكره أكثر الائمة من العراقيين وغيرهم وحكاه امام الحرمين عن نصه في البويطى ونقل الصيدلانى أنه لا يسن له
السجود الا ان يسجد القارئ ورجح الامام هذا الوجه واستشهد عليه بما روى " أن رجلا قرأ عند النبي صلي الله عليه وسلم السجدة فسجد فسجد النبي ﷺ ثم قرأ آخر عنده السجدة فلم يسجد فلم يسجد النبي ﷺ فقال سجدت لقراءة فلان ولم تسجد لقراءتي فقال كنت امامنا فلو سجدت لسجدنا " وحمل الاول ذلك على تفاوت الاستحباب وحث الثاني على السجود وهذا في غير الصلاة أما المصلي فان كان منفردا سجد لقراءة نفسه فلو لم يسجد وركع وبدا له أن يسجد لم يجز لانه اشتغل بالفرض فان كان قبل بلوغه حد الراكعين فيجوز ولو هوى
[ ٤ / ١٨٩ ]
بسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز لانه مسنون فله أن لا يتمه كما له ان يشرع فيه وهكذا لو قعد للتشهد الاول وقرأ بعضه ولم يتم جاز ولو اصغي المنفرد الي قراءة قارئ في الصلاة أو في غير الصلاة فلا يسجد لانه ممنوع من الاصغاء ولو فعل بطلت صلاته هذا قضية كلام الاصحاب وان كان المصلي في جماعة نظر ان كان اماما فهو كالمنفرد فيما ذكرنا ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصلاة خلافا لمالك حيث قال يكره ولابي حنيفة وأحمد حيث قالا يكره في السرية دون الجهرية لنا ما روى انه ﷺ " سجد في الظهر فرأى اصحابه انه قرأ آية سجدة فسجدوا " وإذا سجد الامام سجد المأموم فلو لم يفعل بطلت صلاته ولو لم يسجد الامام لم يسجد المأموم ولو فعل بطلت صلاته ويحسن القضاء إذا فرغ ولم يتاكد ولو سجد الامام ولم ينتبه المأموم حتى رفع الامام راسه من السجود لم يسجد وان علم وهو بعد في السجود سجد وان كان في الهوى ورفع الامام رأسه رجع معه ولم يسجد وكذا الضعيف الذى هوى مع الامام لسجود التلاوة فرفع الامام رأسه قبل انتهائه الي الارض لبطئ حركته يرجع معه ولا يسجد وان كان المصلي ماموما لم يسجد لقراءة نفسه بل يكره له قراءة آية السجدة ولا يسجد لقراءة غير الامام بل يكره له الاصغاء إليها ولو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غيره بطلت
[ ٤ / ١٩٠ ]
صلاته وقوله في الكتاب هي علي القارئ والمستمع ليس علي ههنا للايجاب وانما المراد تأكد الاستحباب وكثيرا ما يتكرر ذلك في كلام الاصحاب في هذه السجدة وسجدة السهو والراد ما ذكرنا
وقد يستعملون لفظ الوجوب واللزوم أيضا وقوله فان سجد القارئ تأكد الاستحباب علي المستمع اشارة الي أن أصل الاستحباب ثابت وان لم يسجد القارئ جوابا على الاظهر المنصوص ويجوز أن يعلم بالواو لان من قال لا يسن للمستمع السجود الا إذا سجد القارئ لا يقول بتاكد الاستحباب عند عدم سجوده وانما يثبته عنده وقوله ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الامام هكذا هو في بعض النسخ وهو عبارة الوسيط وعلى هذا فالمراد لا يسجد المأموم وهو متعلق بقوله أو لقراءة امامه ان سجد امامه ولفظ الكتاب علي هذا التقدير ساكت عن حكم الامام ولا بأس به للعلم بان الامام كالمنفرد في هذا الباب وأمثاله وفى بعض النسخ ولا يسجد لقراءة غير الامام وطرح ما سواه وعلي هذا فالمفهوم من سياق الكلام رجوعه الي المأموم أيضا وسبب الطرح انا إذا قلنا ولا يسجد لقراءة غير الامام دخل فيه نفسه أيضا وذكر بعضهم أن المصنف أراد ولا يسجد المصلى لقراءة غير الامام وأعلم قوله ولا يسجد بالحاء على هذا التأويل لانا نعني بقولنا لا يسجد انه لا يجوز له السجود ولو فعله بطلت صلاته وعند ابى حنيفة لو سجد الامام والمقتدون لقراءة غيرهم لم تبطل صلاتهم وان كان لا يجزئهم ذلك ويسجدون بعد الصلاة ذكره القدورى وغيره (الرابعة) لو قرأ آيات السجدة في مكان واحد سجد لكل واحدة سجدة ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد فينظر ان لم يسجد للمرة الاولي فيكفيه سجود واحد وان سجد للاولي فوجهان (أحدهما) لا يسجد مرة اخرى وتكفيه الاولي كما في الصورة السابقة وبه قال أبو حنيفة وابن سريج (واظهرهما) انه يستحب مرة اخري لتجدد السبب بعد توفية حكم الاول وفى المسألة وجه ثالث
[ ٤ / ١٩١ ]
انه ان طال الفصل سجد مرة أخرى والا فتكفيه السجدة الاولى قال في العدة وعليه الفتوى ولو كرر الآية الواحدة في الصلاة فان كان في الركعة الواحدة فهى كالمجلس الواحد وان كان في ركعتين فهما كالمجلسين فيعيد السجود ذكره الصيدلانى وغيره ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارج الصلاة الصلاة في المجلس الواحد وسجد في الاولى فهذا لم اره منصوصا عليه في كتب الاصحاب واطلاقهم الخلاف في التكرار يقتضي طرده ههنا وعند أبى حنيفة إذا سجد خارج الصلاة لقراءة آية ثم اعادها
في الصلاة اعاد السجدة ولم تجزه الاولى بخلاف ما لو لم يسجد حتى دخل في الصلاة واعادها فانه يسجد وتجزئه عن التلاوتين واعلم ان في قوله هل تشرع السجدة الثانية اشارة الا ان صورة الوجهين ما إذا كان قد سبق في المرة الاولي والا لم تكن سجدته سجدة ثانية والله أعلم * قال (ثم الصحيح أن هذه سجدة فردة وان كانت تفتقر الي سائر شرائط الصلاة ويستحب قبلها تكبيرة مع رفع اليدين ان كان في غير الصلاة ودون الرفع ان كان في الصلاة وقيل يجب التحرم والتحلل والتشهد وقيل يجب التحرم والتحلل دون التشهد وقيل لا يجب الا التحرم) * غرض الفصل الكلام في كيفية سجود التلاوة وشرائطه ولا خلاف في افتقاره الي شروط الصلاة كطهارة الحدث والخبث وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها كما في الصلاة واما الكيفية فهو اما أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة فان كان خارج الصلاة ينوى ويكبر للافتتاح لما روى أنه صلي الله عليه وسلم " كان إذا مر في قراءته بالسجود كبر وسجد " ويرفع يديه حذو منكبيه في هذه التكبيرة كما يفعل ذلك في تكبيرة الافتتاح في الصلاة ثم يكبر تكبيرة أخرى للهوى
[ ٤ / ١٩٢ ]
أخرى للهوى من غير رفع اليدين كما في الهوي إلى السجود الذى هو من صلب الصلاة ثم تكبير الهوى مستحب وليس بشرط وفى تكبير الافتتاح وجهان (أحدهما) وهو الذى ذكره الشيخ أبو محمد واختاره صاحب الكتاب أنه مستحب ايضا وليس بشرط (والثانى) أنه شرط وهو قضية كلام الاكثرين فانهم اطبقوا على الاحتجاج لاحد القولين في السلام بان السجود يفتقر إلى الاحرام فيفتقر الي السلام وسيأتي ذلك وحكى الشيخ أبو حامد وغيره عن أبى جعفر الترمذي من اصحابنا انه لا يكبر تكبيرة الافتتاح لا وجوبا ولا استحبابا لان سجود التلاوة ليس صلاة بانفراده حتى يكون له تحرم والمستحب أن يقوم ويكبر وينوى قائما ثم يهوى من قيام وروى ذلك عن فعل الشيخ ابى محمد وعن القاضى الحسين وغيرهما ويستحب أن يقول في سجوده سجد وجهي للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته لما روي عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ " كان يقول ذلك في سجود القرآن " ويستحب
[ ٤ / ١٩٣ ]
ايضا ان يقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود لما روى عن ابن عباس ﵄ ان النبي صلي الله عليه وسلم " قال ذلك في سجود القرآن " ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز ثم يرفع رأسه مكبرا كما يرفع عن سجود صلب الصلاة وهل يفتقر الي السلام فيه قولان (أحدهما) لا كما لو سجد في الصلاة (وأظهرهما) نعم لانه يفتقر الي الاحرام فيفتقر إلى التحلل كالصلاة وعلي هذا هل يفتقر الي التشهد فيه وجهان (أحدهما) نعم لانه سجود يفتقر إلى الاحرام والسلام فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة (واصحهما) لا: لان التشهد في مقابلة القيام ولا قيام فيه بل القيام أولي بالرعاية بدليل صلاة الجنازة فكما لم يشترط ذلك فاولى أن لا يشترط التشهد ومن الاصحاب من يجمع بين التشهد والسلام ويقول فيهما ثلاثة أوجه أحدها انه لا حاجة اليهما وهو ظاهر ما نقل عن البويطى (وثانيها) أن لابد منهما (وثالثها) وهو الاظهر أنه لا بد من السلام دون التشهد وبهذا قال ابن سريج وابو اسحق وإذا قلنا ان التشهد ليس بشرط فهل يستحب ذكر في النهاية ان للاصحاب
[ ٤ / ١٩٤ ]
خلافا فيه هذا كيفية السجود خارج الصلاة.
واما في الصلاة فلا يكبر للافتتاح ولكن يستحب له التكبير للهوى إلى السجود من غير رفع اليد وكذلك يكبر عند رفع الرأس كما يفعل في سجدات الصلاة وعن أبى علي ابن أبى هريرة انه لا يكبر لا عند الهوى ولا عند رفع الرأس كيلا تشتبه هذه السجدة بسجدات الصلاة ولا فرق في الذكر بين ما لو سجد في الصلاة أو خارجها وإذا رفع الرأس يقوم منها ولا يجلس للاستراحة ويسن ان يقرأ شيئا ثم يركع ولا بد من أن ينتصب ثم يركع فان الهوى من القيام واجب كما تقدم ولنعد الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) والصحيح ان هذه سجدة فردة يريد بالفردة انها لا تفتقر الي تحرم وتحلل ولا يريد انها واحدة لا كسجدتي السهو لانه قال والصحيح ولا خلاف في أنها واحدة وعن احمد انه يكبر للهوى والرفع ويسلم فان اراد به الاشتراط فليكن قوله فردة معلما بالالف (وقوله) وان كانت تفتقر الي سائر شرائط الصلاة تشتمل علي بيان مسألة مقصودة وهى أن شرائط الصلاة مرعية في سجدة التلاوة واشار بالايراد الذى ذكره إلى انها وان كانت كالصلاة في اعتبار الشروط لكنها تفارقها في الحاجة الي التحلل والتحرم على هذا
الوجه ثم الذى يوجد في معظم النسخ وان كانت تفتقر الي سائر شرائط الصلاة وحذف بعضهم لفظ سائر وكانه حمله عليه اشتهار لفظ السائر في البعض الباقي من الشئ وشرائط الصلاة باسرها معتبرة في سجدة
[ ٤ / ١٩٥ ]
التلاوة ولم يجرد ذكر البعض حتى يضم الباقي إليه بلفظ السائر الا أن اطلاق السائر بمعنى الجميع صحيح قال صاحب الصحاح وسائر الناس جميعهم فأذا المعنى وان كانت تفتقر الي جميع شرائط الصلاة ولا حاجة الي الحذف (واعلم) ان النية عند صاحب الكتاب معدودة من شرائط الصلاة كما سبق والتكبير وحده يقع عليه اسم التحرم والتحريم قال صلي الله عليه وسلم " وتحريمها التكبير " وإذا كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضى اشتراط النية علي الوجه الذى عبر عنه بالصحيح وان لم يشترط التكبير لكنه في الوسيط اخرج النية عن الاعتبار في هذا الوجه وعلي هذا فالنية تكون مستثناة عن قوله وان كانت تفتقر الي سائر الشرائط ويكون التحرم مفسرا بالنية والتكبير معا إذ بهما تشرع في الصلاة (واما قوله) ويستحب قبلها تكبيرة الي آخره فهو تفريع على هذا الوجه الذى يقول انها سجدة فردة لا يشترط فيها التكبير ولا غيرة (وقوله) تكبيرة منكر يوهم قصر الاستحباب علي تكبيرة واحدة لكنا ذكرنا استحباب تكبيرتين وان قلنا بعدم الاشتراط احداهما للافتتاح والاخرى للهوى وهكذا ذكر جمهور الاصحاب فلا يتوهم قصر الاستحباب علي واحدة إذا كان يسجد خارج الصلاة واعلم عند هذا انه لا يمكن حمل التكبيرة التي جرت في لفظ الكتاب علي تكبيرة الافتتاح بخصوصها لانه لا تكبيرة للافتتاح إذا كان يسجد في الصلاة وهو
[ ٤ / ١٩٦ ]
قد جعلها شاملة حيث قال ودون الرفع ان كان في الصلاة ولا يمكن حملها علي تكبيرة الهوي بخصوصها لانه قد استحب الرفع معها ولا يستحب رفع اليد مع تكبيرة الهوى بحال فالوجه ان يحمل كلامه على تكبيرة مطلقة ويقال بان تكبيرة مستحبة في الصلاة وغير الصلاة ثم في غير الصلاة الاهم تكبيرة الافتتاح ويستحب معها رفع اليدين وفى الصلاة لا يفرض الا تكبيرة الهوى وليس معها رفع اليد فهذا تنزيل لفظ الكتاب مع التكلف الذى فيه علي ما ذكره الجمهور منهم اصحابنا العراقيون والصيدلانى وصاحب التهذيب والقاضي الرويانى ﵏ وغيرهم والمفهوم من كلامه ههنا وفى الوسيط أنه ليس
الا تكبيرة واحدة هي للتحرم خارج الصلاة وللهوى في الصلاة وبه يشعر كلام امام الحرمين قدس الله روحه وعلي هذا فليكن قوله ويستحب قبلها تكبيرة معلما بالواو للوجه الذى تقدم عن الترمذي وفى الوسيط اشارة إليه وقوله مع رفع اليدين معلم بالحاء لان عنده لا يرفع يديه واعلم قوله ودون الرفع ان كان في الصلاة بالواو لانه قال في الوسيط ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة وقال العراقيون يستحب رفع اليدين لانه يكببر للتحرم لكن هذا شئ بدع حكما وعلة ولا يكاد يوجد نقله لغيره ولا ذكر له في كتبهم وقوله وقيل يجب التحرم والتحلل إلى رأس الفرع هذه الوجوه هي المقابلة للصحيح المذكور أولا كانه قال في اقل سجدة التلاوة اربعة أوجه (احدها) ان الاقل سجدة بواجباتها في صلب الصلاة لا غير والثانى سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد والثالث مع التحرم
[ ٤ / ١٩٧ ]
والتحلل لا غير والرابع مع التحرم لا غير وجعل أولها الاصح وهو متأيد بما حكي عن الشافعي انه قال واقله سجدة بلا شروع ولا سلام والظاهر عند الاكثرين اعتبار التحرم والتحلل كما سبق وهو الوجه الثالث ثم الخلاف في السلام قولان عند اكثر الناقلين وفى التشهد وجهان فقوله قيل في هذا الموضع محمول علي القول تارة وعلي الوجه اخرى وتعجب بعض الشارحين من لفظ الوجوب في هذه الوجوه واستحسن ابداله بالاشتراط والاعتبار لان أصل السجدة لا تجب فكيف يقول يجب فيها كذا وكذا ولا شك ان المراد الاشتراط لكن لا حاجة الي تغيير اللفظ لان الوجوب في مثل هذا الموضع معهود بمعني ان الشئ لا بد منه يقال الوضوء وستر العورة واجبان في صلاة النفل أي لا بد منهما *
[ ٤ / ١٩٨ ]
قال (فرع الاصح ان هذه السجدات إذا فاتت وطال الفصل لا تقضي لانه لا يتقرب الي الله تعالي بسجدة ابتداء كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف النوافل والرواتب وقيل أنه يتقرب الي الله تعالي بها ابتداء) * سجدة التلاوة ينبغى أن تقع عقيب قراءة الآية أو استماعها فلو تأخر نظر ان لم يطل الفصل
سجد وان طال فلا وضبط الفرق بين أن يطول الفصل أو لا يطول يؤخذ مما ذكرناه في سجود السهو ولم يجعل امام الحرمين لمفارقة المجلس أثرا ههنا مع التردد في تأثيره في باب سجود السهو كما
[ ٤ / ١٩٩ ]
حكيناه عنه ولا يتضح فرق بينهما إذا عرفت ذلك فلو فاتت السجدة لطول الفصل هل تقضى ذكر في النهاية ان صاحب التقريب حكي فيه قولين وقربهما من الخلاف في أن؟ وافل الصلاة هل تقضي على ما سيأتي لكن الاصح أن السجدة لا تقضي ولم يذكر الصيدلانى وآخرون سواه لان النوافل المقضية هي التى تتعلق بالاوقات أما التي تتعلق باسباب عارضة كصلاة الخسوف والاستسقاء فلا تقضي والسجود كذلك ولو كان القارئ والمستمع محدثا عند والتلاوة فان تطهر على القرب سجد والا فالقضاء علي الخلاف وعن صاحب التقريب انه لو كان يصلي فقرأ قارى آية السجدة فإذا فرغ هل يقضى فيه هذا الخلاف قال الامام وهذا فيه نظر لان قراءة غير امامه في الصلاة لا تقتضي سجوده وإذا لم يجر ما يقتضي السجود اداء فالقضاء بعيد وقطع صاحب المعتمد وغيره بانه لا يسجد كما ذكره امام الحرمين وجعلوا هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبى حنيفة وذكر في التهذيب أنه يحسن أن يقضي ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة وكذا إذا قرأ الامام ولم يسجد فإذا فرغ المأموم من الصلاة يحسن أن يقضي ولا يتأكد والله اعلم وفى الفصل مسألة أخرى وهي أنه لو خضع الرجل لله تعالي فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب هو يجوز ذلك فيه وجهان عن صاحب التقريب أنه يجوز ذلك وعن الشيخ أبى محمد أنه لا يجوز كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد ونحوه والعبادات يتبع فيها الورود وهذا هو الصحيح عند امام الحرمين والمصنف وغيرهما
[ ٤ / ٢٠٠ ]
وقوله في الكتاب إذا فاتت وطال الفصل ليس علي معني طول الفصل شئ مضموم الي الفوات وقيد فيه وانما هو سبب الفوات والمراد إذا فاتت لطول الفصل وقوله لا يقضى معلم بالحاء لان عند أبي حنيفة يجب على القارئ المحدث والمستمع القضاء بعد الطهارة وسلم ان الحائض إذا استمعت لا قضاء عليها وان المصلى إذا قرأ السجدة ولم يسجد حتى سلم لا يقضى وقوله لانه لا يتقرب الي الله
تعالي بسجدة ابتداء لعلك تقول لم علل منع القضاء بانه لا يتقرب بها الي الله تعالى فاعلم أنه حكى عن صاحب التقريب أنه جعل ذلك ضابطا لما لا يقضى جزما ولما يجرى الخلاف في قضائه فقال ما لا يجوز التطوع به ابتداء لا يجوز فرض قضائه كصلاة الخسوف والاستسقاء وما يجوز التطوع به ابتداء كالنوافل الرواتب ففى قضائه خلاف ثم انه جوز التقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كما سبق فاجرى الخلاف في
[ ٤ / ٢٠١ ]
قضائها لذلك إذا عرفت هذا فالمصنف بين أن هذه السجدات لا يتقرب بها الي الله تعالى ابتداء ورتب عليه المنع من القضاء كصلاة الخسوف لانه لو قضي من غير تلاوة كان الماتى به علي صورة سجدة لا سبب لها والاشبة بايراده اثبات طريقة جازمة بان هذه السجدات لا تقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف الرواتب في قضائها قولان لانه يتقرب بها إلى الله تعالي ابتداء ولا يتقرب بهذه وعلي هذا قوله الاصح ان هذه السجدات أي من الطريقين وقوله وقيل يتقرب بها الي الله تعالى ابتداء اشارة إلى الطريق الثاني أي إذا كانت كذلك جرى فيها الخلاف كما في الرواتب *
[ ٤ / ٢٠٢ ]
قال (السجدة الثالثة سجدة (ح) الشكر وهى سنة عند هجوم نعمة أو اندفاع نقمة لا عند استمرار نعمة ويستحب السجود بين يدى الفاسق شكرا على دفع المعصية وتنبها له وان سجد إذا رأى المبتلى فليكتمه كيلا يتاذى) * (سجدة الشكر سنة خلافا لمالك حيث قال هي مكروهة وبه قال أبو حنيفة في
[ ٤ / ٢٠٣ ]
رواية وقال في رواية لا اعرفها: لنا ما روى أن النبي ﷺ " رأى نغاشيا فسجد شكرا لله تعالي " وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ان النبي ﷺ " سجد فاطال فلما قيل في ذلك فقال أخبرني جبريل ان من صلي علي مرة صلي الله عليه عشرا فسجدت شكرا لله تعالي "
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وليس تسن سجدة الشكر عند استمرار النعم وانما تسن عند مفاجأة نعمة أو اندفاع بلية من حيث
لا يحتسب وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية فيستحب له ان يسجد شكرا لله تعالى ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه ولا تعلق لها بالغير اظهر السجود وان كان لبلاء في غيره نظر ان لم يكن ذلك الغير معذورا فيه كالفاسق فيظهر السجود بين يديه تعييرا له فربما ينزجر ويتوب وان كان معذورا كمن به زمانة ونحوها فيخفى كيلا يتأذى وكيلا يتخاصما وسجود الشكر يفتقر إلى
[ ٤ / ٢٠٥ ]
شرائط الصلاة كسجود التلاوة وكيفيته ككيفية سجود التلاوة خارج الصلاة ولا يجوز سجود الشكر في الصلاة بخلاف سجود التلاوة فانه يتبع التلاوة والتلاوة تتعلق بالصلاة * قال (وهل يؤدى سجود التلاوة والشكر علي الراحلة فيه وجهان) * سجود الشكر هل يقام علي الراحلة حكي في النهاية فيه وجهين وشبههما بالخلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام
[ ٤ / ٢٠٦ ]
علي الراحلة من حديث ان اقامة السجود علي الراحلة بالايماء يبطل ركنه الاظهر وهو تمكين الجبهة من موضع السجود كما ان اقامة صلاة الجنازة عليها يبطل ركنها الاظهر وهو القيام والخلاف فيهما كالخلاف في أن القادر على القيام والقعود هل يتنفل مضطجعا موميا ام لا وسجود التلاوة في النافلة المقامة علي الراحلة يجوز بلا خلاف تبعا للنافلة كسجود السهو فيها واما خارج الصلاة ففيه الوجهان
[ ٤ / ٢٠٧ ]
المذكوران في سجود الشكر ولفظ الكتاب وان كان مطلقا لكن المراد ما إذ كان خارج الصلاة ثم الاظهر من الوجهين عند الائمة انه يجوز اداؤها علي الراحلة بالايماء وليس في التهذيب والعدة ذكر لغيره (فان قلت) ذكرتم في صلاة الجنازة ان الاظهر المنع من أدائها علي الراحلة فلم كان الاظهر الجواز ههنا ان كان الخلاف كالخلاف (قلنا) يجوز ان يفرق بينهما بان صلاة الجنازة تندر فلا يشق فيها
[ ٤ / ٢٠٨ ]
تكليف النزول وأيضا فاحترام الميت يقتضى ذلك وسجدة التلاوة والشكر يكثران فلو كلفناه النزول لشق والخلاف فيما إذا كان يقتصر علي الايماء فلو كان في مرقد وأتم السجود جاز وأما
الماشي فيسجد على الارض علي الظاهر كما سبق في السجود الذى هو من صلب الصلاة *
[ ٤ / ٢٠٩ ]
قال * (الباب السابع في صلاة التطوع وفيه فصلان) * (الاول في الرواتب وهي احدى عشرة ركعة ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء والوتر ركعة وزاد بعضهم أربع ركعات قبل العصر وركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر فصار سبع عشرة) .
(اختلف اصطلاح الاصحاب في تطوع الصلاة فمنهم من يفسره بما لم يرد فيه مخصوص نقل وينشئه الانسان باختياره وهؤلاء قالوا ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام (سنن) وهى التى واظب عليها رسول الله ﷺ (ومستحبات) وهي التى فعلها أحيانا ولم يواضعب عليها (وتطوعات)
[ ٤ / ٢١٠ ]
وهى التي ذكرنا ومنهم من يرادف بين لفظتي النافلة والتطوع ويطلقهما على جميع ما سوى الفرائض وبهذا الاصطلاح ترجم صاحب الكتاب الباب واختلف اصطلاحهم في الرواتب أيضا فمنهم من قال هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص وعد منها التراويح وصلاة العيدين وصلاة الضحى ومنهم من قال هي السنن التابعة للفرائض وبهذا الاصطلاح يتكلم صاحب الكتاب إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان ما سوى الفرائض من الصلوات قسمان ما تسن فيه الجماعة كصلاة العيدين والكسوفين
[ ٤ / ٢١١ ]
والاستسقاء ولها أبواب مفردة مذكورة بعد هذا وما لا تسن فيه الجماعة وينقسم الي الرواتب وغيرها وغرض الفصل الاول من الباب الكلام في الرواتب وغرض الثاني الكلام في مراتب النوافل وبعض أحكامها: أما الاول فالرواتب ضربان الوتر وغير الوتر اما غير الوتر فقد اختلف الاصحاب في عدده قال الاكثرون عشر ركعات ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان
[ ٤ / ٢١٢ ]
بعد المغرب وركعتان بعد العشاء لما روى عن ابن عمر ﵄ قال " صليت مع رسول الله صلي
الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتان بعد العشاء في بيته وحدثتني حفصة انه صلي الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر " قال في العدة وهذا ظاهر المذهب ومنهم من نقص ركعتي العشاء يحكى هذا عن نصه في
[ ٤ / ٢١٣ ]
البويطي وبه قال الخضرى فيما حكاه صاحب النهاية وغيره ومنهم من زاد علي العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما لما روى عن عائشة ﵂ قالت " ان النبي صلي الله عليه وسلم وسلم قال " من ثابر علي اثنتى عشرة ركعة من السنة بني الله له بيتا في الجنة " أربع ركعات قبل الظهر والباقى كما في حديث ابن عمر ﵄ ومنهم من زاد على
[ ٤ / ٢١٤ ]
هذا العدد أربع ركعات قبل العصر لما روى انه ﷺ قال " رحم الله أمر صلي
[ ٤ / ٢١٥ ]
قبل العصر اربعا) وعن على ﵁ أن النبي ﷺ " كان يصلى قبل العصر أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم " ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين اخريين بعد الظهر
[ ٤ / ٢١٦ ]
لما روي عن أم حبيبة ﵂ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال " من حافظ علي أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار " فهذه خمسة اوجه للاصحاب وليس الخلاف في اصل الاستحباب وانما الخلاف في ان المؤكد الراتب ماذا وان شمل الاستحباب الكل ولهذا قال صاحب المهذب وجماعة ادنى الكمال عشر ركعات وهو الوجه الاول واتم الكمال ثمانى عشرة ركعة وهو الوجه الاخير * وعند ابى حنيفة السنة ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعده واربع قبل العصر وفى رواية ركعتان: وركعتان بعد المغرب واربع قبل العشاء واربع بعده
[ ٤ / ٢١٧ ]
وان شاء صلي ركعتين وكل أربع من ذلك فهي بتسليمة واحدة وفى استحباب ركعتين قبل المغرب
وجهان لاصحابنا منهم من قال باستحبابهما وان لم يكونا من الرواتب المؤكدة لما روى عن انس ﵁ قال " صليت الركعتين قبل المغرب علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم قيل له رأكم رسول الله صلي الله عليه وسلم قال نعم فلم يأمرنا ولم ينهنا " وروى عبد الله
[ ٤ / ٢١٨ ]
المزني ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال في الثالثة لمن شاء كراهية ان يتخذها الناس سنة " وبهذا الوجه قال
[ ٤ / ٢١٩ ]
ابو اسحق الطوسي وكذلك أبو زكريا السكرى قيل إنه ذكره في شرح الغنية لابن سريج ومنهم من فال لا يستحبان لما روى عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عنهما فقال " ما رأيت أحدا علي عهد رسول الله ﷺ يصليهما " وعن عمر ﵁ " انه كان يضرب عليهما " وبهذ قال أبو حنيفة * واما لفظ الكتاب فقد ذكر من الاوجه الخمسة وجهين وهما الاول والرابع لكنه ضم إليها اقل الوتر وهو ركعة فصارت علي الوجه الاول احدى عشرة وعلى الوجه الثاني سبع عشرة وهى عدد الفرائض وهكذا عد ابن القاص الرواتب في المفتاح لكنه حسب الوتر ثلاث
[ ٤ / ٢٢٠ ]
ركعات ولم يحسب قبل الظهر الا ركعتين وقوله وركعتين بعد العشاء معلم بالواو للوجه الذى اختاره الخضرى وقوله والوتر ركعة بالحاء والميم لما سيأتي والله اعلم * قال (اما الوتر فسنة (ح) وعدده من الواحد الي احدى عشرة بالاوتار وفى جواز الزيادة عليه تردد لانه لم ينقل وإذا زاد على الواحدة فتشهد تشهدين في الاخيرتين على وجه وتشهدا واحدا في الاخيرة علي الوجه الثاني وهما منقولان والكلام في الاولى والاظهر ان ثلاثة مفصولة افضل من ثلاثة موصولة وان ثلاثة موصولة افضل من ركعة فرده) * قد سبق من نظم الكتاب ما يعرف كون الوتر سنة وهو اداراجه في الرواتب وعد الرواتب باسرها من صلاة التطوع والغرض من التنصيص علي كونه سنة ههنا التدرج الي بيان احكامه والتعرض لمذهب ابي حنيفة حيث قال وهو واجب قال الكرخي وروى عنه انه
فرض: لنا ما روى ان النبي صلي الله عليه واله وسلم قال " الوتر حق مسنون فمن أحب ان يوتر بثلاث
[ ٤ / ٢٢١ ]
فليفعل " وروى انه قال " حق وليس بواجب " ثم في الفصل ثلاث مسائل (احداها) يجوز أن يوتر بواحدة
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وثلاث وخمس وسبع وتسع واحدى عشرة اما الواحدة والثلاث والخمس فلما روى عن ابى أيوب ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " من احب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب ان يوتر بثلاث فليفعل ومن احب ان يوتر بواحدة فليفعل " واما السبع فلما روى عن ابي امامة أن النبي صلى الله
[ ٤ / ٢٢٣ ]
عليه وسلم " كان يوتر بسبع ركعات " واما التسع والاحدي عشرة فلما روى عن ابى هريرة ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " اوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو احدى عشرة " واما الايتار بثلاث عشرة فقد حكي في النهاية ترددا في ثبوت النقل فيه والمذكور في الكتاب ان غاية ما نقل احدى عشرة وهو الذى ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي ابن كج ومن تابعهما قالوا اكثر الوتر احدى عشرة وذكر صاحب التهذيب واخرون ان الغاية ثلاث عشرة ركعة ورووا عن عائشة ﵂ أنها قالت " لم يكن يوتر رسول الله ﷺ باكثر من ثلاث عشرة " وعن ام سلمة
[ ٤ / ٢٢٤ ]
﵂ قالت " كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة فلما كبر وضعف اوتر بسبع " وهل يجوز الزيادة علي الغاية المنقولة اما الاحدي عشرة أو الثلاث عشرة فيه وجهان (أحدهما) نعم لان اختلاف فعل النبي صلي الله عليه وسلم في هذه السنة يشعر بتفويض الامر إلى خيرة المصلي وأن له أن يزيد ما أمكنه وأظهرهما أنه لا تجوز الزيادة ولو فعل لم يصح وتره اقتصارا علي ما ورد النقل به كما لا تجوز الزيادة في ركعتي الفجر وسائر الرواتب * وقال أبو حنيفة الوتر ثلاث ركعات بلا زيادة ولا نقصان * وقال مالك أقل الوتر ثلاث ركعات لكن
[ ٤ / ٢٢٥ ]
ابا حنيفة يقول هي بتسليمة واحدة كالمغرب الا انه يجهر فيها جميعا: وقال مالك هي بتسليمتين لكن لا يتكلم بعد السلام ولا يحتاج الي تجديد النية للثالثة وسلم انه لو احدث في الثالثة لم تبطل الركعتان قال ولو كان مع امام أوتر بوتره ولا يخالفه وحكي في البيان عنه ان اقل الوتر ركعة واقل الشفع ركعتان وهذا في المعني كالاول ونقل عنه انه ليس للاكثر حد وذكر بعضهم ان الاكثر عنده ثلاث عشرة * إذا عرفت ذلك فاعلم قوله من الواحدة بالحاء والميم وقوله الي احدى عشرة بهما وبالواو ثم في قوله وعدده من الواحدة الي احدى عشرة استدراك لفظي من جهة الحساب وهو انه جعل الواحد من العدد والحساب يمتنعون عن ذلك ويجعلون الواحد أم العدد ويقولون العدد نصف حاشيته اللتين بعدهما منه سواء وليس للواحد حاشيتان (المسألة الثانية) إذا زاد على ركعة واحدة وأوتر
[ ٤ / ٢٢٦ ]
بثلاث فصاعدا موصولة فظاهر المذهب أن له ان يتشهد في الركعة الاخيرة لا غير وله ان يتشهد في الركعتين الاخيرتين لان كلا منهما منقول روى عن عائشة ﵂ ان النبي صلي الله عليه وسلم " كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في اخراهن " وروى عنها ايضا " أنه أوتر بتسع لم يجلس إلا في الثامنة والتاسعة وبسبع لم يجلس إلا في السادسة والسابعة وحكى في النهاية عن بعض التصانيف أن من أصحابنا من لم ير الاقتصار على التشهد الواحد مجزئا وحمل ما روى من التشهدين علي ما إذا
[ ٤ / ٢٢٧ ]
فصل بين الركعة الاخيرة وما قبلها بالسلام ونقل بعضهم عن طريقة القاضى الحسين ان الوتر بثلاث كصلات المغرب بتشهدين وتسليمة لا يجوز وربما يقول تبطل صلاته لما روى انه ﷺ وسلم " كان يوتر بثلاث لا يجلس الا في اخراهن " وروى انه قال " لا توتروا بثلاث وتشبهوا بالمغرب والظاهر الاول وهو انهما سائغان وهو الذى ذكره في الكتاب ورد الخلاف الي الاولي ففى وجه الاقتصار علي تشهد واحد اولي فرقا بين صلاة المغرب والوتر إذا اوتر بثلاث وهذا ما اختاره القاضى الرويانى في الحليه وفى وجه الاتيان بتشهدين اولي كيلا يخرج عن وضع سائر الصلوات وقد اطلق كثيرون منهم صاحب التهذيب انه ان شاء فعل هكذا وان شاء هكذا ومطلق التخيير يقتضي
التسوية بينهما وقوله في الكتاب وإذا زاد علي واحدة أي ووصل وقوله والكلام في الاولى ينبغى ان يعلم بالواو لما حكينا من الوجهين ولو زاد علي تشهدين فجلس في كل ركعتين ولم يتحلل وجلس في الاخيرة ايضا لم يكن له ذلك فانه خلاف المنقول وذكر في التهذيب وجها آخر ان له ذلك كما
[ ٤ / ٢٢٨ ]
في النافلة الكثيرة الركعات (المسألة الثالثة) الايتار بثلاث مفصولة افضل ام بثلاث موصولة فيه وجوه (اظهرها) وهو الذى ذكره اصحابنا العراقيون والصيدلاني ان المفصولة افضل لما روى عن ابن عمر وابن عباس ﵃ ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال " الوتر ركعة من آخر الليل " وعن ابن عمر ﵄ ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر وكان ابن عمر ﵄ يسلم ويأمر بينهما بحوائجه (والثانى) وبه قال أبو زيد ويحكى عن نصه في القديم ان الثلاث الموصولة افضل لان العلماء اتفقوا علي جوازها واختلفوا في افراد الواحدة فالاحتراز عن الخلاف أولى (والثالث) ونسبه الموفق ابن طاهر الي الخضرى والشريف ناصر العمرى رضى الله
[ ٤ / ٢٢٩ ]
عنه ان الثلاث الموصولة افضل لان العلماء اتفقوا على جوازها واختلفوا في إفراد الواحدة فكان الوصل اولى (والثالث) ويحكى عن الشافعي ونصه في القديم انه ان كان منفردا فالفصل افضل وان كان يصلي بقوم فالوصل افضل لان الجماعة تنظم اصحاب المذاهب المختلفة فالايتار بالمجمع عليه أولي وعكس القاضى الرويانى هذا فقال انا أصل إذا كنت منفردا وإذا كنت في الجماعة افصل كيلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي ﵁ وهو صحيح ثابت بلا شك وهل الثلاث الموصولة افضل من ركعة فردة لا شئ قبلها أم هي افضل فيه وجوه ايضا (اصحها) وبه قال القفال ان الثلاث افضل
[ ٤ / ٢٣٠ ]
لزيادة العبادة (والثانى) ان الركعة الفردة افضل لمواظبة الرسول ﷺ علي الايتار بواحدة قال في النهاية وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة افضل من احدى عشرة ركعة موصولة (والثالث) الفرق بين المنفرد والامام كما سبق *
قال (ومن شرط الوتر أن يوتر ما قبله ولا يصح (ح) قبل الفرض وفى صحته بعد الفرض وقبل النفل وجهان والمستحب ان يكون الوتر آخر تهجده بالليل ويشبه ان يكون الوتر هو التهجد) * ما سبق من المسائل في كيفية الوتر وغرض هذا الفصل بيان وقنه وهو من حين يصلى العشاء إلى طلوع الفجر لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " ان الله قد امدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم الوتر جعله الله تعالي لكم فيها بين صلاة العشاء الي ان يطلع الفجر " فلو اوتر قبل صلاة
[ ٤ / ٢٣١ ]
العشاء لم يعتد به سواء كان عامدا أو ساهيا بان ظن انه صلي العشاء أو صلي العشاء علي ظن انه متطهر ثم احدث وتوضأ واوتر ثم بان له انه كان محدثا في فرض العشاء * وعند ابى حنيفة لو اوتر قبل العشاء سهوا اعتد به: لنا القياس علي ما لو ظن دخول وقت الفريضة فصلي ثم تبين انه لم يدخل وحكى في النهاية عن بعض اصحابنا انه يعتد بالوتر قبل العشاء سواء كان عامدا أو ساهيا وعند هذا القائل يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء لا بفعل العشاء وظاهر المذهب ما تقدم ولو صلي العشاء واوتر يعدها بركعة فردة قبل ان يتنفل ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره (احدهما) لا يعتد به لان صفة الوتر ان يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد العشاء فإذا لم يوجد غيره لم يكن موترا (واظهرهما) انه يعتد به لما تقدم من الخبر وما ادعاه الاول فلا نسلم ان صفة الوتر ذلك بل يكفى كونه وترا في نفسه وعلى التسليم فانه يوتر ما قبله من فريضة العشاء فإذا قلنا لا يعتد به وترا فقد ذكر امام الحرمين انه تطوع وان لم يكن الوتر المشروع وهذا ينبغي ان يكون علي الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل يكون تطوعا ام يبطل من اصله * واعلم ان المصنف قيد المسألتين في الوسيط اعني الايتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا اوتر بركعة وهذا القيد لا حاجة إليه في المسالة الاولي بل اطلق الائمة المنع وعليه يدل الخبر وأما في المسالة الثانية فهو محتاج إليه لان الناقلين للوجهين انما نقلوهما فيما إذا اوتر بركعة واحدة ليس بينها وبين فرض العشاء شئ وقوله في الكتاب وفى صحته بركعة بعد الفرض
[ ٤ / ٢٣٢ ]
وقبل وجهان يحتاج الي التقييد والاضمار معناه وفى صحة الايتار بركعة بعد الفرض
وقبل ان يتنفل بشئ سواء كان راتبة العشاء أو الشفع أو صلاة الليل والذى يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبه العشاء ويطلق الوتر دون الايتار بركعة وقوله من شروط الوتر ان يوتر ما قبله يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه ثم هل يكفي تقدم الفرض فيه الخلاف وقوله فلا يصح قبل الفرض معلم بالحاء والواو لما روينا وأما قوله ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل ففى لفظ التهجد ما يغنى عن قوله بالليل لان صلاه النهار لا تسمي تهجدا بحال ثم فيه مباحثة وهى أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود وهو النوم يقال تهجد إذا ترك الهجود اما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجدا وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض الا لمن تهجد قمتي يوتر من لا تهجد له ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر الي أن يقوم ويصلي فهل هو كذلك أم لا (ان قلتم) لا فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم ومرة بعد
[ ٤ / ٢٣٣ ]
ما قام وتهجد وهذا خلاف ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا وتران في ليلة " أم يقتصر علي ما قبل النوم وحينئذ لا يكون الوتر اخر التهجد (وان قلتم) أنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلى كما
[ ٤ / ٢٣٤ ]
يقتضيه لفظ الكتاب فهذا خلاف ما نقله في الوسيط لانه نقل الخبر المشهور ان ابا بكر ﵁ " كان يوتر ثم ينام ثم يقوم ويتهجد وان عمر ﵁ كان ينام قبل أن يوتر ثم يقوم ويصلي
[ ٤ / ٢٣٥ ]
ويوتر فقال النبي صلي الله عليه وسلم لابي بكر ﵁ انه آخذ بالحزم وقال لعمر ﵁ أنه
[ ٤ / ٢٣٦ ]
آخذ بالقوة " ثم ذكر ان الشافعي ﵁ اختار فعل أبى بكر ﵁ وكذلك نقل صاحب النهاية والجواب انه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " فان كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها ويكون وتره آخر صلاته بالليل واما من له تهجد فقد ذكر اصحابنا
[ ٤ / ٢٣٧ ]
العراقيون ان الافضل له ان يؤخر الوتر كما نقل عن فعل عمر ﵁ واحتجوا له بما روى عن جابر ﵁ ان النبي صلي الله عليه واله وسلم قال " من خاف منكم ان لا يستيقظ آخر الليل فليوتر من أول الليل ومن طمع منكم أن يستيقظ فليوتر آخر الليل فان صلاة آخر الليل مشهودة
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وذلك افضل " وهذا هو الموافق للفظ الكتاب واما ما نقله في الوسيط فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل فيقال أن الافضل له أن يقدم لانه من الانتباه علي خطر ظاهر ويجوز ان يقدر فيه اختلاف وجه أو قول وبالجملة فالامر فيه قريب وكل سائغ روى عن عائشة ﵂ انها قالت " من كل الليل قد أوتر رسول الله صلي الله عليه وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره وإذا أوتر قبل أن ينام تم قام وتهجد لم يعد الوتر " وكذلك روى عن فعل ابي بكر ﵁ ومن
[ ٤ / ٢٣٩ ]
اصحابنا من قال يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعا ثم يتهجد ما شاء ثم يوتر ثانيا ويروى ذلك عن ابن عمر ﵄ ويسمى ذلك نقض الوتر واما قوله ويشبه ان يكون الوتر هو التهجد فهذا قريب من لفظ الشافعي ﵁ في المختصر والام قال الشارحون معناه أن الله تعالي امر نبيه صلي الله عليه واله وسلم بالتهجد واوجبه عليه فقال (ومن الليل فتهجد به) وقوله (نافلة لك) أي زيادة
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وفضيلة لك ويشبه ان يكون المراد من هذا الامر الوتر لان النبي ﷺ كان يحي الليل بوتره وكان الوتر واجبا عليه روى انه ﷺ قال " كتب على الوتر وهو لكم سنة وكتب علي ركعتا الضحى وهما لكم سنة " وهذا الذي ذكره يبين انه ليس (قوله) ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد لحصر التهجد في الوتر
[ ٤ / ٢٤١ ]
حتى يكون كل تهجد وترا وانما الذى يلزم منه أن يكون كل وتر تهجدا مامورا به ويجوز ان يعلم ذلك بالواو لان القاضي الروياني حكي ان بعضهم قال الوتر غير التهجد وأولوا كلام الشافعي ﵁
[ ٤ / ٢٤٢ ]
(واعلم) أن حمل التهجد في الاية على الوتر مع ما سبق ان التهجد انما يقع علي الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم ومعلوم انه ليس كذلك فليترك عند الدعوتين في الاية
[ ٤ / ٢٤٣ ]
قال (ويستحب القنوت في النصف الاخير من رمضان) يعنى في الوتر فان اوتر بركعة قنت فيها وان زاد قنت في الركعة الاخيرة وفى استحباب القنوت في الوتر فيما عدا
[ ٤ / ٢٤٤ ]
النصف الاخير من رمضان وجهان (أحدهما) ان الاستحباب يعم جميع السنة وبه قال أبو عبد الله الزبيري ﵁ وابو الفضل بن عبدان وابو منصور ابن مهران وابو الوليد النيسابوري من اصحابنا ﵏ لما روى انه
[ ٤ / ٢٤٥ ]
صلي الله عليه واله وسلم كان إذا أوتر قنت في الركعة الاخيرة " وهذا مطلق وبهذا قال أبو حنيفة واحمد وأظهرهما وبه قال جمهور الاصحاب ان الاستحباب يختص بالنصف الاخير من رمضان " لان عمر رضى
[ ٤ / ٢٤٦ ]
الله عنه جمع الناس علي ابي بن كعب في صلاة التراويح فلم يقنت الا في النصف الثاني " ولم يبد من احد انكار عليه فكان ذلك اجماعا " وعن عمر ﵁ " انه قال السنة إذا انتصف شهر رمضان أن يعلن الكفرة في الوتر بعدما يقول سمع الله لمن حمده " فعلي الوجه الاول لو ترك القنوت سجد للسهو كما في الصبح وعلي الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الاخير سجد للسهو ولو قنت في غير النصف الاخير سهوا سجد للسهو وذكر القاضى الرويانى أن كلام الشافعي ﵁ يدل علي كراهية القنوت في غير النصف الاخير فضلا عن نفى الاستحباب ثم حكي عن بعض الاصحاب وجها متوسطا وهو أنه يجوز
[ ٤ / ٢٤٧ ]
أن يقنت في جميع السنة من غير كراهية لكن لو ترك لا يسجد للسهو بخلاف ما لو تركه في النصف الاخير يسجد قال وهذا اختيار مشايخ طبرستان واستحسنه واثبت ما روى عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا وروى عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان وروى في جميع السنة وقد أعلم قوله في النصف
الاخير بالحاء والميم والالف اشارة الي مذاهبها ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان (أصحهما) ويحكى
[ ٤ / ٢٤٨ ]
عن نصه في حرمله انه بعد الركوع لما روينا من حديث عمر ﵁ وكما في الصبح فان ما قبل الركوع محل القراءة والقنوت دعاء فهو في موضع الدعاء حيث يقول سمع الله لمن حمده اليق (الثاني) وبه قال ابن سريج انه يقنت قبل الركوع لما روى عن ابي ﵁ ان النبي ﷺ " كان يقنت قبل الركوع " وأيضا فان الفرق بين الفرض والنفل مقصود كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة وخطبة العيدين بعدها وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة وبالاول قال احمد وحكي في البيان عن بعض متأخرى الاصحاب انه يتخير بين التقديم والتأخير وانه إذا قدم كبر بعد القراءة ثم قنت وبه قال أبو حنيفة وقال في التتمة إذا قلنا يقنت قبل الركوع يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير وبه قال مالك والقنوت هو الدعاء الذى ذكرناه عن رواية الحسن ابن علي ﵄ في باب صفة الصلاة
[ ٤ / ٢٤٩ ]
واستحب الائمة منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه ما روى عن عمر ﵁ انه قنت به وهو " اللهم انا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم اياك نعبد ولك نصلى ونسجد واليك نسعي ونحفد نرجوا رحمتك ونخشي عذابك ان عذابك الجد باالكفار " ملحق ثم يقول اللهم اهدنا الي آخره هكذا
[ ٤ / ٢٥٠ ]
ذكره القاضى الروياني وعليه العمل ونقل في البيان عن القاضي أبو الطيب أنه قال كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر ﵁ بعد الكلمات التى رواها الحسن ﵁ فعكس الترتيب وزاد هو
[ ٤ / ٢٥١ ]
وغيره في المنفول عن عمر ﵁ اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات واصلح ذات بينهم والف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الايمان والحكمة وثبتهم علي ملة رسولك واوزعهم أن
يوفوا بعهدك الذى عاهدتهم عليه وانصرهم علي عدوك وعدوهم اله الحق واجعلنا منهم ونقل القاضى
[ ٤ / ٢٥٢ ]
الرويانى عن ابن القاص انه يزيد في آخر القنوت ربنا لا تؤاخذنا الي اخر السورة واستحسنه ثم حكمه في الجهر ورفع اليدين وغيرهما علي ما سبق في الصبح ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الاولي (سبح) وفى الثانية قل (يا أيها الكافرون) وفى الثالثة (قل هو الله أحد) والمعوذتين روى عن عائشة ﵂ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: وبه قال مالك وعن ابى حنيفة
[ ٤ / ٢٥٣ ]
واحمد انه يقتصر علي الاخلاص في الثالثة وقال الكرخي في مختصره ليس في الوتر قراءة سورة معلومة ولكن يقرأ في الاولى بقدر سبح وفى الثانية بقدر قل يا ايها الكافرون وفى الثالثة بقدر قل هو الله احد قال (الفصل الثاني في غير الراواتب وما شرعت الجماعة فيها كالعيدين والخسوفين والاستسقاء
[ ٤ / ٢٥٤ ]
فهي افضل من الرواتب ومن صلاة الضحي وركعتي التحية وركعتي الطواف ثم افضلها صلاة العيدين ثم الخسوفين وافضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر وفيهما قولان) النوافل علي ما قدمنا قسمان نوافل تسن فيها الجماعة ونوافل لا تسن فيها الجماعة والتى تسن فيها الجماعة افضل لان استحباب الجماعة فيها وتشبيهها فيها بالفرائض يدل علي تأكد أمرها وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء كلها من هذا القسم وأفضلها صلاة العيدين لان لها وقتا زمانيا كالفرائض وتليها صلاة الخسوفين لانه يخاف فوتهما
[ ٤ / ٢٥٥ ]
كما يخاف فوت المؤقتات بالزمان ولان النبي صلي الله عليه وسلم " ربما استسقى وربما ترك ولم يترك الصلاة عند الخسوف بحال " ثم كلام الائمة يشعر بحصر ما تسن فيه الجماعة في هذه الصلوات الخمس وربما صرحوا بذلك ولفظ الكتاب وهو قوله كالعيدين والكسوفين لا يوجب الحصر وانما يفيد التمثيل وهذا أولى لان التراويح خارجة عن الخمس والجماعة مستحبة فيها علي الاصح كما سيأتي ولك ان
[ ٤ / ٢٥٦ ]
تبحث ههنا فتقول لفظ الكتاب يقتضي ان تكون التراويح أفضل من الرواتب لان الجماعة مشروعة في التراويح وقد حكم بان ما شرع فيه الجماعة أفضل فهل هو كذلك أم لا (والجواب) أن امام الحرمين قال من أئمتنا من سبب تفضيلها علي الرواتب إذا قلنا باستحباب الجماعة فيها لان الجماعة أقوى معتبر في التفضيل قال والاصح ان الرواتب افضل منها وان شرعنا فيها الجماعة وهذا هو الذى ذكره في العدة ووجهه بان النبي ﷺ " لم يداوم علي التراويح وداوم على السنن الراتبة " وعلى هذا فالقول بان ما شرع فيه الجماعة أفضل غير مجرى على اطلاقه بل صلاة التراويح مستثناة منه واما (القسم الثاني) وهو مالا تشرع فيه الجماعة فينقسم الي ما يتعلق بوقت أو فعل والى التطوع المطلق (والاول أنواع) منها الرواتب كما عددناها ومنها صلاة الضحى: عن ابى الدرداء قال " اوصاني خليلي صلي الله عليه وسلم بثلاث لا ادعهن بشئ اوصاني بصيام ثلاثة ايام من كل شهر ولا انام الا علي وتر وسبحة الضحى في الحضر والسفر " واقلها ركعتان والافضل ان يصلي ثمان ركعات
[ ٤ / ٢٥٧ ]
واكثرها اثنتا عشرة ذكره القاضي الرويانى وورد في الاخبار ويسلم من كل ركعتين روى عن أم هانئ ﵂ ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي يوم الفتح سبحة الضحي ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين " ووقتها من حين ترتفع الشمس الي وقت الاستواء: ومنها تحية المسجد روى
[ ٤ / ٢٥٨ ]
انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتي يصلى ركعتين " ولو صلي الداخل فريضة أو وردا أو سنة ونوى التحية ايضا حصلا كما لو كبر وقصد اعلام الناس ولو لم ينو التحية حصلت ايضا كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة ولم ينوهما ولو صلي الداخل علي الجنازة أو
[ ٤ / ٢٥٩ ]
سجد لتلاوة أو شكر لم تحصل تحية المسجد قاله في التهذيب ويدل عليه الخبر الذى سبق فانه لم يركع
ركعتين وقضية الخبر ان لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضا وفيها جميعا وجه آخر ومنها ركعتا الاحرام ومنها ركعتا الطواف إذا لم نوجبهما وسياتى ذكرهما في موضعهما إذا عرفت ذلك فاوكد مالا تسن له الجماعة السنن الرواتب لمداومة الرسول صلي الله عليه وسلم عليها وكثرة الترغيبات فيها وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر لان الاخبار فيهما أكثر وايهما أفضل فيه قولان (القديم)
[ ٤ / ٢٦٠ ]
ان ركعتي الفجر أفضل وبه قال أحمد لما روى عن عائشة ﵂ قالت " لم يكن النبي صلي الله عليه وسلم على شئ من النوافل أكثر تعاهدا منه علي ركعتي الفجر " وروى أنه قال " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " وعلي هذا فيليهما في الفضيلة الوتر (والجديد) الاصح ان الوتر آكد وبه قال مالك لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " من لم يوتر فليس منا " ولان الوتر مختلف في وجوبه ولا خلاف في ان ركعتي الفجر سنة وعلى هذا فما الذى يلي الوتر في الفضيلة قال جمهور الاصحاب يليه ركعتا الفجر وعن ابى اسحق أن صلاة الليل تتقدم عليهما ونقل في البيان عن بعض الاصحاب ان الوتر وركعتي الفجر يستويان في الفضيلة ثم بعد السنن الرواتب الافضل من الصلوات المذكورة
[ ٤ / ٢٦١ ]
صلاة الضحى ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف وركعتي الاحرام وركعتي التحية (وقوله) في الكتاب وركعتي الطواف معلم بالقاف للقول الصائر إلى وجوبها فان شيئا من النوافل علي ذلك القول لا يكون افضل منها (وقوله) ثم أفضلها صلاة العيدين يجوز ان ترجع الكناية الي النوافل التي شرعت فبها الجماعة ويجوز ان ترجع إلى النوافل المذكورة كلها والقول في أن أفضل الرواتب ماذا وان
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ركعتي الفجر أفضل أم الوتر كالدخيل في هذا الفصل لانه ترجمه بغير الرواتب ولو ذكره في الفصل الاول لكان أحسن (ولعلك تقول) نظم الكتاب يقتضي ان لا تكون الجماعة مشروعة في الوتر أيضا لانه حكم بان ما شرع فيه الجماعة أفضل من الرواتب فيلزم ان لا تكون الجماعة مشروعة في الرواتب والوتر معدود من الرواتب فهل هو كذلك أم لا (فالجواب) انا إذا استحببنا الجماعة في التراويح نستحبها
في الوتر أيضا وأما في غير رمضان فالمشهور أنه لا تستحب فيه الجماعة وبه قال أبو حنيفة وأطلق أبو الفضل بن عبدان حكاية وجهين في استحباب الجماعة في الوتر إذا عرفت ذلك فكلام الكتاب مبني على الاكثر
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وهو ما سوى رمضان والله اعلم * قال (وتستحب الجماعة في التراويح تأسيا بعمر ﵁ وقيل الانفراد به أولي لبعده عن الرياء) * صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات وبه قال أبو حنيفة واحمد لما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي بالناس عشرين ركعة ليليتين فلما كان في الليلة الثالثة اجتمع الناس فلم يخرج إليهم ثم قال من الغد خشيت ان تفرض عليكم فلا تطيقونها " وعن مالك انها ست وثلاثون
[ ٤ / ٢٦٤ ]
ركعة لفعل أهل المدينة قال العلماء وسبب فعلهم ان الركعات العشرين خمس ترويحات كل ترويحة أربع ركعات وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط ويصلون ركعتي الطواف افرادا وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح ولا بين التراويح والوتر فاراد اهل المدينة ان يساووهم في الفضيلة فجعلوا مكان كل اسبوع من الطواف ترويحة فحصل اربع ترويحات وهى ست عشرة ركعة
[ ٤ / ٢٦٥ ]
تنضم الي العشرين والوتر ثلاث ركعات تكون الجملة تسعا وثلاثين فلذلك قال الشافعي ﵁ ورأيتهم بالمدينة يقولون بتسع وثلاثين قال اصحابنا وليس لغير أهل المدينة ذلك لشرفهم بمهاجرة رسول الله صلي الله عليه وسلم وقبره ثم الافضل في التراويح الجماعة: والانفراد فيه وجهان ومنهم من يقول قولان (أحدهما) ان الانفراد بها أفضل ويروى هذا عن مالك ﵁ لان النبي صلي الله عليه وسلم
[ ٤ / ٢٦٦ ]
" خرج ليالي من رمضان وصلي في المسجد ثم لم يخرج باقى الشهر وقال صلوا في بيوتكم فان أفضل صلاة المرء في بيته الا المكتوبة " ولان الاستخلاء بالنوافل ابعد عن الرياء (واصحهما) ان الجماعة افضل لان عمر بن
الخطاب ﵁ جمع الناس علي ابى بن كعب ﵁ ووافقه الصحابة عليه وانما ترك النبي ﷺ الخروج خشية الافتراض وبهذا قال ابن سريج وابو اسحق والاكثرون ثم ذكر أصحابنا العراقيون
[ ٤ / ٢٦٧ ]
والصيدلاني وغيرهم أن الخلاف فيما إذا كان الرجل يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه فاما إذا لم يحفظ أو خاف ذلك فالجماعة أولي محالة وأطلق آخرون ثلاثة أوجه في المسألة منهم القاضي بن كج وامام الحرمين (احدها) أن الانفراد أفضل علي الاطلاق (والثانى) أن الجماعة أفضل (والثالث) ان كان حافظا للقرآن آمنا من الكسل ولم تختل الجماعة بتخلفه فالافضل أن ينفرد والا فلا ويحكى هذا عن ابن أبى هريرة وانما يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء
[ ٤ / ٢٦٨ ]
كما ذكرنا في الوتر * قال (ثم التطوعات لا حصر لها فان تحرم بركعة واحدة جاز له أن يتمها عشرا فصاعدا وان
[ ٤ / ٢٦٩ ]
تحرم يعشرأ جاز له الاقتصار علي واحدة وله أن يتشهد بين كل ركعتين أو في كل ركعة ان شاء والاحب مثنى مثني) *
[ ٤ / ٢٧٠ ]
التطوعات التى لا تتعلق بسبب ولا وقت لا حصر لاعدادها ولا لركعات الواحدة منها " والصلاة
[ ٤ / ٢٧١ ]
خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر هذا لفظ الخبر المشهور عن رسول الله صلي الله عليه
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وسلم ثم إذا شرع في تطوع فان لم ينو شيئا فله ان يسلم من ركعة وله أن يسلم من ركعتين فصاعدا روى أن عمر ﵁ " مر بالمسجد فصلى ركعة فقيل له انما صليت واحدة فقال انما هي تطوع من شاء زاد ومن شاء نقص " وحكي الاصحاب عن نصه في الاملاء انه لو صلي من غير احصاء ثم سلم وهو لا يدرى كم صلي أجزأه قال بعض
السلف الذى صليت له يعلم كم صليت وان نوى ركعة أو عددا قليلا أو كثيرا فله ذلك هذا هو المشهور وحكي في البيان عن المسعودي ان له ان يصلي ثلاث عشرة ركعة بتسليمه واحدة وهل له أن يزيد فيه وجهان ثم إذا نوى عددا فله أن يزيد وله أن ينقص حتى لو تحرم بركعة فله أن يجعلها عشرا فصاعدا أو بعشر فله أن يقتصر علي واحدة ولكن بشرط أن يغير النية قبل الزيادة والنقصان فلو زاد أو نقص قبل تغيير النية بطلت صلاته مثاله نوى أن يصلى ركعتين ثم قام الي الثالثة بعد ما نوى الزيادة جاز ولو قام قبلها عمدا بطلت صلاته ولو قام سهوا عاد وسجد للسهو وسلم فلو بدا له بعد القيام ان يزيد فهل يجب العود إلي القعود ثم القيام منه أم له المضي فيه وجهان (أصحهما) أولهما ثم يسجد للسهو في آخر صلاته فلو زاد ركعتين سهوا ثم نوى اكمال اربع صلى ركعتين أخريين وما سهى به لا يحسب ولو نوى أن يصلي أربعا غير نيته وسلم عن ركعتين جاز ولو سلم قبل تغيير النية بطلت صلاته ولو سلم ساهيا أتم أربعا وسجد للسهو فلو زاد اربعا وأراد بعد السلام ساهيا أن يقتصر سجد للسهو وسلم ثانيا فان سلامه الاول غير محسوب ثم ان تطوع بركعة فلا بد من التشهد فيها وان زاد فله أن يقتصر علي تشهد واحد في آخر الصلاة وهو تشهد الركن وله ان يتشهد في كل اثنتين كما في الفرائض الرباعية فلو كان العدد وترا فلا بد من التشهد في الاخيرة أيضا وهل له أن يتشهد في كل ركعة قال امام الحرمين فيه أحتمال لانا لا نجد في الفرائض صلاة علي هذه الصورة لكن الاظهر الجواز لان له أن يصلى ركعة فردة ويتحلل عنها وإذا جاز له ذلك جاز له القيام
[ ٤ / ٢٧٣ ]
منها إلى أخرى وهذا ما ذكره المصنف وسوغ له الامور الثلاثة في الوسيط واقتصر ههنا على الامر الثاني والثالث * وأعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم يرد له ذكر إلا في النهاية وفى كتب المصنف واما الاقتصار علي تشهد واحد في آخر الصلاة فلا يكون فيه خلاف لانه لو اقتصر في الفرائض عليه لجاز أيضا وأما التشهد في كل اثنتين فقد ذكره العراقيون من أصحابنا وغيرهم وقالوا انه الاولى وان جاز الاقتصار علي واحد وذكر في النهاية شيئا آخر وهو أنه لا تجوز الزيادة علي تشهدين بحال ثم ان كان العدد شفعا فلا يجوز ان يجعل بين التشهدين اكثر من ركعة وإن كان وترا فلا يجوز أن يجعل بينهما اكثر من ركعة تشبها في القسمين بالفرائض مثاله إذا صلي ستا يتشهد في الرابعة والسادسة وإذا صلي سبعا يتشهد في السادسة
والسابعة وإلي هذا مال المستمدون من كلام المراوزة ومنهم صاجب التهذيب وظاهر المذهب تجويز الزيادة علي تشهدين ثم قال في التهذيب ان صلي بتشهد واحد قرأ السورة بعد الفاتحة في الركعات كلها وان صلى بتشهدين هل يقرأ علي القولين المذكورين في الفرائض والاحب أن يسلم المتطوع من كل ركعتين على مثال الرواتب سواء كان بالليل أو بالنهار لما روى عن ابن عمر ﵄ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " صلاة الليل والنهار مثنى مثني " وبهذا قال مالك واحمد رحمهما الله ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب وبيان موضع العلامات (قوله) ثم التطوعات لا حصر لها أراد بالتطوع ههنا ما ينشئه الانسان باختياره ولا يتعلق بوقت ولا سبب لانه أراد بقوله لا حصر لها أنه لا حصر لركعاتها علي ما صرح به في الوسيط والظاهر أن هذا حكم منه علي كل واحد منها وفى أول الباب أراد بالتطوع مطلق النافلة كما سبق بيانه وينبغي أن يعلم قوله لا حصر لها بالحاء لان عند أبي حنيفة يكره في نوافل النهار أن تزاد علي اربع ركعات
[ ٤ / ٢٧٤ ]
بتسليمة واحدة وفى نوافل الليل ان تزاد علي ثمان ركعات وذكر صاحب البيان انه يحكم بالبطلان لو زاد علي العددين والاحب عنده في نوافل النهار أن تكون أربعا أربعا حتى في الرواتب سوى ركعتي الفجر وفى نوافل الليل يصلي بتسليمة واحدة ثمان ركعات أو ستا أو أربعا أو ركعتين ولافضل لبعضها علي بعض ويجوز ان يعلم بالواو أيضا لما سبق حكايته عن المسعودي ويجوز أن يعلم قوله ان يتمها عشرا بالحاء أيضا إذ لا مزيد عنده علي ثمان ركعات وقوله جاز له الاقتصار على واحدة معلم بالميم لان عنده الشروع في التطوع ملزم إلا أن يكون هناك عذر وبالحاء لامرين (أحدهما) أن الشروع يلزم عليه
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ركعتين (والثانى) أن الركعة الفردة ليست بصلاة عنده وعندنا هي صلاة لما سبق ولو نوى صلاة تطوع ولم ينو واحدة ولا عددا فهل يجوز الاقتصار علي واحدة حكى في التتمة فيه وجهين مبنيين على ما لو ندر صلاة مطلقة هل يخرج عن العهدة بركعة أم لا بد من ركعتين وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة لانه وان نوى ركعتين فصاعدا يجوز له الاقتصار علي واحدة فعند الاطلاق أولي ان يجوز (وقوله) وله أن يتشهد بين كل ركعتين ينبغي أن يعلم بالواو لامرين (أحدهما) أن صاحب البيان حكى وجها انه لا يجلس الا في الاخيرة والثانى أنا حكينا عن
بعض الاصحاب انه لا يزيد علي تشهدين وان كثرت الركعات وذلك القائل لا يجوز التشهد بين كل ركعتين (وقوله) اأو في كل ركعة اعلم بالحاء لانه يقول بتشهد بين كل ركعتين وبالواو لان كثيرا من الاصحاب قالوا انه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد وبين ان يتشهد بين كل ركعتين والتخيير بين الشيئين ينفى التمكن من شئ ثالث (وقوله) والاحب مثني مثنى معلم بالحاء لما سبق * قال (وأظهر الاقوال أن النوافل المؤقتة تقضي (ح م) كما تقضي الفرائض وركعتا الصبح بعد فرض الصبح أداء وليس بقضاء) * غرض الفصل يتضح برسم مسألتين (أحدهما) في وقت الرواتب وهى ضربان (أحدهما) الرواتب التى تسبق الفرائض ويبقى وقت جوازها ما بقى وقت الفريضة ووقت اختيارها ما قبل الفريضة مثاله ركعتا الفجر يدخل وقتهما بطلوع الفجر ويبقى إلى طلوع الشمس والاختيار تقديمها علي صلاة الفجر وحكى جماعة منهم صاحب البيان أن وقت ركعتي الفجر يبقي إلى الزوال ويكون اداء وان خرج وقت الفريضة (والضرب الثاني) الرواتب المتأخرة عن الفرائض فيدخل وقتها بفعل الفرائض لا بدخول وقتها كما ذكرنا في الوتر وآخر وقتها يخرج بخروج وقت الفرائض كما في الضرب الاول لانها تابعة للفرائض وحكي في التتمة في الوتر قولا آخر أن وقت الوتر يبقى إلى ان يصلى الصبح ولا يخرج بطلوع الفجر لظاهر ما روى انه ﷺ قال " صلوها ما بين العشاء إلي صلاة الصبح " وهذا
[ ٤ / ٢٧٦ ]
يشبه خلافا سيأتي ذكره في المسألة الاخرى (المسألة الثانية) النوافل تنقسم إلى مالا يتأقت وانما يفعل لسبب عارض وإلي ما يتأقت والاول لا مدخل للقضاء فيه وهو كصلاتي الخسوف والاستسقاء وتحية المسحد (والثانى) كصلاتي العيد وصلاة الضحي والرواتب التابعة للفرائض في قضائها إذا فاتت قولان مشهوران (أصحهما) وبه قال احمد انها تقضى لمطلق قوله صلي الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " ولانها صلاة راتبة بوقت فتستدرك إذا فاتت كالفرائض (والثاني) وبه قال مالك انها لا تقضي كصلاة الخسوف ونحوها وهذا لان الاصل ان لا تقضى وظيفة مؤقتة أصلا لاقتضاء صيغة التأقيت اشتراط الوقت في الاعنداد بها لكن خالفنا في الفرائض لاوامر مجددة
وردت فيها لتأكدها: وعن أبي حنيفة ان فاتت الرواتب مع الفرائض قضيت معها وان فاتت وحدها فلا تقضى ونقل بعض اصحابنا عن مذهبه انه لا يقضي منها الا ركعتا الفجر إذا فاتتها مع الفرض وحكي في النهاية قولا ثالثا وهو ان ما استقل منها ولم يتبع غيره كصلاة العيدين وصلاة الضحى يقضي لمشابهتهما الفرائض في الاستقلال وما كان تابعا لغيره كالرواتب لا يقضى فهذه هي الاقوال التى ذكرها في الكتاب وانما قيد بالمؤقتة ليخرج القسم الاول فانها لا تقضى بلا خلاف (التفريع) ان قلنا انها لا تقضي فلا كلام وان قلنا تقضى فهل تقضى أبدا فيه قولان (اصحهما) وهو اختيار المزني ﵀ عليه نعم كالفرائض لما قضيت جاز قضاؤها ابدا (وقوله) في الكتاب كما تقضى الفرائض
[ ٤ / ٢٧٧ ]
يمكن حمله علي التشبيه في كيفية القضاء أي كما تقضى الفرائض ابدا كذلك هذه لكنه ما أراد ذلك وإنما أراد قياس أصل القضاء على الفرائض وذلك بين في عبارة الوسيط (والقول الثاني) أنها لا تقضي ابدا وعلي هذا إلى متي تقضي: اما صلاة العيد ففيها تفصيل وخلاف مذكور في الكتاب في باب صلاة العيدين واما الرواتب ففيها قولان (أحدهما) انه لا تقضى كالوتر بعد صلاة الصبح ولا ركعتا الفجر بعد صلاة الظهر قال امام الحرمين وعلي هذا النسق سائر التوابع لانه إذا استفتح فريضة أخرى انقطع حكم التبعية عن الصلاة السابقة وحكى علي هذا القول أوجها أخر أن الاعتبار
[ ٤ / ٢٧٨ ]
بدخول وقت الصلاة المستقبلة لا بفعلها فعلى هذا تقضي ركعتا الفجر ما لم تزل الشمس فان زالت فلا (والقول الثاني) وقد نقله المسعودي عن القديم ان ما كان من صلاة النهار يقضي ما لم تغرب الشمس وما كان من صلاة الليل يقضي ما لم يطلع الفجر فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر مادام النهار باقيا (وقوله) في الكتاب وركعتا الصبح بعد فرض الصبح اداء وليس بقضاء قصد به بيان ان تأخير ركعتي الصبح الي ما بعد الفريضة لا يوجب فواتها فلا يجرى فيه الخلاف المذكور في القضاء وتقديمها مستحب لا مستحق وقد يؤمر بالتأخير بسبب يعرض كم دخل المسجد والامام يصلي الصبح فينبغي ان
[ ٤ / ٢٧٩ ]
يقتدى به ثم بعد الفراغ يشتغل بركعتي السنة وعن ابى حنيفة انه لو علم انه يدرك ركعة من الفريضة بعد الفراغ من السنة يقدم السنة لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم " قال إذا اقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ثم في معني ركعتي الصبح سائر التوابع المقدمة على الفرائض وذكرهما جرى على سبيل ضرب المثال وأراد بقوله بعد فرض الصبح ما لم تطلع الشمس وقد حكينا من قبل وجها أن وقتها يمتد إلي الزوال لكنه ما اراد ذلك فان المذهب الظاهر خلافه *
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قال * (كتاب الصلاة بالجماعة) * (وفيه فصول ثلاثة (الاول في فضلها) وهى مستحبة وليسب بواجبة الا في الجمعة ولا فرض كفاية على الاظهر وتستحب للنساء (ح) والفعل في الجمع الكثير أفضل إلا إذا تعطل في جواره مسجد فاحياؤه افضل) * أركان الصلاة وشروطها لا تختلف بين أن تؤدى علي سبيل الانفراد أو بالجماعة لكن الاداء بالجماعة أفضل وهي تختص باعتبار أمور تنقسم الي معتبرة في نفس الامام وإلي غيرها فادرج لذلك مسائل هذا الكتاب في ثلاثة فصول (احدها) فيما يتعلق بفضلها (وثانيها) في الامور المعتبرة في نفس الامام اما اعتبار اشتراط أو استحباب (وثالثها) في سائر المعتبرات فاما الفصل الاول فاعلم أن الاصل في فضلها
[ ٤ / ٢٨٢ ]
الاجماع والاخبار نحو ما روى عن ابن عمر ﵁ ان النبي ﷺ قال " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " والفرائض الخمس تنقسم إلي صلاة الجمعة وغيرها: فأما في صلاة الجمعة فالجماعة فرض عين كما سيأتي في بابها: واما في غيرها فليست بفرض عين خلافا لاحمد حيث قال بانها فرض عين وبه قال ابن المنذر ومحمد بن اسحق بن خزيمة من اصحابنا وفى بعض التعاليق ان أبا سليمان
[ ٤ / ٢٨٣ ]
الخطابي ذكر أنه قول للشافعي ﵁: لنا حديث ابن عمر ﵄ وأيضا روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " صلاة الرجل مع الواحد افضل من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أفضل من
صلاته مع الواحد وحيثما كثرت الجماعة فهو أفضل " والاستدلال أنه لا يحسن أن يقال الاتيان بالواجب
[ ٤ / ٢٨٤ ]
افضل من تركه وتفضيل أحد الفعلين علي الآخر يشعر بتجويزهما جميعا وهل هي فرض كفاية أم سنة فيه وجهان أظهرهما عند المصنف وصاحب التهذيب أنها سنة لان الجماعة خصلة مشروعة في الصلاة لا تبطل الصلاة بتركها فلا تكون مفروضة كسائر السنن المشروعة في الصلاة وفيما سبق من الاخبار ما يشعر بان سبيلها سبيل الفضائل وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والثاني وبه قال ابن سريج وابو اسحق أنها فرض كفاية لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الجماعة الا استحوذ عليهم الشيطان " وذكر المحاملى وجماعة أن هذا ظاهر المذهب (فان قلنا) انها فرض علي الكفاية فلو
[ ٤ / ٢٨٥ ]
امتنع اهل بلدة أو قرية عن اقامتها قاتلهم الامام عليه ولا يسقط الحرج إلا إذا أقاموها بحيث يظهر هذا الشعار فيما بينهم ففى القرية الصغيرة يكفى اقامتها في موضع واحد وفى القرى الكبيرة والبلاد تقام في محلها ولو أطبقوا علي اقامة الجماعة في البيوت فعن ابي اسحق المروزى انه لا يسقط الفرض بذلك لان الشعار في البلد لا يظهر به ونازعه فيه بعضهم إذا ظهر ذلك في الاسواق واما إذا قلنا انها سنة فهل يقاتلون على تركها فيه وجهان كما ذكرناهما في الاذان (أصحهما) لا وكل ما ذكرناه في حق الرجال: أما النساء فلا تفرض عليهن الجماعة لا فرض عين ولا فرض كفاية وتستحب لهن ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضى الروياني (أحدهما) أن استحبابها لهن كاستحبابها للرجال لعموم الاخبار (وأظهرهما) الذى ذكره المعظم أنه لا يتأكد تأكده في حق الرجال فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال ذلك * وقال أبو حنيفة ومالك يكره لهن أن يصلين جماعة وبه قال احمد في رواية والاصح عنه مثل مذهبنا لنا ما روى أن النبي ﷺ " أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها " ثم إذا صلين جماعة فالمستحب أن تقف التى تؤمهن وسطهن كذلك فعلت عائشة رضي عنها وأم سلمة ﵄ لما أمتا وجماعتهن في البيوت أفضل فان أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشواب لخوف الفتنة ولم يكره
[ ٤ / ٢٨٦ ]
للعجائز روى أنه ﷺ " نهى النساء عن الخروج الي المساجد في جماعة الرجال الا عجوزا في منقلها " والمنقل الخف وامامة الرجال لهن أولي من امامة النساء لكن لا يجوز أن يخلو بهن من غير محرم ثم لو صلي الرجل في بيته برقيقه أو زوجته وولده نال أصل فضيلة الجماعة لكنها في المساجد أفضل لما روى أنه ﷺ قال " صلاة الرجل في بيته أفضل الا المكتوبة " وحيث كان الجمع اكثر من المساجد فالفضل اكثر لما سبق فلو كان بالقرب منه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير الجمع فالافضل أن يذهب الي المسجد البعيد ألا في حالتين (أحدهما) أن تتعطل الجماعة في المسجد القريب بعد وله عنه اما لكونه اماما أو لان الناس يحضرون بحضوره فاقامة الجماعة في المسجد القريب أفضل (الثانية) أن يكون امام المسجد البعيد متبدعا كالمعتزلي وغيره وامام المسجد القريب بريئا عن البدعة فالصلاة في المسجد القريب أولي قال المحاملى وغيره وكذا لو كان امام المسجد البعيد حنفيا لانه لا يعتقد وجوب بعض الاركان بل حكوا عن أبى اسحق المروزى أن الصلاة منفردا اولى من الصلاة خلف الحنفي وهذا مبني على جواز الصلاة خلفه وفيه خلاف يأتي من بعد وفى المسألة وجه آخر حكاه في النهاية أن رعاية حق الجوار أولى على الاطلاق لانا لو جوزنا العدول عن المسجد القريب لاوشك أن يعدل عنه واحد بعد واحد فيفضى إلى تعطيله: واما لفظ الكتاب فقوله وليست
[ ٤ / ٢٨٧ ]
بواجبة يعنى به الوجوب علي الاعيان وهو معلم بالالف والواو (وقوله) تستحب للنساء معلم بالحاء والميم وبالالف ايضا لاحدى الروايتين عن احمد والمراد أصل الاستحباب ثم في كيفية الاستحباب ما سبق من الخلاف (وقوله) الا إذا تعطل في جواره مسجد ليس فيه الا استثناء الحالة الاولي وقد استثنى كثير من الاصحاب الحالة الثانية أيضا كما ذكرنا ويجوز أن يعلم قوله في الجمع الكثير أفضل بالواو لانه يدخل فيه ما إذا كان في جواره مسجد ولم يتعطل إذ لم يستثن الا إذا تعطل وقد ذكرنا وجها ان الافضل رعاية حق الجوار وان لم يتعطل * قال (وفضيلة الجماعة لا تحصل الا بادراك ركعة مع الامام وفضيلة التكبيرة الاولى لا تحصل الا بشهود تحريمة الامام واتباعه على الاصح) *
في الفصل مسألتان (احداهما) فيما يحصل للمأموم به فضيلة الجماعة: الذى ذكره في الكتاب انها لا تحصل الا بادراك ركعة مع الامام ووجهه في الوسيط بان ادراك ما دون الركعة ليس محسوبا من صلاته فلا ينال بها الفضيلة والذى ذكره اصحابنا العراقيون وغيرهم وتابعهم صاحبا المهذب والتهذيب أن من ادرك الامام في التشهد الاخير حصل له فضيلة الجماعة وقد يوجه ذلك بان هذه البقية إذا لم تكن محسوبة من صلاته فلو لم ينل بها الفضيلة لمنع من الاقتداء والحالة هذه لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها وبالجملة فظاهر المذهب الذى ذكره الجمهور خلاف ما في الكتاب (المسألة الثانية) وردت اخبار في ادراك التكبيرة الاولي مع الامام نحو ما روى انه ﷺ قال " من صلي اربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الاولي كتب له براءتان براءة من
[ ٤ / ٢٨٨ ]
من النار وبراءة من النفاق " ولما في ادراكها من الفضل صار أبو اسحق المروزى الي ان الساعي الي الجماعة يسرع إذا خاف فوتها لكن الصحيح عند الاكثرين ان لا يسرع بحال لقوله صلى
[ ٤ / ٢٨٩ ]
الله عليه واله وسلم " إذا اقيمت الصلاة فلا تأتوها وانتم تسعون واتوها وانتم تمشون وعليكم السكينة والوقار " ثم بماذا يكون مدركا للتكبيرة الاولي فيه وجوه (اظهرها) ان من شهد تكبيرة الامام واشتغل عقيبها بعقد الصلاة كان مدركا لفضيلة التكبيرة الاولي والا لم يكن مدركا لها لانه إذا جرى التكبير في غيبته لم يسم مدركا (والثانى) ان تلك الفضيلة تدرك بادراك الركوع الاول (والثالث) ان ادراك الركوع لا يكفى بل يشترط ادراك شئ من القيام ايضا (والرابع) ان شغله امر دنيوي لم يكن بادراك الركوع مدركا للفضيلة وان منعه عذر واشتغال باسباب الصلاة كالطهارة
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وغيرها كفاه ادراك الركوع * قال (ومهما أحس الامام بداخل ففى استحباب الانتظار ليدرك الداخل الركوع قولان ولا ينبغي ان يطول ولا أن يميز بين داخل وداخل) *
مما يحتاج إلى معرفته في المسألة ان المستحب للامام تخفيف الصلاة من غير ترك الابعاض والهيئات لما روى عن انس ﵁ قال " ما صليت وراء امام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلي الله عليه وسلم " فان رضى القوم بالتطويل وكانوا
[ ٤ / ٢٩١ ]
منحصرين لا يدخل عليهم غيرهم فلا باس حينئذ بالتطويل ثم قال الائمة انتظار الامام في الصلاة وتطويله بها يفرض على وجوه: منها ان يصلي في مسجد سوق أو محلة فيطول الصلاة ليلحق قوم أخر وتكثر الجماعة فهذا مكروه لما فيه من سقوط الخشوع وشغل القلب ومخالفة قوله صلي الله عليه وسلم وسلم " إذا أم احدكم فليخفف " ومنها ان يؤم في مسجد بحضرة رجل شريف فيطول الصلاة علي الحاضرين ليلحق ذلك الرجل فهذا مكروه ايضا لانه ينفر الحاضرين ويشوش عليهم ومنها أن يحس في صلاته بمجئ رجل يريد الاقتداء به فله احوال (احدها) ان يكون في الركوع وهي مسألة الكتاب فهل ينتظر ليدرك الركوع فيه قولان (اصحهما) عند امام الحرمين واخرين انه لا ينتظره
[ ٤ / ٢٩٢ ]
لمطلق قوله صلي الله عليه وسلم (إذا أم احدكم بقوم فليخفف) ولان انتظاره يطول الصلاة علي الحاضرين والتطويل علي الحاضرين لمسبوق قد يكون مقصرا بتخلفه لا وجه له والثاني ينتظره لما روى انه ﷺ " كان ينتظر في صلاته ما سمع وقع نعل " وهذا كما انه ينتظر في صلاة الخوف ذهاب قوم ومجئ قوم لينالوا فضيلة الجماعة ثم ذكر الائمة للقولين شرطين (احدهما) ان يكون الرجل الجائى حين ينتظر داخل المسجد اما لو كان بعد خارجة فلا ينتظر قولا واحد (والثانى) ان يقصد به الاحتساب والتقرب الي الله تعالى فاما لو قصد التودد إليه واستمالته فلا ينتظر قولا واحدا ثم اختلفوا في ان القولين فيماذا على طرق قال معظم الاصحاب ليس الخلاف في استحباب الانتظار ولا في انه لو انتظر هل تبطل صلاته ام لا وانما الخلاف في الكراهة فاحد القولين انه يكره وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني (والثاني) لا يكره وبه قال احمد وهو اصح القولين
[ ٤ / ٢٩٣ ]
عند القاضى الروياني وقال بعض الاصحاب القولان في انه هل يستحب الانتظار ويحكي هذا عن القاضي ابي الطيب وقال آخرون في المسألة قولان (احدهما) انه يكره والثانى انه يستحب وهذا ما اورده صاحب المهذب وقال الاصح الثاني وهذه الطريقة كالمركبة من الطريقتين الاخريين ثم إذا قلنا لا ينتظر فلو فعل هل تبطل صلاته منهم من قال فيه قولان كما لو زاد في صلاة الخوف علي انتظارين وقطع المعظم بانها لا تبطل وركب في الوسيط من القول بالبطلان ومما تقدم ثلاثة اقوال (احدها) انه يستحب الانتظار (والثاني) انه يكره (والثالث) انه لا يجوز وتبطل الصلاة إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكتاب: واعلم ان في لفظ الداخل من قوله وإذا احس الامام بداخل ما ينبه على الشرط الاول وهو تقييد الخلاف بانتظار من دخل المسجد أو الموضع الذى تقام فيه الصلاة فاما من لم يدخل بعد فلا ينتظر واما الشرط الثاني وهو ان يكون قصده التقرب الي الله تعالي فليس في لفظ الكتاب تعرض له لكن الواقف علي مقاصد الكلام يفهمه من قوله ولا ان يميز بين داخل وداخل كما سيأتي (وقوله) ففى استحباب الانتظار لدرك الداخل الركوع قولان جواب على طريقة فرض الخلاف في الاستحباب ثم المقابل لقول الاستحباب انما هو عدم الاستحباب ويمكن ادراج الحاصل من باقي الاختلافات فيه بان يقال إذا قلنا لا يستحب فهل يكره فيه قولان ان قلنا يكره فهل يبطل الصلاة فيه قولان ويجوز انه يعلم قوله قولان بالواو لان القاضى ابن كج حكي طريقة عن بعض الاصحاب ان موضع القولين هو الانتظار في القيام اما في الركوع فلا ينتظر
[ ٤ / ٢٩٤ ]
قولا واحدا وعلل بان القيام موضع تطويل والركوع ليس موضع تطويل واما قوله ولا ينبغى ان يطول فهذا اشارة الي ان الخلاف مفروض فيما إذا لم يطول الانتظار فاما التطويل فيجتنبه وهذا قد ذكره الصيدلاني وغيره وهو شرط ثالث مضموم الي الشرطين السابقين قال امام الحرمين وليس المراد اصل التطويل فان الانتظار لا يوجد صورة الا إذا طول وزاد علي القدر المعتاد ولكن ضبطه أن يقال ان طول تطويلا لو وزع علي جميع الصلاة لظهر له اثر محسوس في الكل فهذا ممنوع منه لافراطه وان كان بحيث يظهر في الركوع ولكن لا يظهر في كل الصلاة لو وزع فهذا موضع الاختلاف ويجوز
أن يعلم قوله ولا ينبغى أن يطول بالواو لان ابا على قال في الافصاح ان كان الانتظار لا يضر بالمأمومين ولا يدخل عليهم مشقة جاز كانتظار النبي صلي الله عليه وسلم في حمل امامة ووضعها في الصلاة وان كان ذلك مما يطول ففيه الخلاف وقوله ولا أن يميز بين داخل وداخل المراد منه ان يعم انتظاره الداخلين فلا يخص به بعض القوم لصداقة أو سيادة وإذا عم فلا يقصد استمالة قلوب الناس والتودد إليهم بل التقرب إلى الله تعالي كما تقدم ويجوز الوسم بالواو ههنا أيضا لامرين (أحدهما) لان أبا سعيد المتولي حكي عن بعض الاصحاب انه ان عرف الداخل بعينه لم ينتظره إذ لا يخلو عن تقرب إليه
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وان لم يعرفه بعينه انتظره (والثاني) أن صاحب البيان حكي عن بعضهم انه ان كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره وان كان غريبا لم ينتظره وكلا الوجهين يوجب التمييز بين الداخل والداخل (الحالة الثانية) أن يكون الامام حين أحس بالداخل في التشهد الاخير فهل يؤخر انتظارا له بما سبق من الشرائط ذكر معظم الاصحاب أن الخلاف يطرد فيه لان هذا الانتظار يفيده أيضا من حيث أنه ينال فضيلة الجماعة وان لم يدرك باللحوق فيه شيئا من الركعات وقياس قوله من يقول انه لا يدرك فضيلة الجماعة الا بادراك ركعة مع الامام أن يكون حكم الانتظار ههنا حكمه في القيام ونحوه (الحالة الثالثة) أن يكون في سائر الاركان من القيام والسجود وغيرهما قطع الاكثرون بانه لا ينتظره لانه لا فائدة للداخل في انتظاره فانه بسبيل من ادراك الركعة أو فضيلة الجماعة وان لم ينتظره وذلك لانه ان كان قبل الركوع فهو بادراك الركوع يدرك الركعة وان كان بعد الركوع فبادراكه في التشهد ينال فضيلة الجماعة وحكي امام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الاركان لافادة الداخل بركة الجماعة وروينا عن ابن كج أن بعضهم خصص الخلاف بحالة القيام وحيث قلنا لا ينتظر فلو انتظر ففى البطلان ما سبق من الطريقين * قال (ومن صلي منفردا فأدرك جماعة يستحب له اعادتها ثم يحتسب الله أيهما شاء) * من انفرد بصلاة من الصلوات الخمس ثم أدرك جماعة يصلونها فالمستحب له أن يعيدها معهم لينال فضيلة
[ ٤ / ٢٩٦ ]
الجماعة وقد روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " صلي الصبح فلما فرغ رأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال علي بهما فجئ بهما فقال ما منعكما أن تصليا معنا فقالا كنا صلينا في رحالنا قال فلا
[ ٤ / ٢٩٧ ]
تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم اتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فانها لكما نافلة " وعند أبى حنيفة يعيد الظهر والعشاء ولا يعيد الصبح والعصر والمغرب وذكر في النهاية ان شيخه حكي مثل ذلك وجها لبعض اصحابنا ووجهه ان الصبح والعصر يستعقبان الوقت المكروه فلا يصلي بعدهما والمغرب وتر
[ ٤ / ٢٩٨ ]
النهار فلو اعيدت لصارت شفعا ونقل العراقيون وجها انه يعيد ما سوى الصبح والعصر وظاهر المذهب الاول والوجهان ضعيفان وعند مالك يعيد كلها الا المغرب وبه قال احمد في رواية يعيد المغرب ايضا لكن إذا سلم الامام قام الي ركعة اخرى فجعلها شفعا وإذا وقفت علي ما ذكرناه علمت انه لم اعلم قوله يستحب له اعادتها بالحاء والميم والالف والواو ولو صلي احدى الخمس في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى فهل يعيدها معهم فيه وجوه (أصحها) عند عامة الاصحاب أنه يعيد كما
[ ٤ / ٢٩٩ ]
لو كان منفردا لاطلاق الخبر والثانى وهو الاصح عند الصيدلاني وبه قال المصنف في الوسيط أنه لا يستحب الاعادة لان فضيلة الجماعة قد حصلت فلا معنى للاعادة بخلاف المنفرد قال الصيدلاني وعلي هذا يكره اعادة الصبح والعصر دون غيرهما لانهما وقتا كراهة والصلاة المعادة تطوع محض علي هذا الوجه قال وعلى هذا فلو اعاد المغرب ينبغى أن يضم إليها ركعة اخرى لان ما أتى به تطوع محض فليكن شفعا واعلم ان المعادان كان تطوعا محضا فقياس المذهب أن تمتنع الاعادة بنية المغرب وسائر الوظائف الخمس ولو فعل يكون صحة التطوع علي الخلاف المذكور في المتطوع بنية الظهر قبل الزوال (والوجه الثالث) انه ان كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الامام أعلم أو أورع أو لكون الجمع أكثر أو لكون المكان افضل فيستحب الاعادة والا فلا (والرابع) أنه يستحب اعادة الظهر والمغرب والعشاء ولا يستحب اعادة الصبح والعصر وقد سبق المنفرد مثله ثم إذا استحببنا الاعادة في هذه المسألة
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وفيما إذا صلى منفردا فاعاد فالفرض منهما ماذا فيه قولان الجديد وبه قال أبو حنيفة واحمد أن الفريضة هي الاولي لما سبق من الحديث والقديم أن الفريضة احدهما لا بعينها والله تعالى يحتسب بما شاء منهما وربما قيل يحتسب باكملهما ويروى هذا القول عن الاملاء وبه قال مالك ووجه بانه
[ ٤ / ٣٠١ ]
لو كانت الثانية نفلا علي التعيين لما ندب إلى اقامتها بالجماعة والذى ذكره في الكتاب هذا القول القديم لكن الاكثرين قالوا بان المذهب الجديد وحكى في التتمة أن بعض الاصحاب صار إلي انهما جميعا يقعان عن الفرض وعن الشيخ أبى محمد أن بعضهم قال فيما إذا صلي منفردا أن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة فتبين بالاخرة أن الاولي نفل فحاصل ما في المسألة قولان ووجهان (التفريع) ان فرعنا على غير الجديد نوى الفرض في المرة الثانية ولو كانت الصلاة مغربا اعادها مثل المرة الاولى
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وان فرعنا علي الجديد فهل ينوى الفرض فيه وجهان قال الصيدلانى (الصحيح) أنه ينوى الفرض وبه قال الاكثرون واستبعده امام الحرمين وقال كيف ينوى الفرض مع القطع بان الثانية ليست بفريضة بل الوجه ان ينوى الظهر والعصر ولا يتعرض للفرضية ويكون ظهره نفلا كظهر الصبي وهذا ما ذكر في هـ الوسيط وفيه مباحثه قدمتها في أول صفة الصلاة وإذا كانت الصلاة مغربا ففيه وجهان (اظهرهما) انه يعيدها كما فعل في المرة الاولى (والثاني) ان المستحب ان يقوم إلى ركعة اخرى إذا سلم الامام حتى لا يصير وتره شفعا) * قال (ولا رخصة له في ترك الجماعة الا بعذر عام كالمطر والريح العاصفة بالليل أو عذر خاص مثل أن يكون مريضا أو ممرضا أو خائفا من السلطان أو من الغريم وهو معسر أو كان عليه قصاص ويرجو العفو عنه أو ان حاقنا أو جائعا أو عاريا) *
[ ٤ / ٣٠٣ ]
لا رخصة للمتدين في ترك الجماعة سواء جعلناها سنة أو فرض كفاية الا إذا كان ثم عذر لما روى انه
صلي الله عليه وسلم قال " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له الا من عذر " ثم الاعذار
[ ٤ / ٣٠٤ ]
قسمان عامة وخاصة فمن الاعذار العامة المطر ليلا كان أو نهارا لما روى انه صلي الله عليه وسلم
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وسلم قال " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال " ومنها الريح العاصفة بالليل دون النهار
[ ٤ / ٣٠٦ ]
روي انه صلي الله عليه وسلم " كان يامر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح الا صلوا في رحالكم " والمعنى فيه ان المشقة التى تلحق بها في الليل اكثر وبعض الاصحاب يقول الريح العاصفة في الليلة المظلمة وليس ذلك علي سبيل اشتراط الظلمة والله اعلم: ويتبين بما ذكرنا ان قوله بالليل في نظم الكتاب يرجع الي الريح وحدها ولا يرجع الي المطر المعطوف عليه ومن الاعذار الخاصة المرض " قيل يا رسول الله ما العذر في الخبر الذى سبق فقال خوف أو مرض " ولا يشترط ان يبلغ مبلغا يجوز العقود في الفريضة لكن المعتبر ان تلحقه مشقة مثل ما يلقاه الماشي في المطر قاله في النهاية: ومنها ان يكون ممرضا وللتمريض تفصيل يذكر في كتاب الجمعة: ومنها ان يخاف على نفسه أو ماله أو علي من يلزمه الذب عنه من سلطان أو غير سلطان يظلمه أو يخاف من غريم يلازمه أو يحبسه ان رآه وهو معسر لا يجد وفاء لدينه فله التخلف ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه بل عليه الحضور وتوفية ذلك الحق ويدخل في صور الخوف علي المال ما إذا
[ ٤ / ٣٠٧ ]
كان خبزه في التنور وقدره علي النار وليس ثم من يتعهدها لو سعى الي الجماعة ومنها ان يكون عليه قصاص ولو ظفر به المستحق لقتله وكان يرجو العفو مجانا أو علي مال لو غيب الوجه اياما وسكن الغليل فله التخلف بذلك وفى معناه حذ القذف دون حد الزنا ومالا يقبل العفو قال امام الحرمين وفى هذا العذر اشكال عندي لان موجب القصاص من الكبائر فكيف يستحق صاحبه التخفيف
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وكيف يجوز تغييب الوجه عن المستحق: ومنها ان يدافع اخبثيه أو يدافع الريح بل الصلاة مكروهة في تلك الحالة والمستحب ان يفرغ نفسه ثم يصلي وان فاتت الجماعة فلا باس روى انه ﷺ قال " لا يصلين احدكم وهو يدافع الاخبثين " وروى ايضا " إذا اقيمت الصلاة
[ ٤ / ٣٠٩ ]
فوجد احدكم الغائط فليبدأ بالغائط " وهذا إذا كانت في الوقت سنة فان كان يخرج الوقت لو قضى حاجته ففي التهذيب حكاية وجهين (اظهرهما) انه يبدأ بالصلاة (والثانى) انه يقضي حاجته وان فات الوقت ثم يقضى كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء يلزمه الوضو ويشبه ان يكون هذا الوجه ذهابا من صاحبه الي انه لا تصح الصلاة إذا ضاق الامر عليه لانسلاب الخشوع وقد حكي امام الحرمين الذهاب الي البطلان عن القاضي الحسين وصاحب البيان عن أبى زيد المروزى لكن أبا سعيد المتولي جعل الخلاف في أن الاولى ان يفرغ نفسه أو ان يصلي لا في بطلان الصلاة علي المدافعة وقوله في الكتاب أو كان حاقنا يجوز أن يقرأ بالباء ويجوز أن يقرأ بالنون فالحاقب هو الذى احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز حتى حضر غائطه والحاقن في البول كالحاقب في الغائط قاله في العرينين ومنها أن يكون به جوع شديد أو عطش شديد وقد حضر الطعام والشراب ونفسه تتوق إليه فيبدأ بالاكل والشرب لما روى انه ﷺ قال " إذا حضر العشاء واقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء "
[ ٤ / ٣١٠ ]
قال الائمة وليس المراد منه أن يستوفى ما يشبع لكن ياكل لقما يكسر سورة جوعه ويؤخر الباقي الا ان يكون الطعام مما يؤتي عليه دفعه واحدة كالسويق واللبن استثناه المحاملى وغيره فان خاف فوت الوقت لو اشتغل بالاكل حكى في التتمة وجهين في أن الاول ماذا كما في مدافعة الاخبثين ومنها ان يكون عاريا لا لباس له فيعذر في التخلف سواء وجد قدر ما يستر به العورة أو لم يجد هذه هي الاعذار المذكورة في الكتاب ويلتحق بها اعذار أخر: فمن العامة الوحل وسيأتي في كتاب الجمعة: ومنها السموم وشدة الحر في وقت الظهر فان الابراد بها محبوب كما سبق فلو اقاموا الجماعة ولم يبردوا كان له ان يتخلف ومنها شدة البرد قال في التهذيب انها عذر ولم يفرق بين الليل والنهار وعلي هذا فشدة الحر في
معناها وربما يبقى العذر وان ابردوا: ومن الاعذار الخاصة ان يريد السفر وترتحل الرفقة فله ان ان يتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم ومنها ان يكون منشد ضالة يرجو الظفر بها لو ترك الجماعة أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه و: منها ان يكون قد اكل بصلا أو كراثا ونحوهما ولم يمكن
[ ٤ / ٣١١ ]
ازالة الرائحة بغسل ومعالجة فهو عذر في التخلف عن الجماعة فان كان مطبوخا فلا وذلك القدر محتمل ومنها غلبة النوم عدها صاحب العدة وغيره من الاعذار قال (الفصل الثاني في صفات الائمة وكل من لا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء فلا يصح الاقتداء به ومن صحت صلاته صح الا اقتدأ به الاقتداء القارئ بالامى على القول الجديد ومن لا يحسن حرفا من الفاتحة والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه ويجوز اقتداء الامي بمثله ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة ولا بالخنثي ولا اقتداء الخنثى ويصح اقتداء المرأة بالخنثى وبالرجل) صفات الائمة ضربان مشروطة ومحبوبة وقد ضمن الفصل ما اراد ايراده: فاما المشروطة فنأتي منها بما ذكره في الكتاب وما أهمله في تقسيم نرسمه ونقول الانسان لا يخلو اما ان لا تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معا واما ان تكون صحيحة (القسم الاول) ان لا تكون صحيحة عندهما معا فينظران توافق اعتقاد الامام والمأموم على انه لا صحة ولا اعتبار كصلاة من به حدث أو جنابة وصلاة من بثوبه نجاسة ونحو ذلك فلا يجوز لمن علم حاله الاقتداء به لانه ليس من أهل الصلاة وكذلك الكافر لا يجوز الاقتداء به وإذا صلي الكافر لم يجعل بذلك مسلما خلافا لابي حنيفة حيث جعله مسلما
[ ٤ / ٣١٢ ]
بذلك في بعض الاحوال ولاحمد حيث جعله مسلما بكل حال وعن القاضي ابي الطيب انه إذا صلي الحربي في دار الحرب حكم باسلامه ويحكي ذلك عن نص الشافعي ﵁ والمذهب المشهور هو الاول ثم ذلك إذا لم تسمع منه كلمتا الشهادة فان سمعتا منه في التشهد ففي الحكم باسلامه ما قدمناه فيما إذا اذن وان كانت صحيحة في اعتقاد الامام دون المأموم أو بالعكس فهذا يفرض علي وجهين (احدهما) ان يكون ذلك لاختلافهما في الفروع الاجتهادية كما إذا مس الحنفي فرجه وصلي ولم يتوضأ أو ترك الاعتدال
في الركوع والسجود أو قرأ غير الفاتحة في صلاته ففى صحة اقتداء الشافعي به وجهان (احدهما) وبه قال القفال تصح لان صلاته صحيحة عنده وخطؤه غير مقطوع به فلعل الحق ما ذهب إليه (والثانى) وبه قال الشيخ أبو حامد لا تصح لان صلاة الامام فاسدة في اعتقاد المأموم فاشبه ما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة يقتدى احدهما بالاخر وهذا أظهر عند الاكثرين ولم يذكر الرويانى في الحلية سواه وبه
[ ٤ / ٣١٣ ]
أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى لكن بشرائط ليس من غرضنا ذكرها ولو ان الحنفي صلي علي وجه لا يعتقده صحيحا واقتدى الشافعي به وهو يعتقده صحيحا انعكس الوجهان فعلي ما ذكره القفال لا يصح الاقتداء اعتبارا بحال الامام وعلي ما ذكره أبو حامد يصح اعتبارا باعتقاد المأموم وحكى ابو الحسن العبادي ان الاودني والحليمي قالا إذا أم الوالى أو نائبه بالناس ولم يقرأ التسمية والمأموم يراها واجبة فصلاته خلفه صحيحة عالما كان أو عاميا وليس له المفارقة لما فيها من الفتنة وهذا حسن وقضيته الفرق بين الامام وخلفائه وبين غيرهم اما إذا حافظ الحنفي على واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي فاقتداؤه به صحيح عند الجمهور وعن الاستاذ ابي اسحق الاسفراينى انه لا تصح لانه لا ياتي بها علي اعتقاد الوجوب وعلى الاول لو شك في انه هل أتي بها أم لا فقد ذكر صاحب الكتاب في الفتاوى انه يجوز الاقتداء به كما لو علم انه حافظ عليها لان الظاهر اتيانه بها اقامة لما يعتقده سنة وتوقيا عن شبهة الخلاف وحكى أبو الفرج البزار عن الشيخ أبى علي أنه لا يصح كما لو عرف انه لم يات بها وحكي عن الشيخ ابي حامد الصحة كما قاله صاحب الكتاب في الفتاوى وإذا عرفت ذلك وسئلت عن قتداء الشافعي بالحنفي مطلقا فقيل فيه ثلاثة اوجه (ثالثها) وهو الاظهر الفرق بين أن يحافظ علي الواجبات وبين أن يتركها ولك أن تضم إليها وجها فارقا على ما قدمناه ولو اقتدى الحنفي بالشافعي وصلي الشافعي علي وجه لا يراه الحنفي كما لو افتصد وصلي ففيه الخلاف وإذا جوزنا اقتداء احدهما بالآخر فلو صلي الشافعي الصبح خلف حنفي ومكث الحنفي بعد الركوع قليلا وامكنه ان يقنت فيه فعل والا تابعه وهل يسجد
[ ٤ / ٣١٤ ]
للسهو ان اعتبرنا اعتقاد المأموم نعم فان اعتبرنا اعتقاد الامام فلا ولو صلى الحنفي الصبح خلف
الشافعي وترك الامام القنوت ساهيا وسجد للسهو تابعه المأموم وان ترك الامام سجود السهو سجد المأموم ان اعتبرنا اعتقاد الامام والا فلا (والثانى) ان لا يكون ذلك لاختلافهما في الفروع فلا يجوز لمن اعتقد بطلان صلاة غيره ان يقتدى به وذلك كما إذا اجتهد اثنان فصاعدا في القبلة واختلف اجتهادهم لم يجز لبعضهم الاقتداء ببعض لان صلاة كل واحد منهم باطلة عند اصحابه وكذا لو اشتبه اناءان طاهر ونجسن واختلف فيهما اجتهاد رجلين ولو كثرت الاواني والمجتهدون واختلف اجتهادهم فحيث تعين عند المأموم بطلان صلاة الامام امتنع الاقتدا وحيث لا يتعين جاز الاقتداء وفيه وجه انه لا يجوز ايضا وهذا هو الكلام الجملي فيه ونوضحه بصورتين (احداهما) لو اشتبه ثلاثة اوان واجتهد فيها ثلاثة واستعمل كل واحدا منهم واحدا لاداء اجتهاده إلى طهارته فان كان الطاهر منها واحدا لم يجز اقتداء بعضهم ببعض وان كان النجس منها واحد وأراد احدهم ان يقتدى بآخر فان ظن طهارة اناء أحد صاحبيه كما ظن طهارة اناء نفسه فلا خلاف في جواز اقتدائه به وامتناع اقتدائه بالثالث وان لم يظن الا طهارة انائه ففى المسألة وجهان قال صاحب التلخيص لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه لانه يتردد في ان المحدث المستعمل للنجاسة هذا ام ذاك وليس احد الاحتمالين باولي من الاخر فيمتنع الاقتداء كما يمتنع الاقتداء بالخنثى لتعارض احتمالي الذكورة والانوثة وقال ابن الحداد وهو الاصح يجوز لكل واحد منهم ان يقتدى بواحد من صاحبيه ولا يجوز ان يقتدى بهما جميعا في صلاتيه اما الاول فلانه لا يدرى نجاسة اناء من
[ ٤ / ٣١٥ ]
يقتدى به وبقاء حدثه وإذا لم يعلم المأموم من حال الامام ذلك سومح وجوز الاقتداء علي ما سيأتي واما الثاني فلانه إذا اقتدى باحدهما تعين اناء الثالث للنجاسة فامتنع الاقتداء به وبهذا قال أبو اسحق المروزى الا انه قال لو اقتدى بهما جميعا وجب اعادة الصلاتين لان احداهما باطلة لا بعينها فيلزمه قضاؤهما وعند أبن الحداد والاكثرين لا يجب الا قضاء الثانية فانه لو اقتصر على الاقتداء الاول لما كان عليه قضاء الثانية ولو كانت الاواني خمسة والنجس منها واحد وظن كل واحد بعد الاجتهاد طهارة احدهما ولم يظن شيئا من حال الاربعة الباقية وام كل واحد منهم اصحابه في واحدة
من الصلوات الخمس وبدؤا بالصبح فعند صاحب التلخيص على كل واحد منهم اعادة الصلوات الاربع التى كان مأموما فيها وعند ابن الحداد والاكثرين يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأموما فيها ويلزم من ذلك ان يعيد كلهم العشاء الا امام العشاء فانه يعيد المغرب وانما اعادوا العشاء لان بزعمهم تتعين النجاسة في حق امام العشاء وأنما اعاد امام العشاء المغرب لانه صحت له الصبح والظهر والعصر عند أئمتها وهو متطهر عنده فيتعين بزعمه النجاسة في حق امام المغرب وعند أبى اسحق يعيد كل واحد منهم جميع الاربع التى كان مأموما فيها لانه أقتدى في واحدة منها بمن توضأ بماء نجس وهي غير متعينة فصار كما لو نسى واحدة من اربع وحكي عن بعض الاصحاب طريقة اخرى وهي ان هذه الوجوه فيما إذا سمع من بين خمسة نفر صوت حدث ونفاه كل واحد عن نفسه واموا علي ما ذكرنا فاما في مسألة الاواني فكل واحد يعيد آخر صلاة كان مأموما فيها بلا خلاف والفرق أن الاجتهاد في الاواني جائز فكان كل واحد اجتهد في انائه وأناء امامه ألي أن تعينت النجاسة في الاخر ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت ولو كانت المسألة بحالها لكن النجس من الاواني الخمس اثنان صحت صلاة كل واحد منهم خلف اثنين وبطلت خلف أثنين ولو كان النجس ثلاثة صحت صلاة
[ ٤ / ٣١٦ ]
كل واحد منهم خلف واحد ولو كان أربعة امتنع الاقتداء بينهم على الاطلاق (القسم الثاني) ان تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معا فلا يخلو اما أن تصح صحة غير مغنية عن القضاء واما أن تصح صحة مغنية عن القضاء فان لم تكن مغنية عن القضاء كصلاة من لم يجد ماء ولا ترابا فلا يجوز الاقتداء به للمتوضئ وللمتيمم الذى لا يقضي لان تلك الصلاة انما يؤتي بها لحق الوقت وليست هي معتدا بها فاشبهت الفاسدة ولو اقتدى به من هو في مثل حاله ففيه وجهان للشيخ ابي محمد (احدهما) يجوز لان الصلاتين متماثلتان فيجزئ الاقتداء فيهما ثم يقضيان والثانى لا لان ربط الاقتداء بمالا يعتد به كربط الاقتداء بالصلاة الفاسدة وهذا أوفق لاطلاق الاكثرين حيث منعوا الاقتداء به ولم يفصلوا وفى معنى صلاة من لم يجد ماء ولا ترابا صلاة المقيم المتيمم لعدم الماء وصلاة من امكنه أن يتعلم الفاتحة فلم يتعلم ثم صلي لحق الوقت وصلاة العارى وصلاة المربوط علي الخشبة إذا الزمنا الاعادة على هؤلاء وقد
سبق بيان الخلاف فيه اما إذا صحت الصلاة صحة مغنية عن القضاء فلا يخلو الحال اما أن يكون المصلي مأموما أو لا يكون فان كان مأموما لم يجز الاقتداء به لانه تابع لغيره ويلحقه سهو ذلك الغير ومنصب الامامة يقتضى الاستقلال وتحمل سهو الغير فلا يجتمعان ولو رأى رجلين واقفين احدهما بجنب الاخر يصليان جماعة وتردد في ان الامام هذا أم ذاك لم يجز الاقتداء بواحد منهما حتي يتبين له الامام ولو التبس علي الواقفين فاعتقد كل واحد منهما انه المأموم فصلاتهما باطلة لان كل واحد منهما مقتد بمن يقصد الائتمام وكذلك لو كان كل واحد منهما شاكا لا يدرى أنه أمام أو مأموم فصلاتهما باطلة وأن اعتقد كل واحد منهما أنه امام صحت صلاتهما وأن شك احدهما في حاله دون الاخر بطلت صلاة الشاك وغير الشاك أن ظن أنه امام صحت صلاته وان ظن انه مأموم فلا وأن لم يكن المصلي مأموما فلا يخلو اما ان يخل بالقراءة
[ ٤ / ٣١٧ ]
أو لا يخل فان أخل بان كان أميا ففي صحة اقتداء القارئ به قولان (الجديد) انه لا يصح وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد لان الامام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الامامة بدليل المسبوق فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل (والقديم) انه أن كانت الصلاة سرية صح الاقتداء والا فلا بناء علي القول القديم في أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الامام فإذا لم يحسن القراءة لم يصلح للتحمل وفى السرية يقرأ المأموم لنفسه فيجزئه ذلك هذا نقل جمهور الاصحاب منهم الشيخ أبو حامد والقاضي ابن كج والصيدلانى والمسعودي وذكر معظمهم ان ابا اسحق خرج قولا ثالثا على الجديد أن الاقتداء صحيح سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية لان المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك كما قال باجزائه في السرية في القديم ومنهم ممن لم يثبت هذا القول الثالث ومأخذ الطريقتين علي ما ذكره الصيدلانى ان اصحابنا اختلفوا في نصين للشافعي ﵁ خالف الآخر الاول هل يكون الآخر رجوعا عن الاول ام لا منهم من قال نعم فعلى هذا لا ياتي في الجديد الا قول واحد انه لا يصح اقتداء القارئ بالامى ومنهم من قال لا يكون رجوعا لانه قد ينص في موضع واحد علي قولين فيجوز ان يذكرهما متعاقبين فعلى هذا يخرج قول آخر في الجديد كما سبق وإذا اثبتا القول الثالث فابو اسحق مسبوق به لانه قد ذهب إليه المزني وخرجه علي أصول الشافعي ﵁ وعكس صاحب الكتاب في الوسيط ما ذكره الجمهور في
القول الثاني والثالث فجعل الثاني قولا مخرجا والثالث منصوصه في القديم ثم الامي علي اصلنا هو الذي لا يحسن بعض الفاتحة أو كلها لخرس ونحوه ويدخل في هذا التفسير الارت وهو الذي يدغم حرفا في حرف في غير موضع الادغام وقال في التهذيب هو الذى يبدل الراء بالتاء والالثغ وهو الذى يبدل حرفا بحرف كالسين بالثاء فيقول المثتقيم أو الراء بالغين فيقول غيغ المغضوب ويدخل الذى في لسانه رخاوة
[ ٤ / ٣١٨ ]
تمنع أصل التشديدات والخلاف الذى ذكرناه في اقتداء القارئ بالامي فيما إذا لم يطاوعه لسانه أو طاوعه لكن لم يمض عليه من الزمان ما يمكنه التعلم فيه فإذا مضى وقصر بترك التعلم فلا يقتدى به بلا خلاف لان صلاته حينئذ مقضية يؤتى بها لحق الوقت كصلاة من لم يقدر علي الماء والتراب ويجوز اقتداء الامي بامي مثله لاستوائهما في النقصان كاقتداء المرأة بالمرأة ولو حضر رجلان كل واحد منهما يحسن بعض الفاتحة ان كان ما يحسنه هذا يحسنه ذاك جاز اقتداء كل واحد منهما بالاخر وان احسن أحدهما غير ما يحسنه الآخر فاقتداء أحدهما بالآخر كاقتداء القارئ بالامي ففيه الخلاف الذى سبق وعليه يخرج اقتداء الارت بالالثغ وبالعكس لان كل واحد منهما قارئ لما ليس صاحبه فيه بقارئ وتكره امامة التمتام والفأفاء ويجوز الاقتداء بهما لانهما لا ينقصان شيئا ويزيدان زيادة هما معذوران فيها وتكره امامة من يلحن في القراءة ثم ننظر ان كان لحنا لا يغير المعنى ولا يبطله كرفع الهاء من الحمد لله فتجوز صلاته وصلاة من اقتدى به وان كان يغير المعنى كقوله أنعمت عليهم أو يبطله كقوله المستقين فان كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فيلزمه ذلك فلو قصر وضاق الوقت صلي وقضي ولا يجوز الاقتداء به وان لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم فيه فان كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالامي وان كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه قال امام الحرمين ولو قيل ليس لهذا الذى يلحن في غير الفاتحة أن يقرأ ما يلحن فيه لانه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن ولا ضرورة إليه لما كان بعيدا والله أعلم * هذا تمام قسم الاخلال وان لم يخل بالقراءة فلا يخلو اما ان يكون رجلا أو امرأة أو خنثى مشكل فاما الرجل فيصح اقتداء الرجال والنساء به واما المرأة فيصح اقتداء النساء بها
ولا يصح اقتداء الرجل بها لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا اعرابي
[ ٤ / ٣١٩ ]
مهاجرا " ولا يجوز اقتداء الخنثى بها أيضا لجواز ان يكون رجلا واما الخنثي فيجوز اقتداء المرأة به لانه اما رجل أو امرأة واقتداؤها بالصنفين جائز ولا يجوز اقتداء الرجل به لاحتمال انه امرأة ولا اقتداء مشكل آخر لجواز ان يكون الامام امرأة والمأموم رجلا وحيث حكمنا بصحة الاقتداء فلا باس بكون الامام متيمما أو ماسحا علي الخف وكون المأموم متوضئا أو غاسلا ويجوز ايضا اقتداء السليم بسلس البول والطاهرة بالمستحاضة التي ايست بمتحيرة في أصح الوجهين كما يجوز الاقتداء بمن استجمر وبمن على وبه أو بدنه نجاسة معفو عنها (والثاني) وبه قال أبو حنيفة لا يجوز لان صلاتهما صلاة ضرورة ولا باس بصلاة القائم خلف القاعد خلافا لمالك حيث قال لا يجوز ذلك ولاحمد حيث قال إذا قعد الامام قعد القوم خلفه لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم " صلى قاعدا وابو بكر ﵁ والناس خلفه قيام " ويجوز اقتداء القائم والقاعد بالمضطجع خلافا لابي حنيفة: لنا القياس علي الصورة السابقة فانه سلمها: هذا آخر التقسيم وقد تبين به الاوصاف المشروطة في الامام ونعود الان الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) وكل مالا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء يدخل فيه من لا تصح صلاته أصلا ومن تصح صلاته صحة غير مغنية عن القضاء لان كل صلاة ليس لها الصحة ليس لها الصحة الخاصة وحكم
[ ٤ / ٣٢٠ ]
الضربين ما ذكره (وقوله) فلا يصح الاقتداء به مطلق وظاهره يقتضي ان لا يصح اقتداء من لم يجد ماء ولا ترابا بمثله كما لا يصح اقتداء غيره وهو الوجه الذى ذكرنا انه الموافق لاطلاق الاكثرين (وقوله) ومن صحت صلاته صح الاقتداء به يعني صحت صلاته الصحة المبينة في القسم الاول وهي المغنية عن القضاء (وقوله) الا اقتداء القارئ معلم بالزاى لان عند المزني هذه الصورة غير مستثناة كما سبق ثم نظم الكتاب لا يصرح الا باستثناء اقتداء القارئ بالامي عن هذا الضابط لكن اقتداء الرجل بالمرأة مستثني
عنه ايضا والمراد والا اقتداء الرجل بالمرأة وقد حصر امام الحرمين الاستثناء في هذين الموضعين وضم اليهما في الوسيط ثالثا وهو الاقتداء بالمقتدى ولك ان تقول قولنا من صحت صلاته صح الاقتداء به اما أن يريد به صحة اقتداء كل احد به أو يعنى صحة الاقتداء به في الجملة فان عندنا الاول فالاستثناء غير منحصر في الموضعين ولا في الثلاثة بل من صور الاستثناء الاقتداء بمن يتعين في
[ ٤ / ٣٢١ ]
زعم المأموم كونه محدثا وغير هذه الصورة علي ما تقدم وان عنينا الثاني فلا حاجة الي استثناء الامي إذ يصح اقتداء مثله به ولا استثناء المرأة إذ يصح اقتداء المرأة بها (وقوله) ومن لا يحسن حرفا من الفاتحة والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه اي فيحصل فيه الخلاف المذكور في اقتداء القارى بالامي
[ ٤ / ٣٢٢ ]
قال (فان اقتدي الرجل بخنثي فبان بعد الفراغ كونه رجلا وجب القضاء على اظهر القولين لوجود التردد في نفس الصلاة ولو بان بعد الفراغ كونه اميا أو محدثا أو جنبا فلا قضاء (ح) ولو بان كونه امرأة أو كافر اوجب القضاء لان لهما علامة ولو بان كونه زنديقا فوجهان) *
[ ٤ / ٣٢٣ ]
جميع ما سبق فيما إذا عرف المأموم حال الامام في الصفات المشروطة وجودا وعدما وغرض هذا الفصل الكلام فيما إذا ظن شيئا وتبين خلافه فمن صوره ما لو اقتدى رجل بخنثي وبان بعد الصلاة كونه رجلا وقد قدمنا ان هذا الاقتداء غير صحيح وإذا لم يصح فلا يخفي وجوب القضاء فلو لم يقض حتى بان كونه الامام رجلا فهل يسقط القضاء فيه قولان (احدهما) نعم لانه قد تبين كون الامام رجلا (واظهرهما) لا يسقط لانه كان ممنوعا من الاقتداء به للتردد في حاله وهذا التردد يمنع من صحة الصلاة وإذا لم تصح فلا بد من القضاء وقوله في الكتاب وجب القضاء على اظهر القولين ليس المراد منه استفتاح الوجوب وانما المراد استمراره على ما بينا ويجرى القولان فيما لو اقتدى خنثي بامرأة ولم يقض الصلاة حتى بان كونه امرأة وفيما إذا اقتدى خنثي بخنثى ولم يقض المأموم حتى بانا رجلين أو أمرأتين أو بان كون الامام رجلا وكون المأموم أمرأة وذكر الائمة لهذه الصور نظائر: منها لو باع
مال ابيه علي ظن أنه حى فبان أنه كان ميتا ففى صحة البيع قولان: ومنها لو وكل وكيلا بشرى شئ وباع ذلك الشئ من انسان علي ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد وكان قد اشتراه في صحة البيع قولان ومن مسائل الفصل ما لو اقتدى برجل ظنه متطهرا ثم بان بعدما صلي أنه كان جنبا أو محدثا فلا قضاء عليه خلافا لابي حنيفة حيث قال يجب ولمالك واحمد حيث قالا إن كان الامام عالما بحدثه وام مع ذلك وجب علي المأموم القضاء وأن لم يكن عالما لم يجب وحكي صاحب التلخيص مثل ذلك قولا للشافعي ﵁ منصوصا: لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم " دخل في صلاته واحرم
[ ٤ / ٣٢٤ ]
الناس خلفه ثم ذكر أنه جنب فاشار إليهم كما انتم ثم خرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ماء ولم يامرهم بالاعادة " وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " إذا صلي الامام بقوم وهو على غير وضوء اجزأتهم ويعيد هو " وايضا فانه غير مامور بالبحث عن حدث الامام وطهارته لانه لا علامة للمحدث والمتطهر يعرفان بهما فليس منه تقصير في الاقتداء به وكل مصل لنفسه ففساد صلاة الامام لا توجب فساد صلاة المأموم والمسألة فيما إذا لم يعرف المأموم حدثه أصلا فان علم حدثه ولم يتفرقا ولم يتطهر ثم اقتدى به ناسيا وجبت الاعادة وهي مفروضة في غير الجمعة فاما إذا اتفق ذلك في الجمعة فسياتي الكلام في بابها: ومنها لو اقتدى بمن ظنه قارئا فبان أنه أمي قال في التهذيب تجب الاعادة علي قولنا أن الصلاة خلف الامي لا تصح والذى ذكره في الكتاب أنه لا قضاء عليه كما لو بان جنبا ووجهه امام الحرمين بان البحث عن كون الامام قارئا لا يجب بل يجوز حمل الامر علي الغالب وهو أنه لا يؤم الا قارئ كما يجوز حمل الامر علي أنه متطهر فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بانت الجنابة قال وإذا كانت الصلاة جهرية فيظهر فيها أنه قارئ أو أمي فان لم يجهر فيها فحينئذ اختلف الاصحاب في أنه هل يجب البحث وما حكاه صاحب التهذيب في المسالة أقرب إلى سياق الاكثرين ويجوز أن يفرق بينه وبين ما إذا بان جنبا بان الحدث ليس بنقص في الشخص وهذا نقص فصار كما لو بان الامام كافرا أو أمرأة وأيضا فان الوقوف علي كونه قارئا أسهل من الوقوف على كونه متطهرا لان عروض الحدث وأن عرف أنه تطهر قريب وصيرورتة اميا بعدما سمعه يقرأ
[ ٤ / ٣٢٥ ]
في غاية البعد واما إذا أقتدى بمن لا يعرف حاله في صلاة جهرية ثم لم يجهر فحكاية العراقيين فيه عن نصه في الام أنه يلزمه الاعادة لان الظاهر أنه لو كان قارئا لجهر فلو سلم وقال أسررت ونسيت الجهر لم تجب الاعادة وتستحب وإذا وقفت علي ما ذكرنا أعلمت قوله فلا قضاء بالحاء والميم والالف وكذلك بالواو لامرين (احدهما) القول الذى حكاه صاحب التلخيص والثاني الخلاف الذى نقلناه في مسالة الامي (فان قلت) ولم قيد هذه الصور بما إذا بان الحال بعد الفراغ من الصلاة وكذلك قيد ما إذا اقتدى بخنثى وبان كونه رجلا بما بعد الفراغ وما الحكم لو بان ذلك قبل الفراغ من الصلاة (فالجواب) اما في صورة الخنثى فالقولان جاريان في الحالتين وحكى القاضي بن كج القولين فيما إذا اقتدى خنثي بامرأة ثم لم يخرج من الصلاة حتى بان للمأموم انه انثي وقد سبق أن هذه الصورة وصورة الكتاب يستويان في طرد القولين فاذن قوله بعد الفراغ في مسألة الخنثى ليس للتقييد واما إذا بان في الصلاة كونه جنبا أو محدثا فلا قضاء ايضا إذا اتم ويجب أن ينوى المفارقة كما علم الحال وكذلك الحكم فيما إذا بان في الصلاة كومه اميا علي ما ذكره في الكتاب وإذا اقتدى بمن ظنه رجلا فبان كونه أمرأة وجب القضاء لان المرأة تمتاز عن الرجل بالصوت والهيئة وسائر العلامات فالمقتدى منتسب الي التقصير بترك البحث وكذلك الحكم لو بان حنثى عند اكثر الاصحاب لان أمر الخنثى ينتشر في الغالب ولا يخفي إذ النفوس مجبولة علي التحدث بالاعاجيب واشاعتها وعن صاحب التلخيص انه لا تجب الاعادة إذا بان خنثى ولو اقتدى بمن ظنه مسلما فبان كافرا ينظر ان كان كافرا يتظاهر بكفره كاليهودي والنصراني وجب القضاء لمعنيين (احدهما) ذكره الشافعي ﵁ وهو أن الكافر لا يجوز ان يكون اماما بحال لنقص فيه بخلاف الجنب فانه لا يجوز ان يكون اماما لحالة عارضة لا لصفة نقصان وايضا فالجنب إذا تيمم يجوز ان يؤم مع ان حدثه باق (والثانى) ذكره الاصحاب وهو الذى اورده في الكتاب أن للكافر أمارات يعرف بها من الغيار وغيره فالمقتدى مقصر بترك البحث وأن كان كافرا يظهر الاسلام ويسر الكفر كالزنديق والدهرى والمرتد الذى يخفي ردته خوفا من القتل ففي وجوب القضاء وجهان بناهما العراقيون علي المعنيين أن قلنا بالاول وجب القضاء
لانه لا يجوز أن يكون اماما بحال لنقصان فيه وأن قلنا بالثاني لا يجب وهذا الثاني اصح عند صاحب التهذيب وجماعة ولو اقتدى برجل ثم بان أنه كان على بدنه أو ثوبه نجاسة فان كانت خفية فهو
[ ٤ / ٣٢٦ ]
كما لو بان الحدث وأن كانت ظاهرة فقد قال امام الحرمين فيه احتمال عندي لانه من جنس ما يخفي وقوله في الكتاب ولو بان كونه أمرأة أو كافرا يعنى كافرا لا يستشر بكفره ومسألة الزنديق بعده توضحه وليكن قوله وجب القضاء معلما بالزاء لان عند المزني لا يجب القضاء لا فيما إذا بان أمرأة ولا فيما إذا بان كافرا * قال (ويصح الاقتداء بالصبى والعبد والاعمي وهو اولي (ح) من البصير لانه اخشع) في الفصل صور (احداها) الاقتداء بالصبى المميز صحيح خلافا لابي حنيفة ومالك واحمد ﵏ حيث قالوا الا يصح الاقتداء به في الفرض واختلفت الرواية عنهم في النفل لنا ما روى أن عمرو ابن سلمة " كان يؤم قومه علي عهد رسول الله ﷺ وهو ابن سبع سنين " ولا خلاف في أن البالغ أولي منه (والثانية) الاقتداء بالعبد صحيح من غير كراهة لكن الحر اولي منه وعند ابي حنيفة أنه تكره امامته لنا ما روى أن عائشة ﵂ كان يؤمها عبد لها لم يعتق يكنى
[ ٤ / ٣٢٧ ]
ابا عمر وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " اسمعوا واطيعوا ولو أمر عليكم عبد اجدع ما اقام فيكم الصلاة " واعلم أن الصورتين فيما إذا اما في غير الجمعة فاما في الجمعة فسيأتي (الثالثة) امامة الاعمى صحيحة لما روى أن النبي ﷺ " استخلف ابن أم مكتوم ﵁ في بعض غزواته يؤم الناس " وهل هو أولى من البصير أم كيف الحال فيه ثلاثة اوجه الذى ذكره في الكتاب ويحكي عن أبي اسحق المروزى أن الاعمي اولي لانه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله فيكون ابعد عن تفرق القلب واخشع والثاني وبه قال أبو حنيفة أن البصير أولى لانه احفظ لبدنه وثيابه
[ ٤ / ٣٢٨ ]
عن النجاسات ولانه مستقل بنفسه في الاستقبال وهذا اختيار الشيخ أبي اسحق الشيرازي (والثالث)
وهو المنقول عن نصه في الام وغيره انهما سواء لتعارض المعنيين وهذا هو المذهب عند عامة الاصحاب ولم يورد الصيدلاني والامام وصاحب التهذيب سواه * قال (والافقه الصالح الذى يحسن الفاتحة أولي من الاقرأ والاورع والاسن والنسيب وفى الاسن والنسيب قولان لتقابل الفضيلة وإذا تساوت الصفات قدم بحسن الوجه ونظافة الثوب) ما ذكره في اول الفصل الثاني إلى هذا الموضع كلام فيمن يجوز الاقتداء به ومن لا يجوز ومن ههنا الي اخر الفصل كلام فيمن هو اولي بالامامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها والاصل في التقديم بالفضائل ما روى أنه ﷺ " قال يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله تعالى فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة وان كانوا في السنة سواء فاقدمهم في الهجرة فان كانوا في الهجرة سواء فاكبرهم سنا " وقد تعرض في الكتاب لخمس خصال من اصول خصال التقديم وهى الفقه والقراءة والورع والسن والنسب وابدل كثير من الاصحاب الورع بالهجرة وقالوا صفات التقديم خمس وجمع بينهما في التهذيب وضم اليهما الاربع البواقى فجعلها ستا اما الفقه والقراءة فالمراد منهما ظاهر واما الورع فليس المراد منه مجرد العدالة بل ما يزيد عليه من العفة وحسن السيرة وهو ايضا بين واما السن فقد قال الاصحاب المعتبر ان يمضي عليه في الاسلام فلا يقدم شيخ أسلم اليوم علي شاب نشأ في الاسلام ولا علي شاب أسلم أمس والظاهر أنه لا تعتبر الشيخوخة وانما النظر إلى تفاوت السن علي ما يشعر به قوله صلي الله عليه وسلم " فاكبرهم سنا " واشار بعضهم الي أن النظر الي الشيخوخة واما النسب فلا خلاف أن نسب قريش معتبر وهل يعتبر غيره قال في النهاية رأيت في كلام الائمة ترددا فيه والظاهر أنه لا يختص بالانتساب الي قريش بل نراعى كل نسب يعتبر في الكفاءة في باب النكاح كالانتساب الي العلماء والصلحاء وعلي هذا فالهاشمي والمطلبى يقدمان
[ ٤ / ٣٢٩ ]
علي سائر قريش وسائر قريش يقدمون على غيرهم ثم يقدم العرب علي العجم واما الهجرة فمن هاجر الي رسول الله ﷺ يقدم علي من لم يهاجر ومن تقدمت هجرته يقدم علي من تأخرت هجرته وكذلك الهجرة بعد الرسول صلي الله عليه وسلم وسلم من دار الحرب
الي دار الاسلام معتبرة واولاد من هاجر أو تقدمت هجرته يقدمون علي اولاد غيرهم وهذا التقديم في الاولاد يندرج تحت شرف النسب هذا مقدمة الفصل ويتلوها مسائل (احداها) لو اجتمع عدل وفاسق فالعدل أولي بالامامة وأن اختص الفاسق بزيادة الفقه والقراءة وسائر الفضائل لان الفاسق يخاف منه أن لا يحافظ علي الشرائط وفى لفظ الكتاب اشارة الي هذا حيث قال والافقه الصالح إلى اخره وشرط الصلاح في تقديم الافقه على غيره وبالغ مالك فمنع الاقتداء بالفاسق بغير تأويل كشارب الخمر والزاني وعنه روايتان في الفاسق بالتأويل كمن يسب السلف الصالح وعن احمد روايتان في جواز الاقتداء
[ ٤ / ٣٣٠ ]
بالفاسق مطلقا (أصحهما) المنع ونحن اقتصرنا علي الكراهة وجوزناه لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " صلوا خلف كل بر وفاجر " ويمكنك أن تستدل بكراهة الاقتداء بالفاسق علي كراهة الاقتداء بالمبتدع بطريق الاولي لان فسق الفاسق يفارقه في الصلاة واعتقاد المبتدع لا يفارقه وهذا فيمن لا يكفر ببدعته اما من يكفر فلا يجوز الاقتداء به كما سبق وعد صاحب الافصاح من يقول بخلق القرآن أو بنفي شئ من صفات الله تعالي ممن يكفر وكذلك جعل الشيخ أبو حامد ومتابعوه المعتزلة ممن يكفر والخوارج ممن لا يكفر ويحكى تكفير القائل بخلق القرآن عن الشافعي ﵁ واطلق كثير من الاصحاب منهم القفال القول بجواز الاقتداء باهل البدع وانهم لا يكفرون قال في العدة وهو ظاهر
[ ٤ / ٣٣١ ]
مذهب الشافعي ﵁ لقوله ﷺ " صلوا علي من قال لا اله الا الله وخلف من قال لا اله الا الله " (الثانية) قال صاحب التهذيب والتتمة الاورع اولي من الافقه والاقرأ لان الامامة سفارة بين الله تعالي وبين الخلق فأولاهم بها أكرمهم علي الله تعالى وروى مثله عن الشيخ ابى محمد وهذا خلاف ما ذكره في الكتاب فانه قدم الافقه على الاقرأ والاورع وهو أظهر وأوفق لاطلاق الاكثرين ووجهه ما سيأتي في تقديم الافقه على الاقرأ وينبغى ان يعلم لفظ الاورع بالواو لذلك (الثالثة) إذا اجتمع شخصان أحدهما لا يقرأ الا ما يكفى في الصلاة لكنه صاحب فقه كثير والآخر يحسن القرآن كله وهو قليل الفقه فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب ان الافقه أولي خلافا لابي حنيفة واحمد حيث
قالا الاقرأ اولى احتجاجا بالخبر الذى تقدم فانه قدم الاقرا علي الاعلم بالسنة وهو الافقه: لنا ان الواجب في الصلاة محصور والوقائع الحادثة في الصلاة غير محصورة فالحاجة إلى الفقه اهم واجاب الشافعي ﵁ عن الاحتجاج بالخبر بان اهل العصر الاول كانوا يتفقهون قبل ان يقرؤا وما كان يوجد منهم قارئ الا وهو فقيه وإذا كان كذلك فالذي يقتضيه الخبر تقديم القارئ الفقيه على
[ ٤ / ٣٣٢ ]
الفقيه الذى ليس بقارئ وذلك مما لا نزاع فيه وكذلك تقديم الجامع لهما علي القارئ الذي ليس بفقيه وحكي القاضي الرويانى وغيره وجها آخر ان الاقرأ والافقه يستويان لتقابل الفضيلتين فليكن قوله اولي من الاقرأ معلما بالواو مع الحاء والالف وانما قال الذى يحسن الفاتحة اشارة إلى ان الافقه لو لم يحسن الواجب من القراءة لا يكون أولي من الاقرأ وانما الاولوية بشرط ان يقرأ ما يجب (الرابعة) تقدم كل واحدة من خصلتي الفقه والقراءة علي السن والنسب والهجرة ونص في صلاة الجنازة علي تقديم الاسن علي الافقه كما سيأتي في موضعه فحكي صاحب النهاية ان العراقيين حكوا عن بعض الاصحاب جعل المسألتين على قولين نقلا وتخريجا فيجوز ان يعلم بالواو لذلك لفظ الاسن أيضا وإذا استويا فيهما فبماذا يقع التقديم اما المتعرضون للهجرة فقد اختلفت طرقهم قال الشيخ أبو حامد وجماعة لا خلاف في تقدم السن والنسب جميعا علي الهجرة وفى السن وفى النسب إذا تعارضا فاجتمع شاب قرشي وشيخ غير قرشي قولان (الجديد) ان الشيخ أولى لما روى
[ ٤ / ٣٣٣ ]
انه صلي الله عليه وسلم قال " وليؤمكم أكبركم " ولان النسب فضيلة في الآباء والسن فضيلة في ذات الشخص واعتبار الفضيلة التى في ذاته أولي (والقديم) ان الشاب النسيب أولى لقوله صلي الله عليه وسلم " قدموا قريشا " ولان شرف النسب بفضيلة اكتسبها الاباء والسن مضي زمان لا اكتساب فيه واعتبار الفضيلة المكتسبة أولي وعكس صاحب التهذيب والتتمة الترتيب فقال الهجرة مقدمة علي السن والنسب وفيهما القولان وادرج آخرون منهم صاحب المهذب الهجرة في حكاية القولين فقالوا في الجديد يقدم بالسن ثم بالهجرة ثم في القديم يقدم بالنسب ثم بالهجرة
ثم بالسن: واما صاحب الكتاب ومن لم يتعرض للهجرة اقتصروا على ذكر القولين في السن والنسب وطريقتهم توافق ما ذكره الشيخ أبو حامد فانهم يرجحون بالهجرة بعد السن والنسب لا محالة وان لم يعدوها من اصول الخصال ورجح جماعة من الاصحاب القول
[ ٤ / ٣٣٤ ]
القديم في المسألة علي خلاف الغالب (الخامسة) إذا تساويا في جميع الصفات المذكورة قدم بنظافة الثوب والبدن عن الاوساخ وطيب الصنعة وحسن الصوت وما اشبهها من الفضائل لانها تفضى الي استمالة القلوب وكثرة الجمع وحكي الاصحاب عن بعض متقدمي العلماء انهم قالوا يقدم احسنهم واختلفوا في معناه منهم من قال احسنهم وجها وجعلوا له اعتبارا في التقديم ومنهم من قال المراد منه حسن الذكر بين الناس والاول هو المذكور في الكتاب ويجوز ان يعلم بالواو ثم ليس في لفظ الكتاب ما يوجب تقديم حسن الوجه علي نظافة الثوب ولا عكسه وفى التتمة انه تقدم
[ ٤ / ٣٣٥ ]
النظافة ثم حسن الصوت ثم حسن الصورة * قال (واما باعتبار المكان فالوالي أولي من المالك والمالك أولي من غيره والمكترى أولي من المكري والمعير أولى من المستعير (ح م) والسيد أولى من العبد الساكن) ما ذكرنا من الاسباب المقدمة صفات في الشخص وقد يكون التقدم باعتبار اقتضاء المكان التقديم لا باعتبار صفة فيه فالوالى في محل ولايته أولي من غيره وان اختص ذلك الغير بالخصال التي سبقت روى انه ﷺ قال " ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه " وكان ابن عمر ﵄ يصلى خلف الحجاج ويتقدم علي الامام الراتب في المسجد وكذلك يتقدم علي مالك الدار ونحوها إذا اجتمعوا في
[ ٤ / ٣٣٦ ]
موضع مملوك ورضي المالك باقامة الجماعة فيه لان تقدم غيره بحضرته لا يليق ببذل الطاعة فان اذن فلا بأس ثم يراعى في الولاة تفاوت الدرجة فالامام الاعظم أولى من غيره ثم الاعلي فالاعلي من الولاة والحكام وحكى القاضي ابن كج وآخرون قولا آخر ان في المواضع المملوكة المالك أولي
من الوالي فليكن قوله أولي من المالك معلما بالواو لذلك ولو اجتمع قوم في موضع مملوك وليس فيهم الوالي فساكن الموضع باستحقاق أولي بالتقديم والتقدم من الاجانب عن ذلك الموضع فان لم يكن اهلا للتقدم فهو أولي بالتقديم روى عن ابن مسعود ﵁ انه قال " من السنة ان لا يؤمهم الا صاحب البيت " ولا فرق بين ان يكون الساكن عبدا أسكنه سيده فيه أو حرا مالكا كان أو مستعيرا أو مستأجرا ولو كانت الدار مشتركة بين شخصين وهما حاضران أو احدهما والمستعير من الآخر فلا يتقدم غيرهما الا باذنهما ولا احدهما الا باذن الآخر وان لم يحضر الا احدهما فهو الاحرى ولو اجتمع مالك الدار والمكتر فايهما أولي فيه وجهان نقلهما القاضي الرويانى وغيره (اصحهما) وهو المذكور في الكتاب أن المكتر أولي لان استحقاق المنافع له وهذا استيفاء للمنافع والثانى أن المكرى أولى لانه المالك للرقبة ولو اجتمع المعير والمستعير فقد نقل عن القفال اختلاف الجواب فيه قال مرة المعير أولي لانه يملك الرقبة ويملك الرجوع في المنفعة وقال مرة المستعير اولي لانه صاحب السكني الي أن يمنع وهذا ما ذكره آخرا ورجع إليه ولم يورد صاحب التهذيب سواه لكن الاظهر عند الائمة الاول وهو الذى ذكره في الكتاب واما إذا اجتمع السيد والعبد الساكن فالسيد أولي ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في المعير والمستعير لان فائدة الكون ثم ترجع إلى المستعير فيجوز أن يدام له الحق ما لم يرجع المعير
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وفائدة سكون العبد في الدار ترجع إلى السيد ايضا لانه ملكه فإذا حضر وهو المالك والمنتفع بالسكون كان أولى ولا فرق بين المأذون في التجارة وغيره ولو حضر السيد والمكاتب في دار المكاتب فالمكاتب أولي ولو حضر قوم في مسجد له امام راتب فهو أولى من غيره فان لم يحضر بعد يستحب أن يبعث إليه ليحضر فان خيف فوات اول الوقت استحب أن يتقدم غيره * قال (الفصل الثالث في شرائط القدوة) (ويرجع ذلك الي شروط ستة (الاول) أن لا يتقدم في الموقف علي الامام فان فعل لم تنعقد (م و) صلاته والاحب أن يتخلف ولو ساواه فلا باس ثم ان ام باثنين اصطفا خلفه وأن ام بواحد وقف عن يمينه والخنثى يقف خلف الرجل والمرأة خلف الخنثي ويكره أن يقف المقتدى منفردا بل تستحب أن
يدخل الصف أو يجر الي نفسه واحدا فان لم يفعل صحت صلاته مع الكراهية وإن تقابل الامام والمأموم داخل الكعبة فلا باس وان كان المأموم اقرب إلى الجدار في جهة من الامام ففيه وجه أنه لا يصح) * غرض الفصل الكلام في شروط الاقتداء ويتضمنها امور مستحبة ويعقبها فروع: فأما الشروط فقد عدها ستة (أحدها) ان لا يتقدم المأموم علي الامام في جهة القبلة فان تقدم ففيه قولان (الجديد) ان صلاته لا تنعقد كما لو كان متقدما عند التحرم وتبطل لو تقدم في خلالها وبهذا قال أبو حنيفة واحمد لان المخالفة في الافعال مبطلة على ما سيأتي وهذه المخالفة أفحش من المخالفة في الافعال وهذا هو الذى أورده في الكتاب (والقديم) وبه قال مالك انه لا يخل بالصلاة لانه خطأ في الموقف فاشبه الخطأ بالوقوف علي اليسار إذا عرفت حكم التقدم عرفت أن هذا الشرط مختلف فيه وادراجه في الشروط جواب علي الجديد والادب للمأموم انه يتخلف عن موقف الامام قليلا إذا كان واحدا فان أم به اثنان فصاعدا فيصطفون خلفه ويكون بينهم وبين الامام قدر من التخلف صالح كما سيأتي ولو ساوى الامام المأموم فلم يتخلف ولا تقدم صحت صلاته قال صاحب النهاية والتهذيب وغيرهما والاعتبار في المساواة والتقدم بالعقب فان المأموم قد يكون اطول فيتقدم رأسه عند السجود والقدم والاصابع قد تكون اطول ايضا فلذلك وقع الاعتبار بالعقب فان تحاذى عقب الامام وعقب
[ ٤ / ٣٣٨ ]
المأموم أو تقدم عقب الامام جاز وإن كانت اصابع المأموم متقدمة ولو تقدم عقب المأموم فهو موضع القولين وإن كانت اصابعه متأخرة أو محاذية وذكر في التتمة وجها آخر أنه تصح صلاته نظرا إلى الاصابع وفى الوسيط ذكر الكعب بدل العقب والوجه الاول هذا فيمن بعد عن البيت اما إذا صلوا جماعة في المسجد الحرام فالمستحب أن يقف الامام خلف المقام ويقف الناس مستديرين بالكعبة فان كان بعضهم اقرب إليها نظر أن كان متوجها الي الجهة التي توجه إليها الامام ففيه القولان القديم والجديد وإن كان متوجها الي غيرها فطريقان عن أبى اسحق المروزى أنه علي القولين وقال اكثر الاصحاب يجوز قولا واحدا لان رعاية القرب والبعد في غير جهة الامام مما يشق وبهذا قال أبو حنيفة ولو وقف الامام والمأموم داخل الكعبة فهذه المسألة هي التى أوردها في آخر الفصل وحكمها أنه يجوز الاقتداء
فيها مع اتحاد جهة الامام والمأموم ومع اختلاف الجهتين فان الكل قبلة ثم إن اتحدت الجهة وولى المأموم ظهره وجه الامام عاد القولان لانه اقرب إلى الجدار الذى توجها إليه وإن اختلفت الجهة وكان المأموم اقرب إلى الجدار الذى توجه إليه من الامام إلى ما توجه إليه وفرعنا على الجديد فوجهان (اظهرهما) أنه لا يجوز كما لو اتحدت الجهة وكان اقرب (واظهرهما) أنه يجوز لان اختلاف الجهة اعظم من تفاوت المسافة فإذا احتملنا ذلك فلا يبقى معه معنى النظر الي القرب والبعد (وقوله) فان كان المأموم اقرب إلى الجدار في جهته من الامام ففيه وجه انه يصح ما يشعر بترجيح الوجه الثاني لانه بين أنه لا باس بتقابل الامام والمأموم وهذا مطلق يتناول ما إذا كان المأموم أقرب الي الجدار وما إذا لم يكن ثم بين أن للاصحاب وجها آخر في الحالة الاولي ولك أن تقرأه علي وجه آخر فتقول وان كان المأموم أقرب وتعلقه بقوله فلا باس ثم تقول وفيه وجه أنه لا يصح ولو وقف الامام في الكعبة والمأموم خارجا يجوز وله التوجه الي أي جهة شاء ولو وقفا بالعكس جاز ايضا لكن لو توجه الي الجهة التي توجه إليها الامام عاد القولان لانه حينئذ يكون سابقا علي الامام ثم الفصل يشتمل علي مسألتين سوى ما ذكرنا (احداهما) لو لم يحضر مع الامام الا ذكر فان كان واحدا وقف علي يمين الامام
[ ٤ / ٣٣٩ ]
بالغا كان أو صبيا ولو وقف علي يساره أو خلفه لم تبطل صلاته " وقف ابن عباس ﵄ علي يسار رسول الله صلي الله عليه وسلم فاداره إلى يمينه " فان جاء ماموم آخر وقف على يساره وأحرم ثم إن امكن تقدم الامام وتاخر المأمومين لسعة المكان من الجانبين تقدم أو تأخرا وأيهما اولى فيه وجهان (احدهما) وبه قال القفال أن تقدمه أولى لانه يبصر ما بين يديه فيعرف كيف يتقدم (واصحهما) ولم يذكر الاكثرون سواه أن تأخرهما أولي لما روى عن جابر ﵁ قال " صليت مع رسول الله ﷺ فقمت عن يمنه ثم جاء آخر فقام عن يساره فدفعنا جميعا حتى اقامنا من خلفه " وإن لم يمكن الا التقدم أو التاخر لضيق المكان من أحد الجانبين حافظوا على الممكن وهذا في القيام أما إذا لحق الثاني في التشهد أو في السجود فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا وإن حضر معه في الابتداء رجلان أو رجل وصبى قاما خلفه صفا واحدا وانه لم يحضر معه الا الاناث يصفهن
خلفه سواء الواحدة والاثنتان والثلاث فصاعدا وإن حضر مع الامام رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه وقامت المرأة خلف الرجل وان حضرت امرأة مع رجلين أو مع رجل وصبي قام الرجلان أو الرجل والصبى خلف الامام صفا وقامت المرأة خلفهما روى عن انس ﵁ قال " صليت انا ويتيم خلف رسول الله ﷺ في بيتنا وأم سليم خلفنا " وان كان معه رجل وامرأة وخنثى وقف الرجل عن يمنه والخنثى خلفهما لاحتمال أنه امرأة والمرأة خلف الخنثى لاحتمال انه رجل وإن حضر رجال وصبيان وقف الرجال خلف الامام في صف أو صفوف والصبيان خلفهم وعن بعض الاصحاب أنه يوقف بين كل رجلين صبيا ليتعلموا منهم افعال الصلاة ولو حضر معهم نساء اخر صف النساء عن صف الصبيان واما النساء الخلص إذا اقمن الجماعة فقد ذكرنا انهن كيف
[ ٤ / ٣٤٠ ]
يقفن وكل هذا استحباب ومخالفته لا تؤثر في بطلان الصلاة بحال وقال أبو حنيفة إذا وقفت المرأة بجنب رجل وهما في صلاة واحدة بطلت صلاته إذا اجتمعا في الركوع وقبله لا يؤثر بل لو وقفت بجنبه وتقدم بخطوة قبل أن يركع لم بضر والمعنى بقوله في صلاة واحدة ان يكونا مقتديين بامام واحد أو تكون مقتدية به ثم ان كانا مقتديين بامام واحد بطلت صلاة من وقفت بجنبه دون صلاتها وان اقتدت به بطلت صلاته وصلاتها وصلاة جميع القوم قال فلو وقفت امرأة في خلال الصفوف بطلت صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها ورجل يحاذيها من خلفها ولو كان خلف صف النساء صف الرجال أو صفوف بطلت صلاتهم الا إذا كان صفهم اطول من صف النساء فيصح صلاة الخارجين عن محاذاة النساء وتصح صلاة الصفوف الاخر خلف ذلك الصف الطويل وساعدنا في صلاة الجنازة انه لا تبطل صلاة أحد ولا يخفى عليك بعد التفصيل الذى ذكرناه في آداب الموقف ان قوله في الكتاب ثم ان ام باثنيين اصطفا خلفه وان ام بواحد وقف علي يمينه يعني به من الذكور والا فقد يختلف الحكم واعلم ان التفصيل المذكور في أدب وقوف الرجال مفروض فيما إذا لم يكونوا عراة فاما العراة فيقفون صفا واحدا ويقف امامهم وسطهم وسببه ظاهر (المسالة الثانية) إذا دخل رجل والقوم في الصلاة فيكره ان يقف منفردا خلف الصف بل ان وجد
فرجة أو سعة في الصف دخل الصف وله ان يخرق الصف الآخر ان لم يجد فرجة فيه ووجدها في صف قبله لانهم قصروا حيث لم يتموه ولو لم يجد فرجة أو سعة في الصف فما الذى يفعل حكى عن نصه في البويطى أنه يقف منفردا ولا يجذب الي نفسه احدا لانه لو جذب واحدا إلى نفسه لفوت
[ ٤ / ٣٤١ ]
عليه فضيلة الصف الاول ولاوقع الخلل في الصف وبهذا قال القاضي أبو الطيب ونقله في البيان عن مالك ﵁ وقال أكثر الاصحاب أنه يجر الي نفسه واحدا لما روى أنه ﷺ قال لرجل صلي خلف الصف " ايها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلا من الصف فيصلى معك أعد صلاتك " قالوا وانما يجره بعد ان يتحرم بالصلاة ويستحب للمجرور ان يساعده وذلك مما يدل علي ان العمل القليل لا يبطل الصلاة والمذكور في الكتاب هذا الذى قاله الاكثرون فانه قال يدخل الصف أو يجر الي نفسه واحدا وليكن قوله أو يجر معلما بالميم والواو لما ذكرناه وعلي كل حال فلو وقف منفردا وصلي صحت صلاته خلافا لاحمد ﵁ لظاهر الخبر الذى نقلناه ونحن حملناه على الاستحباب " لان ابا بكرة دخل والنبي صلي الله عليه وسلم راكع فركع قبل ان يصل الي الصف ثم دخل الصف فذكر ذلك للنبى صلي الله عليه وسلم فقال زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره بالاعادة مع انه اتى ببعض الصلاة منفردا خلف الصف ولفظ الكتاب في المسألة يشمل الداخل في اثناء الصلاة والحاضر في الابتداء واجراؤه على ظاهره جائز صحيح لكن الظاهر أنه اراد الداخل على ما ذكره في الوسيط
[ ٤ / ٣٤٢ ]
قال (الشرط الثاني الاجتماع في الموقف بين الامام والمأموم اما بمكان جامع كالمسجد فلا يضر فيه التباعد واختلاف البناء أو بالتقارب كقدر غلوة سهم يسمع فيها صوت الامام في الساحات المنبسطة ملكا كان أو وقفا أو مواتا مبنيا أو غير مبنى واما باتصال محسوس عند اختلاف البناء كما إذا وقف في بيت آخر علي يمين الامام فلا بد من اتصال الصف بتواصل المناكب ولو وقف في علو والامام في سفل فالاتصال بموازاة رأس احدهما ركبة الآخر وان وقف في بيت آخر خلف
الامام فالاتصال بتلاحق الصفوف علي ثلاثة اذرع وذلك كاف على أصح الوجهين فان زاد علي ثلاثة أذرع لم تصح القدوة علي أظهر الوجهين) (فرع) لو كان الامام في المسجد والمأموم في موات فان لم يكن حائل صح علي غلوة سهم ولو كان بينهما حائل أو جدار لم يصح وان كان مشبك أو باب مردود غير مغلق فوجهان ولو كان بينهما شارع مطروق أو نهر لا يخوضه الا السابح فوجهان) * مما يجب معرفته في الفصل ان العلم بالافعال الظاهرة من صلاة الامام مما لا بد منه اتفق عليه الاصحاب وحكوه عن نص الشافعي ﵁ ووجهوه بانه لو لم يعلمها لكانت صلاته موقوفة على صلاة من لا يتمكن من متابعته ثم العلم قد يكون بمشاهدة الامام أو بمشاهدة بعض الصفوف وقد يكون بسماع صوت الامام أو صوت المترجم في حق الاعمي والبصير الذى لا يشاهد لظلمة أو غيرها وقد يكون بهداية غيره ان كان اعمى أو كان أصم وهو في ظلمة وهذا في الحقيقة شرط من شروط القدوة زائد علي ما ذكره في الكتاب وحيث نحكم بجواز الاقتداء في الفصل عند بعد المسافة أو قربها مع الحائل أو دونه فذلك بعد حصول هذا الشرط إذا عرفت ذلك فنقول الامام والمأموم اما ان يكونا جميعا في المسجد أو لا يكون واحد منهما في المسجد أو يكون احدهما في المسجد والآخر خارجه فهذه ثلاثة اقسام ومتن الكتاب يشتمل عليها جميعا: اما الاول فمتي كان الامام والمأموم في مسجد واحد صح الاقتداء قربت المسافة بينها أو بعدت لكبر المسجد اتحد البناء الذى وقفا فيه أو اختلف كصفة المسجد وصحته وانما كان كذلك لان المسجد كله مبنى للصلاة واقامة الجماعة فيه فالمجتمعون فيه مجتمعون لاقامة الجماعة مؤدون لشعارها فلا يضرهم بعد المسافة واختلاف الابنية فلو كان احدهما على المنارة المبنية في المسجد والاخر في سرداب فيه صحت الصلاة وكذا لو كان الامام
[ ٤ / ٣٤٣ ]
في المسجد والمأموم على السطح يجوز إذا تأخر موقف المأموم عن موقف الامام أو حازاه فان تقدم ففيه القولان السابقان في تقدم المأموم علي الامام وقد روى " أن ابا هريرة ﵁ صلي على ظهر المسجد بصلاة الامام في المسجد " ثم لا يخفى أن المسألة مفروضة فيما إذا كان
السطح من المسجد اما لو كان السقف مملوكا فليست المسألة من هذا القسم وانما هي بمثابة ملك متصل بالمسجد وقف احدهما فيه والبنا آن من المسجد الواحد لابد وان يكون باب احدهما نافذ الي الثاني والا فلا يعدان مسجدا واحدا وإذا كان كذلك فلا فرق بين ان يكون الباب بينهما مفتوحا أو مردودا مغلقا أو غير مغلق وحكي في النهاية وجها آخر انه لو كان الباب بينهما مغلقا لم يجز الاقتداء لان الامام والمأموم حينئذ لا يعدان مجتمعين ونقل القاضى ابن كج عن ابى الحسين بن القطان مثل ذلك فيما إذا كان أحدهما علي السطح وكان باب المرقى مغلقا وكل واحد منها زيف ما حكاه (وقوله) في الكتاب اما بمكان جامع الي ان قال واختلاف البناء هذا كلام القسم الاول وأراد بكونه جامعا انه لابد وان يكون الامام والمأموم مجتمعين في الموقف علي ما ترجم هذا الشرط به ومن اسباب الاجتماع ان يكون الموضع مبنيا للصلاة فيكون جامعا لهما وان اختلف البناء وبعدت المسافة ولعله لو قال وهو المسجد بدل قوله كالمسجد لكان أحسن لان الكاف للتشبيه والتمثيل ولا مكان سوى المسجد يكون جامعا ثم لك مباحثة في قوله كالمسجد وهى ان تقول اللفظ يشمل المسجد الواحد والمسجدين (فما قولكم فيما) إذا وقف هذا في مسجد وذاك في مسجد اخر متصل به أو غير متصل ايكون الحكم كالحكم فيما لو وقفا في مسجد واحد أو لا يكون كذلك وظاهر اللفظ متروك (والجواب) ان ابا سعيد المتولي ﵀ ذكر فيما إذا كان بين مسجديين طريق فاصل أن ظاهر المذهب انه ليس حكمهما حكم المسجد الواحد وفى التهذيب انه لو كان بين الامام والمأموم الواقفين في المسجد نهر ان حفر بعد بناء المسجد فالنهر مسجد ايضا فلا يضر وان حفر قبله فهما مسجدان غير متصلين فلا بد من اتصال الصف من احدهما إلى الاخر فافاد ما ذكراه ان الطريق والنهر يوجبان تغاير حكم المسجد وتمايزهما وإذا كان كذلك فالجدار الحائل بين مسجدين لا ينفذ باب احدهما إلى الآخر اولى ان يكون موجبا لتغاير الحكم وفى كلام الشيخ ابي محمد انه لو كان في
[ ٤ / ٣٤٤ ]
جوار المسجد مسجد آخر ينفرد بامام ومؤذن وجماعة فيكون حكم كل واحد منهما بالاضافة إلى الثاني كالملك المتصل بالمسجد وهذا كالضابط الفارق بين المسجد الواحد والمسجدين وظاهره
يقتضي تغاير الحكم إذا انفرد بالامور المذكورة وان كان باب احدهما لافظا الي الثاني والله اعلم * واما رحبة المسجد فقد عدها الاكثرون منه ولم يذكروا فرقا بين ان يكون بينها وبين المسجد طريق أو لا يكون ونزلها القاضى ابن كج إذا كانت منفصلة منزلة مسجد آخر وقوله واختلاف البناء يجوز أن يعلم بالواو لانه يشمل ما إذا كان بينهما باب مغلق وقد حكينا فيه خلافا (القسم الثاني) ان لا يكون واحد منها في المسجد فلهما حالتان (احداهما) ان يكونا في فضاء واحد ويشتمل عليها قوله أو بالتقارب الي قوله غير مبني وحكمها ان يجوز الاقتداء بشرط القرب وهو أن لا يزيد بين الامام والمأموم الذي يليه علي ثلثمائة ذراع ومم اخذ هذا التقدير: اختلفوا فيه فعن ابن خيران وابن الوكيل وبه قال الاكثرون أنه اخذ
[ ٤ / ٣٤٥ ]
عرف الناس وعادتهم لان المكان إذا اتسع ولا حائل يعده المتباعدان ضربا من البعد مجتمعين وعن ابن سريج وأبى " اسحق أنه اخذ من صلاة رسول الله صلي الله عليه وسلم بذات الرقاع فانه تنحي بطائفة إلى حيث لا تصيبهم سهام العدو وصلي بهم ركعة وانصرفت الطائفة إلى وجه العدو وهم في الصلاة علي حكم الاقتداء وسهام العرب لا تبلغ اكثر من القدر المذكور " واعلم أن هذه الكيفية في صلاة ذات الرقاع رواها ابن عمر ﵄ والذى ذكرها المصنف في صلاة الخوف غير هذه وسنذكرهما إن شاء الله تعالي: ثم القدر المذكور من أي شئ اخذ معتبر بالتقريب
[ ٤ / ٣٤٦ ]
على اصح الوجهين لا بالتحديد ولو وقف شخصان أو صفان خلف الامام فالمسافة المذكورة تعتبر بين الصف الاخير وبين الصف الاول ويجوز أن تكثر الصفوف ويبلغ ما بين الامام والصف الاخير فرسخا وحكى وجه أنها تعتبر بين الامام والصف الاخير إذا لم تكن الصفوف القريبة من الامام متصلة على العادة ولا باس بان يكون بين الامام والمأموم أو بين الصفين نهر يمكن العبور من احد طرفيه الي الاخر من غير سباحة اما بالوثوب فوقه أو المشي فيه أو علي جسر ممدود علي متنه وان كان يحتاج فيه الي السباحة أو كان بينهما شارع مطروق فوجهان (اصحهما) أن ذلك لا يضر ايضا كما لو كانا في سفينتين علي ما سيأتي ولا فرق في الحكم الذى ذكرناه بين أن يكون الفضاء مواتا كله أو وقفا
كله أو ملكا كله أو بعضه مواتا وبعضه وقفا أو ملكا قال في النهاية وذكر شيخي وغيره وجها
[ ٤ / ٣٤٧ ]
آخر أن في الساحة المملوكة يشترط اتصال الصفوف كما سيأتي بخلاف الموات لانه يشبه المسجد من حيث إنه مشترك بين الناس وليس الملك كذلك وإذا قلنا بظاهر المذهب فلا فرق بين أن تكون الساحة ملكا لشخص واحد وبين أن تكون لشخصين ونقل الصيدلاني وغيره وجها آخر أنه لو وقف احدهما في ملك زيد والآخر في ملك عمرو يشترط اتصال الصف من احد الملكين بالثاني وقوله في الكتاب أو بالتقارب كقدر غلوة سهم يسمع فيها صوت الامام في الساحات المنبسطة فيه تقديم وتأخير: المعني أو بالتقارب في الساحات المنبسطة كقدر غلوة السهم ويجوز أنه يعلم قوله بالتقارب
[ ٤ / ٣٤٨ ]
بالميم لان الغرض من اعتبار القرب في الساحات وأنه لا يكتفى بوقوف المأموم علي حركات الامام وانتقالاته وقد قال امام الحرمين بلغت عن مالك ﵁ أنه ذهب في الباب الي مذهب عطاء واشتهر عن عطاء ﵀ أنه يكتفى بالعلم بحركات الامام في جميع الاماكن ونقل عن مالك أنه يستثنى الجمعة فلا يكتفي فيها بذلك وقوله كقدر غلوة سهم ليس للتمثيل المحض وانما المراد تقديم القرب كما سبق وقوله يسمع فيها صوت الامام ليس لاشتراط ذلك في الغلوة وانما هو اشارة إلى أن القدر المذكور يبلغ فيه صوت الامام إذا جهر لتبليغ المأموم الجهر المعتاد في مثله وإذا كان كذلك
[ ٤ / ٣٤٩ ]
كانا مجتمعين متواصلين فلذلك قدر القرب به (وقوله) ملكا معلم بالواو لما تقدم (وقوله) مبنيا أو غير مبنى أي محوطا أو غير محوط ويجوز أن يريد المسقف وغير المسقف فان الصفة الكبيرة والبيوت الواسعة داخلة في هذه (الحالة الثانية) أن لا يكون في فضاء واحد (وقوله) واما باتصال محسوس إلى رأس الفرع كلام في هذه الحالة فنقول: إذا وقف الامام في صحن الدار أو في صفتها والمأموم في بيت أو بالعكس فموقف المأموم قد يكون على يمين موقف الامام أو يساره وقد يكون خلفه وفيهما طريقان للاصحاب (احدهما) أن في الصورة الاولي يشترط في جواز الاقتداء أن يكون الصف متصلا من البناء الذى فيه الامام إلى
البناء الذى فيه المأموم بحيث لا تبقى فرجة تسع واقفا لان اختلاف البناء يوجب كونهما مفترقين فلا بد من رابطة يحصل بها الاتصال فان بقيت فرجة لا تسع واقفا فوجهان (اصحهما) أنه لا يضر لانه معدود صفا واحدا فلو كان بينهما عتبة عريضة يمكن أن يقف عليها رجل وجب أن يقف عليها
[ ٤ / ٣٥٠ ]
واحد واثنان من جانبيها وإن كانت بحيث لا يمكن الوقوف عليها فعلى الوجهين في الفرجة اليسيرة واما في الصورة الثانية ففي جواز الاقتداء وجهان (احدهما) المنع لما ذكرنا أن اختلاف البناء يوجب افتراقهما وانما جوزنا في اليمين واليسار لان الاتصال المحسوس بتواصل المناكب فيه ممكن (وأظهرهما) الجواز إذا اتصلت الصفوف وتلاحقت لان هذا هو القدر الممكن فيه وكما تمس الحاجة إلى الاقتداء في بناء آخر علي اليمين واليسار تمس إليه في بناء آخر خلفه فيكتفى فيه بالممكن ومعنى اتصال الصفوف أن يقف رجل أو صف في آخر البناء الذى فيه الامام ورجل أوصف في اول البناء الذى فيه المأموم بحيث لا يكون بينهما اكثر من ثلاثة اذرع وهذا القدر هو المشروع بين الصفين وإذا وجد هذا الشرط فلو كان في بناء المأموم بيت علي اليمين أو اليسار اعتبر الاتصال بتواصل المناكب فهذه طريقة وبها قال القفال واصحابه وكلام القاضي ابن كج يوافقهما وقد حكي اصلها أبو علي صاحب الافصاح
[ ٤ / ٣٥١ ]
عن بعض الاصحاب لكنه اختار (الثانية) التي نذكرها (والثالثة) أنه لا يشترط اتصال الصف الواحد ولا اتصال الصفوف في الصورة الثانية بل المعتبر القرب والبعد على الضبط المذكور في الصحراء وهذا إذا كان بين البنائين باب نافذ فوقف بحذائه صف أو رجل أو لم يكن جدار اصلا كا الصفة مع الصحن ولو كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالمشبكات فقذ ذكروا فيه وجهين وإن كان يمنع الاستطراق والمشاهدة جميعا لم يجز الاقتداء باتفاق الطريقين نعم إذا صح اقتداء الواقف في البناء الاخر اما بشرط الاتصال أو دونه فتصح صلاة الصفوف خلفه وإن كان بينهم وبين البناء الذى فيه الامام جدار تبعا له وهم معه كالمأمومين مع الامام حتي لا يجوز صلاة من بين يديه وإن كان متأخرا عن سمت موقف الامام إذا لم نجوز التقدم علي الامام وهو الصحيح وعن القاضي
الحسين تفريعا علي هذا الاصل أنه لا يجوز أن يتقدم تكبيرهم علي تكبيره وهذه الطريقة الثانية حكاها الشيخ أبو محمد عن أصحاب ابي اسحق المروزى وهي التى يوافقها كلام معظم اصحابنا العراقيين لو وقف الامام في الدار والمأموم في مكان عال من سطح أو طرف صفة مرتفعة أو بالعكس منه فبماذا يحصل الاتصال ذكر الشيخ أبو محمد أنه إن كان رأس الواقف في السفل يحاذي ركبة الواقف في العلو جاز الاقتداء وان زاد عليه امتنع وقال الاكثرون إن حاذى رأس من في السفل قدم من علي العلو حصل الغرض وجاز الاقتداء قال امام الحرمين وهذا هو المقطوع به ولست ارى لذكر الركبة وجها
[ ٤ / ٣٥٢ ]
أما اعتبار محاذاة شئ من بدن هذا شيئا من بدن ذاك فمعقول وإذا كان الانخفاض والارتفاع قدر مالا يمنع القدوة فلو كان بعض الذين يحصل بهم الاتصال عند اختلاف البنائين علي سرير أو متاع وبعضهم على الارض لم يضر ولو كانوا في البحر والمأموم في سفينة والامام في اخرى وهما مكشوفتان فظاهر المذهب أنه يصح الاقتداء إذا لم يزد ما بين الامام والمأموم على ثلثمائة ذراع كما في الصحراء والسفينتان كدكتين في الصحراء يقف الامام علي احداهما والمأموم علي الاخرى وقال الاصطخرى يشترط أن تكون سفينة المأموم مشدودة بسفينة الامام ليؤمن من تقدمها عليه وإن كانت السفينتان مسقفتين فهما كالدارين والسفينة التي فيها بيوت كالدار التى فيها بيوت وحكم المدارس والخانات والرباطات حكم الدور والسرداقات في الصحراء كالسفن المكشوفة والخيام كالبيوت إذا عرفت ذلك فاعلم أن قوله فيما إذا وقف في بيت على يمين الامام فلا بد من تواصل المناكب (جواب) علي الطريقة الاولي وينبغي أن يعلم بالواو لمكان الثانية وبالميم لما سبق حكايته عن مالك وبالحاء لانه عن ابى حنيفة فيما حكى الشيخ أبو محمد وغيره لا يشترط اتصال الصفوف (وقوله) فيما إذا وقف احدهما في علو والآخر في سفل الاتصال بموازاة رأس المتسفل ركبة العالي (جواب) علي ما سبق نقله عن الشيخ ابى محمد وقد عزاه الشيخ الي نص الشافعي ﵁ ويجب اعلامه أو بالواو لما تقدم وزيد في بعض النسخ لو قدر لكل واحد منهما قامة معتدلة وهذا اشارة إلى أنه لو كان
[ ٤ / ٣٥٣ ]
قصيرا أو قاعدا لكن لو قام فيه رجل معتدل القامة تحصل المحاذاة كفى ذلك واعتبار القامة المعتدلة لكل واحد منهما انما ينتظم علي الوجه الناظر الي الركبة فاما إذا نظرنا الي القدم فلا يعتبر ذلك في حق العالي (وقوله) فالاتصال بهذا ليس علي معني أن كل الاتصال المطلوب يحصل بهذا القدر وانما المراد أن هذا لا بد منه حتى لو وقف المأموم علي صفة مرتفعة والامام في الصحن فلا بد علي الطريقة المذكورة في الكتاب من وقوف رجل على طرف الصفة ووقوف آخر في الصحن متصلا به (وقوله) فالاتصال بتلاحق الصفوف يعنى أن القدر الممكن فيما إذا كان البيت خلف الامام هذا النوع من الاتصال وهل هو كاف ام لا ويمتنع الاقتداء رأسا فيه الوجهان والاذرع الثلاث معتبرة بالتقريب فلو زاد شئ لا يتبين في الحس ما لم يدرع فلا باس به (وقوله) وإن زاد علي ثلاثة اذرع لم تصح القدوة علي اظهر الوجهين (الوجه الثاني) هو الطريقة الثانية التي شرحناها وقد تعرض لها في هذه الصورة ولم يتعرض لها فيما إذا كان البيت على يمين الامام فاعرف ذلك (القسم الثالث) أن يكون
[ ٤ / ٣٥٤ ]
احدهما في المسجد والآخر خارجه والفرع الباقي من الفصل يشتمل على بعض صوره وهو ما لو وقف الامام في مسجد والمأموم في موات متصل به فينظر إن لم يكن بين الامام والمأموم حائل فلا يشترط اتصال الصف لصحة الاقتداء ولكن يجب أن يقف في حد القرب وهو ما دون ثلثمائة ذراع علي ما سبق في الصحراء ومن اين تعتبر المسافة فيه وجهان (احدهما) وبه قال صاحب التلخيص انها تعتبر من آخر صف في المسجد فان لم يكن فيه الا الامام فمن موقف الامام لان الاتصال مرعي بينه وبين الامام لا بينه وبين المسجد (واظهرهما) انها معتبرة من آخر المسجد لان المسجد مبنى للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل ولهذا لو بعد موقف المأموم فيه لم يضر وفيه وجه ثالث أنه لو كان للمسجد حريم والموات وراءه فالمسافة تعتبر من الحريم وحريم المسجد هو الموضع المتصل به المهيأ لمصلحته كانصباب الماء إليه وطرح الثلج والقمامات فيه (وقوله) فان لم يكن الحائل يدخل فيه ما إذا لم يكن بين المسجد والموات جدار اصلا وما إذا كان بينهما جدار لكن الباب النافذ بينهما مفتوح فوقف بحذائه
[ ٤ / ٣٥٥ ]
والحكم في الحالتين واحد ثم لو اتصل الصف بمن وقف في المحاذاة وخرجوا عن المحاذاة جاز ولو يكن في الجدار باب نافذ أو كان ولم يقف بحذائه بل عدل عنه ففيه وجهان عن الشيخ ابى اسحق المروزي أنه
[ ٤ / ٣٥٦ ]
لا يمتنع الاقتداء فانه من جملة اجزاء المسجد وقال الجمهور يمنع لافتراقهما بسبب الحائل والوجهان في جدار المسجد فاما غيره فيمنع الاقتداء بلا خلاف (وقوله) وان كان بينهما جدار لم يصح يجوز أن
[ ٤ / ٣٥٧ ]
يريد بين المسجد والموات ويجب تقييده بما إذا لم يكن بينهما باب نافذ ويجوز أن يريد بين الامام والمأموم وحينئذ يجب تقييده بما إذا لم يكن باب نافذ أو كان ولم يقف بحذائه احد والا فالاقتداء صحيح
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وعلى التقديرين فقوله لم يصح معلم بالواو لما نقل عن ابي اسحق وبالميم لما سبق عن مالك ولو كان بينهما باب مردود مغلق فهو كالجدار لانه يمنع الاستطراق والمشاهدة ولو كان غير مغلق فهو مانع
[ ٤ / ٣٥٩ ]
من المشاهدة دون الاستطراق ولو كان بينهما مشبك فهو مانع من الاستطراق دون المشاهدة ففى الصورتين وجهان (احدهما) أنه لا يمنع الاقتداء لحصول الاتصال من وجه وهذا أصح عند امام الحرمين
[ ٤ / ٣٦٠ ]
واظهرهما عند صاحب التهذيب والرويانى والاكثرين أنه يمنع لحصول الحائل من وجه وجانب المنع أولى بالتغليب هذا كله في الموات المتصل بالمسجد ولو وقف في شارع متصل بالمسجد فهو كالموات كذلك ذكره الشيخ أبو محمد وفيه وجه أنه يشترط اتصال الصف بين المسجد والطريق ولو وقف في حريم المسجد فقد ذكر في التهذيب أنه كالموات لانه ليس بمسجد وذكر أيضا أن الفضاء المتصل بالمسجد لو كان مملوكا فوقف المأموم فيه لم يجز الاقتداء به حتي يتصل الصف من المسجد بالفضاء وكذلك يشترط اتصال الصف من سطح المسجد بالسطح المملوك وكذلك لو وقف في دار مملوكة متصلة بجنب المسجد يشترط اتصال الصف بان يقف رجل في آخر المسجد متصلا بعتبة الدار واخر
في الدار متصلا بالعتبة بحيث لا يكون بينهما موقف رجل وهذا الذى ذكره في الفضاء غير صاف
[ ٤ / ٣٦١ ]
عن الاشكال لان حكم الفضاء المملوك والموات واحد في ظاهر المذهب كما سبق فليكن الفضاء المملوك المتصل بالمسجد كالموات: واما في الدور فالذي ذكره مثل الطريقة المذكورة في الكتاب في البنائين المملوكين وحكى العراقيون عن أبي اسحق أنه إذا صلى الرجل في بيته وبينه وبين المسجد جدار المسجد صح كما سبق في الموات وقال أبو على الطبري في الافصاح لا يشترط اتصال الصفوف إذا لم يكن حائل ويجوز الاقتداء إذا وقف في حد القرب واما قوله في الكتاب ولو كان بينهما شارع الي آخره فهذه المسألة لا تختص بما إذا وقف الامام المسجد والمأموم في الموات بل يجرى فيه وفيما إذا كان في الصحراء وغيرها ما لم يكونا في المسجد على ما تقدم والمحكى عن مالك انهما لا يمنعان الاقتداء وعن ابي حنيفة واحمد انهما يمنعان وصورة الوجهين فيما إذا كان الامام في المسجد والمأموم في الموات أن يكون النهر في الموات: أما إذا كان في المسجد فقد سبق بيانه والله اعلم * قال (الثالث نية الاقتداء فلو تابع من غير نية بطلت صلاته ولا يجب تعيين الامام لكن لو
[ ٤ / ٣٦٢ ]
عين واخطأ بطلت صلاته ولا يجب موافقة نية الامام والمأموم بل يقتدى (ح م و) في الفرض بالنفل وفى الاداء بالقضاء وعكسهما ولا تجب نية الامامة علي الامام وأن اقتدى (ح) به النساء فلو خطأ في تعيين المقتدى لم يضر لان اصل النية غير واجب عليه) في الفصل ثلاث مسائل (احداها) أن من شروط الاقتداء أن ينوى المأموم الجماعة أو الاقتداء والا فلا تكون صلاته صلاة جماعة إذ ليس للمرء من عمله الا ما نواه وينبغي أن تكون مقرونة بالتكبير كسائر ما ينويه من صفات الصلاة وإذا ترك نية الاقتداء انعقدت صلاته منفردا ثم لو تابع الامام في افعاله فهل تبطل صلاته فيه وجهان نقلهما صاحب التتمة وغيره (احدهما) لا لانه اتي بواجبات الصلاة وليس فيه الا أنه قارن فعله فعل غيره (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب نعم لانه وقف صلاته على صلاة غيره لا لاكتساب فضيلة الجماعة وفيه ما يشغل القلب ويسلب الخشوع فيمنع منه وإذا
[ ٤ / ٣٦٣ ]
فرعنا علي هذا الوجه فلو شك في نية الاقتداء في اثناء الصلاة نظر أن تذكر قبل أن أحدث فعلا على متابعة الامام لم يضر وأن تذكر بعد ما احدث فعلا علي متابعته بطلت صلاته لانه في حالة الشك في حكم المنفرد وليس للمنفرد أن يتابع غيره في الافعال حتى لو عرض هذا الشك في التشهد الاخير لا يجوز أن يقف سلامه علي سلام الامام هكذا نقل صاحب التهذيب وغيره وهو مقيس بما إذا شك في اصل النية وقياس ما ذكره في الكتاب في تلك المسألة أن يفرق بين أن يمضى مع هذا الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة وبين أن يمضى غيره ويمكنك ان تستفيد من لفظ الكتاب في المسألة فائدتين (احداهما) أن تبحث فتقول اللفظ مطلق يشمل صلاة الجمعة وغيرها فهل تجب فيها نية الجماعة ايضا جريا على اطلاق اللفظ ام لا والجواب انهم حكوا فيه وجهين (احدهما) لا لان صلاة الجمعة لا تصح الا بالجماعة فلا حاجة الي التعرض لها (واصحهما) نعم لتتعلق صلاته بصلاة الامام فعلى هذا الاصح اللفظ
[ ٤ / ٣٦٤ ]
مجرى علي اطلاقه (الثانية) في قوله فلو تابع من غير نية ما ينبه علي أن الحكم بالبطلان فيما إذا انتظره ليركع عند ركوعه ويسجد عند سجوده فاما إذا اتفق انقضاء افعاله مع انقضاء افعال الامام ولم ينتظر فهذا الا يسمي متابعة وهو غير مبطل للصلاة ذكره في العدة وشيئا آخر وهو أن الوجهين في البطلان فيما إذا طال الانتظار فاما الانتظار اليسير فلا يؤثر ثم لا يجب علي المأموم أن يعين في نيته الامام بل يكفى نية الاقتداء بالامام الحاضر فان مقصود الجماعة لا يختلف ولو عين وأخطأ بان نوى الاقتداء بزيد فبان انه عمر وبطلت صلاته كما لو عين الميت في صلاة الجنازة واخطأ لا تصح صلاته ولو نوى الاقتداء بالحاضر واعتقده زيدا فكان غيره رأى امام الحرمين تخريجه علي الوجهين فيما إذا قال بعتك هذا الفرس واشار إلى الحمار (الثانية) اختلاف نية الامام والمأموم فيما يأتيان به من الصلاة لا يمنع صحة الاقتداء بل يجوز للمؤدى أن يقتدى بالقاضي وبالعكس وللمفترض أن يقتدى بالمتنفل وبالعكس خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض وبه قال احمد في اصح الروايتين وكذلك مالك ويروى عنه المنع مطلقا * واحتج الشافعي ﵁ بما روى
عن جابر ﵁ قال " كان معاذ ﵁ يصلى مع النبي صلي الله عليه وسلم العشاء ثم ينطلق الي قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء " * واحتج المزني بأنه إذا جاز النفل
[ ٤ / ٣٦٥ ]
خلف من يصلي الفرض جاز الفرض خلف من يصلي النفل قال الاصحاب والجامع انهما صلاتان متفقتان في الافعال الظاهرة (الثالثة) لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوى الامام الامامة سواء اقتدى به الرجال أو النساء خلافا لاحمد حيث اشترط ذلك ولابي حنيفة حيث قال أن ام نساء لا تصح صلاتهن ما لم ينو امامتهن وانما قصد حجة الاسلام بقوله وأن اقتدت به النساء التعرض لمذهبه لنا على احمد ما روى عن انس ﵁ قال " اتيت رسول الله ﷺ وهو يصلى فوقفت خلفه ثم جاء آخر حتى صرنا رهطا كثيرا فلما احس النبي صلي الله عليه وسلم بنا اوجز في صلاته ثم قال انما فعلت هذا لكم " ويروى أن عمر كان يدخل فيرى
[ ٤ / ٣٦٦ ]
ابا بكر ﵁ في الصلاة فيقتدى به وكان أبو بكر يفعل مثل ذلك إذا رآى عمر ﵁ يصلي وعلى " ابى حنيفة القياس علي ما إذا أم رجلا وإذا لم ينو الامام صحت صلاته بخلاف المأموم فان صلاته انما تبطل بتوقيفه اياها على افعال من ليس اماما له وههنا افعال الامام غير مربوطة بغيره وهل تكون صلاته جماعة حتى ينال بها فضيلة الجماعة فيه وجهان (احدهما) نعم لتأدى شعار الجماعة بما جرى وأن لم يكن عن قصد منه (واصحهما) لا إذ ليس للمرء من عمله الا ما نوى ويقال ان القفال سئل عمن كان يصلي منفردا فاقتدى به قوم وهو لا يدرى هل ينال فضيلة الجماعة فقال الذى يجاب به على فضل الله تعالي أنه ينالها لانهم بسببه نالوها وهذا كالتوسط بين الوجهين ومن فوائد الوجهين أنه إذا لم ينو الامامة في صلاة الجمعه هل تصح جمعته (والاصح) انهما لا تصح وبه قال القاضى الحسين
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وعلى هذا فقوله في الكتاب ولا تجب نية الامامة علي الامام غير مجرى على اطلاقه بل الجمعة مستئناة عنه واعلم أن ابا الحسن العبادي حكى عن ابي حفص البابشامي وعن القفال أنه تجب نية
الامامة علي الامام واشعر كلامه بانهما يشترطانها في صحة الاقتداء فان كان كذلك فليكن قوله ولا تجب نية الامامة علي الامام معلما بالواو مع الالف ولو نوى الامام الامامة وعين في نيته المقتدى فبان خلافه
[ ٤ / ٣٦٨ ]
لم يضر لان غلطه في النية لا يزيد علي تركها اصلا ورأسا ولو تركها لم يقدح علي ما سبق بخلاف ما إذا اخطأ المأموم في تعيين الامام فان أصل النية واجب عليه * قال (الشرط الرابع توافق نظم الصلاتين فلا يقتدى في الظهر بصلاة الجنازة وصلاة الخسوف ويقتدى في الظهر بالصبح ثم يقوم عند سلام الامام كالمسبوق فان اقتدى في الصبح بالظهر
[ ٤ / ٣٦٩ ]
صح علي احد الوجهين ثم يتخير عند قيام الامام الي الثالثة بين ان يسلم أو ينتظر الامام إلى الآخر) لو اختلف صلاتا الامام والمأموم في الافعال الظاهرة كما لو اقتدى في فريضة بمن يصلي الجنازة أو الخسوف هل يجوز: فيه وجهان (اصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجوز لتعذر المتابعة مع المخالفة في الافعال (والثاني) ويحكى عن القفال أنه يجوز لان المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة وكل يراعى
[ ٤ / ٣٧٠ ]
واجبات صلاته فعلي هذا إذا اقتدى بمن يصلي الجنازة لا يتابعه في التكبيرات والاذكار بينها بل إذا كبر الامام الثانية يخير بين أن يخرج نفسه عن المتابعة وبين أن ينتظر سلام الامام وإذا اقتدى بمن يصلي صلاة الخسوف يتابعه في الركوع الاول ثم إن شاء رفع رأسه معه وفارقه وإن شاء انتظره قال امام الحرمين وانما ينتظره في الركوع إلى أن يعود إليه الامام ثم يعتدل معه عن ركوعه الثاني ولا
[ ٤ / ٣٧١ ]
ينتظره بعد الرفع لما فيه من تطويل الركن القصير وان اتفقت الصلاتان في الافعال نظر إن توافقت عدد الركعات كالاقتداء في الظهر بالعصر أو بالعشاء جاز وإن كان عدد ركعات الامام أقل كما لو اقتدى في الظهر بالصبح جاز ايضا لان متابعة الامام فيما يأتي به متيسرة ثم إذا تمت صلاة الامام قام المأموم واتم صلاته كما يفعله المسبوق ويتابع الامام في القنوت كما لو ادرك الامام في الصبح
[ ٤ / ٣٧٢ ]
في الركعة الثانية يتابعه في القنوت ولو ازاد أن يفارقه إذا اشتغل بالقنوت فله ذلك ولو اقتدى في الظهر بالمغرب فإذا انتهى الامام إلى الجلسة الاخيرة بخبر المأموم بين المتابعة والمفارقة كما في
[ ٤ / ٣٧٣ ]
القنوت وإن كان عدد ركعات الامام اكثر كالاقتداء في الصبح بالظهر ففى المسألة طريقان احدهما وهو المذكور في الكتاب أن فيها قولين احدهما أنه لا يصح الاقتداء لانه يحتاج الي الخروج عن صلاة الامام قبل فراغه بخلاف ما إذا كانت صلاته اطول فانه لا يفارق الامام ما دام في صلاته واصحهما أنه يصح كما في
[ ٤ / ٣٧٤ ]
الصورة السابقة والجامع انهما صلاتان متفقتان في النظم: والطريق الثاني القطع بهذا القول الثاني قال في التهذيب وهو الاصح وإذا فرعنا عليه فإذا قام الامام إلى الركعة (الثالثة) فهو بالخيار إن شاء فارقة وسلم وإن شاء انتظره حتى يسلم معه وإن امكنه أن يقنت في الركعة الثانية فان وقف الامام يسيرا فذاك والا تركه ولا شئ عليه وله أن يخرج عن متابعته ويقنت ولو اقتدى في المغرب بالظهر فإذا قام الامام الي الرابعة لم يتابعه المأموم بل يجلس للتشهد ويفارقه فإذا تشهد سلم وهل له أن ينتظره قال في النهاية ظاهر المذهب أنه ليس له ذلك لانه احدث تشهدا لم يفعله الامام بخلاف الصورة السابقة
[ ٤ / ٣٧٥ ]
فانه وافق الامام في تشهده ثم استدامه ومنهم من أطلق وجوب الانتظار في الصورتين ولو صلي العشاء خلف من يصلى التراويح جاز كما في اقتداء الظهر بالصبح وقد نقله الشافعي ﵁ عن فعل عطاء ابن ابي رباح ﵁ ثم إذا سلم الامام قام الي باقي صلاته والاولي أن يتم منفردا فلو قام الامام إلى ركعتين أخريين من التراويح فاقتدى به مرة أخرى هل يجوز فيه القولان اللذان نذكرهما فيمن احرم منفردا بالصلاة ثم اقتدى في اثنائها وقوله في الكتاب توافق نظم الصلاتين اراد في الافعال والاركان لا في عدد الركعات علي ما تبين وصلاة العيدين والاستسقاء كصلاة الخسوف والجنازة ام لا: اختلف الاصحاب فيه وقوله يقتدى في الظهر بالصبح معلم بالحاء والميم والالف وكذا قوله صح في المسألة
التى بعدها لانه لابد وأن يكون احدهما قضاء وهم يمنعون من الاقتداء في انقضاء بالاداء وبالعكس كما سبق وقوله علي احد القولين معلم بالواو للطريق الاخرى وفي نسخ الوسيط ذكر وجهين بدل القولين والاول اشهر ولا يخفي أن قوله ثم يتخير تفريع علي صحة الاقتداء *
[ ٤ / ٣٧٦ ]
قال (الخامس الموافقة وهو أن لا يشتغل بما تركه الامام من سجود التلاوة أو التشهد الاول ولا بأس بانفراده بجلسة الاستراحة والقنوت ان لحق الامام في السجود) * إذا ترك الامام شيئا من أفعال الصلاة نظر ان كان فرضا كما إذا قام في موضع القعود أو بالعكس ولم يرجع بعدما سبح به المأموم فليس للمأموم أن يتابعه لانه اما عامد فصلاته باطلة أو ساه فذلك الفعل غير معدود من الصلاة وان لم يكن مبطلا وانما يتابعه في أفعال الصلاة لا في غيرها وان ترك سنة نظر ان كان في الاشتغال بها تخلف فاحش كسجود التلاوة والتشهد الاول فلا يأتي بهما المأموم قال صلي الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به " ولو اشتغل بهما بطلت صلاته لعدوله من فرض المتابعة الي السنة ويخرج عن هذا سجود السهو يأتي به وان تركه الامام لانه يفعله بعد خروج الامام من الصلاة فلا مخالفة وكذا يسلم التسليمة الثانية إذا تركها الامام وان لم يكن فيه إلا تخلف يسير كجلسة الاستراحة فلا بأس بانفراده بها كما لا بأس بزيادتها في غير موضعها وكذلك لا بأس بانفراده
[ ٤ / ٣٧٧ ]
بالقنوت إذا لحقه علي القرب وقوله ان لحق الامام في السجود يعنى في السجدة الاولي فاما إذا كان اللحوق في الثانية فيكثر المتخلف وسيأتى بيان التخلف المبطل في الفصل التالي لهذا * قال (السادس المتابعة فلا يتقدمه ولا بأس بالمساوقة إلا في التكبير فانه لابد فيه من التأخير
[ ٤ / ٣٧٨ ]
والاحب التخلف في الكل مع سرعة اللحوق فان تخلف بركن لم تبطل وان تخلف بركنين من غير عذر بطل (ز) والاصح انه إذا ركع قبل أن يبتدئ الامام الهوى إلى السجود لم تبطل فان ابتدأ الهوى لم تبطل أيضا على وجه لان الاعتدال ليس ركنا مقصودا فان لابس الامام السجود قبل ركوعه
بطل والتقدم كلتخلف وقيل يبطل وان كان بركن واحد) * يجب علي المأموم ان يتابع الامام ولا يتقدم عليه في الافعال لما روي أنه صلي الله عليه وسلم قال " لا تبادروا الامام إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا " وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " اما يخشي الذى يرفع رأسه والامام ساجد أن يحول الله راسه رأس حمار " والمراد من المتابعة أن يجرى علي أثر الامام بحيث يكون ابتداؤه بكل واحد منها متأخرا عن ابتداء الامام ومتقدما على فراغه روى عن البراء بن عازب قال " كنا نصلى
[ ٤ / ٣٧٩ ]
مع النبي ﷺ فإذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي صلي الله عليه وسلم وسلم جبهته على الارض " فلو خالف وترك المتابعة علي التفسير المذكور لم يخل اما أن يساوق فعله فعل الامام واما أن يتخلف عنه أو يتقدم عليه (الحالة الاولى) أن يساوق فعله فعل الامام اما التكبير فالمساوقة فيه تمنع انعقاد صلاة المأموم خلافا لابي حنيفة: لنا ظاهر قوله فإذا كبر فكبروا ويخالف الركوع وسائر الاركان حيث تحتمل المساوقة فيها لان الامام حينئذ في الصلاة فينتظم الاقتداء به ولو شك في أن تكبيره هل وقع مساوقا لم تنعقد صلاته أيضا ولو ظن أنه لاحق فبان خلافه فلا صلاة له ويشترط تأخر جميع التكبير عن جميع تكبير الامام ويستحب للامام ان لا يكبر حتى تستوى الصفوف ويأمرهم بذلك ملتفتا يمينا وشمالا وإذا فرغ المؤذن من الاقامة قام الناس واشتغلوا بتسوية الصفوف وقال أبو حنيفة يشتغلون به عند قوله حي علي الصلاة واما ما عدا التكبير فغير السلام يجوز فيه المساوقة وفى السلام وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز فيه المساوقة اعتبارا للتحلل بالتحرم (والثانى) يجور
[ ٤ / ٣٨٠ ]
كسائر الاركان وذكر بعضهم أن الوجهين مبنيان على أن نية الخروج هل تشترط أن قلنا نعم فالسلام كالتكبير وأن قلنا لا فهو كسائر الاركان والاصح من الوجهين أن المساوقة لا تضر وهو المذكور في الكتاب (وقوله) ولا باس بالمساوقة الا في التكبير معلم بالواو للوجه الصائر إلى الحاق السلام بالتكبير وليس المراد من قوله لا باس التشريع المطلق فان صاحب التهذيب وغيره ذكروا انه يكره الاتيان
بالافعال مع الامام وتفوت به فضيلة الجماعة وانما المراد انها لا تفسد الصلاة وقوله فانه لا بد فيه من التأخير معلم بالحاء وقوله والاحب التخلف في الكل مع سرعة اللحوق المراد منه ما ذكرنا في تفسير
[ ٤ / ٣٨١ ]
المتابعة (الحالة الثانية) أن يتخلف عن الامام وذلك اما أن يكون بغير عذر أو بعذر فان تخلف من غير عذر نظر أن تخلف بركن واحد فقد حكى صاحب النهاية فيه وجهين (احدهما) أنه مبطل للصلاة لما فيه من مخالفة الامام (واظهرهما) وهو المذكور في الكتاب أنه غير مبطل * واحتج له بعضهم بما روى انه صلى الله عليه واله وسلم قال " لا تبادروني بالركوع والسجود فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت ومهما أسبقكم به حين سجدت تدركوني حين رفعت " وأن تخلف بركنين بطلت صلاته لكثرة المخالفة ومن صور التخلف بغير عذر أن يركع الامام وهو في قراءة السورة بعد الفاتحة فيشتغل باتمامها وكذا التخلف للاشتغال بتسبيحات الركوع والسجود ومن المهمات في هذا المقام البحث عن
[ ٤ / ٣٨٢ ]
شيئين (احدهما) معنى التخلف بالركن والركنين (والثانى) أن الحكم هل يعم جميع الاركان ام يفرق بين ركن وركن (أعلم) أن في قوله والاصح إذا ركع إلى آخره تعرضا لهما جميعا فنشرحه ونقول: من أركان الصلاة ما هو قصير ومنها ما هو طويل اما القصير فالاعتدال عن الركوع وكذا الجلوس بين السجدتين علي الاظهر كما تقدم واما الطويل فما عداهما وما هو طويل فهو مقصود في نفسه والقصير هل هو مقصود في نفسه اشار في النهاية الي تردد فيه للاصحاب فمن قائل نعم كالطويل ومن قائل لا فان الغرض منه الفصل فهو إذا تابع لغيره وهذا ما ذكره في التهذيب ثم نقول بعد هذه المقدمة: إذا ركع الامام قبل المأموم ثم ركع المأموم وادركه في ركوعه فليس هذا تخلفا بركن ولا تبطل به الصلاة وفاقا لانه لحق الامام قبل تمام الركن الذى سبقه به ولو اعتدل الامام والمأموم بعد قائم فهل تبطل صلاته فيه وجهان واختلفوا في مأخذهما فقيل مأخذهما التردد في أن الاعتدال هل هو مقصود ام لا أن
[ ٤ / ٣٨٣ ]
قلنا نعم فقد فارق الامام ركنا واشتغل بركن آخر مقصود فتبطل صلاة المتخلف وان قلنا أنه ليس
بمقصود فهو كما لو لم يفرغ من الركوع لان الذى فبه تبع له فلا تبطل صلاته وقيل ان مأخذهما الوجهان اللذان سبقا في أن التخلف بركن واحد هل يبطل ام لا إن قلنا نعم فقد تخلف بركن الركوع تاما فتبطل صلاته وإن قلنا لا فما دام في الاعتدال لم يكن الركن الثاني تاما فلا تبطل صلاته وإذا هوى الي السجود ولم ينته إليه والمأموم بعد قائم فعلي المأخذ الاول لا تبطل صلاته لانه لم يشرع في ركن مقصود وعلي المأخذ الثاني تبطل لان ركن الاعتدال قد تم هكذا ذكره امام الحرمين والمصنف في الوسيط وقياسه أن يقال إذا ارتفع عن حد الركوع والمأموم بعد في القيام فقد حصل التخلف بركن
[ ٤ / ٣٨٤ ]
واحد وأن لم يعتدل حتي تبطل الصلاة عند من يجعل التقدم بركن واحد مبطلا اما إذا انتهي الامام الي السجود والمأموم في قيامه بطلت صلاته وفاقا واعرف بعد هذا أمرين (احدهما) انا ان اكتفينا بابتداء الهوى من الاعتدال وابتداء الارتفاع عن حد الركوع فالتخلف بركنين هو أن يتم الامام ركنين والمأموم بعد فيما قبلهما وركن واحد هو أن يتم الامام الركن الذى سبق إليه والمأموم فيما قبله وإن لم
[ ٤ / ٣٨٥ ]
يكتف بذلك فللتخلف شرط آخر وهو أن يلابس مع تمامهما أو تمامه ركنا آخر فحصل خلاف في تفسير التخلف كما ترى (والثانى) أن قوله وأن تخلف بركن لم تبطل ينبغي أن يعلم بالواو لما سبق نقله من الوجهين وايراد صاحب التهذيب يشعر بترجيح وجه البطلان فيما إذا تخلف بركن كامل مقصود ويصرح بترجيح عدم البطلان فيما إذا تخلف بركن غير مقصود كما إذا استمر في الركوع حتى اعتدل
[ ٤ / ٣٨٦ ]
الامام وسجد (وقوله) وأن تخلف بركنين من غير عذر بطل يبين أن التخلف بالعذر بخلافه وأن لم يذكر حكمه في الكتاب (وقوله) فيما إذا ركع المأموم قبل أن يبتدئ الامام بالهوى إلى السجود أن الاصح عدم البطلان ليس بناء علي المأخذ الاول وهو أن الاعتدال غير مقصود لان الاكثرين
[ ٤ / ٣٨٧ ]
سووا بينه وبين سائر الاركان والامام أستبعد التردد فيه ومال الي الجزم بكونه مقصودا والمصنف
يساعده في الاكثر ويوضحه أنه اطلق البطلان في التخلف بركنين ولم يفرق بين ركن وركن فإذا هو بناء على المأخذ الثاني ويصير الي أن التخلف بالركنين انما يحصل إذا شرع في ركن ثالث فاعرف
[ ٤ / ٣٨٨ ]
ذلك وقوله فان ابتدأ بالهوى لم تبطل ايضا علي وجه اشارة الي المأخذ الاول ولم يذكر ههنا أن الاصح عدم البطلان بل في سياق الكلام ما يشعر بانه لا يرتضيه هذا تمام الكلام فيما إذا تخلف بغير عذر واما العذر فانواع (منها) الخوف وسنذكره في صلاة الخوف (ومنها) أن يكون المأموم بطئ القراءة والامام سريعها فيركع قبل أن يتم المأموم الفاتحة ففيه وجهان (احدهما) أنه يتابعه ويسقط عنه الباقي فعلي هذا لو اشتغل باتمامها كان متخلفا بغير عذر (واصحهما) وهو الذى ذكره صاحب التهذيب وابراهيم المرودى أنه لا يسقط وعليه أن يتمها ويسعي خلف الامام على نظم صلاته ما لم يسبقه باكثر من ثلاثة اركان
[ ٤ / ٣٨٩ ]
مقصودة فان زاد علي ثلاثة اركان فوجهان (احدهما) أنه يخرج عن متابعته لتعذر الموافقة (واظهرهما) أن له أن يدوم علي متابعته وعلي هذا فوجهان (احدهما) أنه يراعي نظم صلاته ويجرى على اثره وهو معذور
[ ٤ / ٣٩٠ ]
وبهذا أفتى القفال (واظهرهما) أنه يوافقه فيما هو فيه ثم يقضي ما فاته بعد سلام الامام وهذان الوجهان كالقولين في مسألة الزحام (ومنها) اخذ التقدير بثلاثة اركان مقصودة فانه انما يحصل القولان في تلك المسألة إذا ركع الامام في الثانية وقبل ذلك لا يوافقه وانما يكون التخلف قبله بالسجدتين والقيام ولم يعتبر الجلوس بين السجدتين علي مذهب من يقول أنه غير مقصود ولا يجعل التخلف بغير المقصود مؤثرا واما من لا يفرق بين المقصود وغير المقصود أو يفرق ويجعل الجلوس مقصودا
[ ٤ / ٣٩١ ]
لانه ركن طويل وهو المرضى عند صاحب الكتاب والقياس علي اصله التقدير باربعة اركان أخذا من مسألة الزحام ولو اشتغل المأموم بدعاء الاستفتاح ولم يتم الفاتحة لذلك وركع الامام فيتم الفاتحة كما في بطئ القراءة وهو معذر في التخلف ذكره في التهذيب وكل هذا في المأموم الموافق
فاما المسبوق إذا ادرك الامام في القيام وخاف ركوعه فينبغي أن لا يقرأ دعاء الاستفتاح بل يبادر الي قراءة الفاتحة فان الاهتمام بشأن الفرض أولي ثم أن ركع الامام في اثناء الفاتحة ففيه ثلاثة اوجه (احدها) أنه يسقط عنه ما بقى من الفاتحة ويركع معه (والثانى) أنه يتم الفاتحة لانه أدرك القيام الذى هو محلها (والثالث) وبه قال أبو زيد وهو الاصح عند القفال والمعتبرين أنه أن لم يقرأ شيئا من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة ويركع معه ويكون مدركا للركعة لانه لم يدرك الا ما يقرأ فيه بعض الفاتحة فلا يلزمه فوق ذلك كما أنه إذا لم يدرك شيئا من القيام لا يلزمه شئ من الفاتحة وإن قرأ شيئا من دعاء الاستفتاح لزمه بقدره من الفاتحة لتقصيره بالعدول من الفريضة الي غيرها (فان قلنا) عليه اتمام الفاتحة (فتخلفه) ليقرأ تخلف بالعذر ولو لم يتم وركع مع الامام بطلت صلاته (وأن قلنا) أنه يركع فلو بقراءة اشتغل البقية كان هذا تخلفا بغير عذر فان سبقه الامام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة ثم لحقه في الاعتدال فلا يكون مدركا للركعة واصح الوجهين أنه لا تبطل صلاته إذا فرعنا علي ان التقدم بركن واحد لا يبطل كما في حق غير المسبوق (والثانى) تبطل لانه ترك متابعة الامام فيما فاتت به الركعة وكانت بمثابة السبق بركعة (ومنهاا) لزحام وسيأتي في الجمعة (ومنها) النسيان فلو ركع مع الامام ثم تذكر أنه نسي الفاتحة أو شك في قراءتها فلا يجو أن يعود لانه فات محل
[ ٤ / ٣٩٢ ]
القراءة فإذا سلم الامام قام وتدارك ما فاته ولو تذكر أو شك بعدما ركع الامام وهو لم يركع بعد لم تسقط القراءة بالنسيان وماذا يفعل فيه وجهان منقولان في التهذيب (احدهما) أنه يركع معه فإذا سلم الامام قام وقضى ركعة (والثانى) أنه يتمها اولا وهذا اشبه وبه افتى القفال وعلى هذا فتخلفه ليقرأ تخلف معذور ام لا فيه وجهان حكاهما صاحب التتمة (اظهرهما) أنه تخلف معذور (والثانى) لا لتقصيره بالنسيان (الحالة الثالثة) أن يتقدم علي الامام اما في الركوع والسجود وغيرهما من الافعال الظاهرة فينظر أن كان لم يسبق بركن كامل لم تبطل صلاته لانه مخالفة يسيرة مثاله ما إذا ركع قبل الامام ولم يرفع
[ ٤ / ٣٩٣ ]
حتي ركع الامام وعن بعض الاصحاب انها تبطل إذا تعمد وحكاه الامام عن الشيخ ابى محمد ووجهه
أن التقدم يناقض الاقتداء بخلاف التخلف وعلي الصحيح لو فعل ذلك عمدا لم يجز أن يعود ولو عاد بطلت صلاته لانه زاد ركنا هكذا ذكره صاحب النهاية والتهذيب وحكى العراقيون عن النص أنه ويستحب ان يعود إلى موافقته ويركع معه وقد مر ذكر هذه المسألة ولو فعله سهوا فوجهان (احدهما) انه يجب العود ولو لم يعد بطلت صلاته (واظهرهما) انه لا يجب وانما هو بالخيار أن شاء عاد والا فلا وان سبق الامام بركنين فصاعدا بطلت صلاته أن كان عامدا عالما بانه لا يجوز لتفاحش المخالفة وأن كان ساهيا أو جاهلا لم تبطل لكن لا يعتد بتلك الركعة فيتداركها بعد سلام الامام والتقدم بركنين لا يخفى قياسه مما مر في التخلف ومثل ائمتنا العراقيون ذلك بما إذا ركع قبل الامام فلما اراد
[ ٤ / ٣٩٤ ]
الامام أن يركع رفع فلما اراد أن يرفع سجد فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال وهذا يخالف ذلك القياس فيجوز ان يقدر مثله في التخلف ويجوز ان يخصص ذلك بالتقدم لان المخالفة فيه افحش وإن سبقه بركن واحد كما إذا ركع قبل الامام ورفع رأسه والامام في القيام ثم وقف حتي رفع الامام واجمتمعا في الاعتدال فالذي ذكره الصيدلانى وقوم أنه تبطل صلاته لتعمد المخالفة ويعد هذه المخالفة عما يناسب حال المقتدى قالوا وهذ في التقدم بالركن المقصود فاما إذا سبق بالاعتدال بان اعتدل وسجد والامام بعد في الركوع أو سبق بالجلوس بين السجدتين كما إذا رفع راسه عن السجدة الاولي وجلس وسجد الثانية والامام بعد في الاولي فوجهان كما ذكرناهما في حالة التخلف وقال اصحابنا العراقيون وآخرون ان التقدم بركن واحد لا يبطل الصلاة لانه مخالفة يسيرة فهى بمثابة التخلف وهذا أظهر واشهر
[ ٤ / ٣٩٥ ]
ويحكي عن نص الشافعي ﵁ هذا في الافعال الظاهرة واما التكبير فالسبق به غير محتمل علي ما قدمناه واما قراءة الفاتحة وفى معناها التشهد فالسبق بها علي الامام غير مبطل وأن قلنا ان السبق بتمام الركوع مبطل لانه لا يظهر به المخالفة وفى التتمة حكاية وجه ضعيف انه يبطل كالركوع وعلي المذهب هل تقع محسوبة أو يجب أعادتها مع قراءة الامام أو بعدها فيه وجهان (اظهرهما) انها تقع محسوبة إذا عرفت ما ذكرناه ونظرت في قوله والتقدم كالتخلف سبق إلى فهمك أنه جواب على
ما ذكره العراقيون وحكوه عن النص وهو أن التقدم بركن واحد لم يبطل وهذا هو الذى اورده في التخلف
[ ٤ / ٣٩٦ ]
وحمل قوله وقيل أنه يبطل وان كان بركن واحد على ما رواه الصيدلاني وغيره وهذا تنزيل صحيح لكنه نقل الوجه الثاني في الوسيط عن الشيخ ابى محمد وليس في النهاية تعرض لذلك والمشهور عنه ما قدمناه أن المبادرة الي الركن مبطلة وأن كان القول به قولا بالبطلان عند السبق بتمام الركن فان كان المراد ما اشتهر لم عن الشيخ فالتقدم في لفظ الكتاب وفى الوسيط محمول علي المبادرة الي الركن من غير أن يسبق بتمامه والله أعلم *
[ ٤ / ٣٩٧ ]
قال (فروع المسبوق ينبغي أن يكبر للعقد ثم للهوى فان اقتصر على واحد جاز الا إذا قصد به الهوى فان اطلق ففيه تردد لتعارض القرينة) المسبوق إذا ادرك الامام في الركوع يكبر للافتتاح وليس له أن يشتغل بقراءة الفاتحة بل يهوى للركوع ويكبر له تكبيرة اخرى وكذلك الحكم لو ادركه قائما فكبر وركع الامام كما كبر ولو اقتصر
[ ٤ / ٣٩٨ ]
على تكبيرة واحدة فلا يخلو من احدى احوال اربع أن ينوى بها تكبيرة الافتتاح فتصح صلاته لان تكبيرة الركوع سنة ويشترط وقوعها في حال القيام كما تقدم وأن ينوى بها تكبيرة الركوع فلا تصح وأن ينوى بهما جميعا فظاهر المذهب انها لا تصح ايضا لانه شرك بين الفرض وغيره الذى
[ ٤ / ٣٩٩ ]
لو اقتصر علي قصد الفرض لم يحصل ذلك الغير فاشبه ما لو تحرم بفريضة ونافلة ويخالف ما إذا اغتسل للجنابة والجمعة ونظائره وفيه وجه أن صلاته تنعقد نفلا نقله القاضى ابن كج عن حكاية ابى حامد القاضي والرابعة أن لا ينوى هذا ولا ذاك بل يطلق التكبيرة قال بعض الاصحاب تنعقد صلاته لان قرينة الافتتاح تصرفها إليه والظاهر أنه لا يقصد الهوى ما لم يتحرم وحكى اصحابنا
[ ٤ / ٤٠٠ ]
العراقيون عن نصه في الام انها لا تنعقد لان قرينة الهوى تصرفها إليه وإذا تعارضت القرينتان فلا بد من قصد صارف والا فهي بمثابة ما لو قصد التشريك بينهما وميل امام الحرمين الي الوجه الاول وظاهر المذهب عند الجمهور الثاني وقوله في الكتاب جاز الا إذا اقصد به الهوى ليس لحصر الاستثناء فيه بل قوله فان اطلق في معني المستثنى كانه قال والا إذا اطلق نعم هذا مختلف فيه وذاك متفق عليه ثم لابد من استثناء الحالة الثالثة ايضا وان لم يتعرض لها والمراد من التردد الذى اطلقه القول المنصوص والوجه المقابل له وقوله لتعارض القرينة يجوز أن يكون اشارة الي توجيه الخلاف ويجوز أن يكون علة لعدم الانعقاد أي إذا تعارضتا فلا بد من قصد مخصص * قال (ولو نوي قطع القدوة في اثناء الصلاة ففى بطلان صلاته ثلاث اقوال يفرق الثالث بين المعذور وغير المعذور وعلي كل قول إذا احدث الامام لم تبطل (ح) صلاة المأموم)
[ ٤ / ٤٠١ ]
إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الامام ففي بطلان صلاته قولان (احدهما) انها تبطل لقوله صلي الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليوتم به فلا تختلفوا عليه " وايضا فانه التزم الاقتداء وانعقدت
[ ٤ / ٤٠٢ ]
صلاته علي حكم المتابعة فليف بها والثاني لا تبطل لما روى " أن معاذا ﵁ ام قومه ليلة في في صلاة العشاء بعدما صلاها مع النبي ﷺ فافتتح سورة البقرة فتنحي من خلفه رجل وصلي وحده فقيل له نافقت ثم ذكر ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم فقال الرجل يا رسول الله انك اخرت العشاء وان معاذا صلى معك ثم أمنا وافتح سورة البقرة وانما نحن اصحاب نواضح نعمل بايدينا فلما رأيت ذلك تأخرت وصليت فقال النبي صلي الله عليه وسلم افتان انت يا معاذ اقرأ سورة كذا وكذا ولم يامر الرجل بالاعادة " وايضا فان الجماعة سنة والتطوعات لا تلزم بالشروع وهذا اصح القولين وعن الاصطخرى أنه قطع به ولم يثبت في المسألة قولين والاشهر
[ ٤ / ٤٠٣ ]
اثباتهما ثم اختلفوا في محلها على طرق (اصحها) أن القولين فيمن خرج عن متابعة الامام بغير عذر
فاما المعذور فيجوز له الخروج بلا خلاف " ولهذا فارقت الفرقة الاولى رسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم في صلاة ذات الرقاع بعدما صلي بهم ركعة " قال امام الحرمين والاعذار كثيرة واقرب معتبر فيها أن يقال كل ما يجوز ترك الجماعة به ابتداء يجوز ترك الجماعة به بعد الشروع فيها والحقوا بها ما إذا ترك الامام سنة مقصودة كالتشهد الاول والقنوت وما إذا لم يصبر علي طول القراءة لضعف أو شغل وعن الشيخ أبي حامد ما ينازع في هذا الاخير لان حكى في البيان عنه أنه جعل انفراد الرجل عن معاذ انفرادا بغير عذر (والطريق الثاني) أن القولين فيما إذا خرج بغير عذر فاما غير المعذور لو خرج بطلت صلاته
[ ٤ / ٤٠٤ ]
قولا واحدا (والثالث) أن القولين في الكل ويحكى أنه اختيار الحليمى ونظم الكتاب يوافق هذه الطريقة لانه جمع بين الحالتين واطلق ثلاثة اقوال وانما ينتظم ذلك عند من يثبت الخلاف في الحالتين وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم قوله ثلاثة اقوال بالواو للطريقة الاولي والثانية فان كل واحدة منهما لا يثبت الخلاف الا في حالة ولما نقل عن الاصطخرى فانه نفى الخلاف فيهما وعند ابي حنيفة تبطل صلاته بالمخالفة سواء كان بعذر أو بغير عذر وعند احمد يجوز بالعذر ولا يجوز بغير عذر في اصح الروايتين (وقوله) وعلي كل قول الي آخره الغرض منه بيان أن الخلاف فيما إذا قطع المأموم القدوة والامام في صلاته فاما إذا انقطعت القدوة لحدث الامام فليس هذا موضع الخلاف ولا تبطل صلاة المأموم بحال لانه لم يحدث شيئا (وقوله) لم تبطل صلاة المأموم معلم بالحاء لان عند ابي حنيفة لو تعمد الحدث بطلت صلاة المأمومين وكذا لو سبقه الحدث ولم يستخلف قال (والمنفرد إذا اقتدى في اثناء صلاته لم يجز في الجديد)
[ ٤ / ٤٠٥ ]
لو اقيمت الجماعة وهو في الصلاة منفردا نظر أن كان في فريضة الوقت فقد قال الشافعي ﵁ في المختصر احببت أن يكمل ركعتين ويسلم يكونان له نافلة ويبتدئ الصلاة مع الامام ومعناه أنه يقطع نية الفريضة ويقلبها نفلا وفيه وفى نظائره خلاف قدمناه في مسائل النية في باب صفة الصلاة ثم ما ذكره فيما إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية ولم يكمل بعد ركعتين فاما إذا كانت
ذات ركعتين أو اكثر وقد قام الي الثالثة فيتمها ثم يدخل في الجماعة وأن كان في فائتة فقد قال القاضي الحسين ﵀ لا يستحب أن يقتصر على ركعتين ليصلي تلك الصلاة بالجماعة لان الفائتة لا تشرع لها الجماعة بخلاف ما لو شرع في الفائتة في يوم غيم فانكشف الغيم وخاف فوات الحاضرة يسلم عن ركعتين ويشتغل بالحاضرة لان مراعاة الوقت اولي من مراعاة الجماعة وأن كان
[ ٤ / ٤٠٦ ]
في نافلة واقيمت الجماعة فان لم يخش فوتها اتمها وأن خشي قطعها ودخل في الجماعة ولو لم يسلم عن الصلاة التى احرم بها منفردا واقتدى في خلالها ففيه طريقان (اصحهما) أن فيه قولين (احدهما) لا يجوز وتبطل صلاته وبه قال مالك وابو حنيفة وكذلك احمد في اصح الروايتين لما روى أنه ﷺ وسلم قال " لا تختلفوا علي امامكم " وهذا يفضى الي الاختلاف وايضا قال " فإذا كبر فكبروا " أمر المأموم
[ ٤ / ٤٠٧ ]
بان يكبر إذا كبر الامام وهذا كبر قبله (واصحهما) أنه يجوز وبه قال المزني لما روى أنه صلي الله عليه وسلم " صلى اصحابه ثم تذكر في صلاته أنه جنب فاشار إليهم كما انتم وخرج واغتسل وعاد ورأسه يقطر وتحرم بهم " ومعلوم انهم انشأوا اقتداء جديدا إذ تبين أن الاول لم يكن صحيحا وايضا فانه يجوز أن يصلى بعض الصلاة منفردا ثم يقتدى به جماعة فيصير اماما فكذلك يجوز أن يصير مأموما
[ ٤ / ٤٠٨ ]
بعدما كان منفردا (والطريق الثاني) القطع بالمنع حكى الطريقين الشيخان أبو محمد والصيدلاني وغيرهما والمشهور اثبات القولين ثم اختلفوا في محلهما علي طرق (احدها) وبه قال القاضي أبو حامد أن القولين فيما إذا لم يركع المنفرد بعد في صلاته فاما بعده فلا يجوز الاقتداء قولا واحدا لانه يخالف الامام في الترتيب وموضع القيام والقعود فلا تتأتى المتابعة (وثانيها) أن القولين فيما إذا اقتدى بعد الركوع فاما قبله فيجوز قولا واحدا وبه قال أبو إسحق واختاره القاضى أبو الطيب واصحهما ان
[ ٤ / ٤٠٩ ]
القولين يطردان في الحالين وحكي في التهذيب طريقة الفرق بعبارة اخرى فقال منهم من قال القولان
فيما إذا اتفقا في الركعة فان اختلفا وكان الامام في ركعة والمأموم في اخرى متقدما أو متأخرا لا يجوز وهذا هو الوفاء بالنظر إلى اختلاف الترتيب وإذا جوزنا الاقتداء علي الاطلاق واختلفا في الركعة قعد المأموم في موضع قعود الامام وقام في موضع قيامه وإذا تم صلاة المأموم اولا لم يوافق الامام في الزيادة بل إن شاء فارقه وإن شاء انتظره في التشهد وطول الدعاء ليتم صلاته فيسلم معه وان تم صلاة الامام أولا قام المأموم واتم صلاته كما يفعل المسبوق وإذا سها المأموم قبل الاقتداء لم يتحمل عنه الامام بل إذا سلم الامام سجد هو لسهوه وان سها بعد الاقتداء تحمل عنه الامام وإن سها الامام قبل الاقتداء أو بعده لحق المأموم ويسجد مع الامام ويعيد في آخر صلاته علي الاصح علي ما ذكرناه في المسبوق وقوله في الكتاب لم يجز على الجديد جواب على الطريقة المشهورة وهى اثبات
[ ٤ / ٤١٠ ]
الخلاف في المسألة وظاهره يوافق الطريقة المشهورة بعد اثبات الخلاف وهى طرده في الاحوال كلها واما تعبيره عن قول المنع بالجديد فهكذا ذكره الشيخ أبو محمد والمسعودي وغيرهما وقالوا قوله في المختصر كرهت أن يفتتحها صلاة انفراد ثم يجعلها صلاة جماعة اراد به أنى لا أجوزه وجعلوا الجواز قوله القديم وقال صاحب المهذب وشيخه أبو القاسم الكرخي وآخرون يجوز ذلك في القديم والجديد معا وحكوا قول المنع عن الاملاء وارادوا بالجديد الام ونقلوا الجواز عنه واعلم أن الاملاء محسوب من الكتب الجديدة فيحصل عما نقلوه عنه عن الام قولان في الجديد ويمكن تنزيل التعبيرين عليهما وبتقدير انحصار المنع في الجديد على ما يشعر به لفظ الكتاب فالمسألة مما يفتى فيها علي القديم لان الاصح عند جمهور الاصحاب جواز الاقتداء ويجوز أن يعلم قوله ما لم يجز بالزاى لما ذكرناه من مذهب المزني
[ ٤ / ٤١١ ]
وقوله علي الجديد بالواو لامرين احدهما (الطريق الثاني) للخلاف في بعض الاحوال (والثانى) الطريق الثاني للخلاف في المسألة اصلا ورأسا * قال (وإذا شك المسبوق أن الامام هل رفع رأسه قبل ركوعه ففي ادراكه قولان لان لاصل انه لم يدرك ويعارضه أن الاصل أنه لم يرفع رأسه) *
[ ٤ / ٤١٢ ]
الاصل الذى تتفرع عليه المسألة أن من ادرك الامام في الركوع كان مدركا للركعة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال " من ادرك الركوع من الركعة الاخيرة يوم الجمعة فليضف إليها اخرى ومن لم يدرك
[ ٤ / ٤١٣ ]
الركوع من الركعة الاخيرة فليصل الظهر أربعا " وروى أن ابا بكرة دخل المسجد والنبي صلي
[ ٤ / ٤١٤ ]
الله عليه وسلم راكع فركع ثم دخل الصف واخبر النبي صلي الله عليه وسلم بذلك ووقعت ركعته معتدا بها وذكر في التتمة أن ابا عاصم العبادي حكى عن أحمد بن اسحق بن خزيمة من اصحابنا أنه
[ ٤ / ٤١٧ ]
قال لا تدرك الركعة بادراك الركوع ويجب تداركها * واحتج بما روى عن ابى هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من ادرك الامام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة " وروى
[ ٤ / ٤١٨ ]
الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور مثله عن ابى بكر الضبعى والمذهب المشهور الاول وعليه جرى الناس في الاعصار ويعتبر فيه ان يكون ذلك الركوع محسوبا للامام فان لم يكن ففيه كلام قد تعرض له في كتاب الجمعة وسنشرحه ثم ان شاء الله تعالي إذا عرفت ذلك فاعلم ان معنى ادراكه في الركوع ان يكتفى هو وامامه في حد اقل الركوع حتي لو كان هو في الهوى والامام في الارتفاع وقد بلغ هو حد الاقل قبل أن يرتفع الامام عنه كان مدركا وان لم يلتقيا فيه فلا هذه عبارة الاصحاب على طبقاتهم وهل يشترط ان يطمئن قبل ارتفاع الامام عن الحد المعتبر الاكثرون
[ ٤ / ٤١٩ ]
لم يتعرضوا له ورأيت في البيان اشتراط ذلك صريحا وبه يشعر كلام كثير من النقلة وهو الوجه والله اعلم ولو كبر وانحني وشك في انه هل بلغ الحد المعتبر قبل ارتفاع الامام عنه ام لا فهذه مسألة الكتاب وقد نقل فيها قولين وحكاهما في النهاية وجهين (احدهما) انه غير مدرك للركعة لان
الاصل عدم ادراك الركوع (والثانى) انه مدرك لها لان الاصل بقاء الامام في الركوع في زمان الشك والاول اظهر لان الحكم بادراك ما قبل الركوع بادراك الركوع علي خلاف الحقيقة لا يصار
[ ٤ / ٤٢٠ ]
إليه لا عند تيقن الركوع وان ادركه فيما بعد الركوع من الاركان لا يكون مدركا للركعة وعليه ان ايتابعه في الركن الذى ادركه فيه وان لم يكن محسوبا لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا اتي احدكم
[ ٤ / ٤٢١ ]
الصلاة والامام على حال فليصنع كما يصنع الامام " * (قال والمسبوق عن سلام الامام يقوم من غير تكبير علي النص) *
[ ٤ / ٤٢٢ ]
المسبوق إذا ادرك الامام في الركوع فقد ذكرنا انه يكبر للهوى بعد تكبيرة الافتتاح ولو ادركه
[ ٤ / ٤٢٣ ]
في السجدة الاولى أو الثانية أو في التشهد فهل يكبر للانتقال إليه فيه وجهان (احدهما) نعم كالركوع (واظهرهما) لا لان الركوع محسوب له فيكبر للانتقال إليه وههنا بخلافه ويخالف ايضا ما لو ادركه في
[ ٤ / ٤٢٤ ]
الاعتدال فما بعده فانه ينتقل مع الامام من ركن الي ركن مكبرا وان لم تكن محسوبة له لان ذلك لموافقة الامام ولذلك نقول يوافقه في قراءة التشهد وفى التسبيحات علي اصح الوجهين فهذا حكم تكبيره إذا لحق الامام اما إذا سلم الامام فقام المسبوق ليتدارك فقد قال في الكتاب انه يقوم من غير تكبير واسنده إلى نصه وهكذا فعل في الوسيط وذكر أن الشيخ ابا محمد قال أنه يكبر للانتقال ولم يرسل جمهور الائمة الخلاف في المسألة هكذا وحيث أثبتوا الخلاف لم يسندوا نفى التكبير إلى النص ولكن قالوا ينظر أن كان الجلوس الذى سلم من الامام موضع جلوس المسبوق كما لو ادركه
[ ٤ / ٤٢٥ ]
في الثالثة من الصلوات الرباعية أو في الثانية من المغرب فيقوم مكبرا فانه لو كان وحده لكان هكذا
يفعل وأن لم يكن موضع جلوسه كما إذا ادركه في الثانية أو الرابعة من الرباعيات أو في الثالثة من المغرب ففيه وجهان (اظهرهما) وبه قال القفال أنه لا يكبر عند قيامه لانه ليس موضع تكبيره وليس فيه موافقة الامام (والثاني) ويحكي عن أبى حامد أنه يكبر كيلا يخلو الانتقال عن ذكر ومتي لم يكن الموضع موضع جلوسه لم يجز له المكث بعد سلام الامام ولو مكث بطلت صلاته.
وأن كان موضع جلوسه لم يضر المكث وقوله والمسبوق عند سلام الامام لك أن تبحث فتقول الاعتبار بالتسليمة الاولى
[ ٤ / ٤٢٦ ]
أو الثانية (فاعلم) أن السنة أن يقوم عقيب تسليمتى الامام فان (الثانية) من الصلاة وان لم تكن مفروضة ويجوز أن يقوم عقيب الاولي ولو قام قبل تمامها بطلت صلاته أن تعمد القيام وهذا يبين أنه ليست كلمة عند للحصر اعني في قوله عند سلام الامام ومن الاصول في المسبوق أن ما يدركه مع الامام اول صلاته وما يأتي به بعد سلام الامام آخر صلاته حتي لو ادرك ركعة من المغرب فإذا قام لاتمام الباقي يجهر في الثانية ويسر في الثالثة ولو ادرك ركعة من الصبح وقنت مع الامام يعيد القنوت في الركعة التى يتداركها بعد سلام الامام ونص أنه لو ادرك ركعتين من صلاة رباعية ثم قام للتدارك يقرأ السورة بعد الفاتحة في الركعتين وهذا يخالف قياس الاصل الذى ذكرناه فمن الاصحاب من قاله أنه جواب على قوله يستحب قراءة السورة في الركعات ومنهم من قال انما امره بقراءة السورة لان امامه لم يقرأ السورة في الركعتين اللتين ادركهما المسبوق وفاتته فضيلتها فيتداركها في الركعتين الباقيتين فصار كما إذا ترك سورة الجمعة في الركعة الاولي من صلاة الجمعة يقرؤها مع سورة المنافقين في الثانية وقال أبو حنيفة ﵀ ما ادركه المسبوق مع الامام آخر صلاته الامام وما يتداركه بعد سلام الامام اول اصلاته ووافقنا علي أنه لو ادرك ركعة من المغرب وقام بعد سلام الامام للتدارك يقعد في الثانية ولو كان ما يتداركه أول صلاته لما قعد *
[ ٤ / ٤٢٧ ]
قال * (كتاب صلاة المسافرين) * (وفيه بابان الاول في القصر وهو رخصة عند وجود السبب والمحل والشرط)
لما يترجم العلماء هذا الباب بصلاة المسافرين لا علي معنى أن للمسافرين يختصون بها ولكن
[ ٤ / ٤٢٨ ]
علي معنى أن لهم كيفية في اقامة الفرائض لا تعم كل مصل وانما شرعت تخفيفا عليهم لما يلحقهم من تعب السفر وهى نوعان (احدهما) تخفيف في نفس الصلاة وهو القصر (والثاني) تخفيف في رعاية وقتها وهو الجمع فرسما لهم بابين والتخفيف الثاني لا يختص بالسفر بل المطر يثبته ايضا لكن السفر أقوى سببيه علي ما تبين في التفاصيل فجعل الآخر تبعا له واورد في صلاة المسافرين: أما القصر فهو جائز بالاجماع وقد قال تعالي (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن خفتم ان يفتنكم الذين كفروا) روى أن يعلي بن امية قال " قلت لعمر بن الخطاب ﵁ انما قال الله أن خفتم وقد أمن الناس فقال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقه تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " وهل هو رخصة أو عزيمة عندنا هو رخصة ولو اراد الاتمام جاز وبه قال احمد
[ ٤ / ٤٢٩ ]
لما روى عن عائشة ﵁ انها قالت " سافرت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما رجعت قال ما صنعت في سفرك فقالت اتممت الذى قصرت وصمت الذي افطرت فقال احسنت " وقال أبو حنيفة القصر عزيمة ولا تجوز الزيادة على الركعتين في الصلاة الرباعية ولو صلي اربعا فان قعد في الثانية مقدار التشهد اجزأت الركعتان عن فرضه والاخريان له نافلة وان لم يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته
[ ٤ / ٤٣٠ ]
وهذا في المنفرد اما إذا اقتدى بمقيم سلم أنه يتم وعن مالك روايتان (احداهما) كمذهبنا والاخرى كمذهبه وأعلموا في نسخ الكتاب قوله وهو رخصة بالحاء والميم اشارة إلى مذهبهما وظني أن هذا الاعلام فاسد لان وصف الشئ بانه رخصة قد يكون بالمعني المقابل للعزيمة وقد يكون بمعني أنه جائز - يقال ارخص لفلان في كذا أي جوز له ذلك - والاشبه أن المراد ههنا المعنى الثاني لانه قال عند وجود السبب والمحل والشرط ومعلوم أن الجواز يفتقر الي هذه الامور سواء كان رخصة أو عزيمة ولا يختص الافتقار إليها بالرخصة المقابلة للعزيمة وإذا كان المراد أنه جائز فلا
خلاف فيه حتى يعلم * قال (الاول السبب وهو كان سفر طويل مباح (ح) والمراد بالسفر ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم
[ ٤ / ٤٣١ ]
لا يترخص وانما يترخص المسافر عن مجاوزة السور أو عمران البلدان لم يكن له سور وأن لم يجاوز المزارع والبساتين ويشترط مجاوزتها علي سكان القرايا اعني المزارع المحوطة وعلي النازل في الوادي أن يخرج عن عرض الوادي أو يهبط أن كان علي ربوة أو يصعد ان كان في وهدة أو يجاوز الخيام أن كان في حلة) * السبب المجوز للقصر السفر الطويل المباح فهذه ثلاثة قيود (اولها) السفر وقد تكلم في معناة في ابتدائه وانتهائه.
اما معناه فلا بد فيه من ربط القصد بمقصد معلوم فلا رخصة للهائم الذى لا يدرى الي أين يتوجه وأن طال سيره لان كون السفر طويلا لا بد منه وهذا لا يدري أن سفره طويل ام لا والهائم هو الذى سماه راكب التعاسيف في باب الاستقبال ويجوز أن يعلم قوله فالهائم لا
[ ٤ / ٤٣٢ ]
يترخص بالواو لان صاحب البيان حكى عن بعضهم فيه وجهين بناء علي القولين فيما إذا سلك الطريق الطويل وترك القصير لا لغرض ولعل هذا بعد أن يسير مسافة القصر والله اعلم ولو استقبلته برية واضطر الي قطعها أو ربط قصده بمقصد معلوم بعد ما هام على وجهه اياما فهو منشئ للسفر من حينئذ وتنبه من لفظ الكتاب لامور (احدها) انما قال والمراد بالسفر ولم يذكر ان السفر عبارة عن المعنى الذى يخرج عنه الهائم لانه ينتظم أن يقال هو هائم في سفره (والثانى) أن في الكلام اضمارا معناه ربط قصد السير بمقصد معلوم لان مجرد النية لا يجعله مسافرا ولا تفيد الرخصة قال الله تعالى (وإذا ضربتم في الارض) الآية ربط القصر بالضرب في الارض لا بقصد الضرب وهذا بخلاف ما لو نوى المسافر الاقامة في موضع صالح لها حيث يصير مقيما لان الاصل الاقامة والسفر
[ ٤ / ٤٣٣ ]
عارض فيجوز أن يعود الي الاصل بمجرد النية (والثالث) أن قوله ربط القصد بمقصد معلوم يخرج
عنه ما لو خرج في طلب آبق لينصرف مهما لقيه لان المراد من المقصد المكان الذى يتوجه بسيره إليه وهو لا يقصد ثم مكانا معينا وهذه المسألة تذكر في الكتاب في قيد الطويل وسنذكرها ونظائرها من بعد: واما ابتداء السفر فيتبين بتفصيل كان الموضع الذى منه الارتحال فان ارتحل عن بلده نظر أن كان لها سور فلا بد من مجاوزته وأن كان داخل السور مزارع أو مواضع خربة لان جميع ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الاقامة وإذا جاوز السور فلفظ الكتاب كالصريح في أنه ابتداء السفر ولا يتوقف الترخص على شئ آخر لانه قال وانما يترخص المسافر عند مجاوزة السور ونقل كثير من الائمة يوافقه لكن في بعض تعاليق المروروذيين أنه أن كان خارج الصور دور
[ ٤ / ٤٣٤ ]
متلاصقة أو مقابر فلا بد من مفارقتها ويقرب من هذا ايراد الكلام في التهذيب فلك أن تقدر في المسألة وجهين وتوجه الاول بان تلك الابنية لا تعد من البلد ألا يرى أنه يقال مدرسة كذا خارج البلد ويوجه الثاني بانها من مواضع الاقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها فلها حكمها ولك ان لا تثبت خلافا في المسألة وتؤول احد النقلين علي الآخر (والثاني) اوفق لكلام الشافعي فانه ﵁ قال في المختصر وأن نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق المنازل أن كان حضريا فلم يعتبر السور وانما اعتبر مفارقة المنازل والله اعلم وأن لم يكن للبلدة سور اما في صوب سفره أو مطلقا فابتداء السفر بمفارقة العمران حتي لا يبقى بيت متصل ولا منفصل والخراب الذى يتخلل العمارات معدود من البلد كالنهر الحائل بين جانبى البلد مثل ما في بغداد فلا يترخص بالعبور من احد الجانبين الي الاخر وفى هذا شئ سنذكره في كتاب الجمعة أن شاء الله تعالى وان كانت اطراف البلدة خربة ولا عمارة وراءها فلفظ الكتاب يقتضي الاستغناء عن مجاوزتها فانه قال أو عمران البلد أن لم يكن
[ ٤ / ٤٣٥ ]
سور ووجهه أن الخراب ليس موضع اقامة وهذا هو الموافق للنص الذي قدمناه وهو الذى اورده صاحب التهذيب وقال اصحابنا العراقيون والشيخ أبو محمد لا بد من مجاوزتها لانها معدودة من البلدة ومجاوزة البلدة لا بد منها فليعلم قوله أو عمران البلد بالواو كذلك وهذا الخلاف فيما إذا كانت بقايا الحيطان
قائمة ولم يتخذوا الخراب مزارع ولا هجروه بالتحويط علي العامر فان كان الامر بخلافه فلا خلاف في أنه لا حاجة الي مجاوزتها ولا يشترط مجاورة البساتين والمزارع المتصلة بالبلد وأن كانت محوطة لانها لا تتخذ للسكنى والاقامة الا إذا كانت فيها قصور أو دور يسكنها ملاكها في جميع السنة أو في بعض فصلوها فلا بد من مجاوزتها حينئذ وليعلم قوله وأن لم يجاوز المزارع والبساتين بالواو لان صاحب التتمة حكى عن بعض الاصحاب اشتراط مجاوزة البساتين والمزارع المضافة الي البلدة مطلقا هذا كله فيما إذا ارتحل عن بلدة: اما القرية فحكمها حكم البلدة في جميع ما ذكرناه الا أنه شرط في الكتاب مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة في القرى (وقوله) في الكتاب اعني المزارع المحوطة ليس لتخصيص الحكم بالمزارع بل البساتين في معناها بطريق الاولى وقد صرح به في الوسيط ويمكن أن يقال الغالب في البساتين التحويط أو هو شرط في وقوع اسم البساتين فلم يحتج إلى اعادة ذكرها مقيدة بالتحويط وهذا الذى ذكره حجة الاسلام قدس الله روحه من اعتبار مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة جميعا بخلاف ما نقله غيره اما امام الحرمين فانه اعتبر مجاوزة البساتين وقال هي معدودة من القرى ولم يعتبر مجاوزة المزارع لانها ليست موضع سكون ثم قال لو كانت بساتينها غير محوطة على هيئة المزارع أو مزارعها محوطة فلا
[ ٤ / ٤٣٦ ]
يشترط عندي مجاوزتها فصرح ان مجاوزة المزارع وأن كات محوطة لا تشترط واما العراقيون من اصحابنا فانهم لم يشترطوا مجاوزة البساتين ولا مجاوزة المزارع لانهم ذكروا عدم الاشتراط في البلد ثم قالوا والحكم في القرى إذا اراد أن يسافر من القرية كالحكم في البلدى سواء هذا لفظ المحاملى وغيره فإذا يجب اعلام قوله ويشترط مجاوزتها جميعا علي سكان القرى بالواو ومعرفة ما فيه ولو فرضت قريتان ليس بينهما انفصال فارق فهما كمحلتين فيجب مجاوزتهما قال الامام وفيه احتمال ولو كان بينهما انفصال فإذا فارق قريته كفي وان كانتا في غاية التقارب وعن ابن سريج انهما إذا تقاربتا وجب مفارقتهما
[ ٤ / ٤٣٧ ]
ولو جمع سور قرى متفاصلة فلا يشترط للسفر منها مجاوزة ذلك السور وكذلك لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين ويتبين بهذا أن قوله في الكتاب عند مجاوزة السور المراد منه السور المختص بالموضع
الذي يرتحل منه واما المقيم في الصحارى فلا بد له من مفارقة البقعة التى اقام بها قدر ما يكون فيه رحله وامتعته وينتسب إليه فان سكن واديا وسافر في عرضه فلا بد من مجاوزة عرض الوادي نص عليه الشافعي ﵁ قال الاصحاب وهذا علي الغالب في اتساع الوادي فان افرطت السعة لم يجب الا مجاوزة القدر الذى يعد موضع نزوله أو موضع الحلة التى هو منها كما لو سافر في طول الوادي وعن القاضى ابي الطيب أن كلام الشافعي ﵁ مجرى علي اطلاقه وجانبا الوادي بمثابة سور البلد والنازل فيهما يتحصن بهما فلا بد من مجاوزتهما وإذا كان النازل على ربوة فلا بد من أن
[ ٤ / ٤٣٨ ]
يهبط وأن كان في وهدة فلا بد من أن يصعد وهذا ايضا عند الاعتدال كما ذكرنا في الوادي وإذا كان في قوم أهل خيام كالاعراب والاكراد فانما يترخص إذا فارق الخيام مجتمعة أو متفرقة ما دامت تعد حله واحدة وهى بمثابة ابنية البلدة والقرية ولا يعتبر مفارقته لحلة اخرى بل الحلتان كالقريتين المتقاربتين وضبط الصيدلاني التفرق الذى لا يؤثر بان يكونوا بحيث يجتمعون للسمر في ناد واحد ويستعير بعضهم من بعض فإذا كانوا بهذه الحالة فهم حى واحد ويعتبر مع مجاوزة الخيام مجاوزة مرافقها كمطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ومعاطن الابل فانها معدوة من جملة مواضع اقامتهم (وقوله) وعلي النازل في الوادي أن يخرج عن عرض الوادي وفى بعض النسخ أن يخرج عرض الوادي وفى بعضها أن يجاوز والمعنى لا يختلف يقال جزع الوادي أي قطعه وجزعة منعطفة وفي
[ ٤ / ٤٣٩ ]
الكلام اضمار معناه يشترط عليه الخروج عن عرض الوادي إن كان سفره في صوب العرض (وقوله) أو يهبط إن كان على ربوة لا يختص بالنازل في الوادي بل الربوة والوهدة في غير الوادي اغلب وقد يفرضان فيه ايضا والحكم لا يختلف وليست كلمة أو فيهما وفى مجاوزة الخيام للتخيير لكن المقصد التعرض لاحوال النازل في الصحراء وهو تارة يكون في واد وتارة علي ربوة وتارة في وهدة وتارة في مستو من الارض فلا يفرض في حقه خروج من العرض ولا هبوط ولا صعود ولكنه يجاوز الخيام إن كان في حلة ولا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي والصعود والهبوط بين المقيم والمنفرد في خيمة
وبين أن يكون في جماعة اهل خيام علي التفصيل الذى بيناه ولك أن تعلم قوله أو يجاوز الخيام بالواو لان القاضي ابن كج حكى وجها أنه لا يعتبر مفارقة الخيام بل يكفي مفارقة خيمته خاصة *
[ ٤ / ٤٤٠ ]
قال (فان رجع المسافر لاخذ شئ نسيه لم يقصر في رجوعه الي وطنه الا إذا رجع إلى بلد كان بها غريبا فاظهر الوجهين أنه يترخص وان كان قد أقام بها) إذا فارق المسافر بنيان البلدة ثم رجع إليها لحاجة كاخذ شئ نسيه وغسل الدم من رعاف اصابه وتجديد طهارة وما اشبه ذلك فلتلك البلدة أحوال ثلاث (أحداها) أن لا يكون له بها اقامة اصلا فلا يصير مقيما بالرجوع إليها والحصول فيها (والثانية) ان تكون وطنه فليس له القصر إذا عاد إليها لحصوله في مسكنه وموضع اقامته وانما يترخص إذا فارقها ثانيا (والثالثة) أن لا تكون وطنه لكنه قد اقام بها مدة فهل يترخص إذا عاد إليها فيه وجهان (أحدهما) لا كما لو كانت وطنا له وهذا هو الذى ذكره في التهذيب (والثانى) نعم لانه أبطل عزم الاقامة وليست وطنا له فكانت بالاضافة إليه كسائر
[ ٤ / ٤٤١ ]
المنازل وهذا هو المذكور في التتمة والاصح عند امام الحرمين وصاحب الكتاب وحيث حكمنا بانه لا يترخص إذا اعاد إليه فلو نوى ان يعود ولم يعد بعد لا يترخص أيضا ويصير بالنية مقيما ولا فرق بين حالة الرجوع وحالة الحصول في البلدة المرجوع إليها أن ترخص ترخص فيهما والا فلا وقد صرح بالتسوية بينهما في الوسيط وبينه بقوله ههنا لم يقصر في رجوعه إلى وطنه علي انه لا يقصر في الوطن بطريق الاولي ولا يخفي ان الكلام مفروض فيما إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن قدر مسافة القصر والا فهو سفر منشأ ويجوز أن يعلم قوله لم يقصر في رجوعه بالواو لان القاضي ابا المكارم ذكر في
[ ٤ / ٤٤٢ ]
العدة انه يجوز له القصر في طريق البلد ذاهبا وجائيا ما لم يدخل البلد فإذا دخل لا يقصر وقوله الا إذا رجع استثناء منفصل فان البلدة التى تكون وطنا له لا يكون الانسان غريبا بها *
قال (ثم نهاية سفره بالعود الي عمران الوطن أو بالعزم على الاقامة مطلقا أو مدة تزيد علي ثلاثة ايام ليس فيها يوم الدخول والخروج فان كان له في البلد غرض يعلم أنه لا ينتجز في ثلاثة ايام فهو مقيم الا إذا كان الغرض قتالا فيترخص علي ظهر القولين لفعل رسول الله ﷺ ذلك ثمانية عشر يوما وهل يزيد علي تلك المدة فقولان وان كان يتوقع انتجاز غرضه كل ساعة وهو علي عزم الارتحال ترخص ان كان الغرض قتالا وان كان غيره فقولان) * غرض الفصل فيما ينتهى به السفر وقد عده في الوسيط ثلاثة امور (أحدها) لعود الي الي الوطن والضبط فيه ان يرجع الي الموضع الذى شرطنا مفارقته في انشاء السفر منه وفى معنى الوصول
[ ٤ / ٤٤٣ ]
الي الوطن الوصول الي المقصد الذى عزم علي الاقامة فيه الحد المعتبر كما سيأتي ولو لم يعزم علي الاقامة به ذلك الحد لم ينته سفره بالوصول إليه علي أصح القولين بل له القصر بعد الوصول إليه وفى انصرافه ذكره في التهذيب وغيره ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة فهل ينتهى سفره بدخوله فيه قولان (أحدهما) نعم كدخول وطنه (واصحهما) لا " لان النبي ﷺ ومن معه من المهاجرين لما حجوا قصروا بمكة وكان لهم أهل وعشيرة " وطرد الصيدلاني هذين القولين فيما إذا مر في طريق سفره بوطنه لانه قال لو خرج مكى الي جدة أو إلى موضع آخر يقصر إليه الصلاة ونوى انه إذا رجع الي مكة خرج منها إلى بعض الآفاق من غير اقامة فهل يصير مقيما إذا دخلها راجعا فيه قولان وذلك ان الرجل إذا مر ببلدة له بها أهل ومال هل يصير بدخولها مقيما فيه قولان فعلى هذا العود الي الوطن لا يوجب انتهاء السفر الا إذا كان عازما علي الاقامة لكن المشهور انه يصير مقيما بنفس الدخول بلا خلاف ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه لاخذ شئ نسيه بانه
[ ٤ / ٤٤٤ ]
لا يقصر وقد نقل في البيان مثل ما ذكر الصيدلانى عن بعض الاصحاب واستبعده وقطع بانه لا يقصر إذا عاد إلى مكة ويصير مقيما (الثاني) نية الاقامة إذا نوى الاقامة في طريقه مطلقا انقطع سفره وصار مقيما لا يقصر فلو أنشأ السير بعده فهو سفر جديد فانما يقصر إذا توجه الي مرحلتين هذا إذا
نوى الاقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية أو واد يمكن للبدوي النزول فيه للاقامة فاما المفازة ونحوها فهل ينقطع سفره بنية الاقامة فيها فيه قولان (احدهما) وبه قال أبو حنيفة لا لان المكان غير صالح للاقامة (واظهرهما) عند جمهور الاصحاب نعم لقصده قطع السفر وهذا أوفق لمطلق لفظ الكتاب والاول ارجح عنده في الوسيط ولو نوى الاقامة مدة نظر إن نواها ثلاثة ايام فما دونها لم يصر مقيما بذلك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا " وكان يحرم على المهاجرين الاقامة بمكة ومساكنة
[ ٤ / ٤٤٥ ]
الكفار فلما رخص لهم في المكث هذا القدر اشعر ذلك بانه لا يقطع حكم السفر ولا يوجب الاقامة " ومنع عمر ﵁ أهل الذمة من الاقامة في أرض الحجاز وجوز للمجتازين بها المكث ثلاثة أيام " وان نوى الاقامة اكثر من ثلاثة أيام فعبارة الشافعي ﵁ وجمهور الاصحاب انه إذا قصد اقامة أربعة أيام صار مقيما وذلك يقتضي ان لا يكون قصد اقامة ما دون الاربعة منهيا للسفر وان زاد علي ثلاثة أيام
[ ٤ / ٤٤٦ ]
وقد صرح به كثيرون واختلفوا في ان الايام الاربعة كيف تحتسب على وجهين مذكورين في التهذيب وغيره (أحدهما) أنه يحتسب يوم الدخول والخروج كما يحسب يوم الحدث ويوم نزع الخف في مدة المسح (واصحهما) لا لان المسافر لا يستوعب النهار بالسير انما يسير في بعضه وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار ولانه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الامتعة ويوم الخروج في شغل الارتحال وهما من اشغال السفر فعلي الاول لو دخل يوم السبت وقت الزوال علي عزم الخروج يوم الاربعاء وقت الزوال فقد صار مقيما لبلوغ المكث في البلد أربعة أيام وعلي الثاني لا يصير مقيما وان دخل ضحوة يوم السبت علي عزم الخروج عشية يوم الاربعاء وقال صاحب الكتاب وشيخه متى نوى اقامة زيادة علي ثلاثة أيام فقد صار مقيما وهذا الذي ذكرناه يوهم انه على خلاف قول الجمهور لانهم احتملوا ما دون الاربعة وان زاد على الثلاثة وهما لم يحتملا زيادة وهو كذلك من حيث الصورة لكن لا خلاف في الحقيقة لانهم احتملوا زيادة لا تبلغ الاربعة غير يومي الدخول والخروج وهما لم يحتملا زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج وقرض الزيادة علي الثلاثة بحيث لا تبلغ الاربعة ويكون غير يومى الدخول والخروج مما لا يمكن وقد روى " ان النبي صلي الله عليه
وسلم دخل مكة عام حجة الوداع يوم الاحد وخرج يوم الخميس إلي منى كل ذلك يقصر " ثم الايام المحتملة معدودة مع الليالي لا محالة وإذا نوى اقامة القدر الذى لا يحتمل فيصير مقيما في الحال ولا يتوقف علي انقضاء المدة المحتملة ولو دخل ليلا لم يحتسب بقيه الليل ويحتسب الغد وجميع ما ذكرنا في غير المحارب فاما المحارب إذا نوى الاقامة قدرا لو نواه غيره لصار مقيما ففيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد وكثير من الائمة (احدهما) لا يصير مقيما وله القصر أبدا لانه قد يضطر الي الارتحال فلا يكون له قصد جازم (وأصحهما) انه يصير مقيما كغيره وهذا هو الموافق لاطلاق لفظ الكتاب
[ ٤ / ٤٤٧ ]
والخلاف كالخلاف فيما لو قصد الاقامة في موضع لا يصلح لها وقوله أو مدة تزيد على ثلاثة ايام معلم بالحاء والزاي لان عن أبى حنيفة لا يصير مقيما الا إذا نوى اقامة خمسة عشر يوما فصاعدا وهو اختيار المزني وحكى عن مالك واحمد مثل مذهبنا ويروى عن احمد انه أن نوى اثنين وعشرين صلاة اتم وأن نوى اقامة احدى وعشرين فما دونها قصر ويجوز أن يعلم بالالف ايضا (وقوله) ليس فيها يوم الدخول والخروج معلم بالواو لان على الاول من الوجهين المذكورين في كيفية الاحتساب لا يحتمل اليومان مع الثلاثة على الاطلاق الثالث صورة الاقامة إذا زادت علي ثلاثة ايام علي الوجه الذى بيناه فمهما عرض له شغل في بلدة أو قرية واحتاج الي الاقامة لذلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الشغل بحيث
[ ٤ / ٤٤٨ ]
يتوقع تنجزه لحظة فلحظة وهو علي عزم الارتحال متى تنجز أو يكون بحيث يعلم أنه لا يتنجز في الايام الثلاثة كالتفقه والتجارة الكثيرة ونحوهما فاما في الحالة الاولي فله القصر الي أربعة أيام علي ما تقدم وصفها ثم لا يخلو إما أن يكون على القتال أو خائفا منه أو لا يكون كذلك فان كان علي القتال أو خائفا منه ففى المسألة طريقان (اظهرهما) أن فيها قولين (احدهما) أنه ليس له القصر لان نفس الاقامة ابلغ من نية الاقامة فإذا امتنع القصر بنية اقامة اربع فصاعدا فلان يمتنع باقامتها كان أولي (واصحهما) أن له القصر لانه قد ثبت أن رسول الله ﷺ " اقام عام الفتح علي قتال هوازن اكثر من اربعة ايام يقصروا " على هذا كم يقصر فيه قولان (اصحهما) أنه يقصر
المدة التى قصر رسول الله صلي الله عليه وسلم وفيما عدا ذلك فالاصل وجوب الاتمام وقد اختلفت الرواية في مدة اقامته بمكة للحرب المذكور فروى أنه اقام سبعة عشر وروى أنه اقام تسعة عشر وروى أنه اقام عشرين وعن عمران بن الحصين ﵁ أنه اقام ثمانية عشر " قال
[ ٤ / ٤٤٩ ]
في التهذيب واعتمد الشافعي ﵁ رواية عمران بن حصين ﵁ لسلامتها عن الاختلاف (والقول) الثاني له القصر ابدا مادام علي هذه النية لما روى أنه صلي الله عليه وسلم وآله " اقام بتبوك عشرين يوما يقصر " وايضا فان الظاهر أنه لو زادت الحاجة لدام رسول الله صلى الله عليه
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وسلم علي القصر " وروى أن عمر ﵄ اقام باذربيجان ستة أشهر يقصر " (والطريق الثاني) انه لا خلاف في جواز القصر ثمانية عشر يوما وبعده قولان واما إذا لم يكن علي القتال ولا خائفا منه لكن اقام للتجارة ونحوها يتوقع تنجز الغرض لحظة فلحظة وهو علي عزم الارتحال فطريقان (احدهما) القطع بالمنع والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب اثرا في تغيير صورة الصلاة الا يرى أنه يحتمل بسببه ترك الركوع والسجود والقبلة (واظهرهما) أن فيه قولين ثم إن جوزنا ففى كيفيته قولان كما ذكرنا في المحارب وقد نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال " سافرنا مع رسول الله ﷺ فاقام سبعة عشر يوما يقصر فيه الصلاة " اشعر هذا الاطلاق بان حكم الحرب وغيره سواء وإذا اختصرت قلت في جواز القصر في هذه الحالة الاولي طريقان (اظهرهما) أن فيه ثلاثة اقوال سواء المحارب وغيره (احدها) منع القصر علي الاطلاق (والثاني) جوازه على الاطلاق وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد والمزني رحمهم الله تعالى (والثالث) وهو الاصح جوازه إلى ثمانية عشر يوما والمنع بعده (والطريق الثاني) أن هذه الاقوال في المحارب وفى غيره يقطع بالمنع (الحالة الثانية) أن يكون الشغل بحيث يعلم أنه لا يتنجز في ثلاثة ايام ونتكلم ايضا في المحارب ثم في غيره فاما المحارب فقد اطلق في الوسيط ذكر قولين فيه (احدهما) أن له القصر لفعل رسول الله ﷺ في بعض الغزوات (والثاني) المنع لانه مقيم ومجرد القتال لا يرخص وفعل النبي
صلي الله عليه وسلم محمول علي عزم الارتحال كل يوم والاحسن ما اشار إليه امام الحرمين وهو ترتيب هذه الحالة على الاولى إن قلنا المحارب ثم لا يقصر فههنا أولي وأن قلنا يقصر فههنا قولان والفرق أنه متردد ثم وههنا مطمئن ساكن بعيد عن هيئة المسافرين وإذا قلنا يترخص فهل يزيد علي ثمانية عشر يوما فيه قولان كما في الحالة الاولى واما غير المحارب كالمتفقه والتاجر تجارة كثيرة فظاهر المذهب أنه لا يترخص وهو مقيم لان ارتحاله موقوف في عزمه على تنجز شغله وذلك غير متنجز في المدة التى يحتمل اقامتها وقياس التسوية بين المحارب وغيره عود الخلاف ههنا وقد اشار إليه صاحب النهاية واستنكره وقال هو نتيجة التفريع على الاقوال الضعيفة إذا عرفت حكم الحالتين فارجع إلى لفظ الكتاب واعلم أن ثانيتهما في الشرح اولاهما في نظم الكتاب وأن قوله فهو مقيم
[ ٤ / ٤٥١ ]
الا إذا كان الغرض قتالا يجوز أن يعلم لفظ المقيم بالواو للوجه الذى ذكرناه الآن في غير المحارب وقوله الا إذا كان الغرض قتالا كلام في المحارب ولا فرق بين أن يكون مشغولا بالحرب أو مستعدا له أو خائفا منه وأن لم يتمحض ذلك غرضا له والحكم سواء في جميع هذه المسائل واعرف في قوله فيترخص علي اظهر القولين اشياء (احدها) أنه يجوز اعلام القولين اشياء (احدها) أنه يجوز اعلام قوله علي اظهر القولين بالواو اشارة إلى طريقة تحصل بما حكينا من ترتيب الحالة الثانية على الاولي ويحرم بالمنع (والثاني) أن الحكم بكون الترخص اظهر القولين ليس في هذه الحالة علي خلاف المشهور وانما جعلوا قول الترخص اظهر واصح فيما إذا كان يتوقع تنجز الغرض كل ساعة واما هذه الصورة فقد جعلوها بمثابة ما لو عزم علي الاقامة مدة طويلة وقد ذكرنا أنه أن كان محاربا ففي ترخصه قولان والاصح منهما أنه لا يترخص وهو مقيم (والثالث) أنه اراد بقوله فيترخص علي اظهر القولين أنه يترخص ثمانية عشر يوما علي ما يثبته سياق الكلام والمقابل له أنه لا يترخص هذه المدة وحينئذ ما لحكم أنقول لا يترخص اصلا أم يترخص دون هذه المدة (أن قلنا) الحكم في هذه الحالة كالحكم فيما إذا كان يتوقع نجاز غرضه كل ساعة (فيترخص) ثلاثة ايام كما سبق (وأن قلنا) أنه مطمئن ليس على هيئة المسافرين فلا يترخص اصلا كما إذا نوى الاقامة فوق الاربعة يصير مقيما في الحال
(وقوله) وأن كان يتوقع انجاز غرض الي آخره هو الحالة الاولى وقوله فيترخص يجوز أن يكون
[ ٤ / ٤٥٢ ]
جوابا علي الطريقة القاطعة بالترخص الي ثمانية عشر يوما ويجوز أن يكون جوابا علي الاصح مع تسليم الخلاف وهو الذى ذكره في الوسيط علي التقديرين فهو معلم بالواو ثم لم يبين أنه كم يترخص وربما يفهم ظاهر اللفظ الترخيص علي الاطلاق لكن الاصح أنه لا يترخص بعد الثمانية عشر وقد بينا جميع ذلك * قال (اما الطويل فحده مسيرة يومين (ح) وهو ستة عشر فرسخا لا يحتسب فيه مدة الاياب ويشترط عزمه في اول السفر فلو خرج في طلب آبق لينصرف مهما لقيه لم يترخص وإن تمادى سفره الا إذا علم أنه لا يلقاه قبل مرحلتين ولو ترك الطريق القصير وعدل الي الطويل لغير عرض لم يترخص (ح وز) ومهما بدا له الرجوع في اثناء سفره انقطع سفره فليتم إلى أن ينفصل عن مكانه متوجها الي مرحلتين) * القيد الثاني كون السفر طويلا واختلفت عبارات الشافعي ﵁ في حده فقال في المختصر وغيره ستة واربعون ميلا بالهاشمي وقال في موضع ثمانية وأربعون ميلا وقال في موضع أربعون ميلا وقال في موضع أربعة برد وقال في موضع مسيرة يومين واتفق الاصحاب على أنه ليس له في ذلك اختلاف قول وحيث قال ستة وأربعون اراد ما سوى الميل الاول والآخر وحيث قال ثمانية وأربعون ادخلهما في الحساب وحيث قال أربعون اراد باميال بني امية وهي ثمانية وأربعون ميلا وهي اميال هاشم جد رسول الله ﷺ وكان قد قدر اميال البادية فيكون ستة عشر فرسخا لان كل ثلاثة اميال فرسخ وهى أربعة برد لان كل بريد أربعة فراسخ ومسيرة يومين لان مسيرة كل يوم على الاعتدال ثمانية فراسخ وكل ميل أربعة آلاف خطوة واثنا عشر الف قدم لان كل خطوة ثلاثة اقدام وقال أبو حنيفة السفر الطويل مسيرة ثلاثة ايام ولم يقدر بالفراسخ والاميال وذكر القاضي الرويانى وغيره من اصحابنا أنه أربعة وعشرون فرسخا عنده وهو علي قياس مسيرة اليومين كما ذكرنا لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى
[ ٤ / ٤٥٣ ]
الله عليه وسلم قال " يا اهل مكة لا تقصروا في اقل من أربعة برد من مكة الي عسفان والي الطائف " وهو يقتضي الترخيص في هذا القدر وروى مثل مذهبنا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين وبه قال مالك وأحمد واستحب الشافعي ﵁ أن لا يقصر في اقل من مسيرة ثلاثة ايام للخروج من الخلاف وما ذكرناه من تفسير الطول معتبر بالتقريب أو بالتحديد حكي القاضى الروياني فيه وجهين وقال الصحيح أنه تحديد ونقل الحناطى وصاحب البيان قولا أن القصر يجوز في السفر القصير بشرط الخوف لعموم قوله تعالي (وإذا ضربتم في الارض) الآية فان ثبت ذلك اقتضي اعلام لفظ الطويل عند قوله قبل هذا وهو كل سفر طويل مباح بالواو
[ ٤ / ٤٥٤ ]
ثم في الفصل مسائل (احداها) مسافة الاياب لا تحتسب في الحد المذكور حتى لو قصد موضعا على مرحلة علي عزم أن يرجع ولا يقيم فيه فليس له القصر لا ذاهبا ولا جائيا وأن نالته مشقة السير مرحلتين علي التوالي لانه لا يسمي سفرا طويلا والغالب في الرخص الاتباع وما رويناه من خبر ابن عباس ﵄ ظاهر في أن المعتبر المسافة التى يقطعها من منشأ سفره الي مقصده وحكي الحناطى وجها أنه إذا كان الذهاب والرجوع حد السفر الذى يقصر إليه الصلاة قصر فيجوز أن يعلم قوله لا يحتسب بالواو لذلك (الثانية) يشترط عزمه على قطع هذه المسافة في الابتداء فلو خرج لطلب غريم أو عبد آبق لينصرف مهما لقيه وهو لا يدرى موضعه لم يترخص وأن طال سيره كما ذكرناه في الهائم فإذا وجده وعزم علي الرجوع إلى بلده وبينهما مسافة القصر يترخص إذا ارتحل عن ذلك الموضع ولو كان يعرف موضعه في ابتداء السير أو يعرف أنه لا يلقاه قبل مرحلتين فله الترخص ولو قصد مسافة القصر ثم نوى أنه أن وجد عبده أو غريمه ينصرف نظر أن نوى ذلك قبل مفارقة عمران البلد لم يترخص لانه غير النية قبل انعقاد حكم السفر وان نواه بعد مفارقة العمران ففيه وجهان مذكوران في النهاية والتهذيب (اصحهما) أنه يترخص ما لم يجده فإذا وجده صار مقيما لان سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه الي أن يوجد ما غير النية إليه وكذلك لو نوى الخروج الي مسافة
القصر ثم نوى الاقامة في بلد وسط الطريق أن كان من مخرجه الي المقصد الثاني مسافة القصر يترخص وأن كان اقل فوجهان (أصحهما) أنه يترخص ما لم يدخله كما في مسألة الغريم وإذا سافر العبد بسير المولي والمرأة بسير الزوج والجندى بسفر الامير وهم لا يعرفون مقصدهم فليس لهم القصر وأن نووا مسافة القصر فلا عبرة بنية العبد والمرأة وتعتبر نية الجندي فانه ليس تحت يد الامير وقهره وأن عرفوا مقصدهم ونووا فلهم القصر وقال أبو حنيفة العبد والمرأة يترخصان تبعا للسيد والزوج وأن لم يعرفا المقصد (الثالثة) لو كان له إلى مقصده طريقان يبلغ احدهما مسافة القصر والثانى لا يبلغها فسلك الطريق الطويل نظر ان كان لغرض كخوف أو حزونة في القصير أو قصد زيارة أو عبادة في الطويل فله القصر ولو قصد التنزه فكذلك وعن الشيخ ابى محمد رحمه الله تعالى تردد في اعتباره وان قصد الترخص ولم يكن له غرض سواه ففى المسألة طريقان (اظهرهما) أن في الترخص قولين (احدهما) انه يترخص وبه قال أبو حنيفة والمزنى وهو نصه في الاملاء لانه سفر مباح فأشبه سائر الاسفار (واصحهما) انه لا يترخص لانه طول الطريق علي نفسه من غير غرض فصار كما لو سلك الطريق القصير وكان يذهب يمينا وشمالا وطول على نفسه حتي بلغت المرحلة مرحلتين فانه لا يترخص (والطريق
[ ٤ / ٤٥٥ ]
الثاني) القطع بهذا القول الثاني وحمل نصه في الاملاء علي ما إذا سلكه لغرض ولو كان يبلغ كل واحد من الطريقين مسافة القصر واحدهما أطول فسلك الاطول فله القصر بلا خلاف إذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب لم يترخص يجوز ان يكون جوابا على الطريقة الجازمه بالمنع ويجوز ان يكون جوابا علي الاصح مع اثبات الخلاف وعلي التقديرين فهو معلم بالواو مع الحاء والزاى (الرابعة) إذا خرج الي بلدة والمسافة طويلة ثم بدا له في اثناء السفر أن يرجع فقد انقطع سفره بهذا القصد ولم يكن له ان يقصر ما دام في ذلك الموضع فإذا ارتحل عنه فهو سفر جديد فانما يقصر إذا توجه من ذلك المكان الي مرحلتين سواء رجع أو بطل عزمه وسار إلى مقصده الاول وتوجه إلى غيرهما ولو توجه الي بلد لا تقصر إليه الصلاة ثم نوى مجاوزته إلى بلد تقصر إليه الصلاة فابتداء سفره من حين غير النية وانما يترخص إذا كان من ذلك الموضع الي مقصده الثاني مرحلتان ولو خرج إلى سفر طويل على قصد الاقامة
في كل مرحلة اربعة ايام لم يترخص لانقطاع كل سفرة عن الاخرى * قال (واما المباح فالعاصي بسفره (ح ز) لا يترخص كالآبق والعاق فان طرأت المعصية في اثناء السفر ترخص علي النص وكذا علي العكس وفي تناول الميتة ومسح يوم وليلة وجهان (اصحهما) الجواز لانها ليسا من خصائص السفر) * القيد الثالث كون السفر مباحا وليس المراد من المباح في هذا الموضع ما خير بين طرفيه واعتدلا فان الرخصة كما تثبت في سفر التجارة تثبت في سفر الطاعة كالحج والجهاد ونحوهما وانما المراد منه ما ليس بمعصية واما سفر المعصية فلا يفيد الرخصة خلافا لابي حنيفة والمزنى وذلك كهرب العبد من مولاه والمرأة من زوجها والغريم مع القدرة علي الاداء وكما إذا سافر ليقطع الطريق أو ليزني بامرأة أو ليقتل بريئا: لنا أن الرخصة اثبتت نخفيفا وإعانة على السفر ولا سبيل إلى اعانة العاصي فيما هو عاص به بخلاف ما لو كان السفر مباحا وهو يرتكب المعاصي في طريقه فانه لا يمنع ثم من السفر انما يمنع من المعصية ولو انشأ سفرا مباحا ثم نقله إلى معصية ففيه وجهان (احدهما) أنه يترخص لان هذا السفر انعقد مباحا مرخصا والشرط يراعي في الابتداء (والثاني) لا يترخص كما لو انشأ السفر بهذه النية هكذا أرسل الجمهور ذكر الوجهين في المسألة وكلامهم يميل إلى ترجيح الوجه الثاني وقد صرح به في العدة ونسب في النهاية القول بالترخص الي ظاهر النص والثانى إلى تخريج ابن سريج وتابعه في الكتاب فقال ترخص علي النص والاقتصار عليه يفهم ظهور القول بالترخص لكنه ذكر في الوسيط ان عدم الترخص اوضح كما حكيناه عن غيره ولو انشأ السفر علي قصد معصية
[ ٤ / ٤٥٦ ]
ثم تاب وبدل قصده من غير تغيير صوب السفر فالذي قاله الاكثرون في هذه الصورة أن ابتداء سفره من ذلك الموضع أن كان منه إلى مقصده مسافة القصر ترخص والا فلا وحكى في النهاية عن شيخه أن عروض قصد الطاعة على سفر المعصية كعروض قصد المعصية علي سفر الطاعة فقياس ظاهر النص أنه لا يترخص لفقد الشرط في الابتداء وعند ابن سريج يترخص نظرا الي الحال (وقوله) في الكتاب وكذا علي العكس يوهم انه يترخص في العكس لانه معطوف علي قوله ترخص على النص وما اراد
به ذلك وانما اراد العطف على معنى النص وهو النظر الي الابتداء فكأنه قال ترخص علي النص اعتبارا بالابتداء وكذا علي العكس ينظر إلى الابتداء فلا يترخص وعلي التخريج وهو الاظهر ينظر الي الحال في الصورتين إذا عرفت ذلك فنقول العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر ولا يتنفل على الراحلة ولا يجمع بين الصلاتين ولا يمسح ثلاثة أيام وهل يمسح يوما وليلة فيه وجهان (احدهما) لا لما فيه من التخفيف عليه وتسرعه بسبب ذلك إلى المعصية (واظهرهما) عند الجمهور نعم لان المسح يوما وليلة ليس من رخص المسافرين بل هو جائز للحاضر ايضا وغاية ما في باب الحاق هذا السفر بالعدم لكن حكى عن الشيخ ابى محمد ان المقيم إذا كان يدأب في معصية ولو مسح علي خفيه لكان ذلك عونا له عليها فيحتمل انه يمنعه من المسح واستحسن الامام ذلك فعلي هذا يتوجه ان يقال أنه ليس من خصائص السفر ولا الحضر لكنه من مرافق اللبس بشرط عدم المعصية وهل للعاصي بسفره ان يتناول الميتة عند الاضطرار فيه وجهان نقلهما صاحب النهاية وغيرهما
[ ٤ / ٤٥٧ ]
احدهما به قال الاودني لا لما فيه من التخفيف علي العاصي وهو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بان يتوب ثم يأكل (والثاني) نعم احياء للنفس المشرفة علي الهلاك ولان المقيم متمكن من تناول الميتة عند الاضطرار فليس ذلك من رخص السفر فاشبه تناول الاطعمة المباحة لما لم يكن من خصائص السفر لم يمنع منه العاصى بسفره وبالوجه الاول قطع عامة الاصحاب من العراقيين وغيرهم ونفوا الخلاف في المسألة وقد قيل في المقيم العاصى ليس له تناول الميتة ايضا ما لم يتب والله اعلم * وهذا الشرح ينبهك من لفظ الكتاب في المسألتين علي امرين (احدهما) أنه يجوز أن يعلم قوله وجهان بالواو لانه اثبت في المسألتين وجهين وقد ذكرنا أن بعضهم يقطع بالمنع في تناول الميتة (والثانى) أنه جعل اصح الوجهين في المسألتين الجواز وهذا مسلم في المسح يوما وليلة ممنوع في تناول الميتة على رأي الجمهور ويجوز أن يعلم لفظ الجواز بالالف لان عند احمد لا يجوز له تناول الميتة كما هو احد وجهينا ومما الحق بسفر المعصية أن يتعب الانسان نفسه ويعذب دابته بالركض من غير غرض ذكر الصيدلانى أنه لا يحل له ذلك ولو كان الرجل ينتقل من بلدة الي بلدة من غير غرض صحيح فقد قال في النهاية أنه لا يترخص وأن خرج عن مضاهاة من
يهيم وظهر له مقصد ونقل عن الشيخ ابى محمد أن السفر لمجرد رؤية البلاد والنظر إليها ليس من الاغراض الصحيحة * قال (: النظر الثاني: في محل القصر وهو كل صلاة رباعية مؤداة في السفر فلا قصر في الصبح والمغرب ولا في فوائت الحضر وفى فوائت السفر ثلاثة اقوال يفرق في الثالث بين أن يقضى في الحضر أو السفر) * محل القصر كل صلاة رباعية مؤداة في السفر وذكر في الوسيط قيدا آخر وهو أن يدرك وقتها في السفر للمسألة التى تأتى بعد هذا الفصل فيخرج عن الرباعية المغرب والصبح فلا قصر فيهما بالاجماع ويخرج عن المؤادة في السفر المقضية وينظر فيها أن كانت فائتة الحضر فلا يجوز للمسافر قصرها خلافا للمزني حيث قال يجوز اعتبارا بحال القضاء كما لو ترك صلاة في الصحة له قضاؤها في المرض قاعدا * لنا أنه لزمته الاربع فلا يجوز النقصان كما لو لم يسافر ويفارق صلاة المريض لان المرض حالة ضرورة فيحتمل له مالا يحتمل للسفر الا يرى أنه لو شرع في الصلاة قائما ثم طرأ المرض له ان يقعد ولو شرع فيها في الحضر وسارت به السفينة لم يكن له ان يقصر وان تردد انها فائتة السفر أو الحضر فكذلك لا يجوز له قصرها واما فائتة السفر فاما ان يقضيها في السفر أو في الحضر فان قضي في السفر فاما ان يقضى في تلك السفرة أو في سفرة اخرى فان قضى في تلك السفرة ففيه قولان (احدهما) انه لا يجوز له القصر لان شرط الرد الي ركعتين الوقت بدليل الجمعة (والثانى) يجوز لان اللازم
[ ٤ / ٤٥٨ ]
عليه ركعتان فيجزئه في القضاء ركعتان وجعل صاحب التهذيب والتتمة المنع اصح القولين لكن ما عليه الاكثرون من العراقيين وغيرهم أن الاصح الجواز لبقاء العذر المرخص واما إذا قضى في سفرة اخرى ففيه طريقان (اظهرهما) طرد القولين (والثاني) القطع بالمنع والفرق أن الامر بالقضاء متوجه عليه في كل حالة فإذا لم يقض وقد تخللت حالة اقامة فكأنه تركها في تلك الحالة كما لو غصب شيئا وتلف عنده لزمه اقصى القيم لانه مخاطب في كل حالة بالرد فإذا لم يرد التزم قيمة اكمل الاحوال وأن قضاها في الحضر اطرد الطريقان والمنع ههنا أوضح وأصح ورتب في النهاية بعض
الصور الثلاث علي بعض فحكي قولين فيما إذا قضي في ذلك السفر وفيما إذا قضي في الحضر قولين مرتبين عليهما وأولى بالمنع وجعل الصورة الثالثة متوسطة بينهما ان رتبت علي الاولي فهي أولي بالمنع وان رتبت على الثانية فهى اولى بالجواز وإذا اختصرت وتركت التفصيل قلت في المسألة أقوالا كما ذكر في الكتاب (أحدها) وهو القديم الجواز علي الاطلاق وبه قال أبو حنيفة ومالك (وثانيها) وهو الجديد المنع علي الاطلاق وبه قال احمد (واظهرها) ويحكي عن الاملاء الفرق بين ان يقضى في الحضر وفى السفر وهذا إذا طردنا القولين في القضاء في تلك السفرة وفى سفرة أخرى وان فرقنا صارت الاقوال أربعة واعلم قوله يفرق في الثالث بالحاء والميم لما ذكرنا من مذهبهما ونقل في الوسيط ان مذهب المزني الجواز على الاطلاق ايضا لكن روى الصيدلاني وغيره عنه المنع فيما إذا قضي في الحضر وهذا هو الصحيح وقياس مذهبه المشهور في عكسه وهو ما إذا فاتته في الحضر فيقضي في السفر كما تقدم وإذا قلنا فائتة السفر لا تقصر وان قضيت في تلك السفرة فلو شرع في الصلاة بنية القصر فخرج الوقت في اثنائها فهو مبنى علي أن الصلاة التى يقع بعضها في الوقت وبعضها خارجه قضاء ام اداء وقد قدمنا ذلك في باب المواقيت وتعرضنا لهذه الصور فيه وظاهر المذهب أنه ان وقع في الوقت ركعة فهى اداء فيقصر على هذا القول ايضا وإن وقع دون ركعة فلا يقصر علي هذا القول أنها قضاء وعن صاحب التلخيص أنه يجب الاتمام وإن وقع في الوقت ركعة كالجمعة إذا وقع بعضها خارج الوقت يتمها أربعا * قال (والمسافر في آخر الوقت يقصر والحائض إذا أدركت أول الوقت ثم حاضت تلزمها الصلاة لان هذا القدر كل وقت الامكان في حقها بخلاف المسافر هذا هو النص وقيل فيهما قولان بالنقل والتخريج) * إذا سافر في اثناء الوقت وقد مضى منه قدرا يتمكن من فعل الصلاة فيه فالنص أنه يجوز له القصر ونص فيما لو ادركت من أول الوقت قدر الامكان ثم حاضت يلزمها القضاء وكذلك سائر أصحاب
[ ٤ / ٤٥٩ ]
العذر واختلفوا في المسألتين علي طريقين (أحدهما) أن فيهما قولين (أحدهما) ان أدرك أول الوقت ملزم
فالحائض تقضي تلك الصلاة والمسافر يتم لان الصلاة تجب باول الوقت وقد أدركا وقت الوجوب (والثانى) أنه لا يلزمها الصلاة ويجوز له القصر لان الاستقرار انما يكون بآخر الوقت ولهذا نقول لو أخر الصلاة عن أول الوقت ومات لا يلقى الله تعالى عاصيا علي الاصح (والثاني) تقرير النصين والفرق أن الحيض مانع من الصلاة فإذا طرأ انحصر وقت الامكان في حقها في ذلك القدر وكأنها أدركت جميع الوقت بخلاف المسافر فان السفر غير مانع وأيضا فان الحيض لو أثر انما أثر في اسقاط الصلاة بالكلية والقول بالسقوط مع ادراك وقت الوجوب بعيد والسفر انما يؤثر في كيفية الاداء لا في أصل الفعل فاشبه ما لو أدرك العبد من الوقت قدر ما يصلى فيه الظهر ثم عتق يلزمه الجمعة دون الظهر وظاهر المذهب الفرق بين المسألتين علي موجب النصين سواء أثبتنا طريقة القولين أم لا ونقل الاصحاب عن المزني وابن سريج في مسألة المسافر أنه لا يقصر وأعلم قوله في الكتاب يقصر بالزاى لذلك لكنه تخريج من المزني للشافعي ﵁ خرجه من مسألة الحائض وليس مذهبا له لانا قدمنا عنه أنه لو ذهب جميع الوقت في الحضر وفاتته الصلاة كان له القصر إذا قضاها في السفر فههنا أولي فإذا لا يصح الاعلام بالزاى وأما ابن سريج فانه خرج من كل واحدة من المسألتين في الاخرى واختار عدم القصر وقد ذكرنا تخريجه في الحائض من هذه المسألة في باب المواقيت في الفصل الثاني ووافق أبو الطيب بن سلمة ابن سريج علي أنه لا يقصر لكن لا علي الاطلاق بل فيما إذا سافر ولم يبق من الوقت إلا قدر أربع ركعات لانه إذا ضاق الوقت تعين عليه صلاة الحضر فهذا مذهب ثالث وراء القولين وان سافر وقد بقى من الوقت أقل من قدر الصلاة فجواز القصر يبنى علي ان من أوقع بعض صلاته في الوقت وبعضها خارجه تكون جميع صلاته اداء أم لا ان قلنا نعم قصر وإلا فلا (وقوله) والمسافر في آخر الوقت ليس المراد منه الجزء الآخر بل المراد ما إذا سافر وقد مضي من أوله ما يسع الصلاة وكذا قوله والحائض إذا أدركت أول الوقت ثم حاضت يعني أدركت منه ما يسع للصلاة ولو قال ولو ادركت المرأة أول الوقت ثم حاضت بدل الحائض لكان أحسن ولو سافر والماضي من الوقت دون ما يسع للصلاة فقد قال في النهاية ينبغي أن يمتنع القصر ان قلنا أنه يمتنع لو كان الماضي قدر ما يسع للصلاة بخلاف ما لو حاضت بعد مضى القدر الناقص حيث لا يلزمها الصلاة على الصحيح لان عروض السفر لا ينافى اتمام الصلاة وعروض الحيض ينافيه *
قال (النظر الثالث: في الشرط وهو اثنان (الاول) أن لا يقتدى بمقيم فلو اقتدى ولو في لحظة (م) لزمه الاتمام ولو شك في ان امامه مقيم ام لا لزمه الاتمام ولو شك في انه نوى الاتمام وهو مسافر لم يلزمه الاتمام لان نية الاتمام لا شعار لها بخلاف المسافر) *
[ ٤ / ٤٦٠ ]
جعل شرط القصر شيئين (احدهما) ان لا يقتدى في صلاته بمقيم أو بمسافر متم فلو فعل ذلك ولو في لحظة لزمه الاتمام خلافا لمالك حيث قال ان ادرك معه ركعة لزمه الاتمام وان ادرك دون ركعة فله القصر لنا ما روى " انه سئل ابن عباس ﵄ ما بال المسافر يصلى ركعتين إذا انفرد واربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة " والمفهوم منه سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم واعلم قوله ولو في لحظة بالميم لما حكيناه عن مالك والاقتداء في لحظة يفرض من وجوه كثيرة (منها) ان يدرك الاما في آخر صلاته (ومنها) ان يحدث الامام عقيب اقتدائه وينصرف وقوله ان لا يقتدى بمقيم في بعض النسخ بمتم وهو اعم فان كل مقيم متم وقد يكون المسافر متما ايضا والحكم لا يختلف وعند ابى حنيفة انه إذا صلى مسافر بمسافرين ونووا الاتمام جاز لهم القصر وسلم انه إذا اقتدى بمقيم لم يجز القصر فإذا كانت النسخة أن لا يقتدى بمقيم جاز اعلام الحكم بالحاء ولو اقتدى في الظهر بمن يقضى الصبح مسافرا كان أو مقيما فهل له القصر فيه وجهان (أحدهما) نعم لتوافق الصلاتين في العدد (وأصحهما) لا لان الصلاة تامة في نفسها ولو دخل في مروره بلدة وأهلها يقيمون الجمعة فاقتدى في الظهر بالجمعة قيل ان قلنا ان الجمعة ظهر مقصورة فله القصر وإلا فهي كالصبح وظاهر المذهب عند الاكثرين المنع بكل حال لانها صلاة إقامة وهو الموافق لظاهر لفظ الكتاب إذا عرف ذلك فنقول المسافر اما أن يعلم حال الذى يقتدى به في السفر والاقامة أو لا يعلم فان علم نظر ان عرفه مقيما فقد ذكرنا ان عليه الاتمام وكذا لو ظنه مقيما فلو اقتدى به ونوى القصر انعقدت صلاته ولغت نية القصر بخلاف المقيم ينوى القصر لا ينعقد ظهره لانه ليس من أهل القصر والمسافر من أهله فلا يضره نية القصر كما لو شرع في الصلاة بنية القصر ثم نوى الاتمام أو صار مقيما فانه يتم وإن عرفه أو ظنه مسافرا وعرف انه نوى القصر أو ظنه فله أن ينوى القصر وان لم يدر انه نوى القصر أم لا فكذلك
[ ٤ / ٤٦١ ]
ولا يلزمه الاتمام بهذا التردد لان الظاهر من حال المسافر القصر وليس للنية شعار يعرف به فهو غير مقصر في الاقتداء علي التردد ولو عرض هذا التردد في أثناء الصلاة فكذلك لا يلزمه الاتمام ومتى لم يعرف نيته فهل يجوز أن يعلق نيته فيقول ان قصر قصرت وإن أتم أتممت أو لابد من الجزم بالقصر فيه وجهان (أصحهما) جواز التعليق فان الحكم متعلق به وان جزم إن أتم الامام أتم وان قصر قصر ولو أفسد الامام صلاته أو فسدت ثم قال كنت نويت القصر فللمأموم القصر وإن قال كنت نويت الاتمام لزمه الاتمام وان انصرف ولم يظهر للمأموم ما نواه فوجهان حكاهما أصحابنا العراقيون (أظهرهما) وبه قال أبو اسحق يلزمه الاتمام لانه شاك في عدد ما يلزمه من الركعات فيأخذ باليقين (والثانى) وبه قال ابن سريج له القصر لانه افتتح الصلاة بنية القصر خلف من الظاهر من حاله القصر ويتبين بما ذكرنا ان قوله في الكتاب ولو شك في ان إمامه هل نوى الاتمام وهو مسافر لم يلزمه الاتمام ليس علي اطلاقه بل لو ظهر ان الامام نوى الاتمام يلزمه الاتمام وهل يشترط لعدم لزوم الاتمام ظهور نية القصر للامام أم لا ويكفى استمرار التردد فيه الوجهان المذكوران والموافق لاطلاق اللفظ هو المنسوب الي ابن سريج ولو قال حجة الاسلام ولو شك امامه هل نوى القصر بدلا عن قوله هل نوى الاتمام لكان احسن لانه لو لم ينو الاتمام ولا القصر كان بمثابة ما لو نوى الاتمام كما سيأتي في الشرط الثاني فانما ثبت الوجه إذا نوى القصر لا إذا لم ينو الاتمام وأما إذا لم يعرف انه مسافر أو مقيم ولا ظن بل كان شاكا فيه لزمه الاتمام وان بان مسافرا قاصرا لانه شرع على تردد فيما يسهل معرفته لظهور شعار المسافرين والمقيمين وسهولة البحث والاصل الاتمام فإذا قصر لزمه الاتمام ويخالف التردد في نية القصر مع العلم بأنه مسافر إذ لا تقصير ثم كما سبق وحكى في النهاية وجا آخر انه إذا بان مسافرا قاصرا كان له القصر كما لو تردد في النية والمشهور الاول وهو الذى ذكره في الكتاب * قال (ولو اقتدى بمتم ثم فسدت صلاته لزمه (ح) الاتمام وكذا لو ظن الامام مسافرا فكان مقيما لانه مقصر إذ شعار الاقامة ظاهر ولو بان ان الامام مقيم محدث لم يلزمه الاتمام علي الاصح لانه لا قدوة ظاهرا وباطنا) *
[ ٤ / ٤٦٢ ]
في الفصل مسألتان (أحداهما) لو اقتدى بمقيم أو بمسافر متم ثم فسدت صلاة الامام أو بان محدثا لزمه الاتمام بالاقتداء به وكذلك لو فسدت صلاة المأموم لزمه الاتمام إذا استأنف خلافا لابي حنيفة لنا انها صلاة تعين عليه اتمامها فلم يجزه بعد قصرها كما لو فاتته في الحضر ثم سافر وقوله ثم فسدت صلاته أراد صلاة المأموم وان أمكن صرف الكناية الي الامام أيضا وذلك بين من لفظ الوسيط (الثانية) لو اقتدى بمن ظنه مسافرا فبان مقيما يلزمه الاتمام لتقصيره إذ شعار الاقامة ظاهر وهو كما ذكرنا فيما إذا لم يدر انه مقيم أو مسافر وإن بان انه مقيم محدث نظر ان بان كونه مقيما أو لا لزمه الاتمام كما لو اقتدى بمن علمه مقيما ثم بان انه محدث وان بان كونه محدثا أولا أو بانا معا فوجهان (أحدهما) وبه قال صاحب التلخيص لا يلزمه الاتمام لان اقتداءه لم يصح في الحقيقة وفى الظاهر ظنه مسافرا بخلاف ما لو اقتدى بمسافر في ظنه مسافرا ثم فسدت صلاته بحدث ثم بان انه كان مقيما عليه الاتمام لان اقتداءه كان صحيحا (والثاني) يلزمه الاتمام لان حدث الامام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به فإذا بان انه مقيم فقد بان انه اقتدي بمقيم وقد أطلق في الكتاب ذكر الخلاف فيما إذا أبان انه مقيم محدث لكن موضع الوجهين ما ذكرنا دون ما إذا بان كونه مقيما أو لا كذلك قاله صاحب النهاية والتهذيب وغيرهما ثم أطبق الائمة علي ترجيح الوجه الاول علي ما ذكره في الكتاب ومنهم من لا يورد سواه وقد تنازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الامام في الركوع ثم بان كونه محدثا فانهم رجحوا الادراك ومأخذ المسألتين واحد وقوله لانه لا قدوة ظاهرا وباطنا أي لا قدوة بمقيم ظاهرا وباطنا أما ظاهرا فلانه ظنه مسافرا وأما باطنا فلانه محدث وصاحب الوجه الثاني يمنع هذا والله اعلم * ولا أثر لعدم الاتمام من غير خوض علي الصحة كما لو شرع في الصلاة مقيما ثم بان له انه محدث ثم سافر والوقت باق فله القصر بخلاف ما لو شرع فيها مقيما ثم عرض سبب مفسد لا يجوز له القصر ولزمه الاتمام بالشروع وكذا لو اقتدى بمقيم ثم تذكر المأموم حدت نفسه له القصر وكذا لو اقتدى بمن يعرفه محدثا ويظنه مقيما لانه لم يصح شروعه *
[ ٤ / ٤٦٣ ]
قال (ولو رعف الامام المسافر وخلفه مسافرون فاستخلف مقيما أتم المقتدون وكذا الراعف
إذا عاد واقتدى به) * المسألة مبنية علي أنه إذا أحدث الامام أو عرض سبب آخر يوجب فساد صلاته يجوز له ان يستخلف مأموما ليتم بالقوم الصلاة هذا هو الصحيح وسنذكره والخلاف فيه في باب الجمعة ان شاء الله تعالي إذا عرفت ذلك فصورة المسألة أن يؤم مسافر بمسافرين ومقيمين فيرعف الامام في صلاته أو يسبقه أو الحدث فيستخلف مقيما يجب علي المسافرين المقتدين الاتمام خلافا لابي حنيفة لنا أنهم مقتدون بمقيم فيلزمهم الاتمام كما لو اقتدوا بمقيم فاحدث واستخلف مسافرا والدليل علي أنهم مقتدون به ان سهوه يلحقهم * وأعلم أن أمتنا لم يذكروا خلافا في أن القوم يتمون لكن يأتي فيه وجه لانا سنحكى في مسائل الاستخلاف وجها انه يجب على القوم نية الاقتداء بالخليفة فعلى هذا انما يلزم المأمومين في هذه المسألة إذا نووا الاقتداء بالخليفة اما إذا لم يفعلوا فلا لانهم ما نووا الاتمام ولا اقتدوا بمقيم وكأن ما أطلقوه جواب علي الاصح وهو انه لا حاجة الي نية الاقتداء بالخليفة وما ذكرناه يجوز اعلام قوله أتم المقتدون بالواو مع الحاء وقوله في صورة المسالة وخلفه مسافرون أي ومقيم أو مقيمون ولو تمحض المأمومون مسافرين لكان استخلاف المقيم استخلاف غير المأمومين وفيه كلام سنذكره من بعد وأما الامام الذى سبقه الرعاف أو الحدث ماذا يفعل ظاهر نص الشافعي ﵁ يقتضى وجوب الاتمام عليه فانه قال بعد تصوير المسألة كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعا واعترض المزني فقال انما اتم الخليفة لانه مقيم والقوم خلفه لانهم مؤتمون بمقيم فأما الراعف فليس بمقيم ولا مؤتم فما باله يتم واختلف الاصحاب في الجواب علي طريقتين منهم من قرر ظاهر النص وقال يجب عليه الاتمام أيضا لان الخليفة فرع له ولا يجوز أن تكون صلاة الاصل انقص من صلاة الفرع حكاه ابن سريج عن بعض أصحابنا وضعفه وسلم الجمهور للمزني ما ذكره واختلفوا في تأويل النص على وجوه (أحدها) أن ما ذكره الشافعي ﵁ جواب علي القول القديم وهو أن سبق الحدث
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الرعاف لا تبطل الصلاة لكنه يرفع المانع ويبنى فعلي هذا الراعف وان انصرف فهو في صلاة وهو كالمؤتم بخليفة وبتقدير أن لا يكون مؤتما فقد حصل في جماعة امامها مقيم في بعض الاحوال فيلزمه
الاتمام لذلك وهذا التأويل يحكي عن ابن سريج وضعفه الشيخ أبو حامد وغيره من ائمتنا ومنعوا كونه مؤتما بالخليفة وانه إذا حصل في جماعة أمامها مقيم في بعض الاحوال يجب عليه الاتمام إذا لم ياتم هو به وايضا فان البناء علي الصلاة انما يجوز علي القديم دون الجديد والاستخلاف الذى عليه بناء المسألة انما يجوز على الجديد دون القديم فلا ينتظم التفريع (الثاني) قال أبو غانم ملقى ابن سريج صورة النص أن يحس الامام بالرعاف قبل ان يخرج الدم فيستخلف ثم يخرج الدم فيلزمه الاتمام لانه صار مؤتما بمقيم في جزء من صلاته قال المحاملي وغيره وهذا لا يصح لانه استخلاف قبل وجود العذر وأنه لا يجوز ذلك فسئل الشيخ أبو محمد عنه فجعل الاحساس به عذرا وقال متى حضر امام هو أفضل أو حاله اكمل يجوز استخلافه (الثالث) قال أبو اسحق صورة النص ان يعود بعد غسل الدم ويقتدى بالخليفة اما بناء علي القول القديم واما استئنافا علي الجديد فيلزمه الاتمام لانه اقتدى بمقيم في جزء من صلاته فاما إذا لم يقتد فلا يلزمه الاتمام وهذا اصح الاجوبة عند الاكثرين قالوا وقد اشار إليه الشافعي ﵁ في التعليل حيث قال لانه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتي كان فيها في صلاة مقيم (وقوله) في الكتاب وكذا الراعف إذا عاد واقتدى جرى علي هذا الجواب الصحيح فانه قيد لزوم الاتمام باقتدائه بالخليفة وقد نرى في بعض النسخ اعلام هذه الكلمة بالزاى وليس بصحيح فانه لا نزاع للمزني في لزوم الاتمام إذا اقتدى نعم يجوز أن يعلم قوله واقتدى بالواو اشارة الي الطريقة المقررة لظاهر النص فان الاقتداء ليس بشرط علي تلك الطريقة * قال (الشرط الثاني أن يستمر علي نية القصر جزما في جميع الصلاة فلو لم ينو القصر ولا الاتمام أو شك في نية القصر ولو لحظة لزمه (زح) الاتمام) *
[ ٤ / ٤٦٥ ]
من شرط القصر نية القصر فلو نوى الاتمام لزمه ما لتزمه ولو لم ينو القصر ولا الاتمام لزمه الاتمام ايضا لان الاصل هو الاتمام فينعقد مطلق التحرم عليه ويجب أن تكون نيه القصر في ابتداء الصلاة كاصل النية ثم لا يجب تذكرها في دوام الصلاة ولكن يشترط الانفكاك عن الشك والتردد والجزم بالاتمام
فلو نوى القصر اولا ثم نوى الاتمام أو تردد بين القصر والاتمام لزمه الاتمام ولو شك في أنه هل نوى القصر ام لا لزمه الاتمام وأن تذكر في الحال أنه نوى القصر نص عليه في الام بخلاف ما لو شك في اصل النية وتذكر على القرب حيث تصح صلاته ولا يكون ذلك قادحا والفرق أن الشك في النية بمثابة عدم النية فإذا كان الشك في اصل النية فالموجود في زمان الشك غير محسوب عن الصلاة لكنه جعل عفوا لقلته وحسب عن الركن ما قبله أو بعده وههنا الموجود حالة الشك محسوب عن الصلاة لوجود اصل النية فيتأدى ذلك الجزء علي التمام وإذا انعقد جزء من الصلاة على التمام لزم الاتمام وعند ابى حنيفة لا حاجة الي نية القصر بناء علي أنه عزيمة وقال المزني لا بد منها لكن لا تجب في الابتداء ويجوز ان ينوى القصر في الاثناء ولو نوى الاتمام ثم اراد القصر جاز وقوله أن يستمر على نية القصر جزما في جميع الصلاة يتضمن اعتبار نية القصر ثم ليس المراد أنه يشترط استحضارها في جميع الصلاة وانما المراد ما ذكرنا أنه يشترط الخلو عن الشك والتردد (وقوله) في جميع الصلاة يجوز أن يعلم بالزاى لان عنده لو كان جازما في البعض بالاتمام ثم نوى القصر جاز وقوله لزمه الاتمام معلم بالحاء والزاى لما حكيناه * قال (ولو قام الامام إلى الثالثة ساهيا فتوهم المقتدى أنه نوى الاتمام شاكا لزمه الاتمام ولو قام المسافر الي الثالثة والرابعة سهوا سجد لسهوه ولا يكون متما بل لو قصد أن يجعله إتماما فليصل ركعتين اخريين) *
[ ٤ / ٤٦٦ ]
في الفصل مسألتان (احداهما) لو اقتدى بمسافر عرف أنه ينوى القصر أو ظنه وصلي ركعتين فقام الامام الي ركعة ثالثة نظر أن علم أنه نوى الاتمام لزمه الاتمام وأن علم أنه ساه بان كان حنفيا لا يرى الاتمام فلا يلزمه الاتمام ويتخير بين ان يخرج عن متابعته ويسجد للسهو ويسلم وبين أن ينتظر حتى يعود ولو اتفق له أنه يتم أتم لكن ليس له أن يقتدى بالامام في سهوه فانه غير محسوب له ولا يجوز الاقتداء بمن يعرف أن ما فيه غير محسوب له كالمسبوق إذا ادرك من آخر الصلاة ركعة فقام الامام سهوا الي ركعة زائدة لم يكن للمسبوق أن يقتدى به في تدارك ما عليه ذكره في النهاية ولو شك في انه قام ساهيا
أو متما فهذه مسألة الكتاب وحكمها أن عليه الاتمام وإن بان كونه ساهيا لان احد المحتملين لزوم الاتمام فيلزم كما لو شك في نية نفسه وبخلاف ما لو شك في نية الامام المسافر ابتداء حيث لم يلزمه الاتمام بذلك كما قدمناه لان النية لا يطلع عليها ولم تظهر امارة مشعرة بالاتمام وههنا القيام فعل مشعر بالاتمام مخيل له وقوله شاكا في لفظ اكتاب لا ضرورة إليه والغرض حاصل بقوله فيتوهم (وقوله) لزمه الاتمام يجوز أن يعلم بالحاء لانا حكينا عن مذهب ابي حنيفة أن نية الامام المسافر لا تلزم المأمومين القصر فما ظنك بتوهمها (الثانية) لو نوى القصر وصلى ركعتين ثم قام إلى الثالثة نظر أن حدث امر موجب للاتمام كنية الاتمام أو نية الاقامة في ذلك الموضع أو حصوله في دار الاقامة بانتهاء السفينة إليها وقام لذلك فقد اتي بما ينبغي وأن لم يحدث شئ من ذلك فان قام عمدا بطلت صلاته كما لو قام
[ ٤ / ٤٦٧ ]
المتم الي ركعة خامسة وكما لو قام المتنفل الي ركعة زائدة قبل تغير النية وأن قام سهوا ثم تذكر فعليه أن يعود ويسجد للسهو فلو بدا له بعد التذكر أن يتم عاد الي القعود ثم نهض متما وفى وجه له أن يمضي في قيامه ولو صلي ثالثة ورابعة سهوا وجلس للتشهد ثم تذكر سجد للسهو وهو قاصر وركعتا السهو غير محسوبتين فلو اراد أن يتم لم ينعكسا محسوبتين بل يلزمه أن يقوم ويصلي ركعتين اخريين ثم يسجد للسهو في آخر صلانه ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب فليقم وليصل ركعتين اخريين بالميم لان صاحب البيان حكى عن مالك أن المسافر إذا نوى القصر لم يكن له أن ينوى الاتمام ويزيد علي نيته الاولى (واعلم) أن لفظ الكتاب في أول النظر الثالث يوهم حصر شرط القصر في الاثنين المذكورين لكن له شروط أخر (منها) أن يكون مسافرا من اول الصلاة الي آخرها فلو نوى الاقامة في أثناء الصلاة أو كان يصلي في السفينة فانتهت الي دار اقامته لزمه الاتمام لان سبب الرخصة قد زال فتزول الرخصة كما لو كان يصلي قاعدا لمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم ولو شرع في الصلاة مقيما ثم سارت به السفينة فكذلك يلزمه الاتمام تغليبا للحضر في العبادة التى اشترك فيها الحضر والسفر ولو شك هل نوى الاقامة ام لا أو دخل بلدا بالليل وشك في انه مقصده ام لا يلزمه الاتمام لانه شك في سبب الرخصة والاصل الاتمام فصار كما لو شك في بقاء مدة المسح لا يمسح (ومنها) العلم
بجواز القصر فلو جهل جوازه وقصر لم يجزه لانه عابث في اعتقاده غير مصلي يحكى ذلك عن نصه في الام *
[ ٤ / ٤٦٨ ]
قال * (الباب الثاني في الجمع) (والجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقتيهما جائز بالسفر (زح) أو المطر وهل يختص بالسفر الطويل قولان) * يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديما في وقت الظهر وتأخيرا في وقت العصر بعذر السفر وكذلك الجمع بين المغرب والعشاء لما روى عن ابن عمر ﵄ قال " كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا جدبه سير جمع بين المغرب والعشاء " وعن انس ﵁ ان النبي ﷺ " كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر " وهذا في السفر الطويل وفي جواز الجمع في القصير قولان (احدهما وهو القديم انه يجوز وبه قال مالك ﵁ لاطلاق حديث انس ﵁ واعتبارا بالتنفل على الراحلة واصحهما وبه قال احمد ﵀ لا يجوز لانه اخراج عبادة عن وقتها فاختص بالسفر الطويل كالفطر والافضل للسائر في وقت الصلاة الاولي تأخيرها إلى الثانية وللنازل في وقت
[ ٤ / ٤٦٩ ]
الاولي تقديم الثانية إليها ثبت ذلك من فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم والمعنى فيه بين وشرط جواز الجمع في السفر ان لا يكون سفر معصية كما ذكرنا في القصر ويجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر المطر أيضا لما روى عن ابن عمر ﵄ " ان النبي صلي
[ ٤ / ٤٧٠ ]
الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر للمطر " وعن ابن عباس ﵄ " ان النبي صلي الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر " قال مالك ارى ذلك في لمطر وقوله لعذر السفر معلم بالحاء لان عند ابي حنيفة لا يجوز الجمع بعذر السفر ولا جمع الا للنسك بعرفة والمزدلفة كما سيأتي
[ ٤ / ٤٧١ ]
وقوله والمطر معلم بالحاء ايضا والزاى لان عندهما لا جمع بالمطر وبالميم لان عند مالك يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر به وبالالف لان احمد صار في احدي الروايتين الي مثل مالك ﵀ وبالواو لان الامام ذكر أن صاحب التقريب حكي قولا ضعيفا مثل مذهب مالك رحمة الله عليه وقوله في وقتيهما جائز يقتضي جواز التقديم والتأخير جميعا بالعذرين السفر والمطر لكن في جواز التأخير بعذر المطر خلاف ذكره في آخر الباب على ما سيأتي والاظهر المنع " ولا يجوز الجمع بين صلاة الصبح وغيرها ولا بين العصر والمغرب لم يرد بذلك نقل عن رسول الله ﷺ " * قال (والحجاج يجمعون بعلة السفر أو بعلة النسك فيه خلاف) * الحجاج الآفاقيون يجمعون بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء " ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ " وعليه جرى الناس في الاعصار واختلف أصحابنا في سبب هذا الجمع منهم من قال إنما يجمعون بسبب السفر كسائر المسافرين ومنهم من قال إنما يجمعون بسبب النسك وذلك أن الحاج يحتاج إلي الدعاء بعد الظهر فلو لم تقدم العصر لشغلته عن الدعاء وإذا غربت الشمس فهو وقت الاشتغال بالدفع من عرفة فجوز له الجمعان تكميلا لشغل النسك فان قلنا بالمعنى الاول فهل يجمع المكى فيه قولان لان سفره قصى ولا يجمع العرفي بعرفة ولا المزدلفى بالمزدلفة فانه في وطنه وهل يجمع كل منهما بالبقعة الاخرى فيه
[ ٤ / ٤٧٢ ]
القولان وان قلنا بالمعنى الثاني جاز لجميعهم الجمع فحصل للجمع سبب ثالث وهو النسك ذكره كله صاحب النهاية وغيره ومنهم من يقول في جواز الجمع للمكي قولان (الجديد) المنع (والقديم) الجواز ثم لم يجوز قيل للسفر وقيل للنسك فان فرعنا علي القديم فهل للعرفي والمزدلفي الجمع فيه وجهان بناء علي المعنيين وأصل الفرض في الايرادين واحد وان اختلفا في بعض الامور وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله والحجيج يجمعون يعنى به الحجيج الآفاقيين فأما غيرهم فالخلاف في حقهم في أصل الجمع لا في العلة وظاهر المذهب عند الائمة أن العلة السفر وان المكي والعرفي لا يجمعان وعند أبي حنيفة
العلة النسك وقال لا يجوز الجمع بعرفة إلا في الجماعة فأما المنفرد في رحله فلا يجمع وجوز له الجمع بين العشائين بالمزدلفة ولم يجوز ترك الجمع بالمزدلفة وفعل المغرب في وقتها ولا الجمع بينهما في وقت المغرب ولا الجمع بينهما في وقت العشاء في الطريق وأوجب أن يكون ذلك بالمزدلفة ولم يجوز أن يجمع بعرفة بين الظهر والعصر في وقت العصر لكن جوز ترك الجمع وفعل العصر في وقتها حكي الصيدلانى هذه المسائل مجموعة عن مذهبه وعندنا حكم الجمع في البقعتين حكمه في سائر الاسفار وهو فيه بالخيار وعند مالك العلة النسك ولهم جميعا الجمع بل للمكي والعرفي القصر أيضا بعلة النسك * قال (والرخص المختصة بالسفر الطويل أربعة القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام والجمع على أصح القولين ثم الصوم أفضل من الفطر وفي القصر والاتمام قولان والذى لا يختص بالسفر الطويل أربعة التيمم وترك الجمعة وأكل الميتة والتنفل علي الراحلة على أصح القولين) * غرض الفصل شيئان (أحدهما) عد الرخص التى تختص بالسفر الطويل والتى لا تختص (والثاني) بيان أن القصر والفطر أم الاتمام والصوم ولا اختصاص لواحد منهما بباب الجمع (والثانى) بيان القصر اليق ثم انه أدخل الثاني بين قسمي المقصد الاول ولو أنه فرغ منهما ثم ذكره لكان أحسن وكذلك فعل في الوسيط أما المقصد الاول فالرخص المختصة بالسفر الطويل أربع (أحداها) القصر كما تقدم (والثانية) الافطار كما سيأتي (والثالثة) المسح ثلاثة أيام وقد ذكرنا في باب المسح اختصاصه بالسفر الطويل وان لم يصرح به في الكتاب ثم (والرابعة) الجمع بين الصلاتين وفيه قولان مذكوران في هذا الباب وكان قد أرسل ذكر القولين في المسألة فنص ههنا علي الاصح وأدرجه في هذا القسم تفريعا عليه والتى لا تختص بالسفر الطويل جعلها أربعا أيضا (أحداها) التيمم وهذا يجوز ان يراد به الترخص من فعل الصلاة به ويجوز ان يراد به اسقاط فرض الصلاة به وعلى هذا التقدير فهو جواب على الاصح من وجهين ذكرناهما في باب التيمم في أن التيمم في السفر القصير هل يغنى
[ ٤ / ٤٧٣ ]
عن القضاء أم لا ثم علي التقديرين ينبغي أن يعلم أن التيمم كما لا يختص بالسفر الطويل لا يختص بنفس السفر لما بيناه في ذلك الباب (والثانية) أكل الميتة وهو أيضا مما لا يختص بالسفر نفسه (والثالثة) ترك الجمعة
(والرابعة) التنفل علي الراحلة وفي جوازه في السفر القصير قولان أرسلهما في باب الاستقبال ونص على الاصح ههنا وأدرجه في هذا القسم تفريعا عليه (وأما المقصد الثاني) فاعلم أن الصوم في السفر أفضل من الفطر علي المذهب المشهور لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت وهذا إذا أطلق الصوم وفيه وجه آخر رواه القاضى الرويانى وغيره أن الفطر أفضل وبه قال احمد لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " ليس من البر الصيام في السفر " وفي الافضل من القصر والاتمام قولان (احدهما) وبه قال المزني ان الاتمام افضل لانه الاصل والقصر بدل معدول إليه فاشبه غسل الرجل مع المسح علي الخف (وأصحهما) وبه قال مالك واحمد ان القصر افضل لما روى انه ﷺ " قال
[ ٤ / ٤٧٤ ]
خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا " ولانه متفق عليه والاتمام بخلافه وبخلاف الصوم مع الفطر حيث قلنا الصوم افضل وان صار اهل الظاهر الي انه لا يصح قال امام الحرمين لان المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهبهم وزنا وذكر الصيدلانى أن القصر أفضل من الاتمام وفى الافطار والصوم وجهان وهذا يوهم القطع بافضلية القصر وكذلك حكاه الامام عن الصيدلاني واستبعده وأحاله علي خطأ النساخ فان ثبت ذلك فقوله قولان معلم بالواو والفرق بين الرخصتين حيث كان الصوم أفضل والقصر أفضل علي الظاهر فيهما أن الذمة تبقى مشغولة بالصوم إذا أفطر وقد يعرض عائق من القضاء وفى القصر بخلافه وأيضا فان فضيلة الوقت تفوت بالافطار ولا تفوت بالقصر ونقل أبو عبد الله الحناطى وغيره في القصر والاتمام وجها آخر انهما سواء ثم القولان في المسألة وان كانا مطلقين فلا بد من استثناء صور (أحداها) إذا كان سفره دون ثلاث مراحل فليس ذلك موضع القولين بل الاتمام فيه افضل للخروج عن الخلاف وقد حكيناه من قبل عن نصه (والثانية) إذا كان يجد من نفسه كراهة القصر وثقله فهذا يكاد يكون رغبة عن السنة فالافضل له القصر قولا واحدا بل يكره له الاتمام إلى أن تزول عنه تلك الكراهة وكذلك القول في جميع الرخص في هذه الحالة (الثالثة) الملاح الذى يسافر في البحر ومعه أهله وأولاده في سفينته الافضل الاتمام لانه في وطنه يحكى ذلك عن نصه في الام وفيه خروج عن الخلاف ايضا فان عند احمد لا يجوز له وللمكارى الذى معه أهله وماله القصر (وأعلم) ان مسافة القصر في البحر مثل المسافة في البر وان
كانت تقطع فيه في لحظة ويجتهد فيها عند الشك * قال (ثم شرائط الجمع ثلاثة (الترتيب) وهو تقديم الظهر علي العصر (ونية الجمع) في أول الصلاة الاولي أو في وسطها ولا يجوز في أول الثانية (والموالاة) وهو ان لا يفرق بين الصلاتين باكثر من قدر اقامة وفى هذه الشرائط عند الجمع بالتأخير خلاف) * المسافر إذا جمع فأما ان يقدم الاخيرة من الصلاتين الي وقت الاولي أو يؤخر الاولي الي وقت الاخيرة فان قدم فيعتبر فيه ثلاثة ش؟ ائط (احداها) الترتيب وهو تقديم الظهر علي العصر والمغرب علي العشاء لان الوقت للاولى والثانية تبع له فيجب تقديم الاصل فلو قدم العصر علي الظهر لم يصح عصره ويعيدها بعد الظهر ولو قدم الظهر وبان فسادها بسبب فالعصر فاسدة ايضا (والثانية) نية الجمع تمييزا للتقديم المشروع على التقديم سهوا وعبثا ومتى ينوى الجمع نص في الجمع بالسفر أنه ينوى عند التحرم بالاولي أو في اثنائها ونص في الجمع بالمطر انه ينوى عند التحرم بالاولي واختلف الاصحاب على طريقتين احداهما تقرير النصين والفرق ان نية الجمع ينبغى أن
[ ٤ / ٤٧٥ ]
تقارن سبب الجمع ودوام السفر في الصلاة الاولى شرط فجميعها وقت النية واما المطر فلا يشترط دوامه في الاولي كما سيأتي ويشترط في اولها فتعين وقتا للنية وأصحهما وبه قال المزني ان فيهما قولين نقلا وتخريجا أحدهما انها شرط في الفصلين عند التحرم كنية القصر وأصحهما انها لو وقعت في اثنائها جاز ايضا لان الجمع هو ضم الثانية إلى الاولي فإذا تقدمت النية علي حالة الضم حصل الغرض وتفارق نية القصر لانها لو تأخرت لتأدى بعض الصلاة علي التمام وحينئذ يمتنع القصر وعلي هذا فلو نوى مع التحلل قال الامام رأيت للائمة ترددا فيه كان شيخي يمنعه وذكر الصيدلاني وغيره انه يجوز لوجود النية في الطرفين الطرف الاخير من الظهر والطرف الاول من العصر وعلي هذا يدل نص الشافعي ﵁ ثم قال المسعودي والصيدلانى وغيرهما وخرج المزني قولا ثالثا وهو انه لو نوى بعد السلام علي قرب وصلي الصلاة الاخيرة جاز كما لو سلم من اثنتين وقرب الوقت يبنى وان طال فلا وهذا تخريج منه للشافعي ﵁ وحكوا عن مذهبه ان نية الجمع ليست مشروطة اصلا فان الجمع معني ينتظم الصلاتين ولا عهد بنية تجمع صلاتين وجعل الصيدلانى مذهبه وجها لاصحابنا فليكن قوله في
الكتاب ونية الجمع معلما بالزاى والواو ويجوز ان يعلم قوله ولا يجوز في اول الثانية بهما ايضا وقوله أو في وسطها معلم بالقاف للقول الصائر إلى اشتراط النية في اولها واعتبار الوسط يقتضي المنع فيما إذا نوى مع التحلل إذ لا تكون النية حينئذ في الوسط وهذا ما سبق عن الشيخ ابى محمد والظاهر عند الاكثرين خلافه (الثالثة) الموالاة فهى شرط خلافا للاصطخري فيما حكى صاحب التتمة عنه حيث قال يجوز الجمع وإن طال الفصل بين الصلاتين ما لم يخرج وقت الاولى منهما ويروى مثله عن ابي علي الثقفى وقال الموفق بن طاهر سمعت الشيخ ابا عاصم العباي يحكي عن الامام انه لو صلي المغرب في بيته ونوى الجمع وجاء الي المسجد وصلي العشاء فيه جاز ووجه ظاهر المذهب ما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " لما جمع بين الصلاتين والى بينهما وترك الرواتب بينهما " ولولا اشترط الموالاة لما تركها والمراد من الموالاة ان لا يطول الفصل بينهما ولا بأس بالفصل اليسير لانه صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم الاقامة بينهما وبماذا يفرق بين الطويل واليسير قال الصيدلاني حده اصحابنا بقدر اتيان المؤذن بالاقامة وهذا يوافق ما في الكتاب فانه قال وهى ان لا يفرق بين الصلاتين باكثر من قدر اقامة وقال
[ ٤ / ٤٧٦ ]
اصحابنا العراقيون الرجوع في الفصل بينهما إلى العادة وقد تقتضي العادة احتمال الزائد علي قدر الاقامة وتدل عليه مسألة وهي ان المتيمم هل له الجمع عن ابى اسحق أنه ليس له الجمع لانه محتاج إلى طلب الماء وتجديد التيمم وذلك يطول الفصل بينهما فصار كما لو طول بشئ آخر وقال عامة الاصحاب له الجمع كالمتوضئ ويطلب للتيمم الثاني طلبا خفيفا ولا ينقطع به الجمع لانه من مصلحة الصلاة فاشبه الاقامة وذكر في التهذيب أنه المذهب ومعلوم أن الطلب والتيمم يزيدان علي قدر الاقامة المشروعة على الادراج فيجوز ان يعلم قوله باكثر من قدر اقامة بالواو لما ذكره ومتى طال الفصل بقدر ضم الثانية إليها فيؤخرها إلى وقتها ولا فرق بين أن يطول من غير عذر أو بعذر كالسهو والاغماء ولو جمع بينهما ثم تذكر بعد الفراغ منهما انه ترك سجدة أو ركنا آخر من الصلاة الاولي بطلت الصلاتان جميعا اما الاولي فلترك بعض اركانها وتعذر التدارك بطول الفصل واما الثانية فلان شرط صحتها تقدم الاولى وإذا بطلتا فله أن يعيدهما علي سبيل الجمع ولو تذكر تركها من الثانية فان كان الفصل قريبا تدارك ومضت الصلاتان
علي الصحة وان طال الفصل فالثانية باطلة وليس له الجمع لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها ولو لم يدر انه ترك من الاولي أو الثانية لزمه اعادة الصلاتين جميعا لاحتمال انه تركها من الاولى ولا يجوز له الجمع لاحتمال انه تركها من الثانية فيعيد كل واحدة في وقتها اخذا بالاسوأ من الطرفين وحكى في البيان عن الاصحاب أنه يجئ فيه قول آخر ان له الجمع كما لو اقيمت الجمعتان في بلدة ولم يعرف السابقة منهما يجوز اعادة الجمعة في قول هذا كله فيما إذا جمع بتقديم الثانية اما إذا جمع بتأخير الاولي فهل يجب الترتيب أم يجوز فعل الاخيرة قبل الاولي فيه وجهان (أحدهما) يجب كما لو جمع بالتقديم (وأصحهما) ولم يذكر كثيرون سواه انه لا يجب ويجوز تقديم الثانية لان الوقت لها والاولي تبع ولانه لو أخر الظهر من غير عذر حتى دخل وقت العصر كان له تقديم العصر فإذا أخر بعذر كان أولي وكذا في اشتراط الموالاة بينهما وجهان (أصحهما) انها لا تشترط لشبه الاولي بخروج وقتها بالفائتة وان لم تكن فائتة ولهذا قلنا لا يؤذن لها كالفائتة وان لم تكن فائتة (فان قلنا) باشتراط الترتيب فلو قدم الصلاة الثانية صحت لانها في وقتها لكن تصير الاولى قضاء وكذلك لو ترك الموالاة وشرطناها تصير الاولى قضاء حتي لا يجوز قصرها ان لم يجوز قصر القضاء واما نية الجمع عند التأخير فقد قال في النهاية ان شرطنا الموالاة فنوجب نية الجمع كما في الجمع بالتقديم وإلا فلا نوجب نية الجمع ويحكي هذا البناء عن القاضى الحسين ﵀ وهذا الخلاف في انه هل ينوى الجمع عند الشروع في الصلاة واما في وقت الاولى فقد قال الائمة يجب ان يكون التأخير بنية الجمع ولو اخر
[ ٤ / ٤٧٧ ]
من غير نية الجمع حتى خرج الوقت عصى وصارت قضاء وامتنع قصرها ان لم تجوز قصر القضاء وكذا لو أخر حتى ضاق الوقت فلم يبق إلا قدر لو شرع في الصلاة فيه لما كان اداء وقد سبق بيان ذلك * قال (ومهما نوى الاقامة في اثناء الصلاة الاولى عند التقديم بطل الجمع وإن كان في اثناء الثانية فوجهان وان كان بعد الثانية فوجهان مرتبان واولي بان لا يبطل هذا في السفر) * لو اراد الجمع بين الصلاتين بالتقديم فصار مقيما في اثناء الاولي اما بنية الاقامة أو بانتهاء السفينة إلي دار الاقامة فيبطل الجمع وكذا لو فرض ذلك بعد الفراغ منها وقبل الشروع في الثانية لزوال العذر
قبل حصول صورة الجمع ومعني بطلان الجمع ههنا انه يتعين تأخير الثانية إلى وقتها أما الاولي فلا تتأثر بذلك ولو صار مقيما في أثناء الثانية فوجهان (احدهما) انه يبطل الجمع ايضا كما لو صار مقيما في اثناء صلاة القصر تبطل رخصة القصر ويلزمه الاتمام وعلي هذا فالثانية تبطل أصلا ورأسا أو تبقى نفلا يخرج علي القولين السابقين في نظائرها (والثاني) وهو الاظهر انه لا يبطل ويكفى اقتران العذر باول الثانية صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد علي وجه الرخصة بخلاف مسألة القصر فان وجب الاتمام لا يؤدى الي بطلان ما مضى من صلاته ولو صار مقيما بعد الفراغ من الثانية فقد اطلق في الكتاب فيه وجهين مرتبين علي الوجهين فيما إذا صار مقيما في خلالها ان قلنا لا تؤثر الاقامة ثم فههنا اولي وان قلنا تؤثر ثم فهنا وجهان (احدهما) انها تؤثر لان الصلاة الثانية مقدمة علي وقتها كالزكاة تعجل قبل الحول فإذا ازال العذر وادرك وقتها فليعد كما لو حال الحول وقد خرج الاخذ عن الشرط المعتبر لا يعتد بما عجل (واظهرهما) انها لا تؤثر لان رخصة الجمع قد تمت فاشبه ما لو قصر ثم طرأت الاقامة لا يلزمه الاتمام وخص صاحب التهذيب وآخرون الخلاف بما إذا طرأت الاقامة بعد الفراغ من الصلاتين اما في وقت الاولى أو في وقت الثانية ولكن قبل مضى امكان فعلها فاما لو طرأت بعد مضى امكان فعلها قالوا لا تجب اعادتها وجها واحدا لبقاء العذر في وقت الوجوب وتنزيل اطلاق الكتاب علي ما ذكروه بين لكن صاحب النهاية صرح باجزاء الوجهين ما دام يبقي من وقت الثانية شى والله أعلم * وأما إذا جمع بينهما بالتأخير ثم صار مقيما بعد الفراغ منهما لم يصر ولو كان قبل الفراغ صارت الاولي قضاء ذكره في التتمة وغيره وكأن المعنى فيه ان الصلاة الاولي تبع للثانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها *
[ ٤ / ٤٧٨ ]
قال (واما المطر فيرخص (ح ز) في الجمع بالتقديم في حق من يصلى بالجماعة واما في المنفرد أو من يمشى إلى المسجد في كن ففيه وجهان وفى التأخير ايضا وجهان لانه لا يثق بدوام المطر ولا بد من وجود المطر في أول الصلاتين فان انقطع قبل الصلاة الثانية أو في أثنائها فهو كنية الاقامة) * المطر سبب للجمع لما سبق وللجمع طريقان التقديم والتأخير فاما التقديم فجائز بالشرائط
المذكورة في التقديم بسبب السفر ولا فرق بين قوى المطر وضعيفه إذا كان بحيث يبل الثوب والشفان مطر وزيادة والثلج والبرد ان كانا يذوبان فهما كالمطر والا فلا يرخصان في الجمع وفيه وجه انه لا يرخصان فيه بحال اتباعا للفظ المطر ثم هذه الرخصة تثبت في حق من يصلى في الجماعة ويأتى مسجدا بعيدا يتأذى بالمطر في اتيانه فاما إذا كان يصلي في بيته منفردا أو في جماعة أو كان يمشي الي المسجد في كن أو كان المسجد علي باب داره أو النساء يصلين في بيوتهن هل نثبت هذه الرخصة فيه وجهان (احدهما) نعم لان النبي صلي الله عليه وسلم جمع بسبب المطر وبيوت ازواجه بجنب المسجد (واصحهما) لا لانه لا يتاذى بالمطر وبيوت ازواج رسول الله ﷺ كانت مختلفة منها ما هو بجنب المسجد ومنها ما هو بخلافه فلعله حين جمع لم يكن في البيت الملاصق ومن اصحابنا من ينقل بدل الوجهين قولين في هذه المسائل وينسب الجواز الي الاملاء والمنع الي الام واما التأخير فهل يجوز بسبب المطر روى في الكتاب فيه وجهين وقال جمهور الاصحاب فيه قولان (القديم) انه يجوز كما في السفر يجوز التقديم والتأخير جميعا (والجديد) انه لا يجوز لان استدامة السفر إليه متصورة واستدامة المطر متعذرة فربما تمسك السماء قبل ان يجمع فان جوزنا التأخير قال اصحابنا العراقيون صلاها مع الثانية سواء كان المطر متصلا أو لم يكن وذكر في
[ ٤ / ٤٧٩ ]
التهذيب انه لو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية لم يجز الجمع وصلى الاولى في آخر وقتها كالمسافر إذا اخر بنية الجمع ثم اقام قبل دخول وقت الثانية وقضية هذا ان يقال لو انقطع في وقت الثانية قبل فعلها امتنع الجمع ايضا وصارت الاولي قضاء كما لو صار مقيما وإذا قدم فلا بد من وجود المطر في اول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر وهل يجب مع ذلك وجوده في حال التحلل عن الصلاة الاولي نقل في النهاية عن المعظم انه لا يجب وعن ابي زيد انه لا بد منه ايضا ليتحقق اتصال آخر الاولي باول الثانية مقرونا بالعذر وهذا هو الذى ذكره اصحابنا العراقيون وصاحب التهذيب وغيرهم ولا يضر بعد وجوده في الاحوال الثلاث إنقطاعه في أثناء الصلاة الاولي أو في الثانية أو بعد الثانية حكى ذلك عن نص الشافعي ﵁ وقطع به الاكثرون
قال امام الحرمين وحكي بعض المصنفين في انقطاعه في اثناء الثانية أو بعدها مع بقاء الوقت الخلاف الذى ذكرناه في طرءان الاقامة إذا كان سبب الجمع السفر واستبعد ذلك وضعفه وقال إذا لم يشترط دوام المطر في الصلاة الاولي فاولي ان لا يشترط في الثانية وما بعدها ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) فيرخص في التقديم يجوز ان يعلم بالحاء والميم والزاء لما سبق في اول الباب وذكر في الابانة ان المطر يرخص في التأخير وفى التقديم وجهان علي عكس ما نقله الجمهور فان ثبت ذلك احوج الي الاعلام بالواو ايضا وقوله في التقديم اراد به تقديم العصر الي الظهر والعشاء الي المغرب معا وفى النهاية قول ضعيف عن حكاية صاحب التقريب ان الجمع بعذر المطر يختص بالمغرب والعشاء في وقت المغرب (وقوله) في حق من يصلي بالجماعة يشمل ظاهره الجماعة في المسجد وفى البيت لكن لو صلوا جماعة في بيت اجتمعوا فيه ففى جواز الجمع لهم وجهان كما سبق (وقوله) فاما في المنفرد يشمل المنفرد في بيته وفى المسجد وهو مجرى علي اطلاقه فقد حكى الصيدلانى الوجهين في الذين حضروا المسجد وصلوا فرادى وجه المنع ان رخصة الجمع نقلت مرتبطة بالجماعة في المسجد وقوله ولا بد من وجود المطر في اول الصلاتين مشعر بالاكتفاء بذلك علي ما حكاه الامام عن المعظم لكن ظاهر المذهب انه لا بد منه عند التحلل ايضا كما سبق ثم ينبغي ان يعلم قوله في اول الصلاتين بالواو لان القاضي ابن كج حكى عن بعض الاصحاب انه لو افتتح الصلاة ولا مطر ثم مطرت السماء في اثناء صلاته الاولى فجواز الجمع علي القولين في انه إذا نوى الجمع
[ ٤ / ٤٨٠ ]
في اثناء الاولي هل يجوز الجمع ام لا واختار ابن الصباغ هذه الطريقة (وقوله) فان انقطع قبل الصلاة أو في اثنائها عنى به ما إذا لم يعد اما إذا عاد في آخرها فالجمع ماض علي الصحة وقد صرح بهذا القيد في الوسيط ثم القول بانه كنية الاقامة جواب علي ما نقله في النهاية عن بعض المصنفين ويجب وسمه بالواو للطريقة الجازمة بان ذلك لا يقدح وهي التي قالها الاكثرون * (فروع) (احدها) قال ابن كج يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر بعذر المطر ثم إذا قدم فلا بد من وجود المطر في الحالات الثلاث كما بينا قال في البيان ولا يشترط وجوده في الخطبتين وقد
تتازع فيه ذهابا إلى تنزيلهما منزلة الركعتين وأن اراد تأخير الجمعة قال في البيان يجوز ذلك على قولنا المطر يرخص في التأخير فيخطب في وقت العصر ويصلي لان وقت الثانية من صلاتي الجمع وقت الاولى (والثاني) المشهور أنه لا جمع بالمرض والخوف والوحل إذا لم ينقل ان رسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم جمع بهذه الاسباب مع حدوثها في عصره وعن مالك واحمد أنه يجوز الجمع بالمرض والوحل وبه قال بعض اصحابنا منهم ابو سليمان الخطابي والقاضي الحسين واستحسنه الروياني في الحلية لما روى " أنه صلي الله عليه وسلم وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر فعلي هذا يراعى الرفق بنفسه فإذا كان يحم مثلا في وقت الثانية من الصلاتين قدمها الي الاولي بالشرائط التي سبقت وأن كان يحم في وقت الاولى اخرها إلى الثانية (الثالث) في جمع الظهر والعصر يصلي سنة الظهر ثم سنة العصر ثم يأتي بالفرضين وفى جمع العشائين يصلى بعد الفرضين سنة المغرب ثم سنة العشاء ثم الوتر *
[ ٤ / ٤٨١ ]
قال * (كتاب الجمعة) * (وفيه ثلاثة ابواب: الباب الاول في شرائطها وهي ستة: الاول الوقت: فلو وقع تسليمة الامام في وقت العصر فاتت الجمعة ولو وقع آخر صلاة المسبوق في وقت العصر جاز علي احد الوجهين لانه تابع في الوقت كما في القدوة)
[ ٤ / ٤٨٢ ]
قال الله تعالي (يا ايها الذين امنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة) الآية وعن رسول الله ﷺ أنه قال " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله علي قلبه " الجمعة فرض على
[ ٤ / ٤٨٣ ]
الاعيان إذا اجتمعت الشرائط التى نذكرها وحكي القاضي ابن كج عن بعض اصحابنا انها فرض علي الكفاية كصلاة العيدين وذكر القاضي الرويانى في البحر أن بعض اصحابنا زعم أنه قول للشافعي ﵁ وغلط ذلك الزاعم وقال لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي ﵁ إذا
[ ٤ / ٤٨٤ ]
عرفت ذلك فاعلم أن الجمعة كسائر الفرائض الخمس في الاركان والشرائط لكنها تختص بثلاث خواص (احدها) اشتراط امور زائدة في صحتها (والثانية) اشتراط امور زائدة في لزومها (والثالثة) اداب ووظائف تشرع فيها فجعل الكتاب علي ثلاثة ابواب كل واحد في خاصية منها (الباب الاول)
[ ٤ / ٤٨٥ ]
في شروط الصحة (احدها) الوقت فلا مدخل للقضاء في الجمعة علي صورتها بالاتفاق بخلاف سائر الصلوات فان الوقت ليس شرطا في نفسها وانما هو شرطه في ايقاعها اداء ووقتها وقت الظهر خلافا لاحمد حيث قال يجوز فعلها قبل الزوال واختلف اصحابه في ضبط وقته فمن قائل وقتها وقت
[ ٤ / ٤٨٦ ]
صلاة العيدين ومن قائل يقول انما تقام في الساعة السادسة: لنا ما روى عن انس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم " كان يصلي الجمعة بعد الزوال " وقد ثبت عنه أنه قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وإذا خرج الوقت أو شك في خروجه فلا سبيل الي الشروع فيها ولو اغفلوها إلى أن لم يبق
[ ٤ / ٤٨٧ ]
من الوقت ما يسع الخطبتين وركعتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه لم يشرعوا فيها وصلوا الظهر نص عليه في الام ولو شرعوا فيها في الوقت ووقع بعضها خارج الوقت فاتت الجمعة خلافا لمالك واحمد هكذا اطلق اكثر اصحابنا النقل عنهما وفصل الصيدلانى مذهب مالك فقال عنده إن صلوا ركعة ثم خرج الوقت اتموا الجمعة والا فقد فاتت: لنا انها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها فتنقطع بخروج الوقت كالحج وايضا فان الوقت شرط في ابتداء الجمعة فيكون شرطا في دوامها كدار الاقامة ثم إذا فاتت الجمعة فهل يتمها ظهرا أم لا ظاهر المذهب أنه يجب عليه أن يتمها ظهرا
[ ٤ / ٤٨٨ ]
ولا بأس ببنهائها عليه لانهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء اطولهما علي اقصرهما كصلاة الحضر مع السفر وخرج فيه قول آخر أنه لا يجوز بناء الظهر علي الجمعة بل عليهم استئناف الظهر وبه قال أبو
حنيفة وبنوا هذا الخلاف علي الخلاف في أن الجمعة ظهر مقصورة ام هي صلاة علي حيالها إن قلنا بالاول جاز البناء والا فلا وسيعود هذا الاصل في مواضع من الباب فان قلنا بظاهر المذهب فليسر بالقراءة من حينئذ ولا يحتاج الي تجديد نية الظهر على اصح الوجهين ذكره في العدة على انا حكينا وجها ضعيفا أن الظهر تصح بنية الجمعة ابتداء ههنا اولى (وأن قلنا) لا بد من استئناف الظهر فهل تبطل صلاته ام
[ ٤ / ٤٨٩ ]
تنقلب نفلا فيه قولان مذكوران في نظائرها ولو شك في صلاته هل خرج الوقت ام لا فوجهان (احدهما) يتمها جمعة وبه قال الاكثرون لان الاصل بقاء الوقت وصار كما لو شك بعد الفراغ فيه (والثانى) انه يتمها ظهرا لانه شك في شرط الجمعة قبل تمامها ومضيها علي ظاهر الصحة فيعود إلي الاصل وهو الظهر وهذا كله في حق الامام والمأمومين الموافقين أما لمسبوق الذى ادرك معه ركعة لو قام الي تدارك الركعة الثانية فخرج الوقت قبل أن يسلم هل تفوت جمعته فيه وجهان (اصحهما) نعم كما في حق غيره (والثانى) لا لانه تابع للقوم وقد صحت جمعتهم فصار كالقدوة فانها من شرائط الجمعة ثم هي محطوطة عنه تبعا لهم وكذلك العدد ومن قال بالاول فرق بان اعتبار الشرع برعاية الوقت اكثر الا يرى
[ ٤ / ٤٩٠ ]
أن اقوال الشافعي ﵁ اختلفت في الانفضاض وأن اختلفت الجماعة ولم يختلف قوله في أنه إذا وقع شئ من صلاة الامام بعد خروج الوقت فاتت الجمعة وقوله فلو وقع تسليم الامام المراد التسليمة الاولي فان الثانية غير معدودة من نفس الصلاة بل من لو احقها ولهذا لو قارنها الحدث لم تبطل صلاته ولعلك تقول لم تقيد بتسليمة الامام وما الحكم لو وقعت تسليمة الامام في الوقت وتسليمة القوم أو بعضهم خارج الوقت فاعلم أن التعرض لتسليمة الامام قد جرى في كلام الشافعي ﵁ في المختصر
[ ٤ / ٤٩١ ]
كما ذكره في الكتاب ولم ار فيما وجدته من الشروح بحثا عنه ويمكن أن يكون التعرض له باعتبار أن وقوع تسليمة الامام خارج الوقت موجب فوات الجمعة في البقعة مطلقا فانه إذا كان سلامه بعد الوقت فسلام غيره يكون بعد الوقت ايضا فاما إذا وقع سلامه في الوقت وسلام بعضهم بعده فالمسلمون
خارج الوقت لا شك في أن ظاهر المذهب بطلان صلاتهم وأن فرض فيه خلاف واما الامام والمسلمون
[ ٤ / ٤٩٢ ]
معه إن بلغوا العدد المعتبر في الجمعة فجمعتهم صحيحة والا فالصورة تشبه مسألة الانفضاض والله اعلم * واعلم أنه سلامه الواقع في وقت العصر إن كان عن علم منه بالحال فيتعذر بناء الظهر عليه لا محالة وتبطل صلاته الا أن يغير النية الي النفل ثم يسلم ففيه ما سبق في موضعه وإن كان عن جهل منه فلا تبطل صلاته وهل يبنى أو يستأنف فيه الخلاف الذى ذكرناه * قال (الثاني دار الاقامة فلا تقام الجمعة في الصحارى (ح) ولا في الخيام (و) بل تقام في خطة قرية (ح) أو بلدة الي حد يترخص المسافر إذا انتهي إليه) * يشترط اقامة الجمعة في دار الاقامة خلافا لابي حنيفة حيث قال يجوز اقامتها خارج البلد حيث تقام صلاة العيد وبه قال احمد * لنا القياس علي الموضع البعيد عن البلد فان كل واحد منهما
[ ٤ / ٤٩٣ ]
خارج عن البلد وايضا فان الجمعة لم تقم في عصر رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا في عصر الخلفاء الراشدين ﵃ إلا في مواضع الاقامة ولولا أنه شرط لا شبة أن يقيموها في غيرها كسائر الجماعات والمراد من دار الاقامة الابنية التى يستوطنها المقيمون للجمعة سواء في ذلك البلاد والقرى
[ ٤ / ٤٩٤ ]
والاسراب التي تتخذ وطنا ولا فرق بين ان تكون الابنية من حجر أو طين أو خشب وأهل الخيام النازلون في الصحراء لا يقيمون الجمعة فانه إذا جاء الشتاء أحوجهم إلى الانتقال فليسوا بمقيمين في ذلك الموضع وان اتخذوه وطنا لا يبرحون عنه شتاء ولا صيفا ففيه قولان (أحدهما) أنه تلزمهم الجمعة ويقيمون في ذلك الموضع لانهم استوطنوه (وأصحهما) لا لان قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلون الجمعة ولا أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بذلك وهذا لانهم على هيئة المسافرين وليس لهم أبنية المستوطنين ولو انهدمت أبنية البلدة أو القرية فأقام أهلها علي العمارة لزمهم اقامة الجمعة فيها فانهم في دار اقامتهم سواء كانوا في مظال أو غيرها وكذا لو كانت الابنية باقية وليس من
الشرط اقامتها في كن أو مسجد بل يجوز اقامتها في فضاء معدود من خطة البلدة غير خارج عنها
[ ٤ / ٤٩٥ ]
لان الجماعة قد تكثر ويعسر اجتماعها في محوط أما الموضع الخارج الذى إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلدة كان له القصر لا يجوز اقامة الجمعة فيه على ما سبق وهذا هو الذى أراد بقوله إلي حد يترخص المسافر إذا انتهى إليه واستعمال الي ههنا نحو استعمالها في قول الله تعالي جده (ثم اتموا الصيام الي الليل) فليس الحد المذكور داخلا في الخطة وقوله في الصحارى معلم بالحاء والالف لما
[ ٤ / ٤٩٦ ]
قدمناه ويجوز وضعهما على قوله في خطة قرية أو بلدة أيضا وقوله ولا في الخيام معلم بالواو للقول الذى سبق حكايته * قال (الثالث أن لا تكون الجمعة مسبوقة بجمعة أخرى فلو عقدت جمعتان فالتى تقدم تكبيرها هي الصحيحة وقيل العبرة بتقدم السلام وقيل بتقدم أول الخطبة فان كان السلطان في الثانية فهي الصحيحة علي أحد الوجهين لكيلا تقدر كل شر ذمة على تفويت الجمعة علي الاكثرين وان وقعت الجمعتان معا تدافعتا فتستأنف واحدة وكذا ان أمكن التلاحق والتساوق فان تعينت السابقة ثم التبست فاتت (وز) الجمعة ووجب (ز) الظهر علي الجميع ولو عرف السبق ولم تتعين استؤنفت الجمعة (و) وما لم يتعين كانه لم يسبق وفيه قول آخر أن الجمعة فائتة) *
[ ٤ / ٤٩٧ ]
قال الشافعي ﵁ ولا يجمع في مصر وان عظم وكثرت مساجده لا في مسجد واحد وذلك لان النبي صلي الله عليه وسلم والخلفاء بعده لم يفعلوا إلا كذلك وإذا لم تجز اقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات واحتمل تعطل المساجد عرف أن المقصود اظهار شعار الاجتماع واتفاق كلمة المسلمين فليقتصر علي الواحد لانه أفضي الي هذا المقصود ولانه لا ضبط بعد مجاوزة الواحد وتكلم الاصحاب
[ ٤ / ٤٩٨ ]
في أمر بغداد فان أهلها لا يقتصرون علي جمعة واحدة وقد دخلها الشافعي ﵁ وهم يقيمون
الجمعة في موضعين وقيل في ثلاثة فلم ينكر عليهم وذكروا فيه وجوه (أحدها) أن الزيادة على الواحدة انما جازت في بغداد لان نهرها يحول بين شقيها فيجعلها كبلدين قاله أبو الطيب بن سلمة وعلى هذا لا يقام في كل جانب الا جمعة واحدة وكل بلدة حال بين جانبها نهر يحوج الي السباحة أو الزوارق فهى بمثابة بغداد واعترض الشيخ أبو حامد على هذا فقال لو كان الجانبان كالبلدين لجاز القصر لمن عبر عن أحد الجانبين إلى الآخر وان لم يجاوز ذلك الجانب وابن سلمة فيما حكي القاضي ابن كج
[ ٤ / ٤٩٩ ]
الزم هذه المسألة فالتزمها وقال يجوز له القصر (والثاني) أن الزيادة علي الواحدة انما جازت لانها كانت قرى متفرقة ثم اتصلت الابنية فاجرى عليها حكمها القديم وعلي هذا يجوز التعديد في كل بلدة كانت كذلك واعترض الشيخ أبو حامد عليه بمثل ما اعترض به على الوجه الاول وربما يلتزم الصائر إليه جواز القصر أيضا فان الامام حكي عن صاحب التقريب أنه قال يجوز أن يقال علي هذا إذا جاوز الهام بالسفر قرية من تلك القرى ترخص (والثالث) أنها انما جازت لان بغداد بلدة كبيرة يشق
[ ٤ / ٥٠٠ ]
على أهلها الاجتماع في موضع واحد وعلي هذا تجوز الزيادة علي الجمعة الواحدة في سائر البلاد إذا كثر الناس وعسر اجتماعهم وبهذا قال ابن سريج وأبو إسحق وهو مذهب احمد (والرابع) أن الزيادة لا تجوز بحال وانما لم ينكر الشافعي ﵁ في بغداد لما دخلها لان المسألة مسألة اجتهادية وليس لبعض المجتهدين الانكار علي سائرهم وهذا الوجه الرابع يوافق إطلاق الكتاب حيث قال أن لا تكون الجمعة مسبوقة باخرى فانه لم يفصل بين بلدة وبلدة وهو ظاهر نص الشافعي ﵁ الذى قدمناه ورأى الشيخ أبو حامد وطبقته الاقتصاد عليه مذهبا لكن الذى اختاره أكثر أصحابنا تعريضا
[ ٤ / ٥٠١ ]
وتصريحا إنما هو الوجه المنسوب إلي ابن سريج وأبي اسحق وهو تجويز التعديد عند كثرة الناس والازدحام وممن رجحه القاضي ابن كج والحناطي والقاضي الروياني وعليه يدل كلام حجة الاسلام في الوسيط مع تجويزه للنهر الحائل أيضا ولا يخفى مما ذكرناه أنه ينبغي أن يعلم قوله أن لا تكون الجمعة مسبوقة
باخرى بالالف والواو لانه مطلق والوجوه المذكورة تنازع فيه سوى الوجه الاخير إذا عرف ذلك فمتي منعنا من الزيادة على جمعة واحدة فزادوا وعقدوا جمعتين فله صور (إحداها) أن تسبق إحداهما الاخرى فالسابقة صحيحة لاجتماع الشرائط فيها واللاحقة باطلة لما ذكرنا أنه لا مزيد على واحدة وبما يعتبر السبق فيه ثلاثة اوجه (اصحها) أن الاعتبار بالتحرم فالتى سبق عقدها علي الصحة هي الصحيحة
[ ٤ / ٥٠٢ ]
وأن تقدمت الثانية في الخطبة أو السلام والثانى أن الاعتبار بالسلام فالتي سبق التحلل عنها هي الصحيحة لان الصلاة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به اولى (والثالث) أن الاعتبار بالخوض في الخطبة فالتى تقدم أول خطبتها هي الصحيحة قال الامام وهذا ملتفت إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين ولم يحك اكثر اصحابنا العراقيين سوى الوجه الاول والثاني ونقلهما صاحب المهذب قولين وقوله في الكتاب فالتى تقدم تكبيرها هي
[ ٤ / ٥٠٣ ]
الصحيحة يقع على تمام التكبير حتي لو سبقت احداهما بهمزة التكبير والاخرى بالراء منه فالصحيحة هي التي سبقت بالراء لانها التى تقدم تكبيرها وهذا هو اصح الوجهين وفيه وجه آخر أنه ينظر الي أول التكبير ثم على اختلاف الوجوه لو سبقت احداهما الاخرى لكن كان السلطان مع مع الاخرى فقد حكي صاحب الكتاب والامام فيه وجهين والجمهور نقلوهما قولين (اظهرهما) أن الصحيحة هي الاولى كما لو لم يحضر السلطان في واحدة منهما وكما لو كان ثم اميران وكان كل واحد منهما في واحدة (والثانى) أن الصحيحة هي الثانية منعا للاخرين من التقدم علي الامام ولو لم
[ ٤ / ٥٠٤ ]
نقل بهذا لادى الي أن تفوت كل شر ذمة تنعقد بهم الجمعة فرض الجمعة علي اهل البلد ولو شرع الناس في صلاة الجمعة فاخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها وفاتت الجمعة عليه فالمستحب لهم استئناف الظهر وهل لهم أن يتموها ظهرا فيه الخلاف الذى ذكرناه فيما إذا خرج الوقت في أثناء الجمعة (الصورة الثانية) أن تقع الجمعتان معا فيتدافعان وتستأنف واحدة
أن وسع الوقت (الثالثة) أن يشكل الحال فلا يذرى اوقعتا معا أو سبقت احداها الاخرى فيعيدون
[ ٤ / ٥٠٥ ]
الجمعة أيضا لجواز وقوعهما معا والاصل عدم الجمعة المجزئة قال امام الحرمين وقد حكمت الائمة بانهم إذا اعادوا الجمعة برئت ذمتهم وفيه اشكال لانه يجوز تقدم أحدى الجمعتين على الاخرى وعلى هذا التقدير لا يصح عقد جمعة اخرى ولا تبرأ ذمتهم بها فسبيل اليقين أن يقيموا جمعة ثم يصلوا الظهر (الرابعة) أن تسبق احدى الجمعتين على التعيين ثم يلتبس فلا تخرج واحدة من الطائفتين عن العهدة خلاف للمزني * لنا أنه ليس في الطائفتين من يتيقن صحة جمعته والاصل بقاء الفرض في ذمتهم ثم إذا لم يخرجوا
[ ٤ / ٥٠٦ ]
عن العهدة فماذا يفعلون فيه طريقان (اظهرهما) فيه وهو المذكور في الكتاب أنه ليس لهم اعادة الجمعة لان احدى الجمعتين في البلد قد صحت على اليقين فلا سبيل إلى الزيادة ولكن يصلون الظهر (والثانى) أنه علي الخلاف الذى نذكره في الصورة الخامسة وهذا هو الذي ذكره العراقيون وقوله فاتت الجمعة اراد به بطلانها على الطائفتين وافتقارهما الي فعل الظهر والا فالجمعة السابقة صحيحة وليكن معلما بالزاى والواو لما ذكرناه (الخامسة) أن تسبق احداها ولا يتعين كما إذا سمع مريضان أو مسافران تكبيرتين متلاحقتين وهما
[ ٤ / ٥٠٧ ]
خارج المسجد فاخبراهم بالحال ولم يعرفا أن المتقدمة تكبيرة من فلا يخرجون عن العهدة أيضا لما ذكرنا في الرابعة وقد نقل خلاف المزني ههنا أيضا ثم ماذا يفعلون فيه قولان (اظهرهما) في الوسيط أنهم يستأنفون الجمعة أن بقي الوقت لان الجمعتين المفعولتين باطلتان غير مجزئتين وكانه لم يقم في البلدة جمعة اصلا (والثاني) وهو رواية الربيع انهم يصلون الظهر لان احدى الجمعتين صحيحة في علم الله تعالى وأنما لم يخرجوا عن العهدة للاشكال قال الاصحاب وهذا هو القياس * هذا تمام
[ ٤ / ٥٠٨ ]
الصور وهي باسرها مذكورة في الكتاب ولهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وليان علي أمرأة واحدة وستأتى في موضعها أن شاء الله تعالي * وأن أردت حصرها قلت إذا
عقدت جمعتان فاما أن لا يعلم حالهما في التساوق والتلاحق أو يعلم وعلى هذا فاما أن يعلم تساوقهما أو سبق احداهما علي الاخرى.
وعلي هذا فاما أن يعلم في واحدة لا علي التعيين أو في واحدة معينة.
وعلى هذا فاما أن يستمر العلم أو يعرض التباس ثم قال اصحابنا العراقيون لو كان الامام في احدى الجمعتين
[ ٤ / ٥٠٩ ]
في الصور الاربع الاخيرة ترتب على ما ذكرنا في الصورة الاولي أن قلنا الصحيحة هي التي فيها الامام مع تأخيرها فههنا أولى والا فلا اثر لحضوره والحكم كما لو لم يكن مع واحد منهما * قال (الرابع العدد فلا تنعقد الجمعة باقل من اربعين (ح م) ذكور مكلفين (ح) أحرار مقيمين (ح) لا يظعنون شتاء ولا صيفا الا لحاجة والامام هو الحادى والاربعون علي احد الوجيهن) * لا تنعقد الجمعة باقل من أربعين وبه قال أحمد خلافا لابي حنيفة حيث قال تنعقد باربعة احدهم الامام واختلفت رواية اصحابنا عن مالك فمنهم من روى عنه مثل مذهبنا ومنهم من روى أن
[ ٤ / ٥١٠ ]
الاعتبار بعدد يعد بهم الموضع قرية ويمكنهم الاقامة فيه ويكون بينهم البيع والشراء ونقل صاحب التلخيص قولا عن القديم أن الجمعة تنعقد بثلاثة امام ومامومين وعامة الاصحاب لم يثبتوه * لنا ما روى عن جابر ﵁ انه قال " مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة " وعن أبى الدرداء ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا اجتمع أربعون رجلا فعليهم الجمعة " اورده في التتمة وذكر القاضي أبن كج ان الحناطي روى عن أبي امامة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " لا جمعة الا باربعين " وليكن قوله ولا تنعقد الجمعة باقل من أربعين معلما لما حكيناه بالميم والحاء
[ ٤ / ٥١١ ]
والواو ثم نعتبر في الاربعين اربع صفات الذكورة والتكليف والحرية والاقامة والمعتبر الاقامة علي سبيل التوطن وصفته أن لا يظعنوا عن ذلك الموضع شتاء ولا صيفاء الا لحاجة فلو كانوا ينزلون الموضع
[ ٤ / ٥١٢ ]
صيفا ويرتحلون عنه شتاء أو بالعكس فليسوا بمتوطنين ولا تنعقد الجمعة بهم وحكي أبن الصباغ أن ابا حنيفة
يقول بانعقادها باربعة من العبيد وباربعة من المسافرين واحتج عليه بان من لا تلزمه الجمعة لا تنعقد
[ ٤ / ٥١٣ ]
به الجمعة كالنساء واعلم لذلك كلمتي احرارا مقيمين بالحاء اشارة الي أن الحرية والاقامة لا يشترطان في العدد المعتبر عنده وفى الانعقاد بالمقيم الذى لم يجعل الموضع وطنا خلاف سنذكره
[ ٤ / ٥١٤ ]
في الباب الثالث وهل تنعقد الجمعة بالمرضى المشهور انها تنعقد لكمالهم وانما لم تجب عليهم تخفيفا وهذا هو المذكور في الكتاب في الباب الثاني ونقل ابن كج عن ابى الحسين أن الشافعي ﵁
[ ٤ / ٥١٥ ]
قال في موضع لا تنعقد الجمعة باربعين مريضا كالمسافرين والعبيد فعلى هذا صفة الصحة تعتبر مع الصفات المذكورة في الكتاب ثم عدد الاربعين معتبر مع الامام أو هو زائد علي الاربعين فيه وجهان (اصحهما) أنه من جملة الاربعين لما ذكرنا من الاخبار فانها لا تفصل بين الامام وغيره (والثانى) أنه زائد علي الاربعين لما روى أنه صلي الله عليه وسلم " جمع بالمدينة ولم يجمع باقل من اربعين " وهذا يشعر بزيادته على الاربعين وقد حكى القاضي الرويانى الخلاف في المسألة قولين (القديم) أنه زائد على الاربعين * قال (فلو انفض القوم في الخطبة لم يجز (ح) لان اسماعها اربعين رجلا واجب فان سكت الخطيب ثم بنى عند عودهم مع طول الفصل فقد فاتت الموالاة وفي اشتراطها قولان وكذلك في اشتراطها بين الخطبة والصلاة) * العدد المعتبر في الصلاة وهو الاربعون معتبر في الكلمات الواجبة من الخطبة واستماع القوم إليها قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) قال كثير من المفسرين أن المراد منه الخطبة وعن أبي حنيفة
[ ٤ / ٥١٦ ]
في رواية أنه لو خطب منفردا جاز واحتجوا عليه بان الخطبة ذكر واجب في الجمعة فيشترط حضور العدد فيه كتكبيرة الاحرام إذا عرفت ذلك فلو حضر أربعون فصاعدا لاقامة الجمعة ثم انفض كلهم
أو بعضهم والباقون دون الاربعين لم يخل اما أن يكون الانفضاض في اثناء الصلاة وسيأتي في الفصل التالى لهذا الفصل أو قبلها وذلك اما أن يكون قبل افتتاح الخطبة أو في اثنائها أو بعدها فان
[ ٤ / ٥١٧ ]
كان الانفضاض قبل افتتاح الخطبة لم يبتدئ حتى يجتمع أربعون وأن كان في اثنائها وهو مسألة الكتاب فلا خلاف في ان الركن المأتى به في غيبتهم غير محسوب بخلاف ما إذا انفض العدد في الصلاة فان فيه خلافا سيأتي قال امام الحرمين والفرق أن كل مصل يصلي لنفسه فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصلاة وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه وانما الغرض اسماع الناس وتذكيرهم فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع فقد فات فيه مقصود الخطبة فلم يحتمل ثم ننظر أن عادوا قبل طول الفصل بنى علي الخطبة فان الفصل اليسير في مثل ذلك كعدم الفصل الا ترى أنه لو سلم ناسيا ثم تذكر ولم يطل الفصل جاز وكذلك يحتمل الفصل اليسير بين صلاتي الجمع وأن عادوا بعد طول الفصل
[ ٤ / ٥١٨ ]
فهل يبنى ام يستأنف فيه قولان يعبر عنهما بان الموالاة هل تجب في الخطبة ام لا (احدهما) لا لان الغرض الوعظ والتذكير وذلك حاصل مع تفرق الكلمات (واصحهما) نعم لان للولاء وقعا في استمالة القلوب وتنبيهها ولان الاولين خطبوا على الولاء فيجب اتباعهم فيه وذكر صاحب التهذيب وغيره أن هذا القول الثاني هو الجديد وبنى أبو سعيد المتولي وآخرون الخلاف في المسألة علي أن الخطبتين بدل من الركعتين ام لا إن قلنا نعم وجب الاستئناف والا فلا وقرب حجة الاسلام قدس الله روحه في الوسيط خلاف المسألة من الخلاف في الوضوء هل يجب فيه الموالاة لكن ظاهر
[ ٤ / ٥١٩ ]
المذهب ثم انها لا تجب وههنا انها تجب ويدل علي الفرق بين البنائين أن الفصل بالعذر ثم لا يقدح علي اظهر الطريقين وههنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر قال في النهاية ولولا ذلك لما ضر الفصل الطويل ههنا لان سببه عذر الانفضاض ولو لم يعد الاولون واجتمع بدلهم أربعون فلا بد من استئناف الخطبة طال الفصل أو لم يطل كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره
[ ٤ / ٥٢٠ ]
ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة نظر ان عادوا قبل طول الفصل صلي الجمعة بتلك الخطبة وان عادوا بعد طول الفصل ففى اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة قولان كاشتراطها في الخطبة والاصح الاشتراط وشبهوا الخطبة والصلاة بالصلاتين المجموعتين تجب الموالاة بينهما فعلى هذا لا تمكن الصلاة بتلك الخطبة وعلي الاول تمكن ثم ان المزني نقل في المختصر عن الشافعي ﵁ انه
[ ٤ / ٥٢١ ]
قال في هذه الصورة احببت ان يبتدئ الخطبة ثم يصلى الجمعة فان لم يفعل صلي بهم الظهر واختلف الاصحاب فيه قال ابن سريج يجب ان يعيد الخطبة ويصلى بهم الجمعة لانه متمكن من اقامتها فلا سبيل الي تركها وهذا اختيار القفال والاكثرين قالوا ولفظ الشافعي ﵁ اوجبت واما
[ ٤ / ٥٢٢ ]
احببت فهو تصحيف من الناقل أو وهم وربما حملوا أحببت على اوجبت وقالوا كل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه ولذلك يطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم (وقوله) وصلى بهم الظهر حملوه علي ما إذا ضاق الوقت وقال أبو إسحق لا تجب اعادة الخطبة لكن يستحب وتجب الجمعة اما الاول فلانهم قد ينفضون ثانيا فيعذر في ترك اعادتها واما الثاني فللقدرة علي اقامتها وقال أبو علي صاحب الافصاح لا تجب اعادة الخطبة ولا الجمعة ويستحبان علي ما يدل عليه ظاهر النص لانه لا يأمن
[ ٤ / ٥٢٣ ]
انفضاضهم ثانيا لو اشتغل بالاعادة فيصير ذلك عذرا في ترك الجمعة واعلم إن إبن سريج وابا على متفقان علي وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة وامتناع بناء الجمعة على الخطبة التى مضت لكن هذا عذره في تركهما جميعا وذاك لم يعذره واوجب اعادة الخطبة ليصلي الجمعة بها واما أبو اسحق فانه احتمل الفصل الطويل وجوز البناء على الخطبة الماضية وتحصل مما ذكرناه خلاف في وجوب اقامة الجمعة علي ما اختصره في الوسيط فقال إذا شرطنا الموالاة ولم يعد الخطبة اثم المنفضون وهل يأثم
[ ٤ / ٥٢٤ ]
الخطيب قولان (احدهما) لا لانه أدى ما عليه والذنب لهم والثانى نعم لتمكنه من الاعادة (وقوله) في الكتاب لم يجز معلم بالحاء لما تقدم (وقوله) فان سكت الخطيب الي آخره الحكم غير مخصوص بصورة السكوت بل لو مضى في الخطبة ثم لما عادوا أعاد ما جرى من واجباتها في حالة الانفضاض كان كما لو سكت * قال (وأن انفضوا في خلال الصلاة ولو في لحظة بطل علي قول وعلي قول ثان لا تبطل (م) مهما توفر العدد في لحظة إذا بقى مع الامام واحد علي رأى أو أثنان علي رأى وعلي قول ثالث لا تبطل بالانفضاض في الركعة الثانية الجماعة وعلي قول اربع لا تبطل مهما توفر العدد وأن بقي الامام وحده)
[ ٤ / ٥٢٥ ]
لو تحرم بالعدد المعتبر ثم حضر أربعون اخرون وتحرموا ثم انفض الاولون لم تبطل الجمعة لان العدد لم يبطل في شئ من الصلاة ولا فرق بين أن يكون اللاحقون قد سمعوا الخطبة أو لم يسمعوها لانهم إذا لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدا فإذا ثبتوا استمرت الجمعة كما لو تحرم بثمانين سمعوا الخطبة ثم انفض منهم اربعون قال امام الحرمين ولا يمتنع عندي أن يقال يشترط بقاء
[ ٤ / ٥٢٦ ]
اربعين سمعوا الخطبة فلا تستمر الجمعة إذا كان اللاحقون لم يسمعوها وأن انفضوا ولحق أربعون علي الاتصال فقد قال في الوسيط تستمر الجمعة أيضا لكن يشترط ههنا أن يكون اللاحقون ممن سمعوا الخطبة وأن انفضوا ونقص العدد في باقي الصلاة أو في شئ منه فهذه مسألة الكتاب وفيها
[ ٤ / ٥٢٧ ]
قولان ومنهم من اضاف إليها قولا ثالثا ونذكره بعده توجيه القولين وتفريعها (واصحهما) وبه قال أحمد أن الجمعة تبطل ويشترط العدد في جميع اجزاء الصلاة لانه شرط في الابتداء فيكون شرطا في سائر الاجزاء كالوقت ودار الاقامة ولان الانفضاض لا يحتمل في شئ من الخطبة التى هي مقدمة الصلاة فلان لا يحتمل في نفس الصلاة كان أولي (والثانى) لا تبطل ولا يشترط استمرار العدد
[ ٤ / ٥٢٨ ]
في جميع الصلاة لما روى " انهم انفضوا عن النبي صلي الله عليه وسلم فلم يبق معه الا اثنا عشر رجلا وفيهم نزلت وإذا رأوا تجارة أو لهوا الآية " ثم أنه بني على الصلاة وايضا فان بقاء العدد
[ ٤ / ٥٢٩ ]
عنده لا يتعلق باختيار الامام وفى الابتداء يمكن تكليفه بان لا يتحرم حتى يحضروا والشى قد يشترط في الابتداء ولا يشترط في الدوام كالنية في الصلاة وغيرها (التفريع) أن شرطنا دوام العدد فلو تحرم الامام وتباطأ المقتدون ثم تحرموا نظر إن تأخر تحرمهم عن ركوعه فلا جمعة وأن لم يتأخر عن الركوع فعن القفال أن الجمعة صحيحة وعن الشيخ أبي محمد أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين تحرمهم وتحرمه وقال امام الحرمين الشرط ان يتمكنوا من اتمام قراءة الفاتحة وإذا حصل ذلك
[ ٤ / ٥٣٠ ]
فلا يضر الفصل وهذا اصح عند حجة الاسلام وأن قلنا لا يشترط دوام العدد فهل يشترط دوام الجماعة ام له اتمام الجمعة وأن بقي وحده فيه قولان (أظهرهما) أنه يشترط لان الجمعة صلاة تجمع الجماعات والغرض منها اقامة الشعار واظهار اتفاق الكلمة كما سبق فان احتملنا اختلال العدد فلا ينبغي أن يحتمل اختلال اصل الجماعة وعلي هذا ففى العدد المشروط بقاؤه قولان (الجديد) انه يشترط بقاء اثنين ليكونوا معه ثلاثة فانها الجمع المطلق والقديم انه يكفى بقاء واحد معه لانه الاثنين فما فوقهما جماعة وهل يشترط ان يكون الواحد والاثنان علي اختلاف هذين القولين علي صفات الكمال قال في النهاية الظاهر انه يشترط ذلك كما يشترط كونهم على صفات الكمال في الابتداء وعن صاحب التقريب انه يحتمل خلافه فانا إذا اكتفينا باسم الجماعة فلا يبعد ان نعتبر صفات الكمال (والقول الثاني) انه لا يشترط بقاء الجماعة
[ ٤ / ٥٣١ ]
بل لو بقى وحده كان له أن يتم الجمعة لان الشروع وقع والشروط موفورة فلا يضر الانفراد بالعدد بعده يحكى هذا القول عن تخريج المزني وذكروا انه خرجه من القول القديم في منع الاستخلاف فانه إذا احدث الامام وقلنا لا استخلاف يتمونها جمعة ولم يذكروا في هذا الموضع فصلا بين ان يكون حدثه بعد ما صلوا ركعة أو قبله ثم قال القاضي ابن كج وكثير من اصحابنا اختلف
ائمتنا في تخريجه فمنهم من؟ لمه ومنهم من ابى ولم يثبته قولا فهذا شرح القولين في اصل المسألة وخرج المزني قولا آخر وذهب إليه انه ان كان الانفضاض في الركعة الاولي بطلت الجمعة وان كان بعدها لم تبطل ويتم الامام الجمعة وكذا من معه ان بقى معه جمع ووجهه ظاهر قوله صلي الله عليه وسلم " من ادرك ركعة من الجمعة فليضف إليها اخرى " وايضا فان المسبوق إذا ادرك ركعة من الجمعة يتمها جمعة فكذلك الامام وبهذا القول قال مالك وابو حنيفة الا ان ابا حنيفة يكتفى بتقييد الركعة بسجدة ولا يعتبر تمامها واختلف اصحابنا في قبول هذا التخريج ايضا منهم من أباه وقال
[ ٤ / ٥٣٢ ]
المسبوق تبع للقوم وقد صحت لهم جمعة تامه وههنا بخلافه ومنهم من سلمه وعده قولا اخر وعلى هذا إذا اختصرت وتركت الترتيب قلت في المسألة خمسة اقوال (اظهرها) بطلان الجمعه (والثانى) ان بقي معه اثنان لم تبطل (والثالث) ان بقي معه واحد لم تبطل وهذه الثلاثة منصوصة الاولان
[ ٤ / ٥٣٣ ]
منها مذكور أن في الجديد (والثالث) في القديم (والرابع) انها لا تبطل وأن بقى وحده (والخامس) الفرق بين أن يكون الانفضاض بعد ركعة أو قبلها وقد ذكر في الكتاب كلها سوى الرابع منها وقوله بطل على قول معلم بالحاء والميم والزاى لما حكيناه وقوله علي قول ثان لا تبطل بالالف وكذا قوله وعلي قول ثالث لا تبطل (وقوله) مهما توفر العدد في لحظة غير مجرى علي اطلاقه فانه لا يجوز أن يكون التى توفر فيها العدد بعد الركوع الاول والضبط فيما قبله ما بيناه (وقوله) إذا بقي مع الامام واحد على رأى واثنان على رأى يجوز ان يعلم بالواو اشارة إلى القول الرابع والذى ذكره جواب
[ ٤ / ٥٣٤ ]
علي قولنا ان الجماعة لا يشترط دوامها واراد بالرأيين القولين اللذين ذكرناهما ويجوز ان يعلم قوله وعلى قول ثالث بالواو اشارة الي الطريقة الممتنعة من اثباته قولا * قال (الخامسة الجماعة فلا يصح الانفراد بالجمعة ولا يشترط (ح) حضور السلطان في جماعتها ولا اذنه (ح» *
[ ٤ / ٥٣٥ ]
ليس لقائل ان يقول إذا شرطنا العدد فقد شرطنا الجماعة فلا حاجة الي افراد الجماعة وعدها شرطا برأسه وذلك لان العدد والجماعة امران ينفك كل واحد منهما عن الآخر اما الجماعة دون العدد فظاهر إذ ليست الجماعة الا الارتباط الحاصل بين صلاتي الامام والمأموم وذلك مما لا يستدعي العدد واما بالعكس فلان المراد من العدد حضور اربعين بصفة الكمال وأنه يوجد من غير جماعة ثم القول في شرائط الجماعة كما سبق في غير الجمعة ولا يشترط حضور السلطان ولا اذنه فيها
[ ٤ / ٥٣٦ ]
خلافا لابي حنيفة حيث قال لا تصح الا خلف الامام أو مأذونه وبه قال أحمد وفى رواية والاصح عنه مثل مذهبنا * لنا " أن عليا اقام الجمعة وعثمان ﵄ محصور " ونقيس على سائر العبادات ويجوز
[ ٤ / ٥٣٧ ]
أن يعلم قوله في الكتاب ولا يشترط مع الحاء والالف بالواو لان صاحب البيان حكى عن بعض أصحابنا أن للشافعي قولا في القديم مثل مذهب ابى حنيفة *
[ ٤ / ٥٣٨ ]
قال (وفيه ثلاث مسائل (الاولى) إذا كان الامام عبدا أو مسافرا صح لانهما في جمعة مفروضه وقيل لا يصح إذا عددناه من الاربعين وإن كان متنفلا أو صبيا فقولان مرتبان وأن كان قائما الي الي الركعة الثالثه سهوا فهو كالمحدث في حق من اقتدي به جاهلا ولو لم يدرك مع المحدث الا ركوع الثانية ففى اداركه وجهان) *
[ ٤ / ٥٣٩ ]
ذكر ثلاث مسائل تتشعب عن شرط الجماعة (الاولى) في احوال الامام وفيها صور (احدها) لو كان امام الجمعة عبدا أو مسافرا نظر إن كان القوم معه اربعين فلا جمعة لما ذكرنا أنه يشترط كون الاربعين بصفات الكمال وأن كانوا اربعين دونه وهو المقصود من لفظ الكتاب فقد قال في التهذيب تصح الجمعة ولم يذكر غير ذلك وقال في النهاية تبنى علي أن الامام معدود من الاربعين ام لا فان قلنا
لا فلا باس وأن قلنا نعم فوجهان (احدهما) لا تصح الجمعة لانه إذا عد من العدد المعتبر فيجب أن يكون
[ ٤ / ٥٤٠ ]
علي صفات الكمال كغيره أو هو اولي بذلك (واظهرهما) لصحة لان العدد قد تم بصفة الكمال وجمعة العبد والمسافر صحيحة وأن لم تلزمهما وقد اشار في الكتاب إلى هذا البناء حيث قال وقيل لا تصح إذا عددناه من الاربعين جعل هذا الوجه مفرعا على عده من الاربعين بعدما حكم بالصحة علي الاطلاق واعلم أنه لو كان ذلك الخلاف في أن الامام هل هو واحد من العدد المشروط ام لا لكان هذا البناء واضحا ولكن ذلك الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائدا على الاربعين ام يكتفى باربعين احدهم الامام ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين احدهم الامام أن يكون الامام واحدا من العدد المشروط إذا زادوا علي الاربعين وقوله صح معلم بالميم لانه روى عن مالك انها لا تصح خلف العبد وبالالف لان عند احمد لا تصح خلف المسافر ولا خلف العبد علي قوله لا تجب الجمعة على العبد
[ ٤ / ٥٤١ ]
وعنه اختلاف رواية فيه سيأتي (وقوله) لانهما في جمعة مفروضة معناه انهما إذا صليا الجمعة صحت منهما واجزأت عن فريضة الوقت بخلاف الصور بعد هذه وفيه اشارة إلى شئ وهو ان الكلام إذا لم يصل المسافر والعبد الظهر قبل أن أما في الجمعة فأما إذا صليا الظهر ثم أما فالاقتداء بهما كالاقتداء بالمتنفل وسنذكره (الثانية) لو كان امام الجمعة صبيان فهل تصح جمعة القوم فيه قولان (احدهما) نعم قاله في الاملاء ووجهه أنه يجوز الاقتداء به في سائر الفرائض فكذلك في الجمعة كالبالغ (والثاني) لا قاله في الام لانه ليس علي صفة الكمال والامام اولى باعتبار صفة الكمال من غيره ولانه لا جمعة عليه وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه إذ لا فرض عليه بخلاف العبد والمسافر فانهما يسقطان بهما فرض الظهر وهذا القول يوافق مذهب ابى حنيفة ومالك واحمد ﵏ لانهم منعوا امامته في سائر الفرائض ففى الجمعة اولي ولو كان الامام متنفلا فهو على هذين القولين وجه المنع انه لا بد في العدد المشروط من ان يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذلك الامام ويجوز ان يرتب المتنفل علي الصبى فيقال ان جاز الاقتداء بالصبى فبالمتنفل اولى والا فقولان والفرق انه من اهل فرض الجمعة
[ ٤ / ٥٤٢ ]
ولا نقص فيه وما الاظهر من الخلاف في المسألتين رجح الشيخ أبو حامد وابو القاسم الكرخي وطائفة قول المنع والحناطي والقاضي الروياني قول الجواز وهو قضية كلام الاكثرين واطبقوا علي ان الجواز في المتنفل اظهر منه في الصبي وقالوا هو المنصوص للشافعي ﵁ في صلاة الخوف قال
[ ٤ / ٥٤٣ ]
لو صلي الامام الظهر في شدة الخوف ثم انكشف الخوف والوقت باق وقد بقي له اربعون لم يصلوا الظهر جاز له ان يصلي بهم الجمعة ثم قال الامام موضع الخلاف في المسألتين ما إذا تم العدد بصفة الكمال دون الامام فاما إذا تم بالصبي أو المتنفل فلا جمعة ولو صلوا الجمعة خلف من يصلي صبحا أو عصرا ففيه قولان كما لو صلي خلف متنفل وقيل يجوز لان الامام يصلى الفرض ولو صلوها خلف مسافر يقصر الظهر يجوز أن قلنا الجمعة ظهر مقصورة وأن قلنا صلاة علي حيالها فهو كما لو صلى خلف من يصلي الصبح ذكر المسألتين صاحب التهذيب (الصورة الثالثة) لو بان أن امام الجمعة كان جنبا أو محدثا فان لم يتم العدد دونه فلا جمعة لهم وأن تم ففيه قولان (احدهما) أنه لا يقدح في صحة جمعة القوم كما في سائر الصلوات (والثانى) يقدح لان الجماعة شرط في الجمعة والجماعة ترتبط بالامام والمأمومين
[ ٤ / ٥٤٤ ]
فإذا بان أن الامام لم يكن مصليا بان انه لا جماعة وأن احد شروط الجمعة قد فات ويخالف سائر الصلوات لان الجماعة غير مشروطة فيها وغايته انه صلى منفردا ولا شك أن هذا القول اظهر منه في الاقتداء بالصبي والمتنفل ولذلك قال في الكتاب هما مرتبان على القولين ثم وهو أصح من مقابله عند الشيخين ابي علي وابى محمد وتابعهما صاحب التهذيب وجماعة وذهب العراقيون واكثر اصحابنا الي ترجيح القول الاول ونقلوه عن نصه في الام واضافوا حكاية الخلاف إلى ابن القاص
[ ٤ / ٥٤٥ ]
واستبعدوه واعترضوا على توجيه قول المنع بانا لا نسلم أن حدث الامام يمنع صحة الجماعة وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله وقالو انه لا يمنع نيل فضيلة الجماعة في سائر الصلوات ولا غيره
من أحكام الجماعة وعلي هذا قال في البيان لو صلى الجمعة باربعين فبان أن القوم محدثون صحت صلاة الامام دونهم بخلاف ما لو بانوا عبيدا أو نساءا فان ذلك مما يسهل الاطلاع عليه وقياس من يذهب إلى المنع
[ ٤ / ٥٤٦ ]
أنه لا تصح جمعة الامام لبطلان الجماعة (الصورة الرابعة) لو قام امام الجمعة إلى ركعة ثالثة سهوا فاقتدى به إنسان فيها فهذه المسألة من فروع ابن الحداد وشرحها الائمة فقالوا اولا لو فرض ذلك في سائر الفرائض فقام الي ركعة زائدة واقتدى به انسان فيها وادرك جميع الركعة ففيه وجهان (احدها) انها لا تحسب له لانها غير محسوبة للامام والزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة واخبار الغير فلا
[ ٤ / ٥٤٧ ]
يجزئه كما لو اقتدى بالمرأة والكافر (واصحهما) انها تحسب له فإذا سلم الامام يتدارك باقي الصلاة كما لو صلي خلف جنب يجزئه وأن لم تكن تلك الصلاة محسوبة للامام بخلاف الكافر والمرأة فانه ليس لهما اهلية امامته بحال ولهذا لا يصح الاقتداء بهما اصلا وههنا يصح الاقتداء بهذا الساهي والكلام في انه هل يصير مدركا للركعة ام لا هكذا ذكره الشيخ أبو على ﵁ واما في الجمعة
[ ٤ / ٥٤٨ ]
فان قلنا إنه في غير الجمعة لا يدرك به الركعة فكذلك ههنا ولا تحسب بدلا عن الظهر ولا عن الجمعة وإن قلنا يدرك فهل تكون هذه الركعة محسوبة عن الجمعة حتى يضيف إليها اخرى بعد سلام الامام أو تكون محسوبة عن الظهر فيه وجهان بناهما الائمة على القولين فيما لو بان كون الامام محدثا لان تلك الركعة غير محسوبة من صلاته كركعات المحدث ولهذا قال في الكتاب فهو كالمحدث في حق من اقتدى به جاهلا واختار ابن الحداد انها لا تحسب عن الجمعة واعرف ههنا امورا (اولها) انما قال جاهلا لانه لو كان عالما بان الامام قائم الي الثالثة ساهيا ومع ذلك اقتدى
[ ٤ / ٥٤٩ ]
به لم تنعقد صلاته بحال كما لو اقتدى بالجنب عالما بحاله (وثانيها) لم يذكروا في المحدث أن صلاة المقتدى منعقدة وأن المأتي به يحسب عن الظهر حتي لو تبين له الحال قبل سلام الامام أو بعده علي القرب
يتمها ظهرا إذا جوزنا بناء الظهر علي الجمعة وقضية التسوية بين الفصلين الانعقاد والاحتساب عن الظهر في المحدث ايضا (وثالثها) من قال في مسألة المحدث الاصح من القولين ان الجمعة غير صحيحة قال بمثله ههنا والذين قالوا الاصح صحتها منهم من لم يورد هذه المسألة ومنهم من
[ ٤ / ٥٥٠ ]
اوردها ونقل الجواب ابن الحداد من غير نزاع فيه فيجوز أن يقدر المساعدة علي ترجيح المنع ههنا ويفرق بان الحدث لا يمكن الاطلاع عليه بحال بخلاف الزيادة علي ما سبق ويمكن أن يعارض هذا بان المحدث لا صلاة له اصلا وهذا الساهي في الصلاة لكن ندرت منه زيادة هو معذور فيها وكان اولى بان يصح الاقتداء به والله اعلم (الخامسة) قال حجة الاسلام قدس الله روحه ولو لم يدرك مع
[ ٤ / ٥٥١ ]
المحدث الا ركوع الثانية ففي ادراكه وجهان وهذا الفرع يتعلق باصلين (اولهما) ان المسبوق في صلاة الجمعة إن ادرك الامام في ركوع الركعة الثانية كان مدركا للجمعة فإذا سلم الامام قام إلى ركعة أخرى وان ادركه بعد ركوع الثانية لم يكن مدركا للجمعة ويقوم بعد سلام الامام إلى اربع خلافا لابي حنيفة حيث قال يكون مدركا للجمعة وأن ادركه في التشهد في سجدتي السهو بعد السلام لنا ما روى عن ابي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال " من ادرك ركعة
[ ٤ / ٥٥٢ ]
من الجمعة فقد ادركها ومن ادرك دون الركعة صلاها ظهرا اربعا " وإذا لحق بعد الركوع فما الذى ينوى فيه وجهان ذكرهما صاحب البيان وغيره (أحدهما) ينوى الظهر لانها التى يؤديها (واظهرهما) ينوى الجمعة موافقة للامام وهذا هو الذى ذكره القاضي الروياني ولو صلى مع الامام ركعة ثم قام وصلي اخرى وتذكر في التشهد انه نسي سجدة من احدى الركعتين نظر ان تركها من الثانية فهو مدرك للجمعة فيسجد سجدة ويعيد التشهد ويسجد للسهو ويسلم وإن تركها من الاولى أو شك لم يكن مدركا للجمعة وحصلت له ركعة من الظهر ولو أدركه في الثانية وشك في أنه سجد معه سجدة أو سجدتين فان لم يسلم الامام بعد سجد اخرى وكان مدركا للجمعة وإن سلم الامام سجد اخرى
ولم يكن مدركا للركعة وذلك في ركعة محسوبة للامام اما إذا لم تكن محسوبة كما لو ادرك الركوع مع الامام المحدث أو ادرك الامام الساهي بركعة زائدة في ركوعها وقلنا إنه لو أدرك كلها لكانت محسوبة له ففيه وجهان (أحدهما) أنه يكون مدركا للركعة لانه لو ادرك كل الركعة لكانت محسوبة له فكذلك إذا ادرك ركوعها كالركعة المحسوبة للامام (واصحهما) أنه لا يكون مدركا لان الحكم بادراك ما قبل الركوع بادراك الركوع خلاف الحقيقة انما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبا من صلاة الامام ليتحمل به فاما غير المحسوب لا يصلح للتحمل عن الغير ويخالف ما لو ادرك جميع الركعة فانه قد فعلها بنفسه فتصحح على وجه الانفراد إذ تعذر تصحيحها علي وجه الجماعة ولا يمكن التصحيح ههنا علي سبيل الانفراد
[ ٤ / ٥٥٣ ]
فان الركوع لا يبتدأ به قال الشيخ أبو علي والوجهان عندي مبنيان علي القولين في جواز الجمعة خلف الجنب والمحدث ووجه الشبه أن المقتدى في القولين في جميع الركعة في الجمعة كالمقتدى في الركوع في سائر الصلوات لانه بالاقتداء يسقط فرضا عن نفسه لو كان منفردا للزمه وهو رد الاربع إلى ركعتين كما أن المقتدى في الركوع يسقط فرضا عن نفسه وهو القيام والقراءة في تلك الركعة فان قلنا يصح الاقتداء بالمحدث لاسقاط فرض الانفراد في الجمعة فكذلك ههنا والا فلا إذا عرف ذلك فنقول لو لم يدرك في الجمعة مع الامام الا ركوع الثانية ثم بان أن الامام كان محدثا فان قلنا إنه لو ادرك جميع الركعة معه لم يكن مدركا ركعة من الجمعة فههنا أولي وإن قلنا ثم يكون مدركا ركعة من الجمعة فههنا وجهان إن قلنا ان مدرك الركوع مع الامام المحدث مدرك للركعة فكذلك ههنا والا فلا ثم قوله ولو لم يدرك مع المحدث الا ركوع الثانية يعنى لم يدرك شيئا قبله فاما ما بعد الركوع من اركان الركعة لا بد من ادراكها مع الامام أو قبل سلامه أن فرض زحام أو نسيان وتخلف لذلك (وقوله) ففي ادراكه وجهان أي في ادراكه الجمعة ولو حمل على الخلاف في ادراك الركعة لم يكن للتخصيص بركوع الثانية معني * قال (الثانية إذا احدث الامام سهوا أو عمدا فاستخلف من كان قد اقتدى وسمع الخطبة صح استخلافه في الجديد وأن لم يسمع الخطبة فوجهان ولا يشترط استئناف نية القدوة بل هو خليفة الاول
وإن لم يستخلف الامام فتقديم القوم كاستخلافه (ح) بل هو أولي من استخلافه وذلك واجب في الركعة الاولي وإن كان في الثانية فلهم الانفراد بها كالمسبوق) * إذا خرج الامام عن الصلاة بحدث أو غيره وأراد أن يستخلف فذلك إما أن يكون في غير الجمعة أو فيها والمذكور في الكتاب هو القسم الثاني فنذكر الاول علي الاختصار ثم نعود الي شرح الثاني فنقول إذا احدث الامام في سائر الصلوات ففى جواز الاستخلاف قولان قال في القديم لا يجوز
[ ٤ / ٥٥٤ ]
ذلك " لان النبي صلي الله عليه وسلم احرم بالناس " ثم ذكر أنه جنب فذهب واغتسل ولم يستخلف ولو كان الاستخلاف جائز الاشبه أن يستخلف ولانها صلاة واحدة فلا تجوز بامامين كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة وقال في الجديد يجوز " وهو أصح الروايتين عن احمد وبه قال مالك وأبو حنيفة ﵏ لانها صلاة بامامين علي التعاقب " فيجوز كما أن ابا بكر ﵁ كان يصلى بالناس فدخل النبي صلي الله عليه وسلم وجلس الي جنبه فاقتدى به أبو بكر والناس " وفى النهاية أن من الاصحاب من قطع بجواز الاستخلاف في سائر الصلوات وخص القولين بالجمعة والمشهور طرد القولين (التفريع) أن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم الصلاة وحدانا وإن جوزناه فيشترط أن يكون المستخلف صالحا لامامة القوم فلو استخلف امرأة فهو لغو ولا تبطل صلاتهم الا أن يقتدوا بها خلافا لابي حنيفة حيث قال تبطل بنفس الاستخلاف صلاتهم وصلاته قال في النهاية ويشترط أن يجرى الاستخلاف علي قرب فلو قضوا علي الانفراد ركنا امتنع الاستخلاف بعده وهل يشترط ان يكون الخليفة ممن اقتدى بالامام قبل حدثه قال اكثر أصحابنا من العراقيين وغيرهم ان استخلف في الركعة الاولي أو الثالثة من الصلوات الرباعية من لم يقتد به جاز لانه لا يخالفهم في الترتيب وان استخلفه في الثانية أو
[ ٤ / ٥٥٥ ]
الرابعة أو في الثالثة من المغرب لم يجز لانه يحتاج الي القيام وعليهم القعود فيختلف الترتيب بينهم وأطلق جماعة من الائمة اشتراط كون الخليفة ممن اقتدى به وهذا ما ذكره امام الحرمين ﵁ مع زيادة فقال لو امره الامام فتقدم لم يكن هذا استخلافا ولا هو خليفة وانما هو عاقد
لنفسه صلاة جار علي ترتيبه فيها فلو اقتدى القوم به فهو اقتداء منفردين في أثناء الصلاة وقد سبق الخلاف فيه في موضعه وهذا لان قدوتهم انقطعت بخروج الامام عن الصلاة ولم يخلفه أحد ولا يشترط ان يكون الخليفة ممن اقتدى به في الركعة الاولي بل يجوز استخلاف المسبوق ثم عليه أن يراعى نظم صلاة الامام فيقعد في موضع قعوده ويقوم في موضع قيامه كما كان يفعله لو لم يخرج الامام من الصلاة لانه بالاقتداء به التزم ترتيب صلاته حتى أنه لو لحق الامام في الثانية من الصبح ثم أحدث الامام فيها واستخلفه قنت وقعد فيها للتشهد وان كانت أولاه ثم يقنت في الثانية لنفسه ولو كان الامام قد سها قبل اقتدائه أو بعده في آخر صلاة الامام واعاد في آخر صلاة نفسه علي القول الاصح وإذا تمت صلاة الامام قام ليتدارك ما عليه وهم بالخيار ان شاءوا فارقوه وسلموا وان شاءوا صبروا جالسين ليسلموا معه هذا كله إذا عرف المسبوق نظم صلاة الامام فان لم يعرف فقد ذكروا فيه قولين علي حكاية صاحب التلخيص وعن الشيخ أبي محمد أنهما لابن سريج لا للشافعي
[ ٤ / ٥٥٦ ]
﵁ فان جوزنا تراقب القوم إذا أتم الركعة إن هموا بالقيام قام وإلا قعد وسهو الخليفة قبل حدث الامام يحمله الامام وسهوه بعد حدثه يقتضي السجود عليه وعلي القوم وسهو القوم قبل حدث الامام وبعد الاستخلاف محمول وبينهما غير محمول بل يسجد الساهي عند سلام الخليفة (القسم الثاني) ان يقع ذلك في صلاة الجمعة ففى جواز الاستخلاف القولان ان لم نجوز فينظر إن أحدث في الركعة الاولى أتم القوم صلاتهم ظهرا وان احدث في الثانية اتمها جمعة من أدرك معه ركعة كالمسبوق هذا هو المشهور وعن الشيخ ابي محمد أنهم يتمونها جمعة وان كان الحدث في الركعة الاولى تخريجا من أحد الاقوال في مسألة الانفضاض وهو ان جمعة الامام تصح وان انفضوا في الركعة الاولي وبقي وحده وذكر ابن الصباغ وغيره ان المزني نقل هذا القول في جامعه الكبير وعن صاحب الافصاح انهم وان أدركوا ركعة يتمونها ظهرا لا جمعة بخلاف المسبوق لان الجمعة قد كملت بغيره فجعل تابعا لهم وهذا الوجه قضية القياس عند امام الحرمين تخريجا على أحد الاقوال في الانفضاض وهو أن الامام يتم الظهر وان انفضوا في الثانية وذلك لان الامام ركن الجماعة في حق
القوم كما أنهم ركن الجماعة في حقه فخروجه عن الصلاة في حقهم كانفضاضهم في حقه واما إذا جوزنا الاستخلاف فلا فرق فيه بين أن يسبقه الحدث أو يحدث عمدا أو يخرج من الصلاة بلا سبب وكذلك في سائر الصلوات * وقال أبو حنيفة إنما يجوز له الاستخلاف إذا جاز له البناء علي صلاته كسبق الحدث فاما إذا تعمد بطلت صلاة القوم أيضا ثم إذا استخلف فلا يخلو اما ان يستخلف من اقتدى به قبل حدثه أو يستخلف غيره فان استخلف غيره لم يصح ولم يكن لذلك الغير أن يصلي الجمعة * واحتجوا عليه
[ ٤ / ٥٥٧ ]
بانه لا يجوز ابتداء جمعة بعد انعقاد جمعة ولو صح منه الجمعة لكان مبتدئا بها بعد انعقاد جمعة الامام والقوم بخلاف المأموم يدخل في صلاة الجمعة فانه تابع للقوم لا مبتدئ ثم قال امام الحرمين في صحة ظهره خلاف مبنى علي أن الظهر هل تصح قبل فوات الجمعة ام لا ان قلنا لا تصح فهل تبقى نفلا فيه قولان فان لم نصحح صلاته واقتدى به القوم بطلت صلاتهم وان صححناها وكان ذلك في الركعة الاولي فلا جمعة لهم وفى صحة الظهر خلاف مبني علي ان الظهر هل تصح بنية الجمعة ام لا وان كان في الركعة الثانية واقتدوا به كان هذا اقتداء طارئا علي الانفراد وفيه الخلاف الجارى في سائر الصلوات وفيه شئ آخر وهو الاقتداء في الجمعة بمن يصلي الظهر أو النافلة وقد قدمنا الخلاف فيه وان استخلف من اقتدى به قبل الحدث فينظر ان لم يحضر الخطبة ففى جواز استخلافه وجهان (احدهما) لا يجوز كما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها ليصلي بهم لا يجوز (واصحهما) الجواز لانه بالاقتداء صار في حكم من سمع الخطبة الا ترى انه لو لم يحدث الامام صحت له الجمعة كما للسامعين والصيدلاني جعل هذا الخلاف قولين ونقل المنع عن البويطي والجواز عن اكثر الكتب وان كان قد حضر الخطبة أو لم يحضرها وفرعنا علي أنه يجوز استخلافه فينظر ان استخلف من ادركه في الركعة الاولي جاز ويتم لهم الجمعة سواء احدث الامام في الاولي أو الثانية وعن صاحب الافصاح وجه آخر انه يصلى الظهر والقوم يصلون الجمعة وان استخلف من ادركه في الركعة الثانية فقد قال امام الحرمين هذا يترتب علي انه هل يجوز استخلاف من لم يسمع الخطبة ان قلنا لا يجوز فلا يجوز استخلاف المسبوق وان قلنا يجوز ففيه قولان (احدهما) المنع بناء علي انه غير مدرك للجمعة على ما سيأتي (واظهرهما) الذى ذكره الاكثرون الجواز
[ ٤ / ٥٥٨ ]
فان الخليفة الذى كان مقتديا بالامام بمثابة الامام فعلى هذا القوم يصلون الجمعة وفى الحلية وجهان رواهما صاحب البيان (احدهما) انه يتمها جمعة ايضا لانه صلي ركعة من الجمعة في جماعة فيتم الجمعة كما لو صلى ركعة منها مأموما وكما لو ادرك الامام في ركوع الركعة الاولى واستخلفه الامام في تلك الركعة يتمها جمعة وان لم يدرك مع الامام ركعة (وأصحهما) وهو المنصوص واختيار ابن سريج انه لا يتم الجمعة لانه لم يدرك مع الامام ركعة كاملة بخلاف المأموم فانه إذا أدرك ركعة جعل تبعا للامام في ادراك لجمعة والخليفة امام لا يمكن جعله تبعا للمأمومين وبخلاف الصورة الاخرى لان هناك ادرك الامام في وقت كانت جمعة القوم موقوفة علي الامام وههنا ادركه في وقت لم تكن الجمعة موقوفة على الامام لجوز أن يتموها فرادى وكان ذلك الادراك آكد واقوى وعلي هذا فهل يجوز ظهره حكى الصيدلاني وغيره عن ابن سريج أنه قال يحتمل أن يكون في جواز ظهره قولان لان الجمعة لم تفت بعد وادى الظهر مع امكان الجمعة وأنه كان بسبيل من أن لا يتقدم حتى يتقدم من ادرك الركعة الاولي فتصح جمعته خلفه وايضا ففي صحة الظهر بنية الجمعة إذا تعذرت اختلاف ويحتمل أن يقال يجوز ظهره قولا واحدا وهو معذور في التقدم عند اشارة الامام وهذا اظهر عند الاكثرين فان قلنا لا يجوز ظهره فهل تنقلب صلاته نفلا أو تبطل فيه قولان ان قلنا تبطل فهذا مصير الي منع استخلاف المسبوق
[ ٤ / ٥٥٩ ]
وهو القول الاول الذى نقلناه لان من تبطل صلاته يستحيل تقديره اماما وإذا جوزنا الاستخلاف فالخليفة المسبوق يراعي نظم صلاة الامام فيجلس إذا صلي ركعة ويتشهد فإذا بلغ موضع السلام اشار إلى القوم وقام الي ركعة أخرى ان قلنا هو مدرك للجمعة والي ثلاث ان قلنا ان صلاته ظهر والقوم بالخيار ان شاؤا فارقوه وسلموا وان شاؤا ثبتوا جالسين حتى يسلم بهم ولو دخل مسبوق واقتدى به في الركعة الثانية التي استخلف فيها صحت له الجمعة وأن لم تصح للخليفة حكي ذلك عن نص الشافعي ﵁ لانه صلي ركعة خلف من يراعى نظم صلاة امام الجمعة بخلاف الخليفة لم يصل ركعة مع امام الجمعة ولا خلف من يراعي نظم صلاته قال الائمة وهذا تفريع على
أن الجمعة خلف من يصلى الظهر صحيحة وتصح صلاة الذين ادركوا ركعة مع الامام الاول بكل حال لانهم وان انفردوا بالركعة الثانية كانوا مدركين للجمعة فلا يضر اقتداؤهم فيها لمن يصلي الظهر أو يتنفل وقوله في الكتاب سهوا أو عمدا لفظ العمد معلم بالحاء لما تقدم وقوله من كان قد اقتدى به في هذا التقييد اشارة الي أنه لا يجوز أن يستخلف غير المقتدى وقوله صح استخلافه يجوز أن يعلم بالالف لما حكينا من أحدى الروايتين عن احمد وقوله وسمع الخطبة وان لم يسمعها المراد منه الحضور ونفس السماع ليس بشرط بلا خلاف وصرح به الائمة * ثم في الفصل صور تتفرع علي جواز الاستخلاف (احداها) إذا استخلف الامام فهل يشترط استئنافه نية القدوة ذكر في التهذيب في اشتراطه وجهين في سائر الصلوات ولا شك في طردهما في الجمعة (احدهما) نعم لانهم بعد خروج الامام من الصلاة
[ ٤ / ٥٦٠ ]
قد انفردوا الا ترى انهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه لا يشترط لان الغرض من الاستخلاف ادامة الجماعة التى كانت وتنزيل الخليفة منزلة الاول ولهذا يراعي نظم صلاته ولو استمر الامام الاول لم يحتج القوم الي تجديد نية فكذلك الان (الثانية) لو لم يستخلف الامام قدم القوم بالاشارة واحدا ولو تقدم واحد بنفسه جاز أيضا بل تقديم القوم أولى من استخلاف الامام لانهم في الصلاة والامام قد خرج منها ولهذا قال امام الحرمين لو قدم القوم واحدا والامام آخر فاظهر الاحتمالين أن من قدمه القوم أولى وحكي المسعودي وغيره من اصحابنا عن أبى حنيفة أنه يشترط أن يكون تقدم الخليفة باذن الامام وأن القوم لا يستقلون بالتقديم وفى مختصر الكرخي خلاف ذلك والله اعلم (الثالثة) لو لم يستخلف الامام ولا قدم القوم ولا تقدم احد فالحكم على ما ذكرناه تفريعا على القديم قال الائمة ويجب على القوم تقديم واحد إن كان خروجه من الصلاة في الركعة الاولي ولم يستخلف وإن كان في الثانية لم يجب التقديم ولهم الانفراد بها كالمسبوق وقد حكينا في الطريقين خلافا تفريعا علي القديم فيتجه عليه الخلاف في الوجوب وعدمه هذا كله إذا احدث في أثناء الصلاة اما لو أحدث بين الخطبة والصلاة واراد أن يستخلف غيره ليصلي بالناس ان قلنا يجوز الاستخلاف في الصلاة فيجوز ذلك والا فلا يجوز ان يخطب واحد ويؤم آخر لان الخطبتين في
[ ٤ / ٥٦١ ]
في الجمعة بمثابة ركعتين من الصلاة فعلى هذا ان وسع الوقت خطب بهم آخر وصلى والا صلوا الظهر ورتب الخلاف في هذه الصورة علي الخلاف في الاستخلاف في الصلاة ثم اختلفوا فمنهم من جعل هذه الصورة أولي بالجواز لان الخطبة منفصلة عن الصلاة والصلاة عبادة واحدة فيكون احتمال التعدد فيها أبعد وعكس الشيخ أبو حامد فجعل هذه الصورة أولي بالمنع لان عقد الصلاة قد نظم الامام والخليفة وهى عبادة واحدة والخطبة والصلاة متميزتان ليس لهما عقد متحد ينظمهما ثم إذا جوزنا فالشرط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة لان من لم يسمع ليس من أهل الجمعة ألا ترى أنه لو بادر قوم من السامعين بعد الخطبة إلى عقد الجمعة انعقدت لهم بخلاف غيرهم وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في صلاة الامام هكذا قاله الجمهور وذكر صاحب التتمة فيه وجهين ولو أحدث في أثناء الخطبة وشرطنا الطهارة فيها فهل يجوز الاستخلاف ان قلنا لا يجوز في الصلاة فلا وان قلنا يجوز فوجهان حكاهما ابن الصباغ أصحهما الجواز كما في الصلاة * (فرع) لو صلي مع الامام ركعة من الجمعة ثم فارقه بعذر أو بغير عذر ولم تبطل صلاته جاز له أن يتمها جمعة كما لو أحدث الامام * (فرع) لو أتم الامام ولم يتم المأمومون فارادوا ان يستخلفوا من يتم بهم ان لم نجوز الاستخلاف للامام لم يجز لهم وان جوزنا فان كان في الجمعة بان كانوا مسبوقين لم يجز لان الجمعة لا تنشأ بعد الجمعة والخليفة منشئ وان كان في غيرها فان كانوا مسبوقين أو مقيمين وهو مسافر فوجهان (أظهرها) المنع لان الجماعة قد حصلت في كمال الصلاة وهم إذا أتموا فرادى نالوا فضلها *
[ ٤ / ٥٦٢ ]
قال (الثانية إذا زوحم المقتدى عن سجود الركعة الاولي انتظر التمكن فان سجد قبل ركوع الامام وقرأ في الثانية كان معذورا في التخلف وان وجد الامام راكعا عند فراغه من السجود التحق بالمسبوق علي احد الوجهين حتى تسقط القراءة عن (الركعة الثانية) فان وجد الامام فارغا من الركوع
وقلنا أنه كالمسبوق فهنا يتابع الامام في فعله لكن يقوم بعد سلام الامام إلى ركعة ثانية وإن قلنا ليس كالمسبوق فيشتغل بترتيب صلاة نفسه ويسعى خلف الامام وهو معذور في التخلف) * هذا ابتداء مسألة الزحام وهي موصوفة بالاشكال لانشعاب حالاتها وطول تفاريعها ونحن نلخصها ونوضح ما في الكتاب منها بحسب الامكان فنقول إذا منعته الزحمة في الجمعة عن ان يسجد علي الارض مع الامام في الركعة الاولي نظر ان امكنه ان يسجد علي ظهر انسان أو رجله لزمه ذلك لانه متمكن من ضرب من السجود يجزئه وقد روي عن عمر ﵁ انه قال " إذا زوحم أحدكم في صلاته فليسجد علي ظهر أخيه " وبهذا قال أبو حنيفة واحمد وقال مالك يصبر ولا يسجد علي ظهر الغير ونقل المحاملى وغيره وجها أنه يتخير بين ان يسجد علي ظهر الغير متابعة للامام وبين أن يصبر ليحصل له فضيله السجود علي الارض والمذهب الاول ثم قال معظم الاصحاب انما يسجد على ظهر الغير إذا قدر علي رعاية هيئة الساجدين بأن كان على نشز من الارض والمسجود علي ظهره في موضع منخفض فان لم يكن كذلك لم يكن المأتى به سجودا وفى العدة أنه لا يضر ارتفاع الظهر والخروج عن هيئة الساجدين لمكان العذر وقد ذكر صاحب الافصاح ذلك وإذا تمكن من السجود علي ظهر الغير
[ ٤ / ٥٦٣ ]
فلم يفعل ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد (وأظهرهما) أنه تخلف بغير عذر (والثانى) أنه تخلف بالقدر وقد سبق حكم القسمين أما إذا لم يمكنه أن يسجد علي الارض ولا علي ظهر الغير فلو خرج عن المتابعة لهذا العذر وأراد أن يتمها ظهرا هل يصح فيه قولان لانه ظهر قبل فوات الجمعة وسيأتي الخلاف فيه قال الامام ويظهر عندي منعه من الانفراد لان إقامة الجمعة واجبة والخروج عنها قصدا مع توقع إدراكها لا وجه له فإذا دام علي المتابعة فما الذى يفعل ذكر في النهاية أن شيخه حكي فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن يومئ بالسجود أقصي ما يمكنه كالمريض لمكان العذر (واصحها) وهو المذكور في الكتاب انه ينتظر التمكن ولا يومئ لقدرته علي السجود وندور هذا العذر وعدم دوامه (والثالث) أن يتخير بينهما وهذه الوجوه كالوجوه في الغازى أنه يقعد ويومئ أو يقوم ويتم الاركان أو يتخير بينهما وإذا فرعنا علي الصحيح وهو أنه ينتظر فلا يخلو إما أن يتمكن من السجود قبل ركوع الامام في الثانية أو لا يتمكن
إلي ركوعه فيها فاما في القسم الاول فيسجد كما تمكن ثم إذا فرغ فللامام أحوال أربع (أحداها) أن يكون بعد في القيام فيفتتح القراءة فان أتمها ركع معه وجرى على متابعته ولا بأس بما وقع من التخلف للعذر كما في صلاة عسفان يسجد الحارسون بعد قيام الامام إلي الثانية للعذر كما سيأتي في صلاة الخوف وان ركع الامام قبل أن يتمها فيبني حكمه على وجهين نذكرهما في أنه هل يلتحق بالمسبوق أم لا وقد بينا حكم المسبوق وغيره في ذلك في صلاة الجماعة (الثانية) أن يكون في الركوع ففيه وجهان (أصحهما) عند الجمهور أنه يدع القراءة ويركع معه لانه لم يدرك محلها فسقطت عنه كالمسبوق (والثانى) وهو اختيار القفال وجماعة أنه لا يدعها ولا تسقط عنه لانه مؤتم بالامام في حال قراءته فلزمته بخلاف المسبوق فعلى هذا يقرأ ويسعي خلف الامام وهو متخلف بالعذر (الثالثة) أن يكون فارغا من الركوع لكنه
[ ٤ / ٥٦٤ ]
يعد في الصلاة فان قلنا في الصورة السابقة أنه كالمسبوق فيتابع الامام فبما هو فيه ولا يكون محسوبا له بل يقوم عند سلام الامام إلى ركعة ثانية وإن قلنا ليس كالمسبوق فيشتغل بترتيب صلاة نفسه وحكى في النهاية طريقة أخرى أنه ليس له في هذه الصورة إلا متابعة الامام (الرابعة) لو وجد الامام متحللا من صلاته لا يكون مدركا للجمعة فان الامام قد خرج من الصلاة قبل أن تتم له ركعة بخلاف ما إذا رفع رأسه من السجود وسلم الامام في الحال قال إمام الحرمين وإذا جوزنا له التخلف وأمرناه بالجريان على ترتيب صلاة نفسه فالوجه ان يقتصر على الفرائض فعساه يدرك الامام ويحتمل أن يجوز له الاتيان بالسنن مع الاقتصار على الوسط منها وهذه الاحوال مذكورة
[ ٤ / ٥٦٥ ]
في الكتاب سوى الرابعة منها وانما تكلم في الصورة التى يقع فيها هذه الاحوال وهى ان تمنعه الزحمة من مطلق السجود دون ان تمنعه من السجود علي الارض خاصة وقوله وقلنا انه كالمسبوق فههنا يتابع الامام يجوز اعلامه بالواو للطريقة التى حكاها الامام انه يتابع بلا خلاف * قال (اما إذا لم يتمكن من السجود حتى ركع الامام فقولان (أحدهما) يركع معه وقد حصلت
له ركعة واحدة اما ملفقة من هذا السجود والركوع الاول علي احد الوجهين واما منظومة من هذا الركوع والسجود فان قلنا بالملفقة فهل تصلح لادراك الجمعة بها فعلي وجهين ولو خالف أمرنا ولم يركع مع الامام لكن سجد بطلت صلاته الا إذا كان جاهلا بالتحريم فيجعل كانه لم يسجد وينظر بعده فان راعي ترتيب صلاة نفسه فإذا سجد في ركعته الثانية حصلت له ركعة فيها نقصان التلفيق ونقصان القدوة الحكمية لوقوعها بعد الركوع الثاني للامام وهل تصلح الحكمية لادراك الجمعة فيه وجهان اما إذا تابع الامام بعد فراغه من سجوده الذى سها به فقد سجد مع الامام حسا أو حكما وتمت له ركعة ملفقة) * القسم الثاني أن لا يتمكن من السجود حتى يركع الامام في الثانية وفيما يفعل والحالة هذه قولان (أصحهما) وبه قال مالك واحمد واختاره القفال انه يتابعه فيركع معه لظاهر قوله " انما جعل الامام
[ ٤ / ٥٦٦ ]
ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا " ولانه ادرك الامام في الركوع فيركع معه كالمسبوق (والثانى) وبه قال ابو حنيفة لا يركع معه بل يراعي ترتيب صلاة نفسه فيسجد لقوله صلي الله عليه وسلم " وإذا سجد فاسجدوا " وقد سجد الامام في الاولي فليسجد هو امتثالا للامر ولانه لو ركع لكان مواليا بين ركوعين في ركعة واحدة قال الرويانى وهذا أصح (التفريع) ان قلنا بالاول فاما ان يوافق ما امرناه به أو يخالف (الحالة الاولي) ان يوافق فاى الركوعين يحسب له فيه وجهان وقيل قولان (احدهما) الاول لانه انى به في وقت الاعتداد بالركوع وانما اتى بالثاني لعذر وهو موافقة الامام فاشبه ما لو والى بين ركوعين ناسيا (والثانى) المحسوب الثاني لان المدة قد طالت وافرط التخلف فكأنه مسبوق لحق الآن فيحسب له الركوع وما بعده ويلغى ما سبق وذكروا ان منشأ هذا الخلاف التردد في تغيير لفظ الشافعي ﵁ فانه قال علي هذا القول فيركع معه في الثانية وتسقط الاخرى فمن قائل اراد بالاخرى الاخيرة ومن قائل اراد الاولى قالوا والاول اصح والثانى اشبه بكلامه وقوله في الكتاب اما ملفقة إلى آخره واما منظومة من هذا الركوع والسجود أي علي هذا الوجه الثاني فان قلنا بالوجه الثاني اجزأته الركعة الثانية من الجمعة فيضم إليها اخرى عند سلام الامام وان
[ ٤ / ٥٦٧ ]
قلنا بالاول فالحاصل ركعة ملفقة من هذا السجود وذلك الركوع وفى ادراك الجمعة بها وجهان (احدهما) وبه قال ابن ابى هريرة لا يدرك لنقصانها بالتلفيق ومن شرط الجمعة وادراكها استجماع صفة الكمال (واصحهما) وبه قال أبو اسحق يدرك لقوله صلي الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى " والتلفيق ليس بنقص في حق المعذور وان كان نقصا فهو غير مانع الا ترى انا إذا احتسبنا بالركوع الثاني حكمنا بادراك الجمعة بلا خلاف مع حصول التلفيق بين هذا الركوع وذلك التحرم (الحالة الثانية) أن يخالف امرنا فلا يركع معه ويسجد جريا علي ترتيب صلاته فاما أن يفعل ذلك عالما بان واجبه المتابعة أو يفعله ناسيا أو معتقد أن الواجب عليه رعاية ترتيبه فان فعله عالما ولم ينو مفارقة الامام بطلت صلاته وعليه التحرم بالجمعه ان امكنه ادراك الامام في الركوع وان نوى مفارقته فقد اخرج نفسه عن صلاة الامام بغير عذر وفى بطلان الصلاة به قولان سبقا فان لم تبطل لم تصح جمعته وفى صحة الظهر خلاف مبنى علي أن الجمعة إذا تعذر اتمامها هل يجوز اتمامها ظهرا وعلي أن الظهر هل تصح قبل فوات الجمعة وسيأتي ذلك وقوله تبطل صلاته الا إذا كان جاهلا ينبغي أن يعلم فيه أن الاستثناء لا ينحصر في الجاهل بل الناس في معناه وقوله بطلت صلاته ان اراد ما إذا
[ ٤ / ٥٦٨ ]
لم ينو المفارقة واستدام نيته الاولى فذاك وإن اراد اطلاق الحكم نوى المفارقة ام لا فيحتاج الي الاعلام بالواو واما إذا فعله جاهلا أو ناسيا فما اتى به من السجود لا يعتد به ولا تبطل الصلاة ثم ان فرغ والامام راكع بعد بان خفف سجوده وطول الامام فعليه متابعته فان تابعه وركع معه فالتفريع كما سبق لو لم يسجد وان لم يركع معه أو كان الامام قد فرغ من الركوع فينظر ان راعى ترتيب صلاة نفسه بان قام بعد السجدتين وقرأ وركع وسجد فقد قال حجة الاسلام قدس الله روحه ههنا وفى الوسيط تتم له ركعة بهما لكن فيها نقصانان (احدهما) نقصان التلفيق فان ركوعها من الاولي وسجودها من الثانية وفيها الخلاف المذكور (والثاني) نقصان القدوة الحكمية وبين في النهاية معناه فقال ان المزحوم لم يسجد على متابعة الامام والاقتداء به حقيقة وحسا وانما سجد متخلفا عنه الا انه معذور
فسحبوا حكم القدوة عليه وقالوا ان لم يفرط التخلف بان سجد قبل ركوع الامام الحق اقتدؤاه بالاقتداء الحقيقي وجعل مدركا للجمعة كما تقدم فاما إذا سجد بعد ركوعه فقد افرط التخلف وانتهى الامام الي آخر ما به يدرك المسبوق الجمعة فالمتم ركعته معرضا عن الاقتداء به حقيقة هل يكون مدركا للجمعة فيه وجهان (اصحهما) نعم ويقرب توجيههما مما ذكرنا في الملفقة وقد عرفت مما ذكرنا انه الي ماذا اشار بقوله لوقوعها بعد الركوع الثاني للامام وان الخلاف ليس في مطلق الحكمية فان السجود في حال قيام الامام ليس علي حقيقة المتابعة ولا خلاف في إدراك الجمعة به ثم اعرف شيئين (احدهما) انه اطلق الحكم باحتساب سجدتيه في الثانية وتمام الركعة بهما ثم نقل التردد في إدراك الجمعة بها ولا شك في ان هذا التردد مخصوص بما إذا وقعتا قبل سلام الامام فاما إذا وقعتا أو شئ منهما بعد سلام الامام فقد نصوا علي انه لا يكون مدركا للجمعة على أن في أصل الاحتساب إذا وقعتا قبل سلام الامام اشكالا لانا
[ ٤ / ٥٦٩ ]
علي القول الذى عليه التفريع نأمره بالمتابعة بكل حال فكما لا يحسب له السجود والامام راكع لان فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب له والامام في ركن بعد الركوع والمفهوم من كلام الاكثرين هذا وهو عدم الاحتساب بشئ مما يأتي به على غير سبيل المتابعة فإذا سلم الامام سجد سجدتين لتمام الركعة ولا يكون مدركا للجمعة نعم صرح الصيدلاني باحتساب السجدتين وبنقل الوجهين في إدراك الجمعة بها كما ذكره في الكتاب والله أعلم (الثاني) انه زيد في بعض النسخ بعد قوله فيجعل كأنه لم يسجد ثم ان أدرك الامام راكعا عاد التفريع كما مضي وإن فات الركوع بنظر بعده فان راعى وهكذا هو في الوسيط وليس في بعضها هذه الزيادة والامر فيها قريب وعلى الاول فليس التفصيل المرتب علي قوله وإن فات الركوع مخصوصا بما إذا فات الركوع عند فراغ المزحوم من السجود بل لو كان الامام في الركوع بعد لكنه جرى على ترتيب صلاته كان الحكم كما لو فات الا أن يطيل الامام ركوعه فيكون بعد فيها حين سجد المزحوم في الثانية فلا يعتد به هذا كله فيما إذا جرى علي ترتيب صلاته بعد فراغه من سجدتيه اللتين لم يعتد بهما فاما إذا فرغ منهما والامام ساجد فاتفق له متابعته في السجدتين فهذا هو الذى نأمره به والحالة هذه تفريعا علي هذا القول فيحسبان له
ويكون الحاصل ركعة ملفقة (واما النقصان الاخر) فهو مفقود ههنا لانه سجد مع الامام حسا (وقوله) بعد سجوده الذى سها به أي جهل حكمه فانه بمثابة السهو وإن وجده جالسا للتشهد وافقه فإذا سلم سجد سجدتين لتتم له الركعة ولا جمعة له لانه لم يتم له ركعة والامام في الصلاة وكذلك يفعل لو وجده قد سلم حين فرغ من سجدتيه * قال (والقول الثاني انه لا يركع مع الامام بل يراعى ترتيب صلاة نفسه فان خالف مع العلم
[ ٤ / ٥٧٠ ]
وركع بطلت صلاته وان كان جاهلا لم تبطل وحصل له بسجوده مع الامام ركعة ملفقة وان وافق قولنا وسجد فسجوده واقع في قدوة حكمته ففي الادراك بها وجهان فعلي هذا للامام حالتان عند فراغه من السجود فان كان فارغا من الركوع فيجرى على ترتيب صلاة نفسه وان كان راكعا ركع معه ان قلنا انه كالمسبوق والاجرى علي ترتيب صلاة نفسه) * ذكرنا أصل هذا القول وتوجهه مع الاول وأما التفريع فانه لا يخلو إما ان يوافق ما أمرناه به وهو رعاية ترتيبه أو يخالف (احدى الحالتين) أن يخالف امرنا ويركع مع الامام فان كان عامدا بطلت صلاته وعليه أن يبتدئ بالجمعة ان امكنه ادراك الامام في الركوع وان كان ناسيا أو جاهلا يعتقد ان الواجب عليه الركوع مع الامام فلا يعتد بركوعه ولا تبطل صلاته فإذا سجد معه بعد الركوع فهل تحسب له السجدتان المشهور انهما يحسبان له لانا امرناه بالسجود علي هذا القول فقدم عليه شيئا غير معتد به ولا مفيد فإذا انتهي إليه وجب ان يقع عن المأمور وهذا هو الذى ذكره في الكتاب فقال وحصلت له بسجوده مع الامام ركعة ملفقة وحكي الشيخ أبو محمد رحمة الله عليه في السلسلة وجها آخر انه لا يعتد بهما لانه اتى بهما على قصد الثانية فلا يقع عن اولاه كما لو نسى سجدة من صلب الصلاة ثم سجد لتلاوة أو سهو لا يقوم مقامها فان قلنا بالاول فالحاصل ركعة ملفقة وفى الادراك بها ما سبق من الخلاف (الحالة الثانية) ان يوافق ما امرناه به فيسجد فهذه القدوة حكمية لوقوع السجود بعد الركوع الثاني للامام وفى إدراك الجمعة بها الوجهان السابقان وهما مشهوران في هذا الموضع في كلام الاصحاب ثم إذا فرغ من السجود فللامام حالتان (احداهما) ان يكون فارغا من الركوع
إما في السجود أو في التشهد ففيه وجهان (احدهما) وهو المذكور في الكتاب انه يجرى علي ترتيب صلاة نفسه فيقوم ويقرأ ويركع لانا امرناه بذلك حالة ركوع الامام مع انه الركن الذى يتعلق به إدراك
[ ٤ / ٥٧١ ]
المسبوق فلان نأمره به بعد مجاوزتة كان أولي (والثانى) أنه يلزمه متابعة الامام فيما هو فيه فإذا سلم الامام اشتغل بتدارك ما عليه لانه إنما جعل الامام ليؤتم به فصار كالمسبوق يدرك الامام ساجدا أو متشهدا بخلاف الركعة الاولي فانه أدرك منها القيام والركوع فلزمه إتمامها ويشبه أن يكون هذا الوجه أظهر في المذهب لان كثيرا من اصحابنا لم يوردوا سواه منهم جماعة من العراقيين والشيخ أبو محمد ونقل ابن الصباغ وصاحب المهذب الوجهين وقالا الاصح هو الثاني وعلي هذا الثاني قال الشيخ أبو محمد لو كان الامام عند فراغه من السجود قد هوى للسجدتين فتابعه فقد والى بين اربع سجدات فالمحسوب لتمام الركعة الاولي الاوليان ام الاخريان فيه وجهان كما سبق في الركوعين (اقربهما) إلي الصواب احتساب الاوليين وعلي الوجه الثاني يعود الخلاف المذكور في الركعة الملفقة (والثانية) ان يكون الامام راكعا بعد فهل عليه متابعته وتسقط عنه القراءة كالمسبوق أو يشتغل بترتيب صلاة نفسه فيقرأ فيه وجهان كما ذكرنا تفريعا علي القول الاول فعلي الاول يسلم معهم ويتم جمعته وعلي الثاني يقرأ ويسعى ليلحقه وهو مدرك للجمعة ايضا وقوله في اول القول الثاني لا يركع معه معلم بالميم والالف وقوله في اول القول الاول يركع معه بالحاء لما قدمناه ويجوز ان يعلم كلاهما بالزاى لان الاصحاب اختلفوا في اختيار المزني ومذهبه من القولين فعن ابن سريج وابن خيران ان اختياره القول الثاني وعن ابي اسحق ان اختياره القول الاول ولهذا الاختلاف شرح ليس هذا موضعه ولعلك تقول قوله فعلي هذا للامام حالتان تفريع وترتيب فعلي ماذا رتبه والمذكور قبله وجهان مرسلان في ان القدوة الحكمية هل تفيد إدراك الجمعة (والجواب) انه أراد الترتيب علي قولنا ان القدوة الحكمية تصلح للادراك وقد بين ذلك في الوسيط لكن إيراد المعظم يدل علي ان كلام الحالتين لا يختص بالتفريع علي أحد الوجهين بل هو شامل لهما وإنما يختلفان في القدر الذى يتداركه هذا تمام
[ ٤ / ٥٧٢ ]
الكلام فيما إذا لم يتمكن المزحوم في السجود حتي ركع الامام في الثانية ولو لم يتمكن منه حتى سجد لامام في الثانية فيتابعه في السجود قولا واحدا والحاصل ركعة ملفقة ان قلنا الواجب متابعة الامام وغير ملفقة إن قلنا الواجب عليه رعاية ترتيب صلاته ذكره في التهذيب ولو لم يتمكن منه حتى تشهد الامام قال في التتمة يسجد ثم إن ادرك الامام قبل السلام فقد ادرك الجمعة وإلا فلا ولو كان الزحام في سجود الركعة الثانية وقد صلي الاولي مع الامام فيسجد متي تمكن قبل سلام الامام أو بعده وجمعته صحيحة وإن كان مسبوقا لحقه في الثانية فان تمكن قبل سلام الامام سجد وقد ادرك ركعته وإن لم يتمكن حتى سلم الامام فلا جمعة له ولو زحم عن ركوع الركعة الاولى حتى ركع الامام في الثانية يركع ثم قال الاكثرون يعتد له بالركعة الثانية وتسقط الاولي ومنهم من قال الحاصل ركعة ملفقة * قال (ومهما حكمنا بانه لم يدرك الجمعة فهل تنقلب صلاته ظهرا فيه قولان يعبر عنهما بان الجمعة هي ظهر مقصورة أم هي صلاة علي حيالها فان قلنا لا تنقلب ظهرا فهل تبقى نفلا يبنى علي القولين في المتحرم بالظهر قبل الزوال) * إذا عرضت حالة في الصلاة تمنع من وقوعها جمعة في صورة الزحام وغيرهما فهل يتم صلاته ظهرا فيه قولان يتعلقان باصل وهو ان الجمعة ظهر مقصورة أو هي صلاة علي حيالها وقد اختلف قول الشافعي ﵁ في فروع تقتضي اختلافه في هذا الاصل (أحدهما) أنها ظهر مقصورة لان وقتها وقت الظهر لكن وجب القصر فيها عند تمام شروطها (والثانى) انها صلاة علي حيالها ألا ترى
[ ٤ / ٥٧٣ ]
انه لا يجوز فعلها في سائر الايام ولا يجوز فعل الظهر في هذا اليوم فان قلنا انها ظهر مقصورة فإذا فات بعض شرائط الجمعة أتمها ظهرا كالمسافر إذا فات شروط قصره وإن قلنا أنها فرض آخر فهل يتم فيه وجهان مذكوران في التهذيب وغيره (أحدهما) لا لانه شرع فيها بنية الجمعة (والثانى) نعم لانهما فرض وقت واحد (وقوله) في الكتاب فهل تنقلب صلاته ظهرا يشعر بان الخلاف في انقلابه بنفسه وفى النهاية حكاية وجهين في ذلك على قولنا أنه تتم صلاته ظهرا (أحدهما) انه تنقلب ظهرا من غير قصد
منه لانا إذا جعلناها ظهرا مقصورة فمتي بطل القصر ثبت الاتمام (والثاني) ان الشرط ان يقلبهما ظهرا بقصده لان بين الجمعة والظهر تغايرا في الجملة ليس بين القصر والاتمام فلا بد من قصد البناء والظاهر من الخلاف في المسألة ان له ان يتمها ظهرا وإذا قلنا لا يتمها ظهرا فهل تبقى صلاته نفلا ام تبطل من أصلها فيه القولان السابقان فيما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال ونظائرها ثم قال امام الحرمين قول البطلان لا ينتظم تفريعه إذا امرناه في صورة الزحام بشئ فوافق امرنا لان الامر بالشئ والحكم ببطلانه ورفعه آخرا محال فليكن ذلك مخصوصا بما إذا امرناه بشئ فخالف وحيث اطلق الائمة ترتيب الخلاف وتنزيله فهو محمول على هذا * قال (والنسيان هل يكون عذرا كالزحام فيه وجهان) * التخلف بالنسيان هل هو كالتخلف بالزحام فيه وجهان (اصحهما) نعم لمكان العذر (والثانى) لا لانه نادر ولانه مفرط إذ هو بسبيل من ادامة الذكر هكذا اطلق جماعة نقل الوجهين منهم المصنف والمفهوم من كلام الاكثرين ان في ذلك تفصيلا ان تأخر سجوده عن سجدتي الامام
[ ٤ / ٥٧٤ ]
ثم سجد في حال قيام الامام فالحكم كما ذكرناه في الزحام وكذلك لو تأخر لمرض لشمول العذر وعدم افراط التخلف وان بقي ذاهلا عن السجود حتى ركع الامام في الثانية ثم تنبه فهنا خلاف منهم من قال فيه القولان في المزحوم (احدهما) يركع معه (والثانى) يجرى على ترتيب صلاة نفسه وبهذا قال القاضي ابو حامد ومنهم من قال يتبعه قولا واحدا لانه مقصر بالنسيان فلا يجوز له ترك المتابعة وهذا اظهر عند القاضي الروياني (خاتمة) الزحام كما يفرض في صلاة الجمعة يفرض في سائر الصلوات وانما يذكر في الجمعة خاصة لان الزحمة فيها أكثر ولانها يجتمع فيها وجوه من الاشكال لا تجرى في غيرها مثل التردد في ان الركعة الملفقة هل تدرك بها الجمعة وكذا التردد في القدوة الحكمية والتردد في أن المبنية على ان الجمعة ظهر مقصورة ولان الجماعة شرط فيها ولا سبيل الي المفارقة ما دام يتوقع ادراك الجمعة بخلاف سائر الصلوات إذا عرفت ذلك فلو فرضت الزحمة في سائر الصلوات وامتنع عليه السجود في الاولي حتى ركع الامام في الثانية اطرد فيه القولان وحكى القاضي بن كج طريقتين اخريين (احداهما) انه يركع معه بلا خلاف
(والثانى) انه يراعي ترتيب صلاته بلا خلاف *
[ ٤ / ٥٧٥ ]
قال (الشرط السادس الخطبة وأركانها خمسة (ح) الحمد لله ويتعين هذا اللفظ والصلاة علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ويتعين لفظ الصلاة والوصية بالتقوى ولا يتعين لفظها إذ غرضه الوعظ وأقلها أطيعوا الله والدعاء للمؤمنيين وأقله رحمكم الله وقراءة القرآن وأقله آية والدعاء لا يجب الا في الثانية والقراءة تختص بالاولى علي أحد الوجهين والتحميد والصلاة والوصية واجبة في الخطبتين) * من شرائط الجمعة تقدم خطبتين " لان النبي ﷺ لم يصل الجمعة إلا بخطبتين " قال صلوا كما رأيتموني أصلي " وروى عن عمر ﵁ وغيره " ان الصلاة انما قصرت للخطبة " والكلام في واجبات الخطبة وسننها أما الواجبات فقد جعلها قسمين الاركان والشرائط وعد الاركان خمسة (أحدها) حمد الله تعالي لما روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم " خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه " ويتعين لفظ الحمد اتباعا لما درجوا عليه من عصر الرسول صلي الله عليه وسلم إلي عصرنا هذا (والثانى) الصلاة علي رسول الله صلي الله عليه وسلم فان كل عبادة افتقرت إلي ذكر الله تعالي افتقرت إلي ذكر رسوله كالاذان والصلاة ويتعين لفظ الصلاة كما ذكرنا في الحمد وحكي في النهاية عن كلام بعض الاصحاب ما يوهم انهما لا يتعينان ولم ينقله وجها مجزوما به (والثالث) الوصية بالتقوى لان النبي صلي الله عليه وسلم " واظب عليها في خطبه " ولان المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير
[ ٤ / ٥٧٦ ]
فلا يجوز الاخلال به وهل يتعين لفظ الوصية فيه وجهان (أحدهما) نعم كالحمد والصلاة (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب لا لان غرضها الوعظ فبأى لفظ وعظ حصل الغرض وقد روى هذا عن نصه في الاملاء قال الامام ولا يكفى الاقتصار علي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها فان ذلك قد يتواصى به المنكرون للمعاد أيضا بل لا بد من الحمل على طاعة الله تعالي وحده والمنع من المعاصي ولا يجب في الموعظة فصل وكلام طويل بل لو قال أطيعوا الله كفاه وأبدى الامام احتمالا فيه وقال الغرض استعطاف القلوب وتنبيه الغافلين ولا يحصل ذلك إلا بفصل يهز ويستحث وعلى ذلك
جرى الاولون واللائق بمذهب الشافعي ﵁ الاتباع ولا تردد في كلمتي الحمد والصلاة انهما كافيتان ثم هذه الاركان الثلاثة لا بد منها في الخطبتين جميعا وحكي الحناطى وجها غريبا انه لو صلي على النبي صلي الله عليه وسلم في أحداهما جاز فيجوز أن يعلم لذلك لفظ الصلاة في قوله والتحميد والصلاة والوصية واجبة في الخطبتين بالواو (والرابع) الدعاء للمؤمنين ركن في ظاهر المذهب اتباعا وفيه أوجه آخر انه لا يجب لانه لا يجب في غير الخطبة فكذلك في الخطبة كالتسبيح وكلام صاحب التلخيص يوافق هذا الوجه ويحكي عن نصه في الاملاء أيضا وإذا قلنا بالاول فهو مخصوص بالثانية فان الدعاء يليق بحالة الاختتام ولو دعا في الاول لم يحسب عن الثانية ويكفي ما يقع عليه الاسم قاله الامام وأرى انه يجب أن
[ ٤ / ٥٧٧ ]
يكون متعلقا بامور الآخرة غير مقتصر علي أوطار الدنيا وانه لا بأس بتخصيصه بالسامعين بأن يقول رحمكم الله (الخامس) قراءة القرآن وهى من الاركان روى انه ﷺ " كان يقرأ آيات ويذكر الله تعالي " ونقل قول عن الاملاء انها ليست من الاركان وإنما هي من المستحبات وقد يحكى المذهبان وجهين عن أبى اسحق المروزى فان قلنا بالمشهور وهو انها ركن فقد قال الاصحاب أقله آية ويحكى عن ذلك عن نص الشافعي ﵁ ولا فرق بين أن يكون مضمونها وعدا أو وعيدا أو حكما أو قصة قال الامام ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة ولا شك انه لو قال (ثم نظر) لم يكف وان عد آية بل يعتبر أن تكون مفهمة واختلفوا في محلها على ثلاثة أوجه (أظهرها) وينقل عن نصه في الام انها تجب في أحدهما لا بعينها لان المنقول انه كان يقرأ في الخطبة وهذا القدر لا يوجب كون القراءة فيهما ولا في واحدة على التعيين (والثاني) أنها تجب فيهما لانها ركن فأشبهت الثلاثة الاول (والثالث) انها تختص بالاولى في مقابلة الدعاء المختص بالثانية وهذا ظاهر لفظه في المختصر وقوله في الكتاب والقراءة تختص بالاولي على أحد الوجهين تعرض لهذا الوجه الثالث ويمكن ادراج الوجهين الآخرين في مقابله بأن يقال والثانى لا يختص وعلي هذا تجب فيهما أو تجب في واحدة لا علي التعيين فيه وجهان " ويستحب أن يقرأ في الخطبة سورة ق روى ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم وسلم " وان قرأ آية سجدة
[ ٤ / ٥٧٨ ]
نزل وسجد فلو كان المنبر عاليا لو نزل لطال الفصل ففيه الخلاف المذكور في اشتراط الموالاة ولا تداخل في الاركان المذكورة حتي لو قرأ آية فيها موعظة وقصد ايقاعها عن الجهتين لم يجز ولا يجوز أن يأتي بآيات تشتمل على الاركان المطلوبة فان ذلك لا يسمى خطبة ولو أتى ببعضها في ضمن آية لم يمتنع (وقوله) في الكتاب وأركانها خمسة معلم بالواو للخلاف المذكور في القراءة والدعاء وبالحاء لان عنده يكفيه أن يقول الحمد لله أو لا إله الا الله ونحوهما وبالميم لانه روى عن مالك مثل مذهب أبى حنيفة وروى انه قال لا يجزئه إلا ما سمته العرب خطبة ويجوز ان يعلم كل واحد من الاركان بعلامتهما لما ذكرنا وكذا الحكم بتعين الحمد لله والصلاة ولك ان تبحث في شيئين من قوله ويتعين هذه اللفظة وقوله ويتعين لفظ الصلاة (احدهما) ان الحكم بتعين اللفظين يقتضي عدم اجزائهما بغير العربية فهل هو كذلك (والجواب) ان في اشتراط كون الخطبة كلها بالعربية وجهان (اصحهما) انه شرط اتباعا لما جرى عليه الناس (والثانى) ذكره في التتمة مع الاول انه لا يشترط اعتبارا بالمعني فعلي الصحيح لو لم يكن فيهم من يحسن العربية خطب بغيرها ويجب ان يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية كالعاجز عن التكبير بالعربية عليه التعلم فلو مضت مدة امكان التعلم ولم يتعلموا عصوا وليس لهم الجمعة (الثاني) لم قال في الحمد لله وتتعين هذه اللفظة ولم يقل مثل ذلك في الصلاة علي رسول الله ولكن خص التعين بالصلاة (والجواب) انما لم يقل في الصلاة وتتعين هذه اللفظة لانه لو قال والصلاة علي محمد أو علي النبي جاز ولا يشترط التعرض للفظ الرسول (وقوله) في الحمد وتتعين هذه لله اللفظة مقتضاه انه لو قال الحمد للرحمن أو للرحيم لا يجزئه وذلك مما لا يبعد كما في كلمة التكبير
[ ٤ / ٥٧٩ ]
لكن لم اره مسطورا فاما ان قوله والصلاة علي النبي مجزئ فلا شك فيه وهو لفظ الشافعي ﵁ في المختصر * قال (وشرائطها ستة الوقت وهو ما بعد الزوال وتقديمها علي الصلاة بخلاف صلاة العيدين والقيام فيهما والجلوس بين الخطبتين مع الطمأنينة وفى طهارة الخبث والحدث والموالاة خلاف) * لما فرغ من الاركان اشتغل بذكر الشرائط وعدها ستا وهذا الفصل يشتمل علي خمسة منها
(احداها) الوقت وهو ما بعد الزوال فلا يجوز تقديم الخطبتين ولا شئ منهما عليه خلافا لاحمد حيث قال يجوز كما حكينا عنه في نفس الصلاة ولمالك حيث جوز تقديم الخطبة على الزوال وان لم يجز تقديم الصلاة * لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم " كان يخطب يوم الجمعة بعد الزوال " ولو جاز التقديم لقدمها تخفيفا على المبكرين وايقاعا للصلاة في اول الوقت (الثانية) تقديم الخطبتين على الصلاة بخلاف صلاة العيد تقدم على الخطبتين لان النقل هكذا ثبت في الطرفين ثم فرقوا من وجهين (احدهما) ان خطبة الجمعة واجبة فقدمت ليحتبس الناس في انتظار الصلاة فيستمعوها ولا ينتشروا وخطبة العيد غير واجبة ولو انتشروا عنها لم يقدح (والثاني) ان الجمعة لا تؤدى الا جماعة فقدمت الخطبة عليها ليمتد الوقت ويلتحق الناس وصلاة العيد تؤدى من غير جماعة (الثالثة) القيام فيها عند القدرة خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا لا يشترط ذلك ويجوز القعود مع القدرة
[ ٤ / ٥٨٠ ]
لنا أن النبي صلي الله عليه وسلم ومن بعده لم يخطبوا الا قياما " ولانه ذكر يختص بالصلاة ليس من شرطه القعود فكان من شرطه القيام كالقراءة والتكبير فان عجز عن القيام فالاولي أن ينيب غيره ولو لم يفعل وخطب قاعدا أو مضطجعا جاز كما في الصلاة ويجوز الاقتداء به سواء قال لا استطيع القيام أو سكت فان الظاهر أنه انما قعد لعجزه فان بان أنه كان قادرا فهو كما لو بان الامام جنبا (وقوله) القيام فيها معلم بالحاء والالف لما حكيناه من مذهبهما ويجوز اعلامه بالميم لان بعض اصحاب احمد حكي عن مالك مثل مذهبهما وبالواو لان القاضي ابن كج حكى عن بعض اصحابنا وجها أنه لو خطب قاعدا مع القدرة علي القيام يجزئه الرابعة) الجلوس بينهما خلافا لابي حنيفة ومالك واحمد
[ ٤ / ٥٨١ ]
حيث قالوا انه سنة ليس بشرط * لنا مائبت من مواظبة رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن بعده عليهما " وتجب الطمانينته فيه كما في الجلسة بين السجدتين ولو خطب قاعد لعجزه عن القيام لم يضطجع بينهما للفصل ولكن يفصل بينهما بسكتة خفيفة وهذا يقتضي اعلام قوله والجلوس بين
[ ٤ / ٥٨٢ ]
الخطبتين بالواو مع الحاء والميم والالف (فان قلت) لم عد القيام والقعود ههنا من الشرائط وهما معدودان في الصلاة من الاركان (فاعلم) أن امام الحرمين اجاب عنه بان قال الامر فيه قريب ولا حجر علي من يعدهما من الاركان كما في الصلاة ولا علي من لا يعدهما من الاركان في الصلاة ايضا ونقول المقصود لا يقع فيهما وهما محالان ويجوز الفرق بل الغرض من الخطبة الوعظ وهو امر معقول ولا يصح في الصلاة امر معقول
[ ٤ / ٥٨٣ ]
فجعل القيام بمثابة ما فيه وههنا عد شرطا ومحلا لما هو المقصود (الخامسة) هل يشترط في الخطبة طهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمكان عن الخبث فيه قولان (القديم) لا وبه قال مالك وابو حنيفة واحمد لان الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فاشبه الاذان (والجديد) نعم اتباعا لما جرت الائمة عليه في الاعصار كلها وهذا الخلاف مبني عند بعض الائمة على أن الخطبتين بدل عن الركعتين ام لا وقال امام الحرمين وهو مبني على أن الموالاة في الخطبة هل هي شرط ام لا إن قلنا نعم فلا بد من أن يكون متطهرا لانه يحتاج الي الطهارة بعد الخطبة فتختل الموالاة وإن قلنا لا تشترط الموالاة لا تشترط الطهارة ومنهم من جعل الخلاف في الطهارة وجهين والقولان أشهر وقد طرد الخلاف في ستر العورة اما من يبنى علي أن الخطبتين بدل من الركعتين ام لا فتوجيهه هين على اصله وأما من لم يبن عليه فقد قال الامام سبب الاشتراط بروز الخطيب وما فيه من هتكة الانكشاف لو لم يتستر
[ ٤ / ٥٨٤ ]
(وقوله) في طهارة الحدث لفظ االحدث يشمل الحدث الاصغر والاكبر وقد صرح في التتمة بطرد الخلاف في اشتراط الطهارة عن الحدث والجنابة جميعا لكن قال في التهذيب لو خطب جنبا لم تحسب قولا واحدا لان القراءة شرط ولا تحسب قراءة الحنب وهذا اوضح والخلاف الذى ارسله المراد منه ما بيناه ونقله المصنف في الوسيط وجهين واما الخلاف في المولاة فهو قولان ومسألة الموالاة مكررة قد ذكرها مرة في الشرط الرابع للجمعة وانما جمع بينها وبين الطهارة للتناسب والبناء الذى ذكره الامام وإذا اشترطنا الطهارة فلو سبقه الحدث في الخطبة لم يعتد بما يأتي به في حال الحدث وفى بناء غيره عليه الخلاف الذى سبق ولو تطهر وعاد وجب الاستئناف إن طال الفصل وشرطنا
الموالاة وإن لم يطل الفصل ولم نشترط الموالاة فوجهان (أظهرهما) الاستئناف أيضا لانها عبادة واحدة فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة * قال (ويجب رفع الصوت بحيث يسمع اربعين من اهل الكمال وهل يحرم الكلام على من عدي الاربعين فيه قولان (الجديد) أنه لا يحرم كما لا يحرم الكلام علي الخطيب وقيل بطرد القولين في الخطيب فان قلنا يجب الانصات فلا يسلم الداخل فان سلم لم يجب وفى تشميت العاطس وجهان وفى وجوبه علي من لا يسمع الخطبة وجهان وتحية المسجد مستحبة في اثناء الخطبة (ح م وان قلنا لا يجب الانصات ففى تشميت العاطس وفى رد السلام وجهان) * الشريطة السادسة للخطبة رفع الصوت فان الوعظ الذى هو مقصود الخطبة لا يحصل الا
[ ٤ / ٥٨٥ ]
بالابلاغ والاسماع وذلك لا يحصل الا برفع الصوت فلو خطب سرا بحيث لم يسمع غيره لم يحسب كالاذان وحكى صاحب البيان عن ابى حنيفة انها تجزى وقد حكاه القاضى الرويانى وغيره وجها لنا ثم الضبط علي ظاهر المذهب أن يسمع اربعين من اهل الكمال علي ما سبق وصفهم ولو رفع الصوت قدر ما يبلغ لكن كانوا أو بعضهم صما ففيه وجهان (اصحهما) انها لا تجزئ كما لو بعدوا عنه وكما أنه يشترط سماع شهود النكاح (والثانى) يجزئ كما لو حلف لا يكلم؟ لانا فكلمه بحيث يسمع لكنه لم يسمع لصممه يحنث وكما لو سمتعوا الخطبة ولم يفهموا معناها لا يضر وينبغى للقوم أن يقبلوا بوجوههم الي الامام وينصتوا ويسمعوا قال الله تعالي (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا) ذكر في التفسير أن الاية وردت في الخطبة سميت قرآنا لاشتمالها عليه والانصات هو السكوت والاستماع شغل السمع بالسماع
[ ٤ / ٥٨٦ ]
وهل الانصات فرض والكلام حرام ام لا قال في القديم والام الانصات فرض والكلام حرام وبه قال أبو حنيفة ومالك وهو اظهر الروايتين عن أحمد ووجهه ظاهر الامر في الاية فانه للايجاب وما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " واللغو الاثم قال الله تعالي (واللذين هم عن اللغو معرضون) وقال في الجديد الانصات
سنة والكلام ليس بحرام لما روى " أن رجلا دخل والنبى ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال متى الساعة فاومي الناس إليه بالسكوت فلم يقبل واعاد الكلام فقال له النبي صلي الله عليه وسلم وسلم بعد الثالثة ما إذا اعددت لها فقال حب الله ورسوله فقال انك مع من احببت " والاستدلال انه لم ينكر عليه ولم يبين له وجوب السكوت وذكر اصحابنا العراقيون أن ابا اسحق حكى في الشرح عن بعض اصحابنا طريقة اخرى جازمة بالوجوب وانه اول كلامه في الجديد والذى عليه الجمهور طريقة القولين وهل يحرم الكلام علي الخطيب فيه طريقان (اصحهما) القطع بانه لا يحرم
[ ٤ / ٥٨٧ ]
وانما حرم علي المستمع في قول كيلا يمنعه عن الاستماع " وأيضا فقد كلم رسول الله صلي الله عليه وسلم قتلة ابن أبى الحقيق وسالهم عن كيفية قتله في الخطبة " وكلم أيضا سليكا الغطفانى في الخطبة كما سيأتي
[ ٤ / ٥٨٨ ]
وعلي هذه الطريقة شبه في الكتاب المستمع بالخطيب فقال الجديد انه لا يحرم كما لا يحرم علي الخطيب وقد ذكر المزني هذا الاستدلال لترجيح الجديد (والطريقة الثانية) طرد القولين في الخطيب وهى تخرج علي أن الخطبتين بمثابة الركعتين أم لا ان قلنا نعم حرم الكلام عليه وبه قال مالك وأبو حنيفة ثم نتكلم في محل القولين وتفريعهما * أما المحل ففيه كلامان (أحدهما) ان الخلاف في الكلام الذى لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمي يقع في بئر أو عقربا تدب علي انسان فأنذره أو علم انسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر فهذا لا يحرم قولا واحدا وإن كان لفظ الكتاب مطلقا كذلك ذكره الاصحاب علي طبقاتهم وحكوه عن نص الشافعي ﵁ نعم المستحب أن يقتصر على الاشارة ولا يتكلم ما وجد إليه سبيلا (والثانى) انه يجوز الكلام قبل أن يبتدئ الامام
[ ٤ / ٥٨٩ ]
في الخطبة وكذلك بعد الفراغ منها إلى أن ينزل أو يتحرم بالصلاة وليس ذلك موضع الخلاف لانه ليس وقت الاستماع * وأما حالة الجلوس بين الخطبتين فمنهم من أخرجها عن حيز الخلاف أيضا وهو ما أورده صاحب المهذب وحجة الاسلام في الوسيط وأجرى المحاملى وابن الصباغ وآخرون
الخلاف فيها ويجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكانا والقولان بعدما قعد حكاه الامام وغيره * وأما تفريع القولين فان قلنا بالقديم فالداخل في أثناء الخطبة ينبغي أن لا يسلم فان سلم لم تجز اجابته باللسان ويستحب أن يجاب بالاشارة كما في الصلاة وهل يجوز تشميت العاطس فيه وجهان (أصحهما) وهو المنصوص لا كرد السلام (والثانى) يجوز لان العطاس لا يتعلق بالاختيار والتشميت من حقوق المسلم علي المسلم فيوفى بخلاف رد السلام فان المسلم والحالة هذه مضيع سلامه وعلي هذا فهل يستحب حكى إمام الحرمين فيه وجهين ووجه المنع بأن الانصات أهم فانه واجب على هذا القول والتشميت لا يجب قط وحكى في البيان عن بعض الاصحاب انه يرد السلام ولا يشمت العاطس لان تشميت العاطس سنة ورد السلام واجب والواجب لا يترك بالسنة وقد يترك بواجب آخر وهل يجب الانصات على من لا يسمع الخطبة فيه وجهان شبيهان بالوجهين في أن المأموم الذى لا يسمع قراءة الامام هل يقرأ السورة أم لا (أحدهما) انه لا يجب لان الانصات للاستماع فعلي هذا له أن يشتغل بذكر وتلاوة (والثاني) يجب كيلا يرتفع اللغط ولا يتداعي الي منع السامعين من السماع وهذا اظهر ولم يذكر كثيرون سواه وحكوه عن نص الشافعي ﵁ وقالوا البعيد بالخيار بين
[ ٤ / ٥٩٠ ]
الانصات وبين الذكر والتلاوة وأما في كلام الادميين فهو والقريب سواء وان فرعنا على الجديد فقد قال في الكتاب يشمت العاطس وفى رد السلام وجهان ولا بد من البحث عنه أهو كلام في الاستحباب أم في الوجوب أما جوازهما فلا شك فيه علي هذا القول وأما غيره فقد جعل صاحب التهذيب الوجهين في وجوب الرد (اصحهما) وجوبه كما في سائر الاحوال (والثاني) لا يجب لانه مقصر مضيع السلام كمن سلم علي من يقضي حاجته قال وفي استحباب التشميت الوجهان وذكر المصنف في الوسيط ان التشميت يجب وفى الرد وجهان والظاهر انه أراد نصب الوجهين في الاستحباب علي ما صرح به امام الحرمين فقال لا يجب الرد لتقصير المسلم ووضعه السلام في غير موضعه والوجهان في استحباب الرد (واعلم) ان القول بوجوب التشميت خلاف ما اطبق عليه الائمة فانهم قالوا التشميت محبوب غير واجب بحال فلا ينبغي أن يحمل قوله ويشمت العاطس عليه بل الوجه تأويل ما في
الوسيط أيضا ولا يحسن حمله علي الجواز ايضا لانه عطف عليه قوله وفى رد السلام وجهان فإذا كان المراد من الاول الجواز كان قضية الايراد فرض الخلاف في الجواز ولا يمكن تصوير الخلاف فيه علي هذا القول فإذا قوله يشمت العاطس معناه انه يستحب ذلك وليكن معلما بالواو لما حكاه صاحب التهذيب (واعلم) انه لو تكلم لم تبطل جمعته علي القولين جميعا والخلاف في الاثم وعدمه (وأما) قوله وتحية المسجد مستحبة (فشرحه) ان الخطيب إذا صعد المنبر فينبغي لمن ليس في الصلاة من
[ ٤ / ٥٩١ ]
الحاضرين أن لا يفتتحها سواء صلى السنة أم لا ومن كان منهم في الصلاة خففها روى عن الزهري انه قال " خروج الامام يقطع الصلاة " وكلامه يقطع الكلام والفرق بين الكلام الذى لا بأس به وان
[ ٤ / ٥٩٢ ]
صعد المنبر ما لم يبتدئ الخطبة وبين الصلاة ان قطع الكلام هين متى ابتدأ الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة فانه قد يفوته سماع أول الخطبة الي ان يتمها وأما الداخل في اثناء الخطبة فيستحب له التحية خلافا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا يكره له الصلاة كما للحاضرين * لنا ما روي " انه جاء سليك الغطفانى يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس فقال النبي ﷺ قم يا سليك فاركع ركعتين تجوز فيهما " ثم قال " إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " ولو أن الداخل لم يصل السنة بعد صلاها
[ ٤ / ٥٩٣ ]
وحصلت التحية بها أيضا وان دخل والامام في آخر الخطبة لم يصل حتى لا يفوته اول الجمعة مع الامام وحكم التحية لا يختلف بقولي الانصات وذكره في الكتاب متصلا بتفريع القديم ليس لاختصاص الاستحباب به بل استحباب التحية علي قولنا باستحباب الانصات أظهر منه علي قولنا بوجوب الانصات وقوله في اول الفصل ويجب رفع الصوت بحيث يسمع اربعين من اهل الكمال يجوز اعلامه بالحاء والميم لما تقدم نقله وقوله وهل يحرم الكلام على من عدا الاربعين يقتضي الجزم بتحريم الكلام علي الاربعين وهذا التقدير بعيد في نفسه ومخالف لما نقله الاصحاب * اما بعده في نفسه فلان الكلام في السامعين للخطبة ألا تراه يقول بعد ذلك وفى وجوبه علي من لا يسمع الخطبة وجهان وإذا حضر
جمع زائدون علي الاربعين وهم بصفة الكمال فلا يمكن ان يقال بأن الجمعة تنعقد بأربعين منهم علي التعيين حتي يفرض تحريم الكلام عليهم قطعا والتردد في حق الآخرين بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعا والتردد في حق الآخرين
[ ٤ / ٥٩٤ ]
بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا علي التعيين * واما مخالفته لنقل الاصحاب فلانك لا تجد للجمهور الا اطلاق قولين في السامعين ووجهين في حق غيرهم كما سبق ويجوز أن يعلم قوله قولين بالواو إشارة الي الطريقة الجازمة بالوجوب المروية عن ابى اسحق (وقوله) كما لا يحرم الكلام علي الخطيب معلم بالحاء والميم هذا آخر ما ذكره في الكتاب من واجبات الخطبة ووراءها واجبات أخر (منها) أن تكون بالعربية كما سبق (ومنها) نية الخطبة وفرضيتها حكى عن القاضى الحسين اشتراط ذلك كما في الصلاة (ومنها) الترتيب ذكر صاحب التهذيب وغيره انه يجب الترتيب بين الكلمات الثلاث المشتركة بين الخطبتين يبتدئ بالتحميد ثم بالصلاة ثم بالوصية ولا ترتيب بين القراءة والدعاء ولا بينهما ولا بين غيرهما ونفى صاحب العدة وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلا وقالوا الافضل رعايته * قال (وأما سنن الخطبة فان يسلم الخطيب على من عند المنبر ثم إذا صعد المنبر أقبل وسلم (م ح) وجلس إلى أن يفرغ المؤذن) * سنن الخطبة ثلاث جمل (إحداها) السنن السابقة علي نفس الخطبة منها أن يخطب على المنبر " كان النبي صلي الله عليه وسلم يخطب مستندا إلى جذع في المسجد ثم صنع له المنبر فكان يخطب عليه "
[ ٤ / ٥٩٥ ]
والسنة أن يوضع علي يمين المحراب هكذا وضع منبر رسول الله صلي الله عليه وسلم والمراد من يمين المحراب الموضع الذى يكون علي يمين الامام إذا استقبل ويكره وضع المنبر الكبير الذى يضيق
[ ٤ / ٥٩٦ ]
المكان علي المصلين إذا لم يكن المسجد متسع الخطة فان لم يكن منبر خطب علي موضع مرتفع ليبلغ
صوته الناس ومنها أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه لما روي عن ابن عمر ﵄ ان النبي ﷺ " كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر ثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم عليهم ثم قعد " (ومنها) إذا بلغ في صعوده الدرجة التى تلي موضع القعود ويسمى ذلك الموضع المستراح أقبل على الناس بوجهه وسلم عليهم خلافا لمالك وأبى حنيفة حيث قالا يكره هذا السلام * لنا خبر
[ ٤ / ٥٩٧ ]
ابن عمر ﵄ وروى انه صلي الله عليه وسلم " استوى على الدرجة التى تلى المستراح قائما ثم سلم " ومنها أن يجلس بعد السلام علي الموضع المسمي بالمستراح ليستريح من تعب الصعود روى
[ ٤ / ٥٩٨ ]
انه صلي الله عليه وسلم " كان يخطب خطبتين ويجلس جلستين " والمراد هذه الجلسة والجلسة بين الخطبتين وكما جلس يشتغل المؤذن بالاذان قال الائمة ولم يكن علي عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أبى بكر وعمر ﵄ للجمعة أذان قبل هذا الاذان فلما كان في عهد عثمان كثر الناس
[ ٤ / ٥٩٩ ]
وعظمت البلدة أمر المؤذنين بالتأذين علي مكانهم " ثم كان يؤذن المؤذن بين يديه إذا استوى علي المنبر فثبت الامر علي ذلك " ويديم الامام الجلوس إلي فراغ المؤذن من الاذان (وقوله) إلى أن يفرغ المؤذن وحد لفظ المؤذن ويمكن حمله على ما روى في البيان عن صاحب الافصاح والمحاملي أن المستحب أن يكون المؤذن واحدا " لانه لم يكن يؤذن لرسول الله ﷺ يوم الجمعة الا واحدا " وفى كلام بعض الاصحاب ما ينازع فيه ويشعر باستحباب التعديد والله أعلم *
[ ٤ / ٦٠٠ ]
قال (ثم يخطب خطبتين بليغتين قريبتين من الافهام مائلتين إلى القصر يستدبر القبلة فيهما ويجلس بين الخطبتين بقدر سورة الاخلاص ويشغل احدى يديه في الخطبتين بحرف المنبر والثانية بقبض سيف أو عنزة) * الجملة الثانية السنن المتعلقة بنفس الخطبة منها أن تكون الخطبة بليغة غير مؤلفة من الكلمات
المتبذلة لانها لا تؤثر في القلوب ولا من الكلمات الغريبة الوحشية فانه لا ينتفع بها أكثر الناس بل يجعلها قريبة من الافهام (ومنها) أن لا يطول روى انه صلي الله عليه وسلم وسلم " قال قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل " وأنما قال مائلتين الي القصر ولم يقل قصيرتين لان المحبوب فيهما التوسط روي ان صلاة رسول الله صلي الله عليه وسلم " كانت قصدا وخطبته قصدا " ومنها أن يستدبر القبلة ويقبل علي الناس ولا يلتفت يمينا وشمالا روى انه ﷺ " كان إذا خطب استقبل الناس بوجهه واستقبلوه وكان لا يلتفت " وإنما استدبر القبلة لانه لو استقبلها لم بخل اما أن يكون في صدر
[ ٤ / ٦٠١ ]
المسجد على ما هو المعتاد أو في آخره فان كان في صدر المسجد واستقبلها كان مستدبرا للقوم واستدبارهم وهم المخاطبون قبيح خارج عن غرف المخاطبات وان كان في آخره فاما أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبرين للقبلة واستدبار واحد أهون من استدبار الجم الغفير واما أن يستدبروه فيلزم ما ذكرنا من الهيئة القبيحة ثم لو خطب مستدبرا للناس جاز وان خالف الناس وحكى في البيان وغيره وجها انه لا يجزئ (ومنها) أن يجلس بين الخطبتين بقدر قراءة سورة الاخلاص حكي عن نصه في الكبير قال الامام وهو قريب من القدر المستحب من الجلسة بين السجدتين (وقوله) ويجلس بين الخطبتين إلى آخره الغرض منه عد تقدير الجلوس بالقدر المذكور من جملة السنن وأما أصله فهو من الواجبات وهو كقوله ثم يخطب خطبتين بليغتين لا انه يخطب خطبتين ويجوز أن يعلم بالواو لان القاضي الرويانى ذكر في التجربة أنه يجب أن يكون جلوسه بقدر قراءة سورة الاخلاص ولا يجوز أقل منه ونسبه إلى النص (ومنها) أن يعتمد على سيف أو عنزة وهي شبه الحربة أو عصا أو نحوها روى انه صلي الله عليه وسلم " كان يعتمد على عنزته اعتمادا " وروى انه اعتمد علي قوس في خطبته " فان لم يجد شيئا سكن جسده ويديه اما بأن يجعل يده اليمنى علي اليسرى أو يقرهما مرسلتين والغرض أن يخشع ولا يعبث بهما وإذا شغل إحدى
[ ٤ / ٦٠٢ ]
يديه بالسيف أو ما في معناه شغل الاخرى بحرف المنبر وبأيتهما يقبض السيف ونحوه لم يتعرض الاكثرون لذلك وذكر في التهذيب أنه يقبض باليسرى وقوله بسيف أو عنزة في بعض النسخ
أو غيره ولا بأس به أيضا وينبغي للقوم أن يقبلوا علي الخطيب مستمعين لا يشتغلون بشئ آخر حتى يكره الشرب للتلذذ ولا بأس به للعطش لا للقوم ولا للخطيب * قال (ثم إذا فرغ ابتدر إلى النزول مع إقامة المؤذن بحيث يبلغ المحراب عند تمام الاقامة والله أعلم) * الجملة الثالثة ما يتأخر عن نفس الخطبة وهو أن يأخذ في النزول والمؤذن في الاقامة ويبتدر ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الاقامة والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة * قال * (الباب الثاني فيمن تلزمه الجمعة) * (ولا تلزم الجمعة إلا على كل مكلف حر ذكر مقيم صحيح فالعاري عن هذه الصفات لا تلزمه وان حضر لم يتم العدد به سوى المريض ولكن تنعقد له سوى المجنون ولهم أداء الظهر مع الحضور سوى المريض فإذا حضر تلزمه لكماله) * مقصود الباب الكلام فيمن تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه وللزومها خمسة شروط أحدها التكليف فلا جمعة علي صبي ولا مجنون لسائر الصلوات وقد روى عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال " الجمعة حق واجب على كل مسلم الا أربعة عبد أو امرأة أو صبي أو مريض " الثاني الحرية فلا تجب علي عبد خلافا لاحمد
[ ٤ / ٦٠٣ ]
في رواية والاصح عنه أيضا مثل مذهبنا لما ذكرنا من الخير وأيضا فقد روى عن جابر ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا علي امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض " ولا فرق في ذلك بين القن والمدبر والمكاتب (الثالث) الذكورة فلا جمعة على امرأة لما روينا من الخبرين والخنثى المشكل كالمرأة قاله صاحب التهذيب وغيره لانه يحتمل ان يكون أنثى فلا يلزم بالشك (الرابع) الاقامة فلا جمعة علي مسافر للخبر الثاني فلو كان وقت الجمعة في بلد علي طريقه استحب له حضورها وكذلك القول في الصبى والعبد (الخامس) الصحة فلا جمعة على مريض للخبرين ولا فرق بين ان تفوت الجمعة بتخلفه لنقصان العدد دونه وتمامه به وبين ان لا تفوت ثم في الفصل صور (احداها) من فقد شرطا من الشروط المذكورة كما لا تلزمه الجمعة لا يتم العدد به سوى المريض لانه متوطن
ليس به نقيصة وغيره اما ناقص أو غير متوطن وفى معنى المرض اعذار نذكر في الفصل التالي لهذا الفصل فلا يجب علي صاحبها الجمعة وتنعقد به وقوله فالعاري عن هذه الصفات أي عن مجموعها وقد يوجد فيه بعضها وقد لا يوجد شئ منها وقوله لم يتم العدد به معلم بالحاء وقوله سوى المريض بالواو لما سبق في الشرط الرابع للجمعة (الثانية) من لا تلزمه الجمعة إذا حضر الجمعة وصلاها انعقدت له واجزأته لانها أكمل في المعني وإن كانت أقصر في الصورة فإذا أجزأت الكاملين الذين لا عذر بهم فلان تجزئ اصحاب العذر كان اولي ويستثني عن هذا المجنون فانه لا اعتداد لفعله (الثالثة) الذين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع هل لهم ان ينصرفوا ويصلوا الظهر اما الصبيان والنسوان والعبيد والمسافرون فلهم ذلك لان المانع من وجوب الجمعة عليهم الصفات القائمة بهم وهى لا ترتفع بحضورهم واما المرضي فقد أطلق كثيرون انه ليس لهم بعدما حضروا الانصراف وتلزمهم الجمعة لان المانع في حقهم المشقة اللاحقة في الحضور فإذا حضروا وتحملوا المشقة فقد ارتفع هذا المانع وتعب العود لا بد منه سواء صلي الجمعة أو الظهر وفصل امام الحرمين فقال ان حضر المريض قبل دخول الوقت
[ ٤ / ٦٠٤ ]
فالوجه القطع بأن له ان ينصرف وان دخل الوقت وقامت الصلاة لزمه الجمعة وان كان يتخلل زمان بين دخول الوقت وبين الصلاة فان لم يلحقه مزيد مشقة في الانتظار حتى تقام الصلاة لزمه ذلك وان لحقه لم يلزمه وهذا تفصيل فقيه ولا يبعد ان يكون كلام المطلقين منزلا عليه وألحقوا بالمرضى اصحاب المعاذير الملحقة بالمرض وقالوا انهم إذا حضروا لزمهم الجمعة ولا يبعد ان يكون هذا علي التفصيل ايضا ان لم يزدد ضرر المعذور بالصبر الي اقامة الجمعة فالامر كذلك وان زاد فله الانصراف واقامة الظهر في منزله وذلك كما في الخائف على ماله ومهما كانت مدة غيبته اطول كان احتمال الضياع اقرب وكذلك الممرض يزداد ضرره بالانتظار والله اعلم * وهذا كله فيما قبل الشروع في الجمعة فاما إذا حرم الذين لا تلزمهم الجمعة بالجمعة ثم أرادوا الانصراف قال في البيان لا يجوز ذلك للمسافر والمريض وذكر في العبد والمرأة وجهين عن حكاية الصيمري وقوله في الكتاب ولهم أداء الظهر مع الحضور يجوز أن يعلم بالواو لانه لم يستثن عنه الا المريض وقد خرج صاحب التلخيص في العبد
انه تلزمه الجمعة إذا حضر كالمريض قال في النهاية وهذا غلط باتفاق الاصحاب ولا يوجد في جميع نسخ كتابه فلعله هفوة من ناقل * قال (ويلتحق بعذر المرض المطر والوحل الشديد وكل ما ذكر من المرخصات في ترك الجماعة ويترك بعذر التمريض أيضا إذا كان المريض قريبا مشرفا علي الوفاة وفى معناه الزوجة والمملوك فان لم يكن مشرفا ولم يندفع بحضوره ضرر لم يجز الترك وان اندفع به ضرر جاز) * ما يمكن فرضه في صلاة الجمعة من الاعذار المرخصة في ترك الجماعة يرخص في ترك الجمعة أيضا وهذا القيد لا بد منه وإن أطلق قوله وكل ما ذكر من المرخصات في ترك الجماعة لان مما ذكر من المرخصات الريح العاصفة وهى مرخصة بشرط كونها في الليل وهذا الشرط لا يتصور ههنا وقد سبق شرح تلك الاعذار وكنا أخرنا منها الكلام في شيئين فنذكرهما (أحدهما) الوحل الشديد وفيه وجهان (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب انه عذر لقوله ﷺ " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال " والثاني ليس بعذر لان له عدة دافعة وهى الخفاف والصنادل وهذا يشكل بالمطر وذكر في العدة وجها فارقا وهو أن الوحل ليس
[ ٤ / ٦٠٥ ]
بعذر في صلاة الجمعة وهو عذر في ترك الجماعة في سائر الصلوات لانها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات قال وبهذا أفتى أئمة طبرستان (والثانى) التمريض والمريض لا يخلوا اما أن يكون له من يتعهده أو لا يكون (القسم الاول) أن يكون له من يتعهده ويقوم بأمره فينظر ان كان قريبا وهو مشرف على الوفاة فله أن يتخلف عن الجمعة ويحضر عنده روى أن ابن عمر ﵄ تطيب للجمعة فأخبر أن سعيد بن زيد ﵁ منزول به وكان قريبا له فأتاه وترك الجمعة " والمعنى فيه شغل القلب السالب للخشوع لو حضر وان لم يكن مشرفا علي الوفاة لكن كان يستأنس به فله أن يتخلف أيضا ويمكث عنده ذكره في التهذيب وان لم يكن استئناس أيضا فليس له التخلف وحكي أصحابنا العراقيون عن ابن ابى هريرة وجها آخران ان له التخلف عند شدة المرض لشغل القلب بشأنه وإن كان المريض اجنبيا لم يجز التخلف للحضور عنده في هذا القسم بحال وفى معني القريب المملوك والزوجة وكل من بينه وبينه مصاهرة وذكر المحاملى وغيره ان الصديق ايضا كالقريب (القسم الثاني) أن لا يكون للمريض
متعهد قال الامام ان كان يخاف عليه الهلاك لو غاب عنه فهو عذر في التخلف سواء كان قريبا أو أجنبيا فان انقاذ المسلم من الهلاك من فروض الكفايات وان كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات ففيه وجوه (أصحها) انه عذر ايضا فان دفع الضرر عن المسلم من المهمات (والثانى) انه ليس بعذر لان ذلك مما يكثر وتجويز التخلف له قد يتداعى الي تعطيل الجمعة (والثالث) الفرق بين القريب والاجنبى لزيادة الرقة والشفقة علي الغريب ولو كان له متعهد لكن لم يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشرى الادوية أو بشرى الكفن وحفر القبر إذا كان منزولا به فهو كما لو لم يكن متعهد (وقوله في الكتاب) وإن لم يكن مشرفا المراد منه وان لم يكن المريض مشرفا ولو قدر ان المراد وان لم يكن القريب مشرفا لزم ان يكون لفظ الكتاب ساكتا عن حكم الاجنبي مع ان الحكم المرتب علي قوله وان لم يكن مشرفا يستوى فيه القريب والاجنبي وقوله ولم يندفع بحضوره ضرر يدخل فيه ما إذا كان مستغنيا في تلك الحالة عن خادم ومتعهد وما إذا كان له متعهد يراعيه وقوله وان اندفع به ضرر جاز جواب على الوجه الاصح وينبغي ان يكون معلما بالواو لما ذكرنا ويجب على الزمن ان يحضر الجمعة إذا وجد مركبا ملكا أو اجارة أو عارية ولم
[ ٤ / ٦٠٦ ]
يشق عليه الركوب وكذا الشيخ الضعيف ويجب ايضا على الاعمى إذا وجد قائد متبرعا أو باجرة وله مال فان لم يجد قائدا لم يلزمه الحضور هكذا اطلق الاكثرون وعن القاضى الحسين انه ان كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه ذلك وعن ابى حنيفة ان الجمعة لا تجب علي الاعمى بحال * قال (فروع في صفات النقصان: من نصفه حر ونصفه عبد كالرقيق وقيل تلزمه الجمعة الواقعة في نوبته عند المهايأة) * المسائل المذكورة من هذا الموضع الي آخر الباب متفرعة علي صفات النقصان ومتعلقة بها وقد عدها في الوسيط ستة فروع (احدها) ظاهر المذهب ان من بعضه حر وبعضه رقيق لا تلزمه الجمعة كما لو كان كله رقيقا لان رق البعض بمنع من الكمال والاستقلال وذلك معتبر في لزوم الجمعة ولهذا لا تجب على المكاتب وفيه وجه انه لو جرى بينه وبين السيد مهايأة تلزمه الجمعة الواقعة في نوبته لاستقلاله في ذلك
اليوم وضعفه الامام بان قال مثل هذا الشخص مدفوع في نوبة نفسه إلى الجد في الكسب لنصفه الحر فهو في شغل شاغل لمكان الرق قال ولا شك في أن الجمعة لا تنعقد به والخلاف في الوجوب عليه * قال (والمسافر إذا عزم على الاقامة ببلدة مدة لزمته الجمعة ثم لم يتم العدد به) * الثاني الغرباء إذا أقاموا ببلدة نظر ان اتخذوها وطنا فحكمهم حكم أهلها تلزمهم الجمعة ويتم العدد بهم وإن لم يتخذوها وطنا بل عزمهم الرجوع إلى بلادهم بعد مدة قصيرة أو طويلة كالمتفقهة والتجار فهؤلاء تلزمهم الجمعة إذا استجمعوا صفات الكمال لانهم ليسوا بمسافرين فلا يترخصون بترك الجمعة كما لا يترخصون بالقصر والفطر وهل يتم عدد الجمعة بهم فيه وجهان (أحدهما) وبه قال ابن أبى هريرة نعم لان من وجبت عليه الجمعة انعقدت به كالمتوطن (وأصحهما) وبه قال أبو إسحق وهو المذكور في الكتاب * لا واحتجوا له بأن النبي ﷺ لم يجمع في حجة الوداع وقد
[ ٤ / ٦٠٧ ]
وافق يوم عرفة يوم الجمعة وانما لم يجمع لانه ومن معه لم يكونوا متوطنين وإن عزموا علي الاقامة أياما ولا يخفى مما ذكرنا ان قوله في الكتاب وإن عزموا علي الاقامة مدة المراد منه مدة ينقطع بعزم إقامتها حكم السفر لا كاليوم واليومين وقوله لزمه الجمعة قريب من التكرار لانه معلوم من قوله في أول الباب ذكر حر صحيح مقيم فانه يبين لزومها علي المقيم عند اجتماع سائر الشرائط وهذا مقيم * قال (وأهل القرى لا تلزمهم الجمعة الا إذا بلغوا أربعين من أهل الكمال أو بلغهم نداء البلد من رجل رفيع الصوت واقف علي طرف البلد في وقت هدوء الاصوات وركود الرياح) * الثالث القرية إما أن يكون فيها اربعون من أهل الكمال أو لا يكون فان كان فيها أربعون من أهل الكمال لزمتهم الجمعة كأهل البلاد فان أقاموا الجمعة في موضعهم فذاك وان دخلوا المصر وصلوها سقط الفرض عنهم ولو كانوا مسيئين لتعطيلهم الجمعة في احدى البقعتين وحكى في البيان وجها انهم غير مسيئين لان أبا حنيفة رحمة الله عليه لا يجوز اقامة الجمعة في القرى ففيما فعلوه خروج عن الخلاف
وان لم يكن فيها اربعون من اهل الكمال فاما ان يبلغهم النداء من حيث تقام الجمعة فيه من بلد أو قرية واما ان لا يبلغهم فان بلغهم فعليهم الجمعة لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال الجمعة " علي من سمع النداء " والمعتبر نداء مؤذن علي الصوت يقف علي طرف البلد من الجانب الذى يلي تلك القرية ويؤذن علي عادته والاصوات هادئة والرياح ساكنة فإذا سمع صوته بالقرية من اصغي إليه ولم يكن أصم ولا جاوز حدة سمعه العادة وجبت الجمعة علي اهلها وانما كان الاعتبار من الطرف الذى يلى تلك القرية لان البلدة قد تكون كبيرة لا يبلغ النداء من وسطها الي اطرافها فاعتبر آخر موضع يصلح لاقامة الجمعة فيه احتياطا للعبادة وفيه وجه آخر انه يعتبر من وسط البلد ووجه آخر انه يعتبر من الموضع الذى تقام فيه الجمعة فليكن قوله علي طرف البلد معلما بالواو لهذين الوجهين وهل يعتبر ان يكون المنادى علي موضع عال كمنارة وسور قال الاكثرون لا يعتبر ذلك لان حد الارتفاع
[ ٤ / ٦٠٨ ]
لا ينضبط وعن القاضى أبي الطيب انه قال سمعت شيوخنا يقول لا يعتبر إلا بطبرستان فانها بين رياض وأشجار تمنع من بلوغ الصوت فينبغي أن يعلو عليها ولو كانت القرية علي قلة جبل سمع أهلها النداء لعلوها ولو كان علي استواء الارض لما سمعوا أو كانت في وهدة من الارض لم يسمع أهلها النداء لانخفاضها ولو كانت على استواء الارض لسمعوا ففيه وجهان (اظهرهما) وبه قال القاضى ابو الطيب لا تجب الجمعة في الصورة الاولى وتجب في الثانية اعتبارا للسماع بتقدير الاستواء واعراضا عما يعرض بسبب الانخفاض والارتفاع كما يعتبر ركود الرياح ولا ينظر إلى السماع العارض لشدتها (والثاني) وبه قال الشيخ أبو حامد ان الحكم على العكس نظرا الي نفس السماع وعدمه وان لم يبلغ النداء أهل القرية فلا جمعة عليهم لظاهر الخبر الذى سبق وأهل الخيام إذا لزموا موضعا ولم يبرحوا عنه وقلنا انهم لا يقيمون الجمعة في ذلك الموضع فهم كأهل القرى إذا لم يبلغوا أربعين من اهل الكمال وان سمعوا النداء لزمتهم الجمعة والا فلا وقوله الا إذا بلغوا معلم بالحاء لان عند ابي حنيفة لا استثناء اصلا ولا تلزم الجمعة أهل القرى بحال سواء بلغهم النداء أو لم يبلغهم بلغوا عدد الكمال أم لا وانما تلزم الجمعة أهل الامصار الجامعة والمصر الجامع عنده ان يكون فيه سلطان قاهر وطبيب
حاذق ونهر جار وسوق قائمة وقوله أو بلغهم النداء يجوز ان يعلم بالميم والالف لان مالكا وأحمد لا يكتفيان بمجرد بلوغ النداء ويعتبران كونه على ثلاث اميال فما دونها وعن احمد رواية أخرى ان المسافة لا تتقدر كما هو مذهب الشافعي ﵁ وقوله من البلد ليس لتخصيص الحكم بالبلد بل لو بلغهم من قرية تقام فيها الجمعة كان كذلك * قال (والعذر الطارئ بعد الزوال مرخص الا السفر فانه يحرم انشاؤه وفى جوازه قبل الزوال بعد الفجر قولان اقيسهما الجواز ثم المنع في سفر مباح أما الواجب والطاعة فلا منع منهما) * الرابع العذر المبيح لترك الجمعة يبيحه وان طرأ بعد الزوال لكن السفر يحرم انشاؤه بعد الزوال خلافا لابي حنيفة حيث قال يجوز الا أن يضيق الوقت بناء علي ان الصلاة تجب بآخر الوقت * لنا ان الجمعة قد وجبت عليه فلا يجوز الاشتعال بما يؤدى إلى تركها كالتجارة واللهو وهذا مبنى علي
[ ٤ / ٦٠٩ ]
أن الوجوب باول الوقت وقد سبق في موضعه (فان قيل) الوجوب وإن ثبت في أول الوقت لكنه موسع فلم يمتنع السفر قبل التيضق (قلنا) الناس في هذه الصورة تبع الامام فلو عجلها تعينت متابعته وسقطت خيرة الناس فيه وإذا كان كذلك فلا يدرى متي يقيم الامام الصلاة فيتعين عليه انتظار ما يكون ذكر هذا الجواب إمام الحرمين رحمة الله عليه وأما قبل الزوال وبعد طلوع الفجر الثاني هل يجوز انشاء السفر فيه قولان (قال في القديم) وحرمله يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله لانه لم يدخل وقت وجوب الجمعة فأشبه السفر قبل طلوع الفجر (وقال في الجديد) لا يجوز قال أصحابنا العراقيون وهو الاصح لان الجمعة وإن كان يدخل وقتها بالزوال فهي مضافة إلي اليوم ولذلك يعتد بغسل الجمعة قبل الزوال ويجب السعي إليها لمن بعد داره قبل الزوال وعن احمد روايتان كالقولين (أظهرهما) المنع وحكى في النهاية طريقة أخرى قاطعة بالجواز مؤولة قول المنع ولك أن تعلم قوله في الكتاب قولان بالواو اشارة إليها ويجوز أن يعلم لفظ الجواز من قوله اقيسهما الجواز بالالف إشارة إلى الظاهر من مذهب أحمد والحكم بان الجواز أقيس لا ينافى كون المنع أظهر لانه قد يكون أحد طرفي الخلاف
أقرب إلي القياس وإن كان الثاني أظهر فإذا ليس ما في الكتاب مخالفا لما قاله العراقيون وذكر في العدة أن ظاهر مذهب الشافعي ﵁ قوله الجديد والفتوى علي القديم وهو الجواز ثم للقولين شرط (أحدها) وقد ذكره في الكتاب أن يكون السفر مباحا كالزيارة والتجارة أما لو كان واجبا كالحج والجهاد في بعض الاحوال أو مندوبا فلا منع منهما وذلك ليس موضع القولين هكذا قاله كثير من أئمتنا * واحتجوا عليه بما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة ﵁ في سرية فوافق يوم الجمعة فغدا أصحابه وتخلف هو ليصلى ويلحقهم فلما صلي قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم ما خلفك قال أردت أن أصلي معك ثم الحقهم فقال لو أنفقت ما في الارض جميعا ما أدركت فضل غزوتهم " وفى كلام العراقيين وإيرادهم ما يوجب طرد الخلاف في سفر الغزود والله أعلم
[ ٤ / ٦١٠ ]
والمراد من الطاعة في لفظ الكتاب المندوب وإلا فالواجب طاعة أيضا وهل كون السفر طاعة عذر في انشائه بعد الزوال المفهوم من كلام الاصحاب أنه ليس بعذر ورووا عن أحمد أنه عذر (والثانى) ان لا ينقطع عن الرفقة ولا يناله ضرر لو تخلف الي ان يصلي الجمعة فاما إذا انقطع وفات سفره بذلك أو ناله ضرر فله الخروج بلا خلاف وكذلك الحكم لو كان الخروج بعد الزوال وقد عددنا ذلك من الاعذار في الصلاة بالجماعة ورأيت في كشف المختصر للشيخ أبى حاتم القزويني ذكر وجهين في جواز الخروج بعد الزوال بخوف الانقطاع عن الرفقة (والثالث) أن لا يمكنه حضور الجمعة في منزله وطريقه فاما إذا أمكن ذلك فلا منع بحال * قال (ويستحب لمن يرجو زوال عذر أن يؤخر الظهر إلي اليأس عن درك الجمعة ومن لا يرجو فليعجل الظهر كالزمن فان زال العذر بعد الفراغ فلا جمعة (ح) عليه وكذا الصبى إذا بلغ بعد الظهر وزوال العذر في أثناء الظهر كرؤية المتيمم الماء في أثناء الصلاة) * الخامس من الفروع المعذورن وهو ضربان معذور يرجوا زوال عذره كالعبد يتوقع العتق والمريض الذى يتوقع الخفة فالمستحب له تأخير الظهر الي اليأس عن درك الجمعة لان ربما يزول العذر ويتمكن من فرض اهل الكمال ومتى رفع الامام رأسه من الركوع الثاني فقد حصل اليأس عن درك
الجمعة وعن بعض الاصحاب انه يراعي تصور الادراك في حق كل أحد فإذا كان منزله بعيدا وانتهي الوقت إلي حد لو اخذ في السعي لم يدرك الجمعة فقد حصل الفوات في حقه هذا احد الضربين (والثانى) معذور لا يرجو زوال عذره كالمرأة والزمن فالاولي له ان يصلي الظهر في اول الوقت لانه آيس من درك الجمعة فيحافظ علي فضيلة الاولية وإذا اجتمع معذورن فهل يستحب لهم الجماعة في الظهر فيه وجهان (احدهما) لا بل الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة وبهذا قال مالك وابو حنيفة (واصحهما) نعم لعموم الترغيبات الواردة في الجماعة وعلى هذا فقد نص الشافعي ﵁ على ان المستحب لهم الاخفاء حتى
[ ٤ / ٦١١ ]
لا يتهموا بالرغبة عن صلاة الامام وحمل الاصحاب ما ذكره علي ما إذا كان العذر خفيا اما إذا كان ظاهرا فلا تهمة ومنهم من لم يفصل واستحب الاخفاء مطلقا ولو صلي المعذور الظهر قبل فوات الجمعة صحت فانها فرضه ولو زال العذر وامكنه حضور الجمعة لم يلزمه ذلك لانه أدى فريضة وقته ومثال ذلك المريض يبرأ والمسافر يقيم والعبد يعتق ويستثنى عن هذا الاصل صورة ذكرها في البيان وهى أن يصلي الخنثى الظهر ثم يتبين انه رجل قبل فوات الجمعة تلزمه الجمعة لانه تبين كونه رجلا حين صلى الظهر ومثل هذا لا يفرض في سائر المعذورين وأما الصبى إذا صلي الظهر ثم بلغ لم تلزمه الجمعة على ظاهر المذهب كسائر المعذورين والمسألة مكررة في هذا الموضع فذكرها والخلاف فيها في باب المواقيت ثم هي داخلة في مطلق قوله فان زال العذر الي آخره فلو طرحها لما ضر من وجهين وإذا لم يفعل فيجوز أن يكون قوله وكذا الصبي مرقوما بالحاء والواو لما بيناه ثم وهؤلاء يستحب لهم حضور الجمعة وإن لم يلزم وإذا صلوا الجمعة فالفرض هو الظهر السابقة أو يحتسب الله تعالي جده بما شاء منهما فيه قولان أصحهما أولهما وقال أبو حنيفة إذا سعى إلى الجمعة بعد الظهر بطل ظهره ولو زال العذر في أثناء الظهر فقد قال امام الحرمين أجرى القفال ذلك مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصلاة وهذا يقتضى اثبات الخلاف في البطلان لما ذكرناه في رؤية المتيمم الماء في الصلاة وقد صرح الشيخ أبو محمد فيما علق عنه حكاية وجهين في هذه المسألة وظاهر المذهب استمرار الصلاة علي الصحة قال الامام وهذا الخلاف مبنى على قولنا ان غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة فان صححنا
فلا نحكم بالبطلان بحال * قال (وغير المعذور إذا صلى الظهر قبل الجمعة ففى صحته قولان فان قلنا يصح ففى سقوط الخطاب بالجمعة قولان وإن قلنا لا تسقط فصلى الجمعة فالفرض هو الاول أو الثاني أو كلاهما أو احدهما لا بعينه اربعة اقوال) * السادس من لا عذر به إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة ففى صحة ظهره قولان (القديم) وبه قال ابو حنيفة انها تصح والجديد وبه قال مالك واحمد لا تصح وذكر الاصحاب ان القولين مبنيان على
[ ٤ / ٦١٢ ]
ان الفرض الاصلى يوم الجمعة ماذا فعلى القديم الفرض الاصلى الظهر لانه إذا فاتت الجمعة فعليه قضاء اربع ركعات ولو كان فرض اليوم الجمعة لما زادت ركعات القضاء وعلي الجديد الفرض الاصلي هو الجمعة للاخبار الواردة فيها ولانه لو كان الاصل الظهر لكانت الجمعة بدلا ولو كان كذلك لجاز له ترك البدل والاستقلال بالاصل كمن ترك الصوم في الكفارة واعتق ومعلوم انه ممنوع من ذلك وهل يجرى القولان فيما إذا ترك اهل البلدة كلهم الجمعة وصلوا الظهر ام يختص بما إذا صلى الآحاد الظهر مع اقامة الجمعة في البلدة حكى في المهذب عن ابي اسحق ان ظهر اهل البلدة مجزئة وان اثموا بترك الجمعة لان كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة قال والصحيح انه لا تجزئهم ظهرهم على الجديد لانهم صلوها وفريضة الجمعة متوجهة عليهم (التفريع) ان قلنا بالجديد فالامر بحضور الجمعة قائم كما كان ان حضرها فذاك وان فاتت قضاها الآن اربعا وما فعله اولا يبطل من اصله أو يكون نفلا فيه القولان المشهوران في امثاله وان قلنا بالقديم فهل يسقط الخطاب بالجمعة قال في الكتاب فيه قولان وكذلك ذكره امام الحرمين وجعل السقوط خارجا علي قولنا إذا صلى الجمعة بعد الظهر ان فرضه الاول أو احدهما وعدم السقوط خارجا علي قولنا ان الفرض الثاني أو ان كليها فرض والذى ذكره الاكثرون تفريعا على القديم انه لا يسقط عنه الخطاب بالجمعة ومعنى صحة الظهر الاعتداد بها في الجملة حتى لو فاتت الجمعة تجزئه الظهر السابقة ثم إذا قلنا يسقط عنه الخطاب بالجمعة فصلي الجمعة فقد قال الامام ان الشيخ ابا محمد ذكر فيه اربعة اقوال (احدها) ان المفروض هو الاول لانه لو اقتصر عليه لبرئت
ذمته علي القول الذى يتفرع عليه (والثاني) ان المفروض هو الثاني لانه به خرج عن الحرج (والثالث) أنهما فرضان للمتعينين (والرابع) ان الفرض احدهما لا بعينه إذ المفروض في اليوم والليلة خمس صلوات ونظير هذه الاقوال قد سبق فيمن صلي منفردا ثم ادرك جماعة ويشبه ان يكون بعضها منصوصا عليه وبعضها غير منصوص والذى نقله ابن الصباغ وغيره في المسألة تفريعا علي القديم انما هو الرابع وقال يحتسب الله تعالى جده بما شاء منهما وإذا اثبتنا الاقوال فينبغي ان لا يختص بقولنا ان الخطاب بالجمعة لا يسقط عنه بل يضطرد علي قولنا بسقوط الخطاب بالجمعة ايضا كما إذا صلي منفردا وأعاد في جماعة فانه غير مخاطب بالثاني وهذا كله فيما إذا صلي الظهر قبل فوات الجمعة فان صلاها بعد الركوع الثاني للامام وقبل فراغه قال ابن الصباغ ظاهر كلام الشافعي ﵁ يدل على المنع يعني في الجديد ومن أصحابنا من يقول بالجواز وفيما إذا امتنع اهل البلدة جميعا من الجمعة وصلوا الظهر الفوات يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الركعتين *
[ ٤ / ٦١٣ ]
قال * (الباب الثالث في كيفية الجمعة) * وهي كسائر الصلوات وانما تتميز باربعة أمور (الاول) الغسل ويستحب ذلك بعد (ح) الفجر واقربه إلى الرواح أحب ولا يجزئ قبل الفجر بخلاف غسل العيد فان فيه وجهين ولا يستحب الا لمن حضر الصلاة بخلاف غسل العيدين فانه ذلك يوم الزينة علي العموم والاولي ان لا يتيمم بدلا عن الغسل عند فقد الماء وقيل يتيمم) (قوله) في كيفية الجمعة اراد به كيفية اقامتها بعد اجتماع شرائطها واما الاركان التى يتركب عنها ذاتها فلا فرق فيها بينها وبين سائر الصلوات والقصد بالباب التعرض لامور مندوبة تمتاز بها الجمعة عن سائر الفرائض وجعلها اربعة (احدها) الغسل قال صلي الله عليه وسلم " إذا اتى احدكم الجمعة فليغتسل " وروى انه صلي الله عليه وسلم " قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل افضل " وعن
[ ٤ / ٦١٤ ]
مالك غسل الجمعة واجب لكن تصح الصلاة بدونه والخبر الثاني حجة عليه ثم فيه مسائل (احداها)
وقت هذا الغسل ما بعد الفجر لان الاخبار علقته باليوم نحو قوله صلي الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكانما قرب بدنة " وفى النهاية حكاية وجه بعيد انه يجزئ قبل الفجر كما في غسل العيد وظاهر المذهب الاول والفرق بينه وبين غسل العيد إن جوزناه قبل طلوع الفجر من وجهين (احدهما) انه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر يبقي اثره الي أن يؤدى صلاة العيد لقربها من اول النهار وصلاة الجمعة تؤدى بعد الزوال فلا يبقى أثره (والثانى) انه لو لم يجز غسل العيد قبل الفجر لشق لقرب صلاته من أول النهار بخلاف غسل الجمعة فان من طلوع الفجر الي وقت الصلاة سعة والاولى أن يقرب الغسل من الرواح إلى الجمعة لان الغرض التنزه وقطع الروائح الكريهة فما كان أفضي إليه فهو اولي وقوله ويستحب ذلك بعد الفجر ليس الغرض منه ان ايقاعه بعد الفجر مستحب فان ذلك شرط الاجزاء على ما بينه بقوله ولا يجزئ قبل الفجر وانما المراد بيان استحباب اصل الغسل وقوله بعد الفجر إشارة الي وقت هذا المستحب وإذا عرفت ذلك فاعلم قوله ويستحب ذلك بالميم وقوله ولا يجزئ قبل الفجر بالواو لما سبق وذلك ان تعلم قوله واقربه الي الرواح احب بالميم لان اصحابنا رووا عن مالك ان يشترط ايصال الرواح بالغسل وانه لا يجوز أن يشتغل بعده بشئ سوى الخروج
[ ٤ / ٦١٥ ]
ومن يقول بذلك ينازع في قولنا الاقرب الي الرواح احب وقال القفال رأيت في الموطأ عنه مثل مذهبنا والله اعلم * وقوله بخلاف غسل اليد فان فيه وجهين قد اعاد هذه المسألة وما فيها من الخلاف في صلاة العيدين وكأن الغرض ههنا بيان افتراق الغسلين في الوقت وان لم يبين المعنى الفارق (الثانية) هل يختص استحباب الغسل بمن يريد حضور الجمعة ام يستحب له ولغيره فيه وجهان حكي في البيان أنهما مبنيان علي وجهين في أن غسل الجمعة مسنون لليوم أو للصلاة (احدهما) انه لليوم لانه في الاخبار معلق باليوم فعلي هذا يستحب للكل (واصحهما) انه للصلاة فلا يستحب الا لمن حضرها وهذا هو المذكور في الكتاب ويدل عليه قوله صلي الله عليه وسلم " من جاء منكم الجمعة فليغتسل " ويخالف غسل العيد يستحب للكل لانه للزينة واظهار السرور وهذا الغسل للتنظيف وقطع الروايح الكريهة كيلا يتأذى من يقربه فاختص بمن يريد الحضور ولو نازع منازع في طرفي هذا الفرق لم يكن بعيدا
ولا فرق في حق من يريد الحضور بين ان يكون من اهل العذر أو لا يكون وعن احمد انه لا يستحب الغسل للنساء ولا يقدح الحدث بعد الغسل فيه وبه قال مالك في الموطأ (الثالثة) قال الصيدلانى وغيره من الاصحاب ان لم يجد الماء لغسل الجمعة فتيمم حاز الفضيلة ويتصور ذلك في موضعين (أحدهما) الذى به قروح علي غير موضع الوضوء يتيمم بنية الغسل (والثانى) قوم في بلد توضأ واثم نفد ماؤهم فيتيمموا بدلا عن الغسل قال امام الحرمين والظاهر ما ذكره الصيدلانى وفيه احتمال من جهة ان هذا الغسل منوط بقطع الروائح الكريهة والتنظف والتيمم لا يفيد هذا الغرض ورجح حجة الاسلام هذا الاحتمال حيث قال والاولى ان لا يتيمم أي من الوجهين وقوله وقيل يتيمم هو الوجه الذى ذكره عامة الاصحاب * قال (ومن الاغسال المستحبة غسل العيدين والغسل من غسل الميت والاحرام والوقوف بعرفة وبمزدلفة ولدخول مكة وثلاثة اغسال ايام التشريق ولطواف الوداع علي القديم وللكافر إذا أسلم غير جنب بعد الاسلام على وجه وقبله علي وجه والغسل من الافاقة من زوال العقل واما الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام ففيه تردد) * عد جملة من الاغسال المستحبة في هذا الموضع منها اغتسال الحاج في مواطن معروفة وقد اعاد ذكر ما سوى طواف الوداع منها في كتاب الحج وذلك الموضع أحق بها فنؤخر الشرح إليه (ومنها) غسل العيدين وهو مذكور في باب صلاة العيدين ومنها الغسل عن غسل الميت وفيه قولان نقل عن القديم أنه واجب وكذا الوضوء من مسه لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من غسل
[ ٤ / ٦١٦ ]
ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ " والجديد انه مستحب وهو المذكور في الكتاب والخبر إن صح محمول علي الاستحباب لما روى انه صلي الله عليه وسلم " قال لا غسل عليكم من غسل ميتكم " وليكن قوله والغسل من غسل الميت معلما بالواو لانه علي القديم غير معدود من الاغسال المستحبة بل هو من الاغسال الواجبة وايضا بالحاء والزاى لان الصيدلاني وغيره حكوا أن أبا حنيفة والمزني لا يريان استحباب هذا الغسل فضلا عن الايجاب وإذا قلنا بالجديد الصحيح فهذا
الغسل غسل الجمعة آكد الاغسال المسنونة وما الآكد منهما فيه قولان (الجديد) أن هذا الغسل آكد لانه متردد بين الوجوب والاستحباب وغسل الجمعة قد ثبت استحبابه (والقديم) ان غسل الجمعة آكد لان الاخبار فيه اصح وائبت وهذا ارجح عند صاحب التهذيب والروياني والاكثرين علي خلاف قياس القديم والجديد ورجح صاحب المهذب وآخرون الجديد علي القياس وحكي الحناطى وغيره وجها انهما سواء (واعلم) ان ما نقلناه يقتضى تردد قوله في وجوب هذا الغسل في القديم لانه لو جزم بوجوبه في القديم لما انتظم منه القول بان غسل الجمعة آكد منه (ومنها) غسل الكافر إذا اسلم ولا يخلو حاله اما ان يعرض له في الكفر ما يجب الغسل من حيض أو جنابة أو لا يعرض فان عرض ذلك فيلزمه الغسل بعد الاسلام ولا عبرة باغتساله في الكفر علي الاصح كما سبق في موضعه وان لم يعرض له ذلك فيستحب له الغسل ولا يجب خلافا لاحمد حيث أوجبه وبه قال ابن المنذر * لنا " انه اسلم خلق كثيرا ولم يامرهم النبي صلي الله عليه وسلم بالاغتسال وامر به ثمامة الحنفي وقيس بن عاصم لما اسلما " فدل انه مستحب لا واجب ثم يغتسل بعد الاسلام ام قبله فيه وجهان (احدهما) قبله
[ ٤ / ٦١٧ ]
تنظيفا للاسلام وتعظيما (واصحهما) بعده لان النبي ﷺ امرهما بالغسل بعد الاسلام " ولا سبيل الي تأخير الاسلام بحال ومنها الغسل للافاقة من زوال العقل ظاهر المذهب انه مستحب لانه قد قيل ان من زال عقله انزل فإذا افاق اغتسل احتياطا ولا يجب لان الاصل استصحاب الطهارة السابقة والناقض غير معلوم ونقل القاضى ابن كج عن ابن ابي هريرة انه يجب الغسل علي من افاق من الجنون دون الاغماء وحكي الحناطي في وجوب الغسل علي من افاق منهما جميعا وجهين ووجه الوجوب التشبيه بالنوم من جهة ان النائم قد يخرج منه حدث وهو لا يدرى فجعل النوم حدثا كذلك من زال عقله قد ينزل ولا يدرى وليكن قوله والغسل من الافاقة من زوال العقل مرقوما بالواو لهذا الوجه فانه غير معدود علي هذا الوجه من الاغسال المستحبة (ومنها) الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام ذكر صاحب التلخيص عن القديم انه مندوب إليه وذكر الصيمري في الكفاية ان الغسل عن الحجامة وحسن الاكثرون اهملوا ذكرهما فان قلنا بالقديم فقد قال في التهذيب قيل ان المراد
من غسل الحمام ما إذا تنور قال وعندي ان المراد منه ان يدخل الحمام فيعرق فيستحب ان لا يخرج من غير غسل وذكر ان في غسل الحجامة اثرا والله اعلم *
[ ٤ / ٦١٨ ]
قال (الثاني البكور الي الجامع) * عن ابي هريرة ﵁ ان النبي ﷺ قال " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكانما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكانما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا ومن راح في الساعة الرابعة فكانما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضة فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " قال المفسرون للخبر قوله غسل الجنابة أي كغسلها وقيل أي جامع واغتسل ومن متي تعتبر الساعات المذكورة حكى اصحابنا العراقيون فيه وجهين (أحدهما) أنها تعتبر من أول طلوع الشمس لان أهل الحساب منه يحسبون اليوم ويعدون الساعات (واصحهما) من اول طلوع الفجر الثاني لانه اول اليوم شرعا وبه يتعلق جواز الغسل للجمعة ونقل صاحب التهذيب والرويانى وجها ثالثا وهو الاعتبار من وقت الزوال لان الامر بالحضور حينئذ يتوجه عليه ويبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الامر فيه أعظم وايضا فان الرواح اسم للخروج بعد الزوال ومن قال باحد الوجهين الاولين قال انما ذكر لفظ الرواح لانه خروج لامر يؤتى به بعد الزوال ثم ليس المراد من الساعات على اختلاف الوجوه الاربع والعشرين التى قسم اليوم واليلة عليها وانما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق علي الذى يليه * واحتج القفال عليه بوجهين (احدهما) انه لو كان المراد الساعات المذكورة لاستوى الجانبان في الفضيلة في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجئ (والثانى) انه لو كان كذلك لاختلف الامر باليوم الشاتى والصائف ولفاتت الجمعة في اليوم الشاتي لمن جاء في الساعة الخامسة * قال (الثالث لبس الثياب البيض واستعمال الطيب والترجل في المشى مع الهينة والتؤدة ولا بأس بحضور والعجائز من غير زينة وتطيب) روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من اغتسل يوم الجمعة ولبس احسن ثيابه ومس من طيب ان
كان عنده ثم اتى الجمعة فلم يتخط اعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم انصت إذا خرج امامه حتي يفرغ من صلاته كانت له كفارة لما بينها وجمعته التى قبلها " يستحب التزين للجمعة باخذ الشعر والظفر والسواك
[ ٤ / ٦١٩ ]
وقطع الروائح الكريهة ولبس احسن الثياب واولاها البياض لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " البسوا البياض فانه خير ثيابكم " وان لبس مصبوغا لبس ما صبغ غزله ثم نسج كالبرود ولا يلبس ما صبغ نوبة * قال اصحابنا العراقيون لان النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يلبس ذلك " ويستحب ايضا ان يتطيب بأطيب ما عنده ويزيد الامام في حسن الهيئة ويتعمم ويرتدى " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم كذلك يفعل " ويستحب ان يأتي الجمعة ماشيا ولا يركب الا لعذر وكذلك في اتيان
[ ٤ / ٦٢٠ ]
العيد والجنازة وعيادة المريض روى " ان رسول الله صلي الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة " قال الائمة ولم يذكر الجمعة لان باب حجرته كان في المسجد وينبغى ان يمشى في سكون وتؤدة ما لم يضق الوقت ولا يسعى وليس هذا من خاصية الجمعة " قال صلي الله عليه وسلم إذا اقيمت الصلاة فأتوها تمشون ولا تأتوها تسعون وعليكم السكينة " ولو ركب لعذر فينبغي ان يسيرها علي هينة ايضا
[ ٤ / ٦٢١ ]
والهينة السكون ولا بأس للعجائز بحضور الجمعة إذا اذن ازواجهن ويحترزن عن التطيب والتزين فذلك استر لهن * قال (الرابع يستحب قراءة سورة الجمعة في الركعة الاولي وفى الثانية إذا جاءك المنافقون فلو نسي الجمعة في الاولي قرأها مع سورة المنافقين في الثانية) يستحب أن يقرأ في الركعة الاولى من صلاة الجمعة بعد الفاتحة سورة الجمعة وفى الثانية سورة المنافقين لانه روى عن أبى هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم " كان يقرأهما فيهما " وروى ذلك من فعل على ﵁ وأبى هريرة وعلي هذا فلو نسي سورة الجمعة في الاولي قرأها في الثانية مع المنافقين ولو قرأ سورة المنافقين في الاولي قرأ الجمعة في الثانية كيلا تخلو صلاته
عن هاتين الصورتين كذلك ذكره في البيان وينبغي أن يعلم قوله ويستحب سورة الجمعة بالحاء لان عنده يكره تعيين سورة في الصلاة وبالواو لان الصيدلانى نقل عن القديم أنه يقرأ في الاولى سبح وفى الثانية وهل أتاك حديث الغاشية وقال رواه النعمان بن بشير ﵁ وقوله في الثانية إذا جاءك المنافقون معلم بهما وبالميم لان عند مالك يقرأ في الثانية هل اتاك وفى الاولي الجمعة
[ ٤ / ٦٢٢ ]
ويتعلق بالجمعة مندوبات أخرى (منها) ان يحترز عن تخطي رقاب الناس إذا حضر المسجد ورد الخبر بذلك ويستثني عنه ما إذا كان إماما وما إذا كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بان يتخطي الرقاب ولا يجوز أن يقيم أحدا من مجلسه ليجلس فيه ويجوز أن يبعث من يأخذ له موضعا فإذا جاء تنحى المبعوث وان فرش لرجل ثوبا فجاء آخر لم يجز له أن يجلس عليه وله أن ينحيه ويجلس مكانه قال في البيان ولا يرفعه حتى لا يدخل في ضمانه (ومنها) إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله تعالى وقراءة
[ ٤ / ٦٢٣ ]
القرآن والصلاة علي النبي ﷺ ويستحب الاكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة وقراءة سورة الكهف ويكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء ان يصادف ساعة الاجابة (ومنها) الاحتراز عن البيع قبل الصلاة وبعد الزوال فهو مكروه إن لم يظهر الامام على المنبر وحرام ان ظهر وأذن المؤذن بين يديه قال الله تعالى (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة) الآية ولو تبايع اثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر أثما جميعا ما الاول فظاهر وأما الثاني فلاعانته علي الحرام ولا يكره البيع قبل الزوال بحال وحيث حكمنا بحرمة البيع فلو خالف وباع صح خلافا لمالك واحمد (ومنها) ان لا يصل صلاة الجمعة بنافلة بعدها لا الراتبة ولا غيرها ويفصل بينها وبين الراتبة بالرجوع إلي
[ ٤ / ٦٢٤ ]
منزله أو بالتحويل إلي موضع آخر أو بكلام ونحوه ذكره في التتمة وثبت في الخبر عن رسول
[ ٤ / ٦٢٥ ]
الله صلي الله عليه وسلم " *
قال (كتاب صلاة الخوف) (وهي أربعة أنواع الاول أن لا يكون العدو في جهة القبلة فيصدع الامام أصحابه صدعين ويصلى باحدهما ركعتين والطائفة الثانية تحرسه ويسلم ثم يصلى بالطائفة الاخرى ركعتين أخريين هما له سنة ولهم فريضة وذلك جائز من غير خوف ولكنه كذلك صلي رسول الله ﷺ وسلم ببطن النخل) * ليس المراد من ترجمة الباب أن الخوف يقتضي صلاة علي حيالها كقولنا صلاة العيد ولا أنه يؤثر في تغيير فعل الصلاة أو وقتها كقولنا صلاة السفر وإنما المراد أنه يؤثر في كيفية اقامة الفرائض ويقتضى احتمال امور فيها كانت لا تحتمل لولا الخوف ثم هو في الاكثر لا يؤثر في مطلق اقامة الفرائض بل في اقامتها بالجماعة علي ما سنفصله إذا عرف ذلك فالاصل في الباب قوله تعالى وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة الآية والاخبار التي نذكرها في أثناء الباب واعلم قوله كتاب صلاة الخوف بالزاى لان المزني ﵀ ذهب الي نسخ صلاة الخوف * واحتج عليه بان النبي صلي
[ ٤ / ٦٢٦ ]
الله عليه وسلم لم يصلها في حرب الخندق وأجاب الاصحاب عنه بان حرب الخندق كان قبل نزول آية صلاة الخوف وكان المسلمون قبل نزولها يؤخرون الصلاة في الخوف عن وقتها ثم يقضونها كما فعلوا في حرب الخندق ثم علموا بالآية وشاع ذلك بين الصحابة وروى عن علي ﵁ أنه صلي بأصحابه صلاة الخوف ليلة الهرير " ١ وعن أبي موسي وحذيفة وغيرهما ﵃ أنهم فعلوها " (وقوله) وهي أربعة أنواع سبيل ضبطها أن يقال للخوف حالتان (احداهما) أن يشتد الخوف بحيث لا يتمكن أحد من ترك القتال وفيها يقع النوع الرابع (والثانية) أن لا يبلغ الخوف هذا الحد فاما أن يكون العدو في وجه القبلة أو لا يكون فان كان فيصلي فيها النوع الثاني وهو صلاة عسفان وان لم يكن فيجوز أن يصلي فيها صلاة بطن النخل وهى النوع الاول ويجوز ان يصلي فيها صلاة ذات الرقاع وهى النوع الثالث وايتهما اولي (الاظهر) ان صلاة ذات الرقاع أولى لوجهين احدهما انها اعدل بين الطائفتين (والثانى) ان في صلاة بطن النخل تكون الفرقة الثانية مصلية الفريضة خلف النافلة وفى
جواز ذلك اختلاف بين العلماء وحكي القاضي الروياني وجها عن ابى اسحق ان صلاة بطن النخل اولى ليحصل لكل واحدة من الطائفتين فضيلة الجماعة علي التمام فهذا ضبط الانواع * (النوع الاول) صلاة بطن النخل وهي ان يجعل الناس فرقتين فيصلى بفرقة جميعها وفرقة في وجه العد أو تحرس فإذا سلم بالفرقة التى خلفه ذهبت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فيصلى بهم مرة ثانية تكون له سنة ولهم فريضة روى عن ابي بكرة وجابر ﵄ " ان النبي صلي الله عليه وسلم صلى ببطن النخل بالناس " هكذا قال اصحابنا العراقيون وانما يصلى الامام هذه الصلاة بثلاثة شروط (احدها) ان يكون العدو في غير جهة القبلة (والثاني) ان يكون في المسلمين كثرة وفي العدو قلة والثالث ان لا يأمنوا من انكباب العدو عليهم في الصلاة ولا شك ان اعتبار هذه الامور ليس علي معنى اشتراطها في الصحة فان الصلاة علي هذا الوجه جائزة وان لم يكن خوف اصلا إذ ليس فيه الاقتداء مفترض بمتنفل في المرة الثانية فإذا المعنى ان اقامة الصلاة هكذا انما يختار ويندب إليه عند اجتماع هذه الامور (وقوله) فيصدع الامام اصحابه صدعين أي يفرقهم فرقتين ويجوز فيصدع من الصدع وهو الشق (وقوله) ويصلي باحدهما ركعتين مفروض فيما إذا كانت الصلاة ركعتين مقصورة كانت أو غير مقصورة فان كانت اكثر من ذلك صلاها بتمامها مرتين ولا فرق
[ ٤ / ٦٢٧ ]
قال (النوع الثاني: ان يكون العدو في جهة القبلة فيرتبهم الامام صفين فإذا سجد في الاولى حرسه الصف الاول فإذا اقام سجدوا ولحقوا به وكذلك يفعل الصف الثاني في الركعة الثانية هكذا صلي رسول الله ﷺ بعسفان " وليس فيه الا تخلف عن الامام بركنين وذلك جائر لحاجة الخوف ثم لا بأس لو اختص بالحراسة فرقتان من احد الصفين ولو تولي الحراسة في الركعتين طائفة واحدة لم يجز على احد القولين لتضاعف التخلف في حقهم عن الامام والحراسة بالصف الاول اليق فلو تقدم الصف الثاني في الركعة الثانية إلى الصف الاول وتاخر الصف الاول ولم تكثر افعالهم كان ذلك حسنا) * النوع الثاني صلاة عسفان: وهى ان يرتب الامام الناس صفين ويحرم بهم جميعا فيصلون
معا إلى ان ينتهى الي الاعتدال عن ركوع الركعة الاولي فإذا سجد سجد معه الصف الثاني ولم يسجد الصف الاول بل حرسوهم قائمين فإذا قام الامام والساجدون سجد اهل الصف الاول ولحقوه وقرأ الكل معه وركعوا واعتدلوا فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الاولى وحرس الساجدون معه في الاولى فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه وتشهد الكل معه وسلم بهم
[ ٤ / ٦٢٨ ]
هذه الكيفية ذكرها الشافعي ﵁ في المختصر واختلف الاصحاب فأخذ كثيرون بها منهم اصحاب القفال وقالوا انها منقولة عن فعل النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه بعسفان وعلي ذلك جرى حجة الاسلام ﵁ في الكتاب وقال الشيخ أبو حامد ومن تابعه ما ذكره الشافعي ﵁ خلاف الترتيب الثابت في السنة فان الثابت في السنة ان اهل الصف الاول يسجدون معه في الركعة الاولي واهل الصف الثاني يسجدون معه في الثانية والشافعي ﵁ عكس ذلك قالوا والمذهب ما ورد في الخبر لان الشافعي ﵁ قال إذا رأيتم قولى مخالفا للسنة فاطرحوه (واعلم) ان مسلما وابا داود وابن ماجه وغيرهم من اصحاب المسانيد لم يوردوا الا الترتيب الذى ذكره أبو حامد نعم في بعض الروايات ان طائفة سجدت معه ثم في الركعة الثانية سجد معه الذين كانوا قياما وهذا يحتمل الترتيبين جميعا ولم يقل الشافعي ﵁ أن الكيفية التى ذكرتها صلاة النبي ﷺ بعسفان ولكن قال هذا نحو صلاته يوم عسفان فاشبه تجويز كل واحد منهما إذ لا فرق في المعنى وقد صرح به الرويانى وصاحب التهذيب وغيرهما قالوا واختار الشافعي ﵁ ما ذكره لامور (احدها) ان الصف الاول اقرب من العدو فهم امكن من الحراسة (والثانى) انهم إذا حرسوا كان جنة لمن ورائهم فان رماهم المشركون تلقوهم بسلاحهم (والثالث) انهم يمنعون ابصار
[ ٤ / ٦٢٩ ]
المشركين عن الاطلاع علي عدد المسلمين وعدتهم إذا عرفت ذلك فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب حرسه الصف الاول بالواو اشارة إلى قول من قال ان في الركعة الاولي يحرسه الصف الثاني وهو هالذى أورده في المهذب (وقوله) هكذا صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم بعسفان فيه نزاع من
جهة النقل فان الروايات المشهورة علي خلاف ما ذكره كما بينا ثم المشهوران الكل يركعون معه في الركعتين وانما التخلف في السجود وذكر في معناه أن الركوع لا يمنع من النظر والحراسة بخلاف السجود وحكى أبو الفضل بن عبدان أن من أصحابنا من قال يحرسون في الركوع أيضا وفى بعض الروايات ما يدل عليه فهذا هو الكلام في كيفية هذا النوع وأما موضعه فقد قال الائمة لهذه الصلاة ثلاثة شروط (أحدها) أن يكون العدو في جهة القبلة ليتمكن الحارسون من رؤيتهم (والثاني) أن يكونوا علي قلة جبل أو مستو من الارض لا يمنعهم شئ من أبصار المسلمين (والثالث) أن يكون في المسلمين كثرة لتمكن جعلهم فرقتين أحداهما يصلي معه والثانية يحرس ولم يتعرض في الكتاب الا للشرط الاول وقوله وليس فيه الا تخلف عن الامام بركنين الي آخره اشارة الي أنهم لو أرادوا الصلاة في حالة الامن هكذا لم يجز صلاة المتخلفين وانما احتمل ههنا لحاجة الخوف وظهور العذر وظاهر قوله الا بركنين حصر للتخلف فيهما وعنى بهما السجدتين لكن التخلف غير منحصر فيهما فانهم متخلفون بالجلسة بين السجدتين أيضا وهى ركن ثالث (فان قيل) الجلسة بين السجدتين ليس ركنا مقصودا علي ما سبق والتخلف المؤثر هو التخلف بالاركان المقصودة فلهذا اقتصر علي ذكر الركعتين (الجواب) أن هذا كلام حسن قد قدمناه في موضعه لكن الاظهر عند المصنف أن الجلسة بين السجدتين ركن طويل كسائر الاركان ويكون التخلف الحاصل ههنا حاصلا باركان وهكذا ذكر في الوسيط والامام في النهاية ثم ذكر في الفصل فروعا نذكرها وما يحتاج إليه (الاول) ليس من الشرط أن لا يزيد على صفين بل لو رتبهم صفوفا كثيرة جاز ثم يحرس صف كما سبق ولا يشترط ان يحرس كل من في الصف بل لو حرست فرقتان من صف واحد في الركعتين على المناوبة ودام من سواهم علي المتابعة جاز لحصول الغرض بحراستهم (الثاني) لو تولي الحراسة في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت ولحقت ففي صحة صلاتها وجهان (أحدهما) لا تصح لان ذلك يوجب تضاعف التخلف بالاضافة الي ما كان يوجد لو تناوبوا والنص ورد في ذلك القدر من التخلف فلا يحتمل الزيادة عليه
[ ٤ / ٦٣٠ ]
(وأظهرهما) ولم يذكر جماعة سواه انه يصح لان هذا القدر من التخلف محتمل في ركعة لمكان العذر
فمثله في ركعة أخري مضموما إليه لا يضر الا يرى ان القدر الذى يحتمل من التخلف بلا عذر لا يفترق الحالين أن يتفق في ركعة أو في ركعات كثيرة وفى بعض نسخ الكتاب ذكر قولين في المسألة بدل الوجهين وهو قريب لان الخلاف علي ما ذكره صاحب التهذيب وغيره مبنى علي القولين فيما إذا زاد الامام علي الانتظارين في النوع الثالث من صلاة الخوف وسيأتي ذلك (الثالث) لو تأخر الحارسون أولا إلى الصف الثاني في الركعة الثانية وتقدمت الطائفة الثانية ليحرسوا جاز إذا لم يكثر فعالهم وذلك بان يتقدم كل واحد من أهل الصف الثاني خطوتين ويتأخر كل واحد من أهل الصف الاول خطوتين وينفذ كل واحد منهم بين رجلين وهل هذا أولي ام الاولي ان يلازم كل منهم مكانه أشار في الكتاب إلي أن التقدم والتأخر أحسن وأولي لان الحراسة بالصف الاول اليق وقد سبق وجهه وهكذا ذكر الصيدلانى والمسعودي وآخرون وقال أصحابنا العراقيون الاولي ان يلازم كل منهم مكانه فلا يضطرب ولا ينتقل ولفظ الشافعي ﵁ في المختصر علي هذا أدل وهذا كله مبنى علي ما ذكره الشافعي ﵁ ان في الركعة الاولى يحرس الصف الاول فاما علي ما اختاره أبو حامد واشتهر في الخبر أن الصف الثاني يحرسون في الركعة الاولي ففى الركعة الثانية يتقدم أهل الصف الثاني ويتأخر أهل الصف الاول فتكون الحراسة في الركعتين ممن خلف الصف الاول لا من الصف الاول كذلك ورد في الخبر وقوله في الكتاب فإذا سجد في الاولي حرسه الصف الاول يجوز ان يعلم بالحاء وكذا قوله سجدوا ولحقوا به وكذا يفعل الصف الثاني في الركعة الثانية لان أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة انه إذا كان العدو في جهة القبلة لم يصل بهم الا كما يصلى والعدو في غير جهة القبلة وتفصيله على ما سيأتي في النوع الثالث ورسموا هذه مسألة خلافية بيننا وبينه * قال (النوع الثالث ان يلتحم القتال ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة فيصدع الامام اصحابه صدعين وينحاز بطائفة الي حيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم ركعة فإذا قام الي الثانية
[ ٤ / ٦٣١ ]
انفردوا بالثانية وسلموا واخذوا مكان اخوانهم في الصف وانحاز الفئة المقاتلة الي الامام وهو ينتظرهم
واقتدوا به في الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام وسلم بهم هكذا صلي رسول الله ﷺ بذات الرقاع في رواية خوات بن جبير وليس فيها الا الانفراد عن الامام في الركعة الثانية وانتظار الامام بالطائفة الثانية مرتين وهذا أولي من رواية ابن عمر فان فيها كثرة الافعال مع الاستغناء عنها) * (النوع الثالث) صلاة ذات الرقاع في كيفيتها في الصبح والصلاة المقصورة في السفر ثم في الصلاة الثلاثية والرباعية اما في ذات الركعتين فيفرق الامام القوم فرقتين ووقف طائفة جهة العدو وينحاز بطائفة الي حيث لا تبلغهم سهام العدو فيفتتح بهم الصلاة ويصلى بهم ركعة هذا القدر اتفقت الرواية عليه ثم فيما يفعل بعد ذلك روايتان فصل في الكتاب أحداهما واجمل ذكر الاخرى اما المفصلة فهي انه إذا قام الي الثانية خرج المقتدون عن متابعته واتموا الثانية لانفسهم وتشهدوا وسلموا وذهبوا الي وجاه العدو وجاء أولئك واقتدوا به في الثانية وهو يطيل القيام الي لحوقهم فإذا لحقوه صلي بهم الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم " هكذا روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح عن خوات بن جبير عمن صلى مع النبي صلي الله عليه وسلم صلاة يوم ذات الرقاع " ورواه ابو داود والنسائي عن صالح عن سهل ابن حثمة عن النبي صلي الله عليه وسلم وأما الرواية التى أجملها فهى أن الامام إذا قام الي الثانية لا يتم المقتدون به الصلاة بل يذهبون الي مكان اخوانهم وجاه العدو وهم في الصلاة فيقفوا سكوتا وتجئ تلك الطائفة فتصلي مع الامام الركعة الثانية فإذا سلم ذهبت الي وجاه العدو وجاء الاولون الي مكان الصلاة واتموا لانفسهم وذهبوا إلى وجاه العدو وجاءت الطائفة الثانية الي مكان الصلاة وأتمت ايضا وهذه رواية ابن عمر ﵄ * إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشافعي ﵁ اختار الرواية الاولى لانها أوفق
[ ٤ / ٦٣٢ ]
للقرآن قال الله تعالي جده (ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا) وذلك يشعر بان الطائفة الاولى قد صلت ولانها اليق بحال الصلاة لما في الرواية الاخرى من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الافعال والاستدبار ولا ضرورة الي احتمال جميع ذلك ولانها أحوط لامر الحرب فانها أخف علي الطائفتين جميعا إذ الحراسة
خارج الصلاة أهون واختار مالك واحمد أيضا ما اختاره الشافعي ﵁ لكن مالكا رحمة الله عليه قال في رواية إذا صلى الامام بالطائفة الثانية الركعة الئانية تشهد بهم وسلم ثم يقومون الي تمام صلاتهم كالمسبوق في غير صلاة الخوف ونقل الصيدلانى قولا عن القديم مثل ذلك وحكي صاحب الافصاح والعراقيون قولا قريبا من ذلك فقالوا يقومون في قول إذا بلغ الامام موضع السلام ولم يسلم بعد وذهب أبو حنيفة إلى اختيار رواية ابن عمر ﵄ وقال الطائفة الاولى يتمون الصلاة بعد سلام الامام بغير قراءة لانهم أدركوا التحريمة فسقط عنهم القراءة في جميع الصلاة والطائفة الثانية يتمونها بقراءة لانهم ما ادركوا التحريمة (واعلم) ان اقامة الصلاة علي الوجه المذكور ليس عزيمة لا بد منها بل لو صلي الامام بطائفة وأمر غيره فصلي بالآخرين وصلي بعضهم أو كلهم منفردين جاز لكن كان اصحاب النبي صلي الله عليه وسلم لا يسمحون بترك فضيلة الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله تعالى جده بترتيبهم هكذا لتحوز احدي الطائفتين فضيلة التكبيرة معه والاخرى فضيلة التسليم معه " وهل تصح الصلاة علي الوجه الذى رواه ابن عمر ﵄ ذكروا فيه قولين (أحدهما) وتحتمل تلك الرواية علي النسخ لخبر سهل فانها مطلقة ورواية سهل مقيدة بذات الرقاع وهى آخر الغزوات (وأصحهما) نعم وبه قال أحمد لصحة الرواية وعدم العلم بالنسخ ولا
[ ٤ / ٦٣٣ ]
سبيل إلى المصير إليه بمجرد الاحتمال وارجع بعد هذا إلى ما يتعلق بنظم الكتاب: فاقول قد سبق أن موضع هذا النوع ما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة ثبت ذلك من جهة النقل ونص عليه الاصحاب وان لم يتعرض له لفظ الكتاب وفى معناه ما إذا كانوا في جهة القبلة لكن كان بينهم وبين المسلمين حائل يمنع من رؤيتهم لو هجموا وقوله ان يلتحم القتال ليس مذكورا علي سبيل الاشتراط بل لو كان العدو قارين في معسكرهم في غير جهة القبله ولم يلتحم القتال بعد وكان يخاف هجومهم فالحكم كما لو التحم فيجعلهم طائفتين واحدة تحرس وأخرى تقتدي به وإذا التحم القتال فانما تمكن هذه الصلاة إذا كثر القوم وامكن الانحياز بطائفة وحصل الكفاية بالباقين فان لم يكن كذلك فالحال حال شدة الخوف وسنذكرها فلهذا قال ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة (وقوله) فإذا قام الي
الثانية انفردوا بالثانية مرقوم بالحاء لانه عنده لا ينفرد بالثانية إذا قام الامام إليها بل بعد سلامه ثم في هذا الفصل شيئان ينبغي ان يتنبه لهما (احدهما) ان قوله انفردوا بالثانية ليس المراد منه انفرادهم بالفعل فحسب بل ينوون مفارقته وينفردون بالفعل وفى حق الطائفة الثانية قال قاموا وأتموا الركعة الثانية ولم يقل وانفردوا بها
[ ٤ / ٦٣٤ ]
لانهم لا يخرجون عن المتابعة كذا قاله الجمهور وفيه شئ آخر سيأتي (والثانى) أنه قال فإذا قام الامام إلى الثانية ولم يقل فإذا أتم الاولي لان الاولي أن ينووا مفارقته بعد الانتصاب لا عند رفع رأسه من السجود الثاني فانهم صائرون إلى القيام كالامام ولو فارقوه عند رفع الرأس من السجود جاز أيضا ذكره في التهذيب وغيره وقوله وانحاز الفئة المقاتلة انما سماها مقاتلة لانه فرض الكلام فيما إذا التحم القتال فاما إذا كان يخاف هجومهم ويتوقع القتال فليست هي بمقاتلة في الحال ويجوز أن يقرء الفئة المقابلة بالباء فيشمل الحالتين لانهما علي التقديرين مقابلة للعدو (وقوله) فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا معلم بالحاء لان عنده إنما يقومون إذا سلم الامام لا إذا جلس للتشهد وبالميم والواو لما سبق (وقوله) هكذا صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم بذات الرقاع اختلفوا في اشتقاق هذه اللفظة قيل كان القتال في سفح جبل فيه جدد بيض وحمر وصفر كالرقاع وقيل كانت الصحابة رضوان الله عليهم حفاة لفوا علي أرجلهم الخرق والجلود لئلا تحترق وقوله في رواية خوات بن جبير أشتهر في كتب الفقه نسبة هذه الرواية الي خوات والمنقول في أصول الحديث رواية صالح عن سهل وعمن صلي مع النبي ﷺ فلعل هذا المبهم ذكر خوات أبو صالح والله أعلم وقوله وليس فيها الا الانفراد عن الامام في الركعة
[ ٤ / ٦٣٥ ]
الثانية هذا الانفراد ظاهر في حق الطائفة الاولى فاما الطائفة الثانية فهم على متابعته بعد الركعة الثانية وفى الركعة الثانية كلام سيأتي ذكره من بعد والمقصود منه بيان رجحان هذه الرواية علي رواية ابن عمر ﵄ وفيه اشارة إلى مسألة لا بد من ذكرها وهى أنه لو أقام الصلاة بهم علي هذه الهيئة في حالة الامن هل يجوز ذلك أم لا أما صلاة الامام فمنهم من قال تصح قولا واحدا لانه تطويل صلاة بالقراءة أو التشهد وذلك مما لا منع فيه وقال الاكثرون فيه قولان لانه انتظر المأمومين بغير عذر
وبنى القاضي أبو الطيب القولين على القولين فيما إذا فرقهم أربع فرق في الصلاة الرباعية لانه في الصورتين انتظر في غير محل الحاجة وأما الطائفة الاولي ففى صحة صلاتها قولان لانها فارقت الامام بغير عذر وأما الطائفة الثانية فان قلنا صلاة الامام تبطل امتنع عليهم الاقتداء والاصح اجزاؤهم ثم تبني صلاتهم إذا قاموا إلى الركعة الثانية علي خلاف يأتي في أنهم منفردون بها ام حكم الاقتداء باق عليهم (إن قلنا) بالاول ففي قولهم صلاتان مبنيان على أصلين (أحدهما) انهم انفردوا من غير عذر (والثانى) أنهم اقتدوا بعد الانفراد (وان قلنا) بالثاني بطلت صلاتهم لانفرادهم بركعة مع بقاء القدوة ولو فرضت الصلاة في حالة الامن علي الوجه الذى رواه ابن عمر ﵁ فصلاة المأمومين باطلة قطعا وقوله وهذا أولي يجوز أن يريد أنه أولي بان يفعله الامام مما رواه ابن عمر ﵄ فيكون جوابا علي تجويز اقامة الصلاة على ذلك الوجه أيضا ويجوز أن يريد به ان الاخذ به والمصير إليه أولى فلا يلزم تجويز ذلك الوجه وعلي التقديرين هو معلم بالحاء * قال (ثم الصحيح أن الامام في الثانية يقرأ الفاتحة قبل لحوق الفرقة الثانية لكن يمد القراءة عند لحوقهم ونقل المزني ﵀ أنه يؤخر الفاتحة الي وقت لحوقهم وكذا هذا الخلاف في انتظاره في التشهد قبل لحوقهم) * إذا قام الامام الي الثانية فهل يقرأ الفاتحة في انتظاره الفرقة الثانية أم يؤخر الي لحوقها نقل الربيع أنه يقرؤها ثم بعد لحوقهم يقرأ بقدر الفاتحة سورة قصيرة ونقل المزني أنه يقرأ بعد لحوقهم بام القرآن وسورة وهذا قول بتأخير القراءة إلى لحوقهم لان الفاتحة لا تكرر واختلف الاصحاب علي طريقتين (أصحهما) ان المسألة على قولين (أحدهما) أنه لا يقرأ إلى لحوقها لانه قرأ في الركعة الاولي بالطائفة الاولى فليقرأ في يا لثانية بالطائفة الثانية تسوية بينهما (وأصحهما) وبه قال احمد أنه يقرأ أولا ولا يؤخر * واحتجوا عليه بانه لو لم بقرأ فاما أن يسكت أو يقرأ غير الفاتحة من القرآن وكل واحد منهما خلاف السنة أو يشتغل بذكر
[ ٤ / ٦٣٦ ]
وتسبيح وليس القيام محلا لذلك وهذا لا يسلمه من صار الي القول الاول على الاطلاق بل ذكروا تفريعا عليه انه يسبح ويذكر اسم الله تعالى جده بما شاء (والطريق الثاني) انها ليست علي القولين ثم اختلفوا فعن أبى
اسحق أن النصين منزلان علي حالتين حيث قال يقرأ اراد إذا كان الامام يريد قراءة سورة قصيرة فتفوت القراءة علي الطائفة الثانية فهنا يستحب الانتظار ومنهم من قطع بما رواه الربيع وغلط المزني في النقل وقال لفظ الشافعي ﵁ ويقرأ بعد اتيانهم بقدر ام الكتاب وسورة قصيرة لا بام القرآن وانما أمر بذلك لينالوا فضيلة القراءة فلو لم يفعل وأدركوه في الركوع كانوا مدركين للركعة وقوله في الكتاب لكنه يمد القراءة عند لحوقهم اشارة الي ما ذكرنا وهو أنه يمكث في قراءته بعد لحوقهم قدر قراءة أم القرآن وسورة وفى بعض النسخ لكنه يمد القراءة الي وقت لحوقهم وعلي هذا ففرض الكلام انه لا يؤخر القراءة إلى لحوقهم لا انه يقطع القراءة كما لحقوه واما قوله وكذا هذا علي الخلاف في انتظاره في التشهد قبل لحوقهم فاعلم انه مبني على أن الطائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جلس الامام للتشهد وهو المذكور في الكتاب والمشهور وقد حكينا قولا آخر أنهم يقومون إليها بعد سلامه فعلي ذلك القول ليس له انتظار في التشهد وعلي المشهور هل يتشهد قبل لحوقهم اما القاطعون في الانتظار الاول بانه يقرأ الفاتحة فقد قطعوا ههنا بانه يتشهد بطريق الاولي واما المثبتون للخلاف ثم فقد اختلقوا ههنا منهم من طرد القولين ومنهم من قطع بانه يتشهد لان الامر بتأخير القراءة في قول انما كان ليقرأ بالطائفة الثانية كما قرأ بالطائفة الاولى وهذا المعنى لا يفرض في التشهد إذا عرفت ذلك فلا يخفي عليك ان قوله وكذا هذا الخلاف وجواب علي طريقة طرد القولين في التشهد ويجب ان يعلم بالواو للطريقة الاخرى على أنها اظهر عند الاكثرين * قال (ثم هذه الحاجة ان وقعت في صلاة المغرب فليصل الامام بالطائفة الاولي ركعتين وبالثانية ركعة لان في عكسه تكليف الطائفة الثانية تشهد غير محسوب ثم الامام ان انتظرهم في التشهد الاول فجائز وان انتظرهم في القيام الثالث فحسن) * ما سبق كلام في الصلاة الثنائية كيف تؤدى بالناس في الموضع الذى بيناه فاما إذا كانت الصلاة معربا وفرض الخوف كذلك فلا بد من تفصيل أحدى الطائفتين علي الاخرى فيجوز ان يصلي
[ ٤ / ٦٣٧ ]
بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين ويجوز ان يصلي بالاولى ركعتين وبالثانية ركعة وأيهما أولي فيه
قولان (اصحهما) ان الافضل ان يصلي بالطائفة الاولي ركعتين وبالثانية ركعة لان الطائفة الاولي سابقون فهم اولى بالتفضيل ولانه لو عكس فصلى بالطائفة الاولي ركعة وبالثانية ركعتين لزاد في صلا الطائفة الثانية تشهدا غير محسوب لانهم حينئذ يحتاجون الي الجلوس مع الامام في الركعة الثانية وهو غير محسوب لهم فانها اولاهم والاليق بالحال التخفيف دون التطويل (والثانى) ان الافضل ان يصلي بالاولي ركعتين وبالثانية ركعتين لان عليا ﵁ صلي ليلة الهرير بالناس هكذا ثم ان فعل هكذا فالطائفة الاولي تفارقه إذا قام إلى الثانية وتتم لنفسها علي ما ذكرنا في ذات الركعتين وان صلى بالاولى ركعتين فيجوز ان ينتظر الثانية في التشهد الاول ويجوز ان ينتظرهم في القيام الثالث وأيهما اولي فيه قولان (احدهما) ان انتظارهم في التشهد الاول اولي ليدركوا معه الركعة من اولها وينقل هذا عن الاملاء (واصحهما) ان انتظارهم في القيام الثالث اولي لان القيام مبنى علي التطويل والجلسة الاولي مبنية علي التخفيف ولان في ذات الركعتين ينتظر قائما فكذلك ههنا لانه إذا انتظرهم في الجلوس لا تدرى الطائفة الاولى متى يقومون ثم إذا انتظرهم في القيام فهل يقرأ الفاتحة ام يصير الي لحوق الفرقة الثانية فيه الخلاف المتقدم (وقوله) في الكتاب فليصل بالطائفة الاولي ركعتين وبالثانية ركعة جواب على القول الاول ويجوز ان يكون جزما بانه يفعل كذلك لان القاضي الروياني حكى طريقة جازمة به مع طريقة القولين وعلي التقديرين فلفظ الركعة والركعتين معلمان بالواو (وقوله) فليصل امر استحباب وفضيلة وليس ذلك بلازم (وقوله) وان انتظرهم في القيام الثالث فحسن هو لفظ الشافعي ﵁ في المختصر وقد حملوه علي ان الافضل الانتظار فيه وإذا كان كذلك فيجوز ان يعلم بالواو اشارة إلى القول المنقول عن الاملاء * قال (وان كان في صلاة رباعية في الحضر فليصل بكل طائفة ركعتين فان فرقهم اربع فرق فالانتظار الثالث زائد على المنصوص وفى تحريمه قولان قال ابن سريج الانتظار في الركعة الثالثة هو الانتظار الثاني في حق الامام فلا منع منه) * إذا كان الخوف في السفر فسبيل الصلاة الرباعية ان تقصر وتؤدى كما سبق فلو ارادوا اتمامها وكانوا في الحضر وقد جاءهم العدو فينبغي ان يفرق الامام الناس فرقتين ويصلي بكل طائفة ركعتين
ثم الافضل ان ينتظر الثانية في التشهد الاول أو في القيام الثالث فيه الخلاف المذكور في المغرب
[ ٤ / ٦٣٨ ]
ويتشهد بكل واحدة من الطائفتين بلا خلاف لانه موضع تشهدهما ويتضح بما ذكرناه ان قوله وإن كان في صلاة رباعية في الحضر ليس الحضر مذكورا علي سبيل الاشتراط لجواز الاتمام في السفر لكن الغالب أن الاتمام لا يكون الا في الحضر لان القصر افضل مطلقا عند الامكان على الاصح واليق بحالة الخوف فلهذا قال في الحضر وقوله فليصل بكل طائفة ركعتين معلم بالميم لان في رواية عن مالك لا يجوز أن يصلي بهم الصلاة الرباعية كذلك * لنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة) الآية لا فرق فيها بين السفر والحضر ولو فرقهم أربع فرق وصلي بكل فرقة ركعة وذلك بان يصلى بفرقة ركعة وينتظر قائما في الثانية وينفردوا هم بثلاث ويسلموا ويذهبون ثم يصلى الركعة الثانية بفرقة ثانية وينتظر جالسا في التشهد الاول أو قائما في الثالثة ويتموا لانفسهم ثم يصلي الثالثة بفرقة ثالثة وينتظر في قيام الرابعة ويتموا صلاتهم ثم يصلي الرابعة بالفرقة الرابعة وينتظرهم في التشهد الاخير الي ان يتموا صلاتهم ويسلم بهم فهل يجوز ذلك فيه قولان (أحدهما) لا لان الاصل أن لا يحتمل الانتظار في الصلاة اصلا لما فيه من شغل القلب والاخلال بالخشوع وقد ورد عن فعل رسول الله ﷺ انتظاران فلا يزاد عليهما (واصحهما) نعم لان جواز انتظارين انما كان للحاجة وقد تقتضي الحاجة اكثر من ذلك بأن لا يكون في وقوف نصف الجند في وجه العدو كفاية بل يحتاج إلى وقوف ثلاثة ارباعهم بكل حال (التفريع) ان جوزنا فقد قال امام الحرمين شرطه ان تمس الحاجة إليه فأنا إذا لم تكن حاجة فالحكم كما لو جرى ذلك في حالة الاختيار والطائفة الرابعة علي هذا القول كالطائفة الثانية في ذات الركعتين فيعود الخلاف في أنهم يفارقونه قبل التشهد أو يتشهدون معه ويقومون بعد سلام الامام إلى ما عليهم كالمسبوق وتتشهد الطائفة الثانية معه في أظهر الوجهين (والثانى) تفارقه قبل التشهد وعلى هذا القول تصح صلاة الامام وفى صلاة الطوائف قولان المنقول عن
[ ٤ / ٦٣٩ ]
الام ان صلاتهم صحيحة وعن الاملاء ان صلاتهم باطلة سوى صلاة الطائفة الرابعة وبنوا ذلك على
ان المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة الامام بغير عذر هل تبطل صلاته ام لا وقالوا الطوائف الثلاث خرجوا عن صلاة الامام بغير عذر لان وقت المفارقة ما نقل عن فعل المقتدين بالنبي ﷺ وهو نصف الصلاة وكل طائفة من الثلاث قد فارقته قبل تمام النصف وأما الطائفة الرابعة فانها لم تخرج عن صلاة الامام بل اتمت صلاة علي حكم المتابعة وليس هذا البناء والفرق صافيا عن الاشكال والله أعلم * وإن فرعنا على أن لا يجوز ذلك فصلاة الامام باطلة ومتي تبطل فيه وجهان قال ابن سريج تبطل بالانتظار الثالث وهو الواقع في الركعة الرابعة ولا تبطل بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة لانه انتظر مرة للطائفة الثانية في الركعة الثانية وانتظاره في الركعة الثالثة هو انتظاره الثاني إذا لم يكن له في الاولى انتظار وقد ثبت من فعل رسول الله ﷺ انتظاران فلا بأس بهما ولا فرق في الفصلين سوى ان المنتظر ثم في المرتين الطائفة الثانية والمنتظر ههنا في المرة الثانية طائفة أخرى لكن هذا لا يضر إذا لم يزد عدد الانتظار كما لا يضر زيادة قدر الانتظار لو فرقهم فرقتين وصلي بكل واحدة ركعتين وقال جمهور الاصحاب تبطل صلاته بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة لمخالفته الانتظار الثاني الذى ورد النقل به في المنتظر وفى القدر فاما المنتظر فقد وضح واما في القدر فلان النبي صلي الله عليه وسلم انتظر في الركعة الثانية فراغ الطائفة الثانية فقط والامام ههنا ينتظر فراغ الثانية وذهابها إلي وجه العدو ومجئ الثالثة والذى قاله الجمهور وهو ظاهر النص ولذلك قد يعبر عن هذا الخلاف بقولين منصوص ومخرج لابن سريج ثم حكى في البيان وجهين تفريعا على ظاهر النص (أحدهما) ان صلاته تبطل بمضي الطائفة الثانية لان النبي صلي الله عليه وسلم لم ينتظرهم في المرة الثانية إلا قدر ما أتمت
[ ٤ / ٦٤٠ ]
صلاتها فإذا زاد بطل (والثاني) وبه قال الشيخ أبو حامد انها تبطل بمضي قدر ركعة من انتظاره الثاني لان النبي صلي الله عليه وسلم لم ينتظر الطائفتين جميعا إلا بقدر الصلاة التى هي فيها مع الذهاب والمجئ هذا وقد انتظر في المرة الاولي قدر ما صلت الطائفة الاولي ثلاث ركعات وذهبت وجاءت الثانية فإذا مضى قدر ركعة فقد تم قدر الانتظار المنقول فتبطل صلاته بالزيادة عليه هذا هو الكلام في صلاة الامام تفريعا علي قول المنع وأما صلاة الطوائف فتبنى علي صلاته فتصح صلاة
الطائفة الاولي والثانية علي ظاهر النص وقول ابن سريج معا لانهم فارقوه قبل بطلان صلاته وصلاة الطائفة الرابعة باطلة إن علمت بطلان صلاة الامام وإن لم تعلم فلا وحكم الطائفة الثالثة حكم الرابعة ظاهر النص وحكم الطائفتين الاوليين علي قول ابن سريج ولو فرق القوم في صلاة المغرب ثلاث فرق وصلي بكل فرقة ركعة وقلنا لا يجوز ذلك فصلاة جميع الطوائف صحيحة عند ابن سريج وعلي على ظاهر النص صلاة الطائفة الثالثة باطلة إلا أن لا تعلم بطلان صلاة الامام وإذا عرفت ما ذكرناه ولخصت ما في المسألة من الخلاف قلت فيها أربعة أقوال (أصحها) صحة صلاة الامام والقوم جميعا (والثانى) صحة صلاة الامام والطائفة الرابعة لا غير (والثالث) بطلان صلاة الامام وصحة صلاة الطائفة الاولي والثانية والفرق في حق الثالثة والرابعة بين أن تعلم بطلان صلاة الامام أو لا تعلم (والرابع) صحة صلاة الثالثة لا محالة (والثانى) كما ذكرنا في القول الثالث وهو قول ابن سريج وقوله في الكتاب فالانتظار الثالث زائد على المنصوص أي علي نص الشارع وما ثبت من فعله واراد بالانتظار الثالث الانتظار الواقع في الركعة الرابعة بطريق الاولي وهو الثالث في الحقيقة ولو أراد الانتظار الثالث حقيقة لكان ذلك عين قول ابن سريج ولما انتظم منه أن يقول بعد ذلك وقال ابن سريج ورتب في الوسيط الخلاف في بطلان الصلاة بالانتظار الثالث علي الخلاف في تحريمه فقال في تحريمه قولان إن قلنا يحرم ففى بطلان الصلاة به قولان ولم يذكر المعظم هذا الترتيب وإنما تكلموا في الصحة والبطلان وذكر الشافعي ﵁ مع القول بصحة صلاة الجميع انهم مسيئون بذلك وهذا يشعر بالجزم بالتحريم والله أعلم *
[ ٤ / ٦٤١ ]
قال (وفى اقامة الجمعة علي هذه الهيئة وجهان (م) ووجه المنع أن العدد فيها شرط فيؤدى إلى الانفضاض في الركعة الثانية) * إذا كان الخوف في بلد ووافق ذلك يوم الجمعة وأرادوا إقامة صلاة الجمعة علي هيئة صلاة ذات الرقاع فقد نقل المصنف فيه وجهين (أحدهما) الجواز كسائر الصلوات الثنائية (والثاني) المنع لان العدد شرط فيها وتجويز ذلك يفضي إلي انفراد الامام في الركعة الثانية والاول هو الذى حكاه
أصحابنا العراقيون عن نصه في الام ثم ذكروا فيه طريقتين (أحداهما) أن ذلك جواب علي أحد الاقوال في مسألة الانفضاض وهو أنه إذا نفض القوم عنه وبقي وحده يصلى الجمعة فانا إذا لم نقل بذلك امتنع اقامة الجمعة علي هذا الوجه (والثانية) القطع بالجواز بخلاف صورة الانفضاض لانه معذور ههنا بسبب الخوف ولانه يترقب مجئ الطائفة الثانية ويجوز ان يرتب فيقال ان جوزنا الانفضاض فتجويز اقامة الجمعة علي هذه الهيئة اولي والا فوجهان والفرق العذر وايراد الكتاب إلى هذا الترتيب اقرب وكيف ما كان فالاظهر عند الاكثرين الجواز ثم له شرطان (أحدهما) ان يخطب بهم جميعا ثم يفرقهم فرقتين أو يخطب بطائفة ويجعل فيها مع كل واحدة من الفرقتين اربعين فصاعدا فاما لو خطب بفرقة وصلى باخرى فلا يجوز (والثاني) ان تكون الفرقة الاولى اربعين فصاعدا فلو نقص عددهم عن الاربعين لم تنعقد الجمعة ولو نقصت الفرقة الثانية عن اربعين فقد حكى ابن الصباغ عن الشيخ ابى حامد انه لا يضر ذلك بعد انعقداها بالاولي وعن غيره انه علي الخلاف في الانفضاض ولو خطب الامام بالناس واراد أن يقيم الجمعة بهم علي هيئة صلاة عسفان فهي اولي بالجواز ان جوزناها علي هيئة صلاة ذات الرقاع ولا يجوز اقامتها علي هيئة صلاة بطن النخل إذ لا تقام جمعة بعد جمعة * قال (ثم يجب حمل السلاح في هذه الصلاة وصلاة عسفان ان كان في وضعه خطر وان كان الظاهر السلامة واحتمل الخطر فيستحب الاخذ في الوجوب قولان) * قال الشافعي ﵁ في المختصر وغيره واحب للمصلى أي في الخوف أن يأخذ سلاحه وقال في موضع ولا اجيز وضعه واختلف الاصحاب على طرق (اظهرها) وبه قال ابو اسحاق ن في
[ ٤ / ٦٤٢ ]
المسألة قولين (احدهما) انه يجب لظاهر قوله (وليأخذوا اسلحتهم) وقال تعالي جده (ولا جناح عليكم ان كان بكم اذى من مطر أو كنتم مرضى ان تضعوا اسلحتكم) اشعر ذلك بقيام الجناح إذا وضع من غير عذر (واصحهما) وبه قال أبو حنيفة واحمد انه لا يجب والآية محمولة علي الاستحباب * واحتجوا لهذا القول بانه لا خلاف ان وصفه لا يفسد الصلاة فوجب ان لا يجب حمله كسائر ما لا يفسد تركه الصلاة ولا يجب
فعله (والطريق الثاني) القطع بالاستحباب (والثالث) القطع بالايجاب (والرابع) ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين يجب حمله وما يدفع به عن نفسه وغيره كالرمح والقوس لا يجب حمله لان الدفع عن النفس اولى بالوجوب وهؤلاء حملوا النصين علي هذين النوعين والخلاف في المسألة مشروط بشروط (أحدها) أن يكون طاهرا فاما السلاح النجس فلا يجوز حمله بحال ومنه السيف الذى سقى السم النجس والنبل المريش بريش طائر لا يؤكل أو طائر ميت لانه نجس على الصحيح (والثانى) ان لا يكون مما يمنع من بعض أركان الصلاة كالحديد المانع من الركوع والبيضة المانعة من مباشرة المصلى بالجبهة فان كان كذلك لم يحمل بلا خلاف (والثالث) ان لا يتأذى به الغير كالرمح فان حمله في وسط الصف يؤذى القوم فيكره الا ان يكون في حاشية الصف فلا يتأذى بحمله أحد (والرابع) قال الامام موضع الخلاف أن يخاف من وضع السلاح وتنحيته خطر علي سبيل الاحتمال فاما اكان يتعرض للهلاك ظاهرا لو لم يأخذ السلاح فيجب القطع بوجوب الاخذ والا فهو استسلام للكفار وهذا الشرط قد ذكره في الكتاب فأوجب الحمل إذا كان في الموضع خطر وخص الخلاف بما إذا ظهرت السلامة واحتمل الخطر * واعلم أن ترجمة المسألة هي حمل السلاح قال امام الحرمين وليس الحمل معينا لعينه بل لوضع السيف بين يديه وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد كان ذلك بمثابة الحمل قطعا وأما لفظ السلاح فقد قال القاضى ابن كج انه يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها اما الترس فليس بسلاح وكذا لو لبس درعا لم يكن حاملا سلاح والله اعلم * ثم في لفظ الكتاب شيئان (احدهما) انه خص الكلام بصلاة ذات الرقاع وصلاة عسفان واشعر ذلك بنفى الوجوب في صلاة بطن النخل لكن معني الخوف يشملها جميعا والجمهور اطلقوا القول في صلاة الخوف اطلاقا (والثاني) انه قال في آخر الفصل فيستحب الاخذ وفى الوجوب قولان وقضية هذا الكلام الجزم بالاستحباب وقصر
[ ٤ / ٦٤٣ ]
الخلاف على الوجوب وانما يكون كذلك ان لو اشتمل الوجوب على الاستحباب اشتمال العام علي الخاص وفيه كلام لاهل الاصول فان لم يحكم باشتماله عليه فالصائر الي الوجوب ناف للاستحباب فلا يكون الاستحباب إذا مجزوما به *
قال (فرع: سهو الطائفتين محمول في وقت موافقتهم الامام وسهو الطائفة الاولي غير محمول في ركعتهم الثانية وذلك لانقطاعهم عن الامام ومبدأ الانقطاع الاعتدال في قيام الثانية أو رفع الامام رأسه في سجود الاولي فيه وجهان واما سهو الطائفة الثانية في الركعة الثانية ففى حمله وجهان لانهم سيلتحقون بالامام قبل السلام وهو جار في المزحوم إذا سها وقت التخلف وفيمن انفرد بركعة وسها ثم اقتدى في الثانية) * اصل الفرع ان سهو المأموم يحمله الامام وهذه قاعدة شرحناها في باب سجود السهو إذا تذكرت ذلك فنقول إذا سها بعض المأمومين في صلاة ذات الرقاع علي الرواية المختارة فينظر ان سهت الطائفة الاولي فسهوها في الركعة الاولي محمول لانها مقتدية بالامام وسهوها في الثانية غير محمول لانقطاعها عن الامام وما مبدأ الانقطاع فيه وجهان حكاهما الامام عن شيخه (احدهما) ان مبدأ الانقطاع الاعتدال في الركعة الثانية لان القوم والامام جميعا صائرون إلى القيام فلا تنقطع القدوة ما لم يعتدلوا قائمين (والثاني) ان مبدأ الانقطاع رفع الامام رأسه من السجود الثاني لان الركعة تنتهى بذلك فعلي هذا لو رفع الامام رأسه وهم بعد في السجود وفرض منهم سهو لم يكن محمولا ولك ان تقول قد نصوا على انهم ينوون المفارقة عن الامام وانه يجوز عند رفع الرأس وعند الاعتدال كما سبق وإذا كان كذلك فلا معني لفرض الخلاف في ان الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك فانه ليس شيئا يحصل بنفسه بل هو منوط بنية المفارقة فوجب قصر النظر علي وقتها * واما الطائفة الثانية فسهوها في ركعتها الاولي محمول ايضا لانها علي حقيقة المتابعة وفى سهوها في الركعة الثانية وجهان (احدهما) وينسب إلى ابن خيران وابن سريج انه غير محمول لانهم منفردون بها في الحقيقة (واصحهما) انه محمول لان حكم القدوة
[ ٤ / ٦٤٤ ]
باق بدليل انهم مقتدون به إذا حصلوا معه في التشهد والا لما كان لانتتظاره أياهم معني وإذا كان كذلك فلولا استمرار حكم القدوة لاحتاجوا إلى اعادة نية القدوة إذا جلسوا للتشهد ولا يحتاجون إليه والوجهان جاريان في المزحوم في الجمعة إذا سها في وقت تخلفه وأجروهما أيضا فيما كان يصلى منفردا فسها في صلاته ثم اقتدى بامام وجوزنا ذلك علي أحد القولين واستبعد الامام اجراء الخلاف في هذه
الصورة وقال الوجه القطع بان حكم السهو لا يرتفع بالقدوة اللاحقة فان السهو كان وهو منفرد لا يخطر له أمر القدوة فلا ينعطف حكمها علي ما تقدم من الانفراد وقوله لانهم سيلحقون بالامام يجوز ان يريد به التحاقهم في الصورة مصيرا الي أن حكم القدوة مستمر في الحال ويجوز أن يريد به أنهم سيصيرون مقتدين وان كانوا منفردين في الحال فيؤخذ بآخر الامر والضمير في قوله وهو جار عائد الي الخلاف وان لم يكن مذكورا (وقوله) فيمن انفرد بركعة وسها ثم اقتدى في الثانية لانه ليس للتقييد وانه لا فرق بين أن يقتدى في الاولي أو الثانية بعد السهو منفردا (واعلم) أن جميع ذلك مبنى على أن الطائفة الثانية يقومون الي الركعة الثانية إذا جلس الامام للتشهد فاما إذا قلنا أنهم يقومون إليها إذا سلم الامام علي ما نقل عن القديم فسهوهم في الثانية غير محمول لا محالة كالمسبوق هذا حكم سهو المأمومين أما لو سها الامام نظر ان سها في الركعة الاولي لحق سهوه الطائفتين فالطائفة الاولي يسجدون إذا أتموا صلاتهم ولو سها بعضهم في الركعة الثانية فهل يقتصر علي سجدتين أم يسجد أربعا فيه خلاف تقدم نظائره والاصح الاول والطائفة الثانية يسجدون مع الامام في آخر صلاته وإن سها في الركعة الثانية لم يلحق سهوه الطائفة الاولي لانهم فارقوه قبل السهو وتسجد الثانية معه في آخر الصلاة ولو سها في انتظاره اياهم فهل يلحقهم ذلك السهو فيه الخلاف المذكور في أنه هل يتحمل سهوهم والحالة هذه * قال (النوع الرابع صلاة شدة الخوف وذلك إذا التحم الفريقان ولم يمكن ترك القتال لاحد فيصلون رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ايماء بالركوع والسجود محترزين عن الصيحة وعن موالات الضربات من غير حاجة فان كثرت مع الحاجة في اشخاص فيحتمل وفى
[ ٤ / ٦٤٥ ]
شخص واحد لا يحتمل لندوره وقيل يحتمل في الموضعين وقيل لا يحتمل فيها فان تلطخ سلاحه بالدم فليلقه وان كان محتاجا إلى امساكه فالاقيس انه لا يجب عليه القضاء والاشهر وجوبه لندور العذر) * إذا التحم القتال ولم يتمكنوا من تركه بحال لقتلهم وكثرة العدو أو اشتداد الخوف وان لم يلتحم
القتال فلم يأمنوا أن يركبوا اكتافهم لو ولوا عنهم أو انقسموا فيصلون بحسب الامكان وليس لهم التأخير عن الوقت وعن أبى حنيفة أن لهم ذلك ثم في كيفية هذه الصلاة مسائل (أحداها) لهم أن يصلوا ركبانا علي الدواب أو مشاة علي الاقدام قال الله تعالي جده (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) ويجوز أن يعلم لفظ الرجال في قوله فيصلون رجالا بالحاء لان أصحابنا حكوا عن أبى حنيفة ﵁ انه ليس للراجل أن يصلي بل يؤخر (الثانية) لهم أن يتركوا الاستقبال إذا لم يجدوا بدا عنه قال ابن عمر ﵄ في تفسير الآية " مستقبلي القبلة وغير مستقبليها " قال نافع لا اراه ذكر ذلك الا عن رسول الله ﷺ ويجوز أن يأتم بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلي حول الكعبة وفيها وانما يعفى عن الانحراف عن القبلة إذا كان بسبب العدو فاما إذا انحرف لجماح الدابة وطال الزمان بطلت صلاته كما في غير حالة الخوف ويجوز أن يعلم قوله غير مستقبليها بالحاء لانهم حكوا عن ابى حنيفة انه لا يجوز ترك الاستقبال (الثالثة) إذا لم يتمكنوا من اتمام الركوع والسجود اقتصروا على الايماء بهما وجعلوا السجود أحفض من الركوع ولا يجب علي الماشي استقبال القبلة في الركوع والسجود ولا عند التحرم ولا وضع الجبهة علي الارض فانه تعرض للهلاك بخلاف ما ذكرنا في المتنفل
[ ٤ / ٦٤٦ ]
ماشيا في السفر (الرابع) يجب عليهم الاحتراز عن الصياح فانه لا حاجة إليه قال الامام بل الكمى المقنع السكوت اهيب في نفوس الاقران ولا بأس بالاعمال القليلة فانها محتملة من غير خوف فعند الخوف أولى وأما الاعمال الكثيرة كالطعنات والضربات المتوالية فهي مبطلة ان لم يكن محتاجا إليها وان كان محتاجا إليها فوجهان (احدهما) انها مبطلة وقد حكاه العراقيون وغيرهم عن ظاهر نصه في الام لان الآية وردت في المشى والركوب وانضم ترك الاستقبال إليه فيما ورد من التفسير فما جاوز ذلك يبقى علي المنع (والثاني) وبه قال ابن سريج انها غير مبطلة لمكان الحاجة كالمشى وترك الاستقبال وتوسط بعض الاصحاب بين الوجهين فقال يحتمل في اشخاص لان الضربة الواحدة لا تدفع عن المضروب فيحتاج الي التوالي لكثرتهم ولا تحتمل في الشخص الواحد لندرة الحاجة الي توالي الضربات فيه وايراد الكتاب يشعر بترجيح هذا الوجه المتوسط لكن الاكثرين رجحوا
الوجه المنسوب إلي ابن سريج وقطع به القفال فيما حكاه الروياني ومنهم من عبر عن الوجوه بالاقوال وكذلك فعل في الوسيط (وقوله) من غير حاجة تقييد لموالاة الضرب دون الصيحة ولاحتراز عنها واجب بكل حال وليست هي من ضروريات القتال هكذا ذكر الائمة (وقوله) فيحتمل وكذا قوله وقيل لا يحتمل يجوز ان يعلما بالحاء لان الصيدلاني حكي عن أبي حنيفة أنه يجوز فيها العمل الكثير (الخامسة) لو تلطخ سلاحه بالدم فينبغي ان يلقيه أو يجعله في قرابه تحت ركابه ان احتمل الحال ذلك وان احتاج إلي امساكه فله الامساك ثم هل يقضي حكى امام الحرمين عن الاصحاب أنه يقضى لندور العذر ثم منعه وقال تلطخ السلاح بالدم من الاعذار العامة في حق المقاتل ولا سبيل الي تكليفه تنحية السلاح فتلك النجاسة ضرورية في حقه كنجاسة المستحاضة في حقها ثم جعل المسألة على
[ ٤ / ٦٤٧ ]
قولين مرتبين على القولين فيما إذا صلي في حصن أو موضع آخر نجس وهذه الصورة أولي بنفي القضاء لالحاق الشرع القتال بسائر مسقطات القضاء في سائر المحتملات كالاستدبار والايماء بالركوع والسجود فليكن أمر النجاسة كذلك ويتبين بما ذكرنا انه لم جعل الاقيس نفى القضاء والاشهر وجوبه ويجوز اقامة الصلاة عند شدة الخوف بالجماعة خلافا لابي حنيفة ومقام صلاة العيدين والخسوفين في شدة الخوف الانهما بعرض الفوات ولا تقام صلاة الاستسقاء * قال (ثم هذه الصلاة تقام في كل قتال مباح ولو في الذب عن المال وكذا في الهزيمة المباحة عن الكفار ولا تقام في اتباع اقفية الكفار عند انهزامهم ويقيمها الهارب من الحرق والغرق والسبع والمطالب بالدين إذا أعسر وعجز عن البينة والمحرم إذا خاف فوات الوقوف قبل يصلى مسرعا في مشيه وقيل لا يجوز ذلك) * مقصود الفصل الكلام فيما يرخص في هذه الصلاة إذ لا شك في انها غير جائزة عند الامن والسلامة وفيه صور (أحداها) تجوز هذه الصلاة في كل ما ليس بمعصية من أنواع القتال دون ما هو معصية لان الرخص لا تناط بالمعاصى فيجوز في قتال الكفار ولاهل العدل في قتال اهل البغي وللرفقة في مال قطاع الطريق ولا يجوز لاهل البغي والقطاع ولو قصد نفس رجل أو حريمه أو نفس غيره أو حرمه فاشتغل
بالدفع كان له ان يصلي هذه الصلاة في الدفع ولو قصد اتلاف ماله نظر ان كان حيوانا فكذلك الحكم والا فقولان (أحدهما) لا يجوز لان الاصل المحافظة علي أركان الصلاة وشرائطها خالفناه فيما عدا المال لانه أعظم حرمة (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه يجوز لان الذب بالقتال عن المال جائز كالذب عن النفس قال صلي الله عليه وسلم " من قتل دون ماله فهو شهيد " (الثانية) لو ولوا ظهورهم عن الكفار منهزمين
[ ٤ / ٦٤٨ ]
نظر ان كان يحل لهم ذلك بان يكون في مقاتلة كل مسلم اكثر من كافرين فلهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف لتعرضهم للهلاك لو أتوا بالصلاة علي الكمال وان لم يحل كما إذا كان في مقابلة كل مسلم كافران فليس لهم ذلك لانهم عاصون بالانهزام والرخص لا تناط بالمعاصى فان كان فيهم متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة فله الترخص لجواز الانهزام له ولو انهزم الكفار واتبع المسلمون اقفيتهم ولو اكملوا الصلاة وثبتوا لفاتهم العدو فليس لهم صلاة شدة الخوف لانهم لا يخافون محذورا بل غاية الامر فوات مطلوب والرخص لا يتعدى بها مواضعها فلو خافوا كمينا أو كرة كان لهم ان يصلوها (الثالثة) الرخصة في الباب لا تتعلق بخصوص القتال بل تتعلق بعموم الخوف فلو هرب من حريق يغشاه أو من سيل منحدر إلي موضعه ولم يجد في عرض الوادي ما يقدر علي اللبث فيه والصعود فغدا في طوله أو هرب من سبع قصده فله أن يصليها لانه خائف من الهلاك والمديون المعسر إذا عجز عن بينة الاعسار ولم يصدقه المستحق ولو ظفر به لحبسه كان له أن يصليها هاربا دفعا لضرر الحبس ويجوز ان يعلم قوله والمطالب بالدين بالواو لان الحناطى حكي عن الامام انه لو طلب رجل لا ليقتل لكن ليحبس أو يؤخذ منه شئ لا يصلي صلاة الخوف وغاية المحذور ههنا هو الحبس ولو كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغليل وانطفأ الغضب فقد جوز الاصحاب ان له ان يهرب وقالوا له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هربه واستبعد الامام جواز الهرب من المستحق بهذا التوقع (الرابعة) المحرم إذا ضاق وقت وقوفه بعرفة وخاف فوت الحج لو صلى متمكنا ما الذى يفعل حكي الشيخ أبو محمد عن القفال فيه وجهان (أحدهما) أنه يؤخر الصلاة فان
[ ٤ / ٦٤٩ ]
قضاءها هين وأمر الحج خطير وقضاؤه عسير (والثانى) أنه يقيمها كما تقدم في شدة الخوف ويحتمل فيها العذر لان الحج في حق المحرم كالشئ الحاصل والفوات طارئ عليه فاشبه ما لو خاف هلاك مال حاصل لو لم يهرب ولان الضرر الذى يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أياما في حق المديون (والثالث) أنه تلزمه الصلاة على سبيل التمكن والاستقرار لان الصلاة تلو الايمان ولا سبيل إلى اخلاء الوقت عنها لعظم حرمتها ولا سبيل الي اقامتها كما تقام في شدة الخوف لانه لا يخاف فوت حاصل ههنا فاشبه فوت العدو عند انهزامهم ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الائمة والله أعلم وقوله قيل يصلى مسرعا في مشيه هو الوجه الثاني وقوله وقيل لا يجوز ذلك يمكن ادراج الاول والثالث فيه * قال (ولو رأى سوادا فظنه عدوا ففي وجوب القضاء قولان ومهما فاجأه في أثناء صلاته خوف فبادر الي الركوب وكان يقدر علي اتمام الصلاة راجلا فأخذ بالحزم لم يصح بناء الصلاة ولو انقطع الخوف فنزل واتم الصلاة صح وإذا أرهقه الخوف فركب وقل فعله جاز البناء ولو كثر الفعل مع الحاجة فوجهان كما في الضربات المتوالية) *
[ ٤ / ٦٥٠ ]
في الفصل مسألتان (احداهما) لو رأوا سوادا أو ابلا أو اشجارا فظنوها عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف ثم تبين الحال ففي وجوب القضاء قولان (اصحهما) وهو قوله في الام وبه قال أبو حنيفة أنه يجب لانه ترك في صلاته فروضا بسبب هو مخطي فيه فيقضى كما لو اخطأ في الطهارة (والثاني) نقله المزني عن الاملاء انه لا يجب لقيام الخوف عند الصلاة وهو أصح عند صاحب المهذب والجمهور علي ترجيح الاول ثم اختلفوا في محل القولين فمنهم من قال القولان فيما إذا كانوا في دار الحرب لغلبة الخوف والعدو فيها فاما إذا كانوا في دار الاسلام وجب القضاء لا محالة وحكى هذا الفرق صاحب التهذيب عن نصه في القديم وأصحاب هاتين الطريقتين نسبوا المزني إلي السهو فيما أطلقه عن الاملاء وادعت كل فرقة أنه إنما نفى الاعادة في الاملاء بالشرط المذكور ومن الاصحاب من عمم القولين في الاحوال وهذا أظهر وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب ويجوز أن يعلم قوله قولان
بالواو إشارة الي الطريقتين الاولتين ولو تحققوا العدو فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه كان
[ ٤ / ٦٥١ ]
دونهم حائل من خندق أو نار أو ماء أو بان أنه كان بقربهم حصن يمكنهم التحصن به أو ظنوا أن بازاء كل مسلم اكثر من مشركين فصلوها منهزمين ثم بان خلافه فحيث أجرينا القولين في الصورة السابقة نجريهما أيضا في هذه الصورة ونظائرها ومنهم من قطع بوجوب القضاء ههنا لانهم قصروا بترك البحث عما بين أيديهم قال في التهذيب ولو صلوا في هذه الاحوال صلاة عسفان اطرد القولان ولو صلوا صلاة ذات الرقاع فان جوزناها في حال الامن فههنا أولي والاجرى القولان (الثانية) لو كان يصلي متمكنا علي الارض متوجها الي القبلة فحدث خوف في أثناء صلاته فركب نص الشافعي ﵁ علي انه تبطل صلاته وعليه أن يستأنف ونقل عن نصه في موضع آخر انه يبنى على صلاته واختلفوا فيهما علي طريقتين حكاهما أصحابنا العراقيون (احدهما) ان المسألة على قولين (احدهما) ان الركوب يبطل الصلاة لانه عمل كثير (والثاني) لا يبطلها لان العمل الكثير بعذر شدة الخوف لا يقدح (واظهرهما) وبه قال ابن سريج وابو اسحق ان النصين محمولان علي حالين حيث قال يستأنف الصلاة أراد ما لم يكن مضطرا إلى الركوب وكان يقدر على القتال واتمام الصلاة راجلا فركب احتياطا وأخذا بالحزم وحيث قال يبنى اراد ما إذا صار مضطرا الي الركوب ثم قال
[ ٤ / ٦٥٢ ]
هؤلاء إذا قل فعله في الركوب لحذقه بنى بلا خلاف وان كثر فعله ففيه الوجهان المذكوران في العمل الكثير للحاجة والمذكور في الكتاب هو الطريق الثاني فقوله ومهما فاجأه في أثناء الصلاة خوف عبارة عن الحالة الاولي وقوله وان ارهقه الخوف فركب عبارة عن الحالة الثانية وحينئذ لا يخفي ان قوله لم يصح بناء الصلاة وقوله جاز البناء ينبغى ان يعلما بالواو اشارة إلى الطريقة الاولى وقد أدخل بين الكلامين صورة وهى عكس هذه المسألة وهى أنه لو كان يصلي راكبا في شدة الخوف فانقطع الخوف نص الشافعي ﵁ علي أنه ينزل ويبني علي صلاته وفرق بينه وبين الركوب على قوله بانه إذا ركب استأنف بان قال النزول اخف وأقل عملا من الركوب واعترض
المزني عليه بأن هذا لا ينضبط وقد يكون الفارس أخف ركوبا وأقل شغلا لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس واختلف الاصحاب في الجواز بحسب اختلافهم في الركوب فمن أثبت الخلاف في الركوب علي الاطلاق فرق بين الركوب علي أحد القولين وبين النزول بان قال نزول كل فارس اخف من ركوبه وإن امكن أن يكون أثقل من ركوب فارس آخر ومن نزل النصين في الركوب علي الحالين المذكورين قال لا فرق بين الركوب والنزول ان حصلا بفعل قليل بني وان كثر الفعل فوجهان وتبين من هذا الحاجة إلى أعلام قوله فنزول واتم الصلاة صح بالواو لانه مطلق وفى الصحة عند كثرة الفعل اختلاف وذكر صاحب الشامل وغيره أنه يشترط في بناء النازل أن لا يستدبر القبلة في نزوله فان استدبر بطلت صلاته والله اعلم * قال (ويجوز لبس الحرير وجلد الكلب والخنزير عند مفاجأة القتال ولا يجوز في حالة
[ ٤ / ٦٥٣ ]
الاختيار بخلاف الثياب النجسة ويجوز تسميد الارض بالزبل لعموم الحاجة وفى لبس جلد الشاة الميتة وتجليل الخيل بجل من جلد الكلب وجهان وفى الاستصباح بالزيت النجس قولان) * ختم الشافعي ﵁ صلاة الخوف بباب فيما له لبسه وفيما ليس له فاقتدى الاكثرون من الاصحاب به وأوردوا احكام الملابس في هذا الموضع ومنهم من أوردها في صلاة العيد لانا نستحب التزين يوم العيد فتكلموا في التزين الجائز والذى لا يجوز وصاحب الكتاب أورد بعضها ههنا في صلاة العيد والمذكور ههنا يشتمل علي مسألتين (أحداهما) سنذكر أن لبس الحرير حرام علي الرجال لكن يجوز لبسه في حالة مفاجأة القتال إذا لم يجد غيره وذلك في حكم الضرورة وكذلك يجوز ان يلبس منه ما هو جنة القتال كالديباج الصفيق الذى لا يقوم غيره مقامه وجوز القاضي ابن كج اتخاذ القباء ونحوه مما يصلح في الحرب من الحرير ولبسه فيها علي الاطلاق لما فيه من حسن الهيئة وزينة الاسلام لينكسر قلب الكفار منه كتحلية السيف ونحوه والمشهور الاول وقوله ولا يجوز في حالة الاختيار مطلق لكن احوالا يجوز فيهما لبس الحرير في حال الاختيار
مستثناة عنه على ما سيأتي في صلاة العيد الثانية للشافعي ﵁ نصوص مختلفة في جواز استعمال الاعيان النجسة وحكى صاحب التهذيب وغيره فيها طريقتين منهم من طرد قولين في وجوه الاستعمال كلها (أحدها) المنع لقوله تعالي (والرجز فاهجر) (والثانى) يجوز كما يجوز لبس ثوب أصابه نجاسة ومنهم من فصل وقال لا يجوز استعمال النجاسات في البدن والثوب الا لضرورة
[ ٤ / ٦٥٤ ]
وفى غيرها يجوز ان كانت النجاسة مخففة وان كانت مغلظة وهى نجاسة الكلب والخنزير فلا ونزلوا النصوص علي هذا التفصيل وهذا أظهر وبه قال أبو بكر الفارسى والقفال واصحابه والفرق بين استعمالها في البدن والثوب وغيرهما ما ذكره الشافعي ﵁ وهو أن علي الانسان تعبدا في اجتناب النجاسات لاقامة الصلوات وسائر العبادات ولا تعبد علي الفرس والاداة وغيرهما فلا يمنع من استعمالها فيها والفرق بين نجاسة الكلب والخنزير وسائر النجاسات غلظ حكمها ولذلك لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته أصلا وبالكلب أيضا إلا في اغراض مخصوصة فاولي أن لا يجوز الانتفاع بهما بعد الموت إذا تقرر ذلك فنقول: لا يجوز له لبس جلد الكلب والخنزير في حالة الاختيار بخلاف الثياب النجسة يجوز لبسها والانتفاع بها في غير الصلاة ونحوها لان نجاستها عارضة سهلة الازالة فان فاجأه قتال ولم يجد سواه أو خاف علي نفسه من حر أو برد كان له أن يلبس جلد الكلب والخنزير كما له أكل الميتة عند الاضطرار ولا بأس لو أعلم قوله ولا يجوز في حالة الاختيار بالواو إشارة إلي الطريقة الطاردة للقولين في وجوه الاستعمال في جميع النجاسات وهل يجوز لبس جلد الشاة الميتة وسائر الميتات في حالة الاختيار فيه وجهان بنوهما علي ان حكمنا بتحريم لبس جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أم لما خصا به من التغليظ (واظهر) الوجهين المنع ويجوز أن يلبس هذه الجلود فرسه واداته والمنع في البدن وجلد الكلب والخنزير كما لا يستعمل في البدن لا يستعمل في غيره نعم لو جلل كلبا أو خنزيرا بجلد كلب أو خنزير فهل يجوز ذلك فيه وجهان (أحدهما) لا فانه المستعمل ولا ضرورة (واظهرهما) الجواز لاستوائهما في تغلظ النجاسات وأما تسميد الارض بالزبل فهو جائز قال الامام ولم يمنع منه للحاجة الحاقه القريبة من الضرورة وقد نقله الاثبات عن اصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وفى كلام الصيدلاني ما يقتضي
من استعمالها فيها والفرق بين نجاسة الكلب والخنزير وسائر النجاسات غلظ حكمها ولذلك لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته أصلا وبالكلب أيضا إلا في اغراض مخصوصة فاولي أن لا يجوز الانتفاع بهما بعد الموت إذا تقرر ذلك فنقول: لا يجوز له لبس جلد الكلب والخنزير في حالة الاختيار بخلاف الثياب النجسة يجوز لبسها والانتفاع بها في غير الصلاة ونحوها لان نجاستها عارضة سهلة الازالة فان فاجأه قتال ولم يجد سواه أو خاف علي نفسه من حر أو برد كان له أن يلبس جلد الكلب والخنزير كما له أكل الميتة عند الاضطرار ولا بأس لو أعلم قوله ولا يجوز في حالة الاختيار بالواو إشارة إلي الطريقة الطاردة للقولين في وجوه الاستعمال في جميع النجاسات وهل يجوز لبس جلد الشاة الميتة وسائر الميتات في حالة الاختيار فيه وجهان بنوهما علي ان حكمنا بتحريم لبس جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أم لما خصا به من التغليظ (واظهر) الوجهين المنع ويجوز أن يلبس هذه الجلود فرسه واداته والمنع في البدن وجلد الكلب والخنزير كما لا يستعمل في البدن لا يستعمل في غيره نعم لو جلل كلبا أو خنزيرا بجلد كلب أو خنزير فهل يجوز ذلك فيه وجهان (أحدهما) لا فانه المستعمل ولا ضرورة (واظهرهما) الجواز لاستوائهما في تغلظ النجاسات وأما تسميد الارض بالزبل فهو جائز قال الامام ولم يمنع منه للحاجة الحاقه القريبة من الضرورة وقد نقله الاثبات عن اصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وفى كلام الصيدلاني ما يقتضي اثبات خلاف فيه والله اعلم وهل يجوز الاستصباح بالزيت النجس فيه قولان (احدهما) لا لان
[ ٤ / ٦٥٥ ]
السراج قد يقرب من الانسان ويصيب الدخان بدنه وثيابه (وأظهرهما) نعم لما روى أنه صلي الله عليه وسلم " سئل عن الفأرة تقع في السمن والودك فقال استصبحوا به ولا تأكلوه " وأما الدخان فقد لا يصيب وبتقدير أن يصيب فللاصحاب وجهان في نجاسته فان لم نحكم بنجاسته فلا بأس به
[ ٤ / ٦٥٦ ]
كبخار المعدة لا ينجس الفم وان حكمنا بنجاسته وهو الاظهر كالرماد فقليله معفو عنه والذى يصيب في الاستصباح قليل لا ينجس غالبا (واعلم) انه لا فرق للاستصباح بين ان ينجس بعارض وبين أن يكون نجس العين كودك الميتة ويطرد القولان في الحالتين قاله صاحب النهاية وغيره *
[ ٤ / ٦٥٧ ]
فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٥
فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٥
[ ٥ / ٢١٧٠ ]
فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ..الجزء الخامس دار الفكر بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٥ / ١ ]
قال * (كتاب صلاة العيدين) * (وهى سنة وليست بفرض كفاية وأقلها ركعتان كسائر الصلوات ووقتها ما بين طلوع الشمس إلى روالها ولا يشترط فيها شروط الجمعة في الجديد) قال الله تعالي (فصل لربك وانحر) قيل اراد به صلاة الاضحى ويروى ان اول عيد صلى فيه رسول
[ ٥ / ٢ ]
الله صلي الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ثم لم يزل يواظب علي صلاة العيدين حتى فارق الدنيا) وفي الفصل صور هي مقدمات الباب (أحداها) صلاة العيد سنة أم فرض كفاية اختلفوا
[ ٥ / ٣ ]
فيه علي وجهين قال الاكثرون هي سنة وقد نص عليه في باب صلاة التطوع حيث عدها من جملة التطوعات الني شرعت الجماعة فيها واحتجوا عليه بانها صلاة ذات ركوع وسجود لم يسن لها الآذان فلا تكون واجبة كصلاة الاستسقاء وهذا الوجه هو الذى ذكره في الكتاب وقال الاصطخرى هي فرض كفاية وبه قال احمد لانها من شعار الاسلام وفي تركها تهاون بالدين فعلي هذا لو اتفق أهل بلدة علي تركها قوتلوا وعلي الوجه الاول هل يقاتلون فيه وجهان (احدهما) وبه قال أبو اسحاق نعم (واظهرهما) لا وقد ذكرنا وجههما في الآذان وقوله هي سنة معلم بالواو والالف وكذا قوله وليست بفرض كفاية ولو اقتصر على احدى الفظتين لحصل الغرض ويجوز ان يعلم قوله وهي سنة بالحاء ايضا لان عند ابى حنيفة رحمه
[ ٥ / ٤ ]
الله هي واجبة وان لم تكن مفروضة وما نقل المزني عن الشافعي ﵁ أن من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين فهذه اللفظة مأولة باتفاق الاصحاب اما الجمهور فقالوا معناه من وجب عليه حضور الجمعة فرضا وجب عليه حضور العيدين سنة وقد يعبر عن الاستحباب المؤكد بالوجوب واما الا صطخرى فانه قال معناه من وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيدين كفاية (الثانية) القول في كيفية هذه الصلاة تعلق بالاكمل والاقل * فاما الاكمل فتبين ببيان سننها وهى مذكورة
[ ٥ / ٥ ]
من بعد * واما الاقل فقد قال وأقلها ركعتان كسائر الصلوات وليس المراد منه ان الاكمل فوق الركعتين وانما المراد منه ان الركعتين بصفة كونها كسائر الصلوات هو الاقل والاكمل ركعتان لا بهذه الصفة بل مع خواص شرعت فيهما ثم قوله كسائر الصلوات غير مجرى على اطلاقه فانها تختص بنية صلاة العيد
[ ٥ / ٦ ]
وبالوقت الذى نذكره وانما المراد أنها كهي في الافعال والاركان ويخرج عنه التكبيرات الزائدة فليست هي من اركان الصلاة ولا يجبر تركها بالسجود كالتعوذ وقراءة السورة (الثالثة) لفظ الكتاب يقتضي دخول وقت هذه الصلاة بطلوع الشمس فانه قال ووقتها ما بين طلوع الشمس الي زوالها وصرح بذلك كثير من الاصحاب منهم صاحب الشامل والمهذب والقاضى الروياني قالوا ان وقتها إذا طلعت الشمس
[ ٥ / ٧ ]
ويستحب تأخيرها إلى ان ترتفع قيد رمح وايراد جماعة يقتضى دخول الوقف بالا رتفاع قيد رمح منهم الصيد لانى وصاحب التهذيب والله اعلم * ولا خلاف في انه إذا زالت الشمس خرج وقتها * واحتجوا عليه بان سنى المواقيت علي انه إذا دخل وقت صلاة خرج وقت التى قبلها وبالزوال يدخل وقت الظهر فيخرج وقت
[ ٥ / ٨ ]
صلاة العيد (الرابعة) قال الشافعي ﵁ في المختصر وسائر الكتب الجديدة يجوز للمنفرد في بيته وللمسافر والمرأة والعبد صلاة العيد وقال في القديم لا يصلي العيد الا في الموضع الذى يصلى فيه
الجمعة فظاهره يقتضي أن لا يصلي هؤلاء العيد كما لا يصلون الجمعة الا تبعا للقوم واختلف الا صحاب على طريقين (أحدهما) وهو المذكور في الكتاب أن المسألة على قولين (الجديد) أنه لا يشترط فيها بشروط الجمعة لانها نافلة فاشبهت صلاة الاستسقاء والخسوف (والقديم) يشترط وبه قال أبو حنيفة وكذلك احمد في رواية واستشهدوا بان النبي صلي الله عليه وسلم (لم يصل العيد بمنى لانه كان مسافرا كما لم يصل الجمعة) فعلى هذا تشترط الجماعة والعدد بصفات الكمال وغيرهما الا انه يستثنى اقامتها في خطة البلدة والقرية فلا يشترط ذلك علي هذا القول ايضا لتطابق الناس علي اقامتها بارزين كذلك ذكره الشيخ أبو حامد وكثيرون وعن الشيخ ابى محمد انه لا يستثنى ولا يجوز اقامتها علي هذا القول الا حيث تجوز الجمعة وهذا هو الموافق لظاهر لفظ الكتاب واستثنى بعضهم عدد الاربعين ايضا ويفترقان ايضا في
[ ٥ / ٩ ]
ان خطبتي الجمعة مشروطتان قبل الصلاة وخطبتا العيد بعد الصلاة قال امام الحرمين ولو فرض اخلال بالخطبة فيبعد جدا في التفريع على هذا القول انعطاف البطلان على الصلاة هذا احد الطريقين (والثاني) وبه قال أبو اسحاق القطع بما ذكر في الجديد وحمل كلامه في القديم علي ان صلاة العيد لا تقام في مساجد المحال كصلاة الجمعة فيجوز أن يعلم لهذه الطريقة قوله على الجديد بالواو لانه اثبات للخلاف ومن قال بالطريقة الثانية نفى ذلك وقوله ولا يشترط معلم بالحاء والالف لما تقدم وإذا فرعنا علي الصحيح فإذا صلاها المنفرد لم يخطب وحكي الفاضى ابن كج وجها آخر انه يخطب وهو قريب من الخلاف في ان المنفرد هل يؤذن وان صلي مسافرون صلي بهم واحد وخطب
[ ٥ / ١٠ ]
قال (وإذا غربت الشمس ليلة العيد ين استحب التكبيرات المرسلة ثلاثا نسقا حيث كان في الطريق وغيرها إلى ان يتحرم الامام بالصلاة وفي استحبابها عقيب الصلوات الثلاث وجهان) * التكبير الذى يذكر في هذا الباب ضربان (احدهما) ما يشرع في الصلاة والخطبة وسيأتي في موضعه (والثاني) غيره والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثا نسقا وبه قال مالك خلافا لابي حنيفة واحمد حيث قالا يكبر مرتين وحكى صاحب التتمة قولا عن القديم مثل مذهبهما * لنا الرواية عن جابر وابن
عباس ﵃ وأيضا فانه تكبير شرع شعارا للعيد فكان وترا كتكبير الصلاة ثم قال الشافعي
[ ٥ / ١١ ]
﵁ وما زاد من ذكر الله محسن واستحسن في الام ان تكون زيادته ما نقل عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قاله علي الصفا وهو (الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة واصيلا لا اله الا الله ولا نعبد الا اياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا اله الا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده لا اله الا الله والله اكبر) وحكي الصيدلانى وغيره عن القديم أنه يقول بعد الثلاث الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا الله اكبر على ما هدانا والحمد لله
[ ٥ / ١٢ ]
علي ما أبلانا وأولانا قال في الشامل والذى يقوله الناس لا بأس به أيضا وهو (الله اكبر الله اكبر) الله اكبر لا اله الا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد ثم هدا الضرب (نوعان) مرسل ومقيد (فالمرسل) هو الذى لا يتقيد ببعض الاحوال بل يؤتي به في المنازل والمساجد والطرق ليلا ونهارا (والمقيد) هو الذى يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة (فاما) التكبير المرسل فهو مشروع في العيدين خلافا لا بى حنيفة ﵀ حيث قال في رواية لا يسن في عيد الفطر لنا ما روى (أن النبي صلي الله عليه وسلم
[ ٥ / ١٣ ]
وسلم كان يخرج يوم الفطر والاضحى رافعا صوته بالتهليل والتكبير حيث يأتي المصلي وأول وقته في العيدين جميعا غروب الشمس ليلة العيد وعن مالك واحمد انه لا يكبر ليلة العيد وانما يكبر في يومه * لنا قوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) قال الشافعي سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول (لتكملوا العدة) أي عدة صوم رمضان (ولتكبروا الله علي ما هداكم) أي عند اكمالها واكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وفي آخر وقته طريقان (أظهرها) وبه قال ابن سريج وابو إسحاق أن المسألة علي ثلاثة أقوال (أصحها) وهو رواية البويطي واختيار المزني أنهم يكبرون الي أن يتحرم الامام بصلاة العيد لان الكلام يباح الي تلك الغاية والتكبير أولي ما يقع به الاشتغال به فانه ذكر الله تعالي وشعار اليوم (والثانى) إلى أن يخرج الامام الي الصلاة لانه إذا برز احتاج
الناس إلى أن يأخذوا اهبة الصلاة ويشتغلوا بالقيام إليها ويحكي هذا عن الام (والثالث) الي أن
[ ٥ / ١٤ ]
يفرغ الامام من الصلاة لما روى (أنه ﷺ كان يكبر في العيد حتى يأتي المصلي ويقضى الصلاة) وهذا القول منقول عن القديم وانما يحبئ في حق من الا يصلى مع الامام ونقله آخرون علي وجه آخر فقالوا إلى أن يقرغ من الصلاة والخطبتين جميعا وروى مثل ذلك عن مالك
[ ٥ / ١٥ ]
واحمد (والطريق الثاني) القطع بالقول الاول وتأويل غيره بحمل الخروج في القول الثاني على
[ ٥ / ١٦ ]
التحرم لما بينهما من التواصل والتقارب وحمل الكبير في الثالث علي جنس التكبير الذى يؤتى به في الصلاة وقبلها ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والاضحى برفع الناس أصواتهم به في الليلتين في المنازل والمساجد والطرق والاسواق سفرا كانوا أو حاضرين وفي اليومين في طريق المصلي وبالمصلي إلى الغاية المذكورة ويستثنى عن ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الاضحى وانما ذكره التلبية وحكى القاضي الروياني وغيره قولين في أن التكبير ليلة الفطر آكد أم ليلة الاضحى وقالوا الجديد الاول والقديم الثاني وأما النوع الثاني وهو التكبير المقيد بادبار الصلاة فحكمه في عيد الاضحى مذكور بعد هذا الفصل في الكتاب (وأما) في عيد الفطر فوجهان (أظهر هما) عند الاكثرين ولم يذكر في التهذيب سواه انه لا يستحب لانه لم ينقل ذلك عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا اصحابه (والثاني) يستحب لانه عيد استحب فيه الكببر المطلق فيسن فيه التكببر المقيد كلاضحى فعلى هذا يكبر عقيب ثلاث صلوات وهى المغرب والعشاء ليلة الفطر والصبح يوم الفطر وحكم الفوائت
[ ٥ / ١٧ ]
والنوافل في هذه المدة علي هذا الوجه تقاس بما سنذكره في عيد الاضحى وصاحب التتمة نقل هذا الخلاف قولين وجعل الجديد الاول والقديم الثاني هذا فقه الفصل ولا بأس بالتنصيص علي المواضع المستحقة للعلامات من لفظ الكتاب (فقوله) إذا غربت الشمس معلم بالميم والالف اشارة الي أنه لا تكبير
عندهما إذا غربت الشمس وانما التكبير بالنهار (وقوله) ليلة العيد بالحاء لانه مطلق وقد حكينا خلافه في التكبير في عيد الفطر (وقوله) ثلاثا نسقا بالحاء والالف والواو وقوله الي ان يتحرم الامام بالصلاة بالميم والالف والواو ثم يجوز أن يكون هو جوابا علي أصح الاقوال علي الطريقة الاولي ويجوز أن يكون ذهابا الي الطريقة الثانية وكلامه في الوسيط إليها أميل
[ ٥ / ١٨ ]
قال (ويستحب أحياء ليلي العيد لقوله صلي الله عليه وسلم (من أحى ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب *
[ ٥ / ١٩ ]
أحياء ليلتى العيد بالعبادة محثوث عليه للحديث الذى رواه قال الصيدلانى وقد قيل لم يرد فيه شئ من الفضائل مثل هذا لان موت القلب اما للكفر في الدنيا واما للفزع في القيامة وما اضيف الي القلب فهو أعظم لقوله تعالى جده (فانه آثم قلبه) والله اعلم * قال (ويستحب الغسل بعد طلوع الفجر وفي اجزائه ليلة العيد لحاجة أهل السواد وجهان) * روى عن النبي صلي الله عليه وسلم انه (كان يغتسل للعيدين) وأيضا فهما يومان
[ ٥ / ٢٠ ]
يجتمع فيها الكافة للصلاة فسن لهما الغسل كالجمعة ولا خلاف في أجزائه بعد الفجر وأما قبله فقد حكي الجمهور فيه قولين (أحدهما) لا يجزئ كغسل الجمعة وبه قال احمد (وأصحهما) وهو نصه في البويطي أنه يجزئ لان أهل السواد يبتكرون إليها من قراهم فلو لم يجز الغسل قبل الفجر لعسر الامر عليهم والفرق بينه وبين غسل الجمعة قد ذكرناه في باب الجمعة والصيد لانى في آخرين حكوا الخلاف في المسألة وجهين وتابعهم صاحب الكتاب وقد أورد هذه المسألة في كتاب الجمعة مرة وزاد
[ ٥ / ٢١ ]
ههنا التنبيه علي وجه الجواز وإذا جوزنا فهل يختص بالنصف الثاني من الليل كاذان الصبح أم يجوز في جميع الليل كنية الصوم عن القاضى أبى الطيب أنه يختص بالنصف الثاني وهذا ما ذكره في
المهذب وقال الامام المحفوظ أن جميع ليلة العيد وقت له وهذا أبداه صاحب الشامل علي سبيل الاحتمال وهو الموافق للفط الكتاب
[ ٥ / ٢٢ ]
قال (ثم التطيب والتزين بثياب بيض مستحب للقاعد والخارج من الرجال والنساء وأما العجائز فيخرجن في بذلة الثياب) * يستحب التطيب يوم العيد لما روى عن الحسن بن علي كرم الله وجههما قال (أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نتطيب بأجود ما نجده في العيد) وكذلك
[ ٥ / ٢٣ ]
يستحب التنظف بحلق الشعر وقلم الاظفار وقطع الروائح الكريهة وأن يلبس أحسن ما يجده من الثياب ويتعمم والبيض في الثياب أحب من غيرها وان لم يجد الا ثوبا واحدا فيستحب أن يغسله للجمعة وللعيدين ويستوى في استحباب جميع ذلك القاعد في بيته والخارج إلى الصلاة العيد كما ذكرناه في الغسل هذا في حق الرجال * وأما النساء فيكره لذوات الهيئة والجمال الحضور
[ ٥ / ٢٤ ]
لخوف الفتنة بهن ويستحب للعجائز الحضور ويتنظفن بالماء ولا يتطيبن روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات) أي غير متطيبات وكذلك إذا خرجن فلا يلبسن من الثياب ما يشهرهن بل يخرجن في بذلتهن وعن ابى حنيفة ﵀ أن
[ ٥ / ٢٥ ]
النساء لا يشهدن العيدين ولا المكتوبات الا الصبح والعشاء فليكن قوله فيخرجن معلما بالحاء وذكر الصيدلانى أن الرخصة في خروجهن وردت في ذلك الوقت فاما اليوم فيكره لهن الخروج إلى
[ ٥ / ٢٦ ]
مجمع المسلمين لان الناس قد تغيروا وروي هذا المعنى عن عاشة ﵂ وهذا يقتضى اعلام قوله فيخرجن بالواو أيضا *
قال (ويحرم علي الرجال التزين بالحرير والمركب من الابريسم وغيره حرام ان كان الابريسم
[ ٥ / ٢٧ ]
ظاهرا وغالبا في الوزن فان وجد احد المعنين دون الثاني فوجهان ولا بأس بالمطرف بالديباج وبالمطرز وبالمحشو بالابريسم فان كانت البطانة من حرير لم يجز وفي جواز افتراش الحرير للنساء خلاف وفي جواز لبس الديباج للصبيان خلاف ويجوز للغازي لبس الحرير وكذا للمسافر لخوف القمل والحكة وهل يجوز بمجرد الحكة فيه في الحضر وجهان) * والتزين بالديباج والحرير حرام على الرجال دون النساء لما روى عن علي ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم وآله و(خرج يوما وفى يمينه قطعة حرير وفي شماله قطعة ذهب فقال هذان حرامان علي ذكور أمتى حل لاناثها) ويحرم علي الخنثي أيضا لاحتمال كونه رجلا حكاه في البيان ويجوز ان ينازع
[ ٥ / ٢٨ ]
فيه وعد الائمة القز من الحرير وحرموه على الرجال وان كان كمد اللون وادعي صاحب النهاية وفاق الاصحاب فيه لكن في بحر المذهب والتتمة حكاية وجه انه لا يحرم لانه ليس من ثياب الزينة ثم في الفصل مسائل (احداها) لو لم يتمحض الثوب حريرا بل كان مركبا من الابريسم وغيره ففيه طريقان قال جمهور الاصحاب ان كان ذلك الغير أكثير في الوزن لم يحرم لبسه وذلك كالخز سداه الابريسم ولحمته صوف فان اللحمة اكثر من السدى وان كان الابريسم اكثر يحرم وان كانا نصفين فهل يحرم وجهان (أصحهما) لا يحرم لانه لا يسمى ثوب حرير والاصل الحل (والثاني) وبه قال صاحب الحاوى يحرم تغليبا للتحريم (والطريق الثاني) وبه قال القفال وطائفة من أصحابه لا ننظر الي الكثرة والقلة ولكن ننظر الي الظهور فان لم يظهر الابريسم حل كالخز الذى سداه ابريسم وهو لا يظهر وان ظهر الا بريسم لم يحل وان كان قدره في الوزن اقل فيخرج من هاتين الطريقتين القطع بالتحريم ان كان الابريسم ظاهرا وغالبا في الوزن كما ذكر في الكتاب لاجتماع المعنيين المنظور اليهما وان وجد الظهور دون غلبة الوزن حرم عند القفال ولم يحرم عند الجمهور وان وجد غلبة الوزن
[ ٥ / ٢٩ ]
دون الظهور انعكس المذهبان (الثانية) يجوز لبس الثياب المطرفة بالديباج والمطرزة به لما روى انه صلي الله عليه وسلم (كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج) قال الشيخ أبو محمد وغيره الشرط فيه الاقتصار على عادة التطريف فان جوز العادة فيه كان سرفا محرما والترقيع
[ ٥ / ٣٠ ]
بالديباج كالتطريز به وشرط في التهذيب ان يكون الطراز بقدر اربع اصابع فما دونها فان زاد لم يجز ويدل عليه ما روى عن علي ﵁ قال " نهى رسول الله ﷺ عن الحرير
[ ٥ / ٣١ ]
إلا في موضع اصبع أو اصبعين أو ثلاث أو اربع) ولو خاط ثوبا بابريسم جاز لبسه ويفارق الذهب يحرم كثيره وقليله في الدرع المنسوجة بالذهب والقباء بازرار الذهب لان الخيلاء فيه
[ ٥ / ٣٢ ]
اكثر وكل احد يعرفه ولا يخرج على التفصيل في الاناء المضبب فان امر الحرير اهون من امر الاواني الا ترى انه يحرم علي النساء الا واني ولا يحرم عليهن لبس الحرير والقباء المحشو بالابريسم أو القز لا يحرم حكي ذلك عن نصه في الام لان الحشو ليس ثوبا منسوجا ولا يعد صاحبه لا بس حرير واثبت في التهذيب خلافا فيه فقال ولو لبس جبة محشوة بالقز أو الابريسم جاز على الاصح فليكن قوله وبالمحشو بالابريسم معلما بالواو لذلك ولو كانت بطانة الجبة من حرير لم يجز لبسها لانه لا بس حرير وقد روى انه صلي الله عليه وسلم قال (احرم لباس الحرير والذهب على ذكور امتى) قال امام الحرمين وكأن معنى الفخر والخيلاء وان كان مرعيا في الحرير ولكن فيه شئ آخر وهو انه ثوب رفاهية وزينة وابداء زى يليق بالنساء دون شهامة الرجال وهذا حسن الا أن هذا القدر لا يقتضى التحريم عند الشافعي ﵁ لانه قال في الام ولا اكره لبس
[ ٥ / ٣٣ ]
اللؤلؤ الا للادب فانه من زى النساء لا للتحريم (الثالثة) تحريم الحرير على الرجال لا يختص باللبس بل اقتراشه والتدثر به واتخاذه سترا وسائر وجوه الاستعمال في معنى اللبس خلافا لابي حنيفة
حيت قال لا يحرم الا للبس ولا بي الفضل العراقي من اصحابنا حيث قال فيما حكاه أبو العاصم العبادي انه يجوز لهم الجلوس عليه لناما روى عن حذيقة ﵁ (نهانا رسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم عن لبس الحرير والديباج وان نجلس عليه) ولان السرف والخيلاء في سائر وجوه الاستعمال اظهر منه في اللبس فيكون بالتحريم اولى وهل يحرم افتراش الحرير على النساء فيه وجهان (احدهما) لا
[ ٥ / ٣٤ ]
كاللبس و(اظهرها) ولم يورد في التهذيب سواه نعم كاستعمال الا وانى للسرف والخيلاء بخلاف اللبس فانه للزينة فصار كالتحلي (الرابعة) هل للقوم الباس الصبيان الحرير ام لا فيه وجهان (احد هما) لا لتغليظ ورد فيه عن عمر ﵁ بل عليهم ان يمنعوهم من لبسه (والثاني) نعم لان ثوب الحرير لائق بحال الصبيان إذ ليس لهم شهامة تناقضها وحكى في البيان وجها ثالثا وهو الفرق بين أن يكون دون سبع سنين فلا يمنع منه وبين ان يكون له سبع سنين فصاعدا فيمنع منه كيلا يعتاده وهذا الوجه اظهر ولم يذكر في التهذيب سواه (الخامسة) حيث قلنا بتحريم لبس الحرير فذلك عند عدم الضرورة والحاجة فاما عند الضرورة فلا بأس بلبسه كما إذا فاجأه القتال ولم يجد غيره وهذا قد سبق ذكره في صلاة الخوف وقوله ويجوز للغازي لبس الحيرير محمول علي هذه الحالة وليس
[ ٥ / ٣٥ ]
الغزو عذرا على الاطلاق فهو اذن مكرر ومن الضرورة لبسه لحر أو برد مهلك واما الحاجة فهو أن يكون به جرب أو حكة فله لبس الحرير لذلك لما روى أنه ﷺ (رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في لبس الحرير لحكة كانت بهما) وفي التنبيه حكاية وجه أنه لا يجوز والمشهور الاول وكذلك يجوز لبسه لدفع القمل لان في بعض الروايات أن ابن الزبير وعبد الرحمن ﵄ شكيا القمل في بعض الاسفار فرخص رسول الله صلى
[ ٥ / ٣٦ ]
الله عليه وسلم لهما في لبس الحرير) وهل يشترط السفر في ذلك أم يجوز لمجرد الحكة في الحضر فيه وجهان أصحهما لا يشترط لاطلاق الخبر (والثانى) نعم لان السفر شاغل عن التفقد والمعالجة
وفي الرواية الثانية ما يقتضي اعتباره في دفع القمل والله أعلم * قال (ثم إذا تزين فليقصد الصحراء ماشيا والصحراء أولا من المسجد الا بمكة وليكن الخروج في عيد الاضحى أسرع قليلا)
[ ٥ / ٣٧ ]
لما تكلم في استحباب التزين لصلاة العيد اعترض النظر في التزين المباح والممنوع منه فعاد بعد الفراغ منه الي ترتيب السنن وقال ثم إذا تزين فليقصد الصحراء والفصل يتضمن أمورا (احدها) أن الخروج لصلاة العيد إلى الصحراء أولي أم اقامتها في المسجد الجامع فيه * أما بمكة فاقامتها في المسجد اولي لان الائمة كانوا يصلون صلاة العيد فيه والمعني فيه فضيلة البقعة ومشاهدة الكعبة وغيرهما وألحق الصيد لاني بيت المقدس به * واما سائر البلاد فينظر ان كان هناك عذر من مطر أو ثلج فاقامتها في المسجد أولي لما روى عن ابى هريرة ﵁ قال
[ ٥ / ٣٨ ]
(أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في السمجد) وان لم يكن عذر نظر ان كان المسجد ضيقا فالخروج إلى الصحراء أولي بل يكره اقامتها في المسجد لو قوع الناس في الزحام وعسر الامر عليهم وان كان المسجد واسعها ففيه وجهان حكهما الامام عن صاحب التقريب (أحدهما) وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب أن اقامتها في الصحراء أولى لان ذلك ارفق بالناس
[ ٥ / ٣٩ ]
فان صلاة العيد يحضرها الداني والقاصى والفرسان والرجالة وكذلك يحضرها النساء الحيض ولا يتأتي لهن دخول المسجد (وأظهرهما) وهو الذى ذكره العراقيون وتابعهم صاحب التهذيب وغيره أن المسجد اولى لشرف المسجد وتسهيل الامر علي الناس عند سعته والحيض ان حضرن وقفن على باب المسجد وفي كلام الائمة ما يفهم بناء هذا التردد علي ان اقامتهم الصلاة بمكة كان لخصوص فضيلة المسجد الحرام أو لسعة الخطة فان قلنا بالثاني فالمسجد أولى في سائر البلاد أيضا وان قلنا
[ ٥ / ٤٠ ]
بالاول فلا * ومهما خرج الامام إلى الصحراء فينبغي أن يستخلف في البلد من يصلى بضعفة الناس كالشيوخ والزمني والمرضي وهذا على الصحيح في أن صلاة العيد لا يشترط فيها شروط الجمعة فان شرطناها ولم نستثن؟ اقامتها خارج البلدة فلا معنى لهذا التفصيل والاختلاف ولا تقام في الصحراء أصلا وان استثنينا هذا الشرط عن الاعتبار امتنع استخلاف من يصلي بالضعفة ولم تقم الا في موضع واحد كالجمعة (والثانى) أن المستحب للساعي إلى صلاة العيد المشى دون الركوب لما روى أن النبي ﷺ (ما ركب في عيد ولا جنازة قط) فان عجز أو ضعف لكبر أو مرض فله أن يركب وأما في الرجوع فان شاء مشى وان شاء ركب والله أعلم (والثالث) أنه يستحب
[ ٥ / ٤١ ]
للامام أن يؤخر الخروج في عيد الفطر قليلا ويعجل في عيد الاضحى لما روى أنه صلي الله عليه وسلم (كتب الي عمرو بن حزم حين ولاه البحرين ان عجل الاضحي وآخر الفظر وذكر الناس) والمعنى فيه أن شغل الناس وهو امر الاضاحي يكون بععد الصلاة فالتعجيل أولى ليشتغلوا به وشغلهم يوم الفطر قبل الصلاة وهو تفريق صدقة الفطر فالتأخير أولي ليفرغوا عنه ويستحب للقوم أن يبتكروا إذا صلوا الصبح ليأخذوا مجالسهم وينتظروا الصلاة إذا عرفت ذلك ونظرت في قوله في الكتاب وليكن الخروج في عيد الاضحي أسرع قليلا وجدت نظم
[ ٥ / ٤٢ ]
الكتاب يقتضي كون هذا الكلام في خروج القوم لانه عقبه بقوله ثم ليخرج الامام لكن الذى قاله الجمهور ودل عليه سياق النص في المختصر أن سنة القوم الابتكار بلا فرق بين العيدين وتعجيل الخروج وتأخيره محبوبان في حق الامام خاصة * قال (ثم ليخرج الامام وليتحرم بالصلاة في الحال والينادى (الصلاة جامعة) * السنة للامام أن لا يخرج الا بعد خروج القوم لثلا يحتاج الي انتظارهم فان انتظارهم اياه أليق
[ ٥ / ٤٣ ]
من انتظاره اياهم وكما يحضر يشتغل بالصلاة لما روى أنه صلي لما روى أنه صلي الله عليه وسلم (كان يخرج في العيد
الي المصلي ولا يبتدئ الا بالصلاة) ويكره للامام ان يتنفل قبلها أو بعدها * روي أن النبي صلي الله عليه وسلم (صلي ركعتي العيد ولم يتنفل قبلها ولا بعدها) ولا يكره للمأموم التنفل لا قبلها ولا بعدها) خلافالا حمد في الحالتين ولمالك كذلك في المصلي وعنه في المسجد روايتان ولا بى حينفة فيما بعدها لنا قياس التنفل في هذا الوقت علي التنفل في سائر الايام ويستحب في عيد الفطر أن
[ ٥ / ٤٤ ]
يطعم شيئا قبل الخروج الي الصثلاة ولا يطعم في عيد الاضحى حتى يرجع رواه أنس وبريدة وغيرهما ﵄ عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم * وأما قوله وليناد الصلاة جامعة فقد سبق مرة في باب الاذان وقد روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ
[ ٥ / ٤٥ ]
وسلم (صلي اخطيب بغير أذان ولا اقامة) وذكر في العدة أنه لو نودى لصلاة العيد حي علي الصلاة فلا بأس بل هو مستحب * قال (وليقرأ أولا دعاء الاستفتاح ويكبر سبع (ح) تكبيرات زائدة (م) في الاولى وخمسا (ح) في الثانية ويقول بين كل تكبيرتين سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ثم يقرأ الفاتحة بعد التكبير والتعوذ ويقرأ سورة ق في الاولي وأقتربت في الثانية ويرفع اليدين (ح) في هذه التكبيرات) ذكر في هذا الفصل الكيفية المخصوصة بصلاة العيد ولا فرق فيها بين الامام وغيره وان كان كلام الكتاب يختص بالامام فنقول: المتحرم بصلاة العيد يستفتح عقيب التحرم كما في سائر الصلوات ويجوز أن يعلم قوله وليقرأ أولا دعاء الاستفتاح بالواو لان صاحب البيان روى عن بعضهم حكاية قول أنه يأتي به بعد التكبيرات الزوائد ثم يكبر في الركعة الاولي سبع تكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح والهوى إلى الركوع وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من السجود والهوى الي الركوع خلافا لا بى حنيفة حيث قال التكبيرات الزائدة في كل ركعة ثلاث ولمالك واحمد رحمهما الله حيث قالا التكبيرات الزوائد في الركعة الاولى ست وبه قال المزني وساعدونا في الركعة الثانية وعن احمد
[ ٥ / ٤٦ ]
رواية أخرى مثل مذهبنا مطلقا * لنا ما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يكبر في الفطر أو لاضحي في الاولي سبعا وفى الثانية خمسا (ويروى أنه (كان يكبر اثنى عشرة تكبيرة سوى تكبيرة
[ ٥ / ٤٧ ]
الافتتاح وتكبيرة الركوع (وإذا عرفت ما نقلناه من المذاهب أعلمت قوله سبع تكبيرات بالحاء وقوله زائدة بالميم والالف والزاى لان عندهم الزائدة ست لا سبع (وقوله) وخمسا بالحاء وحده ويقف بين كل تكبيرتين بقدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة يهلل الله ويكبره ويمجده هذا لفظ الشافعي ﵁ وقد روى نحو ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا) وأيضا فان سائر التكبيرات المشروعة في
[ ٥ / ٤٨ ]
الصلاة يتعقبها ذكر مسنون فكذلك هذه التكبيرات ثم الذى ذكره الاكثرون وأورده في الكتاب أنه يقول (سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر) ولو زاد جاز قال الصيدلاني وعن بعض الاصحاب أنه يقول (لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير) قل ابن الصباغ ولو قال ما اعتاده الناس وهو (الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلي الله علي محمد وسلم تسليما كثيرا كان حسنا أيضا (وقوله) بين كل تكبيرتين مر قوم بالحاء لان عنده يوالى بين التكبيرات ولا يقف وبالميم لان أصحابنا حكوا عن مالك أنه يقف بينهما ولا يذكر شيئا ثم ينبغى أن يعرف أن قوله بين كل تكبيرتين راجع الي التكبيرات الزوائد فلا يأتي بهذا الذكر بين تكبيرة الافتتاح والاولى من الزوائد نص عليه في الام بل يكفى بينهما دعاء الاستفتاح وكذلك لا يأتي به بعد التكبيرة السابعة والخامسة بل يتعوذ بعد السابعة وكذا بعد الخامسة ان قلنا يستحب التعوذ
[ ٥ / ٤٩ ]
في كل ركعة وعن أبى يوسف أنه يتعوذ قبل التكبيرات وذكر الروياني أنه قال قيل أنه مذهب ابى حنيفة ﵀ لنا أن التعوذ لافتتاح القراءة فليكن عقيبها وأشار الصيد لاني إلى تردد في المسألة فقال الاشبه بالمذهب ان التعوذ بعد التكبيرات وقبل القراءة ثم يقرأ الفاتحة كما في سائر
الصلوات وعند أبي حنيفة أن القراءة في الركعة الاولى بعد التكبيرات الزوائد وفي الثانية قبل التكبيرات ويوالى بين القرائتين لنا ما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يكبر في الفطر والاضحى في الاولي سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة) فليعلم قوله بعد التكبير بالحاء لما حكينا من مذهبه وبالالف لان عند احمد رواية مثل مذهبه (والصحيح) عنه مثل مذهبنا ثم يقرأ في الاولى بعد الفاتحة سورة ق وفي الثانية اقتربت الساعة خلافا لا بي حنيفة ﵀ حيث قال ليس بعض السور أولي من بعض ولما لك واحمد رحمهما الله حيث قالا يقرأ في الاولي (سبح اسم ربك) وفي الثانية (هل أتاك حديث الغاشية) لنا ما روي عن أبي واقد الليثى ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يقرأ يوم الفطر والاضحي بق والقرآن المجيد
[ ٥ / ٥٠ ]
واقتربت الساعة ويستحب رفع اليدين في التكبيرات وبه قال أبو حنيفة ويروى ذلك عن فعل عمر ﵁ وقال مالك لا يرفع وإذا شك في عدد التكبيرات أخذ بالاقل ولو كبر ثمان تكبيرات وشك في أنه هل نوى التحرم بواحدة منها فعليه استئناف الصلاة ولو شك في التكبيرة التى نوى التحرم بها أخذ بأنه تحرم بالا خيرة فيعيد التكبيرات ولو صلى خلف من يكبر ثلاثا أو ستا تابعه في فعله ولا يزيد عليه في أصح القولين وعند أبي حنيفة ﵀ لو صلى خلف من يكبر سبعا تابعه وينبغي أن يضع اليمنى علي اليسرى بين كل تكبيرتين وحكى عن العمدة ما يشعر بخلاف في المسألة * قال (ثم يخطب بعد الصلاة كخطبة الجمعة لكن يكبر تسعا قبل الخطبة الاولي وسبعا قبل الثانية علي مثال الركعتين) * إذا فرغ الامام من صلاة العيد صعد المنبر واقبل بوجهه على الناس وسلم وهل يجلس قبل الخطبة فيه وجهان قال أبو اسحق لا بخلاف ما في خطبة الجمعة يجلس قبلها ليؤذن المؤذن ولا اذان
[ ٥ / ٥١ ]
في هذه والاصح المنصوص انه يجلس ليستريح من تعب الصعود ويتأهب الناس للاستماع ثم يخطب
خطبتين اركانهما كار كأنهما في الجمعة يقوم فيهما ويجلس بينهما كما في الجمعة لكن لا يجب القيام ههنا بل يجوز القعود مع القدرة على القيام كما في نفس الصلاة وقد روى (أن النبي ﷺ
[ ٥ / ٥٢ ]
خطب علي راحلته يوم العيد) ويستحب ان يعلمهم في عيد الفطر احكام صدقة الفطر وفي عيد الاضحى احكام الاضحية ويستحب ان يفتتح الخطبة الاولي بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تترى روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵃ انها من السنة ولو ادخل
[ ٥ / ٥٣ ]
بينهما الحمد والتهليل ولا ثناء جاز وذكر بعضم ان كيفيتها ما سبق في التكبيرات المرسلة والمقيدة ويستحب للناس استماع الخطبة ومن حضر والامام يخطب فان كان في المصلى جلس واستمع الخطبة ولم يصل التحية ثم ان شاء صلى صلاة العيد في الصحراء وان شاء صلاها إذا انصرف الي بيته وان كان في المسجد يستحب له التحية ثم قال أبو اسحق ولو صلي صلاة العيد والحالة هذه كان اولى وحصلت التحية كما لو دخل المسجد وعليه مكتوبة يفعلها ويحصل بها لتحية وقال ابن ابى هريرة ويصلى التحية ويؤخر صلاة العيد إلى ما بعد الخطبة فانها تطول فيفوت عليه الاستماع والاول اصح عند الاكثرين * واما ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله ثم يخطب بعد الصلاة كخطبة الجمعة لو حذف
[ ٥ / ٥٤ ]
بعد الصلاة لكان الباقي دالا على الغرض لان كلمة ثم تفيد التراخي وانما اخذ كون هذه الخطبة بعد الصلاة من فعل النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم اجمعين فلو قدمها خطيب اساء وهل يعتد بخطبته فيه احتمال عند امام الحرمين (وقوله) كخطبة الجمعة لكن يكبر تسعا غير مجرى على اطلاقه لانه لم يستدرك الا افتراق الخطبتين في التكبير وهما يفترقان في امور أخر
[ ٥ / ٥٥ ]
(منها) انه لا يجب القيام في خطبة العيد (ومنها) استحباب التعرض لصدقة الفطر والاضحية فيها وقوله علي مثال لركعتين؟ أي إذا حسبنا تكبيرة التحرم والهوى الي الركوع مع الزوائد في الاولى وحسبنا
تكبيرة الانتهاض والهوى إلى الركوع مع الزوائد في الثانية ويجوز ان يريد بقوله على مثال الركعتين انه يجعل التفاوت بين عدد التكبيرات في الخطبة الاولي وعددها في الثانية كالتفاوت بينهما في الركعتين فان فضل التسعة على السبعة كفضل السبعة علي الخمسة * قال (ثم إذا خطب رجع إلى بيته من طريق آخر) روى ان النبي صلي الله عليه وسلم (كان يغدو يوم الفطر والاضحي في طريق ويرجع في طريق) واختلفوا في سببه قيل ليتبرك به أهل الطريقين وقيل ليستفتى فيهما وقيل ليتصدق على فقرائهما وقيل ليزور قبور أقار به فيهما وقيل ليشهد له الطريقان وقيل ليزداد غيظ المنافقين وقيل لئلا تكثر الزحمة وقيل كان يتوخي اطول الطريقين في الذهاب وأقصرهما في الرجوع وهو اظهر المعاني ثم من شاركه من الائمة في المعني استحب له ذلك وفيمن لا يشارك وجهان (قال) أبو اسحق لا يستحب له ذلك (وقال) ابن ابي هريرة يستحب كالرمل والاضطباع يؤمر بهما مع زوال المعنى والي هذا ميل الاكثرين وهو الموافق لاطلاق لفظ الكتاب ويستوى في هذه السنة الامام والقوم نص عليه في المختصر ولم يتعرض في الكتاب الا للامام
[ ٥ / ٥٦ ]
قال (ويستحب في عيد النحر رفع الصوت بالتكبير عقيب خمس عشرة مكتوبة اولها الظهر من يوم العيد وآخرها الصبح آخر ايام التشريق ثم قيل يستحب عقيب كل صلاة تؤدى في هذه الايام وإن كاهن نفلا أو قضاء وقيل لا يستحب الا عقيب الفرض وقيل لا يستحب الا عقيب فرض من فرائض هذه الايام صليت في هذه الايام قضاء وأداء) * سبق الوعد بالكلام في التكبير المقيد في عيد النحر وهو غرض هذا الفصل فنقول أولا لا فرق في هذا التكبير بين المنفرد ومن يصلي جماعة ولا ببن الرجال وبين انساء والمقيم والمسافر وعند أبى حنيفة لا يكبر المنفرد ولا المرأة ولا المسافر ثم الناس ينقسمون إلى الحجيج وغيرهم (اما) الحجيج فيبتدئون التكببر عقيب الظهر يوم النحر ويختمونه عقيب الصبح آخر ايام التشريق قاله العراقيون وغيرهم ووجهوا الابتداء بان ذكر الحجيج التلبية وإنما يبدلونها بالتكبير مع أول حصاة يرمونها
يوم النحر فالظهر أول صلاة ينتهون إليها من وقت قطع التلبية قالوا والختم لان صبح اليوم الثالث آخر صلاة يصلونها بمنى قال الامام ولا شك فيما ذكروه في الابتداء وفي الانتهاء تردد (واما غير الحاج فخلف كم صلاة يكبرون فيه طريقان (أظهرهما) أن المسألة علي أقوال (أصحها) وهو منقول
[ ٥ / ٥٧ ]
عن المزني والبويطى والزعفراني ﵏ أنهم يكبرون عقيب خمس عشرة مكتوبة أولها ظهر يوم النحر وآخرها صبح اليوم الثالث من أيام التشريق كالحجاج وسائر الناس تبع لهم في ذلك ويروى هذا عن عثمان وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت ﵃ (والقول الثاني) أنهم يبتدئون التكببر عقيب المغرب ليلة النحر كما أن في عيد الفطر يبتدئ التكبير عقيب المغرب ولم يبين الانتهاء في هذا النص وحمله الاصحاب على ما ذكر في القول الاول وعلى هذا يكون مكبرا عقيب ثمان عشرة صلاة (والثالث) أنهم يبتدئون عقيب الصبح يوم عرفة ويختمونه عقيب العصر آخر ايام التشريق خلف ثلاث وعشرين صلاة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم وسلم (كبر بعد صلاة الصبح يوم عرفة ومد التكبير إلي العصر آخر أيام التشريق) وبهذا قال احمد واختاره المزني وابن سريج قال الصيد لانى وغيره وعليه العمل في الامصار ولم ينسب ابن الصباغ هذا القول إلى اختيار المزني ولكن قال عنده يكبر من الظهر يوم النحر إلي الظهر من اليوم الثالث (والطريق الثاني) القطع بالقول الاول وحمل ما عداه على حكاية مذهب الغير وقال أبو حنيفة يكبر من الصبح يوم عرفة إلى العصر من يوم
[ ٥ / ٥٨ ]
النحر وهى ثمان صلوات وروى بعض أصحابنا عن مالك مثل القول الاول وروى بعضهم عنه مثل القول الثالث وقوله في الكتاب عقيب خمس عشرة معلم بالحاء والميم والالف والزاى والواو لما حكينا من الاختلافات وجميع ما ذكرناه في وظائف الوقت ولو فاتته فريضة من فرائض صلاة الايام فقضاها في غير هذه الايام لم يكبر عقيها لان التكبير شعار هذه الايام ولو قاتته في غير هذه الايام أو في هذه الايام وقضاها في هذه الايام ففيه قولان (أحدهما) لا يكبر خلفهما لانها غير مؤداة في وقتها (وأصحهما) أنه يكبر لانه شعار الوقت وعلي هذين القولين السنن الرواتب (ومنها) صلاة العيد وكذلك
النوافل المطلقة ومنهم من قطع بانه لا يكبر بعدها لانها ابعد عن مشابهة الفرائض ومنهم من فرق بين المشروع في هذه الايام كالسنن الرواتب وصلاة العيدين وبين مالا يختص بها كالنوافل المطلقة وبنى طائفة من الائمة الاختلاف في هذه الصور كلها على أن المعني في التكبير عقيب وظائف الوقت ماذا وذكروا فيه ثلاثة معان (أحدها) أنها فرائض موادة في وقتها من أيام التكبير (والثاني)
[ ٥ / ٥٩ ]
أنها صلوات مشروعة في أيام التكبير (والثالث) أنها صلوات مفعولة في أيام التكبير ولا يخفى تخريج الاختلافات عليها وإذا سئلت عن مطلق ما يكبر خلفه من الصلوات فقل فيه وجوه (أظهرها) أنه يكبر عقيب كل صلاة مفعولة في هذه الايام (والثاني) لا يكبر إلا عقيب الفرائض منها سواء كانت مؤداة هذه الايام أو فائتتها أو فائتة غيرها (والثالث) لا يكبر إلا عقيب فرائض هذه الايام قضاء كانت أو أداء وهذه الوجوه هي المذكورة في الكتاب وتخرج مما سبق وجه رابع وهو أنه لا يكبر إلا عقيب الفرائض أو السنن الرواتب (وقوله) في العبارة عن الوجه الاول عقيب كل صلاة يشمل صلاة الجنازة أيضا لكن قال في التتمة لا يكبر خلفها لانها بنيت علي التخفيف (وقوله) وان كانت نفلا معلم بالميم والحاء والالف لان عند هم لا يكبر خلف النوافل قال امام الحرمين وجميع ما ذكرناه في التكبير الذى يرفع به الصوت ويجعله شعارا أما لو استغرق عمره بالتكبير في نفسه فلا منع منه ولو نسى التكبير خلف الصلاة ثم تذكر والفصل قريب كبر وإن فارق مصلاه وإن طال الفصل فكذلك في اصح الوجهين والمسبوق لا يكبر مع الامام وإنما يكبر إذا أتم صلاة نفسه والله أعلم * قال (ولو نسى التكبيرات في ركعة فلا يتداركها على الجديد إذا تذكرها بعد القراءة لفوات وقتها) *
[ ٥ / ٦٠ ]
لو نسي التكبيرات الزوائد في احدى ركعتين ثم تذكر نظر إن تذكرها في الركوع أو بعده مضى في صلاته ولم يكبر ولم يسجد للسهو كما لو ترك القعود أو السورة ولو عاد إلى القيام ليكبر بطلت صلاته ولو تذكرها قبل الركوع وبعد القراءة وهذه مسألة الكتاب ففيه قولان (الجديد)
أنه لا يكبر لفوات وقته كما لو نسي دعاء الاستفتاح فتذكر بعد القراءة لا يعيد (والقديم) أنه يكبر وبه قال أبو حنيفة فيما حكاه صاحب البيان لان محله باق وهو القيام وعلى هذا القول لو تذكرها في أثناء الفاتحة قطع القراءة وكبر ثم يستأنف وإذا كبر بعدها يستحب الاستئناف ولا يجب وحكى وجه آخر انه يجب ولو أدرك الامام بعد ما كبر بعض التكبيرات أو في حال قراءته فعلي الجديد لا يكبر ما فاته وعلى القديم يكبر وبه قال أبو حنيفة ﵀ وإذا أدركه وهو راكع يركع معه ولا يكبر قولا واحدا وقال أبو حنيفة ﵀ يكبر تكبيرات العيد في حال الركوع ولو أدركه في الركعة الثانية كبر معه خمسا على الجديد فإذا قام للثانية كبر خمسا أيضا لان سنة الركعة الثانية خمس بلا زيادة
[ ٥ / ٦١ ]
قال (وإذا فاتت صلاة العيد بزوال الشمس فقد قيل لا تقضي وقيل تقضى (ح م) أبدا وقيل لا تقضى الا في الحادى والثلاثين وقيل تقضي في شهر العيد كله واذ شهد الشهود علي الهلال قبل الزوال أفطرنا وصلينا وان شهدوا بعد الغروب يوم الثلاثين لم نصغ إليهم إذ لا فائدة الا ترك صلاة العيد وان شهدوا بين الزوال والغروب أفطرنا وبان فوات صلاة العيد على الاصح ثم قضاؤها في بقية اليوم أولي أو في الحادى والثلاثين فيه خلاف وان شهدوا نهارا وعدلوا ليلا فالعبرة بوقت التعديل أو الشهادة فيه خلاف) مما يجب معرفته في هذا الفصل أصل قدمناه وهو أن في قضاء النوافل المؤقتة قولين ومن جملتها صلاة العيد وأصل آخر وهو أن صلاة العيد هل تنزل منزلة صلاة الجمعة ويعتبر فيها شرائطها أم لا إذا تذكرت ذلك فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان انا رأينا الهلال البارحة وكان ذلك قبل الزوال وقد بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه واقامة الصلاة أفطروا وصلوا وكانت الصلاة اداء وان شهدوا بعد غروب الشمس يوم الثلاثين لم تقبل شهادتهم كما لو
[ ٥ / ٦٢ ]
شهدوا في اليوم الحادى والثلاثين لان شوالا قد دخل يقينا وصوم التلاثين قد تم فلا فائدة في
قبول شهادتهم الا المنع من صلاة العيد فلا يصغى إليها ويصلون من الغد وتكون صلاتهم اداء هكذا نقله الائمة وأطبقوا عليه وفي قوله لا فائدة الا ترك صلاة العيد اشكال فان لا ستهلال الهلال فوائد أخر كوقوع الطلاق والعتق المعلقين علي استهلال شوال واحتساب العدة من انقضاء التاسع والعشرين ونحو ذلك فوجب أن تقبل الشهادة لمثل هذه الفوائد ولعل مراد هم عدم الاصغاء فيما يرجع إلى صلاة العيد وجعلها فائتة لا عدم القبول علي الاطلاق وان أطلقوا ذلك في عباراتهم والله أعلم وان شهدوا بعد الزوال وقبل الغروب أو قبل الزوال بزمان يسير لا يمكن الصلاة فيه فالشهادة مقبولة لتعلق فائدة الافطار بها وهل تفوت الصلاة حكي في النهاية قولا انها لا تفوت ويصلونها غدا اداء لان التردد في الهلال مما يكثر وصلاة العيد من شعائر الاسلام فيقبح ان لا تقام على النعت المعهود في كل سنة فاشبه هذا غلط الحجيج في الوقوف فانه يقام وقوفهم يوم العاشر مقام الوقوف يوم التاسع وظاهر المذهب ولم يذكر الجمهور سواه ان صلاة العيد فائتة لخروج وقتها ثم قضاؤها مبنى على أن النوافل المؤقتة هل تقضى ام لا إن قلنا لا تقضي فلا كلام وان قلنا تقضي
[ ٥ / ٦٣ ]
فيبنى على أنها هل هي بمثابة الجمعة أم لا إن قلنا هي بمثابتها في الشرائط والاحكام لم تقض والا فلهم قضاؤها من الغد وهو الصحيح وقد روى (ان ركبا جاؤا إلى النبي صلي الله عليه وسلم يشهدون انهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم ان يفطروا وإذا اصبحوا ان يغدوا الي مصلاهم) وهل
[ ٥ / ٦٤ ]
لهم ان يصلوها في بقية اليوم وجهان مبنيان على ان اقامتها في الحادى والثلاثين اداء ام قضاء ان قلنا اداء فلا وان قلنا قضاء وهو الصحيح فيجوز ثم هو اولى ام التأخير إلى ضحوة الغد فيه وجهان (أحدهما) ان التأخير اولي لان اجتماع الناس فيها امكن والضحوة بالضحوة اشبه (واصحهما) ان التقديم اولي مبادرة الي القضاء وتقريبا له من وقته وهذا إذا سهل جمع الناس بان كانوا في قرية أو بلدة صغيرة اما إذا عسر ذلك فالاولي التأخير إلى الغد كيلا يفوت الحضور علي الناس وإذا قلنا انهم يقيمونها في الحادى والثلاثين قضاء فهل يجوز تأخيرها عنه فيه قولان ومنهم من يقول وجهان
(اصحهما) نعم كالفرائض إذا فاتت لا يتعين وقت قضائها (والثانى) لا لان الحادى والثلاثين يجوز ان يكون عيدا بان يخرج الشهر كملا بخلاف ما بعده من البان ثم حكي امام الحرمين عن بعض الاصحاب انا إذا قلنا تقضي بعد الحادى والثلاثين فيمتد إلى شهر فان وقع بعد شهر فعلي وجهين قال ولعله في شهر شوال نقص أو كمل وفي بقية ذى الحجة ولا اعتد به من المذهب وجميع ما ذكرناه فيما إذا شهد عدلان مقبولان أو مستوران وعدلا في الاوقات المذكورة فاما إذا شهدا قبل الغروب وعدلا بعد الغروب فقولان ويقال وجهان (احدهما) ان العبرة بوقت الشهادة لان التعديل وان بان اخيرا فهو مستند إلى الشهادة (واصحهما) ان العبرة بوقت التعديل لانه وقت جواز الحكم بالشهادة فعلي هذا يصلون من الغد بلا خلاف وتكون اداء وعلي الاول تعود الاختلافات المذكورة فهذا هو الذى اورده معظم الاصحاب وايضاحه ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب (اما قوله) وإذا فاتت صلاة العيدين بزوال الشمس الي آخره فاعلم ان الاختلافات المذكورة عبر عنها في الوسيط
[ ٥ / ٦٥ ]
بالاقوال وايراده في الكتابين يقتضي طردها في فوات صلاة العيد للناس كلهم وفواتها في حق الافراد وفيما إذا كان الفوات لاشتباه الهلال وغيره لكن المفهوم من كلام الاصحاب تخصيص الاختلاف المذكور بصورة اشتباه الهلال وفوات العيد علي جميع الناس فاما إذا اختص الفوات بالافراد فلا يجري الا قولان منع القضاء وجوازه على التأبيد ولا يتجه التخصيص بالحادي والثلاثين لما ذكره امام الحرمين فقال هذا اليوم يجوز أن يفرض عيدا فاقامة شعار الصلاة فيه لا يبعد وفيما بعده من الايام اقامة الشعار المعهود مما يستنكره الناس الا خواصهم وتعطيل الشعار أهون من ذلك ومعلوم أن هذا لا امتناع له في قضاء الافراد واما المصير الي القضاء في شهر العيد كله فلم أر نقله للامام ولم ينقله الي في اشتباه الهلال فاعرف ذلك ثم قوله لا تقضى معلم بالالف لان عند احمد هي مقضية وقوله تقضى ابدا بالميم والحاء فان عندهما لا تتقضي وبالزاى لان اختيار المزني مثله (فان قيل) حيث قلنا بتخصيص القضاء بالحادي والثلاثين فلا شك أن ذلك في عيد الفطر فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الاضحي قلنا نعم لانه يجوز أن يفرض يوم عيد الا ان يقال ان الشهادة
بعد دخول ذى الحجة غير مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادى والثلاثين والله اعلم (وقوله) وإذا شهد الشهود علي الهلال قبل الزوال افطرنا وصلينا المراد منه ما إذا سبقت الشهادة الزوال بقدر ما يسع الصلاة فان لم يسع فالحكم كما لو شهدوا بين الزوال والغروب (وقوله) ثم قضاؤها في بقية اليوم أولي أو في الحادى والثلاثين فرض الخلاف في الاولوية جواب منه على الاصح وهو أن قضاؤها قى بقية اليوم جائز وفيه خلاف تقدم والله اعلم * قال (وإذا كان العيد يوم الجمعة فلاهل السواد الرجوع قبل الجمعة وان كان النداء يبلغهم علي الصحيح للخبر)
[ ٥ / ٦٦ ]
إذا وافق العيد يوم الجمعة وحضر اهل القرى الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد وعلموا أنهم لو انصرفوا لفاتتهم الجمعة فهل عليهم ان يصبروا الجمعة ام لهم أن ينصرفوا ويتركوها فيه وجهان (احد هما) عليهم الصبر كأهل المصر وكسائر الايام (واصحهما) ان لهم أن ينصرفوا ويتركوها ويحكى هذا عن نصه قديما وجديدا لما روى (انه اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم في يوم واحد فصلي العيد في أول النهار وقال أيها الناس ان هذا يوم اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب منكم أن يشهد معنا الجمعة فليفعل ومن أحب أن ينصرف فليفعل) وأراد به أهل السواد وهذا هو الخبر الذى أبهم ذكره في الكتاب *
[ ٥ / ٦٧ ]
قال * (كتاب صلاة الخسوف) * (وهى سنة مؤكدة ولا تكره الا في اوقات الكراهية واقلها ركعتان في كل ركعة ركوعان (ح) وقيامان فان تمادى الكسوف فهل يجوز ركوع ثالث فيه وجهان وان اسرع الاهجلاء فهل يقصر علي واحدة فيه وجهان) * قال الله سبحانه وتعالي (فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن) قال بعض المفسرين أراد به صلاة الخوف والكسوف وقال أبو بكرة (كنا عند النبي ﷺ
[ ٥ / ٦٨ ]
فانكسفت الشمس فقام النبي صلي الله عليه وسلم يجر ردائه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلي بنا ركعتين حتي انجلت الشمس فقال ان الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) صلاة الكسوف والخسوف سنة مؤكدة ولا فرق في استحبابها بين أوقات الكراهة وغيرها لان لها سببا خلافا لمالك وأبي حنيفة وتفصيل مذهبهما ما قدمناه في فصل الاوقات المكروهة ثم الكلام في أقل هذه الصلاة وأكملها (أما) أقلها فهو أن يتحرم بنية صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة ويركع ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع مرة أخرى ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد وكذلك يفعل في الركعة الثانية فهي إذا ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان كما ذكر في الكتاب وقراءة الفاتحة في كل ركعة مرتين من حد الاقل أيضا (وقوله) ركوعان وقيامان معلم بالحاء والالف (اما) الحاء فلان أبا حنيفة يقول ركعتان كسائر الصلوات لكن يطول فيها القراءة (وأما) الالف فلان في رواية عن احمد يركع في كل ركعة ثلاث مرات والاظهر عنه مثل مذهبنا * لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (ركع أربع ركعات في ركعتين
[ ٥ / ٦٩ ]
وأربع سجدات) وقد اشتهرت الرواية عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم وسلم ولو تمادى الكسوف فهل يزيد ركوعا ثالثا فيه وجهان (أحدهما) نعم ويحكى عن ابن خزيمة وابى سليمان الخطابي وأبى بكر الضبعي من أصحابنا وعلى هذا الوجه لا يختص الجواز بالثالث بل له أن يزيد ركعة أربع ركوعات) ويروى (خمس ركوعات ولا محمل له الا حالة التمادي) (وأظهرها) أنه لا تجوز الزيادة كسائر الصلوات لا يزاد على أركانها وروايات الركوعين أشهر وأصح فيؤخذ بها كذلك
[ ٥ / ٧٠ ]
ذكره الائمة ولو كان في القيام الاول فانجلي الكسوف لم تبطل الصلاة ولكن هل يجوز أن يقتصر على قومة واحدة وركوع واحد في كل ركعة فيه (وجهان) بنوهما على جواز الزيادة عند التمادي إن جوزنا الزيادة جوزنا النقصان بحسب مدة الخسوف وإلا فلا ولو تحلل من صلاته والخسوف باق فهل له
أن يستفتح صلاة الخسوف مرة أخرى فيه وجهان خرجوهما على جواز الزيادة في عدد الركوع والمذهب المنع (وقوله) فهل تجوز الزيادة بثالث أي بركوع ثالث وقيام ثالث وكذا قوله فهل يقتصر على واحد وفى بعض النسخ ثالثة وواحدة علي تأويل الركعة والقومة والله أعلم
[ ٥ / ٧١ ]
قال (وأكملها أن يقرأ في القيام الاول بعد الفاتحة سورة البقرة وفي الثانية آل عمران وفي الثالثة النساء وفي الرابعة المائدة أو مقدارها وكل ذلك بعد الفاتحة ويسبح في الركوع الاول بقدر مائة آية وفي الثاني بقدر ثمانين وفي الثالث بقدر سبعين وفي الرابع بقدر خمسين ولا يطول السجدات ولا القعدة بينهما) * لو اقتصر في كل قومة علي قراة الفاتحة وفي كل ركوع علي قدر الطمأنينة جاز كما في سائر الصلوات ليكن المستحب أن يقرأ في القيام الاول بعد الفاتحة وسوابقها سورة البقرة أو مقدارها ان لم يحسنها وفى الثاني آل عمران أو مقدارها وفى الثالثة النساء أو مقدارها وفى الرابعة المائدة
[ ٥ / ٧٢ ]
أو مقدارها وكل ذلك بعد الفاتحة هذا ما ذكره في الكتاب وعزاه الاصحاب إلى رواية البوبطي قال المزني في المختصر يقرأ في القيام الاول البقرة أو مقدارها إن لم يحفظها وفي الثانية قدر مائتي آية من سورة البقرة وفي الثالثة قدر مائة وخمسين آية منها وفي الرابع قدر مائة آية منها وكل ذلك بعد الفاتخة وهذه الرواية هي التى أوردها الاكثرون وليستا على الاختلاف المحقق بل الامر فيه علي التقريب وهما متقاربتان وقد روى الشافعي عن ابن عباس ﵄ باسناده قال (خسفت الشمس علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم فصلي والناس معه فقام قياما طويلا فقرأ نحوا من سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الاول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول ثم سجد ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الاول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الاول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول ثم سجد ثم انصرف) وأما قدر مكثه في الركوع فينبغي أن يسبح في الركوع الاول بقدر مائة آية من البقرة وفي الثاني
بقدر ثمانين منها وفي الثالث بقدر سبعين وفي الرابع بقدر خمسين والامر فيه على التقريب ولذلك قال كثير من الاصحاب يسبح في الركوع الثاني بقدر ثمانين آية الي تسعين وقال صاحب الافصاح يسبح في الثالث بقدر خمسين وسبعين آية ويقول في الاعتدال عن كل ركوع سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد وهل يطول الجود في هذه الصلاة فيه قولان وبقال وجهان (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب لا كما لا يزيد في التشهد ولا يطول القعدة بين السجدتين (والثانى) وبه قال ابن سريج نعم لانه
[ ٥ / ٧٣ ]
منقول في بعض الروايات مع تطويل الركوع أورده مسلم في الصحيح ويحكي هذا القول عن رواية البويطى ونقله أبو عيسى الترمذي في جامعه عن الشافعي ﵁ أيضا قال (ويستحب أن تؤدى بالجماعة وأن يخطب الامام بعدها خطبتين كما في العيد ولا يجهر (م) في صلاة الكسوف ويجهر في الخسوف) * في الفصل ثلاث مسائل (أحداها) انه يستحب الجماعة في صلاة الخسوفين (أما) في خسوف الشمس فقد اشتهر اقامتها بالجماعة عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان ينادى لها الصلاة جامعة (واما) في خسوف القمر فلما روى عن الحسن البصري قال (خسف القمر وابن عباس ﵄ بالبصرة فصلي بنا ركعتين في كل ركعة ركوعان فلما فرغ ركب وخطبنا وقال صليت
[ ٥ / ٧٤ ]
بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا وانما تقام الجماعة لهما في المسجد دون الصحراء لما قدمنا من حديث أبي بكرة ﵁ ولان هذه الصلاة بعرض الفوات بالانجلاء واعلم قوله ويستحب ان تؤدى بالجماعة بالحاء والميم لان عند ابى حنيفة لا تؤدى صلاة خسوف القمر بالجماعة بل يؤدونها منفردين وعند مالك ﵀ لا يصلون له اصلا واللفظ يشمل الصلاتين جميعا ويجوز ان يعلم بالوار ايضا لان امام الحرمين قال ذكر شيخنا الصيد لاني من ائمتنا من خرج في صلاة الخسوفين وجها ان الجماعة تشترط فيها كالجمعة ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال خرج اصحابنا وجهين في أنها هل تصلي في كل
مسجد أو لا تكون الا في جماعة واحدة كالقولين في العيد (الثانية) يستحب للامام ان يخطب بعد الصلاة خطبتين باركانهما وشرائطهما المذكورة في صلاة الجمعة ولا فرق بين أن يقيموا الجماعة في مصر أو يقيمها المسافرون في الصحراء وقال مالك وأبو حنيفة واحمد ﵏ لا خطبة
[ ٥ / ٧٥ ]
في هذا الباب أصلا * لنا ما روى عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم (لما خسفت الشمس صلي فوصفت صلاته ثم قالت فاما انجلت انصرف وخطب الناس وذكر الله تعالي جده واثنى عليه) وينبغى للامام ان يحث الناس في هذه الخطبة على الخير والوبة عن المعاصي ومن صلي منفردا لم يخطب فان الغرض من الخطبة تذكير الغير (فان قلت) قضية التشبيه في قوله كما في العيد أن يكبر في أول الخطبتين كما يفعل في خطبتى العيد فهل هو كذلك أم لا (فالجواب) أن كتب الاصحاب ساكتة عن التصريح بذك مع تعرضهم لاذكارها المفروضة والمندوبة على التفصيل وأعادها ههنا ولو كان التكبير مشروعا ههنا لا عادوا ذكره سيما في المطولات فإذا المراد تشبيهها بخطبتى العيد في تأخيرها عن الصلاة لا على الاطلاق والله اعلم (الثالثة) يستحب الجهر بالقراءة في صلاة خسوف القمر والاسرار في خسوف الشمس وبه قال مالك وابو حنيفة خلافا لاحمد ﵏ حيث قال يجهر فيها ايضا وبه قال أبو يوسف وفيما ذكره الصيدلانى أن مثله يروى عن أبي حنيفة لنا ما روى
[ ٥ / ٧٦ ]
ابن عباس ﵄ أنه حكى صلاة النبي صلي الله ععليه وسلم في خسوف الشمس فقال (قرأ نحوا من سورة البقرة) ولو جهر لكان لا يقدره وروى عنه انه قال (كنت الي جنب النبي ﷺ فما سمعت منه حرفا) وقوله في الكتاب ولا يجهر في صلاة الكسوف ويجهر في صلاة الخسوف تخصيص للفظ الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر وقد قيل بذلك لكن استعمال كل واحد من اللفظين فيهما صحيح سائغ في اللغة ويجوز أن يعلم قوله ولا يجهر بالواو مع الالف لان ابا سليمان الخطابي ذكر أن الذى يحبئ علي مذهب الشافعي ﵁ الجهر فيهما * واحتج له
[ ٥ / ٧٧ ]
بما روى عن عائشة ﵂ (أن النبي صلي الله عليه وسلم صلي بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة) والله أعلم * قال (فروع المسبوق إذا ادرك الركوع الثاني لم يدرك الركعة لان الاصل هو الاول) * عد في الوسيط المسائل من هذا الموضع الي قريب من آخر الباب ثلاثة فروع وهذا الفصل يشتمل علي أولها وغرض الكلام في المسبوق في هذه الصلاة فنقول ان ادرك الامام في الركوع الاول من الركعة الاولي فقد أدرك الصلاه ولو أدركه في الركوع الاول من الركعة الثانية كان مدركا للركعة فإذا سلم الامام قام وصلي ركعة بر كوعين ولو ادركه في الركوع الثاني من احدى الركعتين فالمنقول عن نصه في البويطى انه لا يكون مدركا لشئ من الركعة أصلا وعن صاحب التقريب حكاية قول آخر أنه بادراك الركوع الثاني يصير مدركا للقومة التى قبلها فعلي هذا لو أدرك الركوع الثاني من الركعة الاولي قام عند سلام الامام وقرأ وركع واعتدل وجلس وتشهد وتحلل ولا يسجد لان ادراك الركوع إذا أثر في ادراك القيام الذى قبله كان السجود بعده محسوبا لا محالة واتفق الاصحاب على أن الصحيح هو الاول ووجهوه بان الركوع الاول هو الاصل والثانى في حكم التابع له الا ترى أنه لا يصير بادراكه
[ ٥ / ٧٨ ]
مدركا لجميع الركعة ولو صار مدركا بادراكه لصار مدركا لجميع الركعة كما لو أدرك جزءا من الركوع في سائر الصلوات وأيضا فان الامر بقيام وركوع من غير سجود مخالف لنظم الصلوات كلها وعلى القول الصحيح لو ادرك القيام الثاني لا يكون مدركا لشئ من الركعة أيضا إذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب لم بدرك الركعة ان أراد به انه غير مدرك لشئ من الركعة فينبغي أن يعلم بالواو وان أراد به أنه غير مدرك بجملتها فلا يجوز أعلامه لان القولين متفقان عليه * قال (وتفوت صلاة الكسوف بالانجلاء وبغروب الشمس كاسفة ويفوت الخسوف بالانجلاء وبطلوع قرص الشمس ولا يفوت بغروب القمر خاسفا لان الليل كله سلطان القمر ولا يفوت بطلوع الصبح علي الجديد لبقاء الظلمة) * الفرع الثاني فيما يفوت به هذه الصلاة (اما) صلاة خسوف الشمس فتفوت بطريقين (أحد هما)
الانجلاء فإذا لم يصل حتى انجلت لم يصل * واحتج له بما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي) دل أنه لا يصلي بعده ثم الاعتبار بانجلاء الكل اما انجلاء البعض فلا أثر له وله ان يشرع في الصلاة للباقى كما لو لم ينكسف الا ذلك القدر ولو حال سحاب ولم يدرها انجلت ام لافله ان يصلي لان الاصل بقاء الكسوف وعلي عكسه لو كانت تحت الغمام فظن الكسوف لم يصل حتى
[ ٥ / ٧٩ ]
يستيقن (والثانى) ان تغرب كاسفة فلا يصلي لان سلطان الشمس النهار وقد ذهب وبطل الانتفاع بضوءها نيرة كانت أو منكسفة (واما) صلاة خسوف القمر فتفوت بطريقين أيضا (أحد هما) الانجلاء كما سبق (والثاني) طلوع الشمس فإذا طلعت والقمر بعد خاسف لم يصل لان سلطان القمر الليل وقد ذهب وبطلت منفعته بطلوع الشمس ولو غاب القمر خاسفا لم يؤثر وجازت الصلاة لان سلطان القمر باق وهو الليل فغروبه كغيبوبته تحت سحاب خاسفا ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد طلوع الفجر فقولان (القديم) انه ليس له أن يصلي الذهاب الليل بطلوع الفجر (والجديد) ان له ذلك لبقأء ظلمة الليل والانتفاع بضوء القمر في هذا الوقت وعلي هذا لو شرع في الصلاة بعد طلوع الفجر وطلعت الشمس في اثنائها لم تبطل صلاته كما لو شرع قبل طلوع الفجر وكما لو اتفق الانجلاء في اثناء الصلاة وذكر القاضى ابن كج ان هذا الانجلاء مخصوص بما إذا غاب القمر خاسفا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فاما إذا لم يغب وبقي خاسفا فلا خلاف في ان الشروع في الصلاة جائز * قال (ولو اجتمع عيد وكسوف قدم العيد ان خيف فواته وإلا فقولان في التقديم والتأخير ولو اجتمع كسوف وجمعة قدمت الجمعة عند خوف الفوات وإلا فقولان ولو اجتمع جنازة مع هذه الصلوات فهي مقدمة الا الجمعة فانها تقدم عند ضيق وقتها ويكفيه للكسوف والجمعة خطبة واحدة وكذا للعيد والكسوف ولا يبعد اجتماع العيد والكسوف فان الله علي كل شئ قدير) *
[ ٥ / ٨٠ ]
(الفرع الثالث) فيما إذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد والاصل فيه تقديم ما يخاف فواته ويتعلق أيضا بالنظر إلى الاوكد فالاوكد من الصلاة وفيه صور (أحدها) إذا اجتمع عيد وكسوف
نظر ان خيف فوات صلاة العيد لضيق وقتها قدمت صلاة العيد وان لم يخف فقولان (أحدهما) وهو رواية البويطي يبدأ بصلاة العيد لانها أوكد لمشابهتها الفرائض بانضباط وقتها (وأصحهما) انه يبدأ بصلاة الكسوف لانه يعرض الفوات بالانجلاء (الثانية) لو اجتمع كسوف وجمعة نظر ان خيف فوات الجمعة فهي مقدمة وان لم يخف فواتها فقولان (أحدهما) تقدم الجمعة لا فتراضها (وأصحهما) يقدم الكسوف لخطر الفوات ولو اجتمع الكسوف مع فريضة أخرى فالحكم كما لو اجتمع مع الجمعة ولو وجد الخسوف في وقت الوتر والتروايح قدم صلاة الخسوف وان خيف فوات الوتر لان صلاة الخسوف آوكد؟ ولانها إذا فاتت لا تقضي (الثالثة) لو اجتمع عيد وجنازة أو كسوف وجنازة قدمت صلاة الجنازة لما يخشى من حدوث التغير في الميت ثم لا يتبعها الامام إذا قدمها بل يشتغل بعدها بغيرها من الصلوات ولو لم تحضر الجنازة بعد أو حضرت ولم يحضر الولى افرد الامام جماعة ينتظرونها واشتغل بغيرها ثم بعد الجنازة يقدم العيد أو الكسوف فيه الكلام الذى سبق ولو حضر وقت الجمعة جنازة ولم يضف وقت الجمعة قدمت الجنازة وان ضاق قدمت
[ ٥ / ٨١ ]
الجمعة فتراضها وقال في النهاية قطع شيخي بتقديم صلاة الجنازة لان للجمعة خلفا وهو الظهر والذى يحذر وقوعه من الميت لو فرض لم يجبره شئ وليكن قوله في الكتاب الا الجمعة فانها تقدم معلما بالواو لهذا الوجه وتختم هذه الصورة بفصلين (احد هما) في الخطبة المأتى بها للصلاتين المجتمعتين اما إذا اجتمع العيد والكسوف فيخطب لهما بعد الصلاتين خطبتين ويذكر فيهما شأن العيد والكسوف واما إذا اجتمع الجمعة والكسوف فان اقتضي الحال تقديم الجمعة خطب لها ثم صلي الجمعة ثم صلي الكسوف ثم خطب لها وان اقتضي الحال تقديم صلاة الكسوف بدأ بها ثم خطب للجمعة وذكر فيها شأن السكوف كما أن النبي صلي الله عيه وسلم (استسقى في خطبته للجمعة ثم صلي الجمعة) واعرف في قوله ويكفيه للجمعة والكسوف خطبة واحدة شيئين (أحدهما) ان المراد من هذا الكلام انه يكفيه من الخطبة ما كان يكفيه لو لم يصل الا واحدة من الصلاتين وهو خطبتان ولا يحتاج الي اربع خطب وليس المراد أنه تكفى خطبة فردة (وثانيهما) ان كلام الاصحاب
ينازع في اللفظ الذي ذكره فانهم قالوا لا يخطب للجمعة والكسوف لان الخطبة فرض في الجمعة
[ ٥ / ٨٢ ]
ولا يجوز التشريك بين الفرض والنفل ولكن يخطب للجمعة ثم يذكر فيها امر الحسوف بخلاف العيد والخسوف يجوز ان يقصد بخطبته كلتيهما لانهما سببان قالوا ولهذا قال الشافعي ﵁ في المختصر في مسألة اجتماع العيد والخسوف ثم يخطب للعيد والخسوف وقال في مسألة اجتماع الجمعة والخسوف ثم يخطب للجمعة ويذكر فيها الخسوف فإذا اللفظ مؤول والمعنى انه لا يحتاج الي خطبتين لكل صلاة (والفصل الثاني) ان طائفة اعترضت علي تصوير الشافعي ﵁ اجتماع العيد والخسوف وقالت هذا محال لان العيد اما الاول من الشهر واما العاشر والكسوف لا يقع الا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين وأجاب الاصحاب عنه بوجوه (أحدها) ان هذا قول اهل التنجيم وأما نحن فنجوز وقوع الكسوف في غير اليومين المذكورين فان الله تعالي علي كل شئ قدير وقد نقل وقوع مثل ذلك إذا صح أن الشمس خسفت يوم مات ابراهيم بن رسول الله صلي عليه وسلم وروى الزبير ابن بكار ﵁ في كتاب الانساب انه توفى في العاشر من ربيع اول وروى البيهقى مثله عن الواقدي باسناده وكذلك اشتهر أن قتل الحسين ابن علي ﵄ كان يوم عاشوراء وروى البيهقى عن أبى قبيل أنه لما قتل الحسين ﵁ كسفت
[ ٥ / ٨٣ ]
الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي و(الثاني) هب أن الكسوف لا يقع الا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين لكن يجوز أن يوافق العيد اليوم الثامن والعشرين بان يشهد شاهدان علي نقصان رجب ويفرض مثل ذلك في شعبان ورمضان وكانت في الحقيقة كاملة فان اليوم الاول المحسوب من شعبان بناء على شهادتهما يكون من رجب ويومان من أول رمضان يكونان من شعبان فيبقي سبعة وعشرون ويوافق العيد اليوم الثامن والعشرين (والثالث) هب أن ذلك لا يقع أصلا لكن الققيه قد يصور ما لا يتوقع وقوعه لتشحيذا الخاطر وتحصيل الدربة في مجارى النظر واستخراج التفاريع الدقيقة والله أعلم *
قال (ولا يصلي صلاة الكسوف للزلازل وغيرها من الآيات) * ما سوى كسوف النيرين من الآيات كالزلازل والصواعق والرياح الشديدة لا يصلي له بالجماعة
[ ٥ / ٨٤ ]
إذ لم يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ولكن يستحب له الدعاء والتضرع روى عن ابن عباس ﵄ قال (ما هبت ريح قط الاجثا النبي صلي الله عليه وسلم على ركبتيه وقال اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا) وكذلك يستحب لكل أحد أن يصلى منفردا لئلا يكون على غفلة ان حدثت حادثة فلذلك قال في الكتاب ولا يصلى صلاة الكسوف أي كما يصلي للكسوف ولم يقل ولا يصلى مطالقا وليكن قوله ولا يصلى
[ ٥ / ٨٥ ]
معلما بالالف لان عند احمد يصلي جماعة في كل آية وبالواو لانه ذكر أن الشافعي ﵁ روى أن عليا ﵁ صلي في زلزلة جماعة ثم قال ان صح قلت به فمن الاصحاب من قال هذا قول آخر
[ ٥ / ٨٦ ]
له في الزلزلة وحدها ومنهم من عممه في جميع الآيات) * * (كتاب صلاة الاستسقاء) * قال (وهى سنة عند انقطاع المياه ولو انقطع عن طائفة من المسلمين استحب لغيرهم أيضا هذه الصلاة ولا باس بتكريرها إذا تأخرت الاجابة وان سقينا قبل الصلاة خرجنا للشكر والدعاء والوعظ وهل تصلي للشكر فيه خلاف) * المراد من الاستسقاء في الباب مسألة الله تعالي سقيا عباده عند حاجتهم إليه وله أنواع (أدناها) الدعاء المجرد من غير صلاة ولا خلف صلاة اما فرادى أو مجتمعين لذلك (وأوسطها) الدعاء خلف الصلوات وفي خطبة الجمعة وهن (حو ذلك (وأفضلها) الاستسقاء بركعتين وخطبتين كما سنصفه والاخبار
[ ٥ / ٨٧ ]
وردت يجميع ذلك وأنكر أبو حنيفة ﵀ استحباب النوع الثالث وقال المسنون في
الاستسقاء هو الدعاء والخطبة والصلاة لهما بدعة * لنا ما روي عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم (خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه ودعا واستقبل القبلة) وعن ابن عباس ﵄ ان النبي صلي الله عليه وسلم (خرج الي المصلي متبذلا متواضعا فصلي ركعتين كما يصلى العيد) ولا فرق
[ ٥ / ٨٨ ]
في استحباب الاستسقاء بين أهل القرى والبوادى والامصار ولا بين المقيمين والمسافرين ويسن لهم جميعا الصلاة والخطبة له لاستواء الكل في الحاجة (وقوله) في الكتاب وهى سنة أعلم بالحاء لرجوعه إلي ترجمة الباب وهى صلاة الاستسقاء وقد حكينا عن أبي حنيفة ان الصلاة غير مسنونة وقوله عند انقطاع المياه بيان للسبب الداعي الي الاستسقاء وعمم به ما إذا انقطع المطر وما إذا غارت العيون في ناحية أو انبثقت الانهار ونحوها لحصول الضرار بجميع ذلك ولا بد من قيد في قوله عند انقطاع المياه وهو أن تمس الحاجه البها في ذلك الوقت والا فلا يستسقون ثم في الفصل مسائل (أحدها) إذا انقطع المياه عن طائفة من المسلمين استحب لغيرهم أن يصلوا ويستسقوا لهم ويسألوا الزيادة لا نفسهم روى انه صلي الله عليه وسلم قال (أرجى الدعاء دعا الاخ للاخ بظهر الغيب) وقد أثنى الله تعالي جده علي الداعين لاخوانهم بقوله (ربنا اغفر لنا ولاخواننا) (الثانية) إذا استسقوا فسقوا فذاك وان تأخرت الاجابة استسقوا وصلوا ثانيا وثالثا حتى يسقيهم الله تعالى جده فان الله يجب الملحين في الدعاء وحكى القاضي بن كج وجها آخر انهم لا يفعلون ذلك الا مرة إذ لم ينقل زيادة
[ ٥ / ٨٩ ]
عليها ثم علي الاول الصحيح هل يعودون من الغدام يصومون ثلاثة ايام فبل يوم الخروج كما سيأتي استحباب ذلك للخروج الاول قال في المختصر يعود ون من الغد وحكى عن القديم أنهم يقدمون صوم ثلاثة أيام واختلفوا فيهما علي طريقين منهم من قال هم (قولان) وبه قال ابن القطان وزعم انه ليس في الاستسقاء مسألة فيها قولان سوى هذه (والاول) منهما أظهر وقال الشيخ أبو حامد وغيره هما منزلان علي حالين ان لم يشق علي الناس ولم ينقطعوا عن مصالحم عادوا غدا وبعد غد وإن
اقتضي الحال التأخير اياما استأنفوا للخروج صوم ثلاثة أيام (وقوله) في الكتاب ولا بأس بتكريرها هذه الكلمة لا توجب الا نفي الخروج والكراهة لكن الذى قاله الجمهور ان التكرير مستحب نعم الاستحباب في المرة الاولي اكد (الثالثة) لو تأهبوا للخروج لصلاة الاستسقاء فسقوا قبل موعد الخروج خرجوا للوعظ والدعاء والشكر على اعطاء ما عزموا على سؤاله وهل يصلون شكرا حكي المصنف وامام الحرمين فيه وجهين (أحدهما) لا لان النبي صلي الله عليه وسلم (ما صلي هذه الصلاة إلا عند الحاجة) (وأصحهما) وهو الذى ذكره الاكثرون وحكاه المحاملي عن نصه في الام أنهم يصلون للشكر كما يجتمعون ويدعون وأجرى الوجهان فيما إذا لم تنقطع المياه وأرادوا أن يصلوا للاستزادة (وقوله) خرجنا للشكر تبين أن صلاة الاستسقاء تقام في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف لان النبي ﷺ (كان يخرج للاستسقاء الي الصحراء) أو لان الناس يكثرون فيه فلا يسعهم المسجد غالبا *
[ ٥ / ٩٠ ]
قال (والاحب أن يأمر الامام الناس قبل يوم الميعاد بصوم ثلاثة أيام وبالخروج من المظالم ثم يخرج بهم في ثياب بذلة وتخشع مع الصبيان والبهائم وأهل الذمة) * الفصل يشتمل علي آداب لهذا الصلاة (منها) أن يأمر الامام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل اليوم الذى هو ميعاد الخروج وبالخروج عن المظالم في الدم والعرض والمال وبا لتقرب الي الله تعالي
[ ٥ / ٩١ ]
جده بما يستطيعون من الخير ثم يخرجون في اليوم الرابع صياما ولكل واحدة من هذه الامور أثرفى اجابة الدعاء علي ما ورد في الاخبار ومنها يخرج بهم في ثياب بذلة وتخشع ولا يتزينون ولا يتطيبون لما قدمناه من حديث ابن عباس ﵄ لكن يتنظفون بالماء والسواك وما يقطع الروائح الكريهة ويخالف العيد لان ذلك يوم زينة وهذا وقت مسألة واستكانة فاللائق به التواضع ولبس
[ ٥ / ٩٢ ]
بذلة الثياب دون جديدها (ومنها) يستحب اخراج الصبيان والمشايخ لان دعاء هم إلى الاجابة أقرب
وكذلك اخراج من لا هيئة له من النساء وفي اخراج البهائم قصدا وجهان ذكرهما صاحب النهاية وغيره (أحدهما) لا يستحب إذ ليس لها سؤال وأهلية طلب لكن لو أخرجت فلا بأس (وأصحهما)
[ ٥ / ٩٣ ]
أنه يستحب اخراجها لما روى أنها تستسقى وعن رسول الله ﷺ انه قال (لولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا) وقوله في الكتاب والبهائم جواب علي
[ ٥ / ٩٤ ]
هذا الوجه وادراج له في حد الاحب وليكن معلما بالواو للوجه الاول (واما) خروج أهل الذمة فقد نص الشافعي ﵁ علي كراهته والمنع منه ان حضروا مستسقي المسلمين لانهم ربما كانوا سبب القحط واحتباس القطر وان تميزوا ولم يختلطوا بالمسلمين لم يمنعوا لانهم مسترزقة وقد تعجل اجابة دعاء الكافر استدراجا له وحكي القاضى الروياتي وجها آخر أنهم يمنعون وان امتازوا الا ان يخرجوا في غير يوم المسلمين وهذا يقتضى أعلام قوله وأهل الذمة بلواو على أن ايراد
[ ٥ / ٩٥ ]
الكتاب يقتضى ادراج الخروج بهم في حد الاحب لكن الجمهور ساكتون عنه والتفصيل في أنهم يمنعون ام لا ومن الآداب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما فعل من خير فيجعله شافعا ومن الآداب أن يستسقي بالاكابر واهل الصلاح سيما من اقارب رسول الله صلي الله عليه وسلم
[ ٥ / ٩٦ ]
(استسقي عمر بالعباس ومعاوية بيزيد بن الاسود ﵃ * قال (ويصلي بهم ركعتين كصلاه العيد ويقرأ في احدى الركعتين انا أرسلنا نوحا) * قد روينا عن ابن عباس رضي عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم (صلي ركعتين كما يصلي العيد) وفي رواية صنع في الاستسقاء ما صنع في الفطر والاضحى) فينبغي أن ينادى لها الصلاة جامعة ويكبر في الاولى سبع تكبيرات زائدة وفي الثانية خمسا ويجهر فيهما بالقراءة ويقرأ في الاولي سورة ق وفي الثانية اقتربت وعن بعض الاصحاب أنه يقرأ في احدى الركعتين (انا أرسلنا) حكاه الصيد لانى
وغيره وهو المذكور في الكتاب ولتكن تلك الركعة هي الثانية ويقرأ في الاولي ق رعاية لنظم السور وهكذا حكاه في التهذيب ثم روى المحاملى عن لفظ الشافعي ﵁ أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيدين وان قرأ (انا أرسلنا) كان حسنا وهذا يشعر بانه لا خلاف في المسألة وان كلا
[ ٥ / ٩٧ ]
سائغ ومنهم من اثبت خلافا في أن الاحب ماذا وقال (الاصح) أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيد وعلى هذه الطريقة اعلم قوله (انا ارسلنا) بالواو وسبب تعيين هذه السورة انا لائقة بالحال لما فيها من ذكر الاستسقاء قال الله تعالي جده (فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) (واما) وقت اقامة هذه الصلاة فمنهم من قال هي كصلاة العيد في الوقت لان النبي صلي الله عليه وسلم (صلاها في هذا الوقت) وهذا ما ذكره صاحب التهذيب وحكاه الامام عن الشيخ ابى علي واستغر به وذكر الروياني وآخرون ان وقتها يبقي بعد الزوال ما لم يصل العصر ولك ان تقول قدمنا وجهين ذكر هما الائمة في أن صلاة الاستسقاء هل تكره في أوقات الكراهية أم لا ومعلوم أن الاوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة العيد ولا فيه مع انضمام ما بين الزوال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاستسقاء منحصرا في ذلك وليس لحامل أن يحمل الوجهين في أوقات الكراهية على قضائها فان صلاة الاستسقاء لا تقضي وقد صرح صاحب التتمة بان صلاة الاستسقاء لا تختص بوقت دون وقت بل أي وقت صلاها من ليل أو نهار جاز وقوله ويصلى ركعتين معلم بالحاء لما سبق انه لا تستحب الصلاة وقوله كصلاة العيد بالميم والالف لان عند مالك ليس في هذه الصلاة تكبير.
زائد وبه قال أحمد في رواية * قال (ثم يخطب كخطبة العيد ولكن يبدل التكبيرات بالاستغفار ثم يبالغ في الدعاء في الخطبة
[ ٥ / ٩٨ ]
الثانية ويستقبل القبلة فيهما ويحول رداءه تفاؤلا بتحويل الحال فيقلب الاعلي الي الاسفل واليمين إلي اليسار والظاهر إلى الباطن ويتركه كذلك إلى ان ينزع ثيابه) * قوله ثم يخطب مرقوم بالالف لان عنده لا خطبة لصلاة الاستسقاء ولكن يدعوا لامام ويكثر
في دعائه من الاستغفار وهو مخير بين أن يدعو قبل الصلاة أو بعدها وعند يخطب له لما روى ابن عباس رضى اللله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم (صنع في الاستسقاء كما صنع في العيد) وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ (خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين وخطب) إذا ثبت ذلك
[ ٥ / ٩٩ ]
فينبغي أن يخطب خطبتين وهما في الاركان والشرائط كما تقدم ويبدل التكبيرات المشروعة في أول خطبتى العيد بالاستغفار فيقول (استغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم واتوب إليه) ويختم كلامه بالاستغفار أيضا ويكثر منه في الخطبة ومن قول (استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل المساء عليكم مدرارا) ويجوز أن يعلم قوله يبدل التكبيرات بالاستغفار بالواو لان صاحب البيان حكى عن المحاملى انه يكبر في أول الخطبتين كما يكبر في أول خطبتى العيد وقوله لكن يبدل استدراك واستثناء عن تشبيه هذه الخطبة بخطبة العيد لكن افتراقهما غير منحصر فيه بل يفترقان في أمور أخر (منها) أنه يستقبل القبلة في الخطبة الثانية كما سنذكر (ومنها) أن يدعوا في الاول بما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثا معيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا سحا طبقا دائما اللهم استقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم ان بالعباد والبلاد من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوا الا اليك اللهم انبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وانبت لنا من بركات الارض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يشفه غيرك اللهم انا نستغفرك انك كنت غفارا فارسل السماء علينا مدرارا) ويكون في الخطبة الاولى وصدر
[ ٥ / ١٠٠ ]
الثانية مستقبلا للناس مستدبرا للقبلة كما في الجمعة والعيد ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرا وجهرا قال لله تعالي جده (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) وإذا أسر دعا الناس سرا ورفعوا أيديهم في الدعاء
[ ٥ / ١٠١ ]
وقد روى عن أنس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم (استسقي فاشار بظهر كفيه الي السماء) قال العلماء وهكذا السنة من دعا لدفع البرء جعل ظهر كفيه الي السماء وإذا سأل الله تعالى شيئا جعل بطن
كفه إلى السماء قال الشافعي ﵁ وليكن من دعائم في هذه الحالة اللهم انت امرتنا بدعائك ووعدتنا اجابتك وقد دعوناك كما امرتنا فاجبنا كما وعدتنا اللهم فامنن ععلينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك في سقيانا وسعة رزقنا وقوله في الكتاب ويستقبل القبلة فيها ربما أوهم استحباب الاستقبال في جميعها وليس كذلك بل المراد أنه يستقبل القبلة في أثنائها ثم إذا فرغ من الدعاء مستقبلا أقبل بوجهه علي الناس وحضهم على طاعة ربهم ويصلوا علي النبي صلي الله عليه وسلم وسلم ويدعو المؤمنين والمؤمنات ويقرأ آية أو آيتين ويقول استغفر الله لي ولكن ثم ينزل هذا لفظ الشافعي ﵀ ويستحب عند تحوله إلى القياسم أن يحول رداءه وهل ينكسه مع التحويل فيه قولان (الجديد) نعم (والقديم) لا وبه قال مالك واحمد وعند أبى حنيفة ﵏ لا يفعل واحدا منهما والتحويل أن يجعل ما علي عاتقه الايمن
[ ٥ / ١٠٢ ]
على عاتقه الايسر وبالعكس والتنكيس أن يجعل أعلاه أسفله وبالعكس اما التحول فهو منقول عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم واما التنكيس فقد نقل انه هم به لكن كان على خميصة فثقلت عليه فقلبها من الاعلى الي الاسفل فرأى الشاقعي ﵁ في الجديد اتباعه فيما هم به لظهور السبب الداعي الي الترك ومتي جعل الطرف الاسفل الذى علي شقه الايسر على عاتقه الايمن والطرف الاسفل الذي علي شقه الايمن علي عاتقه الايسر فقد حصل التحويل والتنكيس جميعا وهذا كله في الرداء المربع فاما المقور والمثلث فليس فيه الا التحويل والناس يفعلون بارديتهم مثل ما فعل الامام والسبب في ذلك التفاؤل بتحويل الحال من الجدوبة إلي الخصب وكان النبي صلي الله عليه وسلم يحب التفاؤل وإذا حولوا الاردية تركوهها كذلك الي ان ينزعوا الثياب (وقوله) ويحول رداءه مرقوم بالحاء لما ذكرنا وقوله فيقلب مرقوم به أيضا وبالميم والالف والواو للقول القديم الصائر الي انه لا يقلب الا على إلى الاسفل وهذا الكلام تفسير منه للتحويل والتنكيس مندرج فيه فقد
[ ٥ / ١٠٣ ]
أخذ في التفسير قلب الظاهر إلي الباطن وإنما قلد فيه امام الحرمين ﵀ فانه حكي عن الجديد أنه يقلب اسفل الرداء الي الاعلى ويقلب ما كان من جانب اليمين إلى اليسار ويقلب ما كان باطنا
يلى الثياب منه إلى الظاهر فتحصل ثلاثة أوجه من التقليب (وأعلم) أن هذا الوجه الثالث لم يذكره الجهور وليس في لفظ الشافعي ﵁ تعرض له والوجه حذفه لان الامور الثلاثة لا يمكن اجتماعها الا بوضع ما كان منسد لا علي الرأس أو لفه عليه ومعلوم أن هذه الهيئة غير مأمور بها وليست هي من الارتداء في شئ وفيما عدا ذلك لا يجتمع من الامور الثلاثة الا اثنان أما قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الظاهر الي الباطن أو قلب اليمين إلي اليسار مع قلب الاعلي الي الاسفل أو قلب الظاهر إلى الباطن مع قلب الاعلى إلى الاسفل فان شككت فيه فجربه يزل شكك * قال * (كتاب الجنائز) * (المحتضر يستقبل به القبلة فيلقى علي قفاه (ح م) واخمصاه الي القبلة ويلقن كلمة الشهادة ويتلي عليه سورة يسن وليكن هو في نفسه حسن الظن بربه تعالى جده) * يستحب لكل أحد ذكر الموت قال صلي الله عليه وسلم (اكثر واذكرها ذم اللذات) يعنى الموت
[ ٥ / ١٠٤ ]
وينبغي أن يكون مستعدا له بالتوبة ورد المظالم فربما ياتيه فجاة وكل ذلك للمريض آكد ويستحب له الصبر على المرض والتداوى وترك الانين ما أطاق ويستحب لغيره عيادته ان كان مسلمال وان كان ذميا جازت عيادته ولا يستحب الا لقرابة أو جوار ونحو هما ثم العائد ان رأى امارة البرء دعا للمريض وانصرف وان رأى خلاف ذلك رغبه في التوبة والوصية إذا عرفت ذلك فغرض الفصل
[ ٥ / ١٠٥ ]
الكلام في آداب المحتضر وقد ذكر منهما اربعة (أحدها) أن يستقبل به القبلة وفي كيفيته وجهان (أحدهما) انه يلقي علي قفاه واخمضاه إلى القبلة كالموضوع علي المغتسل (والثانى) وبه قال أبو حنيفة ﵀ انه يضجع علي جنبه الايمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللحد لانه أبلغ في الاستقبال
[ ٥ / ١٠٦ ]
والوجه الاول هو المذكور في الكتاب لكن الثاني اظهر عند الكثيرين ولم يذكر اصحابنا العراقيون سواه وحكي عن نص الشافعي ﵁ واحتجوا له بما روى انه صلي الله عليه وسلم قال
(إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه) واستثنوا ما إذا ضاق المكان فلم يمكن وضعه علي جنب أو كان به علة تمنع من ذلك فحينئذ يلقى علي قفاه ويجعل مستقبلا بوجهه ورجليه (والثاني) تلقين كلمة الشهادة
[ ٥ / ١٠٧ ]
قال ﷺ (لقنوا موتا كم قول لا إله إلا الله) وقال من كان آخر كلامه لا اله
[ ٥ / ١٠٨ ]
الا الله دخل الجنة) والاحب أن لايح الملقن عليه ولا يواجهه بان يقول قل لا اله الا الله ولكن يذكر الكلمة بين يديه ليتذكرها فيذكرها أو يقول ذكر الله تعالي مبارك فنذكر الله جميعا ويقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر وإذا قال مرة لا تعاد عليه الا أن يكلم بعدها بكلام
[ ٥ / ١٠٩ ]
والاحب أن يلقن غير الورثة فان لم يحضر غيرهم لقن اشفقهم عليه (والثالث) تتلي عليه سورة يسن لما روى انه صلي الله عليه وسلم: قال (اقرؤ اين علي موتاكم) واستحب بعض التابعين المتأخرين قراءة سورة الرعد عنه ايضا (والرابع) ينبغى ان يكون حسن الظن بالله عزوجل لما روى جابر
[ ٥ / ١١٠ ]
﵁ قال (سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث لا يموتن احدكم
[ ٥ / ١١١ ]
الا وهو يحسن الظن بالله عزوجل) ويستحب لمن عنده تحسين ظنه وتطميعه في رحمة الله تعالى جده قال (ثم إذا مات تغمض عيناه ويشد لحياه بعصابة وتلين مفاصله ويستر بثوب خفيف ويوضع علي بطنه سيف أو مرآة)
[ ٥ / ١١٢ ]
هذا الفصل في الآداب المشروعة بعد الموت وقبل الغسل (اولها) ان يغمض عيناه لما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم (اغمض أبا سلمة) لما مات ولانه لو لم يغمض لبقيت عيناه مفتوحتين
وقبح منظره (وثانيها) أن تشد لحياه بعصابة عريضة تأخذ جميع لحييه ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحا فتدخله الهوام (وثالثها) ان تلين مفاصله بان يرد المتعهد ساعده إلى عضده ثم يمدها ويرد ساقيه الي فخذيه وفخذيه الي بطنه ثم يردها ويلين اصابعه ايضا ليكون الغسل اسهل فان في البدن بعد مفارقة الروح بقية حرارة ن الينت المفاصل في تلك الحالة لانت والا لم يمكن تليينها بعد ذلك (ورابعها) يستر جميع بدنه بثوب خفيف لما روى انه صلي الله عليه وسلم (لما تو في سجي ببرد حبرة) ولا يجمع
[ ٥ / ١١٣ ]
عليه اطباق الثياب حتى لا يتسارع إليه الفساد ويجعل اطراف الثوب الساتر تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف (وخامسها) يوضع علي بطنه شئ ثقيل من سيف أو مرآة أو نحوهما فان لم يكن حديد فقطعة طين رطب لئلا ينتفخ ويصان المصحف عنه فهذه الخسمة هي المذكورة في الكتاب ويتولي هذه الامور ارفق محارمه به باسهل ما يقدر عليه (ومنها) ان يوضع علي شئ مرتفع من سرير ونحوه لئلا تصيبه نداوة الارض فيتغير (ومنها) ان يستقبل به القبلة كما في المحتضر (ومنها) ان ينزع عنه ثيابه التى مات فيها فانه علي ما حكى يسرع إليه الفساد (ومنها) أن يبادر إلي قضاء دينه وتنفيذ وصيته ان تيسر ذلك في الحال (ومنها) أن يستقبل به القبلة كما في المحتضر (ومنها) أن ينزع عنه ثيابه التي مات فيها فانها علي ما حكي تسرع إليه الفساد قال (ثم يشتغل بغسله واقله امرار الماء علي جميع اعضائه وفي وجوب النية علي الغاسل وجهان فان أوجبنا لم تصح من الكافر وأعيد غسل الغريق) يستحب المبادرة إلي الغسل والتجهيز عند تحقق الموت وذلك بان يكون به علة وتظهر امارات الموت مثل أن تسترخي قد ماه فلا ينتصبا أو يميل أنفه أو ينخسف صدغلاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كفه من ذراعه أو تتقلص خصيتاه إلى فوق مع تدلى الجلدة وعند الشك يتأني الي حصول اليقين وموضعه أن لا يكون به علة ويجوز ان يكون ما أصابه سكتة أو ظهرت امارة فزع واحتمل أنه عرض ما عرض لذلك فيتوقف الي حصول اليقين بتغير الرائحة وغيره إذا عرفت ذلك فنقول غسل الميت من فروض الكفايات وكذلك التكفين والصلاة عليه والدفن بالاجماع والنظر في لا غسل في شيئين
(أحدهما) في كيفيته (والثاثى) فيمن يغسل النظر الاول في كيفيته والكلام في الاقل والاكمل (اما) الاقل فلا بد من استيعاب البدن بالغسل مرة بعد أن يزال ما عليه من النجاسة ان كانت عليه نجاسة وهل تشترط النية على الغاسل فيه وجهان (أحدهما) نعم لانه غسل واجب فافتقر الي النية كغسل الجنابة (والثانى) لا لان المقصود من هذا الغسل النظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو وانما تشترط في سائر الاغسال على المغتسل والميت ليس من اهل النية وهذا أصح فيما ذكره القاضى الرويانى وغيره ويترتب علي الخلاف صورتان (أحداهما) لو غسل الكافر مسلما هل يجزئ ان فرعنا علي الوجه الاول فلا والا فنعم (والثانية) لو غرق انسان ثم لفظه الماء وظفر نابه ان قلنا بالاول لم يكف ما سبق ووجب غسله وانقلنا بالثاني كفى ذلك
[ ٥ / ١١٤ ]
واعرف ههنا ثلاثة أمور (احدها) ان المحكي عن نص الشافعي ﵁ في الصورة الاخيرة انه يجب الغسل ولا يكفى اصابة الماء اياه ونص فيما إذا غسلت الذمية زوجها المسلم انه يكره ويجوز وهو احد امثلة الصورة الاولي وكأن الوجهين مستنبطان من هذين النصين والظاهر في الصورتين هو الذى نص عليه (اما) في صورة غسل الكافر فهو مستمر علي ما حكينا ان الاصح عدم اشتراط النية (واما) في صورة الغريق فسبب الامر بالغسل انا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الغرض عنا الا بفعلنا (والثانى) ان في قولنا الكافر ليس اهلا للنية اشكالا أشرنا إليه في باب صفة الوضوء (والثالث) ان قوله واعيد غسل الغريق ان كان بضم الغين يقتضى ان يكون اصابة الماء اياه بمجردها غسلا ليكون هذا اعادة له لكن الاليق بتوجه وجوب النية أن لا يوقع اسم الغسل الا علي غسل الاعضاء مع انية والله اعلم قال (واما الاكمل فان يحمل الي موضع خال ويوضع على سرير ولا ينزع قميصه (م ح) ويحتاط في غض البصر عن جميع بدنه الا لحاجة ويحضر ماء بارد (ح) طهور ويبعد الاناء عن المغتسل حذرا من الرشاش ثم يبتدئ بغسل سوأتيه بعد لف خرقة علي اليد وبعد ان يجلس فيمسح على بطنه ليخرج الفضلات ثم يتعهد مواضع النجاسة من بدنه ثم يتعهد اسنانه ومنخريه بخرقه مبلولة ثم يوضأ ثلاثا مع امضمضة (ح) والاستنشاق)
[ ٥ / ١١٥ ]
الفصل لذكر امور محبوبة مقدمة على نفس الغسل (أحدها) أن يحمل الميت الي موضع خال؟ مستور لا يدخله أحد الا الغاسل ومن لابد من معونته لانه في حياته كان يستتر عند الاغتسال فكذلك يستر بعد موته ولانه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره وذكر القاضى الرويانى وغيره ان للولي أن يدخل ذلك الموضع ان شاء وان لم يغسل ولا اعان ويروى (ان غسل رسول الله ﷺ تولاه علي والفضل بن عباس ﵁ واسامة بن زيد يتناول الماء والعباس واقف) ثم يوضع علي لوح أو سرير هئ لذلك وليكن موضع رأسه أعلي لينحدر الماء عنه ولا يقف تحته ويغسل في قميص خلافا لابي حنيفة حيث قال الاولى ان يجرد ويروى مثله عن مالك وحكاه القاضي بن كج
[ ٥ / ١١٦ ]
وجها عن بعض الاصحاب لنا أنه استر له ولان النبي صلي الله عليه وسلم (غسل قميص) دل انه افضل وليكن القميص باليا أو سخيفا ثم ان كان القميص واسعا ادخل يديه في كميه وغسله من تحته وعلى يده خرقة وان كان ضيقا فتق رؤس الدخاريص وادخل اليد في موضع الفتق فلو لم يحسد قميصا أو لم يتأت غسله فيه ستر منه ما بين السره والركبة وحرم النظر إليه لما روى عن على كرم الله وجهه ان النبي ﷺ (قال لا تبرز فخندك ولا تنظر إلى فخذ حى ولا ميت) وعند أبى حنيفه يلقى خرقة علي فرجه وفخذه مكشوفة ويكره للغاسل ان ينظر الي شئ من بدنه الا لحاجة بان يريد معرفة المغسول من غيرر المغسول والمعين لا ينظر الا لضرورة (وقوله له) في الكتاب ولا ينزع قميصه غير
[ ٥ / ١١٧ ]
هذه العبارة اولي منها لانها توهم كونه في قميص قبل حالة الغسل والمحبوب نزع الثياب المخيطة عنه من حين مات إلي وقت الغسل والقميص الذى يغسل فيه يلبس عند غسله ذكره المسعودي وغيره (الثاني) يحضر ماء بارد في اناء كبير كالحب ونحوه ليغسل به وهو أولي من المسخن الا أن يحتاج الي المسخن لشدة البرد أو لوسخ وغيره وعند أبي حنيفة المسخن اولي بكل حال * لنا أن البارد يشد بدنه والمسخن يرخيه فكان البارد أولي وينبغى أن يبعد الاناء الذى فيه الماء عن المغتسل بحيث
لا يصيبه رشاش الماء عند الغسل اما من صار إلي قول نجاسة الآدمى بالموت قال لئلا ينجس بالرشاش الذى يصيبه وربما احتج بهذه المسألة على النجاسة (وأما) من نصر القول الصحيح وهو طهارته قال انما يبعد عنه لتكون النفس أطيب في أن لا يتقاطر الماء إليه وأيضا فالماء المستعمل إذا كثر تقاطره فقد يثبت لما يتقاطر إليه حكم الاستعمال فيخرج عن كونه طهورا وأما وصفه الماء المحضر بكونه طهورا ففيه فائدة على طهوره وهى انا نستحب استعمال السدر في بعض الغسلات على ما سيأتي لكن الظاهر ان الفرض لا يسقط به فلا يجوز أن يكون المماء المحضر مغيرا باسدر (والثالث) يعد الغاسل قبل الغسل خرقتين نظيفتين وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه اجلاسا رفيقا بحيث لا يعتدل ويكون مائلا إلي ورائه ويضع يده اليميني على كيفيه وابهامه في نقرة قفاه حتي لا يتمايل راسه ويسند ظهره إلى ركبته اليميني ويمر يده اليسرى علي بطنه امرارا بليغا ليخرج ما فيه
[ ٥ / ١١٨ ]
من الفضلات وينبغى أن تكون المجمرة والحالة هذه متقد مة فائحة بالطيبت والمعين يصب عليه ماء كثيرا لئلا تظهر رائحة ما يخرج ثم يرده علي هيئة الاستلقاء ويغسل بيساره وهى ملفوقة باحدى الخرقتين دبره ومذاكريه وعانته كما يستنجي الحى ثم يلقى تلك الخرقة ويغسل يده بماء واشنان ان تلوث (وقوله) في الكتاب ثم يبتدى بغسل سواتية بعد لف خرقة اليد يشعر بانه يغسل السوأتين معا بخرقة واحدة وكذلك ذكر الجمهور وسيحكى ما يفعله بالخرقة الثانية من الخرقتين المعدتين وفي النهاية والوسيط انه يغسل كل سوأة بخرقة ولا شك انه ابلغ في التنظيف (وقوله) ثم يتعهد مواضع النجاسة من بدنه فيه اشكال لانه ان كانت عليه نجاسة فازالتها قبل الغسل واجبة علي ما تقدم في غسل الاحياء فلا ينبغى ان يدرج في حد الاكمل ولم يذكر صاحب النهاية لفظ النجاسة في هذا الموضع لكن قال ان كان ببدنه قذر اعتنى به ولف خرقة على يده وغسله (الرابع) إذا فرغ من غسل سوأتيه لف الخرقة الاخرى علي اليد وادخل اصبعه في فيه وامرها على اسنانه بشئ من الماء ولا يقعر فاه وكذا يدخل طرف اصبعه في منخريه بشئ من الماء ليزيل ما فيها من الاذي ثم يوضئه كما يتوضأ الحي ثلاثا ثلاثا ويراعي المضمضة والاستنشاق خلافا لابي حنيفة * لنا ان النبي ﷺ
(قال للواتي غسلن ابنته ابدأن بمواضع الوضوء منها) وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء (ثم لفظ) الكتات وكلام الاكثرين يقتضي ان يكون ادخال الاصبع في الفم والمنخرين غير المضمضة والاستنشاق وانه في الفم بمنزلة السواك وغرضه التنظيف وفي الشامل وغيره ما يدل على ان المضمضة والاستنشاق ليسا وراء ذلك والظاهر الاول ثم يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتي لا يصل الماء الي باطنه وهل يكتفى بوصول الماء الي مقاديم الشعر والمنخرين ام يوصل الماء الي الداخل حكي امام الحرمين فيه ترددا الخوف وصول الماء إلى جوفه وتأثيره في تسارع الفساد إليه وقطع بانه لو كانت اسنانه متراصة لم يكلف فتحها *
[ ٥ / ١١٩ ]
قال (ثم يتعهد شعره بمشط واسع الاسنان ثم يضجع علي جنبه الايسر ويصب الماء علي شقه الايمن ثم يضجع علي شقه الايمن ويصب الماء علي الشق الايسر وذلك غسله واحده ثم يفعل ذلك ثلاثا فان حصل الانقاء والا فخمس أو سبع ثم يبالغ في تنشيفه صيانة للكفن ويستعمل قدرا من الكافور لدفع الهوام ويستعمل السدر في بعض الغسلات ولا يسقط (ح) الفرض به) * (إذا فرغ من توضيئه غسل رأسه ثم لحيته بالسدر والخطمي وسرحهما بمشط واسع الاسنان ان تلبد شعرهما ويرفق حتى لا ينتف شئ وان انتف رده إليه وليكن قوله بمشط معلما بالحاء والالف لان عندهما لا يتعهده بالمشط لكن يغسل ويزيل الوسخ * لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم (قال افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم) ومعلوم أن العروس يسرح شعرها ثم يضجع علي جنبه الايسر فيصب الماء علي شقه الايمن ثم يضجع على جنبه الايمن فيصب الماء على شقه الايسر هكذا ذكره صاحب الكتاب والامام في آخرين والاكثرون زادوا في هذه الكيفية ونقصوا فقالوا يغسل شقه الايمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه ثم يغسل شقه الايسر كذلك ثم يحرفه إلى حنبه الايسر فيغسل شقه الايمن مما بلى القضا والظهر من الكتف إلى القدم ثم يحرفه الي جنبه الايمن فيغسل شقه الايسر كذلك وهذا ما ذكره
[ ٥ / ١٢٠ ]
الشافعي ﵁ في المختصر وحكى أصحابنا العراقيون وغيرهم قولا آخر أنه يغسل جنبه
الايمن من مقدمه ويحوله فيغسل جانب ظهره الايمن ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الايسر من مقدمه ثم يحوله ويغسل جانب ظهره الايسر قالوا وكل واحد من الطريقين سائغ والاول أولي وليس في هذين الطريقين اضجاع على الجانب الايسر في أول الامر بل هو مستلق فيهما الي أن يغسل بعضه ثم يجرى الاضجاع فلا فلا بأس لو أعلمت قوله ثم يضجع علي جنبه الايسر بالواو وانما أمرناه بالابتداء بالميامن لان النبي ﷺ (أمر غاسلات ابنته بان يبدأن بميامنها) ويجب الاحتراز عن كبه غلى الوجه وإذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع ما ذكرناه غسلة واحدة وهذه الغسلة تكون باماء والسدر والخطمي تنظيفا وانقاء له ثم يصب عليه الماء القراح من فرقه الي قدمه ويستحب أن يغسله ثلاثا فان لم يحصل النقاء والتنظيف زاد حتى يحصل فان حصل بشفع فالمستحب ان يزيد واحدة ويختم بالوتر روى أنه ﷺ قال (لغاسلات ابنته ﵂ أغسلنها ثلاثا خمسا سبعا) وهل يسقط الفرض بالغسلة التى فيها السدر والخطمى ذكر في الكتاب فيه وجهين (أحدهما) نعم ونسبه في النهايه إلى أبى اسحق المروزى لان المقصود من غسل الميت التنظيف فالاستعانة بما يزيد في التنظيف مما لا يقدح (وأظهرهما) لا لان التغير به فاحش سالب للطهورية فاشبه
[ ٥ / ١٢١ ]
ما لو استعمله الحى في وضوءه وغسله وعلي هذا فتلك الغسلة غير من الغسلات الثلاث وهل تحسب الغسلة الواقعة بعدها فيه وجهان (أحدهما) نعم لانها غسلة بماء طهور لم يخالطه شئ وهذا اصح عند القاضى الروياني وأظهرهما عند الاكثرين ولم يذكر في التهذيب سواه انها لا تحسب لان الماء إذا أصاب المحل اختلط بما عليه من السدر وتغير به فعلي هذا المحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال السدر ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كافورا وهو في الغسلة الاخيرة آكد لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال لام عطية وهى من غاسلات بنته ﵂ (واجعلي في الاخيرة كافورا) والسبب فيه ان رائحته مطردة للهوام وليكن قليلا لا يتفاحش التغير به ولا يسلب الطهورية وقد يكون صلبا لا يقدح التغير به وان كان فاحشا على الصحيح لانه مجاور وبعيد تليين مفاصله بعد الغسل لانها لانت بالماء فيتوخي بالتليين بقاء لينها كما ذكرنا في التليين عقيب الموت ونقل المزني
اعادة التليين في أول وضعه على المغتسل وانكره اكثر الاصحاب ثم ينشفه ويبالغ فيه كيلا تبتل اكفانه فيسرع إليه الفساد هذا تمام مسائل الفصل * ثم أعرف أمورا (منها) أن صاحب الكتاب في الوسيط والامام في النهاية أشارا إلى أن تعهد الشعر بالغسل والتسريح ليس من نفس الغسل بل هو من مقدماته كالوضوء وغيره ولذلك قالا يصب الماء على شقه الايمن مبتدئا من رأسه إلى قدمه والاكثرون لم يذكروا صب الماء على الرأس ولكن قالوا يصبه على صفحة العنق والصدر والفخذ والساق وهذا مصير منهم الي أن غسل الرأس وتعهد الشعر من جملة الغسل وكلام الشافعي ﵁ في المختصر يوافق قول الاكثرين (ومنها) أن قوله وذلك غسله واحده ثم يفعل ذلك ثلاثا يقتضى استحباب ثلاث غسلات بعد تلك الغسله وهو صحيح بناء علي أن تلك الغسله بالماء المتغير بالسدر والخطمي وأن المحسوب الغسل بالماء القراح فانه حينئذ يراعي ثلاث غسلات بعدها بالماء القراح (وقوله) بعدها أو يستعمل السدر في بعض الغسلات ذلك البعض هو الغسله الاولى نصوا عليه كاقدمناه
[ ٥ / ١٢٢ ]
وانما أبهم ذكره المصنف وشيخه وربما أوهم ايراده عد الغسلة التى فيها السدر من الثلاث وتخصيص الخلاف بان الفرض هل يسقط بها فيجب الاحتراز عن الوهم ومعرفة انا إذا لم نسقط الفرض بها لا نحسبها من الثلاث أيضا يجوز ان يرقم لفظ الثلاث والخمس والسبع بالميم لانه روى عن مالك أنه لا اعتبار بالعدد وانما المعتبر الابقاء (وقوله) يستعمل قدرا من الكافور مرقوم بالحاء لان أبا حنيفه قل لا أعرف الكافور وذكر في السدر انه يغسل انه يغسل مرة بالماء القراح وأخرى بالسدر وثالثة بالماء القراح * (قال فان خرجت نجاسة بعد الغسل أزيلت النجاسة ولم يعد الغسل على الصحيح وفي اعادة الوضوء وجهان) * يتعهد الغاسل مسح بطن الميت في كل مرة بارفق مما قبلها فلو خرجت منه نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها ففيه ثلاثة أوجه (احدها) وبه قال ابن أبى هريرة يجب اعادة غسله ليكون خاتمة أمره علي كمال الطهارة (وأصحهما) وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني ﵏ انه لا يجب
شئ سوى ازالة النجاسة لسقوط الفرض بما وجد وحصول غرض التنظيف وربما نبى الخلاف في وجوب الغسل وعدمه علي اختلاف قراءة لفظ الشافعي ﵁ فانه قال في المسألة انقاءها بالخرقة وأعاد غسله فمنهم من قرأ بضم الغين وأوجب اعادة الغسل ومنهم من قرأ بفتحها وحمله علي ازالة النجاسة وربما سلموا ان لفظه الغسل وحملوه علي الاستحباب وإذا قلنا بالوجه الصحيح فلا فرق بين النجاسة الخارجة من السبيلين وغيرها وان قلنا بوجوب الوضوء فذلك في النجاسة الخارجة من السبيلين دون غير
[ ٥ / ١٢٣ ]
وان قلنا بوجوب الغسل ففى اعادة الغسل لسائر النجاسات احتمال عند امام الحرمين قدس الله روحه ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها فان قلنا يجب اعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج فكذلك ههنا هكذا اطلق صاحب التهذيب وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن الملموس ينتقض طهره وان قلنا لا يجب الا غسل المحل فلا يجب ههنا شي ولو وطئت فعلى الوجه الاول والثانى في خروج النجاسة يجب ههنا اعادة الغسل وعلى الثالث لا يجب شئ * وأعلم أن نفى وجوب الغسل أظهر من نفى وجوب الوضوء ولذلك أرسل صاحب الكتاب ذكر الخلاف في الوضوء وبين الصحيح في الغسل والنجاسة واجبة الازالة بكل حال فلذلك جزم به وقوله ولم يعد الغسل معلم بالالف لان عند احمد يعاد غسله سبع مرات ولم يتعرض الجمهور للفرق بين أن تخرج النجاسة قبل الادراج في الكفن أو بعده وأشار صاحب العدة الي تخصيص الخلاف في وجوب الوضوء والغسل بما إذا خرجت قبل الادراج والله اعلم * قال (وأما الغاسل فلا يغسل رجل امرأة الا بزوجية (ح) أو محرمية أو محرمية أو ملك يمين فيغسل السيد مستولدته وأمه (ح) وتغسل الزوجة زوجها ولا تغسل المستولدة والامة سيدهما على أحد الوجهين لان الموت ينقل ملك اليمين ويقرر ملك النكاح) * النظر الثاني فيمن يتولي الغسل والاصل أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء وأولى الرجل بغسل الرجل أولاهم بالصلاة عليه وسيأتي ترتيبهم فيها والنساء أولي بغسل المرأة بكل حال لان عورتها بالاضافة إليهم أخف وليس للرجل غسل المرأة الا باحد أسباب ثلاثة (أولها) الزوجية
فللزوج غسل زوجته خلافا لابي حنيفة وذكر صاحب الشامل أن عند احمد رواية مثل فول أبى حنيفة والاصح عنه مثل قولنا * لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال لعائشة (لو مت قبلى لغسلتك وكفنتك)
[ ٥ / ١٢٤ ]
(وغسل علي فاطمة ﵄) وله ذلك وإن تزوج باختها أو باربع سواها في أصح الوجهين ولو كانت الزوجه ذمية فله أن يغسلها إن شاء (والثانى) المحرمية وسياق الكلام في الكتاب يقتضى تجويز الغسل للرجال المحارم مع وجود النساء لان قوله لا يغسل رجل امرأة إلا بكذا وكذا مفروض في حال الاختيار والا فعند الضرورة قد يجوز للاجانب غسلها أيضا كما سيأتي لكن لم أر لعامة الاصحاب تصريحا بذلك وإنما يتكلمون في الترتيب ويقولون أن المحارم بعد النساء اولي (والثالث) ملك اليمين فيجوز للسيد غسل أمته ومدبرته وأم ولده خلافا لابي حنيفة فيما رواه في الشامل * واحتج لنا بانه يلزمه الاتفاق عليهما بحكم الملك فكان له أن يغسلها كالحية ويجوز له غسل المكاتبة أيضا لان الكتابة ترتفع بموتها وهذا كله إذا لم يكن مزوجات ولا معتدات فان كن مزوجات أو معتدات لم يكن له غسلهن وكما يغسل الزوج زوجته تغسل الزوجة زوجها خلافا لاحمد في رواية والاصح عنه موافقة الجمهور بان طلقها طلقة رجعية ومات احدهما في مدة العدة فليس للآخر غسله لحرمة النظر والمس في الحياة والي متي تغسل المرأة زوجها فيه ثلاثة أوجه (احدها) ما لم تنقض عدتها فان انقضت بوضع الحمل عقيب الموت لم تغسله وبه قال أبو حنيفة (والثاني) تغسله ما لم تنكح (والثالث) وهو الاصح ابدا وهو الذى ذكره في الكتاب في باب العدة وإذا غسل إحدى الزوجين لف خرقة علي يده ولم يمسه فان خالف فقد قال القاضى يصح الغسل ولا يبنى
[ ٥ / ١٢٥ ]
علي الخلاف في انتقاض طهر الملموس والله اعلم * وهل يجوز لام الولد والمدبرة والامة غسل السيد فيه وجهان (احدهما) وبه قال احمد نعم لانهن محللات له فاشبهن الزوجة (واظهرهما) وبه قال أبو حنيفة لا لان الموت ينقل ملك اليمين أما في حق الامة فالي الورثة وأما في المدبرة وام الولد فلانهما يعتقان بموته فكان الملك في رقبتهما ينتقل اليهما بخلاف ملك النكاح لا تنقطع حقوقه بالموت ألا ترى انهما يتوارثان وليس للمكاتبة غسل السيد فانها محرمة عليه قبل الموت *
قال (فان ماتت المرأة ولم يحضر الا احنبى غسلها (م ح) وغض البصر وقيل تيمم وكذا الخنثى يغسله رجل أو امرأة استصحابا بحكمه في الصغر) * في الفصل مسألتان (احداهما) لو ماتت امرأة وليس هناك الارجل اجنبي ففيه وجهان (احدهما) انها لا تغسل ولكن تيمم وتدفن ويجعل فقد الغاسل كفقد الماء وبهذا قال مالك وأبو حنيفة (والثاني) أنه يغسلها في ثيابها ويلف خرقة علي يده ويغض الطرف ما امكنه فان اضطر إلى النظر عذر للضرورة وعن احمد روايتان كالوجهين فيجوز أن يعلم قوله غسلها بالحاء والميم ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الثاني وهكذا ذكره الامام وحكاه عن القفال لكن الاظهر عند اصحابنا العراقيين والقاضي الرويانى والاكثرين هو الاول والوجهان جاريان فيما لو مات رجل وليس هناك إلا امرأة اجنبية (الثانية) الخنثى المشكل إذا مات وليس هناك محرم له من الرجال والنساء ينظر إن كان صغيرا بعد جاز للرجال والنساء غسله وكذا واضح الحال من الاطفال يجوز للفريقين جميعا غسله كما يجوز مسه والنظر إليه وان كان كبيرا فهل يغسل فيه وجهان كالوجهين في المسألة السابقة لانه بجوز أن يكون رجلا فيمتنع مسه على النساء أو امرأة فيمتنع مسها علي الرجال (أحدهما) انه ييمم ويدفن وبه قال أبو حنيفة ﵀ (والثانى) أنه يجوز غسله ومن الذى يغسله فيه وجوه (احدها) أنه
[ ٥ / ١٢٦ ]
يشترى من تركته جارية لتغسله فان لم يكن له تركة فيشترى من بيت المال قال الائمة وهذا ضعيف لان اثبات الملك ابتداء للشخص بعد موته مستبعد وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا ان الصحيح ان الامة لا تتغسل سيدها والوجه الثاني انه في حق الرجال كالمرأة وفي حق النساء كالرجل أخذا بالاسوأ في كل واحد من الطرفين (والثالث) وبه قال أبو زيد وهو الاظهر انه يجوز للرجال والنساء غسله جميعا لانه مست الحاجة الي الغسل وكان يجوز في الصغر غسله للطائفتين فيستصحب ذلك الاصل (واعلم) انه ليس المراد من الكبير في هذا الفصل البلوغ ومن الصغر عدمه لكن المعنى بالصغير الذى لم يبلغ حدا يشتهي مثله وبالكبير الذى بلغه * قال (فان ازدحم جمع كثير يصلحون للغسل علي امرأة فالبداءة بنسساء المحارم ثم بالاجنبيات
ثم بالزوج ثم بالرجال المحارم ثم ترتيب المارم كترتيبهم في الصلاة وقيل يقدم الزوج علي النساء لانه ينظر ما لا ينظرن إليه وقيل يقدم رجال المحارم علي الزوج لان النكاح انتهى بالموت) *
[ ٥ / ١٢٧ ]
الصالحون لغسلل الميت إذا ازدحموا لم يخل أما ان يكون الميت رجلا أو امراة فان كان رجلا فيغلسه قراباته على الترتيب الذى نذكره في الصلاة عليه وهل تقدم الزوجة عليهم فيه وجهان سيظهر توجيههما وان كان الميت امرأة فالنساء يقدمن في غسلها وأولاهن نساء القرابة منهن كل ذات رحم محرم فان استوت اثنتان في المحرمية فالتى هي في محل العصوبة أولى كالعمة مع الخالة واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الا قرب فالاقرب وبعد نساء القرابة تقدم النساء الاجنبيات ثم رجال القرابة وترتيبهم كما سيأتي في الصلاة وهل يتقدم الزوج على نساء القرابة فيه وجهان (أظهرهما) تقديم نساء القرابة ويحكى عن نص الشافعي ﵁ فان الانثي بالاناث اليق (والثاني) أنهن لا يقدمن بل الزوج يقدم عليهن لانه ينظر إلى ما لا ينظرن إليه وفي تقديم الزوج علي الرجال الاقارب أيضا وجهان (أحدهما) أنهم يقدمون عليه لان النكاح ينتهى بالموت وسبب المحرميه يدوم ويبقى (وأظهرهما) وهو اختيار القفال ان الزوج يقدم لانهم جميعا ذكور وهو ينظر الي ما لا ينظرون إليه فيقدم وأحكام النكاح تبقي بعد الموت ولولاه لما جاز له غسل الزوجة وجميع ما ذكرناه من التقديم فهو بشرط ان يكون المحكوم بتقديمه مسلما فلو كان كافرا فهو كالمعدوم ويقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي علي القريب المشرك ويشترط أيضا ان لا يكون فاتلا نعم لو كان قاتلا بحق فيبنى علي الخلاف
[ ٥ / ١٢٨ ]
في أنه هل يرث عنه ولو أن المقدم في أمر الغسل سلمه لمن بعده جاز له تعاطيه ولكن بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء وبالعكس ذكره الشيخ أبو محمد وغيره وقد حكاه المصنف في الوسيط بععد اطلاق الغسل المتأخر واشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشرط المذكور * قال (فرع: المحرم لا يقرب طيبا ولا يستر رأسه بل يبقى (م ح) اثر الاحرام وهل تصان المعتدة عن الطيب فيه وجهان وغير المحرم هل يقلم ظفره ويحلق شعره الذى يستحب في الحياة حلقه
فيه قولان) ذكرنا انه يطرح قدر من الكافور في الماء الذى يغسل به الميت وذلك في غير المحرم فاما المحرم فلا يقرب منه طيبا ابقاء لحكم الاحرام وكذلك لا يستر راسه ان كان رجلا ووجهه ان كان امراة ولا يلبس المخيط ولا يؤخذ شعره وظفره وبه قال احمد خلافا لابي حنيفة حيث قال حكمه حكم سائر الموتى وروى مثله عن مالك * لنا ما روى (ان رجلا كان مع النبي صلي الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا راسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا) ولا بأس بالتجمير عند غسله كما لا بأس بجلوس المحرم عند العطار وإذا ماتت المعتدة التي تحد هل يجوز تطيبها فيه وجهان (احدهما) لا صيانة لها عما كان حراما عليها في حياتها كالمحرم وبهذا قال أبو اسحق
[ ٥ / ١٢٩ ]
واظهرهما) نعم لان التحريم كان احترازا عن الرجال وتفجعا لفراق الزوج وقد زال المعنيان بالموت بخلاف المحرم فان التحريم في حقه لحق الله تعالي جده فلا يزول بالموت وهل تقلم اظفار غير المحرم من الموتي ويؤخذ شاربه وشعر إبطه وعانته فيه قولان (القديم) لا وبه قال مالك وأبو حنيفة والمومنى ﵏ لان مصيره الي البلي وصار كلاقلف لا يختن بعد موته (والجديد) وبه قال احمد نعم كما يتنظف الحي بهذه الاشياء وقد روى انه ﷺ قال (اصنعوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم) والقولان في الكراهية ولا خلاف في ان هذه الامور لا تستحب كذلك ذكره القاضي الرواياني ونقل تفريعا على الجديد انه يتخير الغاسل في شعر الابط بين النتف والازالة بالنورة ويأخذ شعر العانة بالجلم أو الموسي أو النورة وحكى عن بعض الاصحاب انه لا يزال الا بالنورة احتراز عن النظر إلى الفرج وقوله في الكتاب الذى يستحب في الحاية حلقه فية اشارة؟ الي انه لا يحلق شعر الرأس بحال فان ازالته غير مأمور بها الا في المناسك ومنهم من طرد الخلاف في شعر الرأس إذا كان من عادة الميت الحلق في حالة الحياة (واعلم) ان جميع ما ذكرناه في وظيفة الغسل مفروض في حق غير الشهيد فأما الشهيد فسيأتي حكمه في فصل الصلاة على الميت ولو احترق مسلم
ولو غسل لهرى لا يغسل بل ييمم محافظة علي جثته لتدفن بحالها ولو كان عليه قروح وخيف من غسله تسارع البلى إليه بعد الدفن غسل ولا مبالاة بما يكون بعده فالكل صائرون إلى البلى
[ ٥ / ١٣٠ ]
قال (القول في التكفين والمستحب في لونه البياض وفي جنسه القطن والكتان دون الحرير فانه يحررم للرجال ويكره للناس وأما عدده فاقله ثوب واحد ساتر لجميع البدن والثاني والثالث حق الميت في التركة تنفذ وصية باسقاطهما وليس للورثة المضايقة فيهما وهل للغرماء المنع منهما فيه وجهان ومن لا مال له يكفن من بيت المال ويقتصر علي ثوب واحد في أظهر الوجهين وفي وجوب الكفن علي الزوج وجهان) * يتضح الفصل برسم مسائل (أحداها) أن المستحب في لون الكفن البياض لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (خير ثيابكم البيض فاكسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم) وجنسه في حق كل ميت ما يجوز لبسه في حال الحياة فيجوز تكفين المرأة بالحرير لكنه يكره لانه سرف غير لائق بالحال ويحرم تكفين الرجال به كلبسه في الحياة ولك ان تقول قوله ومن جنسه القطن والكتان اما ان يريد استحباب هذين النوعين علي الخصوص أو يشير بهما إلى جميع الانواع المباحة ويكون التقدير القطن والكتان وما في معناهما أما الاول فقضيته تقديم النوعين علي سائر الانواع المباحة كالصوف وغيره وهذا شئ لم نره في كلام الاصحاب وان أرد الثاني فظاهر اللفظ معمول به في حق النساء دون الرجال اما أنه معمول به في حق النساء فلان تكفيهن بغير هذه الانواع وهو الحرير جائز وان كره فينتظم أن نقول تكفيهن بهذه الانواع مستحب واما انه غير معمول به في حق الرجال فلان استحباب شئ من هذه الانواع انا يكون إذا جاز تكفينهم بغير هذه الانواع وانه ممتنع (الثانية) أقل
[ ٥ / ١٣١ ]
الكفن ثوب واحد وأحبه للرجال ثلاثة أثواب روى ان النبي صلي الله عليه وسلم (كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) شرط صاحب الكتاب في الثوب الواحد الاقل أن يكون ساترا لجميع البدن وهكذا ذكر الامام وكثير من الاصحاب وحكى آخرون من العراقيين
وغيرهم أن الواجب قدر ما يستر العورة لان الميت لى آكد حالا من الحى والواجب في الحى ستر العورة لا غير وعلي هذا يختلف الحال باختلاف حال الميت في الذكورة والانوثة لاختلاف مقدار العورة بالحالتين وجمع القاضى الروايتى وآخرون بين النقلين وجعلوا المسالة علي وجهين (أحدهما) ان
[ ٥ / ١٣٢ ]
الواجب القدر الساتر للعورة (والثانى) ان الواجب ثوب سابغ وقد حكى عن نصه في الام انه ان كان له ثوب واحد لا يغطي جميع البدن ستر به العورة لانه واجب وستر غيرها ليس بواجب وان كان يبدو رأسه أو رجلاه غطي به راسه لما روى ان مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يخلف الا نمرة فكان إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فقال صلي الله عليه وسلم (غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الاذخر) واعرف في قوله في الكتاب وأما عدده فأقله ثوب واحد إلي آخره شيئين (أحد هما) ان هذا اللفظ يقتضي كون الواحد عددا لكن الحساب لا يجعلون الواحد عددا ويقولون العدد ما يتركب عن الواحد (والثاني) انا وان أوجبنا ثوبا ساترا لجميع البدن فذلك في حق غير المحرم أما المحرم فلا يتر رأسه ان كان رجلا ووجهه ان كان امرأة علي ما سبق (الثالثة) الثوب الواحد على ما وصفناه حق الله تعالي جده لا تنفذ وصية الميت باسقاطه والثانى والثالث حق الميت وهى بمثابة ثياب التجمل للحي فلو أوصي باسقاطها نفذ (كما اوصي أبو بكر ﵁ عنه بأن يكفن في ثوبه الخلق فنفذت وصيته (ولو لم يوص وتنازع الورثة في اكفائه واراد بعضهم الاقتصار علي ثوب واحد فقد حكي في النهاية فيه طريقين (احد هما) ان فيه وجهين كما سنذكرهما في مضايقه الغرماء فيه (والثاني) القطع بالمنع تقديما لحاجة المالك وظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب انه ليس لهم المضايقة سواء اثبتنا الخلاف ام لا ولو اتفق الورثة جميعا علي تكفينه في ثوب واحد
[ ٥ / ١٣٣ ]
فقد قال في التهذيب يجوز وطرد صاحب التتمة الخلاف فيه ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء لا نكفنه الا في ثوب واحد فهل يجابون إليه فيه وجهان (احدهما) لا كالمفلس الحي تترك عليه ثياب تجمله (واظهرهما) نعم فان الستر قد حصل وهو الي ابراء ذمته احوج منه الي زيادة الستر بخلاف الحي
يحتاج الي التجمل ويتقلب بين الناس (الرابعة) محل الكفن رأس مال التركة ان ترك الميت ما لا يقدم علي الديون والوصايا والميراث نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجاني ولا المال الذى فيه الزكاة فانه كالمرهون بها وان لم يترك مالا فكفنه على من هو في نفقته فيجب علي القريب كفن القريب وعلي السيد كفن العبد وام الولد وكذلك يجب كفن المكاتب عليه لان الكتابة تنفسخ بالموت ولا فرق في الا ولاد بين الصغار والكبار لان نفقتهم واجبة إذا كانوا عاجزين زمنى والميت عاجز ذكره في التتمة وهل يجب علي الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها فيه وجهان (أحدهما) وبه قال ابن أبي هريرة لا لان مؤنة الزوجة انما تجب علي الزوج في مقابلة التمكين من الاستمتاع فإذا ماتت فقد زال هذا المعني وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ (واصحهما) أنه يجبب ذلك علي الزوج لانها في نفقته في الحياة فيلزمه مؤنتها بعد الموت كالاب مع الابن والسيد مع العبد فعلي هذا لو لم يكن للزوج مال فحينئذ يجب في مالها (اما) إذا لم يترك الميت مالا ولا كان له من ينفق عليه فتكفينه ومؤنة دفنه من بيت المال كنفقته في الحاية وأهل يقتصر علي ثوب واحد أم يكمل الثلاث فيه وجهان (أظهرهما) يقتصر عليه ليتأدى الواجب به (والثاني) يكمل الثلاث ولا يقتصر عليه كما لا يقتصر في كسوة الحى علي ساتر العورة فعلي الاول لو ترك ثوبا واحدا فلا شئ من بيت المال وعلى الثاني هل يكتفى بما خلفه أم يكمل الثلاث من بيت المال ذكر الامام أن صاحب التقريب حكي فيه وجهين (أظهرهما) الثاني وإذا لم يكن في بيت المال مال فعلي عامة المسلمين الكفن ومؤنة الدفن (قال والزيادة على الثلاث إلى الخمس مستحب للنساء جائز للرجال غير مستحب والزيادة علي الخمس سرف
[ ٥ / ١٣٤ ]
علي الاطلاق ثم ان كفن في خمس فعمامة وقميص وثلاث لفائف سوابغ وإن كفن في ثلاث فثلاث لفائف من غير قميص ولا عمامة وإن كفنت المرأة في خمس فازار وخمار وثلاث لفائف سوابغ وفى قول تبدل لفافة بقميص وإن كفنت في ثلاث فثلاث لفائف) * قد ذكرنا أن العدد المستحب في كفن الرجال ثلاث اثواب فلو زيد عليه الي خمسة أثواب فهو جائز وإن لم يكن محبوبا وأما المرأة فيستحب أن تكفن في خمسة أثواب رعاية لزيادة الستر في حقها وحكم الخنثى
في ذلك حكم المرأة والزيادة علي الخمسة مكروهة علي الاطلاق لما فيها من السرف وقد روى ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (لا تغالوا في الكفن فانه يسلب سلبا سريعا) فإذا كانت المغالاة مكروهة فزيادة العدد أولى أن تكون مكروهة ثم إن كفن الرجل أو المرأة في ثلاث فالمحبوب ثلاث لفائف من غير عمامة للرجل ولا قميص وعن أبى حنيفة ان الرجل يكفن في إزار ورداء وقميص لنا (ما روى أن النبي صلى
[ ٥ / ١٣٥ ]
الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) وان كفن الرجل في خمسة أثواب فليكفن في عمامة وقميص وثلاث لفائف وتجعل العمامة والقميص تحتها ويستثني المحرم عن ذلك فلا يلبس المخيط على ما تقدم وإن كفنت المرأة في خمسة أثواب فقولان (أحدهما) ازار وخمار وثلاث لفائف والازار والخمار كالعمامة والرداء للرجل واللفائف كاللفائف (والثاني) ازار وخمار ولفافتان وقميص لما روى (ان أم عطية لما غسلت أم كلثوم ﵄ بنت رسول الله ﷺ كان النبي صلي الله عليه وسلم جالسا علي الباب فناولها ازار أو درعا وخمارا وثوبين) وينسب القول الاول الي الجديد (والثاني) الي القديم وذكر المزني أن الشافعي ﵁ ذكر القميص مرة ثم خط عليه ونقل عنه القول الاول وايراد الكتاب يقتضى ترجيحه لكن
[ ٥ / ١٣٦ ]
الاكثرين علي ترجيح القول الثاني ويجوز ان تعد المسألة من المسائل التى يجاب فيها على (القديم) ثم قال الشافعي ﵁ يشد علي صدرها ثوب لئلا يضطرب ثديها عند الحمل فتنشر الا كفان واختلفوا في ذلك الثوب فقال أبو اسحق هو ثوب سادس ليس من جملة الاكفان ويحل عنها إذا وضعت في القبر وقال ابن سريج يشد عليها ثوب من الخسمة ويترك (والاول) اظهر عند اللائمة وكيف ترتيب الاثواب الخمسة قال المحاملى وغيره علي قول ابي اسحق ان قلنا تقمص فيشد عليها المئزر أو لاثم الخمار ثم تلف في ثوبين ثم يشد عليها الثالث وان قلنا لا تقمص يشد علهيا المئزر ثم الخمار ثم تلف في ثلاثة أثواب ثم يشد عليها خرقة وعلى قول ابن سريج ان قلنا تقمص يشد عليها المئزر ثم الدرع ثم الخمار ثم تشد عليها الخرقة ثم تلف في ثوب وان قلنا لا تقمص يشد عليها المئرز ثم الخمار ثم تلف في ثوب ثم يشد
[ ٥ / ١٣٧ ]
عليها آخر ثم تلف في الخامس وإذا وقع التكفين في اللفائف الثلاث فكيف تكون هي فيه وجهان (أحدهما) ان تكون متفاوتة فالاسفل يأخذ ما بين سرته وركبته والثاني ياخذ من عنقه إلى كعبه والثالث يستر جميع بدنه (واظهرها) انه ينبغي ان تكون مستوية في الطول والعرض ياخذ كل واحد منها جميع بدنه واعلم انه لا فرق في التكفين في الثلاث بين الرجل والمرأة وانما الفرق بينهما في الخمس فهى في حق الرجل وعمامة قميص وثلاث لفائف وفي المرأة القولان المذكوران وإذا كان كذلك فايراد الفرض في اقصر من لفظ الكتاب ههين والله اعلم * قال (ثم يذر على كل لفافة حنوط ويوضع الميت عليه ويأخذ قدرا من القطن الحليج ويدسه في الاليتين وتشد الاليتان وتستوثق وتلصق بجميع منافذ البدن من المنخرين والاذنين والعينين قطنة عليها كافور ثم يلف الفن عليه بعد أن يبخر بالعود ويشد عليه بشداد وينزع الشداد عند الدفن) * غرض الفصل الكلام في ادراج الميت في الكفن وتوابعه فنقول تبخير الكفن بالعود مستحب إذا لم يكن الميت محرما وذلك بان ينصب مشجب وتوضع الاكفان عليها ويجمر تحتها ليصيبها دخان العود ثم تبسط أحسن اللفائف واوسعها ويذر عليها حنوط وتبسط الثانية فوقها ويذر عليها حنوط وتبسط الثالثة التي تلى الميت فوقها ويذر عليها حنوط وكافور ثم يوضع الميت فوقها مستلقيا ويؤخذ قدر من القطن الحليج ويجعل عليه حنوط وكافور ويدس في اليتيه حتي تتصل بالحلقة ليرد شيئا عساه عند التحريك ينفصل منه ولا يدخله في باطنه وفيه وجه انه لا بأس به ثم تشد اليتيه وتستوثق وذلك بان يأخذ خرقة ويشد رأسها ويجعل وسطها عند اليتيه وعانته ويشدها عليه فوق السرة بان يرد ما يلي ظهره الي سرته ويعطف الشقين الآخرين عليه ولو شد شقا من كل رأس علي هذا الفخذ ومثل ذلك علي الفخذ الثاني جاز أيضا وقيل يشدها بالخيط ولا يشق طرفيها ثم يأخذ شيئا من القطن ويضع عليه قدرا من الكافور والحنوط ويجعله علي منافذ البدن من المنخرين والاذنين والجراحات النافذة ان كانت عليه دفعا للهوام ويجعل الطيب علي مساجده
[ ٥ / ١٣٨ ]
وهى الجبهة والانف وباطن الكفين والركبتان والقدمان اكراما لها وذلك بان يجعل الطيب علي قطع قطن وتوضع علي هذه المواضع وقيل يجعل عليها بلا قطن ثم يلف الكفن عليه بان يثني من الثوب الذى يليه صنعته التي تلي شقه الايسر علي شقه الايمن والتي تلي شقه الايمن علي شقه الايسر كما يشتمل الحى بالقباء ثم يلف الثاني والثالث كذلك وفيه قول آخر أنه يبدأ بالشقة التي تلي شقه الايمن فيثنيها على شقه الايسر ويجعل التي تلي الايسر علي الايمن ليكون ما علي الايمن غالبا ولعل هذا اسبق الي الفهم مما رواه المزني في المختصر لكن الاول أصح عند الجمهور ومنهم من قطع به وإذا لف الكفن عليه جمع المفاصل عند رأسه جمع العمامة ورد علي وجهه وصدره الي حيث يبلغ وما فضل عند رجله يجعل على القدمين والساقين وينبغى أن يوضع الميت على الاكفان اولا بحيث إذا القيت عليه كان الفاضل عند رأسه اكثر كما ان الحى يجمع فضل ثيابه علي رأسه وهو العمامة ثم تشتد الاكفان عليه بشداد خيفة انتشارها عند الحمل فإذا وضع في القبر نزع وفي كون التحنيط واجبا أو مستحبا وجهان (أظهرهما) عند المصنف وامام الحرمين الثاني * قال (ثم يحمل الجنازة ثلاثة رجال رجل سابق بين العمودين ورجلان في مؤخر الجنازة فان عجز السابق أعانه رجلان خارج العمودين فتكون الجنازة محمولة بين خمسة أو بين ثلاثة والمشى قدام الجنازة أفضل (ح) والاسراع بها أولى)
[ ٥ / ١٣٩ ]
ليس في حمل الجنازة دناءة وسقوط مروءة بل هو بروا كرام الميت وقد نقل ذلك عن فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم اجميعن ولا يتولاه الا الرجال ذكرا كان الميت أو أنثي ولا يجوز الحمل علي الهيات المزرية ولا على الهيئة التي يخاف منها السقوط إذا عرفت ذلك ففى الفصل ثلاث مسائل (أحداها) في كيفية الحمل وقد نقل طريقان (أحد هما) الحمل بين العمودين يروى ان النبي صلي الله عليه وسلم (حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ بين العمودين) ومعناه أن يتقدم رجل فيضع الخشبتين الشاخصتين وهما العمود ان على
عاتقيه والخشبة المعترضة بينهما علي كتفيه ويحمل مؤخر الجنازة رجلان أحدهما من الجانب الايمن
[ ٥ / ١٤٠ ]
والثانى من الايسر ولا يمكن أن يتوسط الخشبتين واحد من مؤخرهما فانه لا يرى موضع قدميه والطريق بين يديه حينئذ فان لم يستتقل المتقدم بالحمل اعانه رجلان خارج العمودين يضع كل واحد منهما واحدا منهما علي عاتقه فتكون الجنازة محمولة علي خمسة (والثانى) التربيع روى عن ابن مسعود ﵁ انه قال (إذا تبع أحد كم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الاربعة ثم ليتطوع بعد أو ليذر فانه السنة) والتربيع أن يتقدم رجلان فيضع احدهما العمود الايمن على عاتقه الا يسر والاخر العمود الايسر علي عاتقه الايمن ولذلك يحمل العمودين من مؤخرها اثنان فتكون الجنازة على هذه الهيئة محمولة على اربعة وقد نقل عن نص الشافعي ﵁ ان من أراد التبرك يحمل الجنازة من جوانبها الاربعة بدأ بالعمود الايسر من مؤخرها فحمله علي عاتقه الايمن ثم يسلم الي غيره ويأخذ
[ ٥ / ١٤١ ]
العمود الايسر من مؤخرها فيحمله علي العاتق الايمن أبضا ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلا يكون ماشيا خلفها فيأخد العمود الايمن من مقدمها ويحمله على عاتقه الايسر ثم يأخذ العمود الايمن من مؤخرها ولا شك أن ذلك انما يتاتى والجنازة محموله علي هيئة التربيع فهذا شأن الطريقين وكل واحد منهما جائز وحكى القاضى الروايانى عن بعض الاصحاب ان الافضل الجمع بان يحمل تارة هكذا وتارة هكذا وإذا أراد الا قتصار على احدهما فايتهما أفضل (المشهور) في المذهب ان الحمل بين العمودين أفضل وعن احمد ان التربيع أفضل وبه قال بعض اصحابنا وعن مالك انهما سواء وأشار صاحب التقرى إلى وجه يوافقه وقال أبو حنيفة الحمل بين العمودين بدعة (الثانية) المشي امام الجنازة أفضل وبه قال مالك وروى مثله عن احمد ويروى عنه ان كان راكبا سار خلفها وان كان راجلا فقدامها وقال أبو حنيفة المشي خلفها افضل لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ قال رأيت النبي صلي الله عليه وسلم وسلم وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون امام الجنازة والافضل أن يكون قدامها قريبا منها بحيث لو التفت لرآها ولا يتقدمها الي المقبرة ولو تقدم لم يكره ثم هو
بالخيار ان شاء قام منتظرا لها وان شاء قعد لما روى عن علي ﵁ قال (قام رصول الله
[ ٥ / ١٤٢ ]
صلي الله علهى وسلم مع الجنازة حتي وضع وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمر هم بالقعود) وقال أبو حنيفة واحمد يكره الجلوس حتي توضع الجنازة (الثالثة) سنة المشى بالجنازة الا سراع الا ان يخاف من الاسراع تغيرا في الميت فيتأني بها والاسراع فوق المشى المعتاد دون الخبب؟ روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (سئل عن المشي بالجنازة فقال دون الخبب فان يك خيرا عجلتموه
[ ٥ / ١٤٣ ]
إليه وان يك شرا فبعدا لاهل النار) وان خيف عليه تغير وانفجار زيد في الاسراع * قال (القول في الصلاة والنظر في أربعة أطراف (الاول) فيمن يصلي عليه وهو كل ميت مسلم ليس بشهيد احترزنا بالميت عن عضو آدمى فانه لا يصلي عليه إلا إذا علم موت صاحبه فيصلي على صاحبه وان كان غائبا ويغسل العضو ويوارى بخرقة ويدفن) * حصر حجة الاسلام رحمة الله عليه بقة الكلام في صلاة الميت في أربعة أطراف للحاجة إلى النظر فيمن يصلى عليه ومن يصلي وفي أركان هذه الصلاة وشرائطها (الاول) فيمن يصلي عليه ويعتبر فيه ثلاثة قيود أن يكون ميتا مسلما غير شهيد (فاما) قيد المسلم فيتعلق به مسألتان يشتمل الفصل علي أحداهما وهى ما إذا وجدنا بعض مسلم دون باقيه مثل ان اكله السبع فلا يخلو أما أن يكون قد علم موت صاحبه أولا يعلم فان لم يعلم فلا يصلى عليه وان علم موته صلي عليه قل الموجود أم كثر وبه قال احمد خلا فلابي حنيفة حيث قال لا يصلي عليه الا ان يكون اكثر من النصف ويروى عن مالك مثله
[ ٥ / ١٤٤ ]
لنا أن الصحابة ﵃ صلوا على يد عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد رضى اللله عنه القاها طائر بمكة في وقعة الجمل وعرفوا أنها يده بخاتمه وهذا في غير الشعر والظفر ونحوها وفي هذه الاجزاء وجهان (اقربهما) إلى اطلاق الاكثرين أنها كغيرها نعم قال في العدة أن لم يوجد الاشعرة واحدة فلا يصلى عليها في ظاهر المذهب إذ لا حرمة لها ومتى شرعت الصلاة فلا بد من الغسل
والمواراة بخرقة (وأما) الدفن فلا يختص بموت صاحب العضو بل ما ينفصل من الحى من ظفر وشعر وغيرهما يستحب له دفنها وكذلك يوارى دم الفصد والحجامة والعلقة والمضغة تلقيهما المرأة وإذا وجد بعض ميت أو كله ولم يعلم أنه مسلم فان كان في دار الاسلام صلي عليه لان الغالب في دار الاسلام المسلمون (وقوله) الا إذا علم موت صاحبه يبين انه لا صلاة فيما إذا علم حياة صاحبه وفيما إذا
[ ٥ / ١٤٥ ]
لم يعلم موته ولا حياته فان كل واحدة من الحالتين تبقي في المستثني منه (وقوله) فيصلي علي صاحبه معلم بالحاء والميم وفيه اشارة إلى أن الصلاة ليست علي نفس العضو وانما هي علي الميت ولا ينوى الا الصلاة علي جملته وقد صرح بهذا القاضي الرويانى وغيره وكلام من قال يصلي علي العضو محمول عليه (فان قلت) هذا حسن لكنه استثنى الحالة التي حكم فيها بانه يصلي على صاحبه من قوله فانه لا يصلي عليه وفي هذه الحالة لا يصلي علي العضو ايضا فكيف ينتظم الاستثناء (فالجواب) ان قوله لا يصلي عليه أي على صاحبه كما ان قول من قال يصلي علي العضو محمول عليه وحينئذ ينتظم الاستثناء (وقوله) وان كان غائبا يشير إلى أن غيبة باقى لاشخص لا تضر فانا نجوز الصلاة علي الغائب كله فعلي الغائب بعضه أولي ولذلك قال امام الحرمين حقيقة الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة ﵀ في العضو يستند الي أن الصلاة علي الغائب صحيحة وهو لا يراها ويربط الصلاة بما شهد وحضر قال (وكذا السقط الذى لم يظهر فيه التخطيط لا يغسل ولا يصلي عليه فان ظهر الخطيط ففى الغسل قولان فان غسل ففى الصلاة قولان منشأهما التردد في الحياة وعلي كل حال يوارى بخرقة ويدفن فان اختلج بعد الانفصال فالصلاة عليه أولي (ح م) فان صرخ واستهل فهو كالكبير) المسألة الثانية في السقط وله حالتان (احداهما) ان يستهل أو يبكي فهو والكبير سواء لانا تيقنا حياته وموته بعد الحياة وقد روى انه صلي الله عليه وسلم قال (إذا استهل السقط صلي عليه)
[ ٥ / ١٤٦ ]
(والثانية) أن لا يتيقن حياته باستهلال وغيره فاما أن يعرى عن أمارات الحياة كالاختلاج ونحوه
أو يوجد شئ من ذلك فان عرى فينظر هل بلغ حدا يمكن نفخ الروح فيه وهو أربعة أشهر فصاعدا أم لا فان لم يبلغه فلا يصلي علهى وهل يغسل فيه طريقان (أصحهما) لا كما لا يصلى عليه فان حكم كل واحد منهما حكم من عرض له الموت وعروض الموت يستدى سبق الحياة (والثاني) فيه قولان وسنذكر الفرق بين الغسل والصلاة وان بلغ أربعة أشهر فصاعدا فهل يصلي عليه فيه قولان (أحدهما) وينسب الي القديم نعم إذ ورد في الخبر أن الولد إذا بقى في بطن أمه أربعة أشهر ينفح فيه الروح ويحكي عن الام والبويطي أنه لا يصلى عليه ويوجه بالخبر الذى سبق فان ظاهر يقتضى
[ ٥ / ١٤٧ ]
اشتراط الاستهلال وأيضا بأنه لا يرث ولا يورث فلا تجب الصلاة عليه كما لو سقط لدون أربعة أشهر وفي الغسل طريقان (اظهرهما) القطع بانه يغسل (والثاني) فيه قولان والفرق أن الغسل أوسع بابا من الصلاة الا ترى ان الذمي لا يصلي عليه ويغسل واما إذا اختلج بعد الانفصال وتحرك ففى الصلاة عليه قولان (احدهما) لا يصلي عليه وبه قال مالك لعدم تيقن الحياة بخلاف الاستهلال (واظهرهما) أنه يصلي عليه لظهور احتمال الحياة بسبب الامارة الدالة عليها ومنهم من قطع بانه يصلي عليه وفي الغسل هذان الطريقان لكن القطع في الغسل أظهر منه في الصلاة ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب هذان الطريقان لكن القطع في الغسل أظهر منه في الصلاة ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب (أما) قوله السقط الذى لم يظهر فيه التخطيط (وقوله) ظهر فيه التخطيط فاعلم أن المراد منه ظهور خلفة الآدمى وهذه العبارة حكاها امام الحرمين عن الشيخ أبي علي وعبارة الجمهور التى قدمناها وهى أن ينظر هل بلغ حد نفخ الروح ام لا قال الامام ويمكن ان يقال الاختلاف في محض العبارة ومهما بدأ التخليق فقد دخل أوان نفخ الروح وان لم يبد لم يدخل وقد يظن تخلل زمان بين أوائل التخليق وبين جريان الروح فان كان هكذا اختلف الطريقان والله أعلم (وقوله) وان ظهر التخطيط اي ولم يختلج ولا تحرك (اما) إذا اختلج فقد ذكره من بعد (وقوله) وان غسل ففى الصلاة قولان ترتيب للصلاة على الغسل ان قلنا لا يغسل فلا يصلي عليه وان قلنا يغسل ففى الصلاة قولان وإذا جمعنا بينهما قلنا فيه ثلاثة اقوال ثلثها الفرق بين الغسل والصلاة وقوله منشأهما التردد في الحياة
أي في منشأ القولين فيهما جميعا لا في الصلاة وحدها وإن كان مذكورا بعد ذكر قولي الصلاة (وقوله) وعلي كل حال يوارى بخرقة ويدفه.
الموارة قد تكون علي هيئة التكفين على ما سبق بيانها وقد
[ ٥ / ١٤٨ ]
تكون علي غير تلك الهيئة فما لم يظهر فيه خلقة الآدمى يكفى فيه المواراة كيف كانت وبعد ظهور خلقة الآدمى حكم التكفين حكم الغسل (وقوله) عند الاختلاج فالصلاة عليه اولى أي من من الصلاة عند عدم الاختلاج وهو جواب علي طريقة طرد القولين والحالة هذه وقد حكينا فيها قطع قاطعين بانه يصلي عليه فيجوز ان يعلم قوله فالصلاة عليه اولي بالواو اشارة إليه (قوله) فان صرخ واستهل هو الحالة الاولى في ترتيب الشرح * قال (واحترزنا بالمسلم عن الكافر فانه لا يصلى عليه ذميا كان أو حربيا لكن تكفين الذمي ودفنه من فروض الكفايات وفاء بذمته وقيل لا ذمة بعد الموت فهو كالحربي ولو اختلط موتي المسلمين بالمشركين غسلنا جميعهم كفناهم تقصيا عن الواجب ثم عند الصلاة يميز المسلمون بالنية) * القيد الثاني كونه مسلما فلا تجوز الصلاة على الكافر حربيا كان أو ذميا قال الله تعالي (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) ولا يجب على المسلمين غسله أيضا ذميا كان أو حربيا لكن يجوز خلافا لمالك ﵀ * لنا ان النبي ﷺ (أمر عليا ﵁ بغسل أبيه أبي طالب) وأقاربه الكفار أولى بغسله من المسلمين (وأما) التكفين والدفن فينظر ان كان الكافر ذميا ففى وجوبهما علي المسلمين وجهان (أظهرهما) يجب وفاء بذمته كما يجب أن يطعم ويكسى في حياته (والثاني)
[ ٥ / ١٤٩ ]
لا يجب فانا لم نلتزم الا الذب عنه في حياته والذمة قد انتهت بالموت وان كان حربيا ففى الكتاب إشعار بأنه لا يجب تكفينه ولا دفنه بلا خلاف لانه ألحق الذمي به في الوجه الثاني لكن صاحب التهذيب فرق بين الامرين فقال لا يجب تكفينه لان النبي صلي الله عليه وسلم (أمر بالقاء قتلي بدر في القليب علي هيئاتهم) وفي وجوب مواراته وجهان أحدهما يجب لان النبي صلي الله عليه وسلم
(أمر بها في قتلى بدر) (والثاني) لا يجب بل يجوز اغراء الكلاب عليه فان فعل فذاك لئلا يتأذى الناس برائحته وكذلك حكم المرتد إذا عرفت ذلك فلو اختلط موتى المسلمين بموت المشركين ولم يتميزوا بأن انهدم عليهم سقف مثلا وجب غسل جميعهم والصلاة عليهم وبه قال مالك وأحمد ثم ان صلى عليهم دفعة جاز ويقصد المسلمين منهم بنيته وان صلي عليهم واحدا واحدا جاز ايضا وينوى الصلاة عليه ان كان مسلما ويقول اللهم اغفر له ان كان مسلما وعند أبي حنيفة ﵀ يصلي عليهم الا أن يكون المسلمون أكثر * لنا ان الصلاة علي المسلمين واجبة بالنصوص ولا سبيل الي إقامة الواجب ههنا الا بهذا الطريق *
[ ٥ / ١٥٠ ]
قال (وأما الشهيد فلا يغسل (ح) ولا يصلي عليه والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال فان كان في قتال أهل البغي أو مات حتف انفه في قتال الكفار أو قبله حربى اغتيالا من غير قتال أو جرح في القتال ومات بعد انفصال القتال وكان بحيث يقطع بموته ففى الكل قولان منشأهما التردد في ان هذه الاوصاف؟ هل هي مؤثرة أم لا (أما) القتيل ظلما من مسلم أو ذمى أو باغ أو المبطون أو الغريب يغسلون ويصلي عليهم) * القيد الثالث لمن يصلي عليه أن لا يكون شهيدا فالشهيد لا يصلي عليه ولا يغسل ايضا وبه قال مالك خلافا لابي حنيفة في الصلاة وبه قال أحمد في رواية واختاره المزني * لنا ان جابرا وأنسا ﵄ رويا ان النبي صلي الله عليه وسلم لم (يصل علي قتلى احد ولم يغسلهم) ولا فرق بين الرجل والمرأة والحر والعبد والبالغ والصبى وعند ابي حنيفة كسائر الموتى يغسل ثم ما المعنى بقولنا لا يغسل ولا يصلي عليه يغنى به انهما لا يجبان أو يحرمان (واما) لصلاة ففي النهاية والتهذيب ذكر وجهين في جوازها (اظهرهما) انها غير جائزة ولو جازت لوجبت كالصلاة علي سائر الموتي (والثانى) انها جائزة وانما تترك رخصة لمكان الاشتغال بالحرب وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد فيما علق عليه وأما الغسل فقدا طلق في التهذيب المنع منه وذكر الامام انه لا سبيل إليه وان جوزنا الصلاة إذا ادى غسله إلى
[ ٥ / ١٥١ ]
إزالة دم الشهادة فان لم يكن عليه دم ففى غسله تردد كما في الصلاة إذا تقرر ذلك فلابد من معرفة الشهيد (واعلم) ان اسم الشهيد قد يخص في الفقه بمن لا يغسل ولا يصلي عليه وعلي هذا فقوله والشهيد من مات بسبب القتال الي آخره مجرى علي ظاهره وقد يسمي كل مقتول ظلما شهيدا وهو اظهر الا ترى أن الشافعي ﵁ يقول في المختصر والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام إلى ان قال كغيرهم من الموتى اثبت اسم الشهادة مع الحكم بأنهم كسائر الموتى وعلي هذا فقوله في الكتاب والشهيد من مات أي والشهيد الذى ذكرنا انه لا يغسل ولا يصلي عليه وعلى هذا الاصطلاح نقول الشهداء نوعان (احدهما) الذين لا يغسلون ولا يصلي عليهم وضبط في الكتاب فقال والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال وقد اشتمل علي ثلاثة معان (الموت) بسبب القتال (وكونه) قتال الكفار (وكون) الموت في وقت قيام القتال ويدخل فيه ما إذا قتله مشرك وما إذا اصابه سلاح مسلم خطأ أو عاد إليه سهمه أو تردى في حملته في وهدة أو سقط عن فرسه أو رفته دابة فمات وما إذا انكشف الحرب عن قتيل من المسلمين سواء كان عليه اثر ام لا لان الظاهر موته بسبب من اسباب القتال ويحتمل انه مات لسقطة وغيرها فلم يظهر عليه اثر وعند ابى حنيفة وأحمد ان لم يكن عليه اثر غسل وصلى عليه ومهما فقد احد المعاني التي يتركب عنها الضابط ففى ثبوت حكم الشهادة خلاف ويتبين ذلك بمسائل (احداها) المقتول من اهل العدل في معترك اهل العدل في معترك اهل البغى هل يغسل ويصلي عليه فيه قولان (احدهما) لا وبه قال أبو حنيفة في الغسل كالمقتول في معترك الكفار ويروى
[ ٥ / ١٥٢ ]
ان عليا ﵁ (لم يغسل من قتل معه وأوصي عما ﵁ أن لا يغسل) (والثانى) وبه قال
[ ٥ / ١٥٣ ]
مالك نعم لانه قتيل مسلم فاشبه ما لو قتله في غير القتال * واحتج لهذا القول بان أسماء (غسلت ابنها ابن الزبير ﵃ ولم ينكر عليها منكر) وعن احمد روايتان كالقولين ودكر قوم منهم صاحب العدة أن القول الاول اصح لكن الجمهور علي ترجيح الثاني والقولان منصوصان في المختصر في كتاب قتال أهل البغي ولا خلاف عند نافي أن الباغي إذا قتله العادل يغسل ويصلي عليه وقال أبو حنيفة لا يصلي
عليه عقوبة له ومن قتله القطاع من الرفقة فيه طريقان (أحدهما) أن حكمه على القولين في العادل إذا قتله أهل البغي (والثاني) أنه ليس بشهيد جزما والفرق ان قتالهم مع أهل العدل علي تأويل الدين بخلاف القطاع (الثانية) لو مات في معترك الكفار لا بسبب من أسباب القتال ولكن مفاجأة أو لمرض فقد حكى الامام عن شيخه فيه وجهين (أصحهما) أنه ليس بشهيد ولم يذكر في التهذيب سواه ووجهه أن الاصل وجوب الغسل والصلاة وخالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال تعظيما لا مره وحثا للناس عليه (الثالثة) لو دخل الحربي بلاد الاسلام فقتل مسلما اغتيالا من غير قتال فقد ذكر الامام أن الشيخ أبا علي حكي فيه وجهين والاصح المشهور انه لا يثبت له حكم الشهادة (الرابعة) لو جرح في القتال ومات بعد انقضائه ففى ثبوت حكم الشهادة قولان (أحدهما) يثبت لانه مات بجرح وجد فيه فاشبه ما لو مات قبل انقضائه (وأظهرهما) وبه قال احمد فيما رواه صاحب الشامل وغيره انه لا يثبت لانه عاش بعد
[ ٥ / ١٥٤ ]
انقضاء الحرب كما لو مات بسبب آخر ولا فرق على القولين بين ان يطعم أو يتكلم أو يصلي وبين ان لا يفعل شيئا من ذلك ولا بين أن يمتد الزمان أو لا يمتد وقال مالك ان امتد الوقت أو اكل غسل وصلي عليه والا فلا وقال أبو حنيفة ان طعم أو تكلم أو صلي فهو كسائر الموتى وللقولين شرطان (أحدهما) قد تعرض له في الكتاب ان يقطع بموته من تلك الجراحة فاما إذا توقع بقاؤه فمات بعد انقضاء التقال فليس بشهيد بلا خلاف (والثانى) أن تبقى فيه حياة مستقرة ثم يموت بعد انقضاء القتال فأما إذا انقضى القتال وليس به الا حركة المذبوح فهو شهيد بلا خلاف وهذه المسائل الاربع باسرها مذكورة في الكتاب وقد تبين بما ذكرناه ان الاظهر فيها جميعا انتفاء الشهادة واعتبار المعاني الثلاثة في الضابط؟ وأعلم قوله في وقت قيام القتال بالحاء والميم لانهما لا يعتبران قيام القتال وانما مذهبهما ما قدمناه وقوله ففى الكل قولان فيه اثبات قولين في الصور الاربع وهما مشهوران في الاولي والرابعة فام الثانية والثالثة فلم نر للمعظم فيهما حكاية القولين وانما ذكر من الخلاف وجهين ويجوز ان يغلم قوله قولان بالواو لان في النهاية حكاية طريقة في الصورة الرابعة مفصلة وهى انه ان مات قريبا ففيه قولان وان بقى اياما ثم مات فليس بشهبد قطعا والذى في الكتاب اثبات قولين على
الاطلاق (وقوله) منشأهما التردد في أن في أن هذه الاوصاف مؤثرة أم لا يعنى الاوصاف الثلاثه المذكورة في الضابط هل هي مؤثرة في موضع الاثبات ام لا وليس في هذا القدر من التوجيه كثير فائدة فان الفقيه لا يشك في انا إذا نطنا حكما بامور واختلفنا في بقاء ذلك الحكم مع فوات بعض الامور فقد اختلفنا في تأثيره وإنما المهم النظر في أنه لم يعتبر أو يلغى (النوع الثاني) من الشهداء العارون عن الاوصاف للمذكورة جميعا فهم كسائر الموتى يغسلون ويصلى عليهم وان ورد لفظ الشهادة فيهم كالمبطون والغريب والغريق والميت عشقا والميتة طلقا وكذا الذى قتله ظلما مسلم أو آدمى أو باغ في غير القتال حكمه حكم سائر الموتي وبه قال مالك وهو رواية عن احمد خلافا لابي حنيفة حيث قال كل من قتل ظلما قتلا يوجب القصاص فهو شهيد وان وجب به المال فلا فيخرج من ذلك ان المقتول بالمثقل ليس بشهيد
[ ٥ / ١٥٥ ]
فيما نحن فيه ولم يعتبر في القتال ذلك بل اثبت حكم الشهادة سواء قتل بالمثقل أو بالمحدد وقال احمد في رواية كل مقتول ظلما فهو شهيد * لنا ان عمر ابن الخطاب ﵁ غسل وصلي عليه وكذلك عثمان ﵁ وقد قتلا ظلما بالمحدد) * قال (وكذا القتيل بالحق قصاصا اوحدا ليس بشهيد وتارك الصلاة يصلي عليه (و) وقاطع الطريق يفتل أولا ويصلى عليه ويغسل ويكفن ثم يصلب مكفنا علي قول وعلى قول يقتل مصلوبا ثم ينزل ويغسل ويصلى عليه ويدفن ومن رأى انه يقتل مصلوبا ويبقى فقد قال لا يصلى عليه) * إذا تبين ان المقتول ظلما ليس بشهيد إذا لم يكن بالصفات المقدمة فالقتيل حقا أولى ان لا يكون شهيدا وقد روى ان النبي صلي الله عليه وسلم (رجم الغامدية وصلى عليها) وذكر في الكتاب مما يتفرع علي هذا الاصل صورتين وذكرهما في غير هذا الموضع (أحداهما) ان تارك الصلاة يصلى عليه ويغسل لانه مسلم مقتول حقا وعن صاحب التلخيص انه لا يصلى عليه لانه ترك الصلاة في حياته فترك الصلاة عليه وقال ايضا لا يغسل ولا يكفن ويطمس قبره تغليظا عليه (الثانية) غسل قاطع الطريق والصلاة عليه تبنى علي كيفية اقامة الحد عليه وفي قتله وصلبه إذا اقتضى الحال الجمع بينهما خلاف على ما سيأتي شرحه وتفصيله في موضعه ان شاء الله تعالي (وأظهر) القولين أنه يقدم القتل علي الصلب
فيقتل ثم يغسل ويصلي عليه ثم يصلب مكفنا (والقول الثاني) أنه يقدم الصلب ثم يقتل وبه قال أبو حنيفة ﵀ وعلي القولين إذا صلب فهو ينزل بعد ثلاثة أيام أو يبقى حتى يتهرى فيه وجهان (فان قلنا) بالوجه الاول تفريعا علي القول الثاني فيغسل بعد ما ينزل ويصلي عليه (وان قلنا) بالوجه الثاني تفريعا عليه فلا يغسل ويصلي عليه وهذا ما اشار إليه بقوله ومن رأى أنه يقتل ويبقى فقد قال لا يصلي عليه قال امام الحرمين وكان لا يمتنع ان يقتل مصلوبا وينزل فيغسل ويصلي عليه ثم يرد ولكن لم يذهب إليه أحد (وقوله) ويصلى عليه مرقوم بالحاء لانه يقول لا يصلي علي قاطع الطريق عقوبة له كما ذكر في الباغى وحكي في النهاية طريقة أخرى غير مبنية علي كيفية عقوبة قاطع الطريق فقال قال بعض
[ ٥ / ١٥٦ ]
الاصحاب يغسل ولا يصلي عليه استهانة به تحقيرا لشانه فيجوز ان يعلم قوله في الكتاب في موضعين من الفصل ويغسل ويصلى عليه وبالواو اشارة إلى هذه الطريقة وليست هي بالوجه المذكور في قوله ومن رأى انه يقتل مصلوبا إلى آخره لانه مبنى علي كيفية عقوبته * قال (ثم الشهيد لا يغسل وان كان جنبا وهل يزال أثر النجاسة التى ليست من أثر الشهادة فيه خلاف وثيابه الملطخة بالدم تترك عليه مع كفنه الا ان ينزعها الوارث وينزع منه الدرع وثياب القتال) * الفصل يشتمل علي ثلاث صور (أحداها) استشهد جنب هل يغسل فيه وجهان (اصحهما) لا وهو المذكور في الكتاب وبه قال مالك لان حنظلة بن الراهب ﵁ (قتل يوم أحد وهو جنب فلم يغسله النبي صلي الله عليه وسلم وقال رأيت الملائكة تغسله) (والثانى) وبه قال احمد وابن سريج وابن ابى هريرة يغسل لان الشهادة انما تؤثر في غسل وجب بالموت وهذا الغسل كان واجبا قبله والوجهان متفقان على انه لا يصلى عليه وعند أبى حنيفة يغسل ويصلى عليه (الثانية) لو أصابته نجاسة لا بسبب الشهادة فهل تغسل تلك النجاسة عنه قال امام الحرمين حاصل القول فيه اوجه استخرجتها من كلام الاصحاب (أحدها) وهو الظاهر انها تزال لان الذى نبقيه أثر العبادة وليست هذه النجاسة من اثر العبادة (والثاني) لا لانا نهينا عن غسل الشهيد مطلقا (والثالث) انه ان ادى ازالتها الي ازالة اثر الشهادة فلا تزال والا فتزال (الثالثة) الاولى ان يكفن في ثيابه الملطخة بالدم فان لم يكن ما عليه سابغا اتم
[ ٥ / ١٥٧ ]
وان اراد الورثة نزع ما عليه من الثياب وتكفينه في غيرها لم يمنعوا وقال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز ابدالها بغيرها من الثياب واما الدرع والجلود والفراء والخفاف فتزع منه خلافا لمالك حيث قال لا ينزع منه فرو ولا خف * لنا علي أبى حنيفة القياس علي سائر الموتى ويفارق الغسل والصلاة (اما) الغسل فلان في تركه ابقاء لاثر الشهادة علي بدنه وأما الصلاة فلان في تركها تعظيما له واشعارا باستغنائه عن دعاء القوم وعلي مالك لما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (أمر بقتلى أحد ان ينزع عنهم الحديد والجلود وان يدفنوا بدمائهم وثيابهم) وقوله في الكتاب وثيابهم الملطخة بالدم تترك عليه مع كفنه ظاهره يقتضي كونها غير الكفن لكن الذى قاله الجمهور انه يكفن بها فان لم تكف أتمت والله اعلم * قال (الطرف الثاني: فيمن يصلى والاولي بها ولا يقدم علي القرابة الا الذكور ولا يقدم الوالى (و) عليه ثم يبدأ بالاب ثم الجد ثم الابن ثم بالعصبات علي ترتيبهم في الولاية ثم الاخ من الاب والام مقدم علي الاخ من الاب في أصح الطريقين ثم ان لم يكن وارث فذووا الارحام ويقدم عليهم المعتق) * غرض الفصل الكلام فيمن هو أولي بالصلاة علي الميت وقد اختلف قول الشافعي ﵁ في أن الولي أولي بها أم الوالي (قال) في القديم الوالي أولي ثم أمام المسجد ثم الولي وبه قال
[ ٥ / ١٥٨ ]
مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ كما في سائر الصلوات وقد روى (أن حسينا ﵁ قدم سعيد بن العاص أمير المدينة فصلى علي الحسن ﵁) (وقال) في الجديد وهو المذكور في الكتاب الولى أولى أولى لانها من قضاء حق الميت فاشبهت الدفن والتكفين ولانها من الامور الخاصة بالقريب فالولى أولى بها من الوالي كولاية التزويج وتفارق سائر الصلوات لان معظم الغرض ههنا الدعاء للميت فمن يختص بزيادة الشفقة دعاؤه أقرب الي الاجابة ونعني بالولي القريب فلا يقدم غيره عليه الا ان يكون القريب انثي وثم أجنبي ذكر فهو أولي حتي يقدم الصبي المراهق علي علي المرأة القريبة وهكذا الحكم في سائر الصلوات الرجل أولي من المرأة لان اقتداء النساء بالرجال جائز وبالعكس لا يجوز
ثم في انفراد النسوة بهذه الصلاة كلام سيأتي من بعد ثم الاولى من الاقارب الاب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الابن ثم ابن الابن وان سفل وهما مؤخران عن الاب والجدوان كانا مقدمين عليها في عصوبة الميراث ومقدمان على سائر العصبات وان لم يثبت لهما ولاية التزويج اما تأخيرهما عن الاب والجد فلان المقصود الدعاء والاب اشفق فيكون دعاؤه اقرب الي الاجالة واما تقديمهما علي سائر العصبات فلمثل هذا المعنى أيضا بخلاف امر النكاح فان اعتناءهم بحفظ النسب أشد ثم بعد الابن يقدم الاخ وفي تقديم الاخ من الابوين علي الاخ من الاب طريقان (أحدهما) أن فيه قولين كما سيأتي ذكر هما في ولاية النكاح وبه قال القاضى أبو حامد وابو علي الطيرى (واصحهما) القطع بتقديمه لان لقرابة النساء تأثيرا في الباب علي ما سيأتي فيصلح للترجيح وليس لها تأثير في ولاية التزويج بحال وعلي هذا فالمقدم بعدهما ابن الاخ للاب والام ثم ابن الاخ للاب ثم العم للاب والام ثم العم للاب ثم ابن العم للاب الام ثم ابن العم للاب ثم عم الاب ثم عم الجد على ترتيب العصبات في الميراث والولاية وان لم يكن أحد من عصبات النسب اصلا قدم المعتق قال في النهاية ولعل الظاهر تقديمه علي ذوى الارحام ولهم استحقاق في هذا الباب للمعني الذى تقدم بخلاف ما في الميراث (وأما) ما يتعلق بلفظ الكتاب فقوله ولا يقدم الوالي عليه مرقوم بالميم والحاء والالف والواو لما قدمناه ولك أن تعلم قوله الاولي بها القريب بهذه العلامات ايضا وقد يبحث عن قوله ولا يقدم على القرابة إلا الذكورة
[ ٥ / ١٥٩ ]
فتقول قضية هذا الكلام تقديم القريب علي الاجنبي الذى أوصى الانسان بأن يصلي عليه فهل هو كذلك ام يتبع وصيه (والجواب) ان الشيخ ابا محمد خرج المسألة علي وجهين كالوجهين فيما إذا اوصى في أمر أطفاله الي اجنبي وأبوه الذى يلى أمرهم شرعا حي (أصحهما) ولم يذكر الاكثرون سواه تقديم القريب لان الصلاة حقه فلا تنفذ وصية فيه (والثانى) انه تتبع وصيته وهو مذهب أحمد ﵀ وبه أفتى الامام محمد بن يحيى قدس الله روجه في جواب مسائل سأله عنها والدى رحمة الله عليهما (وقوله) ثم يبدأ بالاب ثم الجد معلم بالميم لان مالكا يقدم الابن علي الاب وقوله ثم العصبات معلم بالميم أيضا لانه يوجب تأخير الاخ عن الجد وعنده يقدم الاخ عليه و(وقوله) ثم إن لم يكن وارث فذووا
الارحام يقتضى تقديم الاخ للام علي ذوى الارحام كلهم قال صاحب التهذيب ان لم يكن أحد من العصبات فان الام أولي ثم الاخ للام ثم الخال ثم العم للام فيقدم أبو الأم وهو من ذوى الارحام علي الاخ للام فالوجه ان يحمل قوله ان لم يكن وارث أي من العصبات وهم الذين سبق ذكرهم هذا الكلام (وقوله) ويقدم عليهم المعتق كأنه مذكور ايضاحا وإلا فقد تقدم في موضعين من من لفظ الكتاب ما يفيده (أحدهما) حيث قال ثم العصبات علي ترتيبهم في الولاية وذلك يقتضي ان أن يلى درجة المعتق درجة عصبات النسب كما في الولاية وذلك يقتضى ان لا يتخللها ذوو الارحام (والثانى) حيث قال ثم ان لم يكن وارث فذووا الارحام والمعتق من الوارثين ثم لا بأس باعلام قوله ويقدم عليهم المعتق بالواو لان في لفظ صاحب النهاية ما يقتضي إثبات خلاف فيه كما قدمناه وكذلك لفظ المصنف في الوسيط * قال (وإذا تعارض السن والفقه فالفقيه اولي علي اظهر المذهبين ولو كان فيهم عبد فقيه وحر غير فقيه أو اخ رقيق وعم حر ففى المسألتين تردد وعند تساوى الخصال لا مرجع إلا القرعة أو التراضي) * إذا اجتمع اثنان في درجة واحدة كابنين واخوين ونحوهما وتنازعا فقد قال في المختصر يقدم الاسن وذكر في سائر الصلوات ان الافقه أولى واختلف الاصحاب علي طريقتين (اصحهما) وهي التى ذكرها الجمهور ان المسألتين علي ما نص عليهما والفرق بين سائر الصلوات وصلاة الجنازة ان الغرض من صلاة الجنازة الدعا والاستغفار للميت والاسن اشفق عليه ودعاؤه اقرب الي
[ ٥ / ١٦٠ ]
الاجابة لما روى انه ﷺ قال (ان الله لا يرد دعوة ذى الشيبة المسلم) (والثانية) حكاها الامام عن رواية العراقيين التصرف في النصين بالنقل والتخريج وليس المعتبر في تقديم السن الشيبة وبلوغ سن المشايخ ولكن يقدم الاكبر وان كانا شابين وانما يقدم الاسن بشرط أن يكون محمود الحال فأما الفاسق والمبتدع فلا ويشترط مضي السن في الاسلام كما سبق في سائر الصلوات (وقوله) علي اظهر المذهبين جواب علي
طريقة اثبات الخلاف في المسألة إذ لا يمكن حمل المذهبين على الطريقتين فانه يقتضي اثبات طريق جازم بتقديم الفقيه وذلك مما لا صائر إليه في صلاة الجنازة وإذا عرفت ذلك فكلام المصنف يخالف ما ذكره المعظم من وجهين (احدهما) انهم رجحوا الطريقة القاطعة بتقديم السن وهو اجاب باثبات الخلاف (والثانى) انهم جعلوا الاظهر تقديم السن وان قدر اثبات الخلاف هذه احدى مسائل الفصل (والثانية) لو استوى اثنان في الدرجة وأحدهما رقيق فالحر أولي وان كان احدهما رقيقا فقيها والآخر حرا غير فقيه فقد حكي امام الحرمين فيه وجهين للشيخ ابي محمد لتعارض المعنيين قال في الوسيط ولعل التسوية اولي (الثالثة) لو كان الاقرب رقيقا والا بعد حرا كالاخ الرقيق مع العم الحر فايهما اولى فيه وجهان (أحدهما) الاخ أولى لان هذه الصلاة مبناها علي الرقة والشفقة والاقرب اشفق ولهذا يقدم القريب المملوك على الاجنبي الحر (وأظهر هما) عند الاكثرين ان العم أولي لاختصاصه بأهلية الولاية كما في ولاية النكاح وكما لو استويا في الدرجة قال في النهاية وأوثر في مثل هذه المسألة مصير بعض الاصحاب الي التسوية لتقابل الامرين
[ ٥ / ١٦١ ]
(الرابعة) إذا اجتمع قوم في درجة واحدة واستوت خصالهم فان رضوا بتقديم واحد فذاك والا أقرع بينهم قطعا للنزاع * قال (ثم ليقف الامام وراء الجنازة عند صدر الميت ان كان ذكرا وعند (ح) عجيزة المرأة كأنه يسترها عن القوم فلو تقدم على الجنازة لم يجز علي الاصح لان ذلك يحتمل في حق الغائب بسبب الحاجة) غرض الفصل الكلام في موقف المصلي على الجنازة وفيه مسألتان (أحداهما) السنة للامام أن يقف عند عجيزة المرأة لما روى عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم وسلم (صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها) والمعنى فيه محاولة سترها عن أعين الناس وأما الرجل فاين يقف منه ذكر في الكتاب انه يقف عند صدره وكذلك قاله في النهاية والذى ذكره معظم الاصحاب منهم العراقيون والصيدلانى انه يقف عند رأسه ونسبوا الاول الي ابى علي الطبري
واحتجوا بما روى أن أنسا ﵁ (صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه ثم أتى بجنازة امرأة فصلي عليها وقام عند عجيزتها فقيل له أهكذا كان يصلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يقوم عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة فقال نعم) ورأيت أبا علي قد حكى عن فعل أنس ﵁ مثل قوله وهو الوقوف عند الصدر والله اعلم * ولك أن تعلم قوله عند صدر الميت بالواو لما ذكرناه وان تعلمه وقوله عند عجيزة المرأة كليهما بالميم لان عند مالك يقف عند وسط الرجل ومنكبي المرأة وأن تعلم الكلمة الثانية بالحاء ايضأ لان عند ابى حنيفة ﵀ يقف عند صدر الميت رجلا كان أو امرأة وعند
[ ٥ / ١٦٢ ]
احمد يقف عند صدر الرجل وعجيزة المرأة كما هو المذكور في الكتاب (الثانيه) أن تقدم علي الجنازة الحاضرة وجعلها خلف ظهره قال في النهاية خرجه الاصحاب علي القولين في تقديم المأموم علي الامام ونزلوا الجنازة منزلة الامام قال ولا يبعد أن يقال تجويز التقدم علي الجنازة أولي فانها ليست إماما متبوعا حتى يتعين تقدمه وانما الجنازة والمصلون على صورة مجرم يحضر باب الملك ومعه شفعاء ولولا الاتباع لما كان يتجه قول تقديم الجنازة وجوبا وهذا الذى ذكره أشارة إلى ترتيب الخلاف والا فقد اتفقوا على أن الاصح المنع (وقوله) في الكتاب لان ذلك يحتمل في حق الغائب بسبب الحاجة جواب عن كلام يحتج به لجواز التقدم علي الجنازة وهو أن الغائب يصلي عليه كما سيأتي مع أنه قد يكون خلف ظهر المصلي فكذلك إذا كان حاضرا ففرق بينهما بذلك * قال (وإذا اجتمعت الجنائز فيجوز أن يصلى علي كل جنازة وان يصلى علي جميعهم صلاة واحدة ثم يوضع (و) بين يدى الامام بعضهم وراء بعض والكل في جهة القبلة وليقرب من الامام الرجل ثم الصبى ثم الخنثى ثم المرأة ولا يقدم بالحرية وانما يقدم بخصال دينية ترغب في الصلاة عليه وعند التساوى لا يستحق القرب الا بالقرعة أو بالتراضى) * إذا حضرت جنائز جاز أن يصلى علي كل واحدة صلاة وهو الاولى وجائز أن يصلى علي الجميع صلاة واحدة لان معظم الفرض من هذه الصلاة الدعاء للميت ويمكن الجمع بين عدد من الموتي في الدعاء وقد يقتضي الحال الجمع ويتعذر افراد كل جنازة بصلاة ولا فرق في ذلك بين أن
يتمحض الموتى ذكورا أو أناثا أو يجتمع النوعان ان اتحد النوع ففى كيفية وضع الجنائز وجهان وصاحب التتمة حكاهما قولين (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب انها توضع بين يدى الامام في جهة القبلة بعضها خلف بعض ليكون الامام في محاذاة الكل (والثانى) وبه قال أبو حنيفة ﵀ يوضع الكل صفا واحدا رأس كل ميت عند رجل الآخر ويجعل الامام جميعها علي يمينة ويقف في محاذاة الاخيرة وان اختلف النوع فهيئة وضعها ما ذكرنا في الوجه الاول ولا يجئ الوجه الثاني فان الرجل والمرأة لا يقفان صفا واحدا في الجماعات فكذلك لا يوضعان صفا وواحدا ويجوز أن يعلم قوله بعضهم وراء بعض بالواو لان اللفظ يشمل حالتى اتحاد النوع واختلافه وقد ذكرنا في الحالة الاولى وجها آخر وهو كذلك معلم بالحاء ثم إذا كان هيئة وضعها ما بينا في الوجه الاول فمن
[ ٥ / ١٦٣ ]
الذى بلي الامام من الموتي لا يخلو الحال أما أن تحضر الجنازة دفعة واحدة أو مرتبة فاما الحالة الاولى وهى التى تكلم فيها في الكتاب فينظر ان اختلف النوع فليلي الامام الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة لما روى أن سعيد بن العاص (صلي على زيد بن عمر الخطاب وامه ام كلثوم بنت على ﵃ فوضع الغلام بين يديه والمرأة خلفه وفي القوم نحو من ثمانين نفسا من اصحاب النبي ﷺ فصوبوه وقالوا هذه السنة) وروى ان بن عمر ﵄ (صلى علي تسع جنائز فجعل الرجال يلونه والنساء يلين القبلة ولو حضر جنائز جماعة من الخناثى وضعت صفا واحدا لئلا تتقدم امرأة علي رجل فان اتحد النوع فيقرب من الامام افضلهم المعتبر فيه الورع والخصال التى ترغب في الصلاة عليه ويغلب علي الظن كونه اقرب من رحمة الله تعالي جدة ولا يتقدم بالحرية بخلاف استحقاق الامامة يقدم فيه الحر علي العبد قال في النهاية لان الامامة في الصلاة تصرف فيها والحر مقدم علي العبد في التصرفات وإذا ماتا استويا في انقطاع التصرف فاقرب معتبر فيه ما ذكرنا فان استووا في جميع الخصال وتنازع الاولياء في القرب دفع نزاعهم بالقرعة وان رضوا بتقريب واحد فذاك (الحالة الثانية) ان تحضر الجنائز مرتبة فلا سبق تأثير في الباب فلا تنحى الجنازة السابقة للحوق اخرى وان كان صاحبها افضل هذا عند اتحاد النوع ولو
وضعت جنازة امرأة ثم حضرت جنازة رجل أو صبي فتنحي جنازتها وتوضع جنازة الرجل أو الصبي بين يدى الامام ولو وضعت جنازة صبى ثم حضرت جنازة رجل لم تنح جنازة الصبى بل يقال لوليه أما ان تجعل جنازتك خلف الصبي أو تنقله إلى موضع آخر والفرق ان الصبى قد يقف مع الرجل في الصف والمرأة تتأخر بكل حال فكذلك بعد الموت وعن صاحب التقريب وجه انه تنحى جنازة الصبى كجنازة المرأة (فان قلت) ولي كل ميت اولي بالصلاة عليه فمن الذى يصلى على الجنازة الحاضرة إذا اقتصروا علي صلاة واحدة (قلنا) كل من لم يرض بصلاة غيره صلي علي ميته وان رضوا جميعا بصلاة واحدة فان حضرت الجنائز مرتبة فولى السابقة اولي رجلا كان ميتها أو امرأة وان حضرت معا أفرع بينهم والله أعلم *
[ ٥ / ١٦٤ ]
قال (الطرف الثالث في كيفية الصلاة وأقلها تسعة أركان النية والتكبيرات الاربع والسلام والفاتحة (م ح) بعد الاولى والصلاة على رسول الله عليه وسلم بعد الثانية وفي الصلاة على الآل خلاف والدعاء للميت بعد الثالثة وقيل يكفى الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ولو زاد تكبيرة خامسة لم تبطل الصلاة على الاظهر) * الكلام في كيفية هذه الصلاة في الاقل والاكمل (اما) الاقل فمن أركانها النية ووقتها ما سبق في سائر الصبوات وكذا في اشتراط التعرض للفرضيية الخلاف المقدم وهل يحتاج الي التعرض لكونها فرض كفاية أم تكفى نية مطلق الفرض حكى القاضى الرويانى فيه وجهين (أصحهما) الثاني ثم إن كان الميت واحدا نوى الصلاة عليه وإن حضر موتى نوى الصلاة عليهم ولا حاجة إلي تعيين الميت ومعرفته بل لو نوى الصلاة علي من يصلى عليه الامام جاز ولو عين الميت فأخطأ لم تصح صلاته ويجب علي المقتدى نية الاقتداء كما في سائر الصلوات (ومنها) التكبيرات الاربع روى عن جابر ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم (كبر علي الميت اربعا وقرأ بام القرآن بعد التكبيرة الاولي)
[ ٥ / ١٦٥ ]
فلو كبر خمسا لم يخل اما أن يكون ساهيا أو عامدا فان كان ساهيا لم تبطل صلاته ولا مدخل
للسجود في هذه الصلاة وإن كان عامدا فهل تبطل صلاته فيه وجهان (أحدهما) نعم كما لو زاد ركعة أو ركنا عمدا في سائر الصلوات وهذا الوجه هو المذكور في التتمة والوسيط (واصحهما) على ما ذكره ههنا وبه قال الاكثرون أنها لا تبطل لثبوت الزيادة عن رسول الله ﷺ الا
[ ٥ / ١٦٦ ]
أن الاربع أولى لاستقرار الامر عليها)؟ واتفاق الاصحاب وقد حكي عن ابن سريح ﵁ إن الاختلافات المنقولة في تكبيرات صلاة الجنازة من جملة الاختلاف المباح وإن كل ذلك سائغ ولو كان مأموما فزاد إمامه على الاربع فان قلنا الزيادة تبطل الصلاة فارقه وإن قلنا لا تبطل لم يفارقه ولا يتابعه في الزيادة علي الاصح من القولين وهل يسلم في الحال أو ينتظر ليسلم معه فيه وجهان (أظهرهما) ثانيهما (واعلم) أن اركان هذه الصلاة قد عدها في الكتاب تسعة والنية والتكبيرات الاربع خمسة منها والسادس السلام وفي وجوب نية الخروج معه ما سبق في سائر الصلوات ويجوز أن يعلم بالحاء لما ذكرنا ثم وهل يكفى أن يقول السلام عليك حكى الامام تردد الجواب فيه عن الشيخ أبى علي والظاهر المنع والسابع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الاولي وقال أبو حنيفة ومالك لا يقرأ فيها شيئا من القرآن * لنا ما روى عن جابر ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قرأ فيها
[ ٥ / ١٦٧ ]
بأم القرآن وقد قال (صلوا كما رأيتموني أصلى) والسابق إلى الفهم من قوله في الكتاب والفاتحة يعد الاولي انه ينبغى أن يكون عقيبهما متقدمة علي الثانية لكن القاضى الرواياتي وغيره حكوا عن نصه انه لو أخر قراءتها الي التكبيرة الثانية جاز والثامن الصلاة علي النبي ﷺ بعد الثانية خلافا لابي حنفة ومالك فان عندهما لا يجب ذلك كما ذكر في سائر الصلوات * لنا ما
[ ٥ / ١٦٨ ]
روى أنه ﷺ قال (لا صلاة لمن لم يصل علي) وهل نجب الصلاة علي الآل فيه قولان
[ ٥ / ١٦٩ ]
أو وجهان ذكرنا هما في غير هذه الصلاة وهذه الصلاة أولى بأن لا يجب فيها لانها مبنية على الاختصار
[ ٥ / ١٧٠ ]
والتاسع الدعاء بعد التكبيرة الثالثة الميت وعن أبى حنيفة أنه لا يحب لنا ما روى أن النبي
[ ٥ / ١٧١ ]
ﷺ (قال إذا صليتم علي الميت فاخلصوا الدعاء له) وفيه وجه انه لا يجب
[ ٥ / ١٧٢ ]
تخصيص الميت بالدعاء ويكفى إرساله المؤمنين والمؤمنات والميت يندرج فيهم وهذا الوجه معزى
[ ٥ / ١٧٣ ]
في النهاية إلى الشيخ أبي محمد ﵀ وقدر الواجب من الدعاء ما ينطلق عليه الاسم اما الا حب فسيأتي والله اعلم * (واعلم) أن القيام وواجب في هذه الصلاة عند القدرة علي الا صح كاسبق فيتوجه
[ ٥ / ١٧٤ ]
الحاقه بالاركان كما أنه معدود من الاركان في الوظائف الخمس والله أعلم
[ ٥ / ١٧٥ ]
قال (واما الا كمل فان يرفع (م ح) اليدين في التكبيرات وفي دعاء الاستفتاح والتعوذ خلاف والاصح
[ ٥ / ١٧٦ ]
أن الاستفتاح لا يستحب ثم لا يجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت ولم يتعرض الشافعي ﵁ في الادعية للذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام) * لصلاة الجنازة وظائف مندوبة هي توابع للاركان (فمنها) رفع اليدين في التكبيرات الاربع خلافا لابي حنيفة ومالك حيث فالا لا يرفع الا في التكبيرة الاولى * لنا ان عمرو أنسا ﵄ كانا يرفعان في جميع التكبيرات وعن عروة وابن المسسيب ﵄ مثله ويجمع يديه بينها ويضعهما تحت صدره كما في سائر الصلوات (ومنها) في قراءة دعاء الاستفتاح عقيب التكبيرة الاولى وجهان (احدهما) انه يقرأ كما في سائر الصلوات وهذا اختيار القاضى ابى الطيب والقفال فيما حكاه القاضي الرواياني (وأصحهما) أنه لا يقرأ لان هذه الصلاة مبنية علي التخفيف ولهذا لم يشرع فيها الركوع والسجود
وشبهما ذلك بقراءة السورة لكن صاحب التهذيب حكى في قراءة السورة بعد الفاتحة الوجهين أيضا وهل يتعوذ فيه وجهان أيضا لكن الا صح أنه يتعوذ بخلاف دعاء الاستفتاح لان التعوذ من سنن القراءة كالتأمين عند تمام الفاتحة ولانه لا يفضى إلي مثل تطويل دعاء الاستفتاح وإذا جمعت بينهما قلت هل يستفتح ويتعوذ فيه ثلاثة أوجه (أصحها) أنه لا يستفتح ويتعوذ وقوله في الكتاب
[ ٥ / ١٧٧ ]
والاصح أن الاستفتاح لا يستحب بعد ذكر الخلاف فيهما مشعر بأن الاصح في التعوذ الا ستحباب ولك أن تعلم قوله والتعوذ بالواو لانه اثبت الخلاف فيهما جميعا وفي كلام الشيخ أبى محمد طريقة أخرى قاطعة باستحباب التعوذ (ومنها) ان السنة فيها الاسرار بالقراءة نهارا وبالليل وجهان (أصحهما) وهو ظاهر المنصوص انه يسر أيضا لانها قومة شرعت فيها الفاتحة دون السورة فاشبهت الثالثة من المغرب والثالثة والرابعة من العشاء والثانى وبه قال الداركي أنه يجهر بها لانها صلاة تفعل ليلا ونهارا فيجهر بها ليلا كصلاة الخسوف وهذا هو الذى حكاه الامام عن الصيد لاني والقاضي الرويانى عن أبي حامد وقوله في الكتاب ليلا معلم بالواو لهذا (ومنها) نقل المزني في المختصر أن عقيب التكبيرة الثانية يحمد الله تعالي ويصلي على النبي صلي الله عليه وسلم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات فهذه ثلاثة أشياء أوسطها الصلاة على النبي ﷺ وهى من الاركان علي ما سبق ذكرها واولها الحمد ولا خلاف في أنه لا يجب وهل تستحب نقل المزني فيه وجهين (أحدهما) وهو قضية كلام الاكثرين وقالوا ليس في كتب الشافعي رضي اله عنه ما نقله المزني (والثاني) نعم وهو الذى أورده صاحب التهذيب ولا تتمة قال هؤلاء ولعل المزني سمعه لفظا (وثالثها) الدعاء للمؤمنين والمؤمنات
[ ٥ / ١٧٨ ]
وعامة الاصحاب على استحبابه عقيب الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم ليكون أقرب الي الاجابة وفيه كلام آخرنذ كره من بعد (ومنها) إذا كبر الثالثة فيستحب أن يكون في دعاؤه للميت (اللهم هذا عبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحباؤه فيها الي ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدأ عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم انه نزل
بك وأنت خير منزول به واصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه وقد جئناك راغبين اليك شفعاء له اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ولقه برحتمك رضاك وقه فتنة القبر وعذابه وافسح له في قبره وجاف الارض عن جنبيه ولقه برحتمك الامن من عذابك حتى تبعثه الي جنتك يا أرحم الراحمين) هذا ما نقله المزني في المختصر وورد في الباب عن عوف بن مالك ﵁ قال (صلي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي جنازة فحفظت من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزوله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقله من الخطايا كما نقبت الثوب الابيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتنة القبر وعذاب النار حتى تمنيت أن اكون ذلك الميت) وعن ابن
[ ٥ / ١٧٩ ]
القاص ﵁ دعاء آخر قال في الشامل وعليه اكثر أهل خراسان وهو ما روى عن ابي هريرة ﵁ قال (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا صلي علي الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا؟ وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وانثانا اللهم من أحييته منا فاحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان فان كان الميت امراة قال اللهم هذه امتك وبنت عبدك ويؤنث الكنايات وان كان الميت طفلا اقتصر علي المروى عن ابى هريرة ﵁ ويضيف إليه (اللهم اجعله فرطا لابويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا وثقل به موازينهما وافرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره (وقوله) في الكتاب ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت اعلم بالواو لانه حكي في الوسيط ترددا في ذلك ثم قال والا صح الاستحباب ولعلك تقول قوله عند الدعاء للميت يقتضي استحباب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد التكبيرة الثالثة مع الدعاء للميت والجمهور قالوا باستحبابه في الثانية كما سبق وذكروا انه يخلص في الثالثة الدعاء لميت فكيف سبيل الجمع والتردد الذى رواه في الوسيط ليس له ذكر في كلام الاصحاب فعلى ماذا ينزل (والجواب) ان امام الحرمين حكى في استحبابه ترددا للائمة في الكبيرة الثانية ووجه استحبابه بان صلاة *
[ ٥ / ١٨٠ ]
علي النبي صلي الله عليه وسلم في التشهد الا خير يستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فكذلك في هذه الصلاة فان أراد حجة الاسلام قدس الله روحه هذا التردد فالوجه ان يؤول كلمة عند ويقال أراد النظر في أنه هل يدعو للمؤمنين والمؤمنات في هذه الصلاة مع الدعاء للميت ويجوز أن يحمل ما ذكره علي الدعاء الذى ذكره ابن القاص فانه دعاء للمؤمنين والمؤمنات وما قبله يختص بالميت ولا يبعد أن يقدر فيه تردد فان قول من قال يخلص الدعاء للميت في الثالثة ينافى استحباب هذا الدعاء والله أعلم * (وقوله) ولم يتعرض الشافعي ﵁ لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام أراد في المختصر وعامة كتبه لا علي الاطلاق فان البويطى روى عنه أن يقول بينهما (اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده) هكذا نقل الجمهور ونقل الصيدلانى عن روايته أن يقول (اللهم اغفر لحينا وميتنا) وحكى قوم منهم صاحب التهذيب الذكر المشهور عن البويطى نفسه فان كان كذلك امكن اجراء قوله ولم يتعرض الشافعي رضي اله عنه على اطلاقه وكيف ما كان فالذكر بينهما لى بواجب والظاهر استحبابه وفي الكافي للرواياني وجه آخرانه لا استحباب وانما هو بالخيار بين أن يذكره أو يدعه ويسلم عقيب التكبيرة وهكذا كان يفعله الامام محمد بن يحيى قدس الله روحه فيما حكاه والدي ﵀ وفي كيفية السلام من صلاة الجنازة قولان (أصحهما) أن الاولي أن يسلم تسليمتين (أحداهما) عن يمينه (والاخرى) عن
[ ٥ / ١٨١ ]
شماله علي ما ذكرنا في سائر الصلوات (والثانى) قاله في الاملاء يقتصر علي تسليمة واحدة.
لان مبني هذه الصلاة على التخفيف خوفا من التغيرات التي عساها تحدث في الميت وعلي هذا فالمنصوص أنه يبدأ بها ملتفتا الي يمينه ويختمها ملتفتا الي يساره فيدير وجهه وهو فيها ومنهم من قال يأتي بها تلقاء وجهه من غير التفات قال امام الحرمين ولا شك ان هذا التردد يجرى في جميع الصلوات إذا رأينا الاقتصار علي تسليمة واحدة واختلفوا في أن القولين في أن الاولى تسليمة أو تسليمتان هما القولان المذكوران من قبل في سائر الصلوات أم لا (فقال) قوم هما هما (وقال) آخرون لا بل هما مرتبان علي القولين في سائر الصلوات إن قلنا يقتصر فيها على تسليمة واحدة فههنا أولي وإن قلنا يسلم تسليمتين فههنا قولان وهذا أصح لان قول الاقتصار في سائر الصلوات لم ينقل إلا عن القديم وهو منقول ههنا
عن الاملاء وأنه محسوب من الجديد ولانهم وجهوه ببناء هذه الصلاة علي التخفيف وهذا لا يجئ في سائر الصلوات ويقتضي الترتيب.
وقد صرح لفظ المختصر بتكرير السلام في سائر الصلوات وقال ههنا ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.
وهذا القدر يحتمل القولين جميعا وعلي قول الاقتصار علي تسليمة واحدة هل يزيد ورحمة الله أم يقتصر على قوله السلام عليكم ذكر في النهاية أن الشيخ أبا علي حكى ترددا فيه من طريق الاولى رعاية للاختصار * قال * (فرع) المسبوق يكبر (ح و) كما أدرك وإن كان الامام في أثناء القراءة ثم إن لم يتمكن من التكبيرة الثانية مع الامام صبر إلي التكبيرة الثالثة فيكبر التكبيرة الثانية عندها ثم إذا سلم الامام
[ ٥ / ١٨٢ ]
تدارك ما بقى عليه ولو لم يكبر الثانية قصدا حتي كبر الامام الثالثة بطلت صلاته إذ لا قدوة الا في التكبيرات) * الفرع يشتمل علي مسئلتين (احداهما) لو لحق مسبوق في خلال صلاة الجنازة كبر شارعا ولم ينتظر تكبيرة الامام المستقبلة خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال يصبر حتي يكبر معه فلو لحق بعد التكبيرة الرابعة تعذر الادراك عنده.
وعن مالك روايتان كالمذهبين كما في سائر الصلوات * لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) ولانه أدرك الامام في بعض صلاته فلا ينتظر ما بعده كما في سائر الصلوات ثم في المسألة فروع (أحدها) إذا كبر المسبوق اشتغل بقراءة الفاتحة وإن كان بعد التكبيرة الثانية والامام يصلي علي النبي صلي الله عليه وسلم أو بعد الثالثة والامام يدعو بناء علي أن ما يدركه المسبوق أول صلاته فيراعى ترتيب صلاة نفسه كذا ذكره وهو غير صاف عن الاشكال (الثاني) إذا لحق قبل التكبيرة الثانية وكبر نظر إن كبر الامام كلما فرغ من تكبيره كبر معه الثانية وسقطت عنه القراءة كما إذا ركع الامام عقيب تكبيره في سائر الصلوات وإن قرأ الفاتحة ثم كبر الامام الثانية كبر معه وقد أدرك جميع الصلاة وإن كبر الامام قبل فراغه من القراءة فهل يقطع الفاتحة ويوافقه أو يتم قراءته فيه وجهان كما لو قرأ المسبوق بعض الفاتحة ثم ركع الامام (أصحهما) عند
الاكثرين منهم ابن الصباغ والقاضى الرويانى أنه يقطع القراءة ويتابعه وعلي هذا هل يقرأ بعد الثانية لانه محل القراءة بخلاف الركوع أم يقال لما أدرك قراءة الامام صار محل قراءته منحصرا فيما قبل الثانية وذكر في الشامل فيه احتمالين ولعل الثاني أظهر.
وصاحب الكتاب أجاب بالوجه الثاني وهو أنه يتم القراءة ولا يوافقه في التكبيرة الثانية حيث قال: ثم ان لم يتمكن من التكبيرة الثانية
[ ٥ / ١٨٣ ]
مع الامام أي لعدم إتمام الفاتحة صبر إلى التكبيرة الثالثة يعني يتمها ويؤخر تكبيرته الثانية الي أن يكبر الامام الثالثة وإلى هذا الوجه صغو إمام الحرمين.
إذا عرفت ذلك فاعلم قوله صبر بالواو واعرف أن ذلك الوجه المشار إليه أظهر (الثالث) إذا فاته بعض التكبيرات تدارك بعد سلام الامام وهل يقتصر علي التكبيرات نسقا أم يأنى بالدعاء والذكر بينها فيه قولان (أحدهما) يقتصر علي التكبيرات فان الجنازة ترفع بعد سلام الامام فليس الوقت وقت التطويل (وأصحهما) أنه يدعي لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (وما فاتكم فاقضوا) وكما فاته التكبيرات فاته الدعاء والمستحب ألا ترفع الجنازة حتي يتم المسبوقون ما عليهم وان رفعت لم تبطل صلاتهم وإن حولت عن قبالة القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة (المسالة الثانية) لو تخلف المقتدى فلم يكبر مع الامام الثانية أو الثالثة حتي كبر الامام التكبيرة المستقبلة من غير عذر بطلت صلاته لان القدوة في هذه الصلاة لا تظهر الا في التكبيرات وهذا التخلف متفاحش شبيه بالتخلف بركعة في سائر الصلوات حكى الامام المسألة وجوابها عن شيخه وقطع بما ذكره وتابعهما المصنف ﵀ * قال (الطرف الرابع في شرائط الصلاة وهى كسائر الصلاة ولا يشترط الجماعة فيها ولكن قيل لا يسقط الفرض الا بأربعة يصلون جمعا أو آحادا وقيل يسقط بثلاث وقيل يسقط بواحد وفي الاكتفاء بجنس النساء خلاف) *
[ ٥ / ١٨٤ ]
الشرائط المرعية في سائر الصلوات كالطهارة وستر العورة والاستقبال وغيرها مرعية في هذه
الصلاة أيضا واراد بقوله وهى كسائر الصلوات التسوية فيها دون الاركان والسنن ويجوز أن يعلم بالحاء لان عند أبى حنيفة ﵀ هذه الصلاة تفارق غيرها في أمر الطهارة فيجوز التيمم لها
[ ٥ / ١٨٥ ]
عند خوف الفوات مع وجود الماء ومعظم غرض هذا الطرف الكلام فيما وقع الخلاف في اشتراطه في هذه الصلاة إما بين اصحابنا أو ببننا وبين غيرنا وفيه مسائل (منها) أن السنة أن تقام جماعة كذلك (كان النبي صلي الله عليه وسلم يفعل) وعليه استمر الناس ولا يشترط فيها الجماعة كسائر الصلوات
[ ٥ / ١٨٦ ]
وقد صلي الصحابة علي الرسول صلي الله عليه وسلم افرادا وفيمن يسقط به فرض هذه الصلاة وجوه (احدها) أنه لابد من اربعة يصلون جماعة وافرادا كما لا بد من اربعة يجملونه كذا ذكره
[ ٥ / ١٨٧ ]
الشيخ أبو علي وغيره قال الامام هذا التشبيه هفوة فان الحمل بين العمودين أفصل للحاملين وأنه يحصل بثلاثة كما تقدم (والثانى) أنه يكفى ثلاثة * واحتج له بقوله صلي الله عليه وسلم
[ ٥ / ١٨٨ ]
(صلوا على من قال لا اله الا الله) خاطب به الجمع وأقله ثلاثة وهذا أصح الوجوه عند الشيخ ابى الفرج البزار (والثالث) أنه يسقط الفرض بواحد لانه لا يشترط فيه الجماعة فكذلك العدد كسائر الصلوات (والرابع) أورده في التهذيب أنه لا بد من اثنين ويكتفى بهما بناء علي أن أقل الجمع اثنان وهذا الوجه لم يبلغ الامام نقلا لكن قال هو محتمل جدا لان الاجتماع يحصل بذلك وهو كقولنا في مسالة الانفضاض علي رأى يكتفى ببقاء واحد مع الامام.
ونقل جماعة من أئمتنا الوجه الثاني والثالث قولين منصوصين منهم صاحب الشامل ومنهم القاضي الرويانى وقال هو وغيره الظاهر
[ ٥ / ١٨٩ ]
الاكتفاء بواحد والله اعلم.
ويتفرع على هذه الوجوه ما لو تبين حدث الامام أو بعض المقتدين ان بقي العدد المكتفى به فالفرض ساقط به والا فلا.
وهل الصبيان المميزون بمثابة الباغين علي اختلاف
الوجوه فيه وجهان (أظهرهما) نعم.
وفي النساء وجهان (أحدهما) أنهن كالرجال لصحة صلاتهن وجماعتهن (واصحهما) ولم يذكر صاحب التهذيب وكثيرون سواه انه لا يكتفى بهن وان كثرن نظرا للميت فان دعاء الرجال اقرب الي الاجابة وأهليتهم الي العبادات ولان فيه استهانة بالميت وموضع الوجهين ما إذا كان هناك رجال فان لم يكن رجل صلين للضرورة منفردات وسقط الفرض قال في العدة: وظاهر المذهب أنه لا يستحب لهن أن يصلين جماعة في جنازة الرجل والمرأة (وقيل) يستتحب ذلك في جنازة المرأة * قال (ولا يشترط حضور الجنازة بل يصلي (م ح) على الغائب الا (و) إذا كان في البلد) *
[ ٥ / ١٩٠ ]
تجوز الصلاة علي الغائب بالنية سواء كان في جهة القبلة أو في غير جهها والمصلى مستقبل بكل حال وبه قال احمد خلافا لمالك وأبى حنيفة ﵏ * لنا ما روى (أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج الي المصلي وصفهم وكبر أربع تكبيرات) وهذا إذا كانت الجنازة في بلدة أو قرية ولا فرق بين أن يكون بين الموضعين مسافة القصر أو لا يكون فان كانت في تلك البلدة فهل يجوز أن يصلي عليها وهي غير موضوعة بين يديه فيه وجهان (أحدهما) نعم كالغائبة عن البلد (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب لا لتيسر الحضور وشبه هذا الخلاف بالخلاف في نفوذ القضاء على من في البلد مع امكان الاحضار وإذا شرطنا حضور الجنازة فينبغي ان لا يكون بين الامام وبينها اكثر من مائتي ذراع أو ثلثمائة علي التقريب حكاه المعلق عن الشيخ ابي محمد ولا يشترط (م ح) ظهور الميت بل تجوز الصلاة علي المدفون ولكن تقديم الصلاة واجب فان لم تقدم فلا
[ ٥ / ١٩١ ]
تفوت بالدفن ثم قبل انه يصلي بعد الدفن إلى ثلاثة ايام وقيل إلى شهر وقيل الي انمحاق الاجزاء وقيل من كان مميزا عند موته يصلي عليه ومن لا فلا وقيل ويصلي عليه أبدا ومع هذا فلا يصلي على قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم) * إذا أقيمت جماعة صلاة الجنازة ثم حضر آخرون فلهم أن يصلوا عليها افرادا أو في جماعة
اخرى وتكون صلاتهم فرضا في حقهم كما أنها فرض في حق الاولين بخلاف من صلاها مرة لا تستحب له إعادتها فان المعادة تكون تطوعا وهذه الصلاة لا يتطوع بها فان كان قد صلي مرة وأراد إعادتها في جماعة لم يستحب ايضا في اظهر الوجهين.
ولا فرق بين ان يكون حضور الآخرين قبل الدفن أو بعده ولا يشترط ظهور الميت وخالف أبو حنيفة في الحالتين (اما) قبل الدفن فلان عنده لا يصلي علي الجنازة مرتين واما بعده فلان عنده لا يصلى علي القبر إلا إذ دفن ولم يصل عليه الولي فله ان يصلي على القبر وكذا له ان يصلي عليه قبل الدفن إذا كان غائبا وصلى عليه غيره وساعد ابا حنيفة مالك في الفصلين والخلاف جاء فيما إذا دفن ميت قبل ان يصلى عليه فعندنا يصلي على قبره ولا ينبش للصلاة ولكن يأثم الدافنون بما فعلوا فان تقديم الصلاة على الدفن واجب وعند هما لا يصلى على القبر * لنا ما روى عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ مر بقبر دفن ليلا فقال متي دفن هذا قالوا البارحة قال افلا آذنتموني قألوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام وصفنا خلفه قال ابن عباس ﵄ وانا فيهم فصلي عليه) ولك ان
[ ٥ / ١٩٢ ]
تعلم قوله في الكتاب فلا تفوت بالدفن بالوا ولان أبا عبد الله الحناطى حكى عن أبى إسحاق المروزى أن فرض الصلاة لا يسقط بالصلاة علي القبرو انما يصلي على القبر من لم يدرك الصلاة وإلى متى تجوز الصلاة علي القبر
[ ٥ / ١٩٣ ]
* فيه خمسة أوجه (احدهما) إلى ثلاثة ايام ولا تزاد لانها اول جد الكثرة وآخر حد القلة ويروى هذا عن اصحاب ابي حنيفة ﵀ حيث جوزوا للولي الصلاة على القبر (والثانى) وبه قال احمد
[ ٥ / ١٩٤ ]
﵀ أنه يصلى عليه إلي شهر ولا يزاد وهذا ما ذكره ابن القاص في المفتاح قال القفال يحتمل أنه خرج ذلك من صلاة النبي صلي الله عليه وسلم علي النجاشي فانه كان بينهما مسيرة شهر ومعلوم أنه لولا الوحي لما
[ ٥ / ١٩٥ ]
علموا بموته الا بعد شهر ومنهم من وجهه بما روى (ﷺ انه صلي علي البراء بن معرور
بعد شهر) ولم تنقل الزيادة عليه (الثالث) انه يصلى عليه ما دام يبقى منه شئ في القبر فان انمحقت الاجزاء كلها فلا إذ لم يبق ما يصلى عليه وعلي هذا فلو تردد في انمحاق الاجزاء فلامام الحرمين ﵀ فيه احتمالان (أحدهما) ان يقال الصلاة تستدعي تيقن البقاء في القبر (والثاني) أن يقال الاصل بقاءه فيجوز وهذا الثاني أوفق لرواية الصيدلاني، آخرين وأصل الوجه فانهم نقلوا انه يصلي عليه ما لم يعلم بلاه (والوجه الرابع) أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة يوم الموت ولا يصلى عليه غيره هكذا روى الشيخ أبو محمد والصيدلانى وغيرهما عن الشيخ ابى زيد وأشار إليه صاحب
[ ٥ / ١٩٦ ]
الافصاح ووجهه بان من كان من أهل الفرض يومئذ كان الخطاب متوجها عليه فمتي أدى كان مؤديا لفرضه وغيره لو صلي كان متطوعا وهذا الصلاة لا يتطوع بها وروى المحاملي وطائفة هذا الوجه بعبارة أخرى فقالوا من كان من أهل الصلاة يصلي عليه يوم موته ومن لا فلا فعلي العبارتين معا من لم يولد عند الموت أو لم يكن مميزا لم يكن له أن يصلي علي القبرو من كان مميزا حينئذ هل يصلى اما العبارة الاولي فلا لانه لم يكن من أهل فرضية الصلاة وأما علي الثانية فنعم لانه كان من أهل الصلاة والعبارة الاولي أشهر والثانية أصح عند القاضى الرويانى وهى التي يوافقها لفظ الكتاب فانه قال وقيل من كان مميزا عند موته يصلي فلا يعتبر إلا التمييز الذى يعطي أهلية الصلاة دون
[ ٥ / ١٩٧ ]
أهلية الافتراض (والوجه الخامس) انه يصلى عليه ابدا لان القصد بهذه الصلاة الدعاء وهو جائز في الاوقات كلها وأظهر الوجوه هو الرابع ثم هذا كله في قبر غير النبي صلي الله عليه وسلم (فأما) الصلاة علي قبره فتبني علي الوجوه المذكورة في حق غيره فعلى الوجوه الاربعة الاولي لا يصلي عليه اليوم أما على غير الثالث فظاهر وأما الثالث فليس الامتناع لانه يبلى إذ الارض لا تأكل أجساد الانبياء ولكن لانه روى في الخبر أنه صلي الله عليه وسلم قال (أنا أكرم علي ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث) وعلي الوجه الخامس هل يصلى عليه فيه وجهان (أظهر هما) لا لما روى أنه صلي
[ ٥ / ١٩٨ ]
الله عليه وسلم قال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (والثاني) نعم كما في حق غيره ولكن فرادى لا جماعة كما فعل أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ويحكى هذا عن أبي الوليد النسابورى.
إذا عرفت ذلك أعلمت قوله فلا يصلي علي قبر رسول لله صلي الله عليه وسلم بالواو ويجوز أن يعلم ما سوى الثاني من الوجوه بالالف لان مذهبه الثاني كما قدمناه (فائدة) قوله في أول هذا الطلاف: وهى كسائل الصلوات اراد به في الشرائط كما قدمناه ثم الغرض بيان ان شرائط سائر الصلوات مرعية فيها لان شرائط هذه الصلاة منحصر فيها لانه يشترط فيها تقدم غسل الميت حتي لو مات في بئر أو معدن انهدما عليه وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه ذكره صاحب التتمة ويشترط فيها أيضا عدم التقدم علي الجنازة الحاضرة بين يديه وعلي القبر إن كان يصلي عليه علي الصحيح * قال (القول في الدفن * واقله حفرة تحرس الميت عن السباع وتكتم رائحته واكمله قبر على قامة
[ ٥ / ١٩٩ ]
الرجل واللحد افضل من الشق وليكن اللحد في جانب القبلة ثم توضع الجنازة علي راس القبر بحيث يكون راس الميت عند مؤخر القبلة من جهة رأسه ولا يضع الميت في قبره إلا الرجل فان كانت امراة فيتولي ذلك زوجها ومحارمها فان لم يكن فعبيدها فان لم يكن فخصيان فان لم يكن فار حام فان لم يكن فالا جانب لانهن يضعفن عن مباشرة هذا الا مر ثم إن لم يستقل واحد بوضعه فليكن عدد الواضعين وترا) دفن الميت من فروض الكقايات كغسله والصلاة عليه والدفن في المقبرة اولى لينال الميت دعاء المارين والزائرين (وكان النبي ﷺ يدفن اصحابه في المقابر) ويجوز الدفن في غير المقابر لانهم (دفنوا النبي ﷺ في حجرة عائشة ﵂ فلو تنازع الورثة فقال بعضهم ندفنه في ملكه وقال آخرون بل في المقبرة المسبلة دفن في المقبرة المسبلة لان ملكه قد انتقل إلي الورثة وبعض الشركاء غير راض بدفنه فيه فلو بادر بعضهم ودفنه فيه كان للباقين نقله إلى المقبرة والاولي ان لا يفعلوا لما فيه من الهتك ولو اراد بعضهم دفنه في خالص ملكه لم يلزم الباقين قبوله ولو بادر إليه قال ابن الصباغ لم يذكره الاصحاب وعندي انه لا ينقل فانه هتك
[ ٥ / ٢٠٠ ]
وليس في ابقائه ابطال حق الغير ولو توافقوا علي دفن الميت في ملكه ثم باعوه لم يكن للمبتاع نقله وله الخيار إن كان جاهلا به ثم لو اتفق نقله أو بلي كان الموضع للبائعين أو المشترى فيه وجهان سيأتي في البيع نظائرها.
إذا عرفت ذلك ففى الفصل مسائل (احداها) لا يجوز الاقتصار في الدفن علي ادنى احتفار بل اقل ما في البأب حفرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السباع لعسر نبش مثها عليها غالبا وهذان المعنيان كتمان الرائحة والحراسة عن السباع قد ذكرهما إمام الحرمين في حد واجب الدفن وتابعه المصنف فان كانا متلازمين فمي وجدت احدى الصفتين في الحفرة توجد الاخرى والغرض من ذكرهما بيان الفائدة المطلوبة بالدفن وان لم يكونا متلازمين فبان أنه يجب رعايتهما ولا يكتفى بأحدهما مقصود أيضا (واما الاكمل) فيستحب توسيع القبر وتعميقه روى انه ﷺ قال: (احفروا ووسعوا وعمقو) والمنقول عن لفظ الشافعي ﵁ أنه يعمق قدر بسطة قال المحاملي وغيره وانما أراد بسطة بعد القيام علي ما روى عن عمر ﵁ أنه قال (عمقوا إلى قدر قامة وبسطة) وقدره بثلارثة أذرع ونصف وهو قدر ما يقوم الرجل ويبسط
[ ٥ / ٢٠١ ]
يده مرفوعة غالبا والاعتبار بالاربعة من الرجال وفيما علق عن الشيخ أبى محمد أن السنة من التعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع وذكر في النهاية ما يواقفه فنقل لفظ البسطة وفسرها بقامة رجل وسط فيشبه أن يكون وجها آخر وهو الذى يوافقه لفظ الكتاب والمشهور في المذهب هو الاول (وقوله) في الكتاب: وأقله واكمله.
الكناية فيهما يجوز أن ترجع إلى غير مذكور المعنى واقل المدفون فيه ويجوز أن ترجع إلى المذكور وهو الدفن وحينئذ يحتاج الكلام إلى إضمار معناه وأقل الدفن في حفرة والاول أولى لان واجب الدفن لا ينحصر في الدفن في حفرة صفتها ما ذكر بل يجب مع ذلك وضع الميت مستقبل القبلة علي ما سيأتي واعلم قوله قدر قامة الرجل بالميم لان المحكي عن مالك أنه لا حد في تعميق القبر (المسالة الثانية) اللحد والشق كل واحد منهما جائز واللحد أن يحفر حائط القبر مائلا عن استوائه من الاسفل قبل ما يوضع الميت فيه وليجعل ذلك من جهة القبلة والشق أن يحفر حفرة كالنهر أو يبنى جانباه باللبن أو غيره ويجعل بينهما شق يوضع الميت فيه ويسقف وأيهما اولي ان كانت الارض صلبة فاللحد وان
كانت رخوة فالشق وعند أبى حنيفة الشق اولي بكل حال هكذا روى جماعة من اصحابنا وفي مختصر
[ ٥ / ٢٠٢ ]
الكرخي وغيره من كتب أصحابه انه يلحد ولا يشق كمذهبنا ووجه تقديم اللحد ما روى عن ابن عباس ﵄ (ان النبي صلي الله عليه وسلم قال اللحد لنا والشق لغيرنا) وروى انه
[ ٥ / ٢٠٣ ]
كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر يشق فبعث الصحابة ﵃ في طلبهما وقالوا أيهما جاء أولا عمل عمله لرسول الله صلي الله عليه وسلم جاء الذى يلحد فلحد لرسول الله ﷺ (الثالثة) توضع الجنازة علي شفير القبر بحيث يكون رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل
[ ٥ / ٢٠٤ ]
في القبر من قبل رأسه سلا رفيقا وبه قال احمد وقال أبو حنيفة توضع الجنازة بين القبر والقبلة ويدخل
[ ٥ / ٢٠٥ ]
لقبر عرضا * لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ (ان النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلا) وقوله في الكتاب ثم توضع الجنازة علي رأس القبر لم يعن برأس القبر ضد رجله ومؤخره وإنما أراد طرفه الا تراه يقول عقيبه بحيث يكون رأس الميت عند مؤخر القبر (الرابعة) لا يدخل الجنازة في القبر الا الرجال ما وجدوا سواء كان الميت رجلا أو امرأة لانه يحتاج الي بطش وقوة والنساء يضعفن عن مثل ذلك غالبا ويخشي من مباشرتهن لذلك انهتاك الميتة وانكشافهن ثم أولي الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة نعم الزوج أحق بدفن الزوجة من غيره ثم بعده المحارم ويقدم منهم الاب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الاخ ثم ابن الاخ ثم العم فان لم يكن منهم أحد فعبيدها وهم أولي من بنى العم لانهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه علي الصحيح وفيه خلاف سيأتي في
[ ٥ / ٢٠٦ ]
موضعه فان ألحقناهم بالاجانب فلا يتوجه تقديمهم وأبدى امام الحرمين فيهم الاحتمال من جهة أخرى وهى ان ملكها ينقطع عنهم بالموت وشبهه بالتردد؟ في غسل الامة مولاها فان لم يكن لها عبيد
فالخصيان أولى لضعف شهوتهم قال الامام وفيه احتمال بين سنذكره في أحكام النظر فان لم يكونوا فذووا الارحام الذين لا محرمية لهم فان لم يكونوا فأهل الصلاح من الاجانب قال الامام وما أرى تقديم ذوى الارحام محتوما بخلاف تقديم المحارم لان الذين لا محرمية لهم من ذوى الارحام كالا جانب في وجوب الاجتناب عنهم في الحياة وقدم في العدة صاحبها نساء القرابة على الرجال الاجانب وهو خلاف النص والمذهب المشهور إذا عرفت ما ذكرنا فلا يخفى عليك ان قوله في الكتاب
[ ٥ / ٢٠٧ ]
زوجها ومحارمها ليس للجمع ولا للتخيير وإنما الامر فيه علي الترتيب وان قوله فعبيدها يجوز أن يعلم بالواو وكذا قوله فخصيان (وقوله) فأرحام أي ذووا أرحام (وقوله) لانهن يضعفن عن مباشرة هذا الامر تعليل لاول الكلام وهو قوله: ولا يضع الميت في قبره الا الرجال ويجوز أن يعلم قوله فان لم يكن فالاجانب بالواو أيضا لما ذكرنا في العدة (الخامسة) ان استقل واحد بوضع الميت في القبر فان كان طفلا فذاك وإلا فالمستحب أن يكون عدد الدافنين وترا ثلاثة أو خمسة علي قدر الحاجة وكذلك عدد الغاسلين ويروى أن النبي صلي الله عليه وسلم دفنه علي والعباس وأسامة ﵃) ويستحب أن يستر القبر عند الدفن بثوب رجلا كان الميت أو امرأة لكن
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ستر المرأة آكد وعند أبي حنيفة ﵀ يختص الاستحباب بالمرأة وروى مثله عن أحمد واختاره أبو الفضل بن عبد ان من أصحابنا * لنا ما روى (ان النبي صلي الله عليه وسلم لما دفن سعد بن معاذ ﵁ ستر قبره بثوب) والمعنى فيه انه ربما ينكشف عند الاضجاع وحل الشداد ويستحب لمن يدخله القبر أن يقول بسم الله وعلي ملة رسول الله روى ذلك عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم ثم يقول اللهم أسلمه اليك الاشخاص من ولده وأهله وقرابته واخوانه
[ ٥ / ٢٠٩ ]
وفارقه من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت
[ ٥ / ٢١٠ ]
خير منزول به ان عاقبته فبذنبه وان عفوت فأهل العفو أنت.
أنت غني عن عذابه وهو فقير الي رحمتك اللهم اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحتمك إلا من
[ ٥ / ٢١١ ]
من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم فاخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين هذا لدعاء منقول عن لفظ الشافعي ﵁ في المختصر
[ ٥ / ٢١٢ ]
قال (ثم يضجع الميت على جنبه الا يمن في اللحد بحيث لا ينكب ولا يستلقي ويفضي بوجهه الي تراب أو لبنة ثم ينضد اللبن علي فتح اللحد وتسد الفرج بما يمنع التراب ثم يحثى عليه كل من دنا ثلاث
[ ٥ / ٢١٣ ]
حثيات ثم يهال عليه التراب بالمساحي)
[ ٥ / ٢١٤ ]
إذا دخل اليت القبر أضجع في اللحد علي جنبه الايمن مستقبل القبله كذلك فعل برسول الله صلي الله عليه وسلم وكذلك كان يفعله وليكن الاضجاع بحيث لا ينكب ولا يستلقى وذلك بأن يدنى من جدار اللحد فيسند إليه وجهه ورجلاه ويجعل في باقى بدنه بعض التجافي فتكون هيئته قريبة من هيئة الراكعين ويسند ظهره إلي لبنة ونحوها فهذا يمنعه من الاستلقاء وذلك من الانكباب
[ ٥ / ٢١٥ ]
واعلم بأن وضعه مستقبل القبلة واجب علي ما حكاه الجمهور حتى لو دفن مستدبرا أو مستلقيا فانه ينبش ويوجه الي القبلة ما لم يتغير فان تغير فقد قال في التهذيب وغيره لا ينبش بعد ذلك وحكي عن القاضى أبى الطيب انه قال في المجرد والتوجيه إلى القبلة سنة فإذا ترك فيستحب أن ينبش ويوجه ولا يجب ولو ماتت ذمية في بطنها جنين مسلم ميت فيجعل ظهرها إلى القبلة توجيها للجنين المسلم
[ ٥ / ٢١٦ ]
الي القبلة فان وجه الجنين فيما ذكر الي ظهر الام وأين تدفن هذه قيل بين مقابر المسلمين والكفار
وقيل في مقابر المسلمين وتنزل هي منزلة صندوق للولد ويروى أن عمر ﵁ أمر بذلك
[ ٥ / ٢١٧ ]
وحكي في العدة وجها آخر أنها تدفن في مقابر المشركين (وأما) الاضجاع علي اليمين فليس بواجب بل لو وضع على الجنب الايسر مستقبلا كره ولم ينبش كذلك ذكر في التتمة ويجعل تحت رأس
[ ٥ / ٢١٨ ]
الميت لبنة أو حجرا ويفضى بخده الايمن إليه أو الي التراب فذلك أبلغ في الاستكانة ولا يوضع تحت رأسه مخدة ولا يفرش تحته فراش حكى العراقيون كراهة ذلك عن نص الشافعي ﵁ لانه لم ينقل عن احد من السلف وفيه تضييع المال وقال في التهذيب لا بأس به إذ روى عن ابن
[ ٥ / ٢١٩ ]
عباس ﵄ (انه جعل في قبر النبي ﷺ قطفة حمراء) ويكره ان يجعل في تابوت
[ ٥ / ٢٢٠ ]
إلا إذا كانت الارض رخوة أو ندية ولا تنفذ الوصية به الا في مثل هذه الحالة ثم يكون التابوت من رأس المال ثم إذا وقع الفراغ من وضع الميت نصب اللبن علي فتح اللحد روى عن سعد بن ابي وقاص ﵁ انه قال (اصنعوا بى كما صنعتم برسول الله صلي الله عليه وسلم انصبوا علي اللبن واهليوا على التراب) وتسد فرج اللبن بكسر اللبن مع الطين أو بالاذخر ونحوه ثم يحثى كل من
[ ٥ / ٢٢١ ]
دنا ثلاث حثيات من التاب بيديه ثم يهال بالمساحي روي ان النبي صلي الله عليه وسلم (حتى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعا) قال في التتمة ويستحب ان يقول مع الاولي (منها خلقنا كم) ومع
[ ٥ / ٢٢٢ ]
الثانية (وفيها نعيدكم) ومع الثالثة (ومنها تخرجكم تارة أخرى) وقوله في الكتاب ثم ينضد اللبن من التنضيد وهكذا ذكر امام الحرمين ولفظ الشافعي ﵁ وعامة الاصحاب رحمة الله عليهم ينصب وهما جميعا مؤديان الغرض *
قال (ولا يرفع نعش القبر الا بقدر شبر ولا يجصص ولا يطين ولا بأس بالحصى ووضع الحجر علي رأس القبر للعلامة ثم التسنيم افضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض) *
[ ٥ / ٢٢٣ ]
المستحب أن لا يزاد في القبر على ترابه الذى خرج منه حتى لا يعظم شخوصه عن الارض ولا يرفع نعشه إلا قدر شبر ما روى عن جابر ﵁ (أنه لحد لرسول الله صلي الله عليه وسلم ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره عن الارض قدر شبر) وعن القاسم بن محمد قال (دخلت علي
[ ٥ / ٢٢٤ ]
عائشة ﵂ فقلت يا أماه اكتشفي لي عن قبر النبي صلي الله عليه وسلم وصاحبه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مرفة ولا لاطئة مبطوحة بطحاء العرصة الحمراء) وإنما يرفع نعش القبر
[ ٥ / ٢٢٥ ]
ليعرف فيزاد ويحترم واستثنى في التتمة ما إذا مات مسلم في بلاد الكفر قال لا يرفع قبره ويخفى كيلا يتعرض له الكفار إذا خرج المسلمون منها ويكره تجصيص القبر والكتابة والبناء عليه لما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم (أنه نهي عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب وأن يوطأ) ولو بني عليه هدم إن كانت المقبرة مسبلة وإن كان القبر في ملكه فلا (وأما قوله) فلا يطين
[ ٥ / ٢٢٦ ]
فليس له ذكر في أكثر كتب الاصحاب وإنما ذكره المصنف وامام الحرمين كأنهما ألحقا التطيين بالتجصيص لكن لا يبعد الفرق بيهما فان التجصيص زينة دون التطيين أو الزينة في التجصيص اكثر وذلك لا يناسب حال الميت وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه عن الشافعي ﵁ أنه لا باس بالتطيين وروى مثله عن أحمد فلك أن تعلم قوله ولا يطين بالواو والالف ويستحب أن يرش الماء علي القبر ويوضع عليه الحصي روى ذلك (عن فعل النبي صلي الله عليه وسلم بقبر ابنه ابراهيم)
[ ٥ / ٢٢٧ ]
(ورش بلال ﵁ علي قبر النبي صلي الله عليه وسلم) ويستحب أن يوضع عند رأسه صخرة
أو خشبة ونحوها (وضع النبي صلي الله عليه وسلم صخرة علي رأس قبر عثمان بن مظعون وقال أعلم بها قب رأخي وادفن إليه من مات من أهلي) (وقوله) في الكتاب ولا بأس بالحصي ووضع حجر لا يقتضي
[ ٥ / ٢٢٨ ]
الا نفى الحرمة والكراهة وهما مع ذلك مستحبان نص عليه الائمة كما بيناه فاعرف ذلك ثم الافضل في شكل القبر التسطيح أو التسنيم ظاهر المذهب أن التسطيح أفضل وقال مالك وابو حنيفة ﵏
[ ٥ / ٢٢٩ ]
التسنيم أفضل * لنا أن النبي صلي الله عليه وسلم (سطح قبرا بنه ابراهيم) وعن القاسم بن محمد قال رأيت قبر النبي
[ ٥ / ٢٣٠ ]
صلي الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر ﵄ مسطحة) وقال ابن أبي هريرة إن الافضل الآن العدول من التسطيح
[ ٥ / ٢٣١ ]
إلى التسنيم لان التسطيح صار شعارا للروافض فالاولي مخالفتهم وصيانة الميت وأهله عن الاتهام
[ ٥ / ٢٣٢ ]
بالبدعة ومثله ما حكى عنه أن الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعارا لهم فالمستحب الاسرار بها
[ ٥ / ٢٣٣ ]
مخالفة لهم واحتج له بما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم (كان يقوم إذا بدت جنازة فأخبر أن اليهود تفعل ذلك فترك القيام بعد ذلك مخالفة لهم) وهذا الوجه هو الذى أجاب به في الكتاب
[ ٥ / ٢٣٤ ]
ومال إليه الشيخ أبو محمد ﵀ وتابعه القاضي الرواياني.
لكن الجمهور علي أن المذهب الاول قالوا ولو تركنا ما ثبت في السنة لاطباق بعض المبتدعة عليه لجر نا ذلك الي ترك سنن كثيرة وإذا
[ ٥ / ٢٣٥ ]
اطرد جرينا علي الشىء خرج عن أن يعد شعارا للمبتدعة * قال (ثم الافضل لمشيع الجنازة أن يمكت الي مواراة الميت)
[ ٥ / ٢٣٦ ]
عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال (من صلي علي الجنازة ورجع فله قيراط ومن صلي عليها ولم يرجع حتي دفن فله قيراطان أصغرهما وروى احد هما مثل أحد) قال الاصحاب وللانصراف من الجنازة
[ ٥ / ٢٣٧ ]
أربع درجات (احداها) أن ينصرف عقيب الصلاة فله من الاجر قيراط (والثانية) ان يتبعها حتى توارى ويرجع قبل اهالة التراب (والثالثة) ان يقف الي الفراغ من القبر وينصرف من غير دعاء (والرابعة)
[ ٥ / ٢٣٨ ]
ان يقف علي القبر ويستغفر الله تعالي جده للميت وهذه اقصى الدرجات في الفضيلة روى ان النبي صلى
[ ٥ / ٢٣٩ ]
الله عليه وسلم (كان إذا فرغ من قبر الرجل وقف عليه وقال استغفر والله له واسألوا الله تعالي له التثبيت فانه الآن يسأل) وحيازة القيراط الثاني تحصل لصاحب الدرجة الثالثة وهل تحصل لصاحب الثانية
[ ٥ / ٢٤٠ ]
حكي الامام فيه ترددا واختار الحصول وإذا وقفت على ما ذكرنا عرفت انه ليس الغرض من قوله في الكتاب ثم الافضل لمشيع الجنازة الخ انه الافضل علي الاطلاق بل فوقه ما هو افضل منه وانما المراد
[ ٥ / ٢٤١ ]
أنه أفضل من الانصراف عقيب الصلاة ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن فيقال يا عبد الله ابن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وانك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن اماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين اخوانا ورد الخبر به عن النبي صلي الله عليه وسلم *
[ ٥ / ٢٤٢ ]
قال (فرعان (الاول) لا يدفن في قبر واحد ميتان الالحاجة ثم يقدم الافضل إلى جدار اللد؟
[ ٥ / ٢٤٣ ]
ولا يجمع بين الرجال والنساء الالشدة الحاجة ثم يجعل بينهما حاجز من التراب) *
[ ٥ / ٢٤٤ ]
المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر كذلك (فعل النبي صلي الله عليه وسلم وأمر به) فان كثر الموتي بقتل وغيره وعسر افراد كل ميت بقبر دفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد لما روى (أنه صلي الله عليه وسلم قال للانصار يوم أحد احفروا واوسعوا وعمقوا واجعلوا الا ثنين والثلاثة في القبر الواحد وقدموا اكثرهم قرآنا) وليقدم الافضل الي جدار للحد مما يلي القبلة
[ ٥ / ٢٤٥ ]
ويقدم الاب علي الابن وان كان الابن افضل لحرمة الابوة وكذلك تقدم الام على البنت ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند شدة الحاجة وانتهائها الي الضرورة ويجعل بينهما حاجز من التراب ويقدم الرجل وان كان ابنا والمرأة امه فان اجتمع رجل وأمراة وخنثى وصبى قدم الرجل ثم الصبى ثم الخنثي ثم المرأة والسابق الي الفهم من لفظ الكتاب واشارة جمع من الاصحاب أنه لا حاجة الي الحاجز بين الرجلين وبين المرأتين وانما الحاجز عند اختلاف النوع وذكر العراقيون أنه يجعل بين الرجلين حاجز أيضا وكذا بين المرأتين والله أعلم * قال (الثاني) القبر يحترم فيصان عن الجلوس والمشى والاتكاء عليه بل يقرب الانسان منه كما يقرب في زيارته لو كان حيا ولا ينبش القبر الا إذا انمحق اثر الميت بطول الزمان أو دفن من غير غسل أو في ارض مغصوبة أو في كفن مغصوب ولو دفن قبل التكفين لم ينبش علي أظهر الوجهين والكتفى بالتراب ساترا) * أصل الفرع أن القبر محترم توقيرا للميت ويبنى عليه مسائل (احداها) انه يكره) الجلوس عليه والاتكاء وكذلك وطؤه الا لحاجة بان لا يصل إلى قبر ميته الا بوطئه وعن مالك أنه لا يكره شئ من ذلك * لنا ما روي ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (لان يجلس أحد كم علي جمرة فتحرق ثيابه فتخلص الي جلده خير له من أن يجلس علي قبر) (الثانية) يستحب زيارة القبور للرجال لما روى
[ ٥ / ٢٤٦ ]
أنه صلي الله عليه وسلم قال (كنت انهيكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تذكر الآخرة)
[ ٥ / ٢٤٧ ]
واما النساء فهل يكره لهن الزيارة فيه وجهان (احدهما) ولم يذكر الاكثرون سواه نعم لقلة صبرهن وكثرة جز عهن وقد روى أنه ﷺ (لعن زوارات القبور) (والثانى) لا قال الرويانى
[ ٥ / ٢٤٨ ]
في البحر وهذا اصح عندي إذا امن الافتتان والسنة ان يقول الزائر سلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله عن قريب بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وينبغي أن يدنو الزائر من القبر المزور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حيا وزاره وسئل القاضى أبو الطيب عن ختم القرآن في المقابر فقال الثواب للقارئ ويكون الميت كالحاضرين يرجى له الرحمة والبركة فيستحب قراءة القرآن في المقابر لهذا المعني وأيضا فالدعاء عقيب القراءة أقرب الي الاجابة والدعاء ينفع الميت (الثالثة) لا يجوز نبش القبلا الا في مواضع (منها) ان يبلي الميت ويصير ترابا فيجوز نبشه ودفن غيره فيه
[ ٥ / ٢٤٩ ]
ويرجع في ذلك الي اهل الخبرة ويختلف بالختلاف اهوية البلاد وأرضها وإذا بلي الميت لم يجز عمارة القبر وتسوية التراب عليه في المقابر المسبلة لئلا يتصور بصور القبور الجديدة فيدفن فيه من شاء ميته (ومنها) أن يدفن الي غير القبلة وقد سبق (ومنها) أن يدفن من يجب غسله من غير غسل فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب انه يجب النبش تداركا لواجب الغسل وعن صاحب التقريب حكاية قول أنه لا يجب ذلك بل يكره لما فيه من هتك الميت وعلي الاول متى يخرج للغسل فيه وجهان مذكوران في العدة (أظهرهما) وهو المذكور في النهاية والتهذيب ما لم يتغير الميت (والثانى) ما دام يبقى جزء منه من عظم وغيره وعند ابى حنيفة لو أهيل عليه التراب لم ينبش والا نبش ليغسل فلذلك اعلم قوله أو دفن من غير غسل بالحاء مع الواو (ومنها) لو دفن في ارض مغصوبة فالاولى لصحابها أن يتركه فان ابى وطلب اخراجه كان له ذلك قال في النهاية وأشار الائمة إلى انه يخرج وان تغير وكان في اخراجه هتك حرمته لان حرمة الحى الولي بالمراعاة ويجوز ان يظن ظان
تركه فانه سيبلي عن قريب وقد تنزل حرمة الميت منزلة الحي فيما هذا سبيله (ومنها) لو كفن في ثوب مغصوب أو مسروق ودفن فهل ينبش أورد فيه ثلاثة اوجه (اظهرها) وهو المذكور في الكتاب نعم كما ينبش لرد الارض المغصوبة (والثاني) وهو الذى ذكره صاحب الشامل لا يجوز نبشه لانه مشرف علي الهلاك بالتكفين بخلاف الارض فيعطى حق إلها لك وينقل حكم المالك الي القيمة ولان هتك الحرمة في نزع الكفن اكثر (والثالث) إن تغير الميت وكان في النبش ورد الثوب هتكه لم ينبش والا نبش ورد (ومنها) لو دفن في ثوب حرير هل ينبش فيه هذا الحلاف ولو دفن من غير كفن فهل ينبش ليكفن فيه وجهان (احدهما) نعم كما لو دفن من غير غسل فان كل واحد منهما واجب (وأظهرهما) لا فان المقصود من التكفين ستره واحترامه وقد ستره التراب فالاكتفاء به أولي من هتك حرمته بالنبش (ومنها) لو وقع في القبر خاتم أو متاع آخر ينبش ويرد ولو ابتلع في حياته مالا ثم مات وطلب صاحبه الرد شق جوفه ورد قال في العدة الا ان يضمن الورثة مثل أو قيمته فلا يخرج ولا يرد في أصح الوجهين وفيه وجه آخرو هو اختيار القاضى أبى الطيب انه لا يخرج أصلا ويجب الغرم من تركته علي الورثة ولو ابتلع شيئا من مال نفسه ومات فهل يخرج فيه وجهان لانه كالمستهلك لمال
[ ٥ / ٢٥٠ ]
نفسه بالابتلاع قال أبو العباس الجرجاني في الشافي: والاصح الاخراج ايضا إذا عرفت ذلك فحيث قلنا يشق جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشق ينبش لذلك ايضا وإذا تأملت ما ذكرناه عرفت ان قوله لا ينبش القبر الا إذا انمحق إلى آخره وان كان ظاهره يقتضى حصر الاستثناء في الصورة المذكورة لكنه ليس كذلك * (فرع) لو مات انسان في السفينة فان كان أهلها بقرب الساحل أو بقرب جزيرة انتظروا به ليدفنوه في البر والا شدوه بين لوحين لئلا ينتفخ والقوه في البحر ليلقيه البحر ليلقيه البحر بالساحل فلعله يقع الي قوم يدفنونه فان كان أهل الساحل كفارا ثقل بشئ ليرسب * * (القول في التعزية والبكاء علي الميت) * قال (التعزية سنة الي ثلاثة أيام وهو الحمل على الصبر بوعد الاجر والدعاء للميت والمصاب ويعزى
المسلم بقريبه الكافر والدعاء للحي ويعزى الكافر بقريبه المسلم والدعاء للميت ويستحب تهيئة طعام لاهل الميت والبكاء جائز من غير ندب ولا نياحة ومن غير جزع وضرب خد وشق ثوب وكل ذلك حرام ولا يعذب الميت بنياحة أهله الا إذا اوصي به فلا تزر وازرة وزر اخرى) * في الفصل ثلاث مسائل (احداها) التعزية سنة روى أنه صلي الله عليه وسلم قال «من عزى مصابا فله مثل اجره) وينبغي ان يعزى جميع اهل الميت الكبير والصغير والرجل والمراة نعم
[ ٥ / ٢٥١ ]
الشابة لا يعزيها الا محارمها ويكره الجلوس لها ولا فرق فيها بين ما قبل الصلاة وبعدها وما قبل الدفن وبعده فيما يرجع إلى اصل الشريعة لكن تأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن لاشتغال اهل الميت قبله بتجهيزه ولاشتداد حزنهم حينئذ بسبب المفارقة وعن ابي حنيفة ان التعزية قبل الدفن فاما بعده فلا والى متى تشرع التعزية فيه وجهان (اظهرهما) وهو المذكور في الكتاب إلي ثلاثة أيام فلا يعزيه بعد ذلك إلا ان يكون المعزى أو المعزي غائبا وهذا لان الغرض من التعزية تسكين قلب المصاب والغالب سكون قلبه في هذه المدة فلا يجدد عليه الحزن قال الشيخ أبو محمد فيما علق عنه: وهذا المدة على التقريب دون التحديد (والثاني) حكاه في النهاية مع الاول انه لا امد تقطع عندها التعزية فان الغرض الاعظم منها الدعاء ومعنى التعزية الامر بالصبر والحمل عليه بوعد الاجر والتحذير عن الوزر بالجزع والدعاء للميت بالغفرة وللمصاب بجبر المصيبة فيقول في تعزية المسلم بالمسلم اعظم الله اجرك واحسن عزاك وغفر لميتك وفي تعزية المسلم بالكافر: اعظم الله أجرك واخلف عليك أو جبر الله مصيبتك والهمك الصبر وما اشبه ذلك وفي تعزية الكافر بالمسلم: غفر الله لميتك واحسن عزاك.
ويجوز للمسلم ان يعزى الذمي بقريبه الذمي فيقول: اخلف الله عليك ولا نقص عددك وهذا لتكثر الجزية للمسلمين (الثانية) يستحب لجيران الميت والا بعدين من قرابته تهيئة طعام لاهل الميت يشبعهم في يومهم وليلتهم فانهم لا يفرغون له ولو اشتغلوا به لعيروا روى (انه لما جاء نعي جعفر ﵁ قال النبي صلي الله عليه وسلم اجعلو الآل
[ ٥ / ٢٥٢ ]
جعفر طعاما فقد جاءهم امر يشغلهم) ويستحب الحاحهم على الاكل ولو اجتمع نساء ينحن لم يجز ان يتخذ
[ ٥ / ٢٥٣ ]
لهن طعام فانه إيمانة علي المعصية (الثالثة) البكاء علي الميت جائر قبل زهوق الروح وبعده وقبل
[ ٥ / ٢٥٤ ]
الزهوق أولي روى أنه ﷺ قال (فإذا وجب فلا تبكين باكية) وجعل رسول الله
[ ٥ / ٢٥٥ ]
صلي الله عليه وسلم ابنه ابراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فذرفت عينا رسول الله ﷺ
[ ٥ / ٢٥٦ ]
فقبل في ذلك فقال انها رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ثم قال العين تدمع والقلب يحزن
[ ٥ / ٢٥٧ ]
ولا نقول الا ما يرض ربنا) والندب حرام وهو ان يعد شمائل الميت فيقال واكهفاه واجبلاه ونحو
[ ٥ / ٢٥٨ ]
ذلك وكذا النياحة والجزع بضرب الخد وشق الثوب ونشر الشعر كل ذلك حرام لما روى ان
[ ٥ / ٢٥٩ ]
النبي صلي الله عليه وسلم قال (لعن الله النائحة والمستمعة) وروى انه قال (ليس منا من ضرب الخدود
[ ٥ / ٢٦٠ ]
وشق الجيوب) ولو فعل اهل الميت شيئا من ذلك لم يعذب الميت به قال الله تعالي (ولا تزر وازرة
[ ٥ / ٢٦١ ]
وزر اخرى) وما روى من أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (إن الميت ليعذب وببكاء أهله عليه) وفي رواية
[ ٥ / ٢٦٢ ]
(إن الله تعالى يزيد الكافر عذابا على عذابه ببكاء أهله عليه) فقد أولوه من وجوه (منها) قال المزني
[ ٥ / ٢٦٣ ]
بلغني أنهم كانوا يوصون بالندب والنياحة وذلك حمل منهم علي المعصية وهو ذنب فزيدوا عذابا بذلك إذا عمل أهلهم بوصيتهم ولك ان تقول ذنب الميت الحمل على الحرام والامر به فوجب ان لا
[ ٥ / ٢٦٤ ]
يختلف عذابه بالامتثال وعدمه فان كان لا متثالهم أثر فالاشكال بحاله (ومنها) قال بعضهم المراد منه
[ ٥ / ٢٦٥ ]
أن يقال للميت إذا ندبوه اكنت كما يقولونه ولك ان تقول لا شك ان هذا الكلام توبيخ له
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وتخويف وهو ضرب من التعذيب فليس في هذا الكلام سوى بيان نوع التعذيب فلم يعذب
[ ٥ / ٢٦٧ ]
بما يفعلون (ومنها) قيل انهم كانوا ينوحون علي الميت ويعدون جرائمه وهم يظنونها خصال محمودة كالفتك والتصعلك وشن الغارات فاراد انه يعذب بما يبكونه عليه (ومنها) أن قوله ببكاء أهله
[ ٥ / ٢٦٨ ]
أي عند بكاء أهله وانما يعذب بذنبه قال القاضى الحسين يجوز أن يكون الله تعالي قدر العفو عنه
[ ٥ / ٢٦٩ ]
ان لم يبكو عليه وانقادوا لقضائه فإذا جزعوا عوقب بذنبه وقد روى عن عائشة ﵂
[ ٥ / ٢٧٠ ]
انها قلت (رحم الله عمرو الله ما كذب ولكنه أخطأ أو نسى انما مر رسول الله ﷺ
[ ٥ / ٢٧١ ]
علي يهودية وهم يبكون علهيا فقال انهم يبكون وانها لتعذب في قبرها) فهذه الرواية مجراة على
[ ٥ / ٢٧٢ ]
ظاهرها ومبينة أن المراد من قوله ببكاء أهله ما سبق وكأنه قال: هي معذبة فما ينفعها بكاؤهم عليها
[ ٥ / ٢٧٣ ]
والله اعلم.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
(باب تارك الصلاة)
[ ٥ / ٢٧٧ ]
قال (من ترك صلاة واحدة عمدا وامتنع عن قضائها حتى خرج وقت الرفاهية والضرورة
[ ٥ / ٢٧٨ ]
قتل (ح) بالسيف ودفن كما يدفن سائر المسلمين ويصلى عليه ولا يطمس قبره وقيل لا يقتل الا إذا صار
[ ٥ / ٢٧٩ ]
الترك عادة له وقيل إذا ترك ثلاث صلوات والله أعلم) .
[ ٥ / ٢٨٠ ]
اخر حجة الاسلام ﵀ هذا الباب إلى هذا الموضع وهو في ترتيب المزني وجمهور الاصحاب
[ ٥ / ٢٨١ ]
مقدم علي كتاب الجنائز ولعله اليق ومقصوده الكلام في عقوبة تارك الصلاة فنقول تارك الصلاة
[ ٥ / ٢٨٢ ]
ضربان (أحدهما) أن يتركها جاحدا لوجوبها فهذا مرتد تجرى عليه أحكام المرتدين إلا ان يكون قريب
[ ٥ / ٢٨٣ ]
عهد بالاسلام يجوز ان يخفى عليه ذلك وهذا لا يختص بالصلاة بل يجرى في جحود كل حكم مجمع عليه
[ ٥ / ٢٨٤ ]
(والثاني) ان يتركها غير جاحد وهو ضربان (احدهما) أن يترك بعذر من نوم؟ أو نسيان فعليه القضاء
[ ٥ / ٢٨٥ ]
لا غير.
ووقت القضاء موسع (والثانى) أن يترك من غير عذر بل كسلا أو تهاونا بفعلها
[ ٥ / ٢٨٦ ]
فلا يحكم بكفره خلافا لاحمد وبه قال شرذمة من اصحابنا حكاه الجناطى وصاحب المهذب وغيرهما
[ ٥ / ٢٨٧ ]
لنا ما روى انه ﷺ قال (خمس صلوات كتبهن الله عليكم في اليوم والليلة فمن
[ ٥ / ٢٨٨ ]
جاء بهن لم يضيع منهن شيئا كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه وان شاء أدخله الجنة) ويشرع القتل في هذا القسم حدا وبه قال مالك خلافا
[ ٥ / ٢٨٩ ]
لابي حنيفة حيث قال في رواية لا يتعرض لتارك الصلاة فهي أمانة بينه وبين الله تعالي وحده
[ ٥ / ٢٩٠ ]
والامر فيها موكول الي الله تعالى وقال في رواية إنه ليس ويؤدب حتي يصلي وبه قال المزني.
لنا
[ ٥ / ٢٩١ ]
ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة) ولانها ركن من
[ ٥ / ٢٩٢ ]
الخمسة لا يدخلها النيابة بيدن ولا مال فيقتل تاركه كالشهادتين.
إذ عرف ذلك نفرع عليه مسائل
[ ٥ / ٢٩٣ ]
(احداها) في عدد الصلاة المستحق بتركه القتل وظاهر المذهب استحقاق القتل بترك صلاة واحدة
[ ٥ / ٢٩٤ ]
فإذا تضيق وقتها طالبناه بفعلها وقلنا له إن أخرتها عن وقتها قتلناك فإذا أخرها فقدا ستوجب القتل
[ ٥ / ٢٩٥ ]
ولا يعتبر بضيق وقت الثانية وبهذا قال مالك.
واحتج له بقوله صلي الله عليه وسلم (من ترك صلاة
[ ٥ / ٢٩٦ ]
متعمدا فقد كفر أي استوجب ما يستوجبه الكافر) وهذا قد ترك صلاة ويحكى عن أبى اسحق
[ ٥ / ٢٩٧ ]
أنه أنما يستوجب القتل إذا ضاق وقت الثانية وامتنع من أدائها وعن الاصطخرى أنه لا يقتل
[ ٥ / ٢٩٨ ]
حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة ويمنع من أدئها هذه هي الرواية المشهورة عنه
[ ٥ / ٢٩٩ ]
وفى النهاية روايتان أخريان عن الاصطخرى (احداهما) أنه إنما يستوجب القتل إذا ترك أربع
[ ٥ / ٣٠٠ ]
صلوات وامتنع عن القضاء (والثانية) أنه لا تخصيص بعدد ولكن إذا ترك من الصلوات قدر ما يظهر
[ ٥ / ٣٠١ ]
لنا به اعتياده الترك وتهاونه بأمر الصلاة فحينئذ يقتل وقد نقل صاحب الافصاح هذا وجها لبعض
[ ٥ / ٣٠٢ ]
الاصحاب وإن لم ينص على قائله والمذهب الاول والاعتبار باخراج الصلاة عن وقت العذر
[ ٥ / ٣٠٣ ]
والضرورة فإذا ترك الظهر لم يقتل حتي تغرب الشمس وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر
[ ٥ / ٣٠٤ ]
حكاه الصيد لاني وتابعه الائمة عليه (الثانية) علي اختلاف الوجوه لابد من الاستتابة قبل القتل
[ ٥ / ٣٠٥ ]
فانه ليس بأشد حالا من المرتد والمرتد يستتاب وهل تكفى الاستتابة في الحال أم بمهل ثلاثا فيه
[ ٥ / ٣٠٦ ]
قولان كما سيأتي ذكر هما في استتابة المرتدو اختار المزني للشافعي ﵁ أنه لا يمهل وذكر في
[ ٥ / ٣٠٧ ]
العدة أنه المذهب والقولان في الوجوب أو في الاستحباب حكي المعلق عن الشيخ أبى محمد فيه طريقين
[ ٥ / ٣٠٨ ]
(أصحهما) أنهما في الاستحباب (الثالثة) الظاهر أنه يقتل صبرا بالسيف كالمرتد وهو الذى ذكره
[ ٥ / ٣٠٩ ]
في الكتاب وعن صاحب التلخيص أنه ينخسن فيه حديدة ويقال قم فصل فان قام ترك وإلا زيد
[ ٥ / ٣١٠ ]
في النخسن حتي يصلى أو يموت لان المقصود حمله علي الصلاة فان فعل فذاك وإلا عوقب كما يعاقب الممتنع من سائر الحقوق ويقاتل ويروى مثل هذا عن ابن سريج ويروى عنه أن يضرب بالخشب
[ ٥ / ٣١١ ]
حتى يصلي أو يموت (الرابعة) إذا قتل غسل وصلى عليه ودفن في مقابر المسلمين ولا يطمس قبره
[ ٥ / ٣١٢ ]
كسائر أصحاب الكبائر إذا حدوا وقد حكينا من قبل عن صاحب التلخيص أنه لا يصلي عليه ولا يغسل وإذا دفن في مقابر المسلمين طمس قبره حتي ينسى ولا يذكر وإن أراد الامام المعاقبة على ترك الصلاة فقال صليت في بيتى صدق وإذا عرفت ما ذكرنا أعلمت قوله في الكتاب قتل بالحاء والزاى (وقوله) بالسيف بالواو (وقوله) كما يدفن سائر المسلمين بالواو وكذا قوله ويصلى عليه ولا يطمس ولك أن تعلم (قوله) كما يدفن (وقوله) ويصلي عليه بالالف لما حكينا عن أحمد ﵀ وأنه يكفر بترك الصلاة (فرعان) (أحدهما) قال حجة الاسلام في الفتاى لو امتنع عن صلاة الجمعة من غير عذر وقال أصليها ظهرا لم يقتل لان الصوم لم يلحق بالصلاة في هذا الحكم فالجمعة مع أن لها بدلا واعذارها أكثر أولى ألا تلحق (الثاني) حكي القاضي الرواياتي في تارك الوضوء وجهين (اصحهما) أنه يقتل لان الامتناع منه امتناع من الصلاة والله أعلم * * (كتاب الزكاة) * (وفيه سنة أنواع)
قال «النوع الاول) زكاة النعم والنظر في وجوبها وأدائها أما الوجوب فله ثلاثة أركان (الاول) قدر الواجب وسيأتى بيانه (الثاني) ما يجب فيه وهو المال وله ستة شرائط أن يكون نعما.
نصابا.
مملوكا.
متهيئا لكمال التصرف.
سائمة.
باقية حول (الشرط الاول) أن يكون نعما فلا زكاة إلا في الابل والبقر والغنم ولا تجب في غيرها ولا في الخيل (ح) ولا في المتولد بين الظباء والغنم وإن كانت الامهات (ح) من الغنم) .
قال الله تعالي: (وآتوا الزكاة) وقال تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وقال ﷺ (مانع الزكاة في النار)
[ ٥ / ٣١٣ ]
* الزكاة أحد أركان الاسلام فمن منعها جاحدا كفر الا أن يكون حديث عهد بالاسلام لا يعرف وجوبها فيعرف ومن منعها وهو معتقد لوجوبها أخذت منه قهرا فان لم يكن في قبضة الامام وامتنع القوم قاتلهم الامام على منعها كما فعل الصديق ﵁ قال الاصحاب: الزكاة نوعان (زكاة الابدان) وهى الفطرة ولا تعلق لها بمال إنما يراعى فيها إمكان الا داء (وزكاة الاموال) وهى ضربان (زكاة تتعلق بالقيمة والمالية) وهى زكاة التجارة (وزكاة تتعلق بالعين) والاعيان التى تتعلق بها الزكاة ثلاث.
حيوان.
وجوهر.
ونبات.
وتختص من الحيوان بالنعم ومن الجواهر بالنقدين ومن النبات بما يقتات علي ما سفنصل جميعه وصاحب الكتاب ترك الترتيب والتقسيم واقتصر علي المقاصد فقال: الزكاة ستة انواع وهي زكاة النعم والمعشرات والنقدين والتجارة والمعادن وزكاة الفطر ثم تكلم في زكاة النعم في طرفين الوجوب والاداء ولك أن تقول كان الاحسن في الترتيب أن يقول أولا النظر في طرفين الوجوب والاداء ونتكلم في الانواع النسة في طرف الوجوب ثم نعود إلى طرف الاداء لان الكلام في الاداء لا اختصاص له بزكاة النعم بل يعم سائر الانواع ثم جعل للوجوب ثلاثة أركان (قدر الواجب) و(ما تجب فيه) و(من تجب عليه) ولك أن تقول من تجب عليه زكاة النعم هو الذى تجب عليه زكاة المعشرات وغيرها فلا تفصيل فيه بين الانواع وانما التفصيل في الركنين الباقيين فكان الاولى أن يقول:
النظر في الزكاة في الوجوب والاداء وللوجوب أركان (أحدها) من تجب عليه ونفرغ منه ثم نذكر
[ ٥ / ٣١٤ ]
الركينين الآخرين وندرج فيهما تفصيل الانواع وما يختلف فيه ثم قدر الواجب من الاركان الثلاثة يتبين في خلال بيان النصب فلذلك أحاله على ما بعده وأما ما تجب فيه وهو المال فقد قال له ستة شروط (أحدها) كونه نعما (والثانى) كونه نصابا (والثالث) الحول (والرابع) دوام الملك فيه مدة الحول (والخامس) السوم (والسادس) كمال الملك وههنا كلامان (أحدهما) أن من هذه الشروط ما لا يختص بزكاة النعم كالحول وكمال الملك وما يعتبر في هذا النوع وغيره لا يحسن تخصيص هذا النوع بذكره بل الاحسن ايراد يستوى نسبتها إليه (والثانى) أن قوله ما تجب فيه وهو المال لا شك أن المراد منه ما تجب فيه زكاة النعم فان الكلام فيها ولا معنى لزكاة النعم سوى الزكاة الواجبة في النعم فكأنه قال شرط الزكاة الواجبة في النعم أن يكون الواجب فيه نعما وهذا ركيك من الكلام وان لم يكن ركيكا فهو أوضح من أن يحتاج الي ذكره وفقه الفصل أنه لا تجب الزكاة في غير الابل والبقر والغنم من الحيوانات كالخيل والرقيق إلا أن يكون للتجارة وقال أبو حنيفة ﵀ إذا كانت الخيل ذكورا وإناثا أو إناثا فصاحبها بالخيار إن شاء أعطي من كل فرس دينارا وان شاء قومها وأعطي من كل مائتي درهم خمسة دراهم وان كانت ذكورا منفردة فلا شئ فيها * لنا ما روى أنه ﷺ قال (ليس علي المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) ولا تجب الزكاة فيما يتولد من الظباء والغنم سواء كانت الغنم فحولا أو أمهات خلافا لاحمد ﵀ حيث قال: تجب في الحالتين.
ولا بى حنيفة ومالك حيث قالا تجب ان كانت الامهات من الغنم * لنا أنه لم يتولد من اصلين تجب الزكاة في جنسهما فلا تجب فيه الزكاة كما إذا كانت الفحول والامهات ظباء وأيد الشافعي ﵁ المسألة بأن البغل لم يسهم له سهم الفرس وإن كان أحد أصليه فرسا وموضع العلامة في الصورتين من لفظ الكتاب واضح وإنما ذكرهما ليشير إلي الخلاف فيهما وإلا ففى قوله فلا زكاة إلا في الابل والبقر والغنم ما يفيد نفى الوجوب في الصورتين بل في قولنا يشترط كونه نعما ما يفيد نفى الوجوب في غير
[ ٥ / ٣١٥ ]
الابل والبقر والغنم لان اسم النعم لهذه الحيوانات الثلاثة عند العرب ولذلك قال الله تعالي (والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) ثم قال (والخيل والبغال والحمير) ففصل الخيل عن الانعام وإنما صرح بقوله فلا زكاة الا في الابل والبقر والغنم إيضاحا وفيه إشارة إلى اختصاص اسم النعم بالانواع الثلاثة وأما قوله بعد ذلك ولا تجب في غيرها فلا فائدة فيه: * قال (الشرط الثاني أن تكون النعم نصابا أما الا بل ففى أربع وعشرين من الابل فماد ونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين الي خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثي فان لم يكن في ماله بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين الي خمس واربعين ففيها بنت لبون فإذا بلغت ستا وأربعين إلي ستين ففيها حقة فإذا بلغت احدى وستين الي خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسعين الي تسعين ففيها بنتا لبون فإذ بلغت إحدى وتسعين إلي عشر ومائة ففيها حقتان فإذا صارت إحدى وعشرين مائة ففيها ثلاث بنات لبون فإذا صارت مائة وثلاثين فقد استقر الحساب ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (ح) كل ذلك لفظ أبى بكر ﵁ في كتاب الصدقة وبنت المخاض لها سنة وبنت اللبون لها سنتان وللحقى؟ ثلاث وللجذعة أربع) * الاصل المرجوع إليه في نصااب الابل ما روى الشافعي ﵁ باسناده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال هذه الصدقة بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المسلمين التي أمر الله بها فمن سئلها على وجهه فليعطها ومن سئلها فوق حقه فلا يعطه في أربع وعشرين من الابل فما دونها الغنم وذكر مثل ما أورده في الكتاب لفظا
[ ٥ / ٣١٦ ]
بلفظ إلى قوله ففى كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة إلا أنه قال في ست وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل وفي إحدى وتسعين حقتان طروقتا الجمل (قوله) هذه الصدقة ترجمع الكتاب وعنوانه كما يقال هذا مختصر كذا وكتاب كذا ثم افتتح الكتاب وقوله هذه فريضة الصدقة أي بيان الصدقة التي أمر الله بها وأجمل ذكرها بقوله (خذ من أموالهم صدقة تظهر هم) وقوله التى فرضها رسول الله صلي الله عليه ولم قال الصيدلاني يعني قدرها وقال المسعودي يعنى أوجبها وصاحب الشامل أوردهما معا علي سبيل الاحتمال وقوله من سئلها فوق حقه فلا يعطه فيه وجهان لاصحابنا
(منهم) من قال لا يعطه شيئا (ومهم) من قال لا يعطه الزيادة وهو الاصح باتفاق الشارحين: إذا تقرر ذلك فنقول لا زكاة في الابل حتى تبلغ خسما فإذا بلغت خمسا ففيها شاة ولا يزيد بزيادتها شئ حتي تبلغ عشرا فحينئذ فيها شاتان ولا يزيد بزيادتها شئ حتى تبلغ خمس عشرة فحينئذ فيها ثلاث شياه
[ ٥ / ٣١٧ ]
ولا يزيد بزيادتها شئ حتى تبلغ عشرين فحينئذ فيها أربع شياه ثم لا يزيد شئ حتى تبلغ خمسا وعشرين فحينئذ فيها بنت مخاض ثم لا شئ حتي تبلغ ستا وثلاثين ففيها بنت لبون ثم لا شئ حتى تبلغ ستا وأربعين ففيها حقة ثم لا شئ حتي تبلغ احدى وستين ففيها جذعة ثم لا شئ حتى تبلغ ستا وسبعين ففيها بنتا لبون ثم لا شئ حتى تبلغ احدى وتسعين فيها حقتان ثم لا يزيد شئ بزيادتها حتي تجاوز مائة وعشرين فان زادت واحدة وجبت ثلاث بنات لبون وإن زاد شقص من واحدة فهل هو كزيادة الواحدة حتي تجب ثلاث بنات لبون أم لا فيه وجهان (أحدهما) وبه قال الا صطخري نعم لظاهر قوله صلي الله عليه وسلم (فان زادت علي عشرين ومائة) وزيادتها علي هذا المبلغ كما تحصل بواحدة تحصل بما دونها (وأصحهما) لا والا يجب إلا حقتان لان الزيادة مفسرة بالواحدة وفي رواية ابن عمر ﵄ ولان الزكاة مبنية علي تغيير واجبها بالاشخاص دون الاشقاص وإذا زادت واحدة وأوجبنا ثلاث بنات لبون فهل للواحدة قسط من الواجب أم لا فيه وجهان قال الاصطخرى لا لانه صلي الله عليه وسلم قال (ففى كل أربعين بنت لبون) ولو قدرنا أن لها قسط من الواجب لكانت كل بنت لبون في أربعين وثلث وقال الا كثرون (نعم) لان تغير الواجب بالواحدة فيتعلق الواجب بها كالعاشرة والخامسة والعشرين وغيرهما وما ذكر من الظاهر يعارضه ما روي في بعض الرويات أنه ﷺ قال (فإذا زادت واحدة علي المائة والعشرين فيها ثلاث بنات لبون) فعلي
[ ٥ / ٣١٨ ]
هذا لو بلغت الواحدة بعد الحول وقبل التمكن سقط من الواجب جزء من مائة واحدى وعشرين جزءا وعلي قول الاصطخرى لا يسقط شئ ثم الامر يستقر بعد بلوغ الابل مائة واحدى وعشرين فيجب في كل اربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة وإنما يتغير الواجب بزيادة عشر عشر وإذا وجب
عدد من بنات اللبون ثم زادت عشر فصيرت ثلاثين أربعين أبدلت بنت لبون بحقة فان زادت عشرة أخرى أبدلت بأخرى وهكذا حتى يصير الكل حقاقا فإذا زادت عشر بعد ذلك أبدلت الحقاق كلها ببنات اللبون وزيدت واحدة (مثاله) في مائة واحدى وعشرين ثلاث بنات لبون كما عرفت فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها بنتا لبون وحقة فإذا صارت مائة وأربعين ففيها بنت لبون وحقتان فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق فإذا صارت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون ثم في مائة وسبعين ثلاث بنات لبن وحقة وفي مائة وثمانين بنتا لبون وحقتان وعلي هذا القياس هذا مذهبنا والحجة عليه الخبر الذى تقدم وساعدنا أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏ علي ما ذكرنا إلى مائة وعشرين ففيها حقتان بالاتفاق ثم عند أبى حنيفة يستانف الحساب ففى كل خمس تزيد شاة مع الحقتين فإذا بلغت مائة وخمسا واربعين ففيها بنت فيها بنت مخاض مع الحقتين فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ثم يستأنف الحساب فيجب في كل خمس تزيد شاة مع الحقاق الثلاث الي أن تبلغ مائة وخمسا وسبعين
[ ٥ / ٣١٩ ]
فحينئذ فيها بنت مخاض وثلاث حقاق وفي مائة وست وثمانين بنت لبون وثلاث حقاق وفي مائة وست وتسسعين أربع حقاق وربما قيل وفي مائتين أربع حقاق لان الاربع عفو لا يختلف الواجب بوجودها وعدمها ثم بعد المائتين يستأنف الحساب وعلى رأس كل خمسين يجعل أربع عفوا علي ما ذكرنا وعند مالك إذا زاد علي عشرين ومائة أقل من عشر لم يتغير الواجب فإذا بلغت مائة وثلاثين فحينئذ فيها بنتا لبون وحقة وقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا ورواية ثالثة أنه إذا زادت واحدة علي المائة والعشرين تغير الفرض ويتخير الساعي بين الحقتين وبين ثلاث بنات لبون وعن احمد روايتان كالروايتين الاولتين عن مالك والاصح عنه مثل مذهبنا.
إذا عرفت هذه المذاهب رقمت قوله في الكتاب فإذا زادت علي عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون (بالحاء والميم والالف) وقد أعلم بالواو أيضا لان امام الحرمين قال حكي العراقيون أن ابن خيران من شيوخنا كان يخير وراء المائة والعشرين بين مذهب الشافعي ﵁ ومذهب أبى حنيفة ﵀ فجعل ذلك وجها لكن لم أجد في الكتب المشهورة للعراقيين وتعليقا تهم
نسبة هذا المذهب الي ابن خيران وانما حكوه عن ابن جرير الطبري وربما وقع تغيير في بعض النسخ لتقارب الاسمين وتفرد ابن جرير لا يعد وجها في المذهب وان كان معدود امن طبقة أصحاب الشافعي ﵁ ثم في الفصل أمور لا بد من معرفتها (أحدها) أن قوله في الكتاب فان لم يكن في ماله بنت مخاض فابن لبون ذكر إنما ذكره جريا علي لفظ الخبر ونظامه وأما فقهه وتعريفه فهو مذكور من بعد ولماذا قيد ابن اللبون بالذكر وبنت المخاض قبل ذلك بالانثي ذكروا فيه قولين (أصحهما) أنه وقع تأكيدا في الكلام كما يقال رأيت بعينى وسمعت باذني وكما قال صلي الله عليه وسلم (ما أبقت الفرائض فلا ولي رجل ذكر) (والثانى) أن الغرض منه ان لا يؤخذ الخنثى فان في خلقته تشويها
[ ٥ / ٣٢٠ ]
وعيبا والصحيح اجزاء الخنثى علي ما سيأتي ثم في لفظ الابن والبنت ما يغنى عنه (الثاني) ربما نجد في بعض النسخ عند قوله فإذا زادت علي عشرين ومائة ففى كل اربعين بنت لبون وفي كل
[ ٥ / ٣٢١ ]
خمسين حقة زيادة وهى فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون ثم في كل اربعين بنت لبون وهذه الزيادة صحيحة لكن الكلام مستقيم دونها والظاهر انها ملحقة غير
[ ٥ / ٣٢٢ ]
مذكورة من جهة المصنف لامرين (احدهما) انه لم يذكر ها في الوسيط (والثاني) انه قال آخرا كل ذلك لفظ ابي بكر ﵁ في كتاب الصدقة وليس فيما نقل من لفظ ابى بكر ﵁ هذه الزيادة
[ ٥ / ٣٢٣ ]
وانما نسبه الي ابى بكر لانه ﵁ هو الذى كتب لانس ومالك ﵁ كتاب الصدقة لما وجهه الي البحرين (الثالث) بيان الاسنان التى جرى ذكرها في الفصل اعلم ان الناقة اول ما ولدت يسمي
[ ٥ / ٣٢٤ ]
ولدها الذكر ربعا والانثى ربعة ثم يقال لله تبيع وتبيعة ثم فصيل الي تمام سنة فإذا تمت له السنة وطعن
[ ٥ / ٣٢٥ ]
في الثانية سمى ابن مخاض ان كان ذكرا وبنت مخاض ان كانت انثي وذلك لان الناقة بعد تمام سنة
[ ٥ / ٣٢٦ ]
من ولادتها تحبل مرة اخرى فتصير من المخاض وهى الحوامل فيكون الولد ولد ناقة هي المخاض وتسمي بذلك وان لم تحبل بعد نظرا الي الوقت ثم إذا تمت للولد سنتان وطعن في الثالثة سمى الذكر
[ ٥ / ٣٢٧ ]
ابن لبون والانثي بنت لبون لان الام قد ولدت وصرت لبو نا ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين
[ ٥ / ٣٢٨ ]
وطعن في الرابعة سمى الذكر حقا والانثي حقة ولم سمى بذلك اختلفوا فيه منهم من قال لا ستحقاقه الحمل عليه وركوبه ومهم من قال لان الذكر استحق أن ينزو والانثى استحققت ان ينزى عليها
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وبحسب هذين القولين اختلفوا في قوله طروقة الجمل علي ما سبق في الخبر فمن قال بالاول قرأ
[ ٥ / ٣٣٠ ]
طروقه الحمل بالحاء أي استحقت الحمل عليه ومن قال بالثاني قرأ طروقه الجمل بالجيم لانها استحقت أن يطرقها الجمل ذكر ذلك كله المسعودي والمشهور الصحيح هو الجمل ويدل عليه ما روى في بعض الروايات طروقه الفحل ثم إذا استوفى الولد اربع سنين وطعن في الخامسة سمى الذكر جذعا والانثى
[ ٥ / ٣٣١ ]
جذعة لانه يجدع مقدم اسنانه أي يسقطه وهذه غاية اسنان الزكاة *
[ ٥ / ٣٣٢ ]
قال (وأما البقر ففى ثلاثين منه تبيع هو الذى له سنة وفي أربعين مسنة وهى التى لها سنتان
[ ٥ / ٣٣٣ ]
ثم في الستين تبيعان ثم استقر الحساب ففى كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة) *
[ ٥ / ٣٣٤ ]
عن النبي صلي الله عليه وسلم انه أمر معاذا حين بعثه إلي اليمن أن ياخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا ومن أربعين مسنة * لا شئ في البقر حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع ثم لا شئ
[ ٥ / ٣٣٥ ]
في زيادتها حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة ثم لا شئ حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان وقد استقر الحساب في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة ويتغير الواجب بزيادة عشر عشر ففى سبعين تبيع ومسنة وفي ثمانين مسنتان وفي تسعين ثلاث اتبعة وفي مائة مسنة وتبيعان وعلى هذا القياس وبقولنا قال احمد ومالك وعن أبى حنيفة ثلاث روايات (احداها) مثل قولنا (وأظهرها) ان فيما زاد علي الاربعين يجب بحساب ذلك في كل بقرة ربع عشر مسنة الي أن يبلغ ستين (والثالثة) انه لا شئ في الزيادة على الاربعين حتي تبلغ خمسين فيجب فيها مسنة وربع مسنة وإذا بلغت ستين وجب تبيعان عى الروايات كلها واستقر الحسا كما ذكرنا والتبيع هو الذى له سنة وطعن في الثانية سمي بذلك لانه يتبع الام وقيل لان قرنه يتبع اذنه ويكاد يساويها والانثى تبيعة والمسنة هي التى تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة والذكر مسن هذا هو المشهور في تفسيرهما ويجوز أن يعلم قوله وهو الذى له سنة وقوله وهى التى لها
[ ٥ / ٣٣٦ ]
سنتان بالواو لان صاح العدة وغيره حكوا وجها ان المسنة ما تم لها سنة والتبيع ماله ستة اشهر وقد أشار في النهاية الي هذا الوجه قال ورد في بعض اخبار الجذع مكان التبيع والجذع من البقر كالجذع من الضأن وفي سن الجذعة من الضأن تردد سيأتي وهو يجري في التبيع قال والمسنة في البقر بمثابة الثنية في الغنم * قال (وأما الغنم ففى أربعين شاة شاة وفي مائة واحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وواحد ثلاث شياه وفي أربعمائة أربع شياه وما بينهما أوقاص لا يعتد بها ثم استقر الحساب ففى كل مائة شاة والشاة الواجبة في الغنم إما الجذعة من الضأن وهى التى لها سنه أو الثنية من المعز وهي التى لها سنتان) *
[ ٥ / ٣٣٧ ]
عن أنس ان أبا بكر ﵁ كتب له (فريضة الصدقة التى أمر الله تعالى ورسوله صلي
الله عليه وسلم وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين الي عشرين ومائة شاة فإذا زادت علي عشرين ومائة واحدة الي مائتين ففيها شاتان فإذا زادت علي مائتين واحدة الي ثلثمائة ففيها شاة ثم لا يزيد بزيادتها شئ حتى تبلغ مائة واحدى وعشرين ففيها شاتان ثم لا يزاد شئ حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه ثم لا يزاد شئ حتي تبلغ أربعمائة ففيها اربع شياه اربع شياه وقد استقر الحساب في كل مائة شاة وبهذا قال مالك وابو حنيفة واحمد والشاة الواجبة فيها الجذعة من الضأن أو الثنية من المعزوبه قال احمد خلافا لمالك حيث قنع فيهما بالجذعة ولابي حنيفة حيث اوجب فيهما الثنية وروى عنه مثل مذهبنا أيضا لنا ما روى سويد بن غفلة قال سمعت مصدق النبي ﷺ يقول (أمرنا النبي صلي الله عليه وسلم بالجذعة من الضأن والثنية من المعز) ولانهما ساعدانا
[ ٥ / ٣٣٨ ]
في الاضحية على * واحتج الاصحاب على مالك في الجذعة من المعز بان هذا سن لا يجوز اضحية فلا يجوز في صدقة الغنم قياسا على ما دونها وعلى أبي حنيفة في الجذعة من الضأن بانها سن يجوز أضحية
[ ٥ / ٣٣٩ ]
فيجوز في صدقة الغنم كالثنية واختلفوا في تفسير هما علي أوجه (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب أن الجذعة ما استوفت سنة ودخلت في الثانية والثنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة لانها تجدع السن كما ذكر في الابل (والثانى) ان الجذعة ما لها ستة أشهر والثنية ما لها سنة وهو الذى ذكره في الثنية (والثالث) أن الجذعة هي التي لها ثمانية أشهر والثنية هي التي لها سنة وهو اختيار القاضي الروياني في الحلية
[ ٥ / ٣٤٠ ]
ويقال إذا بلغ الضأن سبعة أشهر وكان من بين شاتين فهو جذع لان له نزوا وضرابا وان كان من بين هرمين فلا تسمى جذعة حتى تستكمل ثمانية أشهر (وقوله) في أثناء الكلام وما بينها أو قاص هي جمع وقص وهو ما بين الفريضتين ثم منهم من يقول القاف من الوقص محركة وهو الذى ذكره في الصحاح قالوا ولو كانت ساكنة لجاء الجمع علي افعل كفلس وأفلس وكلب وأكلب ومنهم من يسكن القاف ويقول
[ ٥ / ٣٤١ ]
هو مثل هول وأهوال وحول وأحوال والشنق بمعنى الوقص ومنهم من قال الوقص في البقرو الغنم خاصة والشنق في الابل خاصة (وقوله) لا يعتد بها يجوز انه يريد به أنا لا تؤثر في زيادة الواجب ويجوز أن يريد به أن الواجب لا ينبسط عليها بل هي عفو وهو الصحيح وفيه خلاف مذكور في الكتاب من بعد (وقوله) أما الجذعة من الضأن وهى التى لها سنة ليس المفسر الجذعة من الضأن بخصوصها
[ ٥ / ٣٤٢ ]
بل الجذعة من الغنم هي التي لها سنة علي اوجه الاظهر سواء كانت من الضأن أو المعز وكذلك الثنية من الغنم هي التى لها سنتان سواء كانت من الضأن أو من المعز ثم الواجبة من هذه الجذعة ومن تلك الثنية والله أعلم * قال (ثم يتصدى النظر في زكاة الابل في خسمة مواضع (الاول) في اخراج شاة عن الابل وهي
[ ٥ / ٣٤٣ ]
جذعة من الضأن أو ثنية من المعز والعبرة في تعبين الضان أو المعز بغالب غنم البلد وقيل أنه يخرج ما شاء ويؤخذ منه لان الاسم ينطلق عليه ولو أخرج ذكرا فعلى هذين الوجهين ولو أخرج بعيرا عن خمس أو عن عشرا اخذ وان نقصت قيمته عن قيمة شاة) * لك ان تقول النظر الثالث والخامس لا اختصاص لهما بزكاة الابل علي ما سنبينه من بعدوانما كان يحسن قوله في زكاة الابل في خمسة مواضع إذا كانت المواضع كلها مختصة بالابل إذا تقرر ذلك فالنظر الاول في كيفية اخراج الشاة من الابل وقد ذكرنا أن الواجب في الابل قبل بلوغها خسما
[ ٥ / ٣٤٤ ]
وعشرين الشياه وانما تجب الجذعة من الضأن والثنية من المعز كما ذكرنا في الشاة الواجبة في الغنم لما روى أن مصدق النبي صلي الله عليه وسلم قال (انما حقنا في الجذعة من الضأن والثنية من المعز) وروى أنه قال (أمرنا باخذهما) وخلاف ابي حنيفة في أن الواجب منها الثنية ومالك: في ان الجذعة منهما تجزئ عائد ههنا أيضا ثم في الفصل مسائل (إحداها) هل يتعين أحد النوعين
[ ٥ / ٣٤٥ ]
من الضأن والمعز حكي في الكتاب فيه وجهين (أحدهما) أنه يتعين غالب غانم البلد إن كان الغالب الضأن وجب الضأن وإن كان الغالب المعز وجب المعز لانه مال وجب في الذمة بالشرع فاعتبر فيه عرف البد كالكفارة هذا ما ذكره صاحب المهذب وقال إن استويا يخير بينهما (والثانى) أنه يخرج ما شاء من النوعين ولا يتعين الغالب في البلد لانه صلي الله عليه وسلم قال (في خمسن من الابل شاة) واسم الشاة يقع عليهما جميعا فصار كما في الاضحية لا يتعين فيها غنم البلد وفي النهاية والوسيط حكاية وجه آخر وهو أنه يتعين نوع غنمه إن كان يملك غنما كما إذا كان يزكى عن الغنم وكما في ابل العاقلة على رأى ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب فغالب غنم البلد وكذا قوله يخرج ما شاء بالواو لمكان هذا الوجه الثالث والثاني معلم بالميم ايضا لان الحاكية عن مالك أنه يجب من غالب غنم البلد وقوله يخرج ما شاء ويؤخذ منه لا ضرورة الي الجمع بين هذين اللفظين والمقصود حاصل بأحدهما ثم أعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الاول وحكاه إمام الحرمين عن العراقيين وذكر أن صاحب التقريب نقله عن نص الشافعي ﵁ ونقل نصوصا أخر تقتضي التخيير ورجحها وساعده الامام عليه واليه صار الا كثرون وربما لم يذكروا سواه فإذا الوجه الثاني أصح في المذهب والشبهة داخلة في حكاية الامام عن العراقيين من وجهين (أحدهما) أن الشيخ ابا حامد وشيعته نصوا على أنه لا يعتبر غالب غنم البلد وإنا يعتبر غنم البلد فحسب (والثانى) أنه يشبه أنهم أرادوا بما ذكروا تعيين ضأن البلد ومعزه وذلك لا ينا في التخيير بين الضان والمعز يدل عليه أن صاحب الشامل خير بين الضأن والمعز ومع ذلك قال يخرج من غنم البلد وكذلك خير في التتمة بين النوعين ثم حكى وجهين في أن الضأن المخرج أيضا مثلا هل يجب أن تكون من نوع ضان البلد أم لا ومن قال يتعيين غنم البلد قال لو أخرج غيرها وهى خير من غنم البلد باقيمة اجزأته وكذلك لو كانت مثلها إنما الممتنع أن يخرجها وهى دونها (الثانية) لو أخرج جذعا من الضأن أو ثنيا من المعز هل يجزئه فيه وجهان (أحدهما) لا كالشاة المخرجة من الاربعين من الغنم وكاسنان الابل المؤداة فيها (واظهرهما) وبه قال أبو اسحاق نعم: لشمول الاسم كما في الاضحية.
ثم ذكر في التتمة طريقين
[ ٥ / ٣٤٦ ]
(اشهرهما) ان الوجهين مطردان فيما إذا كانت الابل ذكورا كلها وفيما إذا كانت اناثا أو مختلطة وهذا هو الموافق لا طلاق الكتاب والمذكور في التهذيب (والثاني) انها إذا كانت اناثا أو كان بعضها اناثا لم يجز اخراج الذكر والوجهان مخصوصان بما إذا كانت ذكورا كلها والوجهان مبنيان علي اصل سنذكره وهو ان الشاة المخرجة عن الابل اصل بنفسها ام بدل عن الابل ان قلنا بدل جاز اخراج الذكر كما لو اخرج عنها بعيرا ذكرا يجزله وان قلنا اصل لم يجز جريا علي الاصل المعتبر في الزكوات وهو كون المخرج انثى وقوله في الكتاب فعلى هذين الوجهين اشار به إلى تقارب مأخذ الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها (الثالثة) لو ملك خمسا من الابل ولزمته شاة فاخرج بعيرا فظاهر المذهب أنه يجزئه وان كانت قيمته أقل من قيمة شاة خلافا لمالك وأحمد حيث قالا لا يجزئ الا الشاة * لنا ان البعير يجزئ عن خمس وعشرين والخمس داخلة فيها فأولى أن يجزى عنها منفردة وفي المسألة وجهان آخران (أحدهما) أن البعير انما يجزئ إذا بلغت قيمته قيمة شاة اما إذا انقصت فلا لما فيه من الاجحاف بالفقراء حكى هذا عن القفال والشيخ أبى محمد (والثاني) أنه ان كانت الابل مراضا أو قليلة القيمة لعيب بها فأخرج بعيرا منها جاز وان كانت قيمته أقل من قيمة الشاة اما إذا كانت صحاحا سليمة لم يجز أن يخرج عنها بعيرا قليل القيمة والفرق أنه في المرض لا يعتقد باداء البعير تطوعا وفى الصحاح يعتقد التطوع واقل ما في التطوع ان لا ينقص عن الواجب وهذا الوجه هو الذى اورده الصيدلاني وحكي المنع فيما إذا كانت الابل صحاحا هو وغيره عن نص الشافعي ﵁ وفي كلام الشيخ ابى محمد حمل ذلك النص علي الاستحباب وإذا قلنا بظاهر المذهب فاخرج بعيرا عن خمس من الابل فهل يكون كله فرضا أو يكون خمسه فرضا والباقى تطوعا فيه وجهان شبههما الائمة بالوجهين في المتمتع إذا ذبح بدنة بدل الشاة هل تكون كلها فرضا أو الفرض سبعها وفيمن مسح جميع الرأس هل يقع الكل فرضا ام لا وجعلوا المصير إلى أن الكل ليس بفض وفي مسألتي الاستشهاد أو جه لان الاقتصار علي سبع بدنة في الهدايا وعلي بعض الرأس في المسح جائز ولا يجزئ ههنا اخراج خمس بعير بالاتفاق ولذلك قال الامام من يقول الفرض مقدار الخمس يعنى به علي شرط التبرع بالباقي ليتزول عيب التشقيص وذكر قوم منهم صاحب
التهذيب ان الوجهين مبنيان علي صل وهو ان الشياه الواجبة في الابل اصل بنفسها ام هي بدل عن الابل فيه وجهان (احدهما) انها اصل جريا علي ظاهر النص (والثاني) بدل لان
[ ٥ / ٣٤٧ ]
الاصل وجوب جنس المال الا ان ايجاب بغير قبل كثرة الابل بجحف برب المال وايجاب شقص بعير مما يشق لم فيه من نقصان القيمة وعسر الانتفاع فعدل الشارع إلى الشاة ترفيها وارفاقا فان قلنا الاصل هو الشاة فإذا أخرج البعير كان كله فرضا كالشاة وان قلنا الاصل هو الابل فإذا أخرج بعير كان الواجب خمسه لانه يجزى عن خمس وعشرين وحصة كل خمس حينئذ خمسه ولو أخرج بعيرا عن عشر من الابل أو عن خمس عشرة أو عشرين هل يجزئه فيه وجهان بنوهما علي الخلاف الذى تقدم ان قلنا إذا أخرجه عن الخمس وقع الكل فرضا وقام مقام شاة فلا يكفى في العشر بعير واحد بل لابد من بعيرين أو بعير وشاة وفي الخمس عشرة من ثلاثة ابعرة أو بعيرين وشاة أو شاتين وبعير أو ثلاث شياه وفي العشرين من اربعة وان قلنا الفرض قدر خمسه فيجزئ ويكون متبرعا في العشر بثلاثة أخماسه وفي الخمس عشرة بخمسه وفي العشرين بخمسه ولم يرتض الامام هذا البناء ومن وجوه الاشكال فيه الخمس عشرة بخمسه وفي العشرين بخمسه ولم يرتض الامام هذا البناء ومن وجوه الاشكال فيه انه يقال لم يلزم من كون كله فرضا إذا اخرجه عن خمس الا يكتفى به عن العشر بل يجوز أن يكون كاله فرضا إذا اخرج عن هذا وفرضا إذا اخرج عن ذاك الا ترى انه يقع فرضا فيكتفى به عن الخمس والشعرين مع الحكم بان كله فرض إذا اخرج عن الخمس وكذ البدنة ضحية واحدة إذا ضحى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها وسواء كان البناء المذكور مريضا ام لا فظاهر المذهب اجزاؤها عما دون الخمس والعشرين كاجزائها عن الخمس والعشرين وهو المكور في الكتاب والوجهان المذكوران ههنا مبنيان علي الصحيح؟ في إجزاء البعير عن الخمس مطلقا والوجهان الآخران ثم يعودان ههنا أيضا ونعتبر تفريعا عليهما أن لا تنقص قيمته في العشر عن قيمة شاتين وفى الخمس عشرة عن قيمة ثلاث شياه وفي العشرين عن قيمة أربع وإذا عرفت جميع ما ذكرنا رقمت قوله في الكتاب أخذ بالميم والالف والواو وقوله وإن نقصت قيمته (بالواو) ايضا للوجه المنسوب إلي القفال وابي محمد رحمهما الله
(واعلم) أن الشاة الواجبة في الابل يجب أن تكون صحيحة وإن كانت الابل مراضا لانها في الذمة ثم فيها وجهان (أحدهما) وهو الذى أورده كثيرون أنه يؤخذ من المراض صحيحة تليق بها (مثاله) خمس من الابل مراض قيمتها خمسون ولو كنت صحاحا لكانت قيمتها مائة وقيمة الشاة المجزئة عنها ستة دراهم يؤمر باخراج شاة صحيحة تساوى ثلاثة دراهم فان لم توجد بهذه القيمة شاة صحيحة قال في الشامل فرق الدراهم (والثانى) أنه يجب فيها ما يجب في الابل الصحاح بلا فرق قال في المهذب وهذا ظاهر المذهب ونسب الاول الي أبي علي إبن خيران *
[ ٥ / ٣٤٨ ]
قال (النظر الاني في العدول الي ابن اللبون فمن وجب عليه بنت مخاض ولم تكن في ماله أخذ ابن اللبون وإن لم يكونا في ماله جاز له شراء ابن اللبون ولو كان في ماله بنت مخاض معيبة فهى كالمعدومة ولو كانت كريمة لزمه علي الاقيس شراء بنت مخاض لانها موجودة في ماله وإنما تترك نظرا له وتؤخذ الخنثي من بنات اللبون بدلا عن بنت مخاض عند فقدها ويؤخذ الحق بدلا عن بنت لبون عند فقدها كما يؤخذ ابن لبون بدلا عن بنت مخاض) * إذا ملك خمسا وعشرين من الابل وجبت عليه بنت مخاض فان وجدها لم يعدل إلى إبن اللبون وإن لم يجدها وكان عنده ابن لبون جاز أخذه منه سواء قدر علي تحصيل بنت المخاض أم لا وسواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاض أو لم يكن لما رويناه في الخبر ولا جبران بل فضل السن يجير فضل الانوثة ثم فيه مسائل (إحداها) لو لم يكن في ماله بنت المخاض ولا ابن اللبون ففيه وجهان (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب أنه يشترى ما شاء منهما ويخرجه أما بنت المخاض فلا نها الاصل وأما ابن اللبون فلان شرط اجزأئة شرط اجزائه موجود وهو فقد بنت المخاض عنده ولانه لا منع من شراء ابن اللبون وإذا اشتراه كان في ماله ابن لبون وهو فاقد لبنت المخاض (والثانى) وبه قال مالك واحمد وصاحب التقريب يتعين عليه شراء بنت المخاض لانهما لو استويا في الوجود لم يخرج ابن اللبون فكذلك إذا استويا في الفقد وقدر علي تحصيلهما (الثانية) لو كانت عنده بنت مخاض معيبة فهي كالمعدومة لانها غير مجزئة ولو كانت كريمة وابله مهازيل فلا يكلف اخراجها لما روى أنه
صلي الله عليه وسلم قال (اياك وكرائم أموالهم) فان تطوع بها فقد أحسن وان أراد اخراج ابن لبون ففيه وجهان (أظهرهما) عند صاحب الكتاب وشيخه أنه لا يجوز لان شرط العدول الي ابن
[ ٥ / ٣٤٩ ]
اللبون أن لا يكون في ماله بنت مخاض وهى موجودة هنا بصفة الاجزاء الا أنها تركت نظرا له ورعاية لجانبه وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد واكثر شيعته ورجحه الاكثرون (والثانى) يجوز لانها لما لم تكن موجودة في ماله كانت كالمعدومة ويحكى هذا عن نصه والي ترجيحه يميل كلام صاحبي المهذب والتهذيب قوله في الكتاب لزمه علي الاقيس شراء بنت مخاض لا يخفى أنه ليس الغرض منه عين الشراء بل المقضود تحصيله بأى طريق كان واخراجه عن الزكاة وكذا حيث قلنا في هذه المسائل يجوز الشراء أولا يجوز وقوله في أول الفصل أخذ منه ابن لبون ليس علي معنى أنه يلزم بذلك إذ لو حصل بنت مخاض واخرجها جاز ولكن المعنى أنه يقنع به (الثالثة) لو لم يكن في ماله بنت مخاض فاخرج خنثى من أولاد اللبون هل يجزئه فيه وجهان (احدهما) لا لنشوه الخلقة بنقصان الخنوثة فأشبه سائر العيوب (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب نعم فانه اما ذكر وابن اللبون مأخوذ بدلا عن بنت المخاض أو أنثى وهى أولي بالجواز لزيادة السن مع بقاء الانوثة ثم لا جبران للمالك لجواز ان يكون المخرج ذكرا بخلاف ما إذا لم يكن في ماله بنت مخاض وكانت عنده بنت لبون فاخرجها له الجبران ولو وجد ابن اللبون وبنت اللبون فاراد اخراج بنت اللبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين قاله في العدة ولو لزمته بنت مخاض وهى موجودة في ماله فاراد أن يخرج خنثى من أولاد اللبون بدلا لم يجز لجواز أن يكون ذكرا وابن اللبون مأخوذ بدلا عن بنت المخاض مع وجودها بخلاف ما لو اخرج بنت لبون وقوله في الكتاب وتؤخذ الخنثى من بنات اللبون لو قال من اولاد اللبون لكان أحسن فان الخنوثة تمنع من معرفة كونه ابنا أو بنتا وكذلك هو في بعض النسخ (الرابعة) لو اخرج حقا بدلا عن بنت مخاض عند فقدها فلا شك في جوازه لان اخراج ابن اللبون جائز فالحق اجوز واولي ولو اخرجه بدلا عن بنت لبون لزمته فوجهان (احد هما) يجوز لاختيار فضيلة الانوثة بزيادة السن كما يجوز اخراج ابن اللبون بدلا عن بنت المخاض
(والثانى) لا يجوز لان النص ورد ثم وهذا ليس في معناه لان تفاوت السن في بنت المخاض وابن اللبون تفاوت يوجب اختصاصه بقوة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع والتفاوت بين بنت اللبون والحق لا يوجب اختاص الحق بهذه القوة بل هي موجودة فيهما جميعا فلا يلزم من كون تلك الزيادة حائزة لفضيلة الا نوثه كون هذه الزيادة جابرة لها والمذكور في الكتاب من هذين الوجهين هو الاول لكن المذهب الثاني بل الجمهور لم يذكروا سواء ولم يتعرض للخلاف
[ ٥ / ٣٥٠ ]
الا الاقلون منهم الحناطى * قال (النظر الثالث إذا ملك مائتين من الابل فان كان في ماله احد السنين اخذ منه الموجود وان لم يكونا في ماله اشترى (و) ما شاء من الحقاق أو ببنات اللبون وان وجدا جميعا وجب اخراج الاغبط للمساكين وقيل الخيرة إليه وقيل يتعين الحقاق فلو اخذ الساعي غير الاغبط قصدا علي قولنا يجب الاغبط لم يقع الموقع وان اخذ باجتهأده فقيل لا يقع الموقع وقيل يقع الموقع وليس عليه جبر التفاوت وقيل عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم وقيل يجب جبره بأن يشترى بقدر التفاوت شقصا ان وجده اما من جنس الاغبط على رأى أو من جنس المخرج على رأى) * مقصود هذا النظر الكلام فيما إذا بلغت ماشيته حدا يخرج فرضه بحاسبين كما إذا ملك مائتين من الابل فهي اربع خمسينات وخمس اربعينات وقد روينا في الخبر أنه صلي الله عليه وسلم قال (في كل اربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة) فما الواجب فيها نص في الجديد على ان الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون وفي القديم علي انه يجب اربع حقاق واختلفوا على طريقين (أحدهما) ان المسألة علي قولين (اصحهما) ان الواجب أحد الصنفين لما ذكرنا ان المائتين اربع خمسينات وخمس اربعينات فيتعلق بها احد الفرضين (والثاني) ان الواجب الحقاق لان الاعتبار في زكاة الا بل بزيادة السن ما وجد إليها سبيل الا ترى ان الشرع رقى في نصيبها إلى منتهي الكمال في الاسنان ثم عدل بعد ذلك إلي زيادة العدد فاشعر ذلك بزيادة الرغبة في السن (والطريق الثاني) القطع بما ذكره في الجديد وحمل القديم على ما إذا لم يوجد الا الحقاق فان اثبتنا القديم وفرعنا عليه نظر إن وجدت
الحقاق بصفة الاجزاء لم يجز غيرها والا نزل منها الي بنات اللبون أو صعد الي الجذاع مع الجيران وان
[ ٥ / ٣٥١ ]
فرعنا علي الجديد الصحيح فللمسألة أحوال ذكرنا ثلاثا منها في الكتاب فنشرحها ثم نذكر غيرها علي الاختصار (احدى الاحوال الثلاث) أن يوجد في المال القدر الواجب من احد الصنفين بكماله دون الآخر فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الثاني وان كان أنفع للمساكين ولا يجوز النزول والصعود عنه مع الجبران ولا فرق بين ان لا يوجد الصنف الآخر اصلا وبين ان يوجد بعضه والناقص كالمعدوم ولا يجوز ان يؤخذ الموجود من الناقص ويعدل بالباقي الي الصعود والنزول مع الجبران إذ لا ضرورة إليه ولو وجد الصنفان لكن أحدهما معيب فهو كالمعدوم (والحالة الثانية) ان لا يوجد في ماله شئ من الصنفين وفي معناه ان يوجد اوهما معيبان فان اراد تحصيل أحدهما بشراء وغيره فوجهان (احدهما) يجب تحصيل الاغبط كما يجب علي الظاهر اخراج الاغبط إذا وجد على ما سيأتي (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب يحصل ما شاء من الحقاق أو بنات اللبون فانه إذا اشترى أحد الصنفين صار واجدا له دون الآخر فيجزئه والوجهان كالوجهين فيما إذا ملك خمسا وعشرين وليس فيها بنت مخاض ولا ابن لبون هل يجب تحصيل بنت المخاض ام لا ويجوز في هذه المسألة ان لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون ولكن ينزل أو يصعد مع الجبران وحينئذ ان شاء جعل بنات اللبون اصلا ونزل منها الي خمس بنات مخاض فاخرجها مع خمس جبرانات وان شاء جعل الحقاق اصلا وصعد منها الي اربع جذاع فاخرجها وأخذ اربع جبرانات ولا يجوز ان يجعل الحقاق اصلا وينزل منها إلى اربع بنات مخاض مع ثمان جبرانات ولا ان يجعل بنات اللبون أصلا ويصعد منها إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات لامكان تقليل الجبران يجعل الجذاع بدل الحقاق وبنات المخاض بدل بنات اللبون وحكى الشيخ أبو محمد في الفرق وجها اخر وهو انه يجوز النزول والصعود فيهما كما لو لزمته حقة فلم يجدها ولا بنت لبون في ماله فنزل الي بنت المخاض فاخرجها مع جبرانين أو لزمته بنت لبون فلم يجدها ولاحقة في ماله فيصعد الي الجذعة فيخرجها ويأخذ جبرانين يجوز والظاهر الاول والفرق ان في صورتي الاستشهاد لا يتخطى واجب ماله وفيها
[ ٥ / ٣٥٢ ]
نحن فيه يتخطى في الصعود والنزول أحد واجبى ماله (والحالة الثالثة) أن يوجد الصنفان معا بصفة الاجزاء فقد قال الشافعي ﵁ نصا يأخذ الساعي ما هو الاغبط منهما لاهل السهمين لان كل واحد من الصنفين فرض نصابه لو انفرد فإذا اجتمعا روعي الاصلح للمحتاجين * واحتج له بظاهر قوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وعن ابن سريج أن المالك بالخيار يعطي ما شاء منهما كما أنه بالخيار في الصعود والنزول عند فقد الفرض وأجاب الاصحاب ان المالك ثم بسبيل من ترك الصعود والنزول معا بأن يحصل الفرض وانما شرع ذلك تخفيفا للامر عليه ففوض إليه وههنا خلافه (التفريع) إن خيرنا المعطى علي رأى ابن سريج فيستحب له مع ذلك أن يعطي الاغبط إلا أن يكون ولي يتيم فيراعي حظه وان فرعنا علي النص وهو ظاهر المذهب فلو أخذ الساعي غير الاغبط نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحاله أو أخذه من غير اجتهاد ونظر في أن الاغبط ماذا أو وجد تقصير من المالك بأن دلس وأخفى الاغبط لم يقع المأخوذ عن جهة الزكاة وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع عن جهة الزكاة هذا ما اعتمده الاكثرون منهم صاحب المهذب وهو الظاهر وزاد في التهذيب شيئا آخر وهو أن لا يكون باقيا بعينه في يد الساعي فان كان باقيا لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما وهذا قد حكاه الشيخ أبو الفضل ابن عبدان عن ابن جيران ووراء ما نقلنا من الظاهر وجوه أخر (أحدها) أنه يقع عن الزكاة بكل حال وان أخذ من غير اجتهاد حكاه ابن كج وغيره لانه يجزئ عند الانفراد فكذا عند الاجتماع وهذا رجوع إلى رأى ابن
[ ٥ / ٣٥٣ ]
سريج (والثانى) لا يقع عن الزكاة بحال لانه ظهر أن المأخوذ غير المأمور به (والثالث) إن فرقه علي المستحقين ثم ظهر الحال حسب عن الزكاة بكل حال والا لم يحسب والفرق عسر الاسترجاع (والرابع) عن أبي الحسن ابن القطان عن بعض الاصحاب أنه إن دفع المالك مع العلم بانه الادنى لم يجزه وإن كان الساعي هو الذى أخذ جاز ويقرب من هذا عد صاحب التهذيب مجرد علم المالك بحاله تقصيرا مانعا من الاجزاء وإن لم يوجد اخفاء وتدليس وفي كلام الصيد لانى وغيره ما ينازع
فيه إذا أخذه الساعي بالاجتهاد فهذا بيان الاختلافات في هذا الموضع (التفريع) حيث قلنا لا يقع المأخوذ عن الزكاة فعليه اخراج الزكاة وعلي الساعي رد ما أخذه ان كان باقيا وقيمته ان كان تالفا وحيث قلنا يقع فهل يجب اخراج قدر التفاوت فيه وجهان (أحدهما) أنه يستحب ولا يجب لان المخرج محسوب عن الزكاة فيغى عن غيره كما إذا ادى اجتهاد الامام الي أخذ القيمة وأخذها لا يجب شئ آخر (وأصحهما) أنه يجب لنقصان حق أهل السهمين قال الائمة وانما يعرف قدر التفاوت بالنظر الي القيمة فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسون وقد أخذ الحقاق فقدر التفاوت خمسون (التفريع) ان كان قدر التفاوت يسيرا لا يؤخذ به شقص من ناقة دفع الدراهم للضرورة وحكي امام الحرمين ﵀ عن صاحب التقريب اشارة الي أنه يتوقف الي أن يجد شقصا واسبعدها وان كان قدرا يؤخذ به شقص فهل يجب شراؤه أم يجوز دفع الدراهم فيه وجهان (أحدهما) يجب لان الواجب الابل والعدول إلى غير جنس الواجب في الزكاة ممتنع علي أصلنا (واصحهما) أنه يجوز دفع الدراهم لما في اخراج الشقص من ضرر المشاركة وقد يعدل إلى غير جنس الواجب لضرورة تعرض ألا ترى أنه لو وجب شاة عليه في خمس من الابل ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثمن يعدل إلى القيمة علي أن الغرض ههنا جبران الواجب فاشبه دراهم الجبران (التفريع) ان قلنا يجوز دفع الدراهم فلو اخرج بها شقصا فالظاهر جوازه قال في النهاية وفيه أدني نظر لما فيه من العسر علي المساكين وإن قلنا يجب اخراج شقص فينبغي أن يكون ذلك الشقص من الاغبط أو من المخرج فيه وجهان (احدهما) من المخرج كيلا تتفرق الصدقة (واظهرهما) عند الصيدلانى وغيره من الاغبط فانه الواجب في الاصل ففى المال الذى سبق ذكره يخرج على الوجه الاول نصف حقة لان قيمة كل حقة مائة وقدر التفاوت
[ ٥ / ٣٥٤ ]
خمسون وعلي الوجه الثاني يخرج خمسة اتساع بنت لبون لان قيمة كل بنت لبون تسعون فإذا أخرج الشقص لزم صرفه الي الساعي علي قولنا يجب الصرف الي الامام في الاموال الظاهرة وإذا أخرج الدراهم فوجهان (احدهما) لا يجب الصرف إليه لانها من الاموال الباطنة (والثاني) يجب لانها جبران
المال الظاهر هذا تمام الكلام في الاحوال المذكورة في الكتاب.
ومن أحوال المسألة أن يوجد بعض كل واحد من الصنفين كما إذا وجد ثلاث حقاق واربع بنات لبون فهو بالخيار بين أن يجعل الحقاق أصلا فيعطيها مع بنت لبون وجبران وبين ان يجعل بنات اللبون اصلا فيعطيها مع حقة ويأخذ جبرانا وهل يجوز ان يعطى حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات فيه وجهان لبقاء بعض الفرض عنده وكثرة الجبران مع الاستغناء عنه ويجرى الوجهان فيما إذا لم يجد الا اربع بنات لبون وحقة فاعطي الحقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جيرانات ونظائره قال صاحب التهذيب ويجوز في الصورة الاولى أن يعطي الحقاق مع الجذعة ويأخذ جيرانا وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران (ومن أحوال المسألة) أن يوجد بعض أحد المصنفين ولا يوجد من الآخر شئ كما إذا لم يجد إلا حقتين فله أن يجعلها أصلا ويخرجها مع جذعتين ويأخذ جيرانين وله أن يجعل بنات اللبون أصلا فيخرج بدلها خمس بنات مخاض مع خمس جيرانات ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله أن يخرجها مع بنتي مخاض وجيرانين وله أن يجعل الحقاق أصلا فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جيرانات هكذا ذكر الصورتين وله أن يجعل الحقاق صلا فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جيرانات هكذا ذكر الصورتين في التهذيب ولم يحك خلافا صلا وقياس الوجهين المذكورين في الحالة السابقة علي هذه يقتضي طرد الخلاف في جعل بنات اللبون أصلا في الصورة الاولي وجعل الحقاق أصلا في الصورة الثانية لقاء بعض الفروض عنده وكثرة الجبران فان كان هذا جوابا على الظاهر فالظاهر ثم أيضا الجواز (واعلم) أنه إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان حكمها حكم بلوغ الابل مائتين فانها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات والواجب فيها ثلاث مسنات أو أربع اتبعة ويعود فيها الخلاف والتفاريع التى ذكرناها ولهذا قلنا إن الكلام في النظر الثالث لا يختص بزكاة الابل وأعود بعد هذا إلي ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه (أما قوله) إذا ملك مائتين من الابل فان كان في ماله أحد السنين ففيه شئ مدرج تقديره إذا ملك مائين من الابل فعليه اربع حقاق أو خمس بنات لبون فان كان في ماله هذا أو ما أشبهه (وقوله) وجب إخراج الاغبط للمساكين لفظ المساكين في هذا الموضع وامثاله لا يعنى به الذين هم أحد الاصناف الثمانية خاصة بل اهل السهمان كلهم لكن المساكين والفقراء اشهر
[ ٥ / ٣٥٥ ]
الاصناف فيسبق اللسان إلي ذكرهم (وقوله) وقيل الخيرة إليه هو الوجه المنسوب الي ابن سريج (وقوله) وقيل تتعين الحقاق هو القول المنقول عن القديم لكن ايراده في الموضع المذكور في الكتاب يقتضى اختصاصه بما إذا وجد الصنفان جميعا في ماله وهكذا زعم القاضى بن كج لكن الشيخ أبو حامد وعامة من نقل ذلك القول اثبته عند بلوغ الابل مائتين علي الاطلاق وتفريعه ما قدمناه (وقوله) فيما إذا اخذ غير الاغبط قصدا لم يقع الموقع معلم بالواو لانه لم يحك الخلاف إلا فيما أخذه بالاجتهاد وقد حكينا وجها أنه يقع الموقع وإن أخذه من غير الاجتهاد (وقوله) قيل لا يقع الموقع وقيل يقع الموقع ليس المراد منه الكلام في كونه مجزئا اذلو كان كذلك لما انتظم التفريع علي وجه وقوع الموقع بانه هل يلزم جبر التفاوت ام لا وإنما المراد من وقوعه الموقع كونه محسوبا عن الزكاة (وقوله) وقيل عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم يشبه أن لا تكون الدراهم في كلام الاصحاب معينة في هذا الفصل بعينها بل المعتبر نقد البلد وهذه العبارة هي التى اوردها الشيخ ابراهيم المروذى فيما علق عنه (وقوله) أما من جنس الاغبط علي رأى أو من جنس المخرج على راى يجوز أن يعلم بالواو لان إمام الحرمين حكي عن إشارة بعض المصنفين وجها ثالثا ومال إليه وهو أنه يتخير بين الصنفين بعد حصول الجيران ولا يتعين هذا ولا ذاك * قال (فرع) لو أخرج حقتين وبنتى لبون ونصفا لم يجز للتشقيص ولو ملك اربعمائة فاخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون جاز على الاصح) * مالك المائتين من الابل لو أخرج حقتين وبنتى لبون ونصفا لم يجز لان التشقيص نقصان وعيب ولو ملك اربعمائة من الابل فعليه ثمان حقاق أو عشر بنات لبون لانها ثمان خمسينات وعشر اربعينات ويعود فيها جميع ما في المأتين من الخلاف والتفريع ولو أخرج عنها اربع حقاق وخمس بنات لبون ففى جوازه وجهان قال الاصطخرى لا يجوز لانه تفريق الفريضة كما في المائتين وتمسك بنصه في المختصر
[ ٥ / ٣٥٦ ]
ولا يفرق الفريضة (والاصح) وبه قال الجمهور يجوز فان كل مائتين أصل علي الانفراد فيجوز إخراج
فرض من إحداهما وفرض من الاخرى كما يجوز في إحدى الكفارتين إلا طعام وفي الاخرى الكسوة وكما يجوز في أحد الجبرانين الشياه وفي الآخر الدراهم بخلاف ما إذا لم يملك الامائتين فان التفريقق فيها كالتفريق في الجبران الواحد والكفارة الواحدة علي أنه ليس المانع من المائتين مجرد التفريق الا ترى أنه لو أخرج حقتين وثلاث بنات لبون يجز قاله صاحب التهذيب وكذا لو أخرج اربع بنات لبون وحقة بدل بنت لبون يجوز وإنما المانع من المائتين التشقيص ولا تشقيص ههنا (وقوله) ولا يفرق الفريضة منهم من لم يثبته لما بينا من جواز التفريق وقال الثابت رواية الربيع وهى ولا تفارق الفريضة
[ ٥ / ٣٥٧ ]
إذا وجد الساعي في المال أحد الصنفين دون الآخر لم يجز ان يفارق الموجود ويكلفه تحصيل المفقود ومن اثبته حمل علي تفريق التشقيص في صورة المائتين أو التفريق مع الجبران من غير ضرورة مثل أن يأخذ اربع بنات لبون وحقة ويعطى الجبران وهى واجد لخمس بنات لبون وتجرى الوجهان متى بلغ المال اربعينات وخمسينات بحيث يخرج منها بنات اللبون والحقاق بلا تشقيص ولعلك تقول ذكر تمأن الساعي يأخذ الاغبط ويلزم من ذلك ان يكون أغبط الصنفين هو المخرج فكيف يخرج البعض من هذ والبعض من ذاك فاعلم ان ابن الصباغ اجاب عن هذا فقال اما ابن سريج فلا يلزمه هذا إذ الخيار هذا عنده لرب المال أما على قول الشافعي ﵁ فيجوز أن يكون لهم حظ
[ ٥ / ٣٥٨ ]
ومصلحة في اجتماع النوعين وهذا يفيد معرفة شئ آخر وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر اخراج الفضل وقدر التفاوت * قال: (النظر الرابع في الجبران وجبران كل مرتبة في السن عند فقد السن الواجب بشاتين أو بعشرين در هما فان رقى الي الاكبر أخذ الجبران وان نزل اعطى والخيرة في تعيين الدراهم والشاة (و) إلى المعطى والخيرة في الانخفاض والارتفاع الي المالك الا إذا كانابله مراضا فارتقى وطلب الجبران لم يجز لانه ربما يكون خيرا مما أخرجه) * في حديث أنس ﵁ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ومن بلغت صدقته
[ ٥ / ٣٥٩ ]
جذعة وليست عنده وعنده حقة فانها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما) وروى مثل ذلك في بنت المخاض وبنت اللبون من وجبت عليه بنت مخاض وليست عنده جاز ان يخرج بنت لبون ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهما وان وجبت عليه بنت لبون وليست عنده جاز أن يخرج حقة ويأخذ ما ذكرنا وان وجبت عليه حقة وليست عنده جاز أن يخرج جذعة ويأخذ ما ذكرنا وهذه صور الارتقاء عن الواجب ولو وجبت عليه جذعة وليست عنده جاز ان يخرج حقة مع شاتين أو عشرين درهما ولو وجبت عليه حقة وليست عنده جاز ان
[ ٥ / ٣٦٠ ]
يخرج بنت لبون مع ما ذكرنا ولو وجبت عليه بنت لبون وليست عنده جاز ان يخرج بنت مخاض مع ما ذكرنا وهذه صور النزول وجملة ذلك تفصيل قوله في الكتاب وجبران كل مرتبة في السن إلى قوله اعطى وصفة شاه الجبران ما ذكرنا في الشاة المخرجة عما دون خمس من الابل في اشتراط الانوثة إذا كان المعطى هو المالك الوجهان المذكوران في تلك الشاة والدراهم التى يخرجها هي البقرة قال في النهاية وكذلك دراهم الشرعية حيث وردت فإذا احتاج الامام والي اعطاء الجبران ولم يكن في بيت المال دراهم باع شيئا من مال المساكين وصرفه إلى الجبران والي من تكون الخيرة في تعيين الشاة أو الدراهم نص في المختصر علي ان الخيرة إلى المعطى سواء كان هو الساعي أو المالك وعن الاملاء قول آخر ان الخيرة للساعي يأخذ الاغبط منها للمساكين وللاصحاب فيه طريقان مذكوران في النهاية (أحداهما) ان المسألة علي قولين (أصحهما) ان الخيرة للمعطى لقوله صلي الله عليه سلم (وأخرج معها شاتين أو عشرين درهما) وهذا تخيير للمخرج فان كان الساعي هو المعطي راعى
[ ٥ / ٣٦١ ]
مصلحة المساكين (والثاني) أن الخيار الي الساعي كالخيار في المأتين بين الحقاق وبنات اللبون علي الظاهر (والطريقة الثانية) وبها قال الاكثرون إن الخيرة الي المعطي بلا خلاف وما ذكرناه في الكتاب يجوز ان يكون جوابا علي هذه الطريقة ويجوز ان يكون جوابا علي الصحيح مع تسليم الخلاف وهو الذى ذكره
في الوسيط وإذا فقد السن الواجبة وأمكن الصعود والنزول فالي من الخيار فيهما فيه وجهان (احدهما) إلى الساعي كما في تخيبره بين الحقاق وبين بنات اللبون في المائتين من الابل (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب الي المالك لان الصعود والنزول شرعا تخفيفا عليه فيفوض الا مر إلى خيرته وموضع لا وجهين ما إذا طلب المالك خلاف الاغبط للمساكين فان كان الاغبط ما يطلبه فلا خلاف وعلي الساعي مساعدته وهذا عند الصحة والسلامة فاما إذا كان الواجب مريضا أو معيبا لكون ابله مراضا أو معيبة فاراد الصعود وطلب الجبران مثل ان يجب بنت مخاض معيبة فارتقى الي بنت لبون معيبة
[ ٥ / ٣٦٢ ]
وطلب الجبران فيبنى ذلك علي الوجهين ان قلنا الخيار الي الساعي فلو رأى الساعي الغبطة فيه جاز وان فرعنا علي الصحيح وهو تفويض الخيار إلى المالك فينبغي في هذه الحالة ان لا يفوض الخيار إليه علله جماعة منهم صاحب الكتاب بان الجبران المأخوذ قد يزيد علي المعيب المدفوع ومقصود الزكاة افادة المساكين لا الاستفادة منهم واحسن منه ما أشار إليه العراقيون فقالوا لو صرف إليه الجبران اما ان يصرف إليه الجبران المشروع بين الصحيحين أو غيره (والاول) ممتنع لان قدر التفاوت بين الصحيحين فوق قدر التفاوت بين المريضين فما يدفع إليه لا علي التفاوتين كيف يدفع لادناهما
[ ٥ / ٣٦٣ ]
(والثاني) ممتنع لانه لا نظر الي القيمة في الزكوات عندنا ولم يرد نص فنتبعه ولو اراد أن ينزل من السن المريضة أو المعيبة الي سن ناقصة دونها ويبذل الجبران فهذا لا منع منه لانه تبرع بزيادة لان ما يعطيه من الجبران هو الجبران المشروع بين الصحيحين * قال: (ولو اخرج بدل الجذعة ثنية لم يكن له جبران علي أظهر الوجهين لانه جاوز اسنان الزكاة ولو كان عليه بنت لبون فلم بحدوا في ماله حقة وجذعة فرقى الي الجذعة لم يجز علي اظهر الوجهين
[ ٥ / ٣٦٤ ]
لانه كثر الجبران مع الاستغناء عنه ولو أخرج عن جبران واحد شاة وعشرة دراهم لم يجزو لو أخرج عن جبرانين شاتين وعشرين در هما جاز) *
في الفصل مسائل (احداها) لو وجب عليه جذعة فاخرج مكانها ثنية ولم يطلب جبرانا جاز وقد زاد خيرا ولو طلب الجبران فوجهان (أحدهما) يجوز لزيادتها في السن كما في سائر المراتب والي هذا
[ ٥ / ٣٦٥ ]
يميل كلام العراقيين وهو ظاهر النص (وأظهرهما) عند المنف وصاحب التهذيب المنع لان المؤدى ليس من أسنان الزكاة فاشبه ما لو أخرج فصيلا لم يبلغ أسنان الزكاة مع الجبران لا يجوز (الثانية) كما يجوز الصعود والنزول بدرجة واحدة يجوز بدرجتين مثل أن يعطى مكان بنت اللبون جذعة عند
[ ٥ / ٣٦٦ ]
فقدها وفقد الحقة ويأخذ جبرانين أو يعطى بدل الحقة بنت مخاض عند فقدها مع جبرانين وكذلك بثلاث جبرانات أو يعطى مكان الجذعة عند فقدها وفقد الحقة وبنت اللبون بنت مخاض مع ثث جبرانات أو يعطى مكان بنت المخاض عند فقدها وفقد بنت اللبون والحقة جذعة ويأخذ ثلاث جبرانات وهل يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع القدرة على الدرجة القربي كما إذا لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ووجد حقة وجذعة فرقى الي الجذعة فيه وجهان (أحدهما) يجوز كما لو لم يجد الحقة فانها ليست واجب ماله فوجودها وعدمها بمثابة واحدة وهذا ما ذكره القاضي ابن كج ونسبه الامام الي القفال ﵀ (وأصحهما) عند الاكثرين المنع للاستغناء عن أخذ الجبرانين ببذل الحقة وموضع الوجهين ما إذا رقى إلى الجذعة وطلب جبرانين اما لو رضى جبران واحد فلا
[ ٥ / ٣٦٧ ]
خلاف في الجواز ويجرى الخلاف في النزول من الحقة الي بنت المخاض مع وجود بنت اللبون ولو لزمته بنت اللبون فلم يجدها في ماله ولا حقة ووجد جذعة وبنت مخاض فهل يجوز أن يترك النزول الي بنت المخاض ويرقى الي الجذعة فيه وجهان مرتبان وأولي بالجواز وبه أجاب الصيدلانى لان بنت المخاض وان كانت أقرب إلا أنها ليست في الجهة المعدول إليها (الثالثة) لو أخرج المالك
[ ٥ / ٣٦٨ ]
عن جبرانين شاتين وعشرين درهما جاز كما يجوز اطعام عشرة مساكين في كفارة يمين وكسوة عشرة
في أخرى ولو أخرج عن جبران واحد شاة وعشرة دراهم لم يجز لان الجبر يقتضي التخيير بين شاتين وعشرين درهما فلا تثبت خيرة ثالثة كما أن في الكفارة الواحدة لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة ولو كان المالك هو الآخذ ورضي بالتفريق جاز فانه حقه وله اسقاطه اصلا ورأسا * (فرع) لو لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ووجد ابن لبون وحقة فاراد أن يعطي ابن اللبون مع الجبران هل يجوز فيه وجهان نقلهما القاضي ابن كج وغيره وجه الجواز أن الشرع نزله منزلة بنت المخاض حيث أقامه مقامها في خمس وعشرين قال في العدة: والاصح المنع (وأعلم) أن الجبران لا مدخل له في زكاة البقر والغنم لان السنة لم ترد به الا في الابل وليس هو بموضع القياس والله أعلم * قال (النظر الخامس في صفة المخرج في الكمال والنقصان والنقصان خمسة (الاول) المرض فان كان كل المال مراضا أخذ (م) منه مريضة وان كان فيها صحيح لم يؤخذ إلا صحيحة نقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان ماله أربعين شاة) * هذا النظر لا يختص بزكاة الابل ومقصوده الكلام في صفة المخرج في الكمال والنقصان ومن الصفات ما يعد في هذا الباب نقصانا وهو كمال في غيره كالذكور لان الاناث في مظنة الدر والنسل فهي أرفق بالفقراء ثم جعل أسباب النقصان خمسة (أحدها) المرض فان كانت ماشيته كلها مراضا لم يكلفه الساعي إخراج صحيحة وعن مالك انه يكلفه ذلك * لنا ان ماله ردئ فلا يلزمه
[ ٥ / ٣٦٩ ]
إخراج الجيد كما في الحبوب ثم المأخوذ من المراض الوسط جمعا بين الحقين ولو انقسمت الماشية الي صحاح ومراض فاما أن يكون الصحيح منها قدر الواجب فصاعدا أو كان دونه فان كان قدر الواجب فصاعدا لم يجز اخراج المريضة لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال: (لا تؤخذ في الزكاة هرمة ولا ذات عوار) فان كانت المريضة ذات عوار فالنص مانع منها والا فهى مبنية عليها وقضية ذلك ان لا تؤخذ المريضة أصلا.
خالفنا فيما إذا كانت ماشيته كلها مراضا فيبقى الباقي علي قضية الدليل هذا إذا وجب حيوان واحد فان وجب اثنان ونصف ماشيته مراض كبنتي لبون في ست وسبعين
وشاتين في مائتين من الشياه فهل يجوز أن يخرج صحيحة ومريضة فيه وجهان حكاهما في التهذيب
[ ٥ / ٣٧٠ ]
(أظهرهما) عنده نعم (وأقربهما) إلي كلام الاكثرين لا وان كان الصحيح منها دون قدر الواجب كما إذا وجب شاتان في مائتي شاة وليس فيها إلا صحيحة فوجهان (أحدهما) ويحكي عن الشيخ أبى محمد أنه يجب عليه صحيحتان ولا يجزئه صحيحة ومريضة لان المخرجتين كما يزكيان ماله يزكي كل واحد منهما الاخرى فيلزم ان تزكي المريضة الصحيحة وهو ممتنع (وأصحهما) ولم يذكر العراقيون والصيدلانى غيره أنه يجزئه صحيحة ومريضة لان امتناع اخراج المراض مقدر بقدر وجود الصحاح الا ترى ان ماشيته لو كانت مراضا باسرها جاز له اخراج محض المراد فالمطلوب أن لا يخرج مريضة ويستبقي صحيحة كيلا يكون متيمما بخبيث ماله لينفق منه وإذا أخرج صحيحة من المال المنقسم الي الصحاح والمراض فلا يجب أن تكون من صحاح ماله ولا مما يساويها في القيمة ولكن يؤخذ صحيحة لائقة بماله (مثاله) اربعون شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران وقيمة كل مريضة دينار يخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وذلك دينار ونصف ولو كان الصحاح منها ثلاثين والقيمة ما ذكرناه أخرج صحيحة بقيمة ثلاثة أرباع صحيحة وربع مريضة وهو دينار ونصف وربع ولو لم يكن فهيا الاصحيحة اخرج صحيحة بقيمة تسعة وثلاثين جزءا من أربعين من مريضة وجزء من أربعين من صحيحة وذلك دينار وربع عشر دينار وجميع ذلك ربع عشر المال على ما قال في الكتاب تقرب قيمتها من ربع عشر مالله إذا كان ماله أربعين شاة واعرف في هذا اللفظ شيئين (أحدهما) ان قوله تقرب قيمتها يشعر بان الامر في ذلك علي التقريب وهذا لم أره في كلام غيره ولا ينبغى أن يسامح بالنقصان والبخس (والثانى) الذى ذكرناه من طريق التقسيط هوما أورده
[ ٥ / ٣٧١ ]
أكثر الاصحاب وهو يتضمن النظر الي آحاد الماشية ولا يستمر الا فيما إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة القيمة ولفظ الكتاب يعنى عن النظر إلى الآحاد ورأيت القاضى ابن كج رواه عن أبي اسحق فمتى قوم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر القيمة كفي
ثم لا يخفى أن هذا في الشاة مع الاربعين فان ملك مائة واحدى وعشرين شاة فينبغي أن تكون قيمة الشاتين قدر جزء من مائة وإحدى وعشرين من قيمة الجملة وان ملك خمسا وعشرين من الابل فينبغي أن تكون الناقة المأخوذة بالقيمة جزءا من خمسة وعشرين جزءا من قيمة الكل وقس على هذا سائر النصب وواجباتها (ومن الامثلة) في الباب لو ملك ثلاثين من الابل نصفها صحاح ونصفها مراض وقيمة كل صحيحة اربعة دنانير وقيمة كل مريضة ديناران يجب عليه صحيحة بقيمة نص صحيحة ونصف مريضة وهو ثلاثة دنانير أورده صاحب التهذيب وغيره ولك أن تقول هلا كان هذا ملتفتا علي أن الزكاة هل تنبسط على الوقص ام لا فان انبسطت فذاك والا قسط المأخوذ على الخمس والعشرين * قال (الثاني العيب فان كان كل المال معيبا أخذ منه معيبة وان كان فيها سليمة طلبنا سليمة تقرب قيمتها من ربع عشر ماله وان كان الكل معيبا وبعضه اردا أخذ الوسط مما عنده) * الكلام في العيب كالكلام في المرض سواء تمحضت الماشية معيبة أو انقسمت إلى سليمة ومعيبة (وأعلم) قوله أخرج الوسط مما عنده بالواو وليس هذا الاعلام للخلاف الذى يو همه نظم الوسيط ولكنه يصح لغيره (اما) أنه ليس لما يوهمه نظم الوسيط (فلانه) لا خلاف في ذلك الوجه ولا عبرة بايهامه بيانه أنه قال في الوسيط قال الشافعي ﵁ يخرج أجود ما عنده وقال الاصحاب يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الاصح فاوهم أن في المسالة خلافا وأراد بما نقله عن الشافعي ﵁ ما رواه المزني في المختصر حيث قال ويأخذ خير المعيب لكن الاصحاب متفقون على أنه مأول منهم من قال أراد بالخير الوسط ومنهم من قال غير ذلك ولم يثبتوا خلافا بحال (وأما) أنه يصح لغير ذلك (فلان) امام الحرمين حكي وجها فيما إذا ملك خمسا وعشرين من الابل معيبة وفيها بنتا مخاض احدا هما من أجود المال مع العيب والاخرى دونها (احدهما) أنه يأخذ التى
[ ٥ / ٣٧٢ ]
هي أجود (وأصحهما) أنه يأخذ الوسط وذكر ان من قال بالاول شبه المسألة باخذ الاغبط من الحقاق وبنات اللبون إذا اجتمع الصنفان في المالين ثم العيب المرعي في الباب ماذا فيه وجهان (أصحهما)
ما ثبت الرد به في البيع (والثاني) هذا مع ما يمنع الاجزاء في الضحايا * قال (الثلث الذكورة فان كان في ماله انثى أو كان الكل أناثا لم يؤخذ الا الانثى لو رود النص بالاناث وان كان الكل ذكورا لم يؤخذ الذكر أيضا على أظهر الوجهين لظاهر النص) *
[ ٥ / ٣٧٣ ]
غرض الفصل يتصح بتفصيل أجناس النعم اما الابل فان تمحضت اناثا أو انقسمت الي انااث وذكور فلا يجوز فيها اخراج الذكر الا في خمس وعشرين فانه يجزئ فيها ابن لبون عند عدم بنت المخاض وان كانت كلها اناثا وذلك في المستثني والمستثنى منه مأخوذ من النص علي ما تقدم وإن تمحضت ذكورا فهل يحوز أخذ الذكر فيه وجهان (أحدهما) وبه قال ابن سلمة وأبو إسحق لا
[ ٥ / ٣٧٤ ]
ويروى هذا عن مالك لان النص ورد بالاناث من بنت المخاض وبنت اللبون وغيرهما فلا عدول عنها وعلى هذا فلا يؤخذ منها أنثى كانت تؤخذ لو تمحضت ابله اناثا بل تقوم ماشيته لو كانت اناثا وتقوم الانثى المأخوذة مننها ويعرف نسبتها من الجملة ثم تقوم ماشيته الذكور ويؤخذ منها أنثى قيمتها ما تقتضيه النسبة وكذلك الانثي المأخوذة من الاناث والذكور تكون دون الانثى المأخوذة من محض
[ ٥ / ٣٧٥ ]
الاناث وطريق التقسيط ما ذكرناه في المراض (وأظهر هما) وبه قال اببن خيران ويروى عن نصه في الام أنه يجوز أخذ الذكور منها كما يجوز أخذ المريضة من المراض والمعنى فيه أن في تكليفه الشراء حرجا وتشديدا وأمر الزكاة مبنى علي الرفق ولهذا شرع الجبران ومنهم من فصل فقال إن أدى أخذ الذكور الي التسوية بين نصابين لم يؤخذ وإلا فيؤخذ (بيانه) يؤخذ ابن مخاض من خمس وعشرين وحق من ست وأربعين وجذع من إحدى وستين وكذا يؤخذ الذكر إذا زادت الابل واختلف الفرض بزيادة العدد ولا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين لان ابن اللبون مأخذ من خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض فيلزم التسوية بينهما ومن قال بالوجه الثاني قال لا تسوية لا في كيفية الاخذ ولا في المأخوذ (أما) في كيفية الاخذ (فلان) أخذ ابن اللبون من ست وثلاثين مشروط بعدم بنت اللبون لا بعدم
بنت المخاض وأخذه من خمس وعشرين مشروط بعدم بنت المخاض لا بعدم بنت اللبون (وأما) في المأخوذ (فلان) عندي يؤخذ من ست وثلاثين ابن لبون فوق ابن اللبون المأخوذ من خمس وعشرين ويعرف ذلك بالتقويم والنسبة (وأما) البقر فالتبيع مأخوذ منها في مواضع وجوبه وجب واحد منه أو عدد
[ ٥ / ٣٧٦ ]
للنص الذى رويناه ولا فرق بين أن تتمحض اناثا أو ذكورا أو تنقسم إلى النوعين وحيث تجب المسنة فهل يؤخذ السن منها ان تمحضت اناثا أو انقسمت الي ذكور واناث فلا وان تمحضت ذكورا فوجهان كما في الابل وأما الغنم فان تمحضت اناثا أو كانت ذكورا واناثا لم يجز فيها الذكر خلافا لا بي حنيفة حيث قال يؤخذ الذكر منها مكان الانثى وسلم في الابل أنه لا يؤخذ الا على طريق
[ ٥ / ٣٧٧ ]
اعتبار القيمة علي اصله في دفع القيم لنا قياس الغنم علي الابل وايضا فقد روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (لا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس) وان تمحضت ذكورا فطريقان (أحدهما) القطع بانه يؤخذ الذكر منها (والثاني) طرد الوجهين المذكورين في الابل والاول هو ما اورده الاكثرون وفرقوا بان أخذ الذكر منها لا يؤدى إلى التسوية بين نصابين فان الفرض فيها يتغير بالعدد وفي الابل يؤدى الي التسوية بين القليل والكثير لان الفرض فيها يتغير بالسن أولا كما سبق وعد بعد هذا إلي لفظ الكتاب واعلم قوله لم يؤخذ الا الانثى بالحاء فان عند ابي حنيفة ﵀ يؤخذ الذكر علي ما بيناه ولفظ الكتاب وان كان مطلقا ولكن لابد من استثناء أخذ التبيع في مواضع وجوبه عنه وكذلك أخذ ابن اللبون بدلا عن بنت مخاض وذكروا وجهين فيما إذا اخرج عن اربعين من البقر أو خمسين (اظهرهما) عند الاكثرين الجواز لان اخراجهما عن ستين جائز فعما دونها اجوز فعلى هذا تستثنى هذه الصورة ايضا (وقوله) لم يأخذ الذكر أيضا يجوز أن يعلم بالالف لان ظاهر كلام احمد فيما رواه اصحابه انه يجوز أخذه وقوله على احد الوجهين بالواو لان اللفظ يشمل الغنم وغيرها وفي الغنم طريقة اخرى قاطعة بالجواز * قال (الرابع الصغر فان كان في المال كبيرة لم يأخذ الصغيرة فان كان الكل صغارا كالسخال
والفصلان اخذنا الصغيرة وقيل لا تؤخذ في الابل لانه في الابل يؤدى الي التسوية بين القليل ولا كثير وقيل يؤخذ في غير الابل وفى الابل فبما جاوز احدى وستين ولا يؤخذ فيما دونه كيلا يؤدى إلى التسوية) * الماشية اما ان تكون كلها أو بعضها في سن الفرض أولا يكون شئ منها في تلك السن وحينئذ اما أن تكون في سن فوقها أودنها فهذه ثلاث أحوال (الحالة الاولي) أن تكون كلها أو بعضها في سن الفرض فيؤخذ لواجبها ما في سن الفرض ولا يؤخذ ما دونه ولا يكف بما فوقه (اما) الاول فللنصوص المقتضية لوجوب الاسنان المقدرة (واما) الثاني (فلما) فيه من الاجحاف والاضرار بالمالك وقد روى
[ ٥ / ٣٧٨ ]
أن عمر ﵁ قال لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفى ﵀ (اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي علي يده ولا تأخذها ولا تأخذ الاكول والربئ والماخض ولا فحل الغنم وخذ الجذعة والثنية فذلك عدل بين غذاء المال وخياره) الاكولة هي المسمنة للاكل في قول ابى عبيدة وقال شم اكولة غنم الرجل الخصى والهرمة والعاقر والربئ هي الشاة الحديثة العهد بالنتاج ويقال هي في ربائها كما يقال المرأة في نفاسها والجمع رباب بالضم والماخض الحامل وفحل الغنم الذكر المعد للضراب والغذاء السخال الصغار جمع غذى وهذه التى فسرناها لو تبرع بها المالك اخذت الا فحل الغنم ففيه ما ذكرنا في أخذ الزكاة (الحالة الثانية) أن تكون كلها في سن فوق سن الفرض فلا يكلف باخراج شئ منها بل يحصل السن الواجبة ويخرجها وله الصعود والنزول في الابل كما سبق (والحالة الثالثة) أن يكون الكل في سن دونها وقد يستبعد تصوير هذه الحالة ببادى الرأى فيقال لا شك ان المراد من الصغر هو الانحطاط عن السن المجزئة ومعلوم ان احد شروط الزكاة الحول واذ حال الحول فقد بلغت الماشية حد الاجزاء والاصحاب صورها فيما إذا حدثت من الماشية في أثناء الحول فصلان أو عجول أو سخال ثم ماتت
[ ٥ / ٣٧٩ ]
الامهات كلها وتم حولها وهى صغار بعد وهذا مبني علي ظاهر المذهب في ان الحول لا ينقطع بموت الامهات بل تجب الزكاة في النتاج إذا كان نصابا عند تمام حول الاصل وبه قال مالك وذهب أبو
القاسم الانماطى من أصحابنا إلي أن الامهات مهما نقصت عن النصاب انقطع حول النتاج فضلا من ان لا يبقى منها شئ فعلي قوله لا تتصور هذه الحالة الثالثة من هذا الطريق وكذلك لا يتصور عند أبى حنيفة ﵀ لانه شرط بقاء شئ من الامهات ولو واحدة وان لم يشترط بقاء النصاص وعن احمد ﵀ روايتان (أصحهما) كمذهبنا (والاخرى) كمذهب ابى حنيفة ﵀ وسيأتي هذا الاصل بشرحه في شرط الحول ان شاء الله تعالي ويمكن ان تصور هذه الحالة في صورة أخرى وهى ان يملك نصابا من صغار المعزو يمضى عليها حول فتجب فيها الزكاة وان لم تبلغ سن الاجزاء فان الثنية من المعز على أظهر الاوجه التى سبقت هي التى لها سنتان وهذه الصورة لا تستمر على مذهب أبى حنيفة ﵀ أيضا لان عنده لا ينعقد الحول علي الصغار من المواشي وانما يبتدئ الحول من وقت زوال الصغر إذا عرف التصوير ففيما يؤخذ وجهان وقال صاحب التهذيب وغيره قولان (القديم) أنه لا يؤخذ الا كبيرة لان الاخبار الواردة في الباب تقتضي ايجاب الاسنان المقدرة من غير فرق بين ان تكون الماشية صغارا أو كبارا وعلي هذا تؤخذ كبيرة هي دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة وكذا إذا انقسم ماله إلى صغار وكبار يأخذ الكبيرة بالقسط علي ما سبق في نظائره فان لم توجد كبيرة بما يقتضيه التقسيط يؤخذ منه القيمة للضرورة ذكره المسعودي في الافصاح (والجديد) أنه لا يشترط كونها كبيرة بل يجوز أخذ الصغيرة من الصغار كما يجوز أخذ المريضة من المراض وعلي هذا فتؤخذ مطلقا أم كيف الحال قطع الجمهور بأخذ الصغيرة من الصغار في الغنم وذكروا في البقر والابل ثلاثة أوجه (أحدها) وبه قال أبو العباس وأبو إسحق انه لا يؤخذ منها الصغار لانا لو أحذنا لسوينا بين ثلاثين من البقر واربعين في أخذ عجل وبين خمس وعشرين من الابل واحدى وستين وما بينهما من النصابين في اخذ فصيل ولا سبيل الي التسوية بين القليل والكثير بخلاف ما في الغنم فان الاعتبار فيها بالعدد فلا يؤدى أخذ الصغار إلى التسوية وعلي هذا
[ ٥ / ٣٨٠ ]
فتؤخذ كبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره ولا يكلف كبيرة تؤخذ من الكبار (والوجه الثاني) انه لا يؤخذ الفصيل من احدى وستين فما دونها لان الواجب فيها واحد واختلافه بالسن فلو أخذنا
فصيلا لسوينا بين القليل والكثير اما إذا جاوز ذلك فالاعتبار بالعدد فاشبه الغنم وكذلك البقر (والثالث) انه يؤخذ الصغار منهما مطلقا اعتبارا بجنس المال كما يؤخذ من الغنم لكن يجتهد الساعي ويحترز عن التسوية فيأخذ من ست وثلاثين فصيلا فوق الفصيل المأخوذ من خمس وعشرين ومن
[ ٥ / ٣٨١ ]
ست وأربعين فصيلا فوق المأخوذ من ست وثلاثين وعلى هذا القياس والله أعلم * ولنبين ما في الكتاب من هذه الاختلافات والاظهر منها (قوله) أخذنا الصغيرة هو الوجه الاخير المجوز لاخذ الصغار
[ ٥ / ٣٨٢ ]
من الغنم وغير الغنم وايراد يشعر بترجيحه ذكر صاحب التهذيب وآخرون أنه الاصح وليكن قوله أخذنا معلم بالميم والحاء (اما) بالميم (فلان) عنده لا تؤخذ الا الكبيرة (واما) بالحاء (فلان) عنده لا تؤخذ الصغيرة ولا الكبيرة ولا زكاة في الصغار كمل سبق بيانه (وقوله) وقيل لا يؤخذ هو المحكي عن القديم الصائر الي المنع مطلقا وأراد بقوله لانه في الابل يؤدى الي التسوية أنا لو أخذنا الصغيرة لاخذناها من الابل ايضا كالمريضة والمعيبة حيث؟ تؤخذ تؤخد في غير الابل من جميع النعم ولو أخذنا من الابل لزم التسوية بين القليل والكثير فامتنع الاخذا أصلا ورأسا وقوله وقيل يؤخذ في غير الابل إلى آخره هو الوجه الثاني من الوجوه التى بيناها علي الجديد وزيفه الائمة من وجهين (أحدهما) أن التسوية التى تلزم في إحدى وستين فما دونها تلزم في ست وسبعين واحدى وتسعين أيضا فان الواجب في ست وسبعين بنتا لبون وفي احدى وتسعين حقتان فإذا أخذنا فصيلين من هذا ومن ذاك فقد سوينا بينهما لا فرق إلا ان المأخوذ قبل مجاوزة إحدى وستين وحدا وبعد مجاوزتها اثنان فان وجب الاحتراز عن تلك التسوية فكذلك عن هذه (والثانى) أن هذه التسوية تلزم في البقر بين
[ ٥ / ٣٨٣ ]
الثلاثين والاربعين وعبر قوم من الاصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع هذين الالتزامين وهى ان الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدى أخذها الي التسوية بين القيل والكثير ولا تؤخذ حيث يؤدى أخذها إلى التسوية وهكذا ذكر المصنف في الوسيط والامام في النهاية (وقوله) ولا يؤخذ فيما
دونه يجوز ان يعلم بالواو لان صاحب التهذيب خص وجه المنع بالست والثلاثين والست والاربعين فما فوقهما وجوز اخراج فصيل من خمس وعشرين إذ ليس في تجويزه وحده تسوية وفي كلام الصيدلانى مثل ذلك * قال (الخامس راداءة النوع فان كان الكل معزا أخذ المعز وإن اختلف فقولان (أحدهما) أنه ينظر إلى الاغلب وعند التساوي يراعى الاغبط للمساكين (والثاني) أنه يأخذ من كل جنس بقسطه) * نوع الجنس الذى يملكه من الماشية ان اتحد أخذ الفرض منها كما إذا كانت إبله ارحبية كلها أخذ الفرض منها وان كانت مهرية أخذ الفرض منها وان كانت غنمه ضأنا أخذ الضأن وان كانت معزا أخذ المعز وذكر في التهذيب في ذلك وجهين في أنه هل يجوز أن يؤخذ ثنية من المعز باعتبار القيمة عن اربعين ضأنا أو جذعة من الضأن عن اربعين معزا (احدهما) لا كما لا يجوز البقر عن الغنم (واصحهما) نعم لاتفاق الجنس كالمهرية مع الارحبية * وحكي عن القاضى حسن أنه يحتمل ان لا يؤخذ المعز من الضأن ويؤخذ الضأن من المعز لان المعز دون الضان كما تؤخذ المهرية عن المجيدية ولا تؤخط المجيدية عن المهرية وكلام امام الحرمين ﵀ يقرب من هذا التفصيل فانه قال الضأن اشرف من المعز فلو ملك اربعين من الضأن الوسط فاخرج ثنية من المعز الشريفة وهى تساوى جذعة من الضأن الذى يملكه فهذا محتمل
[ ٥ / ٣٨٤ ]
والظاهر اجزاؤها وان اختلف نوع الجنس الذى يمكله من الماشية كالمهرية والارحبية من الابل والعراب والجواميس من البقر والضأن والمعز من الغنم فيضم البعض إلي البعض لاتحاد الجنس وفي كيفية أخذ الزكاة منها قولان مشهوران (احدهما) انها تؤخذ من الاغلب لان النظر إلى كل نوع مما يشق فيتبع الاقل الاكثر ولو استوى النوعان أو الانواع في المقدار فقد قال في النهاية تفريعا علي هذا القول انه عند الائمة بمثابة ما لو اجتمع في المائتين من الابل الحقاق وبنات اللبون فظاهر المذهب ان الساعي يأخذ الاغبط للمساكين وهو المشهور والمذكور في الكتاب ومن قال ثم الخيرة إلى المالك فكذلك يقول ههنا فيجوز ان يرقم لهذا قوله وعند التساوي يراعي الاغبط بالواو والقول (الثاني) وهو الاظهر انه يؤخذ من كل نوع بالقسط رعاية للجانبين وليس معناه ان يؤخذ شقص من هذا وشقص من ذاك فانه لا يجزئ
بالاتفاق ولكن المراد النظر الي الاصناف باعتبار القيمة علي ما سنبينه في الامثلة وإذا اعتبرت
[ ٥ / ٣٨٥ ]
القيمة والتقسيط فمن أي نوع كان المأخوذ جاز هكذا قال الجمهور وقال ابن الصباغ ينبغى ان يكون المأخوذ من أعلي الانواع كما لو انقسمت ماشيته الي صحاح ومراض يأخذ بالحصة من الصحاح ولك أن تقول ورد النهى عن المريضة والمعيبة فلذلك لا نأخذها ما قدرنا على صحيحة وما نحن فيه بخلافه وفي المسألة قول ثالث محكى عن الام وهو أنه إذا اختلفت الانواع يؤخذ الفرض من الوسط كما في الثمار ولا يجئ هذا القول فيما إذا لم يكن الا نوعين ولا فيما إذا كانت أنواعا متساوية في الجودة والردءة وحكى القاضي ابن كج وجها وهو أنه يؤخذ من الاجود أخذا من نصه في اجتماع الحقاق وبنات اللبون ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب فقولان بالوا ولان القاضى أبا القاسم بن كج حكى عن أبى اسحق ان موضع القولين ما إذا لم يحتمل الابل أخذ واجب كل نوع لو كان وحده منه فان احتمل أخذ كذلك بلا خلاف مثل ان يملك مائتين من إلا بل مائة مهرية ومائة أرحبية فيؤخذ حقتان من هذه وحقتان من هذه المشهور طرد الخلاف علي ما يقتضيه لفظ الكتاب ونوضح القولين بمثالين (احدهما) له خمس وعشرون من الابل عشرة مهرية وعشرة ارحبية وخمسة مجيدية فعلى
[ ٥ / ٣٨٦ ]
القول الاول تؤخذ بنت مخاض أرحبية أو مهرية بقيمة نصف أرحبيه ومهرية لان هذين النوعين اغلب ولا نظر الي المجيدية وعلي الثاني يؤخذ بنت مخاض من أي الانواع أعطى بقيمة خمس مهرية وخمس ارحبية وخمس مجيدية فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة وقيمة بنت مخاض مجيدية ديناران ونصف فيأخذ بنت مخاض من أحد أنواعها قيمتها ستة ونصف وهى خمسا عشرة وخمسا خمسة وخمس دينارين ونصف وصور بعضهم قيمة المجيدية أكثر وذلك فرض في ابل الشخص على الخصوص والا فالمجيدية ارادأ الانواع الثلاثة وغرض التمثيل لا يختلف (والثانى) له ثلاثون ماعزة وعشر من الضأن فعلي القول الاول يؤخذ ثنية من المعز قال في النهاية ويكتفى بماعزة كما يأخذها لو كانت غنمه كلها معزا وعلي عكسه لو كانت ثلاثون منها ضأنا أحذنا جذعة من الضأن كنا نأخذها
لو تمحضت غنمه ضأنا وعلي القول الثاني يخرج ضأنه أو ما عزه بقيمة ثلاثة ارباع ما عزه وربع ضانه في الصورة الاولى وبقيمة ثلاثة أرباع ضأنه وربع ما عزه في الصورة الثانية ولا يجئ قول اعتبار الوسط ههنا وعلي الوجه الذى رواه ابن كج يؤخذ من الاشرف فلا يخفى قياسها في المثال الاول * قال (هذا بيان النصاب ولا زكاة فيما دونه الا إذا تم بخلطة نصابا) *
[ ٥ / ٣٨٧ ]
(باب صدقة الخلطاء) * وفيه خمسة فصول (الاول) في حكم الخلطة وشرطها وحكم الخلطة تنزيل المالين منزلة مال واحد فلو خلط اربعين باربعين لغيره ففى الكل شاة واحدة (ح) ولو خلط عشرين بعشرين لغيره ففى كل واحد نصف (م ح) شاة) * النظر في المواضع الخمسة كان معترضا في شرط النصاب فلما فرغ منها عاد الي القول في النصاب ولما كانت الزكاة قد تجب علي من لا يملك نصابا بسبب الخلطة وجب استثناؤها علي اشتراط النصاب فاستثنى ووصل به باب صدقة الخلطاء وهو من اصول أبواب الزكاة ودرج مقصوده في خمسة فصول (اولها) في حكم الخلطة وشرطها.
أعلم أن الخطة نوعان حلطة اشتراك وخلطة جوار وقد يعبر
[ ٥ / ٣٨٨ ]
عن الاولي بخلطة الاعيان والثانى بخلطة الاوصاف والمراد من النوع الاول ان لا يتميز نصيب احد الرجلين أو الرجل عن نصيب غيره كماشية ورثها اثنان أو قوم أو ابتاعوها معا فهى شائعة بينهم ومن النوع الثاني ان يكون مال كل واحد معينا متميزا عن مال غيره ولكن تجاورا تجاور المال الواحد علي ما سنصفه ولكلتى الخطتين اثر في الزكاة ويجعلان مال الشخصين أو الاشخاص
[ ٥ / ٣٨٩ ]
منزلة مال الشخص الواحد في الزكاة ثم تكثر الزكاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة ولو انفرد كل بنصيبه لما وجب شئ وقد تقل كما لو كان بينهما ثمانون مختلطة يجب
فيها شاة ولو انفرد كل واحد باربعين لوجب على هذا شاة وعلى هذا شاة وحكى الحناطي وجها
[ ٥ / ٣٩٠ ]
غريبا ان خلطة الجوار لا اثر لها وانما تؤثر خلطة لشيوع وعند أبي حنيفة ﵀ لا حكم للخلطة أصلا وكل واحد يزكي زكاة الانفراد إذا بلغ نصبه نصابا وعند مالك لا حكم للخلطة الا إذا كان نصيب كل واحد منهما نصابا فلذلك اعلم قوله في الكتاب الا إذا تم بلخلطة نصابا بالحاء والميم وكذلك قوله في كل واحد نصف شاة وقوله في الكل شاة واحدة بالحاء وحده ومذهب احمد ﵀ كمذهبنا والدليل عليه ما روى في حديث انس وابن عمر ﵃ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية) قال العلماء هذا نهى للساعي والملاك عن الجمع والتفريق اللذين يقصد بهما الساعي تكثير الصدقة والملاك تقليلها فجمع الساعي ان يكون لزيد عشرون من الغنم ولعمرو عشرون وهى متفرقة متميزة فاراد الساعي الجمع بينهما ليأخذ مها شاة وتفريقه أن يكون بينهما ثمانون مختلطة فاراد أن يفرق ليأخذ شاتين (وأما) جمع الملاك مثل أن يكون لزيد اربعون من الغنم ولعمرو اربعون متفرقة فأراد الجمع لئلا يأخذ الساعي منها الا واحدة وتفريقهم مثل ان يكون لهما اربعون مختلطة فاراد التفريق لئلا يأخذ منهما شيئا ولولا ان الخلطة مؤثرة لما كان لهذا الجمع والتفريق معني
[ ٥ / ٣٩١ ]
قال (وشرط الخلطة اتحاد المسرح والمرعى والمراح والمشرع وكون الخليط اهلا للزكاة لا كالذمي والمكاتب وفي اشتراك الراعى والفحل والمحلب ووجود الاختلاط في اول السنة وجريان الاختلاط بالقصد واتفاق اوائل الاحوال خلاف) * نوعا الخلطة يشتركان في اعتبار شروط وتختص خلطة المجاورة بشروط زائدة فمن الشروط المشتركة أن يكون المجموع نصابا وفى لفظ الكتاب ما يدل علي اعتباره حيث قال الا إذا تم بخلطه نصابا فلو مالك زيد عشرين شاة وعمرو مثلها فخلطا تسع عشرة بتسع عشرة وتركا شاتين منفردتين فلا أثر لخلطتهما ولا زكاة أصلا (ومنها) أن يكون الخليطان من أهل وجوب الزكاة
فلو كان أحد هما ذميا أو مكاتبا فلا أثر للخلطة بل ان كان نصيب الحر المسلم نصابا زكى زكاة الانفراد
[ ٥ / ٣٩٢ ]
ولا فلا شئ عليه لان من ليس أهلا لوجوب الزكاة عليه لا يجوز ان يصير ماله سببا لتغيير زكاة المسلم (ومنها) دوام الخلطة في جميع السنة علي ما سيأتي شرحه (وأما) الشروط التي تختص خلطة الجوار باعتبارها (فمنها) اتحاد المرعي والمسرح والمراح والمشرع هذا لفظ الكتاب والمراد من اتحاد المشرع ان تسقى غنمهما من ماء واحد من نهر أو عين أو بئر أو حوض أو مياه متعددة ولا تخص غنم أحد هما بالسقى من موضع وغنم الآخر بالسقى من غيره والمراد بالمراح مأواها ليلا فلو كان يختص غنم أحد هما بمراح وغنم الآخر بمراح آخر لم تثبت الخلطة وإن كانا يخلطانها نهارا (واما) المرعى والمسرح (فلفظ) الكتاب يقتضي تغايرهما وكلام كثير من الائمة يوافقه ومنهم من يقتصر علي ذكر المسرح ويفسره بالمرعي ولفظ المختصر قريب منه وليس في الجقيقة اختلاف لكن الماشية إذا سرحت عن اماكنها تجئ قطعة قطعة وتقف في موضع فإذا اجتمعت امتدت الي المرعى وكان بعضهم اطلق اسم المسرح على ذلك الموضع وعلي المرتع نفسه لان الابل مسرحة الهيا ومنهم من خص اسم المسرح بذلك الموضع
[ ٥ / ٣٩٣ ]
وانما شرط اتحاد المالين في هذه الامور ليجتمع اجتماع ملك المالك الواحد على الاعتياد وقد روى عن سعد بن أبى وقاص ﵁ انه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجمتع خشية الصدقة والخليطان ما إذا اجتمعا في الحوض والفحل والراعي) فنص علي اعتبار الاجتماع في الحوض والرعي من الامور الاربعة وقيس عليها الباقي ومنها اشتراك المالين في الراعى حكي المصنف وشيخه وجهين (أظهرهما) أنه يشترط كالاشتراك في المراح والمسرح وأيضا فقد روى في بعض الروايات عن سعد بدل الرعي الراعي (والثاني) أنه ليس بشرط لان الافتراق فيه لا يرجع الي نفس المال فلا يضر بعد الاجتماع في المراح وسائر ما ذكرنا ولا شك في أنه لا بأس بتعدد الرعاة والخلاف في أنه هل يشترط أن لا تختص غنم أحدهما براع أم لا ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب في اشتراك الراعى بالواو لان كثيرا من الاصحاب نفوا الخلاف في اشتراطه (ومنها)
الاشتراك في الفحل فيه وجهان كما في الراعي (أحدهما) أنه لا يعتبر ولا يقدح في الخلطة اختصاص كل واحد منهما بانزاء فحل علي ماشيته وهذا اصح عند المسعودي لكن يشترط كون الانزاء علي
[ ٥ / ٣٩٤ ]
موضع واحد على ما سنذكره في الخلاف (وأظهرهما) ولم يذكر الجمهور سواه انه يعتبر لما ذكرنا في خبر سعد وعلي هذا فالمراد أن تكون الفحولة مرسلة بين ماشيتهما ولا يخص واحد منهما ماشيته بفحل سواء كانت الفحولة مشتركة بينهما أو مملوكة لا حدهما أو مستعارة وحكي الشيخ أبو محمد وغيره
[ ٥ / ٣٩٥ ]
وجها آخر انه يجب ان تكون مشتركة بينهما وضعفوه ولك أن تعلم لفظ الفحل بالواو لمثل ما ذكرنا في الراعى (ومنها) حكى في الكتاب في الاشتراك في المحلب خلافا وشرحه أن المزني روى في المختصر في شرائط الخلطة أنه يعتبر أن يحلبا معا وحكي مثله عن حرملة ورواية الزعفراني وليسن له ذكر في الام فاختلفوا منهم من أثبت قولين (احدهما) اعتباره كما في السقى والرعي (والثانى) المنع فانه ارتفاق وانتفاع فلا يعتبر الاجتماع فيه كما في الركوب ومنهم من قطع بنفى الاعتبار حكى الطريقتين القاضي ابن كج والظاهر الذي أورده الاكثرون وفرعوا عليه إنما هو الاعتبار ثم ههنا أشياء موضع يحلب فيه واناء يتقاطر فيه اللبن وهو المحلب وشخص يحلب ففيما ذا يعتبر الاشتراك أما الموضع فلابد
[ ٥ / ٣٩٦ ]
من الاشتراك فيه كالمراح والمرعي فلو حلب هذا ماشيته في أهله وذك ماشيته في أهله لم يثبت حكم الخلطة وأما الحالب ففيه وجهان (أحدهما) أنه يعتبر الاشتراك فيه أيضا علي معني أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بحالب يمنع عن حلب ماشية لآخر وهذا ما ذكره الصيدلانى (وأظهرهما) وبه قال أبو اسحق لا يعتبر ذلك كما في الجاز وفي الاشتراك في المحلب وجهان أيضا (أظهرهما) لا يعتبر الاشتراك فيه
[ ٥ / ٣٩٧ ]
كما لا يعتبر الاشتراك في آلات الجز فان كل واحد منهما نوع انتفاع (والثانى) يعتبرو به قال أبو اسحق ههنا ومعناه أنه لا يجوز أن ينفرد أحد هما بمحلب أو محالب ممنوعة عن الثاني وعلي هذا فهل يشترط
خلط اللبن أو يجوز أن يحلب احدهما في الاناء ويفرغه ثم يحلب الآخر فيه وجهان (أظهرهما) أنه
[ ٥ / ٣٩٨ ]
لا يشترط ذلك فان لبن أحدهما قد يكون أكثر فإذا اختلطت امتنعت القسمة (والثانى) يشترط ثم يتسامحون في القسمة كما يخلط المسافرون ازوادهم ثم يأكلون وفيهم الزهيد والرغيب ومنهانية الخلطة وفي اشتراطها وجهان (أحدهما) انها تشترط لانها تغير امر الزكاة إما بالتكثير وإما بالتقليل ولا ينبغى أن يكثر من غير قصده ورضاه ولا أن يقل إذا لم يقصد محافظة علي حق الفقراء (وأظهرهما) أنها
[ ٥ / ٣٩٩ ]
لا تشترط فان الخلطة إنما تؤثر من جهة خفة المؤنة باتحاد المرافق وذلك لا يختلف بلقصد وعدمه وهذان الوجهان كوجهين يأتيان في قصد الاسامة والعلف ويجريان غالبا فيما لو افترقت الماشية في شئ مما يعتبر الاجتماع فيه بنفسها أو فرقها الراعى ولم يشعر المالكان إلا بعد طول الزمان هل تنقطع
[ ٥ / ٤٠٠ ]
الخلطة ام لا ولو فرقاها أو أحدهما قصدا في شئ من ذلك انقطع حكم الخلطة وإن كان يسيرا والتفرق اليسير من غير قصد لا يؤثر لكن لو اطلعا عليه فاقراها علي تفرقهما ارتفعت الخلطة ومهما
[ ٥ / ٤٠١ ]
ارتفعت الخلطة فعلى من كان نصيبه نصابا زكاة الانفراد إذا تم الحول من يوم الملك لا من يوم ارتفاعها وأما قوله ووجود الاختلاط في أول السنة وقوله واتفقاق أوائل الاحوال فهما المسألتان اللتان يشتمل
[ ٥ / ٤٠٢ ]
عليهما الفصل الثالث ونشرحهما إذا انتهينا إليه والخلاف الذى ابهم ذكره في جميع الصور وجهان إلا في وجود الاختلاط في اول السنة فهو في هذه المسألة قولان ستعرفهما ولك ان تعلم قوله وشرط
[ ٥ / ٤٠٣ ]
الخلطة اتحاد المرعى والمسرح إلي آخره بالميم لان ابن الصباغ حكي عن أصحاب مالك اختلافا في الامور التي شرطناها في الخلطة فمنهم من شرط اجتماع المالين في امرين منها ومنهم من اعتبر الرعى
والراعي ومنهم من اعتبر الرعي وامرا آخر ايما كان * قال (وفي تأثير الخلطة في الثمار الزرع ثلاثه أقوال فعلي الثلث تؤثر خلطة الشيوع دون الجوار ولا تؤثر خلطة الجوار في مال التجارة وفي الشيوع قولان) * لا خلاف عندنا في تأثير الخطة في المواشي وهل تؤثر في غير المواشى من الثمار والزروع والنقدين وأموال التجارة أما خلطة المشاركة ففيها قولان (القديم) وبه قال مالك وكذلك احمد في أصح الروايتين أنها لا تثبت بخلاف المواشى فان فيها أو قاصا فالخلطة تنفع المالك تارة والمسكين أخرى ولا وقص في المعشرات فلو أثبتنا الخلطة فيها لتمحضت ضررا في حق المالكين لانها تضر فيما إذا كان ملك كل واحد منهما دون النصاب ولا يثبت نفع بأزائه (واحتج له أيضا بظاهر قوله ﷺ (والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والرعي) فانه يقتضى حصر الخليطين في المجتمعين في هذه الامور وذلك لا يفرض الا في المواشي (والجديد) أنها تثبت لانهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشى لخفة المؤنة باتحاد المرافق كذلك يرتفقان في غيرهما باتحاد الجرين والناطور والدكان والحارس والمتعهد وكراء البيت وغيرها * واحتج له باطلاق قوله صلي الله عليه وسلم «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق ببن مجتمع خشية الصدقة «واما) خلطة المجاورة فان لم تثبت خلطة المشاركة فهذه اولي وإن أثبتنا تلك ففى هذه قولان ومنهم من يقول وجهان وذلك بأن يكون لكل واحد صف نخيل أو زرع في حائط واحد أو كيس دراهم في صندوق واحدأ وامتعة تجارة في خزانة واحدة (أصحهما) عند العراقيين وصاحب التهذيب والاكثرين أنها تثبت أيضا كما في المواشى وهذا الحصول حصول الارتفاق
[ ٥ / ٤٠٤ ]
باتحاد الناطور والعامل والنهر الذى منه تسقى وباتحاد الحارث ومكان الحفظ وغيرها (والثانى) أنها لا تثبت لان كل نخلة متميزة بمكانها الذى تشرب منه فاشبه افتراق الماشية في الشرب ونسب القاضي ابن كج هذا إلى اختيار ابى اسحق والاول الي اختيار ابن ابى هريرة ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين الثمار أو الزروع وبين النقدين واموال التجارة على المشهور وعن القفال طريقة أخرى وهي ان الخلاف في الثمار والزروع في الخلطتين جميعا وفي النقدين وأموال التجارة في خلطة المشاركة وحدها وفي خلطة الجوار
نقطع بانها لا تثبت فيها وهذه الطريقة هي التي أوردها الشيخان الصيدلانى وأبو محمد وذكرها صاحب الكتاب فقال ولا تؤثر خلطة الجوار في مال التجارة وفي الشيوع قولان فاعلم قوله ولا تؤثر بالواو وقوله تؤثر خلطة الشيوع بالميم والالف لما قدمناه واعرف أنا حيث اثبتنا الخلاف وتركنا الترتيب حصلت ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب (أحدها) تأثير الخلطتين (والثاني) المنع (والثالث) تأثير خلطة الشيوع دون الاخرى وفرعوا علي الصحيح وهو تأثير الخلطتين فروعا (منها) نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد أثمرت خمسة أو سق لزمهم الزكاة وساعدنا مالك في هذه الصورة ويمثله لو وقف أربعين شاة علي جماعة معينين هل تحب عليهم الزكاة يبنى ذلك علي أن الملك في
[ ٥ / ٤٠٥ ]
الوقف هل ينتقل إليهم (إن قلنا) لا فلا زكاة عليهم (وإن قلنا) نعم فوجهان (أصحهما) لا زكاة لنقصان ملكهم كما في ملك المكاتب (ومنها) لو استأجر اجيرا ليتعهد نخيله علي ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمارها وقبل بدو الصلاح وشرط القطع لكن لم يتفق القطع حتي بدا الصلاح وكان مبلغ ما في الحائط نصابا وجب علي الاجير نصف عشر ثمرة تلك النخلة وإن قلت * قال «الفصل الثاني في التراجع) وللساعي ان يأخذ من عرض المال ما يتفق ثم يرجع المأخوذ منه يقيمة حصة خليطه فلو خلط اربعين من البقر بثلاثين لغيره لم يجب علي الساعي اخذ المسنة من الاربعين والتبيع من الثلاثين بل يأخذ كيف اتفق فان اخذ كذلك فيرجع باذل المسنة بثلاثة اسباعها علي خليطه وباذل التبيع باربعة اسباعه على خليطه لان كل واحد من السنين واجب في الجميع علي الشيوع كأن
[ ٥ / ٤٠٦ ]
المال ملك واحد) * روينا عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال (وما كانا من حليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية) اخذ الزكاة من مال الخليطين يقتضى رجوع احدهما على صاحبه دون رجوع الآخر عليه وقد يقتضى التراجع بينهما وهو الذى تعرض له الخبر وقوله بالسوية حمله الائمة علي الحصة فإذا ملكا ما دون خمس وعشرين من الابل بينهما نصفين وأخذ الساعي واجبا من احدهما رجع
بنصف قيمة المأخوذ علي صاحبه ولو كانت بينهما اثلاثا أو ارباعا فالرجوع بالسحاب ثم الرجوع والتزاجع يكثران في خلطة الجوار وإنما رسم الفصل في الكتاب للتراجع في هذه الخلطة وقد يتفقان قليلا في خلطة المشاركة أيضا على ما سنذكره آخرا وحكي المحاملي فيما يحمل عليه الخبر من الخلطتين قولين (الجديد) ان مطلق الخلطة ينصرف الي خلطة المشاركة (والقديم) أنه ينصرف إلى خلطة المجاورة
[ ٥ / ٤٠٧ ]
وعليها حمل المعظم الخبر إذا عرفت هذه المقدمة فنتكلم في مقصود الفصل أولا ونقول: إذا اختلط المالان خلطة جوار بشرائطها ووجبت الزكاة نظر هل يمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منهما لو انفرد من ماله ام لا فن لم يمن فللساعي أن يأخذ الفرض من أيهما شاء فان لم يجد سن الفرض بصفة الاجزاء إلا في مال أحدهما أخذه منه (مثاله) بينهما أربعون من الغنم بالسوية لا يمكن التشقيص فيأخذ شاة من ايهما اتفق ولو وجبت بنت لبون في إبلهما ولم يجدها إلا في مال أحدهما أخذها نه ولو كانت ماشية أحدهما مراضا أو معيبة أخذ الفرض من الآخر وان امكن أخذ ما يخص مال كل واحد منهما لو انفرد منه فوجهان (أحدهما) وبه قال أبو اسحق ياخذ كل واحد ما يخص ماله ولا يجوز غير ذلك اغناء لهما عن التراجع (وأصحهما) وبه قال ابن أبى هريرة والمعظم وهو المذكور في الكتاب ان له ان يأخذ من عرض المال ما يتفق ولا حجر عليه بل وإن أخذ كما ذكر صاحب الوجه الاول يبقي التراجع بينهما وذلك لان المالين عند الخلطة يتزلان منزلة المال لواحد ألا ترى ان الواجب يقل تارة ويكثر أخرى كما لو كان الكل لواحد وإذا كان كذلك فكل المأخوذ شائع في جميع المال وليس شئ منه بعينه عن شئ من المال بعينه والباقى عن الباقي (مثال) هذه الحالة التى فيها
[ ٥ / ٤٠٨ ]
الوجهان ان تجب شاتان في الغنم المخلوطة وأمكن أخذ أحداهما من هذا والثانية من ذاك وكذلك
[ ٥ / ٤٠٩ ]
لو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لاحدهما وثلاثون للآخر وأمكن أخذ المسنة من الاربعين
[ ٥ / ٤١٠ ]
والتبيع من الثلاثين وكذلك لو كان بينهما مائة وثمانون من الابل مائة لاحدهما وثمانون للآخر
[ ٥ / ٤١١ ]
وأمكن أخذ حقتين من الماثة وبني لبون من الثمانين ولا يخفى نظائره إذا تقرر ذلك فلنبين كيفية
[ ٥ / ٤١٢ ]
الرجوع والتراجع عند أخذ لزكاة علي الوجه المحوج لي أحدهما علي حسب الخلاف الذى حكيناه
[ ٥ / ٤١٣ ]
فنقول: إذا أخذ شة من أحد الخليطين عن أربعين من الغنم عشرون منها لهذا وعشرون للآخر
[ ٥ / ٤١٤ ]
رجع المأخوذ منه بنصف قيمة الشاة المأخوذة على الآخر ولا يرجع بنصف شاة لان الشاة ليست بمثلية
[ ٥ / ٤١٥ ]
ولو كانت ثلاثون لاحدهما وعشرة للآخر فان أخذ الشاة من صاحب الثلاثين رجع بربعها على الآخر
[ ٥ / ٤١٦ ]
ولا يرجع بنصف شاة وإن أخذها من الآخر ورجع بثلاثة ارباعها علي صاحب الثلاثين ولو كان
[ ٥ / ٤١٧ ]
بينهما مائة وخمسون شاة لا حدهما مائة وللآخر خمسون فأخذ الساعي الشاتين الواجبتين فيها من
[ ٥ / ٤١٨ ]
صاحب المأنة رجع علي الآخر بقيمة ثلث كل شاة ولا نقول بقيمة ثلثى شاة لان قيمة الشاتين تختلف
[ ٥ / ٤١٩ ]
وإن اخذها من صاحب الخمسين رجع علي الآخر بقيمة ثلثى شاة ولو اخذ من كل واحد شاة رجع صاحب المائة علي صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاته وصاحب الخمسين علي صاحب المائة
[ ٥ / ٤٢٠ ]
بقيمة ثلثى شاته ولو كان نصف الشياه لهذا ونصفها للآخر فكل واحد منهما يرجع علي الآخر
بقيمة نصف شاته فان تساوت القيمتان خرج علي أقوال التقاص عند تساوى الدينين قدر أو جنسا
[ ٥ / ٤٢١ ]
ولو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لاحدهما وثلاثون الآخر فالتبيع والمسنة واجبان عليهما علي صاحب
[ ٥ / ٤٢٢ ]
الاربعين أربعة اسباعهما وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما فلو أخذهما الساعي من صاحب الاربعين رجع
[ ٥ / ٤٢٣ ]
بقيمة ثلاثة اسباعهما على الآخر ولو أخذهما من الآخر رجع بقيمة أربعة اسباعهما علي صاحب الاربعين ولو أخذ
[ ٥ / ٤٢٤ ]
التبيع من صاحب الاربعين والمسنة من صاحب الثلاثين رجع صاحب الاربعين بقيمة ثلاثة أسباع التبيع على
[ ٥ / ٤٢٥ ]
الآخر ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع المسنة ولو أخذ المسنة من صاحب الاربعين والتبيع من الآخر
[ ٥ / ٤٢٦ ]
رجع صاحب الاربعين بقيمة ثلاثة أسباع المسنة على الآخر ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة اسباع التبيع وهذه الحالة الرابعة المذكورة في الكتاب ولك أن تعلم قوله من عرض المال ما يتفق بالواو
[ ٥ / ٤٢٧ ]
وكذا قوله لم يجب علي الساعي اخذ المسنة وقوله بل يأخذ كيف اتفق وقوله فيرجع باذل المسنة
[ ٥ / ٤٢٨ ]
للوجه المنسوب إلي ابى اسحق فان كان ذلك مشروط على ذلك الوجه بان لا يمكن اخذ ما يخص
[ ٥ / ٤٢٩ ]
كل واحد منهما لو انفرد منه علي ما سبق وقوله بثلاثة اسباعهما أي بقيمتها وكذا قوله بأربعة اسباعه
[ ٥ / ٤٣٠ ]
ولو ظلم الساعي فأخذ من احد الخليطين والواجب شاة حبلي ربى أو ما خضا رجع المأخوذ
[ ٥ / ٤٣١ ]
منه على الآخر بنصف قيمة الواجب لا قيمة المأخوذ في الساعي ظلمه بالزيادة والمظلوم يرجع علي
[ ٥ / ٤٣٢ ]
الظالم دون غيره فان كان المأخوذ باقيا في يد الساعي استرده وإلا استرد الفضل والفرض ساقط ولو أخذ القيمة في الزكاة أو اخذ من السخال كبيرة فهل يرجع علي خليطه فيه وجهان (أحدهما) وبه
[ ٥ / ٤٣٣ ]
قال أبو اسحق في أخذ القيمة أنه لا يرجع (واصحهما) وبه قال ابن أبى هريرة يرجع لانهما من مسائل
[ ٥ / ٤٣٤ ]
الاجتهاد فالقيمة مأخوذة عند أبى حنيفة ومالك والواجب في السخال كبيرة عند مالك ومنهم من خص الوجهين بمسألة القيمة وقطع في اخذ الكبيرة بالرجوع هذا تمام ما نذكره من خلطة الجوار (اما) خلطة الشيوع فان كان الواجب من جنس المال واخذه الساعي منه فلا يراجع فان المأخوذ مشاع بينهما
[ ٥ / ٤٣٥ ]
وإن كان الواجب من غير جنس المال كالشاة فيما دون خمس وعشرين من الابل فإذا أخذ الساعي شاة من احد الخليطين عن خمس من الابل بينهما رجع المأخوذ منه علي الآخر بنصف قيمتها ولو كان
[ ٥ / ٤٣٦ ]
بينهما عشر فاخذ من كل واحد منهما شاة ثبت التراجع فان تساوت القيمتان خرج على اقوال
[ ٥ / ٤٣٧ ]
التقاص ومتي ثبت الرجوع وتنازعا في قيمة المأخوذ قول المأخوذ منه لانه غارم * قال «الفضل الثالث في اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد فإذا ملك رجلان كل واحد اربعين غرة المحرم وخلطا غرة صفر فعلي الجديد يجب علي كل واحد في آخر الحول الاول شاة وفيما بعده من
[ ٥ / ٤٣٨ ]
الاحوال نصف شاة تغليبا للانفراد وعلي القديم يجب ابدا نصف شاة فان ملك غرة صفر
وخلطا غرة ربيع الاول فالقولان جاريان وخرج ابن سريج قولا أن الخلطة لا تثبت أبدا لتقاطع
[ ٥ / ٤٣٩ ]
أواخر الاحوال) * اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد إما أن يكون بطرو الخلطة على الانفراد أو بطرو
[ ٥ / ٤٤٠ ]
الانفراد علي الخلطة وهذا الفصل الثالث مرسوم للقسم الاول فنبينة وتقول لا خلاف في أنه لو لم تكن لهما حالة انفراد بان ورثا ماشية أو ابتاعاها دفعة واحدة شائعة أو غير شائعة لكن مخلوطة وأداما الخلطة أنهما يزكيان زكاة الخلطة وكذا لو كان ملك كل واحد منهما دون النصاب وبلغ بالخلطة
[ ٥ / ٤٤١ ]
نصابا زكاة زكاة الخلطة لان الحول لم ينعقد علي ما ملكاه عند الانفراد فاما إذا انعقد الحول علي الانفراد ثم طرأت الخلطة فلا يخلو إما يتفق ذلك في حق الخليطين جميعا أو في حق أحدهما (الحالة
[ ٥ / ٤٤٢ ]
الاولى) أن ينعقد الحلول علي الانفراد في حقهما جميعا ثم تطرأ الخلطة فاما أن يفق حولاهما أو يختلف فان انفق كما لو ملك كل واحد أربعين شاة غرة المحرم ثم خلطا غرة صفر ففيه قولان (الجديد) وبه
[ ٥ / ٤٤٣ ]
قال احمد ان حكم الخلطة لا يثبت في السنة الاولى لان الاصل الانفراد والخلط عارض فيغلب حكم الحول المنعقد علي الانفراد فعلى هذا إذا جاء المحرم وجب علي كل واحد منهما شاة (والقديم)
[ ٥ / ٤٤٤ ]
وبه قال مالك أنه يثبت حكم الخلطة نظرا إلي آخر الحول والعبرة في قدر الزكاة بآخر الحول ألا ترى أنه لو ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فتلف منها شاة أو شاتان في آخر الحول لا يجب عليه
[ ٥ / ٤٤٥ ]
إلا شاة فعلي هذا إذا جاء المحرم فعلي كل واد منهما نصف شاة وعلي القولين جميعا في الحول
الثاني وما بعده يزكيان زكاة الخلطة لوجودها في جميع السنة (فإذا قلنا) بالجديد فوجود الحلطة في جميع
[ ٥ / ٤٤٦ ]
السنة شرط في ثبوت حكم الخلطة فلذلك أدرج حجة الاسلام قدس الله روحه هذه المسألة في جملة الشرائط التى حكى الخلاف فيها علي ما سبق وإن اختلف حولاهما كما لو ملك هذا غرة المحرم وهذا غرة
[ ٥ / ٤٤٧ ]
صفر وخلطا غرة شهر ربيع الاول فينبني علي القولين عند اتفاق الحول (فعلي الجديد) إذا جاء المحرم فعلى الاول شاة وإذا جاء صفر فعلي الثاني شاة (وعلي القديم) إذا جاء المحرم فعلى الاول نصف شاة وإذا جاء صفر فعلى الثاني نصف شاة ثم في سائر الاحوال بتفق القولان علي ثبوت حكم الخلطة فيكون على الاول عند غرة كل محرم
[ ٥ / ٤٤٨ ]
نصف شاة وعلي الثاني عند غرة كل صفر نصف شاة وذهب بعض الاصحاب إلي أن حكم الخلطة لا يثبت في سائر الاحوال أيضا ويزكيان أبدا زكاة الانفراد واتفق حملة المذهب علي ضعف هذا الوجه وقالوا بان الخلطة
[ ٥ / ٤٤٩ ]
* في سائر الاحوال حاصلة في جميع الحول فيثبت حكمها كما لو اتفق الحول ولا شك في بعد هذا الوجه لو سلم صاحبه ثبوت القول القديم في الحول الاول وامتنع من طرده في سائر الاحوال لكنه لو طرد
[ ٥ / ٤٥٠ ]
القولين في سئر الاحوال وكان ما ذكر من عدم ثبوت الخلطة تفريعا علي الجديد لم يكن بعيدا ويجوز أن يوجه بن حول الثاني غير تام عند تمام حول الاول وحكم الانفراد مستمر عليه فيلزم انعقاد الحول الثاني للاول علي حكم الانفراد وإذا انعقد الحول علي الانفراد يستمر حكمه كما في الحول الاول ثم إذا تم حول الثاني فلصاحبه حكم الانفراد فينعقد حوله الثاني على الانفراد أيضا وهكذا ابدا وسواء قوى هذا أو ضعف فمن صار إليه جعل اتفاق اوائل الاحوال من شرائط ثبوت الخلطة ولذلك
[ ٥ / ٤٥١ ]
ادرج حجة الاسلام هذه المسألة في الشرائط المختلف فيها ونسب المعظم هذا الوجه إلي تخريج ابن
سريج وعلي ذلك جرى في الكتاب فقال وخرج ابن سريج أن الخلطة لا تثبت أبدا ولم يصحح ذلك علي ابن سريح المحاملي وذكر ان أبا اسحق حكى في الشرح عن ابن سريج مثل هذا المذهب وأضاف الوجه المذكور إلي غيره من الاصحاب فان كان المراد أنه غير ثابت عنه فيجوز أن
[ ٥ / ٤٥٢ ]
يعلم قوله وخرج ابن سريج بالواو ويجوز أن يقال خرجه ولم يذهب إليه جمعا بين الروايتين ويجوز اعلام قوله لا تثبت بدا بالميم والالف لان عند هما تثبت الخلطة في سائر الاحوال وإنما يختلفان في الحول الاول إختلاف القديم والجديد ولا يخفى موضع رقمهما في الصورة الاولي (والحالة الثانية) أن ينعقد الحول علي الانفراد في حق أحد هما دون الآخر كما لو ملك احدهما أربعين غرة المحرم وملك الثاني أربعين غرة صفر وكما ملك خلطا أو خلط الاول اربعينه غرة صفر باربعين لغيره ثم باع الثاني اربعينه من ثالث فان الاول يثبت له حكم الانفراد شهرا والثانى لم يثبت له حكم الانفراد أصلا فيبنى الحكم ههنا علي الحكم في الحالة الاولي فإذا جاء المحرم فعلي الاول شاة في القديم ونصف شاة في الجديد
[ ٥ / ٤٥٣ ]
شاة في القديم (وأما) الثاني فإذا جاء صفر فعليه نصف شاة في القديم وفي الجديد وجهان (احدهما) شاة لان الاول لم يرتفق بخلطته فلا يرتفق هو بخلطة الاول ايضا (واظهرهما) نصف شاة لانه كان خليطا في جميع الحول واما في سائر الاحوال فيثبت حكم الخلطة على الظاهر وعلي الوجه المنسوب إلي ابن سريج لا يثبت وفرعوا على هذه الاختلافات صورا (منها) لو ملك الرجل اربعين غرة المحرم ثم اربعين غرة صفر فإذا جاء المحرم فعلى الجديد يلزمه للاربعين الاولي شاة وإذا جاء صفر يلزمه للاربعين الثانية نصف شاة أو شاة فيه وجهان (أصحهما) أولها (وعلي القديم) إذا جاء المحرم لزمه للاربعين الاولي نصف شاة لانه كان خليطا لملكه في آخر الحول فإذا جاء صفر لزمه للاربعين الثانية نصف شاة في سائر الاحوال يتفق القولان وعلي الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في الاربعين
[ ٥ / ٤٥٤ ]
الاولي شاة عند تمام حولها وفي الثانية شاة عند تمام حولها وهكذا ابدا ما لم ينقص النصاب وكما يمتنع
حكم الخلطة في ملك الشخصين عند اختلاف التاريخ كذلك يمتنع في ملكي الواحد (ومنها) لو ملك الرجل اربعين غرة المحرم ثم أربعين غرة صفر ثم اربعين غرة شهر ربيع الاول (فعلى القديم) يجبب في كل اربعين عند تمام حولها ثلث شاة (وعلي الجديد) يجب في الاولي عند تمام حولها شاة وفيما يجب في الثانية عند
[ ٥ / ٤٥٥ ]
تمام حولها وجهان (احدهما) شاة لان الاربعين الاولي لم يلحقها تخفيف بالثانية فلا يلحق الثانية تخفيف بها (واصحهما) نصف شاة لانها كانت خليطة اربعين في جميع حولها وفي الاربعين الثالثة
[ ٥ / ٤٥٦ ]
عند تمام حولها وجهان ايضا (اصحهما) ثلث شاة لكونها خليطة ثمانين (والثاني) شاة وفي سائر الاحوال يتفق القولان وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في كل اربعين عند راس حولها شاة ابدا (ومنها) لو ملك رجل اربعين غرة المحرم وملك آخر عشرين غرة صفر وكما ملك خلطا فإذا
[ ٥ / ٤٥٧ ]
جاء المحرم وجب علي الاول شاة في الجديد وثلثا شاة في القديم تغليبا للخلطة وإذا جاء صفر وجب علي الثاني ثلث شاة على القولين جميعا لانه كان مخالطا في جميع حوله وعلى الوجه المنسوب إلي بن سريج يجب على صاحب الاربعين شاة أبدا ولا شئ علي صاحب العشرين ولا تثبت الخلطة لاختلاف التاريخ (واعلم) أن الاختلاط مع من لا زكاة عليه كالانفراد حتى لو كان بين مسلم وذمى ثمانون شاة ملكاها
[ ٥ / ٤٥٨ ]
أول المحرم ثم أسلم الذمي غرة صفر كان المسلم بمثابة ما إذا انفرد بماله شهرا ثم طرأت الخلطة وجميع ما ذكرنا في الحالتين مفروض فيما إذا طرأت خلطة الجوار أما إذا طرأت خلطة الشيوع كما إذا ملك أربعين شاة وأقامت في يده ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعا فهل ينقطع حول البائع في الباقي جعله ابن خيران علي قولين مبنيين على القولين فيما إذا انعقد حولهما علي الانفراد ثم خلطا إن قلنا يزكيان زكاة
[ ٥ / ٤٥٩ ]
الخلطة ينقطع الحول ههنا وإن قلنا يزكيان ثم زكاة الانفراد ولا يبني حول الخلطة على حول الانفراد إذا نقطع
الحول لنقصان النصاب والذى قطع به الجمهور ورواه المزني والربيع عن نصه أن الحول لا ينقطع لاستمرار النصاب اما بصفة الانفراد أو بصفة الاشتراك فعلى هذا إذا مضت ستة أشهر من يوم الشراء
[ ٥ / ٤٦٠ ]
فعلي البائع نصف شاة لتمام حوله وأما المشترى فينظر إن أخرج البائع واجبه وهو نصف شاة من المال المشترك فلا شئ عليه لنقصان المجموع عن النصاب قبل تمام حوله وإن أخرج من غيره فيبنى علي أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة (إن قلنا) تعلق بالذمة فعليه أيضا نصف شاة تمام حوله
[ ٥ / ٤٦١ ]
(وإن قلنا) تتعلق بالعين ففى انقطاع حول المشترى قولان (أصحهما) عند العراقيين الانقطاع ومأخذ القولين أن اخراج الواجب من موضع آخر يمنع زوال الملك عن قدر الزكاة أو يفيد عوده بعد الزوال ولو ملك ثمانين شاة فباع نصفها مشاعا في أثناء الحول لم ينطقع حول البائع عن النصف الباقي قطعا وفيما يجب
[ ٥ / ٤٦٢ ]
عليه عند تمام حوله وجهان (أحدهما) شاة لانه كان منفردا بنصاب في بعض الحول فغلب حكم الانفراد (وأصحهما) عند صاحب التهذيب نصف شاة لان الحول انعقد علي ثمانين والنصف الذى بقى آخرا كان مختلطا بأربعين في جميع الحول ولو ملك أربعين وباع نصفها معينا نظر ان ميزها قبل البيع أو بعده وأقبضها
[ ٥ / ٤٦٣ ]
فقد زالت الخلطة ان كثر زمان التفريق فإذا خلطا يستأنف الحول وان كان زمان التفريق يسيرا ففى انقطاع الحول وجهان (أوفقهما) لكلام الاكثرين الانقطاع ولو لم يميز لكن أقبض البائع المشترى جميع الاربعين لتصير العشرون مقبوضة فالحكم كما لو باع النصف مشاعا فلا ينقطع حول الباقي علي الصحيح وفيه وجه أنه ينقطع الانفراد بالبيع والطارئ في صورة بيع النصف على التعيين خلطة الجواز وان اوردناه
[ ٥ / ٤٦٤ ]
في هذا الموضع ولو أن رجلين لهذا أربعون ولهذا أربعون فباع أحدهما جميعها بجميع ما لصاحبه في خلال الحول انقطع حولاهما واستأنفا من يوم المبايعة ولو باع أحدهما النصف الشائع من أغنامه
بالنصف الشائع من أغنام صاحبه والاربعينان متميزان فحكم الحول فيما بقى لكل واحد منهما من أربعينة كالحكم فيما إذا كان للرجل أربعون فباع نصفها شائعا والصحيح أنه لا ينقطع فإذا تم حول ما بقى لكل واحد منهما فهذا مال ثبت له الانفراد أولا والخلطة في آخر الحول ففيه القولان السابقان (القديم) أنه يجب علي كل واحد ربع شاة لانه خليط ثمانيه حال الوجوب وحصة العشرين ربع (والجديد) أنه يجب علي كل واحد منهما نصف شاة لانه كان منفردا باربعينه وحصة العشرين
[ ٥ / ٤٦٥ ]
منها النصف وإذا مضي حول من وقت التبايع فعلي كل واحد منهما للقدر الذي ابتاعه ربع شاة علي القديم وفى الجديد وجهان (أصحهما) ربع شاة أيضا لانه كان مختلطا من حين ملك الي آخر الحول (والثانى) نصف شاة لانه لما لم يرتفق الباقي لكل واحد منهما بالحادث لم يرتفق الحادث بالباقي أيضا (القسم الثاني) أن يطرأ الانفراد علي الخلطة فيزيكى من بلغ ماله نصابا زكاة الانفراد من وقت الملك كما سبق ولو كان بينهما أربعون مختلطة فخالطهما رجل بعشرين في أثناء حولهما ثم ميز أحد الاولين ماله قبل تمام الحول فلا شئ عليه عند تمامه ويجب علي الآخر نصف شاة وكذا علي الثالث عند تمام حوله نصف والوجه المنسوب الي ابن سريج ينازع فيه ولو كان بينهما ثمانون مشتركة فاقتسما
[ ٥ / ٤٦٦ ]
بعد ستة أشهر فان قلنا القسمة إفراز فعلي كل واحد عند تمام الحول شاة كما لو ميزا في خلطة الجوار وان قلنا بيع فيجب على واحد عند تمام باقي نصف شاة ثم إذا مضي حول من وقت القسمة فعلى كل واحد منهما نصف شاة لما تجدد ملكه عليه وهكذا في كل ستة أشهر كما لو كان بينهما أربعون شاة فاشترى أحدهما نصف الآخر بعد مضي ستة أشهر يجب عليه عند مضي كل ستة أشهر نصف شاة والله تعالي أعلم * قال (الفصل الرابع في اجتماع المختلط والمنفرد في ملك واحد فلو خلط عشرين بعشرين لغيره وهو يملك أربعين ببلده أخرى فقولان (أحدهما) ان الخلطة خلطة ملك فكأنه خلط الستين بالعشرين (والثانى)
[ ٥ / ٤٦٧ ]
أنه خلطة عين فلا يتعدى حكمها الي غير المخلوط فان قلنا بخلطة العين فعلى صاحب العشرين نصف شاة وان قلنا بخلطة الملك فعليه ربع شاة وكأنه خلط الستين وأما صاحب الستين فقد قيل يلزمه شاة تغليبا للانفراد وقيل ثلاثة أرباع شاة تغليبا للخطة وقيل خمسة أسداس ونصف سدس جمعا بين الاعتبارين فيقدر في الاربعين كانه منفرد بجميع الستين فيخص الاربعين ثلثا شاة ويقدر في العشرين كانه مخالط بالجميع فيخص العشرين ربع شاة والمجموع ما ذكرناه ولو خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل واحد أربعون ينفرد بها فالاوجه الثلاثة جارية في حق كل واحد) *
[ ٥ / ٤٦٨ ]
هذا الفصل والذى بعده ذو اغور لالتفاف ما فيهما من الاختلافات فتشمر للفهم * واعلم أنه إذا اجتمع في ملك الواحد ماشية مختلطة وماشية منفردة من جنسها كما لو خلط عشرين شاة بعشرين لغيره خلطة جوار أو خلطة شركة وله أربعون منفرد بها فكيف يؤديان الزكاة فيه قولان أصلهما أن الخلطة خلطة ملك أو خلطة عين وفيه قولان (أصحهما) وعليه فرع المختصر وهو اختيار ابن سريج وأبي اسحق والاكثرين أن الخلطة خلطة ملك أي كل ما في ملكه يثبت فيه حكم الخلطة ووجهه ان الخلطة
[ ٥ / ٤٦٩ ]
تجعل مال الاثنين كمال الواحد ومال الواحد يضم بعضه إلى بعض وإن كان في مواضع متفرقة فعلى هذا في الصورة المذكور يجعل كأن صاحب الستين خلط جميع ستينه بعشرين لصاحبه فيلزمهما شاة ثلاثة أرباعها علي صاحب الستين وربعها علي صاحب العشرين (والثاني) أن الخلطة خلطة عين أي يقتصر حكمها علي قدر المخلوط ووجهه ان علة ثبوت الخلطة خفة المؤنة في المرافق لا جتماع الماشية في المكان الواحد وهذا المعني لا يوجد إلا في القدر المختلط واستفيد هذا القول من نصه في رواية الربيع أن الرجل إذا كان له ثمانون من الغنم ببلدين أربعون بكل واحد منهما فباع نصف أحد هما شائعا من رجل فإذا تم حول البائع فعليه شاة وإذا تم حول المشترى فعليه نصف شاة قال أبو بكر
[ ٥ / ٤٧٠ ]
الفارسي: ولولا أنه لم يحكم بالخلطة إلا في القدر المختلط لكان علي صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة وعلي صاحب العشرين ربعها عند تمام حولها وهكذا يكون الجواب إذا فرعنا على أن الخلطة خلطة ملك وإذا قلنا بالقول الثاني ففى الصورة المذكورة اولا يجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف لان جميع ماله خليط عشرين وفي أربعين شاة فحصة العشرين نصفها * وما الذى يجب علي صاحب الستين فيه خمسة أوجه ذكر الثلاثة الاولى منها في الكتاب (أصحها) وهو اختيار الاودنى والقفال أنه يلزمه شاة لانه اجتمع في ماله الاختلاط والانفراد فيغلب حكم الانفراد كما لو انفرد بالمال في بعض الحول ثم خلط وإذا غلبنا حكم الانفراد صار كأنه منفرد بجميع الستين وفيها شاة وهذا الوجه هو
[ ٥ / ٤٧١ ]
الذى نص عليه في المسألة التي حكيناها عن رواية الربيع (والثانى) ذكره ابن أبى هريرة وأبو علي الطبري فيما حكاه صاحب الشامل أنه يلزمه ثلاثة أرباع شاة لان جميع ماله ستون وبعضه مختلط حقيقة فلا بد من اثبت حكم الخلطة فيه وإذا اثبتنا حكم الخلطة فيه وجب اثباته في الباقي لان ملك الواحد لا يتبعض حكمه فيجعل كأنه خلط جميع الستين بالعشرين وواجبها شاة حصة الستين منها ثلاثة ارباع وهذا معنى قوله في الكتاب تغليبا للخلطة وهذا الوجه يشبه القول القديم في تغليب الخلطة إذا انفرد في بعض الحول ثم خلط وهو والاول متفقان علي انه لا يمكن ان يحكم لمالى صاحب الستين بحكمين مختلفين الخلطة والانفراد ثم صاحب الوجه الاول يقول تغليب الانفراد اولي
[ ٥ / ٤٧٢ ]
وصاحب الثاني يقول الخلطة أولي وأما أصحاب الوجوه الآتية فيجوزون الحكم في مالى المالك الواحد بحكمين مختلفين ويحتجون عليه بما لو مالك زرعين سقي أحدهما بالنضح وسقي الثاني بماء السماء فانه يجب في هذا العشر وفي ذاك نصف الشعر ويضم البعض الي البعض في استكمال النصاب (والوجه الثالت) وهو اختيار أبي زيد والخضرى أن عليه خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعا ببن اعتبار الخلطة والانفرد وذلك لان جميع ماله ستون بعضه مختلط وبعضه منفرد ولابد من ضم أحدهما إلي الآخر وإن حكمنا لهما بحكمين مختلفين فنوجب في الاربعين المنفردة حصتها
من الواجب لو انفرد بالكل وذلك شاة حصة الاربعين منها ثلثا شاة ونوجب في العشرين المختلطة حصتها من الواجب لو خلط الكل وهي ربع شاة لان الكل ثمانون وواجب ثمانين شاة فحصة عشرين منها ربع والثلثان والربع خمسة أسداس ونصف سدس (والوجه الرابع) ويحكى عن ابن سريج واختيار صاحب التقريب ان عليه شاة وسدس شاة من ذلك نصف شاة في العشرين المختلطة كما انها واجب خليطه في عشرينه المختلطة فلا يتعدى حكم الخلطة عن الاربعين وثلثا شاة في الاربعين المنفردة فانه حصة الاربعين لو انفرد بجميع ماله (والوجه الخامس) أن عليه شاة ونصف شاة في الاربعين المنفردة ونصف شاة في العشرين المختلطة كما لو كان المالان لمالكين وهذا أضعف الوجوه لان فيه افراد ملك الواحد بعضه عن بعض مع اتحاد الجنس وإيجاب شاة ونصف شاة في الستين ولو خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل واحد منهما أربعون منفرد ببها فقد اجتمع في ملك كل واحد منهما المختلط والمنفرد ففيما يجب عليهما القولان إن قلنا الخلطه خلطة ملك فعليهما شاة على كل واحد نصفها لان جميع المال مائة وعشرون وفيها شاة وإن قلنا الخلطة خلطة عين ففيما علي كل واحد منهما الاوجه الخمسة لكن قد يختلف المقدار في بعض الوجوه (أصحها) أن علي كل واحد منهما شاة تغليبا
[ ٥ / ٤٧٣ ]
للانفراد (وثانيها) أن علي كل واحد ثلاثة أرباع شاة لان كل واحد منهما يملك ستين منها ما هو خليط عشرين فيغلب حكم الخلطة في الكل فيكون لكل ثمانون حصة ستين منها ثلاثة أرباع هكذا ذكر في التهذيب ولفظ الكتاب يوافقه حيث قال فالاوجه الثلاثة جارية في حق كل واحد لكن الشيخ ابا علي وإمام الحرمين قالا إذا غلبنا حكم الخلطة يجب على كل واحد منهما في هذه الصورة نصف شاة بخلاف الصورة الاولي وجب فيها على صاحب الستين ثلاثة أرباع لان ثم إذا قدرنا الاختلاط في جميع المالين يكون المبلغ ثمانين والستون ثلاثة أرباعها وههنا إذا غلبنا الخلطة وأثبتناها في الكل يكون المبلغ مائة وعشرين فواجبها شاة حصة كل واحد نصفها ولمن قال بالاول أن يقول انما ثبت حكم المختلط في المنفرد برابطة اتحاد المالك وذلك يقتضى أن يدخل في الحساب علي كل واحد منهما ما ينفد به كل واحد واحد ثم علي ما ذكره الشيخ يكون الواجب عليهما
جميعا شاة واحدة وجملة المال مائة وعشرون والواجب عليهما في الصورة الاولى شاة وربع مع ان جملة المال ثمانون فكيف يزداد المال وينقص الواجب مع وجود الخلطة في الحالتين (وثالثها) أن علي كل واحد منهما خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعا بين اعتبار الخلطة والانفراد فيقدر كل واحد منهما منفردا بالستين ولو كان كذلك لكان فيها شاة فحصة الاربعين فيها ثلثا شاة ثم يقدر أنه خلط جميع الستين بالعشرين وذلك ثمانون وفيها شاة فحصة العشرين منها ربع شاة فالجموع خمسة أسداس ونصف سدس هكذا ذكر الشيخ أبو علي والامام وهو الموافق للفظ الكتاب وأورد في التهذيب أن على كل واحد منهما علي هذا الوجه خمسة أسداس شاة بلا زيادة توجب في العشرين بحساب ما لو كان جميع المالين مختلطا وذلك مائة وعشرون وواجبها شاة فحصة العشرين سدس شاة ويجب في الاربعين ثلثا شاة كما سبق فالمبلغ خمسة أسداس (وأعلم) ان هذا التوجيه مثل
[ ٥ / ٤٧٤ ]
ما ذكره الشيخ والامام في الوجه الثاني وما ذكرناه في هذا الوجه مثل ما ذكره في التهذيب في الوجه الثاني ولم يستمر واحد من الكلامين علي طريقة متحدة والله أعلم (ورابعها) أن على كل واحد منهما شاة وسدس شاة نصف شاة في العشرين المختلطة قصرا لحكم الخلطة علي الاربعين وثلثا شاة في الاربعين المنفردة علي ما سبق (وخامسها) أن علي كل واحد منهما شاة ونصف شاة شاة للاربعين المنفردة ونصف شاة للعشرين المختلطة هذا شرح المسألتين المذكورين في الكتاب ثم نعود الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (أما قوله) فلو خلط عشرين بعشرين لغيره وهو يملك أربعين ببلدة أخرى فقد يخطر ببالك في هذا الموضع يحثان (أحدهما) أنه لم قال ببلدة أخرى وما الحكم لو كان بتلك البلدة فاعلم أن ابا نصر صاحب الشامل ﵀ صرح بنفى الفرق بين أن يكون الاربعون المنفردة في بلد المال المختلطة أو في بلد أخرى ولا شبهة في أن الامر علي ما ذكره وكأن تعرض الاصحاب لكون الاربعين في بلدة اخرى اتباع للفظة الشافعي ﵁ فانه هكذا صور المسألة في المختصر لكن من يورد القولين لا يحسن منه ذكره في صورة المسألة حسنه في المختصر لانه أجاب فيه علي ان الخلطة خلطة ملك فالفرض فيما إذا كان ماله المنفرد في بلدة اخرى يفيد غرض المبالغة لانه إذا
اتحد الحكم وبعض المال في بلدة أخرى فلان يتحد والكل في بلدة واحدة كان اولى (والثانى) ان التصوير فيما إذا اتفق حول صاحب الستين وصاحب العشرين ام فيما إذا اختلف حولاهما أم لا فرق (والجواب) انه لا فرق في اثبات القولين ثم ان اختلف الحولان زاد النظر في التفصيل المذكورة في الفصل قبل هذا وذكر القاضى ابن كج ان الخلاف فيما إذا اختلف حولاهما فاما إذا اتفقا فلا خلاف في ان عليهما شاة ربعها علي صاحب العشرين والباقى علي صاحب الستين وهذا يرخص في اعلام قوله في الكتاب فقولان بالواو والمشهور الاول (وقوله) فان قلنا بخلطة العين الي آخره في نظم الكتاب خلط في تفريع أحد القولين بالآخر ولم ينص علي ما يجب علي صاحب الستين علي قولنا
[ ٥ / ٤٧٥ ]
الخلطة خلطة ملك (وقوله) عقيب التفريع على أهذا القول وأما صاحب الستين يرجع الي اول الكلام وهو التفريع علي خلطة العين فاعرف ذلك وكان الاحسن به ان يقول فان قلنا بخلطة الملك فعلي صاحب العشرين ربع شاة وان قلنا بخلطة العين فعليه نصف شاة وأما صاحب الستين إلى آخره حتي لا يدخل الكلام من قول في قول ويجوز ان يعلم قوله يلزمه شاة بالواو وكذا الحكم المذكور في الوجهين بعده اشعارا بأن في المسالة وراء هذه الوجوه خلافا آخر (وقوله) في الصورة الثانية فالاوجه الثلاثة جارية أي علي قول خلطة العين وأما علي قول خلطة الملك فالحكم ما قدمناه ولك أن تعلم قوله جارية بالواو لما حكينا من الاضطراب في الوجه الثاني والثالث والله أعلم * قال (الفصل الخامس في تعدد الخليط فإذا ملك أربعين فخلط عشرين بعشرين لرجل وعشرين بعشرين لآخر فان قلنا بخلطة الملك فعلي صاحب الاربعين نصف شاة فان الكل ثمانون وصاحب العشرين يضم ماله إلى خليطه وهل يضم إلي خليط خليطه وجهان فان ضم فواجبه ربع شاة وإلا فواجبه ثلث شاة لان المجموع ستون وإن قلنا بخلطة العين فعلى صاحب العشرين نصف شاة وفي صاحب الاربعين الاوجه الثلات وهو شاة بتغليب الانفراد أو نصفها بتغليب الاختلاط أو ثلثا شاة للجمع بين الاعتبارين) * كلام هذا الفصل مبنى على قولي خلطة الملك والعين أيضا وخاصيته ان الواحد خالط ببعض
ماله واحد وببعضه آخر ولم يخالط أحد خليطه الآخر وما ترجم الفصل به لا يفصح عن هذه الخاصية لكنها هي المقصودة إذا عرفت ذلك فلقول إذا كان للرجل أربعون من الغنم مخلط عشرين منها بعشرين لرجل لا يملك سواها والعشرين الباقية بعشرين لآخر لا يملك سواها فان قلنا الخلطة خلطة
[ ٥ / ٤٧٦ ]
الملك فعلي صاحب الاربعين نصف شاة لانه خليط لهما ومبلغ الاموال ثمانون وواجبها شاة فحصة الاربعين نصفها وأما كل واحد من صاحبي العشرين فما له مضموم إلي جميع مال صاحب الاربعين وهل يضم الي مال الآخر أيضا فيه وجهان (أحدهما) نعم لينضم الكل في حقهما كما انضم في حق صاحب الاربعين (والثاني) لالان كل واحد منهما لم يخالط بماله الآخر أصلا بخلاف صاحب الاربعين فانه خالط كل واحد منهما ببعض ماله فلذلك ضم الكل في حقه وهذا أصح عند الشيخ أبى علي والاول اختيار صاحب التقريب وبه أجاب أصحابنا العراقيون * وان قلنا بالوجه لثاني فعلي كل واحد منهما ثلث شاة لان مبلغ ماله ومال خليطه ستون وواجبها شاة حصة العشرين منها ثلث وإن قلنا بالاول فعلي كل واحد منهما ربع شاة لان المجموع ثمانون حصة العشرين منها ربع وان قلنا الخلطة خلطة عين فعلى كل واحد من صاحبي العشرين نصف شاة لان مبلغ ماله وما خالط ماله اربعون وله نصفها وأما صاحب الاربعين فيجئ فيه الوجوه المذكورة في الفصل الاول في حق صاحب الستين (أحدها) ان عليه شاة تغليبا للانفراد هذا لفظ صاحب الكتاب والائمة ولم يريدوا به حقيقة الانفراد فانه غير منفرد بشئ من ماله لكن قالوا ما لم يخالط به زيدا فهو منفرد عنه ولا فرق بالاضافة إليه بين أن يكون مخلوطا بمال غيره وبين ان لا يكون مخلوطا أصلا وإذا كان كذلك فيعطي لله حكم الانفراد ويغلب حتى يصير كالمنفرد بالبافي أيضا وكذا بالاضافة الي الخليط الثاني وكأنه لم يخالط أحدا وعلي الوجه الثاني يلزمه نصف شاة تغليبا للخلطة فانه لابد من اثبات حكمها فيما وجدت ولابد من ضم ملكية احد هما الي الآخر للاجتماع في الملك وكل المال ثمانون وكأنه خلط أربعين بأربعين قال في النهاية وهذا الوجه أصح ههنا وعلي الوجه الثالث يلزمه ثلثا شاة جمعا بين اعتبار الخلطة
[ ٥ / ٤٧٧ ]
والانفراد وذلك بأن نقول لو كان جميع ماله مضموما الي ملك زيد لكان المبلغ ستين وواجبها شاة حصة العشرين منها الثلث وهكذا نفرض في حق الثاني فيجتمع عليه ثلثان وعلي الوجه الرابع وهو أن ثمة يجب شاة وسدس ههنا يجب شاة مثل ما ذكرنا في الوجه الاول لانا نوجب في العشرين المختلطة بمال زيد نصف شاة وكذا في العشرين المختلطة بمال عمرو فيجتمع عليه شاة وهكذا يكون قياس الوجه الخامس ههنا فالحاصل في المسألة ثلاثة أوجه على ماذ كر في الكتاب لا غير * ونختم الباب بذكر صور أخرى مما يتفرع علي القولين (احداها) ملك ستين من الغنم وخالط بكل عشرين منها عشرين لرجل فان قلنا بخلطة الملك فعلي صاحب الستين نصف شاة وفي أصحاب العشرينات وجهان ان ضممنا مال بعضهم الي بعض كما نضم مال صاحب الستين إلى مال كل واحد منهم فعلي كل واحد منهم سدس شاة والا فعليه ربع شاة وان قلنا بخلطة العين فعلى كل واحد من أصحاب العشرينات نصف شاة وفي صاحب الستين الوجوه: علي الاول يلزمه شاة وعلى (الثاني) نصف شاة وعلى (الثالث) ثلاثة أرباع شاة لان كل ماله لو كان مع زيد كان المبلغ ثمانين حصة العشرين المخلطة منها ربع وهكذا يقدر بالاضافة الي عمرو وبكر فيجتمع ثلاثة أرباع وعلي (الرابع) شاة ونصف في كل عشرين نصف شاة كما يجب ذلك علي كل خليط (الثانية) ملك خمسا وعشرين من الابل فخالط بكل خمس منها خمسا لرجل إن قنلا بخلطة الملك فعلي صاحب الخمس والعشرين نصف حقة لان الكل خمسون وفيما علي كل واحد من خلطائه وجهان (أحدهما) عشر حقة (والثانى) سدس بنت مخاض كأنه خلط خمسا بخمس وعشرين لا غير: وإن قلنا بخلطة العين فعلي كل واحد من خلطائه شاة وفي صاحب الخمس والعشرين الوجوه المتقدم: على الاول عليه بنت مخاض وعلى الثاني
[ ٥ / ٤٧٨ ]
نصف حقة وعلي الثالث خمسة أسداس بنت مخاض لان جميع ماله لو كان مختلطا بالخمس التى هي لزيد مثلا كان المبلغ ثلاثين وفيها بنت مخاض حصة الخمس سدسها وهكذا نقدر في حق سائر الخلطاء فيجتمع ما ذكرنا وعلي الرابع خمس شياه في كل خمس شاة كما في حق خلطائه (الثالثة) له عشر من الابل خلط خمسا منها بخمس عشرة لرجل وخمسا بخمس عشرة لآخر إن قلنا بخلطة
الملك فعلى صاحب العشر ربع بنتت لبون لان الكل أربعون وفيما علي صاحبيه وجهان إن ضممنا مال (أحدهما) مع مال صاحب العشر إلي الآخر فعلي كل واحد ثلاثة اثمان بنت لبون لان خمسة عشر ثلاثة أثمان أربعين وان لم نضمه الا الي مال صاحب العشرة فعلي كل واحد ثلاثة اخماس بنت مخاض لان الكل خمس وعشرون وان قلنا بخلطة العين فعلي كل واحد من الخليطين ثلاث شياه لانه خالط خمس عشرة بخمس وحكم الخلطة لا يتعدى المخلوط علي هذا القول: وفيما يلزم صاحب الشعر الوجوه: علي الاول يلزمه شاتان كأنه منفرد بالعشر وعلي الثاني ربع بنت لبون كأنه خلط عشرا بثرثين وعلى الثلث خمسا بنت مخاض إذ لو خلط كل العشر بمال زيد لكان فيها بنت مخاض وخصة الخمس خمس بنت مخاض وهكذا نقدر في حق الآخر فيجتمع ما ذكرنا وعلى الرابع
[ ٥ / ٤٧٩ ]
يلزمه شاتان كما ذكرنا في الوجه الاول كما لو كانت الخمستان لشخصين فتعود الاوجه الي ثلاثة في هذه الصورة وهذه الصورة من مولدات ابن الحداد وجوابه فيها أن علي صاحب العشر ربع بنت لبون وعلى كل واحد من خليطيه ثلث شياه وغلطه أبو زيد والخضرى وغير هما فقالوا ايجاب ربع بنت اللبون علي صاحب الشعر جواب علي قول خلطة الملك وايجاب الشياه عليهما جواب علي قول خلطة العين ولا يصح أن يفرع الجواب في حق البعض علي قول وفي حق البعض علي قول آخر وصوبه القفال وقال كلاهما صحيح تفريعا على قول خلطة العين أما ايجاب الشاة علهيا فظاهر وأما ايجاب ربع بنت اللبون فهو جرى منه علي الوجه الثاني من الوجوه المذكورة على هذا القول وعليه بنى مسائل في المولدات ولعل تغليط الشيخين أبي زيد والخضرى مبنى على أنهما يذهبان إلى الوجه الثالث كما سبق وتابع الشيخ أبو علي القفال في التصويب (الرابعة) ان أردت أن تفرع صورة على هذه الاختلافات من عند نفسك فقدر أن لك عشرين من الابل خلطت كل خمس منها بخمس وأربعين لرجل واعرف أنا ان قلنا بخلطة الملك فعليك الاغبط من نصف بنت لبون أو خمسى حقة على الصحيح وذلك لانها قد قدمنا أن الابل إذا بلغت مائتين فالصحيح أن واجبها الاغبط من خمس بنات لبون أو أربع حقاق وجملة أموال خلطائك مع مالك
[ ٥ / ٤٨٠ ]
مائتبن فان كان الاغبط خمس بنات لبون فحصة عشرين منها نصف بنت لبون وان كان الاغبط أربع حقاق فحصة العشرين مها خمسا حقة وفيما يجب على خلطائك وجهان ان ضممنا مالك الي مال كل واحد منهم مع ضم مال بعضهم الي بعض فعلي كل واحد منهم تسعة اثمان بنت لبون وهى بنت لبون وثمن أو تسعة اعشار حقة وان لم يضم مال كل واحد منهم الا مالك فعلى كل واحد منهم تسعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة لان جملة المال خمس وستون وواجبها جذعة فحصة خمس وأربعين منها ما ذكرنا: وان قلنا بخلطة العين فعلي كل واحد من خلطاءك تسعة أعشار حقة لان المبلغ خمسون وفيما يلزمك الوجوه: على الاول يلزمك أربع شياه كأنك منفرد بالعشرين وعلي الثاني يلزمك الاغبط من نصف بنت لبون أو خمس حقة كأنك خلطت العشرين بمائة وثمانين وعلى الثالث يلزمك أربعة اجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة إذ لو خلطت جميع مالك إلى مال زيد من خلطائك لبلغ المجموع خمسا وستين وفيها جذعة حصة خمس منها جزء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة وهكذا نقدر في حق الثلاثة الباقين فيجتمع ما ذكرنا وعلي الرابع يلزمك أربع شياه كما في الوجه الاول كما لو كانت كل خمس لرجل وهذه المسائل كلها مفروضة فيما إذا اتفقت اوائل الاحوال فان اختلفت انضم الي هذه الاختلافات ما سبق من الخلاف عند اختلاف الحول (مثاله) في الصورة الاخيرة لو اختلف حول خلطائك وحولك فتزكى وهم في السنة الاولي زكاة الانفراد وهى الشياه كل عند تمام حوله وفي سائر السنين كل يؤدى زكاة الخلطة هذا هو الصحيح وفي القديم الواجب في السنة الاولى أيضا زكاة الخلطة وعلي الوجه المنسوب إلى ابن سريج لا تثبت الخلطة أصلا *
[ ٥ / ٤٨١ ]
(فرع) لو خلط خمس عشرة من الغنم بخمس عشرة لغيره ولاحدهما خمسون ينفرد بها فان قلنا الخلطة خلطة عين فلا شئ علي صاحب الخمس عشرة لان المبلغ ناقص عن النصاب وعلي الآخر زكاة خمس وستين وهى شاة وهو كمن خالط ذميا أو مكاتبا حكمه حكم المنفرد وإن قلنا الخلطة خلطة ملك ففيه وجهان (أحدهما) أنه لاحكم لهذه الخلطة أيضا لان المختلط يجب أن يكون نصابا ليثبت حكم الخلطة فيه ثم يستتبع غيره (والثاني) وهو الاصح يثبت حكم الخلطة ويجعل كأن الخمسين
مضمومة الي الثلاثين المختلطة والمجموع ثمانون وواجبها شاة فيجب على صاحب الخمس والستين ستة أثمان شاة ونصف ثمن وعلي الآخر ثمن ونصف ولا يخفى نظائره علي الموفق * قال (الشرط الثالث في الحول فلا زكاة في النعم حتي يحول عليها الحول الا السخال الحاصلة في وسط الحول من نفس النصاب الذى انعقد الحول عليه فان الزكاة تجب فيها بحول الامهات مهما أسيمت في بقية السنة فلو ماتت الامهات وهي نصاب لم تقطع التبعية (ح و) ولو ملك مائة وعشرين فنتجت في آخر الحول سخلة وجبت شاتان لحدوثها في وسط الحول) * ذكر في أول كتاب الزكاة للمال لواجب فيه ستة شروط (أحدها) كونه نعما (والثاني) كونه نصابا وقد تم الكلام فيهما (والثالث الحول) فيشترط في وجوب الزكاة في النعم حولان الحول عملا باطلاق ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (لا زكاة في مال حتي يحول عليه الحول) ويستثنى عنه النتاج
[ ٥ / ٤٨٢ ]
فيضم الي الامهات في الحول لما روينا من قبل عن عمر ﵁ ان قال لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة وعن علي ﵁ أنه قال اعتد عليهم بالكبار والصغار وإنما يضم بثلاثة شروط (أحدها) أن يحدث قبل تمام الحول سواء كثر الباقي من الحول أو قل فاما إذا حدث بعد تمام الحول فينظر ان حدث بعد امكان الاداء فلا تضم إلى الامهات في الحول الاول لاستقرار واجبه ولكن يضم إليها في الحول الثاني إن كان قبل إمكان الاداء فطريقان (أحدهما) وبه قال القاضي أبو حامد أنه يبني علي القولين وسنذكرهما في أن الامكان شرط الوجوب أو شرط الضمان ان قلنا شرط الوجوب فتضم الي الامهات كالنتاج قبل الحول وإن قلنا شرط الضمان فلا (واحتج) للاول بان عمر ﵁ قال: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي علي يديه ومعلوم أنه لا يروح بها إلا وقد ولدت في ذلك اليوم ولا تعد المواشي إلا بعد الحول وذكر في البيان أن من الاصحاب من يجعل المسألة على قولين غير مبنيين علي شرط (وأظهرهما) وهو المذكور في الوسيط أنه لا يضم أصلا لان الحول الثاني ناجز فالضم إليه أولى من الضم إلى المنقضى (والشرط الثاني) أن يحدث من نفس ماله اما المستفاد بالشراء أو الارث أو الهبة فلا يضم إلى ما عنده في الحول وبه قال أحمد خلافا لابي حنيفة ولمالك أيضا فيما رواه القاضي ابن كج وغيره
لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (ليس في مال المستفيد زكاة حتي يحول عليه الحول) وأيضا
[ ٥ / ٤٨٣ ]
فانه مستفاد هو أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه فينفرد بالحول كالمستفاد من غير الجنس وأيضا فان أبا حنيفة ﵀ سلم أنه لو كان له دراهم فاخرج زكاتها ثم اشتري بها ماشية لا تضم إلي ما عنده في الحول فنقيس غيره عليه ثم عندنا المستفادات وإن لم تضم ألي ما عنده في الحول تضم إليه في النصاب علي ظاهر المذهب وبيانه بصور (احداها) ملك ثلاثين من البقر ستة أشهر ثم اشترى عشرة أخرى فعليه عند تمام حول الاصل تبيع ثم إذا تم حول العشرة فعليه ربع مسنة فإذا حال حول ثان علي الاصل فعليه ثلاثة أرباع مسنة فإذا حال حول ثان علي العشرة فعليه ربع مسنة وهكذا أبدا وهذا كما ذكرنا في طرو الخلطة على الانفراد يجب في السنة الاولى زكاة الانفراد وبعدها زكاة الخلطة: وعن ابن سريج أن المستفاد لا يضم إلى الاصل في النصاب كما لا يضم إليه في الحول فعلى هذا لا ينعقد الحول علي العشرة حتى يتم حول الثلاثين ثم يستأنف الحول على الكل (الثانية) ملك عشرين من الابل ستة أشهر ثم اشترى عشرا فعليه عند تمام حول العشرين أربع شياه وعند تمام حول العشرة ثلث بنت مخاض لانها خالطت العشرين في جميع حولها وواجب الثلاثين بنت مخاض حصة العشرة ثلثها فإذا حال حول ثان علي العشرين فعليه ثلثا بنت مخاض وإذا حال حول ثان علي
[ ٥ / ٤٨٤ ]
العشرة فعليه ثلث بنت مخاض وهكذا يزكي أبدا: وعلي ما حكى عن ابن سريج عليه أربع شياه عند تمام الحول علي العشرين وشاتان عند تمام الحول على العشرة ولا نقول ههنا بعدم انعقاد الحول على العشرة حتى يستفتح حول العشرين لان العشرة من الابل نصاب بخلاف العشرة من البقر في الصورة الاولي ولو كانت المسألة بحالها واشترى خمسا فإذا تم حول العشرين فعليه أربع شياه وإذا تم حول الخمس فعليه خمس بنت مخاض وإذا تم الحول الثاني علي الاصل فعليه أربعة أخماس بنت مخاض وعلى هذا القياس وعلي ما حكي عن ابن سريج في العشرين أربع شياه أبدا عند تمام حولها وفي الخمس شاة أبدا ورأيت في بعض الشروح حكاية وجه آخر أن الخمسة لا تجرى في الحول
حتى يتم حول الاصل ثم ينعقد الحول علي جميع المال وهذا يطرد في العشرة في الصورة السابقة بلا شك (الثالثة) ملك أربعين من الغنم غرة المحرم ثم اشترى أربعين غرة صفر ثم أربعين غرة شهر ربيع الاول فقد ذكرناها وما يناظرها في الفصل الثالث من الخلطة قال الصيدلانى وغيره وجميع ذلك إذا قلنا الزكاة في الذمة وأداها من غير المال فان قلنا انها تتعلق بالعين أو قلنا هي في الذمة أداها من المال فينقص الواجب من المستفاد بالقسط وكذلك في الاصل عند تمام الحول الثاني (والشرط الثالث)
[ ٥ / ٤٨٥ ]
أن يكون حدوث الفروع بعد بلوغ الامهات نصابا فلو ملك عددا من الماشية ثم توالدت فبلغ النتاج مع الاصل نصابا فالحول يبتدئ من وقت كمال النصاب خلافا لمالك حيث اعتبر الحول من حين ملك الاصول وبه قال احمد في إحدى الروايتين والاصح عنه مثل مذهبنا * لنا مطلق الخبر (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ولانها زيادة بها تم النصاب فيبتدئ الحول من وقت التمام كالمستفاد بالشراء وإذا اجتمعت الشرائط الثلاث ثم ماتت الامهات جميعها أو بعضها والفروع نصاب لم ينقطع حول الامهات بل تجب الزكاة فيها عند تمام حول الامهات لان الولد إذا اتبع الام في الحكم لم ينقطع الحكم بموت الام كالاضحية وغيرها هذا ظاهر المذهب وفيه وجهان آخران (أحدهما) ويشهر بالانماطى أنه يشترط بقاء نصاب من الامهات فلو نقصت عن النصاب انقطعت
[ ٥ / ٤٨٦ ]
التبعية وكان حول الفروع من يوم حصلت لانها خرجت عن أن تجب فيها الزكاة ولو انفردث فلا تستتبع غيرها (والثانى) نقله القاضي ابن كج عن رواية أبى حامد أنه لا يشترط بقاء نصاب منها ولكن لابد من بقاء شئ منها ولو واحدة وبه قال أبو حنيفة وقد سبق ذلك في فصل صفات النقصان وقد ذكرنا مذهب مالك واحمد ايضا ثم * وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب (فقوله) إلا في السخالي ليس الحكم مقصورا علي السخالى بل العجول والفصلان في معناها (وقوله) في وسط الحول إشارة إلى شرط الاول ويجوز أن يعلم بالميم لان القاضى ابن كج حكي عن مالك أنها تضم الي الامهات وان توالدت بعد الحول ولو حصلت بعد الحول وقبل المكان وجعلناها مضمومة إلى الامهات كما سبق فلا يكون الحصول في وسط
الحول شرطا فيجوز اعلامه بالواو أيضا لذلك (وقوله) من نفس النصاب فيه اشارة الي الشرطين الآخرين (وقوله) الذى انعقد عليه الحول جار مجرى التأكيد والايضاح (وقوله) مهما أسيمت في بقية السنة كالمستغنى عنه في هذا المقام لانه ليس فيه الا تعرض لشرط السوم ونحن إذا تكلمنا في شرط لا نحتاج الي التعرض لسائر الشروط في أثنائه (وقوله) لم تنقطع التبعية معلم بالحاء والالف والواو لما قدمناه (وقوله) في آخر الفصل لحدوثها في وسط الحول كذا هو في بعض النسخ باللام وفي بعضها كحدوثها بالكاف (والاول) أقرب الي سياق كلامه في الوسيط فانه ذكر هذه المسألة بعد ذكر
[ ٥ / ٤٨٧ ]
ما لو ملك تسعا وثلاثين فحدثت سخلة يستفتح الحول من حينئذ وبين تغايرهما بان هناك لم يكن الاصل نصابا ولم ينعقد الحول عليه وههنا ما سبق جار في الحول هذا لفظه: وهو معنى قوله ههنا لحدوثها في وسط الحول أي في أثناء الحول المنعقد علي الاصل وان قرب من الانقضاء ومن قرأ كحدوثها في وسط الحول لا يمكنه حمل وسط الحول علي ما هو المراد منه عند قوله الا في السخال الحاصلة في وسطه فان المراد ثم ما قبل التمام ولا شك أن المراد من آخر الحول ههنا حالة القرب من التمام وهى قبل التمام فلا يغاير حتى يشبه أحدهما بالآخر فلعله يحمل الوسط على حقيقة المشهورة وليس ذلك بالجيد واعلم أن فائدة الضم انما تظهر إذا بلغت الماشية بالنتاج نصابا ثانيا كما لو ملك مائة شاة فحدثت احدى وعشرون سخلة فاما إذا لم يحدث الا عشرون فلا تظهر فائدته والاعتبار بالانفصال فلو خرج
[ ٥ / ٤٨٨ ]
بعض السخلة وتم الحول قبل انفصالها فلا حكم لها ولفظ الحصول في قوله الحاصلة في وسط الحول قد يوهم خلافه فلا يغلط وإذا اختلف الساعي والمالك فقال المالك حصل هذا النتاج بعد الحول وقال الساعي بل قبله أو قال المالك حصل بسبب مستقل وقال الساعي بل من نفس النصاب فالقول قول المالك فان اتهمه الساعي حلفه * قال (الشرط الرابع أن لا يزول الملك عن عين النصاب في الزكاة العينية فان زال بالابدال بمثله ولو في آخر السنة انقطع الحول فلو عاد بفسخ أو برد بعيب استؤنف الحول ولم يبن وكذلك إذا انقطع
ملكه بالردة ثم أسلم وكذا لا يبني إذا مات حول وارثه علي حوله ومن قصد ببيع ماله في آخر الحول دفع الزكاة صح بيعه (م) واثم) * قد سبق أن الزكاة ضربان زكاة تتعلق بالقيمة وهي زكاة التجارة فلا يقدح فيها ابدال عين بعين وزكاة تتعلق بالعين والاعيان التى تجب فيها الزكاة ويشترط في وجوبها الحول لو زال الملك عنها في خلاله انقطع الحول سواء بادل بجنسه كالابل بالابل أو بغير جنسه كالابل بالبقر وإذا تباد لا بكل واحد منهما يستأنف الحول وكذا الحول الحكم في النقدين إذا بادل الذهب بالذهب أو بالورق ولم يكن صيرفيا يقصد به التجارة وان كان صيرفيا اتخذ التصرف في النقدين منجرا ففيه وجهان في رواية ابن كج والحناطي وصاحب المهذب وغيرهم وقولان في رواية الشيخ أبى محمد وصاحب التهذيب وآخرين (أحدهما) لا ينقطع الحول كما في العروض لو بادل بعضها ببعض علي قصد التجارة (وأصحهما) وهو الجديد علي رواية القولين أنه ينقطع لان التجارة فيها ضعيفة نادرة والزكاة الواجبة فيها زكاة عين والي هذا ذهب ابن سريج ويحكي عنه أنه قال: بشروا الصيارفة بأن لا زكاة عليهم وبنى الصيدلانى وطائفة المسألة علي أصل وهو أن زكاة التجارة وزكاة العين إذا اجتمعتا في مال أيتهما تقدم وفيه خلاف مذكور في الكتاب في موضعه أو غلبنا زكاة التجارة لم ينقطع الحول وان غلبنا زكاة العين فحينئذ فيه وجهان وجه عدم الانقطاع ان دوام الملك حولا شرط في زكاة العين وقد فقد فيصار الي زكاة التجارة كما لو لم يبلغ ماله نصاب زكاة العين وبلغت قيمته نصاب زكاة التجارة تجب زكاة التجارة وازالة الملك عن بعض المال وو الباقي دون النصاب كازالته عن جميع النصاب هذا
[ ٥ / ٤٨٩ ]
تفصيل مذهبنا وساعدنا أبو حنيفة في المواشى وقال في مبادلة النقد بالنقد ان الحول لا ينقطع سواء بادل الجنس بالجنس أو بغير الجنس وقال في مبادلة بعض النصاب بالجنس لا ينقطع الحول سواء فيه المواشي وغيرها بناء علي أصلين احدهما أن نقصان النصاب في أثناء الحول لا يقطع الحول عنده والثاني أن المستفاد بالشراء ونحوه يضم الي الاصل في الحول فقال مالك إذا بادل نصابا بجنسه بنى علي الحول سواء فيه المواشي وغيرها وفي مبادلة الحيوان بالنقد وعكسه ينقطع وفي مبادلة جنس من الحيوان بجنس آخر عنه روايتان وقال احمد في مبادلة النقد بالنقد بقول أبى حنيفة ﵀ وفي مبادلة الجنس
بالجنس من المواشي بقول مالك وفي مبادلة الجنس بغير الجنس من المواشي قال ينقطع * لنا ما روى أنه ﷺ قال (لا زكاة في مال حتي يحول عليه الحول) ولانه أصل تجب الزكاة في عينه فلا ينبني حوله على حول غيره كالجنسين وكل ما ذكرنا في المبادلة الصحيحة اما الفاسدة فلا تقطع الحول لانها لا تزيل الملك خلافا لابي حنيفة فيما إذا اتصل القبض بها * ثم لو كانت سائمة وعلفها المشترى فقد قال في التهذيب هو كعلف الغاصب لقطع الحول وفيه وجهان وقال القاضى ابن كج عندي تسقط الزكاة وينقطع الحول لانه مأذون من جهة المالك في التصرف فاشبه علفه علف الوكيل بخلاف الغاصب.
ولو باع معلوفة بيعا فاسدا فأسامها المشترى فهو كما لو أسامها الغاصب وسيأتى ذلك * إذا عرفت هذا الاصل فيتعلق به مسائل (احداها) لو باع المال الزكوى أو بادله قبل تمام الحول ثم وجد المشترى به عيبا قديما نظر ان لم يمض عليه حول من يوم الشراء فله الرد بالعيب والمردود عليه يستأنف الحول سواء رده بعد القبض أو قبله وقال أبو حنيفة ﵀: ان رده قبل القبض أو بعده لكن بقضاء القاضى يبني علي الحول الاول وان رده بعد القبض بالرضا يستأنف.
وان مضي عليه حول من يوم الشراء ووجب عليه الزكاة فينظر ان لم يخرج الزكاة بعد فليس له الرد سواء قلنا الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة لان للساعي أخذ الزكاة من عينها لو تعذر أخذها من المشترى فلا يتقاعد وجوب الزكاة فيه عن عيب حادث ولا يبطل حق الرد بالتأخير إلي أن يؤدى الزكاة لانه غير متمكن من الرد قبله وإنما يبطل الحق بالتأخير مع التمكن ولا فرق في ذلك بين عروض التجارة وبين الماشية التى تجب زكاتها من جنسها وبين الابل التي تجب فيها الغنم وبين سائر الاموال.
وفي كلام ابن الحداد
[ ٥ / ٤٩٠ ]
تجويز الرد قبل إخراج الزكاة ولم يثبتوه وجها وان أخرج الزكاة نظر إن أخرجها من مال آخر فينبني جواز الرد علي أن الزكاة تتعلق بالعين أو تجب في الذمة وفيه خلاف يأتي من بعد إن قلنا تجب في الذمة والمال مرهون به فله الرد كما لو رهن ما اشترى ثم انفك ووجد به عيبا وان قلنا يتعلق بالعين تعلق الارش بالعبد الجاني فكذلك الجواب وان قلنا المسكين شريك فهل له الرد حكي الشيخ أبو على فيه طريقين (أحدهما) ان فيه وجهين كما لو اشترى شيئا وباعه وهو غير عالم بعيبه
ثم اشتراه أو ورثه هل يرد فيه خلاف وهذا ما ذكره العراقيون والصيدلاني وغيرهم (والثانى) القطع بأن له الرد إذ ليس للمسكين شركة محققة في هذا المال ألا ترى أن له أن يودى الزكاة من مال آخر بخلاف ما لو باعه فانه زال الملك لا محالة ولانه بالبيع قد استدرك الظلامة التي لحقته بالشراء من حيث انه روج كما روج عليه وباخراج الزكاة لم يستدرك الظلامة قال الشيخ هذا الطريق علي الصحيح وبه أجاب كثير من أئمتنا ولم يذكروا سواه ورأيت للقاضي ابن كج رواية وجه غريب انه ليس له الرد على غير قول الشركة أيضا لان ما أداه عن الزكاة قد يخرج مستحقا فيتبع الساعي عين النصاب وامام الحرمين أشار إلى هذا الوجه لكن خصه بقدر الزكاة وقال فيما وراءه قولا تفريق الصفقة وان أخرج الزكاة من عين المال فان كان الواجب من جنس المال أو كان من غير جنسه فباع منه بقدر الزكاة فهل له رد الباقي فيه قولان (أحدهما) وهو المنصوص عليه في الزكاة انه ليس له ذلك وهذا إذا لم نجوز تفريق الصفقة وعلي هذا هل يرجع بالارش منهم من قال لا يرجع ان كان المخرج باقيا في يد المساكين فانه ربما يعود إلي ملكه فيتمكن من أداء الجميع فان كان تالفا رجع ومنهم من قال يرجع مطلقا وهو ظاهر نصه لان نقصانه عنده كعيب حادث ولو حدث عيب وامتنع الرد يرجع بالارش ولا ينتظر زوال العيب الحادث (والقول الثاني) انه يرد الباقي بحصته من الثمن وهذا إذا جوزنا تفريق الصفقة وسيأتي القولان في موضعهما إن شاء الله تعالي وفيه قول ثالث أنه يرد الباقي وقيمة المخرج في الزكاة ويسترد جميع الثمن ليحصل غرض الرد ولا تتبعض الصفقة ولو اختلفا في قيمة المخرج علي هذا القول فقال البائع ديناران وقال المشترى بل دينار فالقول قول من: فيه قولان
[ ٥ / ٤٩١ ]
(أحدهما) قول البائع لان الاصل استمرار ملكه في الثمن فلا يسترد منه الا بما يقر به (والثاني) قول المشترى لانه غارم لما أخرجه (المسألة الثانية) حكم الاقالة حكم الرد بالعيب في جميع ما ذكرنا ولو باع المال الزكوى في خلال الحول بشرط الخيار وفسخ البيع فان قلنا الملك في زمان الخيار للبائع أو هو موقوف بنى علي حوله ولم يستأنف وان قلنا انه للمشترى فالبائع يستأنف بعد الفسخ (الثالثة) لو ارتد في خلال الحول هل ينقطع الحول يبني علي الخلاف في ملك المرتد ان قلنا يزول بالردة ينقطع فان
عاد الي الاسلام استأنف وإن قلنا لا يزول فالحول مستمر وعليه الزكاة عند تمامه وان قلنا انه موقوف فان هلك علي الردة تبين الانقطاع من وقت الردة وان عاد الي الاسلام تبين استمرار الملك ووجوب الزكاة علي المرتد في الاحوال الماضية في الرد ينبنى على هذا الخلاف أيضا وسنذكره في الركن الثالث ان شاء الله تعالي (الرابعة) لو مات في أثناء الحول وانتقل مال الزكاة الي الوارث هل يبنى علي حول المورث فيه قولان (القديم) نعم لانه خليفته في حقوق الملك ألا ترى انه يقوم مقامه في حق الخيار والرد بالعيب (والجديد) وهو المذكور في الكتاب انه لا يبني بل يبتدئ الحول من يوم ملكه كما لو ملك بالشراء وغيره وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي ابن كج أن أبا اسحق قطع به وامتنع من اثبات قول آخر فحصل في المسألة طريقان وحيث قلنا لا يبنى فلو كان مال تجارة لا ينعقد الحول عليه حتى يتصرف الوارث بنية التجارة ولو كانت سائمة ولم يعلم الوارث الحال حتي تم الحول فهل تجب الزكاة أم يبتدئ الحول من يوم علم: فيه خلاف مبنى علي أن قصد السوم هل يعتبر وسيأتى ذلك (الخامسة) لا فرق في انقطاع الحول بالمبادلة والبيع في خلاله بين أن يكون محتاجا إليه وبين أن لا يكون بل قصد الفرار من الزكاة الا انه يكره الفرار وعن مالك وأحمد إذا قصد الفرار من الزكاة أخذت منه الزكاة وهل ذلك لامتناع صحة البيع أم كيف الحال قال في الوسيط عند
[ ٥ / ٤٩٢ ]
مالك لا يصح البيع وأشار المسعودي الي انه إذا عاد الي ملكه يبنى ولا يستأنف ونقل الماضي ابن كج انه إذا باع وقد قرب الحول فرارا من الزكاة أخذت منه الزكاة وهذا يوهم الاكتفاء بما مضى من الحول والله أعلم * ونرجع الآن إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه (أما قوله) أن لا يزول الملك عن عين النصاب في الزكوات العينية فلا شك ان المراد منه عدم الزوال مدة هذا الحول لا على الاطلاق واحترز بالزكاة العينية عن زكاة التجارة فان التبادل فيها لا يقدح علي ما قدمنا ولمستدرك أن يقول الكلام الآن في زكاة النعم والشروط المذكورة تنصرف من حيث النظم والترتيب إليها فلا حاجة إلي الاحتراز عن زكاة التجارة وهو غير متناول بالكلام.
واعلم أن السابق إلي الفهم من حولان الحول هو مضي المدة المعلومة في ملكه بصفة التوالي لكن لا يمكن أن يكون مراد صاحب الكتاب من
شرط الحول هذا لانه لو أراده لارتفع الفرق بين الشرط الثالث والرابع وعاد إلى شئ واحد بل المراد من شرط الحول في إيراده مجرد مضي المدة في ملكه من غير اعتبار صفة التوالى (وقوله) فان زال بالابدال بمثله لا فرق عندنا بين أن يبدله بالمثل أو بغير المثل وإنما خص الكلام بالابدال بالمثل لانه محل النظر والخلاف على ما تقدم واعلم لذلك قوله انقطع الحول بالحاء والميم والالف (وقوله) ولو عاد بفسخ أورد بعيب الرد بالعيب هو: ضرب من الفسخ أيضا لكن كأنه أراد بالفسخ ما ثبت لا بسبب العيب كالفسخ بشرط الخيار وخيار الروية إن اثبتناه والمقابلة إذا جعلناها فسخا وهو الصحيح (وقوله) وكذا إذا انقطع ملكه بالردة أي إذا قلنا إن الردة نزيل الملك فإذا أسلم استأنف الحول علي ما بينا وقد وسم قوله وكذا إذا انقطع بالواو لا للخلاف في أن الردة هل تزيل الملك أم لا فان في نفس اللفظ أشعارا به لكن لانه ذكر في الوسيط أن القول القديم في أن الوارث يبني علي حول المورث طرد في أن المرتد بعد الاسلام يبني وان حكمنا بانقطاع ملكه بالردة وحكى الحناطي أيضا وجها علي هذا القول أنه لا يستأنف (وقوله) من قصد بيع ماله فيه إضمار أي قصد فرارا من الزكاة واعلم قوله صح بيعه بالميم لما ذكرنا عن مالك في بعض الروايات (وقوله) وأثم حكم بالتحريم وقد حكاه امام الحرمين عن بعض المصنفين وتردد فيه من جهة أنه تصرف مسوغ
[ ٥ / ٤٩٣ ]
ولو أثمناه لكان ذلك بمجرد القصد والموجود في لفظ الشافعي ﵁ وجمهور الاصحاب انما هو الكراهية والله أعلم * قال (الشرط الخامس السوم فلا زكاة فيما علف في معظم السنة وفيما دونه أربعة أوجه (أفقهها) أن المسقط قدر يعد مؤنة بالاضافة الي رفق السائمة وقيل لا يسقط الا العلف في معظم السنة وقيل القدر الذى كانت الشاة تموت لولاه يسقط حتي لو أسامها نهارا وعلفها ليلا لم يسقط وقيل ما يتمول من العلف يسقط) * لا تجب الزكاة في النعم الا بشرط السوم خلافا لمالك واحتج الشافعي ﵁ بمفهوم ما روى أنه ﷺ قال (في سائمة الغنم زكاة) وعن أنس (أن أبا بكر ﵄
كتب له فريضة الصدقة التى أمر الله تعالى رسوله بها وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة إذا عرف ذلك فالسائمة في جميع الحول تجب فيها الزكاة والمعلوفة في جميع الحول أو اكثره لا زكاة فيها وان اسيمت في بعض الحول وعلفت في بعضه وهو دون المعظم فقد حكي في الكتاب فيه أربعة أوجه (أفقهها) عنده أنه أن علفت قدرا يعد مؤنة بالاضافة الي رفق السائمة فلا زكاة وان استحقر بالاضافة إليه وجبت الزكاة كما لو اسيمت في جميع الحول وفسر رفق السائمة بدرها ونسلها وأصوافها وأوبارها ويجوز أن يقال: المراد منه رفق اسامتها فان في الرعى تخفيفا عظيما فان كان قدر العلف حقيرا بالاضافة لايه فلا عبرة به والي هذا الوجه يميل كلام القاضي ابن كج وفيما علق عن الشيخ ابي محمد أن أبا اسحاق رجع إليه بعد ما كان يعتبر الاغلب (والثانى) أن
[ ٥ / ٤٩٤ ]
ذلك لا أثر له وانما ينقطع الحول وتسقط الزكاة بالعلف في اكثر السنة وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله لانه إذا كانت الاسامة اكثر تخف المؤنة ويحكي هذا عن ابن ابي هريرة تخريجا من احد القولين في السقى بماء السماء والنضح أنه يعتبر الاغلب منهما وعلي هذا الوجه لو استويا قال في النهاية فيه تردد والاظهر السقوط (والوجه الثالث) أنه ان علف قدرا كانت الماشية تعيش لولاه لم يؤثر وان علف قدرا كانت تموت لو لم نزع ولا علفت في تلك المدة انقطع الحول وسقطت الزكاة لظهور المؤنة وهذا هو الذى ذكره الصيدلاني وصاحب المهذب وكثير من الائمة وقد قيل ان الماشية تصبر عن العلف اليوم واليومين ولا تصبر ثلاثة فصاعدا قال في النهاية ولا يبعد أن يلحق الضرر البين بالهلاك على هذه الطريقة (والوجه الرابع) أن ما يتمول من العلف وان قل يبطل حكم السوم فلو أسيمت بعد ذلك استؤنف الحول لان رفق السوم لم يتكامل * فان قلت هذه الوجوه مخصوصة بما إذا لم يقصد بالعلف قطع السوم وان قصده ينقطع الحول لا محالة أو هي مخصوصة بما إذا قصده وإن لم يقصد لم يؤثر لا محالة أو هي شاملة للحالتين: فاعلم أن في كلام الناقلين لبسا في ذلك ولعل الاقرب تخصيص الخلاف بما إذا لم يقصد شيئا أما إذا علف علي قصد قطع السوم ينقطع الحول لا محالة كذا أورد صاحب العدة وغيره ولا أثر لمجرد نية العلف ولو علفها قدرا يسيرا لا يتمول فلا أثر له أيضا
واليه أشار بقوله في الكتاب في الوجه الرابع وقيل كل ما يتمول من العلف يسقط ويجوز أن يعلم من لفظ الكتاب ما سوى الوجه الثاني بالالف والحاء لما ذكرنا أن مذهبهما الثاني ولا يخفى أن المراد من قوله ولا زكاة فيما علف في معظم السنة ما إذا تمحض العلف إذ لو كانت تسام نهارا وتعلف ليلا في جميع السنة كان موضع الخلاف علي ما سبق * (فرع) لو كانت ماشيته سائمة لكنها تعمل كالنواضح ونحوها فهل تجب الزكاة فيها فيه وجهان حكاهما أبو القاسم الكرخي وآخرون (أصحهما) لا وبه قال أبو حنيفة ﵀ وهو ما أورده معظم العراقيين لانها لا تقتنى للنماء وإنما تقتنى للاستعمال فلا تجب الزكاة فيها كثياب البدن ومتاع الدار
[ ٥ / ٤٩٥ ]
وروى أنه صلي لله عليه وسلم قال (ليس في البقر العوامل صدقة) (والثاني) نعم لحصول الرفق بالاسامة وزيادة فائدة الاستعمال وفي لفظ المختصر ما يمكن الاحتجاج به لهذا الوجه وهو الذى ذكره الشيخ أبو محمد في مختصر المختصر وغيره * قال (ولو اعتلفت الشاة بنفسها أو علفها المالك لامتناع السوم بالبلح علي أن يردها الي الاسامة أو علفها الغاصب ففى سقوط الزكاة وجهان يعبر عنهما بأن القصد هل يعتبر وكذا الخلاف في قصد السوم فان أوجبنا الزكاة في معلوفة اسامها الغاصب ففى رجوعه بالزكاة علي المغصوب منه الوجهان) * الاصل في هذه المسائل انه اختلف الوجه في أن القصد في العلف والسوم هل يعتبر فمن الاصحاب من قال لا يعتبر اما في العلف فلانه يفوت شرط السوم سواء كان عن قصد أو لم يكن (واما) في السوم (فلانه) يحصل به الرفق وتخف المؤنة وان لم يكن عن قصد ومنهم من قال يعتبر (اما) في العلف (فلانه) إذا لم يقصده يدام حكم السوم رعاية لجانب المحتاجين (واما) في السوم) فلانه) إذا لم يلتزم وجوب الزكاة في هذا المال وجب ان لا يلزم ويتفرع علي هذا الاصل صور منها لو اعتلفت سائمة بنفسها القدر المؤثر من العلف هل ينقطع الحول فيه وجهان
[ ٥ / ٤٩٦ ]
والموافق لاختيار الاكثرين في نظائرها انه ينقطع لفوات شرط السوم فصار كفوات سائر شروط الزكاة لا فرق فيه بين ان يكون عن قصد أو اتفاقا ولو رتعت الماشية بنفسها ففي وجوب الزكاة وجهان ايضا وفي كلام اصحابنا العراقيين طريقة أخرى قاطعة بعدم الوجوب ههنا (ومنها) لو علف المالك ماشيته لامتناع السوم بالبلح وهو علي عزم ردها إلى الاسامة عند الامكان ففيه الوجهان (أظهرهما) انقطاع الحول لفوات الشرط (والثاني) لا كما لو لبس ثوب تجارة لا بنية القنية لا تسقط الزكاة.
وأعلم أن العلف في هذه الصور جرى بقصد المالك واختياره لكن لما كانت الضرورة داعية إليه وكان ملجأ إليه الحقت الصورة بما إذا جرى العلف من غير قصده وطرد الخلاف فيها (ومنها) لو غصب سائمة وعلفها فيخرج اولا على انه لو لم يعلفها هل كان تجب الزكاة فيها أم لا تجب لكونها مغصوبة وفيه خلاف يأتي في الفصل التالي لهذا الفصل فان قلنا لا زكاة في المغصوب فلا شئ فيها وان قنلا تجب الزكاة في المغصوب فههنا وجهان (أحدهما) تجب لان فعل الغاصب عديم الاثر في تغيير حكم الزكاة الا يرى أنه لو غصب ذهبا وصاغه حليا لا تسقط الزكاة (والثانى) لا تجب لفوات شرط السوم كما لو ذبح الغاصب بعض الماشية وانتقص النصاب وهذا أصح عند الاكثرين وفصل الشيخ أبو محمد فقال ان علفها بعلف من عنده فالاظهر أن حكم السوم لا ينقطع لانه لا يلحق مؤنه بالمالك ولو كان الامر بالعكس فغصب معلوفة وأسامها ان قلنا لا زكاة في المغصوب فذاك وان قلنا تجب فوجهان (احدهما) تجب لخصول الرفق وخفة المؤنة وصار كما لو غصب حنطة وبذرها يجب العشر فيما ينبت منها (وأظهرهما) لا تجب لان المالك لم يقصد الاسامة وشبهوا ذلك بما إذا رتعت الماشية بنفسها لكن الخلاف يجرى فيه على أحد الطريقين كما سبق وإذا أوجبنا الزكباة فقد حكي في التهذيب وجهين في انها تجب علي الغاصب لانها مؤنة لزمت بفعله أو علي المالك لان نفع خفة المؤنة عائد إليه ثم حكي علي هذا وجهين آخرين في انه إذا أخرج المالك بزكاة هل يرجع بها علي الغاصب وقوله في الكتاب فان أوجبنا الزكاة في معلوفة اسامها الغاصب ففى رجوعه بالزكاة علي الغاصب على الغاصب وجهان أراد به ان اوجبناها علي المالك وجه عدم الرجوع أن سبب الزكاة ملك
[ ٥ / ٤٩٧ ]
المال ووجه الرجوع وهو الاظهر أنه لولا فعل الغاصب لما وجبت الزكاة وقطع صاحب التتمة بالرجوع ورد الخلاف الي أنه هل يؤمر الغاصب بالاخراج أم يخرج المالك ثم يغرم له الغاصب وذكر في النهاية وجهين في أنا إذا أثبتنا الرجوع للمالك هل يرجع قبل إخراج الزكاة أم يخرج ثم يرجع.
واعلم أن الجارى على قياس المذهب لمن أوجب الزكاة ههنا أن يوجبها علي المالك ثم يغرم له الغاصب (أما) ايجاب الزكاة علي غير المالك فبعيد وان كنا نوجب عليه ابتداء فيجب أن نوجب أيضا وإن قلنا لا تجب الزكاة في المغصوب * قال (الشرط السادس كمال الملك وأسباب الضعف ثلاثة (الاول) امتناع التصرف فإذا تم الحول على مبيع قبل القبض أو مرهون أو مغصوب أو ضال أو مجحود ولا بينة عليه أو دين علي معسر ففى جميع ذلك خلاف لحصول الملك وامتناع التصرف وفي المغصوب قول ثالث أنه إن عاد بجميع فوائده زكاه لاحواله الماضية وإن لم تعد الفوائد فلا والتعجيل قبل عود المال غير واجب قطعا والدين المؤجل قيل انه يلحق بالمغصوب وقيل كالغائب الذى يسهل احضاره فان اوجبنا لم يجب التعجيل في أصح الوجهين لان الخمسة نقدا تساوى ستة نسيئه فيودى إلى الاجحاف به) * انما جعل أسباب الضعف ثلاثة لان المالك اما أن لا يكون مستقرا هو السبب الثالث أو يكون مستقرا فاما ان يتسلط الغير علي إزالته وهو السبب الثاني اولا يتسلط فاما تمتنع فيه التصرفات بكمالها وهو السبب الاول أو لا تمتنع فلا ضعف ومما يجب معرفته أن اعتبار هذا الشرط مختلف فيه فان في مسائله كلها اختلاف قول أو وجه على ما سيأتي * إذا تقرر ذلك ففى الفصل مسائل (احداها) ما لو ضل ماله أو غصب أو سرق وتعذر انتزاعه أو اودعه عند انسان فجحده أو وقع في بحر فهل تجب فيه الزكاة قال في باب صدقة الغنم: ولو ضلت عنمه أو غصبها أحوالا ثم وجدها زكاها لاحوالها وقال في باب الدين مع الصدة: ولو جحد ماله أو غصبه أو غرق فاقام زمانا ثم قدر عليه فلا يجوز فيه الا واحد من قولين أن لا يكون عليه زكاة حتى يحول الحول عليه من يوم قبضه لانه مغلوب عليه أو يكون عليه الزكاة لان ملكه لم يزل عنه واختلف الاصحاب على ثلاث طرق (أصحهما)
[ ٥ / ٤٩٨ ]
أن المسألة علي قولين (أحدهما) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا زكاة في هذه الاموال لتعطل نماءها وفائدتها عليه بسبب خروجها من يده وامتناع التصرف فيها فاشبهت مال المكاتب لا تجب الزكاة فيها على السيد (وأصحهما) الوجوب لملك النصاب وحولان الحول وعبر أصحابنا العراقيون وغيرهم عن هذا القول بالجديد وعن الاول بالقديم وعن احمد روايتان كالقولين (أصحهما) الوجوب * وقال مالك: تجب فيها زكاة الحول الاول دون سائر الاحوال (والطريق الثاني) أنه تجب الزكاة فيها قولا واحدا ومن قال بهذا يحمل ما ذكره من الترديد علي الرد على مالك فقال: أراد الشافعي ﵁ أن لا يتوجه الا وجوب زكاة جميع الاحوال كما قلت لاستمرار الملك أو نفيها علي الاطلاق كما قال أبو حنيفة (أما) الفصل بين السنة الاولي وغيرها فلا سبيل إليه والثالث حكي القاضى ابن كج عن ابن خيران أن المسألة علي حالين حيث قال: يزكيها لاحوالها أراد إذا عادت إليه بنماءها وحيث قال لا تجب أراد إذا عادت إليه من غير نماءها فان قلنا بالطريقة الاولى فهل القولان مطلقان أم لا فيه طريقان احدهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحق لا بل موضع القولين ما إذا عادت إليه من غير نماءها فان عادت إليه بنماءها وجبت الزكاة قطعا لان الموثر علي قول إنما هو فوات النماء عليه وذكر امام الحرمين شيئين على هذه الطريقة ينبغي أن يحاط بهما (أحدهما) أنه إن عاد المال إليه مع بعض الفوائد دون بعض كان كما لو لم يعد شئ من الفوائد إليه (والثانى) أن المعنى بفوات الفوائد أن يهلكها الغاصب أو تضيع لزوال نظر المالك ويتعذر تغريم الغاصب (فأما) إذا فات شئ في يد الغاصب كان يفوت في يد المالك أيضا (فلا) مبالاة ولو غرم الغاصب كان كما لو عادت الفوائد بأعيانها ويتخرج علي هذه الطريقة قول من قال: ان كان المال المغصوب الدراهم والدنانير ففى وجوب الزكاة قولان وان كان المواشي فتجب الزكاة بلا خلاف لان الدراهم لا تعود بربحها فان ما حصل من الربح يكون للغاصب والمواشى تعود بفوائدها اما بعينها أو بقيمتها حتى لو غصبها أهل الحرب وأتلفوا الدر والنسل جرى فبها القولان هذا أحد الطريقين (وأصحهما) وبه قال أبو على بن ابي هريرة والطبري طرد القولين في الحالتين لان المؤثر علي أحد القولين فوات
[ ٥ / ٤٩٩ ]
اليد والتصرف دون فوات النماء ألا ترى ان الذكور التى لا تنمو تجب فيها الزكاة وجميع ما ذكرناه فيما إذا عاد المال إليه إليه ولا شك في أنه لا يجب اخراج الزكاة قبل عود المال الي يده.
ولو تلف بعد مضي أحوال في الحيلولة سقطت الزكاة علي قول الوجوب لانه لم يتمكن من المال وتلف المال بعد الوجوب وقبل التمكن يسقط الزكاة ثم اعرف في المسألة أمرين آخرين (احد هما) ان موضع الخلاف في الماشية المغصوبة ما إذا كانت سائمة في يد المالك والغاصب جميعا فان كانت معلوفة في يد احدهما عاد النظر في أن علف الغاصب واسامته هل يؤثر ان (والثاني) ان زكاة الاحوال الماضية انما تجب علي أحد القولين إذا لم تنقص الماشية عن النصاب باخراج زكاة بعض الاحوال أما إذا كانت نصابا بلا مزيد ومضي عليه أحوال فالحكم علي هذا القول كما لو كانت في يده ومضى أحوال ولم يخرج الزكاة وسنذكره ان شاء الله تعالي جده ولو كانت له اربعون من الغنم فضلت منها واحدة ثم وجدها ان قلنا لا زكاة في الضالة استأنف الحول سواء وجدها قبل تمام الحول أو بعده وان قلنا تجب الزكاة فيها فان وجدها قبل تمام الحول بنى وان وجدها بعده اخرج الزكاة عن الا ربعين ولو دفن ماله في موضع ونسيه ثم تذكره فهذا ضرب من الضلال وفيه ما ذكرنا من الخلاف ولا فرق بين ان يكون الدفن في داره أو في غيرها وقطع بعض المثبتين للقولين في سائر صور الضلال بالوجوب ههنا لانه غير معذور بالنسيان وعند ابي حنيفة ﵀ ان دفنه في حرزه ففيه الزكاة والا فلا ولو أسر المالك وحيل بينه وبين ماله ففيه طريقان منهم من طرد الخلاف ومنهم من قطع بالوجوب وهو الاصح لان تصرفه نافذ فيه بالبيع وغيره بخلاف ما لو غصب ماله أو ضل.
واعلم ان الائمة ذكروا ان مذهب مالك في الفصل بين الحول الاول وما بعده علي ما سبق مبني علي اصل له وهو ان الامكان من شرائط وجوب الزكاة ولا يبتدئ الحول الثاني الا من يوم الامكان ويوم الامكان ههنا هو يوم الوجدان فمنه يفتتح الحول الثاني ولا يخرج لما مضي الا زكاة حول وهذا الذى ذكروا يقتضى أن يكون للشافعي ﵁ قول مثل مذهبه لان له قولا كمذهبه في أن لامكان من شرائط الوجوب والله أعلم (المسألة الثانية) لو اشترى من الاموال الزكوية نصابا ولم يقبضه حتي مضى حول
[ ٥ / ٥٠٠ ]
في يد البائع هل تجب الزكاة على المشترى فيه طرق (أحدها) حكي في النهاية عن بعض المصنفين عن القفال أنها لا تجب قولا واحدا بخلاف المغصوب لان ملك المشترى ضعيف فيه الا ترى أنه لا ينفذ تصرفه وإن رضي البائع ولو تلف تلف علي ملك البائع (وثانيها) أنه على القولين في المغصوب (وأصحهما) وبه قطع الجمهور وجوب الزكاة فيها قولا واحدا بخلاف المغصوب فانه يتعذر الوصول إليه وانتزاعه وههنا يمكنه تسليم الثمن وتسلم المبيع (الثالثة) لو رهن ما شيته أو غيرها من اموال الزكاة فقد حكى الامام والمصنف في الوسيط في وجوب الزكاة فيها عند تمام الحول وجهين لامتناع التصرف وعلي ذلك جرى ههنا فا ثبت الخلاف في المرهون كما في المغصوب والمجحود ونحوهما وقطع الجمهور بوجوب الزكاة فيه وقالوا لا اعتبار بامتناع التصرف فيه كما في الصبى والمجنون ولهم أن يفرقوا بين الحيلولة وامتناع التصرف الواقعين في المرهون وبين الحيلولة وامتناع التصرف الواقعين في المغصوب بأن ما حصل في ما حصل في المرهون حصل برهنه واقباضه وهو بما فعل منتفع بملكه ضربا من الانتفاع بخلاف المغصوب والمجحود نعم يجئ في وجوب الزكاة في المرهون الخلاف بجهة أخرى وهى أن الرهن لابد وان يكون بدين فيأتى فيه الخلاف الذى سنذكره في ان الدين هل يمنع وجوب الزكاة ام لا والذى قاله الجمهور جواب علي القول المشهور وهو انه لا يمنع ثم إذا حكمنا بوجوب الزكاة فيبقى الكلام في انها تؤخذ من عين المرهون أو غيره وقد ذكر في الكتاب قبيل النوع الثاني من الزكاة فنشرحه إذا انتهينا إليه (الرابعة) الدين الثابت علي الغير إما ان لا يكون لا زما كمال الكتابة فلا زكاة فيه لان الملك غير تام فيه وللعبد اسقاطه متى شاء وان كان لازما فينظر ان كان ماشية فلا زكاة فيها ايضا وذكروا له معنيين (احد هما) ان السوم شرط لزكاة المواشى وما في الذمة لا يتصف بالسوم وذلك ان تقول لم لا يجوز ان تكون الماشية الثابتة في الذمة موصوفة بوصف كونها سائمة الا ترى انا نقول ذا اسلم في اللحم يتعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة فإذا جاز ان يثبت في الذمة لحم راعية جاز ان يثبت في الذمة راعية (واصحهما) ان الزكاة انما تجب في المال النامى والماشية في الذمة لا تنموا بخلاف الدراهم إذا ثبتت في الذمة فان سبب الزكاة فيها رواجها وكونها معدة للتصرف ولا فرق
[ ٥ / ٥٠١ ]
فيه بين ان يكون نقدا أو على مليئ وان كان الدين عروض تجارة أو دراهم أو دنانير ففيه قولان قال في القديم فيما رواه الزعفراني لا زكاة في الدين بحال لانه لا ملك فيه حقيقة فأشبه دين المكاتب (والجديد) الصحيح انها تجب في الدين في الجملة وتفصيله انه ان كان يتعذر الاستيفاء لكون من عليه معسرا أو لكونه جاحدا ولا بينة عليه أو ماطله فهو كالمغصوب ففى وجوب الزكاة فيه القولان ولا يجب الاخراج قبل حصوله قطعا وفرق في العدة بين الجحود والاعسار فجعل وجوب الزكاة في الصورتين علي القولين وبين المطل فقطع بوجوب الزكاة فيه وكذا فيما إذا كان دينه علي مليئ غائب وإن لم يتعذر استيفاؤه بأن كان علي مليئ مقر باذل فينظر ان كان حالا وجبت الزكاة فيه ويلزم إخراجها في الحال خلافا لا بى حنيفة وأحمد رحمهما الله حيث قالا لا يؤمر باخراجها الا بعد القبض لنا انه مال مقدور عليه فأشبه ما لو كان مودعا عند انسان وان كان مؤجلا ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) انها تجب فيه الزكاة قولا واحدا كالمال الغائب الذى يسهل احضاره (والثانى) انه لا زكاة فيه قولا واحدا ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة لان من له دين مؤجل لا يملك شيئا قبل حلول الاجل (والثالث) وبه قال أبو إسحق أنه علي القولين في المغصوب والمجحود لانه لا يتوصل إلى التصرف فيه قبل الحلول وهذا أظهر عند الائمة وإذا قلنا تجب فيه الزكاة فهل يلزم اخراجها في الحال فيه وجهان (أحدهما) نعم كالغائب الذى يسهل احضاره (وأصحهما) لا حتى يقبضه لانه لو أخرج خمسة نقدا مثلا وماله مؤجل كان بمثابة اخراج ستة وهو اجحاف به فان الخمسة نقدا تساوى ستة نسيئة ولا سبيل الي القناعة بما دون الخمسة (الخامسة) المال الغائب إذا لم يكن مقدورا عليه لا نقطاع الطريق أو انقطاع خبره فهو كالغصوب والمجحود وذكر في التهذيب وجها آخر انه يجب الزكاة فيه لا محالة نعم لا يخرج في الحال حتى يصل إليه وان كان مقدورا عليه معلوم السلامة وجب اخراج زكاته في الحال وينبغي أن يخرج في بلد المال فان أخرج في غير ذلك البلد ففيه خلاف نقل الصدقة وهذا إذا كان المال مستقرا في بلد فان كان سائرا فقد قال في العدة لا يخرج زكاته حتي يصل إليه فإذا وصل زكاه لما مضي بلا خلاف ثم أعود بعد هذا الي ما يتعلق بألفاظ الكتاب
[ ٥ / ٥٠٢ ]
(قوله) أو مجحود لا بينه عليه يتناول العين بجحدها من أودع عنده والدين جميعا وانما قل لا بينة عليه لانه لو كان له بينة عاد له فالحكم كما لو لم يكن جاحدا لانه يقدر على الاثبات والاستيفاء ولو كان القاضي عالما بالحال وقلنا انه يقضى بعلمه فهو كما لو كانت له بينة (وقوله) ففى جميع ذلك خلاف أراد بالخلاف الذى أبهمه وجهين في الرهون على ما صرح به في الوسيط وقولين في سائر المسائل جوابا علي طريقة اثبات القولين فيهما ألا تراه يقول بعد ذلك وفي المغصوب قول ثالث ولك ان تعلم قوله ففى جميع ذلك خلاف بالواو اشاره الي الطرق القاطعة بالنفى أو الاثبات (وقوله) وفي المغصوب قول ثالث اشارة الي طريق من خص القولين بما إذا عاد المال إليه بفوائده وإذا ضم ذلك الي قول من طرد القولين خرجت ثلاثة اقوال كما ذكره وربما اوهم قوله وفي المغصوب قول ثلث تخصيص هذا القول بالمغصوب من بين سائر الصور وليس كذلك بل هو جار في الضال والمجحود ايضا (وقوله) ايضا قبل ذلك لحصول؟ الملك وامتناع التصرف اشارة الي توجيه القولين فحصول الملك وجه الوجوب وامتناع التصرف وجه المنع (وقوله) وان لم تعد الفوائد فلا غير مجرى على ظاهره بل المعنى لا بأعيانها ولا بابدالها على ما سبق بيانه (وقوله) والتعجيل قبل عود المال وقوله بعده لم يجب التعجيل ليس المراد من التعجيل ههنا معناه المشهور في الزكاة وهو التقديم على الحول وانما المراد التقديم علي اخذ المال وقد جرى ذلك في لفظ الشافعي ﵁ (وقوله) والدين المؤجل أي علي الموسر المقر (وقوله) قيل انه كالمغصوب ليس للتسوية على الاطلاق فان القول الثلث في المغصوب لا يأتي ههنا وانما الغرض منه التسوية في القولين الا ولين وكذا (قوله) وقيل كالغائب الذي يسهل احضاره ليس مجريا علي اطلاقه لان الغائب الذى يسهل احضاره يجب اخراج زكاته في الحال وفي الدين لا يجب في اظهر الوجهين بل المراد التسوية في وجوب الزكاة قولا واحدا ثم يجوز أعلام كلاميهما بالواو وللوجه المعزى الي ابن أبى هريرة * قال (السبب الثاني تسلط الغير على ملكه كالملك في زمن الخيار والمالك في اللقطة في السنة الثانية إذا لم يتملكها الملتقط هل تجب الزكاة فيها فيه خلاف) *
[ ٥ / ٥٠٣ ]
في الفصل مسألتان (أحدهما) إذا باع مالا زكويا قبل تمام الحول بشرط الخيار فتم الحول في مدة الخيار أو اصطحبابه مدة فتم الحول في خيار المجلس فوجوب الزكاة ينبنى علي الخلاف في أن الملك في زمان الخيار لمن يكون: إن قلنا أنه للبائع فعليه الزكاة وبهذا القول أجاب الشافعي ﵁ في هذه المسألة التى نحن فيها وإن قلنا انه للمشترى فلا زكاة علي البائع لانقطاع حوله بزوال ملكه والمشترى يبتدئ الحول من يوم الشراء فإذا تم الحول من يومئذ وجبت الزكاة عليه وان قلنا انه موقوف فان تم العقد تبين الملك للمشترى وان فسخ تبينا انه كان للبائع وحكم الحالتين ما ذكرنا هذا ما ذكره الجمهور من أئمتنا ﵃ ولم يتعرضوا لخلاف بعد البناء على الاصل المذكور قال امام الحرمين: الا صاحب التقريب فانه قال وجوب الزكاة علي المشترى مخرج علي القولين في المغصوب وبل أولى لعدم استقرار الملك مع ضعف التصرف وعلي هذا جري المصنف فاثبت الخلاف في الملك في زمان الخيار قال امام الحرمين وانما خرجه صاحب التقريب علي القولين إذا كان الخيار للبائع أو لهما فأما إذا كان الخيار للمشترى وحده والتفريع علي أن الملك له مملكه ملك الزكاة بلا خلاف لان الملك ثابت والتصرف نافذ وتمكنه من رد الملك لا يوجب توهينا وعلي قياس هذه الطريقة يجرى الخلاف في جانب البائع أيضا إذا فرعنا علي أن الملك له وكان الخيار للمشترى فانه لو أجاز لزال ملك البائع فهو ملك بتسلط الغير علي ازالته (الثانية) اللقطة في السنة الاولى باقية على ملك المالك فلا زكاة فيها على الملتقط وفي وجوبها علي المالك الخلاف المذكور في المغصوب والضال ثم ان لم يعرفها حولا فهكذا الحكم في سائر السنين وان عرفها فيبنى حكم الزكاة على أن الملك في اللقطة يحصل بنفس مضى سنة التعريف أو باختيار التملك أو بالتصرف وفيه اختلاف يأتي في موضعه ان شاء الله تعالى جده فان قلنا يملك بانقضائها فلا زكاة على المالك وفي وجوبها على الملتقط وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وبناهما على ان المالك لو علم بالحال والعين باقية هل يتمكن من الاسترداد ولا ان قلنا نعم فهو ملك يتسلط الغير علي ازالته وان قلنا يملك باختيار التملك وعليه بنى المسالة في الكتاب حيث قال: إذا لم يتملكها
[ ٥ / ٥٠٤ ]
الملتقط وهو المذهب فينظر ان لم يتملكها فهى باقية على ملك المالك وفي وجوب الزكاة عليه طريقان (احدهما) ان فيه قولين كما في السنة الاولى قال في الشامل وغيره وهو الاصح (والثاني) القطع بنفى الزكاة فيها وينقل ذلك عن حكاية ابى اسحاق والفرق ان ملك المالك في المغصوب ونظائره مستقر غير معرض للزوال وملكه في اللقطة بعد سنة التعريف تعرض للازالة وان تملكها الملتقط فليس علي صاحبها زكاتها وهو يستحق القيمة على التملك لكنها في حقه ملك ضال في وجوب زكاتها الخلاف من وجهين (احدهما) انه دين (والثاني) انه غير مقدور عليه فهو كالاعيان التى لا يقدر عليها ثم الملتقط مديون بالقيمة فان لم يملك غيرها ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف الذي نذكره في ان الدين هل يمنع وجوب الزكاة وان ملك ما بقى بالقيمة ففي الوجوب وجهان مبنيان على ما سبق (اظهرهما) واشهرهما الوجوب وان قلنا ان الملك فيها يحصل بالتصرف ولم يتصرف فالحكم كما إذا لم يتملك وقلنا لا بد منه (واعلم) ان الملتقط لورد اللقطة بعد ظهور المالك تعين عليه القبول وفي تمكن المالك من استردادها قهرا وجهان وهذا يوجب ان تكون القيمة الواجبة بعرض السقوط و(حينئذ) لا يبعد التردد في امتناع الزكاة فان قلنا الدين لا يمنع الزكاة كالتردد في وجوب الزكاة على الملتقط مع الحكم بثبوت الملك له لكونه يعرض للزوال وذا عرفت المسالتين لم يخف عليك أن المراد من الخلاف الذى أبهم ذكره طريقان (أظهرهما) في كلام الاصحاب في المسالة الاولي القطع بالوجوب (والثانى) اثبات القولين (واظهرهما) في الثانية اثبات القولين (والثاني) القطع بالمنع (وقوله) إذا لم يتملكها الملتقط أي بعد التعريف سنة فان التسلط حينئذ يثبت قال (وإذا استقرض المفلس مائتي درهم ففى زكاته قولان وجه المنع ضعف الملك لتسلط مستحق الدين عليه وقد يعلل بادئه الي تثنية الزكاة إذ يجب على المستحق باعتبار يساره بهذا المال وعلي هذا إن كان المستحق بحيث لا تلزمه الزكاة لكونه مكاتبا أو ذميا أو لكون الدين حيوانا أو ناقصا عن النصاب وجبت الزكاة علي المستقرض فان كان المستقرض غنيا بالعقار وغيره لم يمتنع (ز ح م) وجوب الزكاة بالدين وقيل أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة إلا في الاحوال الباطنة (ح» * الدين هل يمنع الزكاة اختلف فيه قول الشافعي ﵁ قال في أكثر الكتب الجديدة
لا يمنع وهو المذهب لاطلاق النصوص الواردة في باب الزكاة وأيضا فانه مالك النصاب وتصرفه نافذ فيه وايضا فان الزكاة إما أن تتعلق بالذمة أو بعين المال ان كان الاول فالذمة لا تضيق عن
[ ٥ / ٥٠٥ ]
ثبوت الحقوق وإن كان الثاني فالدين المتعلق بالذمة لا يمنع الحق المتعلق بالعين الا ترى أن عبد المديون لو جني تعلق ارش الجناية برقبته وقال في القديم وفي اختلاف العراقيين من الجديد أنه يمنع لان الزكاة حق يجب في الذمة بوجود مال فمنع الدين وجوبه كالحج وأيضا فلما سيأتي في التفريع ومن الاصحاب من حكى قولا ثالثا وهو أن الدين يمنع الزكاة في الاموال الباطنة وهى الذهب والفضة وعروض التجارة ولا يمنعها في الاموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار والمعادن والفرق أن الاموال الظاهرة تنمو بنفسها أو هي نماء في نفسها والاموال الباطنة ليست كذلك وانما الحقت بالناميات للاستغناء عنها واستعدادها للاسترباح بالتصرف والاخراج والدين يمنع من ذلك ويحوج ألي صرفها إلى قضائه وبهذا القول الثالث قال مالك ﵁ وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ﵁ إلا أنه لا يمنع العسر عنده وعندنا لا فرق وعند احمد ﵀ يمنع الزكاة في الاموال الباطنة وفي الظاهرة روايتان * (التفريع) إن قلنا الدين لا يمنع الزكاة فلو أحاطت بالرجل ديون وحجر عليه القاضي فله ثلاث أحوال (إحداها) أن يحجر ويفرق ماله بين الغرماء فههنا قد زال ملكه ولا زكاة عليه (والثانية) أن يعين لكل واحدد منهم شيئا من ماله علي ما يقتضيه التقسيط ومكنهم من أخذه فحال الحول ولم يأخذوه وقال معظم الاصحاب لا زكاة عليه أيضا لانه ضعف ملكه وصاروا هم أحق به ولم يحكوا فيه خلافا وحكى الشيخ أبو محمد في هذه الصورة عن بعض الاصحاب أن وجوب الزكاة يرج على الخلاف في المجحود والمغصوب لانه حيل بينه وبين ماله وعن القفال انه يخرج علي الخلاف في اللقطة في السنة الثانية لانهم تسلطوا علي إزالة ملكه تسلط الملتقط بخلاف المجحود والمغصوب ولك أن تقول ميل الاكثرين في صورة اللقطة إلى وجوب الزكاة وههنا نفوا الوجوب والصورتان يشتر كان في المعنى فهل من فارق (والجواب) انه يجوز أن يقال تسلط الغرماء أقوى من تسلط الملتقط لانهم اصحاب حق على المالك ولان تسلطهم يستند إلي تسليط الحاكم بخلاف
تسلط الملتقط وأيضا فالملك الذى يتسلطون علي ازالة ملك المالك باثباته أقوى الا ترى أن للمالك استرداد اللقطة بعد تملك المتلتقط على أحد الوجهين وههنا بخلافه (واعلم) أن الشافعي ﵁ قال في المختصر ولو قضى عليه بالدين وجعل لهم ماله حيث وجدوه قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقضيه الغرماء لم يكن عليه زكاة لانه صار لهم دونه قبل الحول فمن الاصحاب من حمله على الحالة الاولي ومنهم من حمله على الثانية (والثالثة) أن لا يفرق ماله ولا يعنى لكل واحد من الغرماء شيئا ويحول
[ ٥ / ٥٠٦ ]
الحول في دوام الحجر ففى وجوب الزكاة ثلاثة طرق (أصحها) تخريجه علي الخلاف في المغصوب والمجحود لان الحجر مانع من التصرف (والثانى) القطع بالوجوب وبه قال صاحب الافصاح لان الملك حاصل والحجر لا يؤثر كحجر السفيه (والثالث) ويحكى عن أبى اسحق القطع بالوجوب في الموضي لان الحجر لا يؤثر في نمائها وتخريج الذهب والفضة علي الخلاف في المغصوب لامتناع التصرف وتوقف النماء فيها علي التصرف وان قلنا الدين يمنع الزكاة فقد ذكر الائمة في توجيهه أولا شيئين واختلفوا في ان العلة منها ماذا (أحدهما) أن ملك المديون ضعيف لان مستحق الدين بسبيل من أخذه إذا لم يوفر دينه (والثاني) أن مستحق الدين يلزمه الزكاة علي ما سبق فلو ألزمنا المديون الزكاة ايضا لصار المال الواحد سببا الزكاتين علي شخصين وهو ممتنع ويتفرع علي هذا الاختلاف صور (أحداها) لو كان مستحق الدين لا تلزمه الزكاة لكونه ذميا أو مكاتبا فان قلنا بالمعنى الثاني وجب علي المديون لانه لا يلزمه التثنية ههنا وان قنلا بالمعنى الاول لم يجب لان ضعف الملك لا يختلف (الثانية) لو كان الدين حيوانا كماذا ملك أربعين من سائمة الغنم وعليه اربعون من الغنم دينا عن سلم فان قلنا بالمعنى الاول لم تجب الزكاة وان قلنا بالثاني تجب إذ لا تثنية فانه لا زكاة في الحيوان في الذمة كما مر في الفصل قبل هذا وعلى هذا يخرج ايضا ما لو أنبتت أرضه نصبا من الحنطة وعليه مثله عن سلم (والثالثة) لو ملك نصابا والدين الذى عليه ناقص عن النصاب كما لو ملك مائتي درهم وعليه مائة دينار ان قلنا بالمعني الاول فلا زكاة لتطرق النقصان إلى بعض المال ونقصان النصاب بسببه وان قلنا بالمعنى الثاني تجب لانه لا زكاة علي المستحق باعتبار هذا المال كذا أطلقوه والمراد
ما إذا لم يملك سواه من دين أو عين والا فلو ملك ما يتم به النصاب فعليه زكاة باعتبار هذا المال ولو ملك بقدر الدين ما لا زكاة فيه من العقار وغيره وجبت الزكاة في النصاب الزكوى علي هذا القول ايضا خلافا لا بي حنيفة ﵀ وحكى الشيخ أبو حامد وجها مثل مذهبه مبنيا علي لزوم التثنية ووجه الوجوب مراعاة الحظ والنفع للمساكين ولو زاد ماله الزكوى علي الدين نظر ان كان الفاضل نصابا وجبت الزكاة فيه وفي قدر الدين القولان وان كان دون النصاب لم يجب علي هذا القول لا في القدر المقابل للدين ولا في الفاضل * (فرع) منقول عن الام.
ملك أربعين من الغنم فاستأجر راعيا يرعاها بشاة وحال الحول علهيا نظر إن استأجر بشاة معينة من الاربعين فكانت مختلطة بباقى الشياه فعليها شاة علي الراعي
[ ٥ / ٥٠٧ ]
جزء من أربعين منها والباقى علي المستأجر وإن كانت منفردة فلا زكاة علي واحد منهما وان استاجره بشاة موصوفة في الذمة فان كان للمستأجر مال آخر يفى بها وجبت الزكاة في الاربعين وإلا فعلي القولين في أن الدين هل يمنع الزكاة (وأما) ما يتعلق بلفظ الكتاب من الفوائد (فقوله) وإذا استقرض المفلس مائتي درهم أشار بلفظ المفلس إلي أنه لا يملك شيئا سوى ما استقرضه ففى هذه الصورة يظهر القولان وفى معناها ما إذا كان الدين ينقص النصاب وإن لم يستغرقه فاما إذا ملك ما يفى به مما لا زكاة فيهمع النصاب أو ملك فوق قدر الدين فقد ذكرناه ثم ان أجدت النظر في لفظ الكتاب بحثت عن شيئين (أحد هما) أنه صور في الاستقراض ولا مدخل للاجل فيه فهل له اثر أم لا فرق بين الدين الحال والمؤجل (والثاني) أنه صور فيما إذا كان من جنس ما على فهل يختص القولان به أم لا وان لم يخص فما الحكم عند اختلاف الجنس (والجواب) أما الاول فلا فرق بين الدين الحال والمؤجل هكذا اورد صاحب التهذيب وغيره (واما الثاني) فان قنلا الدين لا يمنع الزكاة عند اتحاد الجنس فعند الاختلاف اولي وان قلنا يمنع فقد اشار امام الحرمين إلى تردد عند اختلاف الجنس وقال الاصح المنع في هذه الصورة والاشبه بسياق كلامه انه اراد منع التأثير لكن الاصح في التهذيب انه يمنع الزكاة تفريعا علي هذا القول كا لو اتحد الجنس ويجوز ان يخرج هذا التردد علي ما سبق
من التعليلين ان عللنا بالضعف فهو موجود وان عللنا بالتثنية فههنا لا تلزم التثنية في مال واحد (وقوله) وجه المنع ضعف الملك الي ان قال وقد يعلل اداءه الي تثنية الزكاة.
فيه اشارة الي ترجيح العلة الاولي حيث وجه المنع بها ثم حكي العلة الثانية حكاية والامر علي ما شار إليه نقلا ومعنى اما النقل فلان الاكثرين اجابوا في الصور المفرعة على التعليلين بما يقتضيه الاول وأما المعنى فمن وجهين (احدهما) انا لا نسلم لزوم التثنية في المال الواحد وهذا لان المستحق للمقترض هذا المال والمستحق للمقترض مطلق المال لا هذا المال فليس وجوب الزكاة عليه باعتبار هذا المال حتي تلزم التثنية (والثاني) هب انه تلزم التثنية في المال الواحد لكن التثنية كما تندفع بأن لا تجب الزكاة علي المديون تندفع بأن لا تجب على الدائن فلم يتعين الاول فان رجح جانب المديون بضعف ملكه عاد الكلام الي العلة الاولي وان رجح بأن ماله مستغرق بحاجة مهمة وهى قضاء الدين فهذا كاف في التوجيه ولا حاجة إلى توسط واسطة التثينة (وقلوه) أو يكون الدين حيوانا فيه استدراك لفظي من جهة أنه لم يذكر في أصل المسألة عبارة تشمل الحيوان وغيره حتى يخرج على التعليلين ما إذا كان الدين حيوانا وإنما تكلم في استقراض مائتي
[ ٥ / ٥٠٨ ]
درهم والمديون بالدراهم لا يكون دينه حيوانا إلا ان اعتمد فهم المعنى والمقصود (وقوله) وان كان المستقرض غنيا بالعقار وغيره ولم يمتنع معلم بالحاء والواو لما قدمنا وأشار بلفظ العقار إلي أنه ملك ما لا غير زكوى ولك ان تبحث عن قوله وغيره فتقول المراد مطلق غير العقار أم غير العقار الذى ليس بزكوى فان كان الثاني فما الحكم لو كان عليه دين وله مالان زكويان (والجواب) أن المراد الغير الذى ليس بزكوى (أما) إذا ملك ما لين زكويين كنصاب من الغنم ونصاب من النقد وعليه دين نظر ان لم يكن الدين من جنس ما يملكه فقد قال في التهذيب يقض عليهما فان خص كل واحد منهما ما ينقص به النصاب فلا زكاة على القول الذى عليه تفرع وذكر أبو القاسم الكرخي وصاحب الشامل أنه يراعى الاحظ للمساكين كما أنه لو ملك مالا آخر غير زكوى صرفنا لا ادين إليه رعاية لحقهم.
ويحكي عن ابن سريح ما يوافق هذ وإن كان الدين من جنس أحد المالين فان قلنا الدين يمنع الزكاة فيما هو من غير جنسه فالحكم كما لو لم يكن من جنس أحد هما وإن قلنا لا يؤثر من غير الجنس اختص بالجنس (وقوله) وقيل الدين لا يمنع الزكاة اشارة
إلي القول الثالث في أصل المسالة على ما صرح به في الوسيط ويأتى فيه مثل استدراكه الذى على القولين الاولين والله أعلم * قال (ولو قال لله علي أن أتصدق بهذا النصاب فهذا أولي بأن يمنع الزكاة لتعلقه بعين المال ولو قال جعلت هذه الاغنام ضحايا فلا يبقى لايجاب الزكاة وجه متجه وإن تم الحول عليه.
ولو قال لله علي التصدق بأريعين من الغنم فهذا دين لله فهو مرتب على دين الآدميين وأولي بأن لا يدفع الزكاة ودين الحج كدين النذر) * إذا قلنا الدين يمنع الزكاة فلا فرق عندنا بين دين الآدميين ودين الله تعالي وعند أبى حنيفة ﵀ دين الآدميين يمنع وكذا الزكاة تمنع الزكاة والكفارات لا تمنع.
إذا عرفت ذلك ففى الفصل صور (إحداها) لو ملك نصابا من المواشي أو غيرها فقال لله علي أن أتصدق بهذا المال أو بكذا من هذا المال فمضى الحول قبل التصدق هل تجب زكاته إن قلنا الدين يمنع وجوب الزكاة فههنا أولي بن لا تجب الزكاة لتعلق النذر بعين المال وصيرورته واجب التصرف الي ما نذر قبل وقت وجوب الزكاة وإن قلنا الدين لا يمنع وجوب الزكاة فههنا وجهان (أحدهما) أنه كالدين لانه في ملكه الي أن يتصدق (والثاني) يمنع لتعلقه بعين المال وامتناع التصرف فيه ويخرج مما حكيناه طريقان في هذه الصورة (أحدهما) القطع بالمنع (والثانى) التخريج علي الخلاف السابق والي هذا الترتيب أشار في الكتاب
[ ٥ / ٥٠٩ ]
بقوله فهذا أولى بأن يمنع الزكاة (الثانية) لو قال جعلت هذا المال صدقة أو هذه الاغنام ضحايا فقد طرد في النهاية أصل التردد فيها وقال الظاهر أنه لا زكاة لان ما جعل صدقة لا يبقي فيه حقيقة ملك بخلاف الصورة الاولى فانه لم يتصدق وانما التزم أن يتصدق ولفظ الكتاب يشعر أيضا ببقاء الخلاف ههنا فانه لم يجزم بامتناع الوجوب ولا نفى الخلاف وانما نفى أن يكون للوجوب وجه بصفة الاتجاه ولو قال لله على أن أضحي بهذه الشاة فهو كقوله جعلتها ضحية ان قلنا ان قوله لله علي التضحية بهذه يفيد التعيين وفيه خلاف مذكور في موضعه وإن تم الحول عليه لو لم يذكره لم يضر كما لم يتعرض له في اخوات هذه الصورة وذلك لانه لا يخفى ان الخلاف في وجوب الزكاة حينئذ يفرض (الثالثة)
لو أرسل النذر فقال لله علي أن أتصدق بأربعين من الغنم أو بمائة درهم ولم يضف إلى ماشيته وورقه فهذا دين نذر لله تعالي فيرتب علي دين الآدميين فان قلنا أنه لا يمنع فهذا اولي وان قلنا انه يمنع ففى هذا وجهان (أحدهما) يمنع لانه أيضا دين لازم في الذمة (واصحهما) عند الامام أنه لا يمنع وفرق بين الدينين من وجهين (أحدهما) ان هذا الدين لا يطالب به في الحال فكان اضعف حالا (والثانى) ان النذر يشبه التبرعات إذا الناذر بالخيار في نذره فالوجوب بالنذر اضعف وهذه الصورة والاولى حكاهما أبو القاسم الكرخي وغيره عن تفريع ابن سريج علي كلام لحمد ﵄ وينبغى أن يفهم هنا أن المال يتعين بتعيين الناذر اياه للصدقة ولو لم يتعين لما انتظم قوله في الصورة الاولي لتعلقه بعين المال ولما كان فرق بين أن ينذر التصدق بهذه الاربعين وبين أن ينذر التصدق باربعين وهذا المفهوم هو ظاهر المذهب وفيه شئ نذكره ان شاء الله تعالى في شرح قوله في كتاب لا ضحايا ولو عين الدراهم للصدقة لم تتعين وبالجملة فمن أجاب بعدم التعيين لا يستقيم منه الفرق في هذه الصورة وقوله في هذه الصورة وفي الاولي لو قال لله علي لو ابدله بأن يقول لو نذر التصدق بكذا لكان أولي لان الصيغة التي لا خلاف فيها في النذر ان يقول ان شفى الله مريضي فلله علي كذا اما إذا اقتصر علي قو لله علي كذا ففيه قولان مذكوران في كتاب النذر فان قلنا أنها غير ملتزمة احتجنا الي اضمار في لفظ الكتاب ههنا (الرابعة) لو وجب عليه الحج وتم الحول علي نصاب في ملكه هل يكون وجوب الحج دينا مانعا من الزكاة إن قلنا الدين لا يمنع الزكاة فلا أثر له وان قلنا يمنع فقد ذكر الامام وتابعه المصنف ان فيه وجهين كالوجهين في دين النذر في الصورة التي قبل هذه لان دين الحج وان وجب من غير اختيار لكن المال غير مقصود فيه ودين النذر وان كانت المالية مقصودة لكن الناذر التزمه متبرعا
[ ٥ / ٥١٠ ]
فيعتدلان وايضا فدين الجح لا يطالب به في الحال كدين النذر * قال (وأذا اجتمع الزكاة ونذر في تركة ففى التقديم ثلاثة اقوال وفي الثالث يسوى بينهما ووجه تقديم الزكاة تعلقها بالعين) * إذا قلنا الدين لا يمنع الزكاة فمات قبل الاداء واجتمع الدين والزكاة في تركته ففيه ثلاثة
أقوال (أظهرها) أن الزكاة تقدم لظاهر قوله ﷺ (فدين الله أحق بالقضاء) ولان الزكاة متعلقة بالعين والدين مسترسل في الذمة ولهذا تقدم الزكاة في حال الحياة ثم يصرف الباقي إلى الغرماء (والثانى) يقدم دين الآدمى لافتقار دين الآدمى واحتياجه ولهذا إذا اجتمع القصاص وحد السرقة يقدم القصاص (والثالث) أنهما يستويان فيوزع المال عليهما لان الحق المالى المضاف الي الله تعالي تعود فائدته الي الآدميين أيضا وهم المنتفعون بها وعلي هذه الاقوال تجرى مسائل نذ كرها في موضعها ان شاء الله تعالي جده ولك أن تعلم قوله ثلاثة أقوال بالواو لان عن بعض الاصحاب طريقة أخرى قاطعة بتقديم الزكاة المتعلقة بالعين والاموال في اجتماع الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدميين وقد تعرض الزكاة من هذا القبيل بأن يتلف ماله بعد الوجوب والامكان ثم يموت وله مال فان الزكاة ههنا متعلقة بالذمة لا تعلق لها بعين ماله والله اعلم * قال (السبب الثالث عدم قرار الملك ففى الزكاة في الغنيمة قبل السمة ثلاثة أوجه وجه الاسقاط ضعف الملك فانه يسقط بالاسقاط وفي الثالث إن كان الكل زكويا وجب وإلا فلا لاحتمال أن الزكاة تقع في سهم الخمس ولو أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار نقدا وجب عليه في السنة الاولى زكاة ربع المائة وفي الثانية زكاة نصفها لسنتين الا ما أدى وفي الثالثة زكاة ثلاثة أرباعها لثلاث سنين لا ما أدى وفي الرابعة زكاة الجميع لاربع سنين ويحط عنه ما أدى لان الاجرة هكذا تستقر بخلاف الصداق فان تشطره بالطلاق ليس مقتضي العقد وسقوط الاجرة بالانهدام مقتضى الاجارة
[ ٥ / ٥١١ ]
وفى المسألة قول ثان انه يجب في كل سنة اخراج زكاة جميع المائة) * مقصود الفصل مسألتان (إحداهما) إذا أحرز الغازون الغنيمة فينبغي للامام أن يعجل قسمتها ويكره له التأخير من غير عذر فإذا قسم فكل من اصابه مال زكوى وهو نصاب أو بلغ نصابا مع الذى كان يملكه ابتدأ الحول من حينئذ وإن تأخرت القمسة بعذر أو بغير عذر حتي مضي حول فهل تجب الزكاة ينظر إن لم يختاروا التملك فلا زكاة لانها غير مملوكة للغانمين أو هي مملوكة لهم
ملكا في غاية الضعف والوهن ألا ترى أنه يسقط بمجرد الاعراض وللامام ان يقسمها بينهم قسمة تحكم فيخص بعضهم ببعض الانواع وبعض الاعيان إن اتحد النوع ولا يجوز هذا الضرب من القسمة في سائر الا ملاك المشتركة الا بالتراضى وان اختاروا التملك ومضي حول من وقت الاختيار نظر ان كانت الغنيمة أصنافا فلا زكاة سواء كانت مما تجب الزكاة في جميعها أو كان بعضها مما لا يجب فيه زكاة لان كل واحد منهم لا يدرى ماذا يصيبه وكم يصيبه وان لم تكن الا صنفا واحدا زكويا وبلغ نصيب كل واحد من الغانمين نصابا فعليهم الزكاة وان بلغ مجموع انصبائهم نصابا وكانت الغنيمة ماشية فكذلك وهم خلطاء فيها وكذا لو كانت غير ماشية وأثبتنا الخلطة فيه ولو كان يتم انصباء هم بالخمس نصابا فلا زكاة عليهم إذ الخلطة مع اهل الخمس لا تثبت لانه لا زكاة في الخمس بحال من حيث انه لغير معينين كمال بيت المال من الفيئ وغيره ومال المساجد والرباطات ففهذا حكم زكاة الغنيمة علي ما ذكره جمهور ائمتنا ﵏ من العراقيين والمراوزة وهو ظاهر المذهب وزاد في التهذيب شيئين (احد هما) ان لا زكاة قبل افراز الخمس بحال فن افرز فحينئذ نفصل الامرين أن يختار والتملك أو لا يختاروه وهذا لم يتعرض له الاكثرون ولم يفصلوا بين ان يفرز الخمس أو لا يفرز وصرح في العدة بأنه لا فرق بين الحالين (والثانى) حكي في حالة عدم الاختيار وجها آخر انه تجب الزكاة وهذا يتعرض له ما في الكتاب فانه جعل وجوب الزكاة قبل القسمة علي ثلاثة اوجه وهكذا حكى امام الحمين قدس الله روحه على اصل مذكور في السير وهو ان الغنيمة هل تملك قبل القسمة ام لا ان قلنا لا فلا زكاة فيها بحال وان قلنا نعم ففى وجوب الزكاة هذه الاوجه (احدها) لا لضعف الملك (والثانى) نعم اكتفاء بأصل الملك (والثالث) ان كان في الغنيمة ما ليس بزكوى فلا تجب لجواز أن يجعل الامام الزكوى سهم الخمس وان كان الكل زكويل تجب وكان الاحسن لصاحب هذا الوجه أن يقول ان كان الزكوى بقدر خمس المال لا تجب الزكاة فان زاد تجب زكاة القدر الزائد ويخرج مما تقدم وجه رابع وهو الظاهر
[ ٥ / ٥١٢ ]
انهم ان اختاروا التملك وكانت الغنيمة صنفا واحدا زكويا وجبت الزكاة وإلا فلا وتمام توجيهه ينكشف عند معرفة الاصل المحال علي كتاب السير (المسألة الثانية) في زكاة الاجرة وقد أدرج في خلالها مسألة
أخرى يقتضى الشرح أن نقدمها فتقول إذا أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها فعليها الزكاة إذا تم حول من يوم الاصداق سواء دخل بها أو لم يدخل قبضتها أو لم تقبض لانها ملكت الصداق بالعقد وبه قال أحمد ﵀ وعند أبي حنيفة ﵀ إذا لم تقبضها فليس عليها ولا على الزوج زكاتها ويأتى لنا وجه مثله تفريعا علي أن الصداق مضمون ضمان العقد فانه يكون على الخلاف الذى سبق في المبيع قبل القبض وظاهر المذهب هو القطع بالوجوب وعلي هذا فلو طلقها قبل الدخول نظر ان طلق قبل الحول عاد نصفها إلي الزوج فان لم يميزا فهما خليطان فعليها عند تمام الحول من يوم الاصداق نصف شاة وعليه عند تمام الحول من يوم الطلاق نصف شاة وإن طلقها بعد الحول فلا يخلو اما ان حكانت قد أخرجت الزكاة من عينها أو من موضع آخر أو لم تخرج اصلا فهذه ثلاث أحوال (إحداها) إذا كانت قد أخرجت الزكاة من عينها فالي ماذا ترجع فيه ثلاثة أقوال (إحدها) أنه يأخذ نصف الصداق من الموجود ويجعل المخرج من نصيبها فان تساوت قيم الشياه أخذ عشرين منها وإن تفاوتت أخذ النصف بالقيمة قال المسعودي وهذا رواية الربيع (والثانى) يأخذ نصف الاغنام الباقية ونصف قيمة الشاة المخرجة (والثالث) انه بالخيار بين ما ذكرنا في القول الثاني وبين أن يترك الكل ويأخذ نصف القيمة وهذا مخرج مما لو أصدقها إناءين فانكسر أحدهما وطلقها قبل الدخول نص فيه علي القول الثاني والثالث قال الائمة ولفظ المختصر في المسألة التي نحن فيها صالح للقول الاول والثانى وهو الي الاول أقرب (الحالة الثانية) إذا كانت قد أخرجت من موضع آخر فان قلنا تتعلق الزكاة بالذمة أو قلنا تتعلق بالعين لا علي سبيل الشركة عاد نصف الاربعين الي الزوج وإن قلنا تتعلق بالعين على سبيل الشركة فقد قال الصيد لاني وجماعة من الائمة يبني هذا على الوجهين فيما إذا زال ملكها عن الصداق وعاد إليها ثم طالقها قبل الدخول (أحدهما) يرجع بنصف القيمة كما لو طلقها ولم يعد (والثاني) بنصف العين كما لو طلقها ولم يزل لكن الشاة التى زال ملكها عنها وعاد باداء الزكاة من موضع آخر غير متعينة فعلي الوجه الاول لا ياخذ شيئا من الاربعين بل يدع الي نصف القيمة وعلي الثاني يأخذ نصف الاربعين وهذا ما ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم من غير تفصيل (والثالثة) إذا لم تخرج الزكاة أصلا حتى طلقها ففيه اختلاف وتفريع طويل مبنى على كيفية تعلق الزكاة والجواب الخارج علي ظاهر المذهب
ما ذكره في التهذيب إن شاء الله تعالي وهو ان نصف الاربعين يعود الي الزوج شائعا فان جاء الساعي
[ ٥ / ٥١٣ ]
وأخذ من عينها شاة رجع الزوج عليها بنصف قيمتها * جئنا إلى مسألة الاجرة إذا أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار معجلة وقبضها كيف يخرج زكاتها فيه قولان (أحد هما) ذكره في الام ونقله المزني في المختصر أنه لا يلزمه أن يخرج عند تمام كل سنة الا زكاة القدر الذى استقر ملكه عليه لانها قبل الاستقرار يعرض السقوط بانهدام الدار فأورث ضعف الملك (والثاني) قاله في البويطي واختاره المزني أنه يلزمه عند تمام السنة الاولى زكاة جميع المائة لانه ملكها ملكا تاما ألا ترى أنه لو كانت الاجرة جارية يحل وطؤها وطؤها ولو كان الملك ضعيفا لم حل غايته أنه يتوهم سقوط بعض الاجرة بالانهدام لكنه لا يقدح في وجوب الزكاة كما أن المرأة يلزمها زكاة الصداق قبل الدخول وإن كان يتوهم عود جميعه بارتداد أحدهما أو عود نصفه بالطلاق وهذا القول أصح عند صاحب المهذب ومال إليه في الشامل لكن الجمهور علي ترجيح القول الاول وهو الذى يقتضيه ايراد الكتاب والقول بثبوت الملك التام في الاجرة ممنوع علي رأى بعض الاصحاب فان صاحب النهاية حكى طريقة أن الملك يحصل في الاجرة شيئا فشيئا فمن قال بذلك لا يسلم بثبوت الملك في الاجرة فضلا عن ثبوت الملك التام وعلي التسليم فوجه الضعف والنقصان ما ذكرنا واما حل الوطئ فلا نسلم أنه يتوقف علي ارتفاع الضعف من كل جهة وأما الصداق فقد روي الحناطى عن ابن سريج تخريج قول من الاجرة في الاصداق فعلى هذا لا افرق وعلي التسليم فالفرق أن الاجرة تستحق في مقابلة المنافع فإذا لم تسلم المنافع للمستأجر ينفسخ العقد من أصله والصداق ليس في مقابلة المنافع ألا ترى أنها لو ماتت يستقر الصداق وان لم تسلم المنافع للزوج والتشطر ثبت بتصرف من جهة الزوج يفيد ملك النصف عليها ولا ينقص ملكها من الاصل (التفريع) إن قلنا بالقول الاول أخرج عن تمام السنة الاولى زكاة ربع المائة وهو خمسة وعشرون دينارا وزكاتها خمسة أثمان دينار لان ملكه استقر على هذا القدر فإذا مضت السنة الثانية فقد استقر ملكه علي خمسين دينارا وكانت في ملكه سنتين زكاها زكاة خمسين لسسنتين وهى ديناران ونصف لكنه قد أدى زكاة خمسة وعشرين لسنة فيحط ذلك ويخرج الباقي وهو
دينار وسبعة أثمان دينار فإذا مضت السنة الثالثة فقد استقر ملكه على خمسة وسبعين دينار أو كانت في ملكه ثلاث سنين وزكاتها لثلاث سنين خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار أخرج منها للسنتين الماضيتين دينارين ونصفا يبقي ثلاثة دنانير وثمن يخرجها الآن فإذا مضت السنة الرابعة فقد استقر ملكه علي جميع المائة وكانت في ملكه أربع سنين وزكاة المائة لاربع سنين عشرة دنانير أخرج من ذلك خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار فيخرج الباقي وهو أربعة دنانير وثلاثة أثمان دينار وقد
[ ٥ / ٥١٤ ]
يعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فيقال يخرج عند تمام السنة الاولى زكاة خمسة وعشرين لسنة وعند تمام الثانية زكاة خمسة وعشرين لسنتين وزكاة الخمسة والعشرين الاولى لسنة وعند تمام الثالثة زكاة الخمسين لسنة وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين عند تمام الرابعة زكاة الخمسة والسبعين لسنة وزكاة خمسة وعشرين لاربع سنين هذا إذا كان يخرج واجب كل سنة من غير المائة وأما إذا أخرج من عينها واجب السنة الاولي فعند تمام الثانية أخرج زكاة الخمسة والعشرين الاولى سوى ما أخرج في السنة الاولي لسنة وزكاة خمسة وعشرين أخرى لسنتين وعند تمام الثالثة يخرج زكاة الخمسين سوى ما أخرج في السنتين الاوليين وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين وعلي هذا قياس السنة الرابعة.
وإن قلنا بالقول الثاني وهو أنه يخرج زكاة جميع المائة عند تمام السنة الاولي فعليه مثل ذلك عند تمام كل سنة إن كان يخرج الواجب من موضع آخر وإن كان يخرج منها فعند تمام السنة الثانية يخرج زكاة سبعة وتسعين دينارا ونصفا وقس على هذا السنتين الاخرين.
وزاد أصحابنا العراقيون في التفريع علي القول الاول كلاما آخر وهو مبنى علي أن القولين في المسألة في كيفية الاخراج وزكاة جميع الملة واجبة عند تمام الحول الاول بلا خلاف أو هما في نفس الوجوب فعن القاضي أبي الطيب أنهما في نفس الوجوب وبه يشعر كلام طائفة وقال الشيخ أبو حامد وشيعته: القولان في كيفية الاخراج والوجوب ثابت قطعا واحتجوا له له بأنه لو امتنع الوجوب على أحد القولين لعدم استقرار الملك لكان يستأنف الحول ولا يزكيه لما مضى كمال الكتابة فلما نص في هذا القول علي انه يزكي لما مضي دانه ل؟ لم يجعل هذا الاختلال مانعا من الوجوب وهذا قضية كلام الاكثرين صريحا أو إشارة ثم هؤلاء
القاطعون بالوجوب غاصوا فقالوا في التفريع على القول الاول يخرج في السنة الاولى زكاة خمسة وعشرين كما سبق ثم يبني الحكم بعدها علي الخلاف في أن الزكاة استحقاق جزء من العين أم لا وإن قلنا ليست استحقاق جزء من العين فهل الدين يمنع الزكاة أم لا فإذا مضت السنة الثانية فقد استقر ملكه علي خمسين أما الخمسة والعشرون الاولي فقد زكاها للسنة الاولى فان كان قد أخرج زكاتها من غيرها زكاها للسنة الثانية أيضا وإن كان قد أخرج من عينها زكى ما بقى منها (وأما) الخمسة والعشرون الثانية فقد وجب الزكاة في السنة الاولي في جميعها وعليه إخراجها الآن وأما زكاة السنة الثانية فان قلنا ليست استحقاق جزء وقلنا الدين لا يمنع الزكاة فكذلك يخرج الزكاة عن جميعها وإن قلنا أنها استحقاق جزء وقلنا ليست كذلك لكن الدين يمنع الزكاة ولم يملك شيئا آخر فلا يزكي للسنة الثانية عن جميعها بل عما سوى القدر الواجب في السنة الاولي لان ذلك القدر قد
[ ٥ / ٥١٥ ]
استحقه المساكين أو هو دين يمنع وجوب الزكاة في قدره ثم إذا مضت السنة الثالثة فقد استقر ملكه علي خمسة وعشرين أخرى أما الاولي والثانية فقد اخرج زكاتهما لما مضى على التفصيل المذكور فان اخرج من موضع آخر زكي جميعها للسنة الثالثة أيضا وإن أخرج منها زكي الباقي وأما هذه الثالثة فقد مضي عليها ثلاث سنين فان قلنا الزكاة ليست استحقاق جزء والدين لا يمنع الزكاة أخرج زكاة جميعها لثلاث سنين وإن قلنا انها استحقاق جزء وقلنا الدين يمنع الزكاة ولم يملك شيئا آخر فيخرج زكاة جميعها للسنة الاولى وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السنة الاولي للثانية وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السنتين الاوليين للثالثة وقس الرابعة علي هذا * ثم ههنا كلامان (أحدهما) للمسألة شريطة ذكرها إمام الحرمين وهى ان تكون أجرة السنتين متساوية ولابد منها لانها لو تفاوتت لزاد القدر المستقر في بعض السنين علي ربع المائة ونقص في بعضها لان الاجارة إذا انفسخت توزع الاجرة المسماة علي أجرة المثل في المدتين الماضية والمستقبلة (والثانى) لعلك تبحث فتقول: كلام المسألة فيما إذا كانت المائة في الذمة ثم نقدا أم فيما إذا كانت الاجارة بمائة معينة أم لا فرق (أما) كلام النقلة (فانه) يشمل الحالتين جميعا (وأما) التفصيل والنص عليهما فلم أر له
تعرضا الا في فتاوى القاضى حسين قال في الحالة الاولى: الظاهر أنه يجب زكاة كل المائة إذا حال الحول لان ملكه مستقر على ما أخذ حتي لو انهدمت الدار لا يلزمه رد المقبوض بل له رد مثله وفي الحالة الثانية قال: حكم الزكاة حكمها في المبيع قبل القبض لانه بفرض ان يعود الي المستأجر بانفساخ الاجارة وبالجملة فالصورة الثانية احق بالخلاف من الاولي وما ذكره القاضى اختيار للوجوب في الحالتين جميعا فاعلم ذلك.
وعد بعده الي لفظ الكتاب (اما قوله) نقدا (فهو) اشارة الي كونها حالة مقبوضة والاجرة عندنا تملك بنفس العقد معجلة ان اطلقا أو شرطا التعجيل ومؤجلة ان شرطا التأجيل فإذا كانت دينا حالا أو مؤجلا زاد ما سبق من الكلام في زكاة الدين (وقوله) وجبت عليه في السنة الاولي (فيه) المباحث التي تقدمت في ان الكلام في نفس الوجوب أو في وجوب الاخراج واللفظ الي الاحتمال الاول اقرب (وقوله) زكاة ربع المائة وكذا زكاة نصفها وزكاة نصفها وزكاة ثلاثة ارباعها (يجوز) ان يعلم بالميم لان الشيخ ابا محمد حكى فيما علق عنه عن مالك انه يجب في كل سنة زكاة جميع المائة كالقول الثاني (وقوله) في القول الثاني تجب في كل سنة (معلم) بالحاء لان مذهب أبي حنيفه ﵀ كالقول الاول وعبارة الكتاب في القولين جميعا محمولة علي ما إذا أخرج الواجب من غير المائة وهى الحالة التى ينزل عليها كلام الشافعي ﵁ في المختصر فان كان
[ ٥ / ٥١٦ ]
يخرج من عينها فقد ذكرنا حكمه * ثم نختم الفصل بفرعين (أحدهما) باع شيئا بنصاب من النقد مثلا وقبضه ولم يقبض المشترى المبيع حتي حال الحول هل يجب على البائع اخراج الزكاة يخرج علي القولين لان الثمن قبل قبض المبيع غير مستقر وخرجوا على القولين أيضا ما إذا أسلم نصابا في ثمرة أو غيرها وحال الحول قبل قبض المسلم فيه وقلنا إن تعذر المسلم فيه يوجب انفساخ العقد وان قلنا انه يوجب الخيار فعليه اخراج الزكاة (الثاني) أو ضي لانسان بنصاب ومات الموصى ومضى حول من يوم موته قبل القبول.
ان قلنا الملك في الوصية يحصل بالموت فعلى الموصى له الزكاة وان كان يرتد برده وان قلنا يحصل بالقبول فلا زكاة عليه ثم ان ابقيناه على ملك الميت فلا زكاة على أحد وان قلنا انه للوارث فهل عليه الزكاة فيه وجهان (أصحهما) لا وان قلنا أنه
موقوف فإذا قبل بان أنه ملك بالموت فهل عليه الزكاة روى في التهذيب فيه وجهين (أصحهما) لا لان ملكه لم يكن مستقرا عليه * قال (الركن الثالث فيمن تجب عليه وهو كل مسلم حر فتجب في مال الصبى (ح) والمجنون (ح) وفي مال الجنين تردد وتجب علي المرتد (م ح) ان قلنا ببقاء ملكه مؤاخذة له بالاسلام ولا زكاة على مكاتب ورقيق ولا على سيديهما في مالهما ومن ملك بنصفه الحر شيئا لزمته (م ح) لزكاة) * فقه الفصل صور (احداها) تجب الزكاة في مال الصبى والمجنون وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة ﵏ وسلم وجوب العشر وصدقة الفطر لنا ما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (من ولي يتيما فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال
[ ٥ / ٥١٧ ]
(ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) إذا تقرر ذلك فيجب علي الولي اخراجها من مالها فان لم يفعل أخرج الصبي بعد البلوغ والمجنون بعد الافاقة زكاة ما مضى وهل تجب في المال المنسوب إلي الجنين حكي إمام الحرمين فيه ترددا لوالده رحمهما الله قال والذى ذهب إليه الائمة أن الزكاة لا تجب فيه لان حياة الحمل غير موثوق بها وكذلك وجوده ونحن وإن قضينا بأن الحمل يعرف فالحكم يتعلق به عند انفصاله (والثانى) أنه تجب الزكاة إذا انفصل كما في مال الصبي والمجنون (الثانية) الكافر الاصلي غير ملزم باخراج الزكاة لا في الحال ولا بعد الاسلام وأما المرتد فلا يسقط عنه ما وجب في الاسلام فإذا حال الحول علي ماله في الردة فهل تجب فيه الزكاة يبني علي الخلاف في ملكه إن قلنا يزول ملكه بالردة (فلا) (وان قلنا) لا يزول (فنعم) مؤاخذة له بحكم الاسلام (وان قلنا) انه موقوف إلى أن يعود إلي الاسلام أو يهلك علي الردة فالزكاة أيضا على الوقف فان قلنا لا يزول ملكه وأوجبنا الزكاة فقد ذكر في التهذيب انه لو أخرج في حال الردة جاز كما لو أطعم عن الكفارة بخلاف الصوم لا يصح منه لانه عمل البدن فلا يصح إلا ممن يكتب له وروى في النهاية
[ ٥ / ٥١٨ ]
عن صاحب التقريب أنه لا يبعد أن يقال لا يخرجها ما دام مرتدا وكذا الزكاة الواجبة قبل الردة
لان الزكاة قربة مفتقرة إلى النية فعلي هذا ان عاد الي الاسلام أخرج الزكاة الواجبة في الردة وقبلها وان هلك علي الردة حصل اليأس عن الاداء وبقيت العقوبة في الآخرة قال الامام هذا خلاف ما قطع به الاصحاب لكن يحتمل أن يقال إذا أخرج في الردة ثم أسلم هل يعيد الزكاة فيه وجهان كالوجهين في الممتنع إذا ظفر الامام بماله وأخذ الزكاة منه هل يجزئه أم لا ولك ان تعلم قوله في الكتاب ان قلنا يبقي ملكه بالواو لان الحناطي ذكر انه يحكي عن ابن سريج أنه تجب الزكاة على الاقاويل كلها كالنفقات والغرامات (الثالثة) لا تجب الزكاة علي المكاتب لا العشر ولا غيره وبه قال مالك واحمد وقال أبو حنيفة يجب العشر في زرعه لنا ما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (لا زكاة في مال المكاتب) وأيضا فان ملكه ضعيف ألا ترى انه لا يرث ولا يورث عنه ولا يعتق عليه قريبه ثم إذا عتق وبقي المال في يده ابتدأ الحول من يوم العتق وان عجز وصار ما في يده للسيد ابتدأ الحول حينئذ (الرابعة) العبد القن لا يملك بغير تمليك السيد لا محالة وهل يملك بتمليك السيد فيه قولان مذكوران في الكتاب في موضعهما فان قلنا لا وهو المذهب فزكاة ما ملكه من الاموال الزكوية على السيد ولا حكم لذلك التمليك وان قلنا نعم فلا زكاة علي العبد كما لا زكاة علي المكاتب وبل اولي لان للسيد ان يسترده وينتزعه متى شاء وهل يجب علي السيد فيه وجهان (أصحهما) لا لان ملكه زائل (والثاني) نعم لان ثمرة الملك باقية فان للسيد أن يتصرف فيه كييف شاء وإذا اعتق العبد ارتد الملك إليه بخلاف ملك المكاتب إذا عتق حكي هذا الوجه أبو عبد الله الحناطي ونقله الامام عن شرح التلخيص وقد عرفت بما ذكرنا ان قوله ولا على سيديهما في مالهما تفريع علي أن العبد يملك بتمليك السيد إياه والا فليس للعبد مال وهو معلم بالواو لما روينا من الوجه الثاني والمدبر وأم الولد كالعبد القن (الخامسة) من بعضه حر وبعضه رقيق لو ملك بنصفه الحر نصابا فهل عليه زكاته فيه وجهان (أحدهما) لا لنقصانه بالرق كالعبد والمكاتب وهذا هو الذى ذكره في الشامل (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه تجب لان ملكه تام علي ما ملكه بالجزء الحر منه
[ ٥ / ٥١٩ ]
ولهذا قال الشافعي ﵁ أنه يكفر كفارة الحر الموسر وقال انه يلزمه زكاة الفطر بقدر
ما هو حر هذا تمام الصور وقد تبين بها أن المعتبر فيمن تجب عليه الحرية والاسلام علي ما ذكر أول الفصل لكن قوله وهو كل حر مسلم يقتضي أن لا تجب الزكاة علي من ملك بنصفه الحر لانه يقع علي من جميعه حر فأما من بعضه حر وبعضه رقيق يصدق عليه القول بأنه ليس بحر فلما وجبت الزكاة عليه علي ظاهر المذهب وهو الذى ذكره في الكتاب وجب تأويل اللفظ * قال (النظر الثاني للزكاة طرف الاداء وله ثلاثة أحوال (الاولي) الاداء في الوقت وهو واجب علي الفور (ح) عندنا ويتخير بين الصرف الي الامام أو إلي المساكين في الاموال الباطنة وأيهما اولى فيه وجهان والصرف الي الامام اولى في الاموال الظاهرة وهى يجب فيه قولان) * ذكر في اول الزكاة أن النظر في الوجوب والاداء وقد فرغ الآن من النظر الاول (وأما) الاداء (فله) ثلاث حالات لانه إما يتفق في الوقت أو قبله أو بعده (الحالة الاولى) الاداء في الوقت وهو واجب علي الفور بعد التمكن وقوله عندنا قصد به التعرض لمذهب أبى حنيفة ﵀ فيما رواه امام الحرمين وغيره انها واجبة علي التراخي ونقل صاحب الشامل وغيره اختلافا لاصحابه فيه فعن الكرخي انها علي الفور وعن أبي بكر الرازي انها علي التراخي * لنا أن الامر بايتاء الزكاة وارد وحاجة المستحقين ناجزة فيتحقق الوجوب في الحال * ثم أداء الزكاة يفتقر الي وظيفتين فعل الاداء يفرض على ثلاثة اوجه (احدهما) أن يباشره بنفسه وهو جائز في الاموال الباطنة لما روى عن عثمان ﵁ انه قال في المحرم (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله) والاموال الباطنة هي الذهب والفضة وعرض التجارة والركاز وزكاة الفطر ملحقة بهذا النوع وأما الاموال الظاهرة وهي المواشى والمعشرات والمعادن فهل يجوز أن يفرق زكاتها بنفسه فيه قولان (أصحهما) وهو الجديد نعم كزكاة الاموال الباطنة (والثاني) وهو القديم ومذهب أبي حنيفة ﵀ ويروى عن مالك أيضا انه لا يجوز بل يجب صرفها الي الامام لقوله تعالي (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولانه مال للامام المطالبة به فيجب دفعه إليه كالخراج هذا إذا كان الامام عادلا فان كان جائرا فوجهان (أحدهما) يجوز ولا يجب خوفا من أن لا يوصله
[ ٥ / ٥٢٠ ]
إلي المستحقين (وأصحهما) انه يجب لنفاذ حكمه وعدم انعزاله بالجور وعلي هذا القول لو فرق بنفسه لم يحسب وعليه أن يؤخر ما دام يرجو مجئ الساعي فإذا أيس فرق بنفسه (والثانى) أن يصرف إلى الامام وهو جائز فان نائب المستحقين (وكان النبي صلي الله عليه وسلم والخلفاء بعده يبعثون السعاة لاخذ الزكاة) (والثالث) أن يوكل بالصرل إلى الامام أو بالتفرقة علي المستحقين حيث يجوز له التفرقة بنفسه وهو جائز أيضا لانه حق مالي فيجوز التوكيل في أدائه كديون الآدميين (وأما) الافضل من هذه الطرق فلا خلاف في أن تفرقة الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل بها لانه على يقين من من فعل نفسه وفي شك من فعل الوكيل وبتقدير أن يجوز لا يسقط الفرض عن الموكل وله على الوكيل غرم ما أتلف وفي الافضل من الطريقين الاولين في الاموال الباطنة وجهان (أحدهما) وبه قال ابن سريج وأبو إسحق ان الصرف الي الامام أولى لانه أعرف بأهل السهمان واقدر علي التفرقة بينهم ولانه إذا فرق الامام كان علي يقين من سقوط الفرض بخلاف ما لو فرق بنفسه لجواز ان أن يسلم الي من ليس بصفة الاستحقاق وهو يظنه بصفة الاستحقاق (والثانى) أن الاولي أن يفرقها
_________________
(١) في بعض النسخ وبعث الوليدين عقبة إلى بني المصطلق ساعيا
[ ٥ / ٥٢١ ]
بنفسه لانه بفعل نفسه اوثق ولينال اجر التفريق وليخص به اقاربه وجيرانه وهذا الوجه هو المذكور في التهذيب والعدة ومن قال به تعلق بقوله في المختصر وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه ليكون علي يقين من أداءها عنه والاول هو الاظهر عند أكثر الائمة من العراقيين وغيرهم ولم يذكر الصيدلانى غيره وحملوا قول الشافعي ﵁ على انه أولى من التوكيل ومنهم من قال أراد به في الاموال الغير الظاهرة وأما في الاموال الظاهرة فالاولى الصرف الي الامام ليخرج عن شبهة الخلاف ومنهم من أطلق الخلاف من غير فرق بين الاموال الباطنة والظاهرة وهكذا فعل صاحب الكتاب في قسم الصدقات وعبر عن هذا الخلاف بالقولين علي خلاف المشهور ورأيت المحاملي صرح في القولين والوجهين بطرد الخلاف فليكن قوله والصرف الي الامام في الاموال
الظاهرة أولي معلما بالواو وحيث قلنا الصرف إلي الامام أولى فذلك إذا كان الامام عادلا فان كان جائرا فوجهان (أحدهما) انه كالعادل ويحكى ذلك عن صاحب الافصاح لما روى ان سعد ابن ابي وقاص وأبا هريرة وأبا سعيد ﵃ سئلوا عن الصرف الي الولاة الجائرين فأمروا به واصحهما وهو الذى ذكره في الكتاب في قسم الصدقات ان التفريق بنفسه اولي من الصرف إليه لظهور جوره وخيانته بل حكى الحناطي وجها انه لا يجوز الصرف إلي الجائر فضلا عن الافضلية * قال (وتجب نية الزكاة بالقلب (ح) فينوي الزكاة المفروضة فان لم يتعرض للفرض فوجهان ولا يلزم تعيين المال فان قال عن مالي الغائب وكان تالفا لم ينصرف الي الحاضر ولو قال عن الغائب فان كان تالفا فعن الحاضر أو هو صدقة جاز لانه مقتضي الاطلاق) * الوظيفة الثانية النية ولابد منها في الجملة لقوله صلي الله عليه وسلم (إنما الاعمال بالنيات) وهل المعتبر قصد القلب أم يكفى القول باللسان قال الشافعي رضى عنه في المختصر وإذا ولى الرجل زكاة ماله لم يجزه إلا بنية أنه فرض والنية هي القصد فقضية هذا اعتبار قصد القلب ونقل عن الام أنه سواء نوى أو تكلم بلسانه انه فرض يجزئه قال الاصحاب في المسألة وجهان وقال القفال وغيره قولان (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب انه لابد من قصد القلب وهذا ما خرجه ابن القاص واليه
[ ٥ / ٥٢٢ ]
ذهب صاحب التقريب (والثاني) انه يكفى القول باللسان وهو اختيار القفال فيما حكى الصيدلانى واحتج بأن اخراج الزكاة في حال الردة جائز ومعلوم أن المرتد ليس من أهل نية هي قربة فدل أن لفظه كاف وأيضا فان الزكاة تجرى فيها النيابة وان لم يكن النائب من أهلها فإذا جاز ان ينوب فيها شخص عن شخص جاز ان ينوب اللسان عن القلب ولا يلزم الحج فان النائب فيه لابد وأن يكون من أهل الحج ومن قال بالاول حمل كلامه في الام على انه لا فرق بين أن يقتصر علي قصد القلب وبين ان يجمع بين قصد القلب والتلفظ (وأما) فصل المرتد ففى أداءه الزكاة في حال الردة كلام تقدم وعلي التسليم فلا نسلم ان القصد غير معتبر في حق المرتد نعم لا يتصور منه قصد هو قربة لكن كما لا يتصور منه ذلك لا يتصور ايضا لفظ هو قربة وقد قيل للقفال لا يسقط الفرض
حتى يقول المرتد هذا عطاء فرض فقال كذا ينبغى ان يكون فإذا جاز اعتبار اللفظ وإن لم يكن قربة لم لا يجوز اعتبار القصد وان لم يكن قربة (وأما الوجه الثاني) فهو باطل بالوضوء فانه يجوز فيه إنابة الاهل وغير الاهل ومع ذلك يعتبر فيه قصد القلب وروى الشيخ ابو على طريقة أخرى عن بعضهم قاطعة باعتبار قصد القلب * وكيفية النية ان ينوى هذا فرض زكاة مالي أو فرض صدقة مالى أو زكاة مالي المفروضة أو الصدقة المفروضة ولا يكفي التعرض لفرض المال فان ذلك قد يكون كفارة ونذرا ولا يكفى التعرض للصدقة في اصح الوجهين فانها قد تكون نافلة ولو تعرض للزكاة دون صفة الفرضية فهل يجزئه فيه وجهان الذى ذكره الاكثرون انه يجئه لان الزكاة لا تكون الا مفروضة قال في النهاية وهما كالوجهين فيما إذا نوى صلاة الظهر ولم يتعرض للفرضية لكن صلاة الظهر قد تكون نافلة من الصبي وممن صلي منفردا ثم اعاد في جماعة ولا انقسام في الزكاة ولا يجب تعيين المال المزكي عنه فان غرض تنقيص المال ودفع حاجة المستحقين لا يختلف بل يزكي عن مواشيه ونقوده حتى يخرج تمام الواجب فلو ملك اربعمائة درهم مثلا مائتان حاضرتان ومائتان غائبتان فأخرج خمسين من غير تعيين جاز وكذا لو ملك اربعين من الغنم وخمسا من الابل فأخرج شاتين ولو أخرج خمسة مطلقا ثم بان له تلف احد المالين أو تلف أحدهما بعد الاخراج فله ان يحسب المخرج عن الزكاة الاخرى ولو عين مالا لم ينصرف إلي غير حتى لو اخرج الخمسة عن المال الغائب فبان تالفا لم يكن له صرفه إلي الحاضر ولو قال هذه عن مالي الغائب إن كان سالما فبان تالفا هل له الصرف إلى الحاضر حكى في العدة فيه وجهين قال والاصح انه لا يجوز ولو قال هذه عن مالى الغائب فان كان تالفا
[ ٥ / ٥٢٣ ]
فهي صدقة أو قال ان كان مالى الغائب سالما فهذه زكاته والا فهى صدقة جاز لان اخراج الزكاة عن الغائب هكذا يكون وان اقتصر علي قوله عن مالى الغائب حتى لو بان تالفا لا يجوز له الاسترداد الا إذا صرح فقال هذا عن مالي الغائب فان بان تالفا استرددته وليست هذه الصورة كما إذا اخرج خمسة وقال ان كان مورثي قد مات وورثت ماله فهذه زكاته فبان موته لا يحسب المخرج عن الزكاة لان الاصل بقاء المورث وعدم الارث وههنا الاصل سلامة المال فالتردد معتضد بهذا الاصل ونظير
هذه المسألة أن يقول في آخر شهر رمضان أصوم غدا عن رمضان ان كان من الشهر يصح ونظير مسألة الميراث أن يقول في أوله أنا صائم غدا عن رمضان ان كان من الشهر لا يصح ولو قال هذه عن مالي الغائب فان كان تالفا فعن الحاضر فالذي قاله معظم الائمة أن الغائب ان كان سالما يقع عنه والا فلا يقع بل يقع عن الحاضر لانه قد جزم بكونها زكاة ماله والتردد في انها عن أي المالين بحسب بقاء الغائب وتلفه لا يضر كالتردد بين الفرض والنفل في الصورة السابقة علي اختلاف التقديرين وهذا لان تعيين المال ليس بشرط فلا يقدح التردد فيه حتي لو قال هذه عن مالى الغائب أو الحاضر أجزأته وعليه خمسة أخرى ويخالف ما لو نوى الصلاة عن فرض الوقت ان دخل الوقت والا فعن الفائتة لا يجزئه لان التعيين شرط في العبادات البدنية وحكى في النهاية ترددا عن صاحب التقريب في وقوع المخرج عن الحاضر لان النية مترددة بالاضافة إليه ترددا غير معتضد بالاصل فانه إنما جعلها عن الحاضر بشرط تلف الغائب والاصل في الغائب البقاء والاستمرار وكان الوقوع عن الغائب علي خلاف الاصل ويخالف ما لو قال والا فهى نافلة لانه يحتاط في الفرض بمالا يحتاط به للنفل (وقوله) في الكتاب فان كان تالفا فعن الحاضر أو هو صدقة ليس المراد منه ان الناوى ردد هكذا لكنهما صورتان عطف احداهما علي الاخرى والمعني أو قال هو صدقة ولو ردد فقال عن الحاضر أو هو صدقة وكان الغائب تالفا لم يقع عن الحاضر كما قال الشافعي ﵁ لو قال ان كان مالي الغائب سالما فهذه زكاته أو نافلة وكان ماله سالما لم يجزه لانه لم يقصد بالنية قصد فرض خالص ونظيره أن يقول أصلي فرض الظهر أو نافلة وأصوم غدا عن رمضان أو نافلة فلا ينعقد (وقوله) جاز معلم بالواو لانه حكم بالجواز في الصورتين معا وفيما إذا قال فان كان تالفا فمن الحاضر الوجه المنقول عن صاحب التقريب (وقوله) لانه مقتضى الاطلاق يرجع الي الصورة الاخيرة وهى أن يقول فان كان تالفا فهو صدقة لان المفهوم من الاطلاق ههنا أن يقتصر علي قوله
[ ٥ / ٥٢٤ ]
هذا المال عن الغائب ولو اقتصر عليه وكان الغائب تالفا يكون المخرج صدقة علي ما سبق ولا يقع عن الحاضر فظهر أن الاجزاء عن الحاضر ليس مقتضى الاطلاق (فان قلت) في جواز نقل الصدقة
خلاف يأتي في موضعه فتجويز الاخراج عن المال الغائب في مسائل الفصل جواب علي قول الجواز أم كيف الحال (فالجواب) أن أبا القاسم الكرخي جعلها جوابا علي قول الجواز ويجوز أن تفرض الغيبة عن منزله وعدم وقوفه على بقاء المال وهلاكه فيصح تصوير هذه المسائل من غير النظر الي ذلك الخلاف وقد أشار إلي هذا في الشامل * قال (وينوى ولى الصبي والمجنون وهل ينوى السلطان إذا أخذ الزكاة من الممتنع إن قلنا لا تبرأ ذمة الممتنع فلا وإن قلنا تبرأ فوجهان) * كما أن صاحب المال قد يفرق الزكاة بنفسه فغيره قد ينوب عنه فيه فان فرق بنفسه فلابد من النية كما بيناه وإن ناب عنه غيره فذلك يفرض علي وجوه (منها) نيابة الولي عن الصبى والمجنون ويجب عليه أن ينوى لان المؤدى عنه ليس أهلا للنية كما ليس أهلا للقسم والتفريق فينوب عنه في النية كما ينوب عنه في القسم قال القاضي ابن كج: فلو دفع من غير نية لم يقع الموقع وعليه الضمان (ومنها) أن يتولى السلطان قسم زكاته وذلك إما أن يكون بدفعه الي السلطان طوعا أو يأخذ السلطان منه كرها فان دفع طوعا ونوى عند الدفع كفى وإن لم ينو السلطان لانه نائب المستحقين فالدفع إليه كالدفع إليهم وإن لم ينو صاحب المال ونوى السلطان أو لم ينوهوا ايضا ففيه وجهان (احدهما) وهو ظاهر كلامه في المختصر ولم يذكر كثير من العراقيين سواه انه يجزئ ووجهوه بانه لا يدفع إلى السلطان الا الفرض وهو لا يفرق علي اهل السهمان الا الفرض فأغنت هذه القرينة عن النية (والثانى) لا يجزى لان الامام نائب الفقراء ولو دفع إليهم بغير نية لم يجز فكذلك إذا دفع إلى نائبهم قال صاحب المهذب والتهذيب وجمهور المتأخرين: هذا اصح وهو اختيار القاضى ابى الطيب وحملوا كلام الشافعي ﵁ علي الممتنع يجزئه المأخوذ وان لم ينو لكن نقل عن نصه في الام انه قال يجزئه وان لم ينو طائعا كان أو كارها واما إذا امتنع عن اداء الزكاة فللسلطان اخذها منه كرها خلافا لابي حنيفة * لنا قوله تعالي جده (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولا يأخذ الا قد الزكاة على الجديد
[ ٥ / ٥٢٥ ]
لقوله صلي الله عليه وسلم (ليس في المال حق سوى الزكاة) وقال في القديم يأخذ مع الزكاة شطر
ماله لما روى انه ﷺ قال (في كل اربعين من الابل السائمة بنت لبون من اعطاها مؤتجرا بها فله أجرها ومن منعها فانا آخذوها وشطر ماله عزمة من عز مات ربنا ليس لآل محمد فيها شئ) إذا عرفت ذلك فان نوى الممتنع حالة الاخذ برئت ذمته ظاهرا وباطنا ولا حاجة الي نية الامام وان لم ينو فهل تبرأ ذمته نظر ان نوى الامام سقط عنه الفرض ظاهرا ولا يطالب به ثانيا وهل يسقط باطنا فيه وجهان (أحدهما) لا لانه لم ينو وهو متعبد بأن يتقرب بالزكاة وأظهرهما) أنه يسقط إقامة لنية الامام
[ ٥ / ٥٢٦ ]
مقام نيته كما ان قسمه قام مقام قسمه وكما أن نية الولى تقوم مقام نية الصبى وان لم ينو الامام أيضا لم يسقط الفرض في الباطن وكذا في الظاهر على أظهر الوجهين هذا الترتيب والتفصيل ذكره في التهذيب وإذا اقتصر خرج منه الوجهان المشهوران في أن الممتنع إذا أخذت منه الزكاة ولم ينو هل يسقط الفرض عنه باطنا: وبنى امام الحرمين وصاحبا الكتاب وجوب النية علي الامام علي هذين الوجهين ان قلنا لا تبرأ ذمة الممتنع باطنا فلا يجب وان قلنا تبرأ فوجهان (أحدهما) لا كيلا يتهاون المالك فيما هو متعبد به (والثانى) نعم لان الامام فيما يليه من أمر الزكاة كولي الطفل والممتنع مقهور كالطفل وظاهر المذهب أنه يجب عليه أن ينوي ولو لم ينو عصي وأن نيته تقام مقام نية المالك وهذا لفظ القفال في شرح التلخيص (ومنها) أن يوكل وكيلا بتفريق الزكاة وان نوى الموكل عند الدفع الي الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع الي المساكين فهو أولي وان لم ينو واحد منهما أو لم ينو الموكل لم يجز كما لو دفع الي المساكين بنفسه ولم ينو ان نوى الموكل عند الدفع ولم ينو الوكيل فيه طريقان (أحدهما) القطع بالجواز كما لو دفع الي الامام ونوى (وأظهرهما) أنه يبني علي أنه لو فرق بنفسه هل يجزئه تقديم النية علي التفرقة فيه وجهان (أحدهما) لا كما في الصلاة (وأظهرهما) وبه قال أصحاب أبي حنيفة ﵀ نعم كما في الصوم للعسر ولان المقصود الاظهر من الزكاة اخراجها وسد خلات المستحقين بها ولذلك جازت النيابة فيه مع القدرة علي المباشرة وعلي هذا تكفي نية الموكل عند الدفع الي الوكيل وعلى الاول لابد من نية الوكيل عند الدفع الي المساكين أيضا ولو وكل وكيلا وفوض النية إليه أيضا جاز كذا ذكره في النهاية والوسيط *
(فرع) لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم تسقط عنه الزكاة وعن أصحاب أبي حنيفة ﵀ أنها تسقط *
[ ٥ / ٥٢٧ ]
قال (ويستحب للساعي ان يعلم في السنة شهر الاخذ الزكاة وأن يرد المواشي الي مضيق قريب من المرعي ليسهل عليه الاخذ والعد) * كان النبي صلي الله عيه وسلم والخلفاء بعده يبعثون السعاة لاخذ الزكاة والمعني فيه ان كثيرا من الناس لا يعرفون الواجب والواجب فيه ومن يصرف إليه فبعثوا ليأخذوا من حيث تجب ويضعوا حيث يجب والاموال نوعان (أحدهما) ما لا يعتبر فيه الحول كالثمار والزروع فتبعث السعاة لوقت وجوبها وهو ادراك الثمار واشتداد الحبوب وذلك لا يختلف في الناحية الواحدة كثير اختلاف (والثاني) ما يعتبر فيه الحول وهو موضع كلام الكتاب فأحوال الناس تختلف ولا يمكن بعث ساع الي كل واحد عند تمام حوله فيعين شهرا يأتيهم الساعي فيه واستحب الشافعي ﵁ ان يكون ذلك الشهر المحرم صيفا كان أو شتاء فانه أول السنة الشرعية وليخرج قبل المحرم ليوافيهم أول المحرم ثم إذا جاءهم فمن تم حوله أخذ زكاته ومن لم يتم حوله فيستحب له أن يعجل فان لم يفعل استخلف عليه من يأخذ زكاته وإن شاء أخر إلى مجيئه من قابل وان وثق به فوض التفريق إليه وأن ياخذ زكاة المواشي إن كانت ترد الماء أخذها على مياههم ولا يكلفهم ردها الي البلد ولا يلزمه أن يتبع المراعى وبهذا فسر قوله ﷺ (لا جلب لا جنب) أي لا يكلفون أن يجلبوها الي البلد وليس لهم أن يجنبوها الساعي فيشقوا عليه فان كان لرب المال ماء ان أمره بجمعها عند أحدهما وان اجتزأت الماشية بالكلا في وقت الربيع ولم ترد الماء أخذ الزكاة في بيوت أهلها وأفنيتهم هذا لفظ الشافعي ﵁ وقضيته تجويز تكليفهم الرد إلى الافنية وقد صرح به المحاملي وغيره وأذا أراد معرفة عددها فان أخبره المالك وكان ثقة قبل قوله وإلا أحصاها والاولى أن تجمع في حظيرة ونحوها وينصب علي ألباب خشبة معترضة وتساق لتخرج واحدة بعد واحدة ويثبت كل شاة إذا بلغت المضيق ويقف رب المال أو نائبه من جانب والساعى أو نائبه من جانب وبيد
كل واحد منهما قضيب يشيران به إلى كل شاة أو يصيبان ظهرها به فذلك أبعد عن الغلط وإن اختلفا بعد الاحصاء وكان الواجب يختلف أعاد العد (وقوله) قريب من المرعي فيه إشارة إلي انه لا يكلفهم الرد من المرعي إلي البلدة والقرية بل يأمر بجمعها في مضيق قريب من المرعى فان عسر الحضور ثم فقد ذكرنا أنه يأمر بالرد إلى الافنية * (والثاني) ما يعتبر فيه الحول وهو موضع كلام الكتاب فأحوال الناس تختلف ولا يمكن بعث ساع الي كل واحد عند تمام حوله فيعين شهرا يأتيهم الساعي فيه واستحب الشافعي ﵁ ان يكون ذلك الشهر المحرم صيفا كان أو شتاء فانه أول السنة الشرعية وليخرج قبل المحرم ليوافيهم أول المحرم ثم إذا جاءهم فمن تم حوله أخذ زكاته ومن لم يتم حوله فيستحب له أن يعجل فان لم يفعل استخلف عليه من يأخذ زكاته وإن شاء أخر إلى مجيئه من قابل وان وثق به فوض التفريق إليه وأن ياخذ زكاة المواشي إن كانت ترد الماء أخذها على مياههم ولا يكلفهم ردها الي البلد ولا يلزمه أن يتبع المراعى وبهذا فسر قوله ﷺ (لا جلب لا جنب) أي لا يكلفون أن يجلبوها الي البلد وليس لهم أن يجنبوها الساعي فيشقوا عليه فان كان لرب المال ماء ان أمره بجمعها عند أحدهما وان اجتزأت الماشية بالكلا في وقت الربيع ولم ترد الماء أخذ الزكاة في بيوت أهلها وأفنيتهم هذا لفظ الشافعي ﵁ وقضيته تجويز تكليفهم الرد إلى الافنية وقد صرح به المحاملي وغيره وأذا أراد معرفة عددها فان أخبره المالك وكان ثقة قبل قوله وإلا أحصاها والاولى أن تجمع في حظيرة ونحوها وينصب علي ألباب خشبة معترضة وتساق لتخرج واحدة بعد واحدة ويثبت كل شاة إذا بلغت المضيق ويقف رب المال أو نائبه من جانب والساعى أو نائبه من جانب وبيد كل واحد منهما قضيب يشيران به إلى كل شاة أو يصيبان ظهرها به فذلك أبعد عن الغلط وإن اختلفا بعد الاحصاء وكان الواجب يختلف أعاد العد (وقوله) قريب من المرعي فيه إشارة إلي انه لا يكلفهم الرد من المرعي إلي البلدة والقرية بل يأمر بجمعها في مضيق قريب من المرعى فان عسر الحضور ثم فقد ذكرنا أنه يأمر بالرد إلى الافنية *
[ ٥ / ٥٢٨ ]
قال (ويستحب أن يقول للمؤدى آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت
ولا يقول صلي الله عليك وإن قاله ﵇ لآل أبي أو في لانه مخصوص به فله أن ينعم به على غيره وكما لا يقال محمد عزوجل وإن ان عزيزا جليلا فلا يحسن أن يقال أبو بكر ﷺ وإن كان يدخل تحت آله تبعا) * قال الله تعالى (وصل عليهم) أي ادع لهم فيستحب للساعي أن يدعو لرب المال ترغيبا له في الخير وتطييا لقلبه ولا يتعين شئ من الادعية واستحب الشافعي ﵁ أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت وهو لائق بالحال.
وحكي الحناطي وجها أنه يجب عليه الدعاء وله تمسك من لفظ الشافعي ﵁ فانه محق على الوالى أن يدعو له وكما يستحب للساعي يستحب للمساكين أيضا إذا فرق رب المال عليهم وقد روى عن عبد الله بن أبي أو في ﵁ قال كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال (اللهم صلى علي آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صلى علي آل أبى أوفى) قال الائمة: هذا وإن ذكره النبي صلي الله عليه وسلم لا يقوله غيره لان الصلاة قد صارت مخصوصة في لسان السلف بالا نبياء عليهم
[ ٥ / ٥٢٩ ]
الصلاة والسلام كما أن قولنا عزوجل صار مخصوصا بالله تعلى جده وكما لا يقال محد عزوجل وإن كان عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر وعلي صلوات الله عليهما وإن صح المعنى وهل يكره ذلك أم هو مجرد ترك أدبب أطلق القاضي حسين لفظ الكراهة وكذا فعل المصنف في الوسيط ووجهه إمام الحرمين بان قال المكروه يتميز عن ترك الاولى بن يفرض فيه نهي مقصود فقد ثبت نهى مقصود عن التشبه باهل البدع وإظهار شعارهم والصلاة علي غير الانبياء مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض وظاهركم الصيدلاني أنه في حكم ترك الادب والاولي وبه يشعر قوله في الكتاب فلا يحسن أن يقال أبو بكر صلوات الله عليه وصرح بنفي الكراهة في العدة وقال أيضا الصلاة بمعنى الدعاء تجوز ععلى كل أحد أما بمعني التعظيم والتكريم يختص به الانبياء ﵈ والمشهور ما سبق ويجوز أن يجعل غير الانبياء تبعا لهم في الصلاة فيقال اللهم صلي علي محمد وعلي آله واصحابه وأزواجه وأتباعه لان ذلك لم يمتنع منه السلف وقد أمرنا به في التشهد وغيره ققال الشيخ أبو محمد
والسلام في معني الصلاة وقد قرن الله تعالي بينهما فقال (صلوا عليه وسلموا تسليما) فلا يفرد به غائب غير الانبياء ولا بأس به في معرض المخاطبة فيقال للاحياء والاموات من المؤمنين السلام عليكم.
إذا تقرر ذلك فالصلاة لما كانت حقا للنبى ﷺ كان له أن ينعم بها علي غيره وغيره لا يتصرف فيما هو حقه كما أن صاحب المنزل يجلس غيره علي تكرمته وغيره لا يفعل ذلك (وقوله) وان كان يدخل تحت آله تبعا انما يستمر علي قولنا ان كل مسلم من آل النبي صلي الله عليه وسلم لكن الظاهر المنقول عن نص الشافعي ﵁ أن آله بنو هاشم وبنو المطلب فعلي هذا لا يدخل ابو بكر ﵁ تحت الآل وانما يدخل تحت الاصحاب وقد ذكرنا هذا الخلاف في موضعه * قال (القسم الثاني في التعجيل والنظر في أمور ثلاثة الاول في وقته ويجوز تعجيل الزكاة (ح م) قبل تمام الحول ولا يجوز قبل تمام النصاب ولا قبل السوم وفي تعجيل صدقة عامين وجهان ولو ملك مائة وعشرين شاة فعجل شاتين ثم حدثث سخلة ففى أجزاء الثانية وجهان (أحدهما) وهو الاصح اجزاءه) * التعجيل جائز في الجملة وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روى عن علي ﵁ أن العباس ﵁ سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له.
إذا عرفت ذلك فالحجة تمس الي معرفة
[ ٥ / ٥٣٠ ]
أن التعجيل بأية مدة يجوز وانه إذا عجل في الوقت يجزئه علي الاطلاق أوله شرائط وانه إذا لم يقع مجزئا هل للمعجل أن يرجع فيما دفع فلذلك قال: والنظر في ثلاثة أمور (أحدها) في التعجيل والاموال الزكوية ضربان (أحدهما) مال تجب فيه الزكاة بالحول والنصاب فيجوز تعجيل زكاته قبل الحول خلافا لمالك حيث قال لا يجوز قال المسعودي: الا أن يقرب وقت الوجوب بأن لم يبق من الحول الا يوم أو يومان * لنا ما سبق من الخبر وأيضا فان الزكاة حق مالي أجل رفقا فجاز تعجيله قبل محله كالدين المؤجل وككفارة اليمين قبل الحنث فان مالكا سلم جواز التعجيل في الكفارة ولا يجوز التعجيل قبل تمام النصاب كماذا ملك مائة درهم فعجل منها خمسة دراهم أو ملك تسعا وثلاثين شاة فعجل شاة ليكون المعجل عن زكاته إذ اتم النصاب وحال الحول عليه وذلك لان الحق المالي إذا تعلق بشيئين ووجد أحداهما يجوز تقديمه علي الآخر لكن لا يجوز تقديمه عليهما جميعا ألا ترى أنه يجوز
تقديم الكفارة علي الحنث إذا كان قد حلف ولا يجوز تقديمها علي الحنث واليمين جميعا وهذا في الزكاة العينية أما إذا اشترى عرضا للتجارة يساوى مائة درهم فعجل زكاة مائتين وحال الحول وهو يساوى مائتين جاز المعجل عن الزكاة على ظاهر المذهب وان لم يكن يوم التعجيل نصابا لان الحول منعقد والاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول ولو ملك أربعين من الغنم المعلوفة وعجل شاة علي عزم أن يسيمها حولا لم يقع عن الزكاة إذا أسامها لان المعلوفة ليست مال الزكاة كالناقص عن النصاب وانما تعجل الزكاة بعد انعقاد الحول ولو عجل صدقة عامين فصاعدا فهل يجزئ المخرج عما عدا السنة الاولى فيه وجهان (أحدهما) نعم لما روى أنه صلي لله عليه وسلم قال (تسلفت من العباس صدقة عامين) وبهذا قال
[ ٥ / ٥٣١ ]
أبو إسحق (والثانى) لا لان زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز كالتعجيل قبل كمال النصاب.
والوجه الاول أصح عند صاحب الكتاب ذكره في الوسيط وكذا قاله الشيخ أبو حامد وصاحب الشامل: والا كثرون على ترجيح الوجه الثاني ومنهم معظم العراقيين وصاحب التهذيب وحملوا الحديث على أنه تسلفها بدفعتين فان جوزنا فذلك ان بقى عنده بعد التعجيل نصاب كامل كما إذا ملك ثنتين وأربعين شاة فعجل منها شاتين فاما إذا لم يبق عنده بعد التعجيل نصاب كامل كما إذا ملك أربعين أو احدي وأربعين فعجل شاتين فوجهان (أحدهما) الجواز كما لو عجل عن أربعين صدقة عام فانه يجوز (وأصحهما) المنع لان التعجيل على النصاب لا يجوز وفي تعجيل شاتين ما يوجب نقصان النصاب في جميع السنة الثانية وذكر أبو الفضل بن عبد ان تفريعا علي جواز تعجيل صدقة عامين أنه هل يجوز أن ينوى تقديم زكاة السنة الثانية علي الاولي فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية علي الاولي في الجمع ولو ملك نصابا فعجل زكاة نصابين نظر ان كان ذلك في زكاة التجارة كما لو اشترى عرضا بنية التجارة بمائتي درهم وأخرج زكاة اربعمائة فحال الحول والعرض يساوى اربعمائة اجزأه ما اخرج لان الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول وإن كان في زكاة العين فان اخرج علي توقع حصول نصاب آخر بسبب مستقبل كما لو ملك مائتي درهم فأخرج زكاة اربعمائة علي توقع الكتساب مائتين واكتسب مائتين لم يجزئه ما اخرجه عن المائتين الحادثتين
وبه قال احمد خلافا لا بي حنيفة بناء علي ان المستفاد في اثناء الحول مضموم إلي ما عنده في الحول فكأنه موجود وقت الاخراج وإن اخرج علي رجاء حصول نصاب آخر أو كمال نصاب آخر من عين ما عنده فصدق رجاؤه كما إذا ملك مائة وعشرين شاة فعجل شاتين ثم حدثت سخلة أو ملك خمسا من الابل فعجل شاتين تم بلغت بالتوالد عشرا فهل يجزئه ما اخرج عن النصاب الذى كمل الآن فيه وجهان (أصحهما) عند حجة الاسلام وصاحب التتمة الاجزاء لان النتاج الحاصل في اثناء الحول بمثابة الموجود في اوله وهذا قياس المحكى عن ابى حنيفة ﵀ في الصورة السابقة (والثاني) وهو الاصح عند العراقيين وصاحب التهذيب المنع لانه تقديم زكاة العين علي النصاب فأشبه ما لو اخرج زكاة اربعمائة درهم وهو لا يملك إلا مائتين ورتب امام الحرمين هذين الوجهين علي الوجهين في جواز تقديم صدقة عامين إن جوزنا ذاك فالتقديم للنصاب الثاني اولي وان منعنا ذاك فههنا وجهان والفرق
[ ٥ / ٥٣٢ ]
ان النتاج الحاصل في وسط الحول لا يحتاج الي حول جديد وكان حول المال الذى واجبه شاة منعقد علي ما واجبه شاتان ولا كذلك زكاة السنة الثانية فان حولها لم يدخل بحال وطرد ابن عبدان الوجهين المذكورين في هذه الصورة في الصورة الاولى أيضا وهي ما إذا اشترى عرضا بمائتين واخرج زكاة اربعمائة فحال الحول وقيمته اربعمائة ولو عجل شاة عن اربعين فولدت اربعين وهلكت الامهات هل يجزئه ما اخرج عن السخال نقل في التهذيب فيه وجهين ولك ان تعلم قوله في الكتاب ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول بالواو مع الميم المشيرة الي مذهب مالك لان الموفق بن طاهر حكى عن ابي عبيد بن خرنومه من اصحابنا منع التعجيل كما يحكي عن مالك * قال (واما زكاة الفطر فتعجل في اول رمضان وزكاة الرطب والعنب لا تعجل قبل الجفاف وقيل تعجل بعد بدو الصلاح وقيل تعجل بعد بدو الطلع واما الزرع فوجوب زكاته بالفرك والتنقية ويجوز عند الادراك وبعد الادراك وان لم يفرك وقيل يجوز بعد ظهور الحب وان لم يشتد) * الضرب الثاني ما لا يتعلق وجوب الزكاة فيه بالحول كالثمار والزروع ولنتكلم في زكاة الفطر أولا
(اما) انها تجب فسيأتي في موضعه واما تعجيلها فيجوز بعد دخول شهر رمضان لان ابن عمر ﵄ كان يبعث صدقة الفطر الي الذى يجمع عنده قبل الفطر بيومين واحتج له أيضا بان وجوبها بشيئين برمضان والفطر منه وقد وجد أحدهما وهو حصول رمضان هذا ما قاله جمهور الاصحاب وذكر ابو سعيد المتولي ان زمان جواز تعجيلها من أول اليوم الاول من رمضان لا من أول رمضان لان زكاة الفطر وجبت بالفطر عن رمضان والصوم هو سبب الفطر فلا تعجل زكاة الفطر قبل سبب الفطر (وقوله) في الكتاب فتعجل من أول رمضان يجوز أن يعلم بالواو لما حكينا عن التتمة ولانه لابتداء الغاية وفي جواز تعجيلها علي دخول رمضان وجهان كالوجهين في تعجيل صدقة عامين والاصح المنع كما هو قضية لفظه ويجوز ان يعلم بالحاء أيضا لان عن أبي حنيفة أنه يجوز تقديمها علي رمضان من غير ضبط وبالالف لان عن احمد أنه لا تعجل من أول رمضان انما تعجل قبل الفطر بيوم أو يومين (واما) الثمار والزروع (فاعلم) أن زكاة الثمار تجب ببدو الصلاح وزكاة الزروع تجب باشتداد الحب على ما سيأتي وليس المراد منه وجوب الاداء بل المراد ان حق المساكين يثبت في هاتين الحالتين ثم الاخراج يلزم بعد الجفاف وتنقية الحبوب.
إذا عرفت ذلك فالاخراج بعد ما صار الرطب تمرا والعنب زبيبا ليس بتعجيل بل هو لازم حينئذ ولا خلاف انه لا يجوز التقديم علي بد والصلاح وخروج
[ ٥ / ٥٣٣ ]
الثمرة كما لا يجوز التعجيل في الضرب الاول على كمال النصاب ووراء ذلك للثمار حالتان (احداهما) ما بعد الطلع وخروج الثمرة وقبل بدو الصلاح فيه وجهان (اظهرهما) عند اكثر العراقيين وتابعهم في التهذيب انه لا يجوز الاخراج ووجهوه بشيئين (أحدهما) أنه لا يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقا ولا خرصا وتخمينا فصار كما لو قدم الزكاة علي الصناب (والثاني) ان هذه الزكاة تجب بسبب واحد وهو ادراك الثمار فيمتنع التقديم عليه (والوجه الثاني) أنه يحوز كزكاة المواشى قبل الحول وحكي الحناطى هذا الوجه عن ابن سريج ويشهر بابن أبي هريرة والاول بابى اسحق وذكر القاضي ابن كج ان أبا اسحق أجاب بالوجهين في دفعتين ولمن قال بالثاني ان يقول: أما التوجيه الاول فالكلام فيما إذا عرف حصول قدر النصاب وان لم يعرف جملة الحاصل فبعد ذلك ان
خرج زائدا على ما ظنه فيزكى الزيادة وإن خرج ناقصا فبعض المخرج تطوع فلم يمتنع الاخراج (وأما) الثاني (فلا) نسلم ان لهذه الزكاة سببا واحدا بل لها سببان ايضا ظهور الثمرة وادراكها والادراك بمثابة حولان الحول (الحالة الثانية) ما بعد بدو الصلاح وقبل الجفاف وقد حكي امام الحرمين في هذه ايضا وجهين (أحدهما) المنع لعدم العلم بالقدر (واصحهما) ولم يذكر الجمهور سواه الجواز كما يجوز إخراج الزكاة في الضرب الاول بعد النصاب وقبل الحول بل اولي إذ لا وجوب ثم بعد وههنا يبدو الصلاح قد ثبت الوجوب وان لم يلزم الاخراج وإذا تركت هذا التفصيل واختصرت؟ فالحاصل ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب (أحدها) أن زكاة الثمار لا تعجل قبل الجفاف (والثانى) أنها تعجل بعد بدو الصلاح (والثالث) أنها تعجل بعد بدو الطلع وبه قال أحمد وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الاول وقد صرح به في الوسيط لكن الظاهر عند المعظم هو الثاني بل نفى أبو الحسين بن القطان أن يكون فيه خلاف وكذا نقل صاحب العدة فهذا هو الكلام في زكاة الثمار ويقاس بها زكاة الزروع فالاخراج بعد الفرك والتنقية لازم وليس بتعجيل ولا يجوز الاخراج قبل نبات الزرع ورأيت في بعض كتب اصحاب أحمد أن أبا حنيفة يجوزه بعد طرح البذر في الارض ثم وراء ذلك حالتان (إحداهما) ما بعد التسنبل وانعقاد الحبوب وقبل اشتدادها ففيه وجهان علي ما سبق والمنع ههنا أولي لان الحبوب غير موجودة والزرع بقل والثمار موجودة وإن لم يبد فيها الصلاح (والثانية) ما بعد الاشتداد والادراك وقبل الفرك والتنقية فالصحيح جواز الا خراج وعن الشيخ أبى محمد أنه لا يجوز الاخراج ما لم ينق لان قدر المال إنما يعرف بالتنقية (وقوله) في الكتاب لا يعجل ينبغى أن يعلم بالالف لما ذكرنا (وقوله) وأما الزرع فوجوب زكاته بالفرك (أي) وجوب الاخراج والا فالحق
[ ٥ / ٥٣٤ ]
يثبت عند الاشتداد (وقوله) ويجوز عند الادراك وكذا قوله يجوز بعد ظهور الحب لا بأس باعلامهما بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يجوز الاخراج قبل التنقية.
ثم عد الائمة في هذا الباب ما يقدم علي وقت الوجوب من الحقوق المالية وما لا يقدم (فمنها) كفارة اليمين والظهار والقتل وجزاء الصيد وسيأتي ذكرها في موضها إن شاء الله تعالي (ومنها) لا يجوز للشيخ الهرم والحامل والمرضع تقديم الفدية علي
رمضان (ومنها) لا يجوز تقديم الاضحية علي يوم النحر (ومنها) كفارة الوقاع في رمضان حكى الحناطي في جواز تقديمها علي الوقاع وجهين (والاصح) المنع (ومنها) إذا قال إذا شفى الله مريضي فلله على أن أعتق رقبة فأعتق قبل الشفاء قال ابن عبدان لا يجزئ في أصح الوجهين ومما ذكره وهو من شرط الباب زكاة المعدن والركاز قال لا يجوز تقديمهما علي الحصول * قال (الثاني ففى الطورئ المانعة من الاجزاء وهو فوات شرط الوجوب وذلك في القابض أن يرتد أو يموت أو يستغنى بحال آخر فان عرضت بعض هذه الحالات وزالت قبل الحول فوجهان أو في المالك بان يرتد أو يموت أو يتلف ماله فيتبين بجميع ذلك ان المعجل لم يقع عن الزكاة أما المال لو تلف في يد المسكين أو في يد الامام وقد قبض بسؤال المسكين فلا بأس وان قبض بسؤال المالك فهو من ضمان المالك وان اجتمع سؤال المالك والمسكين فأى الجانبين يرجح فيه وجهان وحاجة أطفال المساكين كسؤالهم وحاجة البالغين هل تنزل منزلة سؤالهم فيه وجهان.
) * يشترط في كون المعجل مجزئا أن يبقى القابض بصفة الاستحقاق إلى آخر الحول فلو ارتد قبل الحول أو مات لم يحسب المعجل عن الزكاة وان استغني نظر ان استغنى بالمدفوع إليه أو به وبمال آخر لم يضر فان الزكاة انما تصرف إليه ليستغني فلا يصير ما هو المقصود مانعا من الاجزاء وان استغني بمال خر لم يحسب المعجل عن الزكاة لخروجه عن أهلية أخذ الزكاة عند الوجوب وان عرض شئ من الحالات المانعة ثم زال وكان بصفة الاستحقاق عند تمام الحول ففيه وجهان (أحدهما) انه يجزئ المعجل كما لو لم يكن عد الاخذ من أهل ثم صار عند تمام الحول من أهله (وأصحهما) انه يجزئ اكتفاء بالاهلية في طرفي الاداء والوجوب.
هذا ما يشترط في القابض ويشترط في المالك بقاءه بصفة وجوب الزكاة عليه إلي آخر الحول فلو ارتد وقلنا الردة تمنع وجوب الزكاة أو مات أو تلف جميع ماله أو باعه ونقص عن انصاب لم يكن المعجل زكاة وهل يحسب في صورة الموت عن زكاة الوارث.
نقل عن نصه في الام ان المعجل يقع عن الوارث وقد سبق ذكر قولين في ان
[ ٥ / ٥٣٥ ]
الوارث هل يبني علي حول المورث ام لا فقال الاصحاب هذا الذى ذكره في الام يستمر جوابا علي القول القديم وهو انه يبنى لان الوارث علي هذا القول يبني علي حكم ذلك النصاب والحول فيجزئه ما عجله المورث كما كان يجزئ المورث لو بقى.
وعلى هذا لو تعدد الورثة ثبت حكم الخلطة بينهم ان كان المال ماشية أو غير ماشية وقلنا بثبوت الخلطة في غير الماشية وان قلنا لا تثبت ونقص نصيب كل واحد عن النصاب أو اقتسموا المال ماشية كانت أو غيرها ونقص نصيب كل واحد عن النصاب فينقطع الحول ولا تجب الزكاة علي المشهور وعن صاحب التقريب وجه آخر انهم يجعلون كالشخص الواحد وكأنهم عين المتوفى فيستدام حكمه في حقهم (فأما) إذا فرعنا علي الجديد الصحيح وهو ان الوارث لا يبنى علي حول المورث (فلا) يجزئ المعجل عن الوارث لانه مالك جديد وذلك المعجل مقدم علي النصاب والحول في حقه هذا هو الاظهر ومنهم من قال يجزئه المعجل كما ذكر في الام وهو جواب علي احد الوجهين في تعجيل صدقة عامين فتعجل السنة المستأنفة في حق الوارث كالسنة الثانية في حق المعجل إذا عرفت ذلك فنقول: الامام إذا اخذ من المالك قبل ان يتم حوله مالا للسماكين فلا يخلو إما ان يأخذه بحكم القرض أو ليحسبه عن زكاته عند تمام الحول (الحالة الاولي) ان يأخذ بحكم القرض فينظر ان استقرض بسؤال المساكين فضمانه عليهم سواء تلف في يده أو سلمه إليهم كما لو استقرض الرجل مالا لغيره باذنه وهل يكون الامام طريقا في الضمان حتي يؤخذ منه ويرجع علي المساكين ام لا ان علم المأخوذ منه انه يستقرض للمساكين باذنهم فلا يكون طريقا علي اظهر الوجهين بل يرجع عليهم (والثاني) انه يكون طريقا كالوكيل بالشراء يكون مطالبا علي ظاهر المذهب وإن ظن المأخوذ منه ان يستقرض لنفسه أو للمساكين من غير سؤالهم فله ان يرجع علي الامام والامام يقضيه من مال الصدقة أو يجعله محسوبا عن زكاة المقرض.
ولو أقرضه المالك للمساكين ابتداء من غير سؤالهم فتلف في يد الامام فلا ضمان علي احد (اما) علي المساكين فظاهر (واما) على الامام فلانه وكيل المالك كما لو دفع الرجل مالا إلى غيره ليقرضه من ثالث فهلك عنده لا ضمان عليه.
(ولو استقرض الامام بسؤال المقرض والمساكين جميعا فهلك عنده فهو من ضمان المالك أو المساكين فيه وجهان علي ما سنذكر في الحالة الثانية ولو استقرض
لا بسؤال المالك ولا بسؤال المساكين فينظر ان استقرض ولا حاجة بهم الي القرض فالقرض يقع للامام وعليه ضمانه من خالص ماله سواء اتلف في يده أو دفعه الي المساكين ثم إن دفع إليهم متبرعا فلا رجوع وان اقرضهم فقد اقرضهم من مال نفسه وان استقرض لهم وبهم حاجة
[ ٥ / ٥٣٦ ]
فان هلك في يده فوجهان (احدهما) وبه قال أبو حنيفة واحمد رحمهما الله انه من ضمان المساكين يقضيه الامام من مال الصدقة كولي اليتيم إذا استقرض لحاجته فهلك في يده يكون الضمان في مال الصبى (واصحهما) ان عليه الضمان من خالص ماله لان المساكين غير معينين وفيهم أو اكثرهم اهل رشد لا ولاية عليهم لاحد الا ترى انه لا يجوز منع الصدقة عنهم من غير عذر ولا التصرف في مالهم بالتجارة وانما يجوز الاستقراض لهم بشرط سلامة العاقبة بخلاف اليتيم وان دفع المستقرض إليهم فالضمان عليهم والامام طريق فيه فإذا أخذ الزكاة والمدفوع إليه بصفة الاستحقاق فله أن يقضيه من الزكاة وله أن يحسبه عن صدقة المقرض وان لم يكن المدفوع إليه بصفة الاستحقاق عند تمام حول الزكاة المأخوذة لم يجز قضاءه منها بل يقضي من مال نفسه ثم يرجع علي المدفوع إليه الا إن وجد له مالا.
(الحالة الثانية) أن يأخذ المال ليحسبه عن زكاة المأخوذ مه عند تمام حوله وفيها أربع مسائل كما في القرض (الاولي) أن يستلف بسؤال المساكين فان دفع إليهم قبل الحول وتم الحول وهم بصفة الاستحقاق والمالك بصفة الوجوب وقع الموقع وان خرجوا عن الاستحقاق فعليهم الضمان وعلي رب المال اخراج الزكاة ثانيا.
وان تلف في يده قبل تمام الحول من غير تفريط فينظر ان خرج المالك عن أن تجب عليه الزكاة فله الضمان على المساكين وهل يكون الامام طريقا فيه وجهان علي ما ذكرناه في الاستقراض وان لم يخرج عن أن تجب عليه الزكاة فهل يقع المخرج عن زكاته فيه وجهان (أظهرهما) نعم وهو المذكور في الشامل والتتمة لان الامام نائب المساكين فصار كما لو أخذوه وتلف في يدهم (والثاني) لا لا لانه لم يصل إلى المستحقين وعلي هذا له أخذ الضمان من المساكين وفي أخذه من الامام الوجهان فان لم يكن للمساكين مال صرف الامام إذا اجتمعت الزكاة عنده ذلك القدر إلى قوم آخرين عن جهة الذى تسلف منه (الثانية)
أن يتسلف بسؤال المالك فان دفع الي المساكين فتم الحول وهو بصفة الاستحقاق وقع الموقع والا رجع المالك علي المساكين دون الامام وان تلف في يد الامام لم يجزئ المالك سواء كان التلف بتفريط من الامام أو بغير تفريط كما لو دفعه إلى وكيله فتلف عنده ثم ان تلف بتفريط منه فعليه الضمان للمالك وان تلف بغير تفريط فلا ضمان عليه ولا علي المساكين (الثالثة) أن يتسلف بسؤال المالك والمساكين جميعا فمن ضمان من يكون: فيه وجهان (أحدهما) أنه من ضمان المالك كما لو تسلف بمحض سؤاله لان جانبه أقوى إذ الخيار في الدفع والمنع إليه (والثاني) انه من ضمان المساكين لان المنفعة تعود إليهم فيكون المال من ضمانهم الا ترى أن ضمان العارية علي المستعبر
[ ٥ / ٥٣٧ ]
لعود المنفعة عليه وهذا الوجه أصح عند صاحب الشامل واليه يميل كلام الاكثرين وفي التتمة والعدة أن الاول أصح (الرابعة) أن يتسلف لا بسؤال المالك ولا بسؤال المساكين لما رأى بهم من الخلة والحاجة فهل تنزل حاجتهم منزلة سؤالهم فيه وجهان حكاهما امام الحرمين وغيره (أحدهما) نعم لان الزكاة مصروفة إلى جهة الحاجة لا إلى قوم معينين والامام ناظر لها فإذا رأى المصلحة في الاخذ كان له ذلك وكان كما لو أخذ بسؤالهم وصار كولى الطفل (واظهرهما) انها لا تنزل منزلة سوألهم لانهم اهل رشد ونظر ولو عرفوا صلاحهم في التسلف لا التمسوه من الامام فعلي هذا ان دفعه إليهم وخرجوا عن الاستحقاق عند تمام الحول استرده منهم ودفعه إلى غير هم وان خرج الدافع عن اهلية الوجوب استرده ورده إليه فان لم يجد للمدفوع إليه مالا ضمنه من مال نفسه فرط أو لم يفرط وعلي المالك اخراج الزكاة ثانيا وفيه وجه آخر أنه لا ضمان علي الامام ويحكى مثله عن أبى حنيفة واحمد ثم الوجهان في ان الحاجة هل تنزل منزلة السؤال في حق البالغين (فأما) إذا كانوا اطفالا فهذا يبني أولا علي ان الصغير هل يدفع إليه من سهم الفقراء والمساكين ام لا (اما) إذا كان مكتفيا بنفقة ابيه أو غيره من الاقارب ففيه وجهان مذكوران في قسم الصدقات في الكتاب وسنشرحها ثم ان شاء الله تعالي جده (واما) إذ لم يكن من ينفق عليه من اب وجد وغيرهما فقد حكي القاضي ابن كج عن ابي اسحق انه لا يجوز صرف الزكاة إليه لاستغنائه عن الزكاة بالسهم المصروف إلي
اليتامى من الغنيمة.
وعن ابن ابي هريرة انه يجوز صرف الزكاة إلى قيمه قال: وهذا هو المذهب إذا عرفت ذلك فان قلنا بجواز الصرف فحاجة اطفال المساكين كسؤال البالغين إذ ليس لهم اهلية النظر والتماس التسلف فتسلف الامام الزكاة واستقراضه لهم كاستقراض قيم اليتيم له.
هذا إذا كان الذى يلي امرهم الامام فاما إذا كان يلى امرهم من هو مقدم علي الامام فحاجتهم كحاجة البالغين لان لهم من يسأل التسلف لو كان صلاحهم فيه اما إذا قلنا لا يجوز الصرف إلى الصغير فلا تجئ هذه المسألة في سهم الفقراء والمساكين ويجوز ان تجئ في سهم الغارمين ونحوه لان الخلاف في المكفى بنفقة أبيه لا يتجه في سهم الغارمين إذ ليس علي القريب قضاء دين القريب وفي المسائل كلها لو تلف المعجل في يد الساعي أو الامام بعد تمام الحول سقطت الزكاة عن المالك لان الحصول في يدهما بعد الحول كالوصول الي المساكين كما لو اخذ بعد الحول ثم ان فرط في الدفع إليهم ضمن من مال نفسه لهم والا فلا ضمان علي احد وليس من التفريط ان ينتظر انضمام غيره إليه لقلته فانه لا يجب تفريق كل قليل يحصل عنده.
وعد بعد هذا الي لفظ الكتاب واعلم ان قوله
[ ٥ / ٥٣٨ ]
وهي فوات شرط الوجوب يفتقر إلى التأويل إذ ليس الطوارئ المانعة من الاجزاء منحصرة في فوات شرط الوجوب بل فوات شرط الاستحقاق في القابض مانع من الاجزاء أيضا.
وأيضا فانه قال وذلك في القابض بان يرتد إلي آخره وصفات القابض ليست من شروط الوجوب في شئ وجواز الصرف إليه (وقوله) بان يرتد أو يموت أو يستغنى معلم بالحاء لان عند أبي حنيفة تغير حال القابض لا يؤثر إذا كان عند الاخذ بصفة الاستحقاق (وقوله) أو في المالك بان يرتد يجوز ان يرقم قوله يرتد بالواو لانا ان ابقينا ملك المرتد وجوزنا إخراج الزكاة في حال الردة أجزأ المعجل (وقوله) أما المال لو تلف إلي آخر الفصل يمكن حمله على الاستقراض وعلى التسلف للزكاة ومراده الثاني على ما صرح به في الوسيط (وقوله) لو تلف في يد المساكين مطلقا سواء قبض الامام بسؤال المالك أو بسؤال المساكين وسلمه إليهم والتفصيل فيما إذا كان التلف في يد الامام (وقوله) فلا ضمان أي إذا اجتمع شرائط الوجوب والاستحقاق جميعا أجزأ المعجل عن الزكاة ولا ضمان على أحد وقد
نجد في بعض النسخ فلا بأس بدل قوله فلا ضمان ولا بأس به معناه لا يضر ذلك وتقع الزكاة موقعها وأيهما كان فهو عند اجتماع الشرائط كما سبق (وقوله) وحاجة أطفال المساكين كسؤالهم أي كسؤال البالغين لا كسؤال الاطفال ثم ليس من ضرورة أطفال المساكين ان يكونوا مساكين فاللفظ الناص علي الفرض أن يقال وحاجة الاطفال ثم ليس من ضرورة أطفال المساكين ان يكونوا مساكين فاللفظ الناص علي الفرض أنن يقال وحاجة الاطفال المساكين ولا يخفى أن لفظ المساكين في هذه المسائل كناية عن أهل السهمان جميعا وأنه ليس المراد جميع آحاد الصنف بل سؤال طائفة منهم وحاجتهم * قال (الثالث في الرجوع عند طريان هذه الاحوال فان قال هذه زكاتي المعجلة فله الرجوع وقيل شرطه أن يصرح بالرجوع وعلي هذا لو نازعه المساكين في الشرط فالمالك هو المصدق في احدى الوجهين لانه المؤدى (أما) إذا لم يتعرض للتعجيل ولا علمه المساكين ففى الرجوع وجهان.
فان قلنا يرجع فيصدق مع يمينه إذا قال قصدت التعجيل) * إذا دفع الزكاة المعجلة إلي الفقراء وقال انها معجلة فان عرض مانع استردت فله الاسترداد ان عرض مانع وعن أبي حنيفة انه لا استرداد إلا إذا كان المال في يد الامام بعد أو الساعي * لنا أنه مال دفعه لما يستحقه القابض في المستقبل فإذا عرض ما يمنع الاستحقاق استرده كما إذا عجل الاجرة ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة.
وان اقتصر علي قوله هذه زكاة معجلة وعلم القابض ذلك ولم يذكر الرجوع فهل له الاسترداد عند عروض مانع فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره (أحدهما) لا لان العادة جارية بأن المدفوع الي الفقير لا يسترد فكأنه ملكه بالجهة المعينة ان وجد
[ ٥ / ٥٣٩ ]
شرطها والا فهو صدقة وصار كما لو صرح وقال هذه زكاتي المعجلة فان وقعت الموقع فذاك والا فهي نافلة (وأصحهما) ولم يذكر المعظم غيره ان له الرجوع لانه عين الجهة فان بطلت رجع كما قلنا في تعجيل الاجرة قال صاحب الوجه الاول: هذا يشكل بما إذا قال هذه الدراهم عن مالي الغائب وكان تالفا فانه يقع صدقة ولا يتمكن من الرجوع الا إذا شرط الرجوع بتقدير تلف الغائب.
أجاب الصيد لاني بانه قد تعرض لكونها معجلة وإذا تعرض لذلك فقد شرط الرجوع ان عرض مانع
وهذا غير واضح كما ينبغي وقرب امام الحرمين في المسالة من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلا وهذان الوجهان فيما إذا دفع المالك بنفسه وفيه تكلم صاحب الكتاب ألا تراه يقول فلو قال هذه زكاتي المعجلة والامام لا يقول ذلك (اما) إذا دفع الامام فلا يمكن حعله نافلة فلا حاجة الي شرط الرجوع لكن لو لم يعلم القابض أنه زكاة غيره فيجوز أن يقال علي الوجه الاول لا يسترد وعلي الامام الضمان للمالك لتقصيره بترك شرط الرجوع ولو جرى الدفع من غير تعرض للتعجيل ولا علم القابض به فهل يثبت الاسترداد ظاهر نصه في المختصر انه ان كان المعطي الامام يثبت وان اعطى المالك بنفسه فلا يثبت وللاصحاب فيه طريقان (أحد هما) تقرير النصين والفرق ان المالك يعطي من ماله الفرض التطوع فإذا لم يقع عن الفرض وقع تطوعا والامام يقسم مال الغير فلا يعطى الا الفرض فكان مطلق دفعه كالمقيد بالفرض وهذا هو الذي ذكره القاضى ابن كج وعامة أصحابنا العراقيين (والثاني) أنه لا فرق بين الامام والمالك لان الامام قد يتصدق بمال نفسه كما يفرق مال الغير وبتقدير أن لا يقسم الا الفرض لكنه قد يكون معجلا وقد يكون في وقته واختلف هؤلاء علي طريقين (أحدهما) تنزيل النصين علي حالين حيث قال يثبت الرجوع فذلك عند وقوع التعرض للتعجيل وحيث قال لا يثبت فذلك عند اهماله والامام والمالك يستويان في الحالتين وذكر في الشامل ان الشيخ أبا حامد حكى هذا الطريق ايضا وهو الذى أورده الجامعون لطريقة القفال واختياراته (والثانى) ان فيهما قولين نقلا وتخريجا (احدهما) أنه يثبت الرجوع كما لو دفع مالا الي غيره على ظن ان له عليه دينا فلم يكن له الا سترداد (والثاني) لا يثبت لان الصدقة تنقسم إلى فرض وتطوع وإذا لم تقع فرضا تقع تطوعا كما لو أخرج زكاة ماله الغائب وهو يظن سلامته فبان تالفا يقع تطوعا وهاذ الطريق أو فق لما ذكره في الكتاب إلا أنه حكي بدل القولين وجهين وكذا فعل امام الحرمين وهو قريب في موضع النقل والتخريج ولم يحك الخلاف في الامام والمالك جميعا فان المسألة مسوقة علي ما سبق في أول الفصل وهو كلام في المالك على ما بينته والاظهر أنه لا يثبت
[ ٥ / ٥٤٠ ]
الرجوع سواء أثبتنا الخلاف أم لا وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولي وأظهر في ظاهر النصين
المنقولين عن المختصر وكشف المراد منهما كلام كثير لا يحتمله هذا الموضع.
فان قلنا يثبت الاسترداد وان لم يتعرض للتعجيل ولا علمه القابض فمهما قال المالك قصدت التعجيل ونازعه القابض فالقول قوله المالك مع اليمين فانه أعرف بنيته ولا سبيل الي معرفتها الا من جهته ولو ادعى المالك علم القابض بأنها كانت معجلة فالقول قول القابض لان الاصل عدم العلم والغالب هو الاداء في الوقت.
وان قلنا لا يثبت الاسترداد عند عدم التعرض للتعجيل وعلم القابض فلو تنازعا في أنه هل شرط التعجيل على الوجه الاصح أو في أنه هل شرط مع ذلك الرجوع علي الوجه الثاني فالقول قول من: فيه وجهان (أحدهما) أن القول قول المالك مع يمينه لانه المؤدى وهو أعرف بقصده ولهذا لو دفع ثوبا الي غيره واختلفا فقال الدافع هو عارية وقال الآخر هبة كان القول قول الدافع (وأظهرهما) ولم يذكر في العدة غيره أن القول قول المسكين مع يمينه لان الاصل عدم الاشتراط والغالب كون الاداء في الوقت ولانهما اتفقا علي انتقال اليد والملك والاصل استمرارها (وقوله) في الكتاب وعلي هذا لو نازعه المساكين في الشرط قد يتوهم تخصيص المسألة والوجهين فيها بالوجه المذكور قبله وهو قوله وقيل شرطه أن يصرح بالرجوع وليس كذلك بل سواء اكتفينا بشرط التعجيل أو شرطنا التصريح بالرجوع وفرض النزاع جرى الوجهان ولو أنه أخر المسالة إلى أن يفرغ من الكلام فيما إذا لم يتعرض للتعجيل ولا علمه المساكين لكان أولى لان هذا النزاع انا يجرى إذا قلنا لا يثبت الاسترداد ثم إذا اثبتناه فلا فائدة للنزاع في جريان الاشتراط فان المالك وان سلمه وادعي أنه قصد التعجيل والرجوع نصدقه كما سبق والوجهان في تنازع المالك والقابض يجريان في تنازع الامام والقابض إذا قلنا انه يحتاج الي الاشتراط ولفظ التهذيب يشمل الصورتين جميعا (وقوله) ففى الرجوع وجهان يجوز أن يعلم بالواو لما قدمنا من الطريقة القاطعة بامتناع الرجوع ولك أن تبحث في قوله أما إذا لم يتعرض لتعجيل ولا علمه المسكين فتقول هذا يشمل ما إذا سكت فلم يذكر شيئا أصلا وما إذا قال هذه زكاتي أو صدقتي المفروضة ولم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين فهل يجوز لمخرج الزكاة أن لا يتلفظ بشئ أصلا وبتقدير أن يجوز فهل الحكم واحد في الحالتين أم بينهما فرق.
والجواب أما الاول فقد ذكر صاحب النهاية وغيره أن مخرج الزكاة لا يحتاج إلى لفظ لانه في حكم
توفية حق علي مستحق قال وفي صدقة التطوع تردد والظاهر الذى به عمل الكافة أنه لا حاجة إلى لفظ أصلا (واما الثاني) ففيه طريقان (احدهما) انه إذا قال هذه زكاتي أو صدقتي المفروضة كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل ولم يصرح بالرجوع (واظهرهما) انه كما لو لم يذكر شيئا اصلا فان ذكر
[ ٥ / ٥٤١ ]
التعجيل يعرف انها في الحال غير واجبة وقوله هذه زكاتي لا يفيد ذلك والغالب انما هو الاداء في الوقت.
والذى اجاب به العراقيون انه لا يسترد المالك بخلاف الامام فن الامام قد يستعجل الزكاة في العادة والملاك لا يؤدون قبل دخول وقت الوجوب غالبا وهذا جرى منهم على طريقتهم التي سبقت وحكوا في التفريع عليها وجهين في انه لو كان الطارئ موت المسكين هل للمالك ان يستحلف ورثته علي نفى العلم بأنها معجلة.
عن ابي يحيي البلخي انهم يحلفون لا مكان صدقه وعن غيره انهم لا يحلفون لان الظاهر من قوله هذه زكاتي انها واجبة في الحال فليس له دعوى خلافه وشبهوا هذا بالوجهين فيما إذا رهن واقر بأنه اقبض ثم ادعى بأنه لم يقبض واراد التحليف عليه وقوله في اول الفصل الثالث في الرجوع عند طريان هذه الا حوال اشارة الي انه لابد للرجوع من عروض شئ من هذا الخلاف وليس له ان يسترد المعجل من غير سبب لانه تبرع بالتعجيل فأشبه ما لو عجل دينا مؤجلا لا استرداد له * قال (ولو تلف النصاب بنفسه لم يمتنع الرجوع علي اصح الوجهين) * من الطوارئ المانعة من وقوع المعجل زكاة تلف النصاب فحيث يثبت الاسترداد بهدا السبب هل يثبت لو اتلفه المالك بنفسه فيه وجهان (احدهما) لا لتقصيره بالاتلاف (واصحهما) نعم لحصول التلف وخروج المعجل عن ان يكون زكاة وقضية التعليل الاول ان لا يجرى الخلاف فيما إذا اتلفه بالانفاق وغيره من وجوه الحاجات ولو اتلف بعض ماله حتى انتقض النصاب كان كاتلاف جميع المال مثل ان يعجل خمسة دراهم عن مائتي درهم ثم يتلف منها درهما وتنقل هذه الصورة والوجهان فيها عن الاصطخرى * قال (وان كان المال تالفا في يد المسكين فعليه ضمانه وان كان ناقصا ففى الارش
وجهان وان كان باقيا يرد بزوائده المنفصلة والمتصلة وينقض تصرفه وكأنه بان انه لم يملك وقيل انا نقدره مقرضا ان لم يقع عن جهة الزكاة فتلتفت هذه الاحكام على ان القرض يملك بالقبض أو التصرف) * متى اثبتنا حق الاسترداد فلا يخلو المعجل اما ان يكون تالفا أو باقيا في يد القابض فان كان تالفا فعليه ضمانه بالمثل ان كان مثليا والقيمة ان كان متقوما وفي القيمة المعتبرة وجهان (احدهما) انه يعتبر قيمة يوم التلف لان الحق انتقل إلى القيمة يوم التلف فاعتبرت قيمة ذلك اليوم كما في العارية (والثانى) ويحكي عن احمد انه يعتبر قيمة يوم القبض لان ما زاد عليها زاد في ملك القابض فلم يضمنه كما لو تلف الصداق في يد المرأة ثم ارتدت قبل الدخول أو طلقها فان الزوج
[ ٥ / ٥٤٢ ]
يرجع بقيمة يوم القبض قال المحاملى وهذا اشبه.
وينقدح عند امام الحرمين وجه ثالث وهو ايجاب اقصي القيم بناء على ان الملك غير حاصل للقابض واليديد ضمان وقد ذكر مثل هذا في المستعير والمستام فان كان القابض قد مات فالضمان في تركته.
وان كان المعجل باقيا نظر ان لم يحصل فيه زيادة ولا نقصان استرده ودفعه ومثله إلي المستحق ان بقى بصفة الوجوب وان كان الدافع الامام أخذه وهل يصرفه الي المستحقين بدون اذن جديد من المالك: حكي في التتمة فيه وجهين (أظهرهما) وهو المذكور في التهذيب له ذلك وإذا أخذ القيمة فهل يجوز صرفها الي المستحقين فيه وجهان لان دفع القيم لا يجزئ فان جوزناه وهو الاظهر فهل يحتاج الي اذن جديد فيه وجهان.
وان حصلت فيه زيادة فن كانت متصلة كالسمن والكبر أخذه مع الزيادة كما ولو زاد الموهوب في يد الابن زيادة متصلة ورجع الاب فيه وكما إذا أفلس المشترى بالثمن وقد زاد المبيع زيادة متصلة وان كانت منفصلة كالولد واللبن فهل يأخذها مع الاصل فيه وجهان احدهما نعم لانا بينا بما طرأ اخيرا انه لم يملك المقبوض واصحهما ولم يذكر الجمهور غيره لا كما ان الاب لا يرجع في الزيادة المنفصلة من الموهوب وكما أنها للمشترى إذا رد الاصل بالعيب أو رد عليه العوض ويحكي هذا الثاني عن نص الشافعي ﵁ وان حدث
فيه نقصان فهل يجب فيه أرشه فيه وجهان (أحدهما) نعم كما يجب الضمان عند التلف فيعتبر الجزء بالجملة (وأصحهما) عند العراقيين وغيرهم لا وحكوه عن ظاهر نصه في الام ووجه بأنه نقصان حدث في ملكه فلا يضمنه كالاب إذا رجع في الموهوب وقد نقص فلا يأخذ معه الارش كالبائع إذا استرد المبيع وقد نقص عند افلاس المشترى ليس له الارش وهذا الوجه هو اختيار القفال فيما حكي الصيدلانى قال واستشهد عليه بما إذا رد المبيع بعيب والثمن باق لكنه حدث فيه عيب ليس له الا المعيب وان كان يأخذ مثله أو قيمته لو كان تالفا قال امام الحرمين وهذا مشكل والزامه الرضا بالثمن المعيب بعيد وانما الذى قاله الاصحاب أنه لو وجد بالمبيع عيبا وتمكن من الرد فرضى لا أرش له والكلام فيه يتضح في موضعه ان شاء الله تعالي جده.
ثم أشار حجة الاسلام ﵀ في هذه المسائل إلى أصل ذكره الامام وهو أن المعجل هل يصير ملكا للقابض أم لا وان صار ملكا له فيأتى فيه وجه يكون ماكا له قال حيث لا يثبت الرجوع فالمعجل مردد بين أن يكون فرضا أو تطوعا والملك حاصل للقابض على التقديرين وحيث يثبت فله تقديران لم يصرح بهما الاصحاب وجزم عليهما صاحب التقريب (أحد هما) أن الملك موقوف إلى أن يكشف الامر في المال فان حدث مانع تبين استمرار ملك المالك والا تبين أنه صار ملكا للقابض من يومئذ (والثانى) أن
[ ٥ / ٥٤٣ ]
الملك ثابت للقابص لكن ان استمرت السلامة تبين أنه ملك عن جهة زكاة مستحقة والا تبين وقوعه فرضا ثم الفرض يملك بالقبض أو بالتصرف وان ملك بالتصرف فبأى تصرف يملك: فيه خلاف مذكور في بابه وعلي هذا الاصل يجرى الوجهان في الزوائد المنفصلة وان قلنا بالتوقف وجب ردها لتبين حدوثها علي ملك المالك وان قلنا بتقدير الفرض فان قلنا إنه يملك بالقبض سلمت الزوائد للقابض وان قلنا يملك بالتصرف وحدثت الزوائد قبل التصرف وهذا كما لو استقرض أغناما ونتجت في يده ثم باعها واستبقى النتاج قال الامام ينقدح فيه أمران (أحدهما) أن يقدر انتقال الملك في الاغنام الي المستقرض قبيل البيع ويجعل النتاج للمستقرض (والثاني) ان يستند الملك إلى حالة القبض ويجعل النتاج للمستقرص ومما يخرج على هذا الاصل تصرفه في المال المعجل
بأن باع ما قبضه ثم طرأ بعض الاحوال المانعة فان توقفنا في الملك تبين انتقاض بيعه وان قلنا بالفرض فلا ومما يخرج عليه أنه هل يجوز للقابض عند بقاء العين الابدال أم يلزمه رد عين المأخوذ فان قلنا بالتوقف لزم رد عينه وان قلنا بالفرض فان قلنا يملك بالقبض فله الابدال وان قلنا يملك بالتصرف ولم يوجد فللمالك استرداده بعينه: واعلم أن ايراد الكتاب يقتضى ترجيح التقدير الاول لكن كلام المعظم يقتضي ترجيح الجزم بثبوت الملك ولذلك قالوا لا يجب رد الزوائد المنفصلة ولا أرش النقصان علي ما قدمناه * قال (ولو لم يملك الا أربعين فعجل واحدة فاستغني القابض أو مات فان جعلنا المخرج للزكاة قرضا لم يلزمه تجديد الزكاة لان الحول انقضى علي تسع وثلاثين بخلاف ماذا وقع المخرج عن الزكاة لان المخرج عن الزكاة لان الحول انقضى علي ستع وثلاثين بخلاف ماذا وقع المخرج عن الزكاة لان المخرج عن الزكاة كالباقي وان قلنا تبين أن الملك لم يزل التفت علي المجحود والمغصوب لوقوع الحيلولة) * الذى يحتاج الي معرفته أولا وقد أشار إليه في اثناء الفصل ان المعجل للزكاة مضموم الي ما عنده ونازل منزلة ما لو كان في يده (بيانه) لو اخرج شاة من اربعين ثم حال الحول الحول ولم يطرأ مانع أجزأه ما عجل وكانت تلك الشاة بمثابة الباقيات عنده ولو عجل شاة عن مائة وعشرين ثم نتجت واحدة أو عن مائة وحدثت عشرون وبلغت غنمه مع الواحدة المعجة مائة وإحدى وعشرين لزمه شاة أخرى وان انفق القابض تلك المعجلة ولو عجل شاتين عن مائتين ثم حدثت سخلة قبل الحول فقد بلغت غنمه مع المعجلتين مائتين وواحدة فيلزمه عند تمام الحول شاة ثالثة فلو كانت المعجلة في هاتين الصورتين معلوفة أو اشتراها وأخرجها لم يجب شئ زائد لان المعلوفة والمشتراة لا يتم بهما النصاب وإن جاز إخراجهما عن الزكاة.
وخالف أبو حنيفة هذا الاصل فلم يحوز التعجيل الا بشرط
[ ٥ / ٥٤٤ ]
ان يكون الباقي عنده نصابا ولم يجعل المعجل مضموما الي ما عنده فيخرج من ذلك امتناع التعجيل في الصورة الاولي وأن لا تجب شاة ثانية في الثانية ولا ثالثة في الثالثة وساعدنا احمد علي ما ذكرنا واحتج الاصحاب علي جواز التعجيل عن الاربعين فحسب بأن قالوا هذا نصاب يجب الزكاة فيه بحولان
الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان اكثر من أربعين واحتج الشافعي ﵁ علي تكميل النصاب الثاني والثالث بالمعجل بأن التعجيل انما جوز ارفاقا بالفقراء فلا يجوز أن يصير سببا لاسقاط حقوقهم ومعلوم أنه لولا التعجيل لو جبت زيادة علي ما أخرجه.
إذا عرفت ذلك فلا يخلوا لحال بعد تعجيل الزكاة اما أن يتم الحول علي السلامة أو يعرض مانع فان تم الحول علي السلامة أجزأه ما اخرج ثم كيف التقدير إذا كان الباقي عنده ناقصا عن النصاب كما لو لم يملك الا اربعين فعجل منها واحدة: أيزول الملك عن المعجل ومع ذلك يحتسب عن الزكاة أم لا يزول: عن صاحب التقريب أنه يقدر كأن الملك لم يزل لينقضي الحول وفي ملكه نصاب واستبعد امام الحرمين ذلك وقال تصرف القابض فيه نافذ بالبيع والهبة وغير هما فكيف فقول ببقاء ملك المعطى وهذا الاستبعاد حق ان أراد صاحب التقريب بقاء ملكه حقيقة إلي آخر الحول وإن أراد أنه نازل منزلة الباقي حتي يكون مجزئا عن زكاته ويكمل بالنصاب الآخر فلا استبعاد والاصحاب مطبقون عليه وكأنه اكتفى عن التعجيل بمضي ما سبق من الحول علي كمال النصاب رفقا بالفقراء فهذا إذا تم الحول على السلامة وإن عرض مانع من وقوع المعجل زكاة نظر ان كان المخرج أهلا للوجوب وبقى في يده نصاب لزمه الاخراج ثانيا وان كان الباقي دون النصاب فحيث لا يثبت الاسترداد فلا زكاة عليه وكأنه تطوع بشاة قبل تمام الحول وحيث يثبت الاسترداد فاسترد فقد ذكر شيوخنا العراقيون فيه ثلاثة أوجه (أحدها) انه يستأنف الحول ولا زكاة لما مضى لنقصان ملكه عن النصاب قبل تمام الحول (والثانى) أنه تجب الزكاة للحول الماضي لان المخرج للزكاة كالباقي واحتجوا عليه بما إذا وقع عن الزكاة (والثالث) أنه يفرق بين النقد فيزكيه لما مضى وبين الماشية فلا يزكيها لما مضى لان السوم شرط في زكاة المشاية وذلك ممتنع في الحيوان في الذمة.
قالوا وأظهر الوجوه هو الثاني وهو الذى ذكره في التهذيب بل لفظه يقتضي وجوب الاخراج ثانيا وإن لم يسترد بعد إذا كان المخرج بعينه باقيا في يد القابض وعن صاحب التقريب بناء المسألة على الاصل السابق وهو أنه إذا ثبت الاسترداد فتبين ان الملك لم يزل عن المعجل أو يقال بالزوال ويجعل قرضا إن قلنا بالزوال فإذا استرجع استفتح الحول من يومئذ ولا زكاة لما مضى.
وان قلنا يتبين أن الملك لم يزل لزمه الزكاة لما مضى لتبين
أطراد الحول علي نصاب كامل وزاد الامام شيئا آخر على هذا القدير الثاني فقال: الشافة التى تسلط
[ ٥ / ٥٤٥ ]
القابض على التصرف فيها قد حصلت الحيولة بينها وبين المالك فيجئ فيها خلاف المغصوب والمجحود وهذا الطريق هو الذى أورده في الكتاب وكلام العراقيين يعر بتخريج الوجوء كلها بعد تسليم زوال الملك عن المعجل وكيف ما كان فالظاهر عند المعظم أنه يجب تجديد الزكاة.
ولو كان المخرج تالفا في يد القابض فقد صار الضمان دينا عليه فان أو جبنا تجديد الزكاة إذا كان باقيا فيجئ ههنا قولا وجوب الزكاة في الدين هذا في الدين وفي المواشي لا تجب الزكاة بحال لان الواجب علي القابض القيمة فلا يكمل بها نصاب المشاية.
وروى القاضي ابن كج عن ابن اسحق اقامة القيمة مقام العين ههنا مراعاة لجانب المساكين وقوله في اول الفصل ولو لم يملك الا اربعين فعجل واحدة فاستغنى القابض أي بغير الزكاة وذكر الاستغناء مثالا والحكم لا يختص به بل الموت وسائر الطوارئ في معناه (وقوله) بخلاف ما إذا وقع المخرج عن الزكاة لان المخرج كالباقي للزكاة أي المخرج للزكوة إذا وقع عن الزكاة كالباقي.
فاما إذا طرأ مانع فلا يجعل كالباقي وهكذا ذكر صاحب التهذيب في فرع سنذكره على الاثر لكن ما حكينا عن العراقيين في توجيه الوجه الثاني ينازع فيه ويصرح بكونه كالباقي وان لم يقع عن الزكاة * (فرع) لو عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين من الابل فبلغت بالتوالد ستا وثلاثين قبل الحول فلا يجزئه بنت المخاض المعجلة وان صارت بنت لبون في يد القابض بل يستردها ويخرجها ثانيا أو بنت لبون أخرى.
قال صاحب التهذيب من عنده: فان كان المخرج هالكا والنتاج لم يزد علي أحد عشر ولم تكن ابله ستا وثلاثين الا مع المخرج وجب ان لا تجب بنت لبون لانا انما نجعل المخرج كالقائم إذا وقع محسوبا عن الزكاة أما إذا لم يقع محسوبا فلا بل هو كهلاك بعض المال قبل الحول * قال (القسم الثالث في تأخير الزكاة وهو سبب الضمان (ح) والعصيان (ح) عند التمكن وان تلف النصاب بعد الحول وقبل التمكن فلا زكاة) *
إذا تم الحول على المال الذى يشترط في زكاته الحول وتمكن من الاداء فأخر عصى لما تقدم أن الزكاة علي الفور ويدخل في ضمانه حتي لو تلف المال بعد ذلك لزمه الضمان سواء تلف بعد مطالبة الساعي أو الفقراء أو قبل ذلك وعند ابي حنيفة ﵀ تسقط الزكاة ولا ضمان * إن كان التلف قبل المطالبة.
وان كان بعدها فلا صحابه فيه اختلاف * لنا انه قصر بحبس الحق عن المستحق فلزمه ضمانه ولو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن فلا شئ كما لو دخل وقت الصلاة فعرض له جنون أو نحوه قبل التمكن من فعلها أو ملك الزاد والراحلة ولم يتمكن
[ ٥ / ٥٤٦ ]
من فعل الحج.
وان اتلفه بنفسه بعد الحول وقبل التمكن لم تسقط عنه الزكاة لتقصيره باتلافه وعن مالك انه ان لم يقصد بالاتلاف الفرار عن الزكاة تسقط وان اتلفه غيره فينبنى علي اصل سيأتي وهو ان الامكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان ان قلنا بالاول فلا زكاة كما لو اتلف قبل الحول وان قلنا بالثاني وقلنا مع ذلك الزكاة تتعلق بالذمة فلا زكاة ايضا لانه تلف قبل حصول شرط الاستقرار وان قلنا تتعلق بالعين انتقل حق المستحقين الي القيمة كما إذا قتل العبد الجاني أو المرهون ينتقل الحق الي القيمة (وقوله) في الكتاب هو سبب الضمان والعصيان معلم بالحاء لما ذكرنا ويجوز ان يعلم قوله فلا زكاة بالالف لان صاحب الشامل حكى عن احمد انه لا تسقط الزكاة كما لو اتلفه * قال (وإن ملك خمسا من الابل فتلف قبل التمكن واحد فأحد القولين أنه يسقط كل الزكاة كما لو تلف قبل الحول لان الامكان شرط للوجوب (والاصح) أنه لا يسقط إلا خمس شاة لان الامكان شرط الضمان وعلي هذا لو ملك تسعا فتلف أربع قبل التمكن فالجديد أن الزكاة لا تسقط عن الوقص فلا يسقط بسببه شئ من الزكاة.
وعلي القديم يسقط أربعة أتساع شاة) * مسألتا الفصل مبنيتان علي أصلين (أحدهما) أن امكان الاداء من شرائط الضمان وهل هو مع ذلك من شرائط الوجوب فيه قولان (احدهما) ويحكى عن القديم وبه قال مالك أنه من شرائط
الوجوب كما في الصوم والصلاة والحج لانه لو تلف قبل الامكان سقطت الزكاة ولو وجبت لما سقطت وبهذا أجاب في المختصر في مواضع (وأصحهما) عند ابن سريج وجمهور الاصحاب وهو قوله في الاملاء ومذهب أبى حنيفة ﵀ أنه ليس الا من شرائط الضمان لانه لو تلف المال بعد الحول لا تسقط عنه الزكاة ولولا الوجوب لسقطت كما لو تلف قبل الحول.
واحتج كثيرون لهذا القول بأنه لو تأخر الامكان مدة فابتداء الحول الثاني يحسب من تمام الحول الاول لامن حصول الامكان وبأنه لو حدث نتاج بعد الحول وقبل الامكان يضم الي الاصل في الحول الثاني دون الاول وهذا جرى منهم في المسألة الثانية علي أظهر الطريقين وقد قدمنا في فصل النتاج أن من الاصحاب من بنى المسألة علي القولين في الامكان.
وعند مالك ابتداء الحول الثاني من وقت حصول الامكان والنتاج الحادث من وقت حصول الامكان مضموم إلى الاصل في الحول الاول وعبر صاحب التتمة عن تحقيق هذا الخلاف بأنا إذا قلنا الامكان من شرائط الوجوب فهو علي
[ ٥ / ٥٤٧ ]
سبيل التبيين معناه أنا نتبين بالامكان حصول الوجوب عند تمام الحول ونسميه شرط الوجوب توسعا.
ومالك يجعله شرط الوجوب حقيقة ولا يقول بالتبيين.
وبعض أصحابنا يعبر عن القول الاول بالقديم وعن الثاني بالجديد وهو اقتصار من الجديد علي ما يقابل القديم والا فقضية ما ذكرنا حصول قولين في الجديد (أحدهما) كالقديم (والثانى) خلافه (الاصل الثاني) أن الاوقاص وهى ما بين النصابين كما بين الخمس والعشر من الابل يتعلق الواجب بها مع النصب أم هي عفو والزكاة تتعلق بالنصب فيه قولان (أصحهما) وبه قال أبو حنيفة ﵀ والمزنى أنها عفو لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (في خمس من الابل شاة ولا شئ في زيادتها حتى تبلغ عشرا) ولا نالو بسطنا الواجب علي الوقص والنصاب لسقط قسط من الواجب بتلف الوقص بعد الحول كما سيأتي ومالا تزيد الزكاة بزيادته لا ينبغي أن تنقص بنقصانه (والثاني) وهو اختيار ابن سريج أن الواجب ينبسط علي الكل لقوله صلي الله عليه وسلم في حديث أنس (في أربع وعشرين فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض) علق الفرض
بالنصاب والوقص ولانه حق لله تعالى يتعلق بنصاب من المال فيتعلق به وبما زاد كما لو سرق اكثر من نصاب يتعلق القطع بالكل فإذا ملك تسعا من الابل فعلي القول الاول عليه في خمس منها لا بعينها شاة والباقى عفو (وعلى الثاني) الشاة واجبة في الكل وقال امام الحرمين: الوجه عندي أن تكون الشاة متعلقة بجميع التسع لا محالة والمراد من القولين أن الوقص هل يجعل وقاية للنصاب كما يجعل الربح في القراض وقاية لرأس المال عند الخشران ففى قول يجعل وقاية له وهو الصحيح لان الزكاة لا تزيد به ولا تنقص بتلفه وفي قول تجعل وقاية حتي لو تلف البعض سقطت حصته وهذا أحسن والمشهور الاول إذا عرفت ذلك فاحدى مسألتي الفصل أن تملك خمسا ويحول عليها الحول ثم تتلف منها واحدة قبل التمكن فلا زكاة عليه للتالف وهل يجب للباقى.
يبنى علي الاصل الاول: ان قلنا الامكان شرط للوجوب فلا شئ عليه كما لو تلف قبل
[ ٥ / ٥٤٨ ]
تمام الحول وان قلنا انه شرط الضمان دون الوجوب فعليه أربعة أخماس شاة لان هذا القدر هو المستقر بالامكان ولو تلف أربع فعلى الاول لا شئ عليه وعلي الثاني عليه خمس شاة ولو ملك ثلاثين من البقر وتلف خمس منها قبل الامكان وبعد الحول فان قلنا بالاول فلا شئ عليه وان قلنا بالثاني فعليه خمسة أسداس تبيع (والمسألة الثانية) ملك تسعا من الابل وحال عليها الحول تم تلف قبل التمكن اربع فحكمها يقتبس من الاصلين.
ان قلنا الامكان شرط الوجوب فعليه شاة كما لو تلف قبل الحول وان قلنا انه شرط للضمان فان قلنا الوقص عفو فعليه شاة أيضا لبقاء متعلق الواجب وان قلنا الواجب ينبسط علي الجميع ففيه وجهان (أصحهما) ولم يذكر الجمهور سواه أن عليه خمسة أتساع شاة لانها متعلقة بجميع التسع فحصة كل بعير منها تسع يسقط بتلف الاربع اربعة اتساع ويبقي الباقي والثانى عن القاضي ابى الطيب أن أبا اسحق قال عليه شاة ايضا ووجهه ابن الصباغ بان الزيادة ليست شرطا في الوجوب فلا يؤثر تلفها وان تعلق بها الواجب كما لو شهد خمسة على محصن بالزنا فرجمناه ثم رجع واحد منهم وزعم انه غلط فلا ضمان على واحد منهم وان رجع اثنان حينئذ يجب الضمان ولو كانت المسألة بحالها وتلف خمس فان قلنا الامكان من شرائط الوجوب فلا شئ عليه لانتقاص
النصاب قبل الوجوب كما لو تلف قبل الحول وان قلنا من شرائط الضمان فان قلنا الوقص عفو فعليه اربعة اخماس شاة لان الواجب لم يتعلق إلا بخمس منها ولم يتلف من الخمس الا واحدة وان بسطنا الواجب علي الكل فعليه اربعة اتساع شاة لان الشاة تعلقت بالتسع وقد بقى منها اربع فلا يجئ ههنا وجه ابي اسحق ولو ملك ثمانين من الغنم فتلف منها اربعون بعد الحول وقبل التمكن فان قلنا الامكان شرط الوجوب أو قلنا انه شرط الضمان والوقص عفو فعليه شاة وان قلنا انه شرط الضمان وبسطنا الواجب علي الكل فعليه نصف شاة وعلي الوجه المروى عن أبى اسحق تجب شاة أيضا وعلي هذه الصورة يقاس نظائرها (واما) لفظ الكتاب (فقوله) فتلف قبل التمكن واحد أي وبعد الحول (وقوله) لان الامكان شرط الوجوب (معلم) بالحاء (وقوله) شرط الضمان بالميم لما قدمناه وقد استدرك من جهة اللفظ على قوله يسقط كل الزكاة لان السقوط يفتقر الي سبق الثبوت ونحن علي هذا القول نقول بعدم الوجوب أصلا الا أن لفظ السقوط قد يستعمل حيث يكون الشئ بعرضية الثبوت فتبطل عرضيته (وقوله) في أول الصورة الثانية وعلي هذا أي علي قولنا الامكان شرط الضمان فانا حينئذ نبني المسألة على الخلاف في الوقص (وقوله) يسقط أربعة أتساع شاة (أي) لان الزكاة تنبسط علي الوقص ويجوز أن يعلم بالحاء والزاى والواو أيضا لوجه أبي اسحق (وقوله)
[ ٥ / ٥٤٩ ]
فالجديد أن الزكاة لا تنبسط علي الوقص وتسمية ما يقابله قديما اتباع لما ذكره الصيدلانى والامام وليس ذلك علي سبيل جزم الجديد بعدم الانبساط لان الشيخ أبا حامد وغيره من الشيوخ نقلوا عدم الانبساط عن القديم وأكثر الكتب الجديدة والانبساط عن البويطي والاملاء فاقتضي ذلك قولين في الجديد وكلامهم يشعر بجزم القديم بعدم الانبساط فان كان كذلك لم يجز نسبة الانبساط إلى القديم وإلا فهو غير جازم بالانبساط كما أن الجديد غير جازم بعدم الانبساط * قال (وإمكان الاداء يفوت بغيبة المال أو بغيبة المستحق وهو المسكين أو السلطان فان حضر مستحق فأخر لانتظار القريب أو الجار لم يعص علي أحد الوجهين ولكن جواز التأخير بشرط الضمان علي أصح الوجهين) *
مقصود الفصل بيان المراد من إمكان الاداء فاعلم أنه ليس المراد من الامكان مجرد كونه بسبيل من إخراج الزكاة ولكن يعتبر معه شئ آخر وهو وجوب الاخراج وذلك بأن تجتمع شرائطه (فمنها) أن يكون المال حاضرا عنده فأما إذا كان غائبا فلا يوجب إخراج زكاته من موضع آخر وإن جوزنا نقل الصدقات (ومنها) أن يجد المصروف إليه والاموال علي ما قدمنا ظاهرة وباطنة والباطنة يجوز صرف زكاتها إلى السلطان ونائبه ويجوز أن يفرقها بنفسه فيكون واجد المصروف إليه سواء وجد أهل السهمان أو الامام أو نائبه وأما في الاموال الظاهرة فكذلك ان جوزنا له ان يفرق زكاتها بنفسه وإلا فلا امكان حتي يجد الامام أو نائبه ثم إذا وجد من يجوز الصرف إليه لكن أخر لطلب الافضل ففى جوازه وجهان وذلك كما إذا وجد الامام أو نائبه وأخر ليفرق بنفسه حيث قلنا انه أولي أو وجد أهل السهمان فأخر ليدفع الي الامام أو نائبه حيث قلنا انه أولي أو أخر لانتظار قريب أو جار أو من هو احوج إليه (احد الوجهين) انه لا يجوز التأخير لذلك لان المستحق حاضر والزكاة واجبة علي الفور فلا يؤخر (وأظهرهما) الجواز لانه تأخير لغرض ظاهر وهو اقتناص الفضيلة به فيسامح فعلي هذا لو أخر وتلف هل يضمن فيه وجهان (أحدهما) لا كالتأخير لسائر الاسباب الجائزة (وأصحهما) نعم لان الامكان حاصل وإنما يؤخر لغرض نفسه فيتقيد جوازه بشرط سلامة العاقبة وذكر إمام الحرمين للوجهين شرطين (أحدهما) أن يظهر اتصاف الحاضرين بصفة الاستحقاق فان تردد في بقائهم وأخر ليتروى وينظر فلا خلاف (والثانى) أن لا تشتد حاجة الحاضرين وفاقتهم أما لو كانوا يتضررون جاعا فأخر لانتظار قريب أو جار لم يجز بلا خلاف ولك ان تقول اشباع الجائعين وإن وجب لكنه غير متعين علي هذا الشخص ولا من هذا المال ولا من مطلق مال الزكاة وإذا كان كذلك فلم يلزم من وجوب الاشباع أن لا يجوز تأخير الزكاة لاقتناص فضيلة في الاداء
[ ٥ / ٥٥٠ ]
وقوله في الكتاب أو بغيبة المستحق أراد به مستحق الزكاة لا مستحق المال المأخوذ وقوله وهو المسكين أو السلطان اشارة إلى الخلاف في وجوب صرف زكاة الاموال الظاهرة معناها وهو المسكين في المال الباطن والسلطان في المال الظاهر علي أحد القولين وهذا لفظه في الوسيط لكن قوله وهو
المسكين غير مجرى علي ظاهره فان المسكين غير متعين الاستحقاق في المال الباطن بل يجوز الصرف إلى السلطان ايضا ثم قضية قوله وامكان الاداء يفوت بغيبة المال أو بغيبة المستحق انحصار فوات الامكان في الامرين وبتقدير ان يكون كذلك يكون الامكان لازم الحصول عند اجتماع الامرين لكن صاحب التهذيب وغيره يشترط في امكان الاداء ان لا يكون مشتغلا بشئ يهمه من امر دينه ودنياه فإذا اللفظ محتاج الي ضرب من التأويل * قال (فان قيل فما وجه تعلق الزكاة بالعين قلنا فيه اربعة اقوال * قيل لا تتعلق به وقيل المسكين شريكه فيه وقيل هو كاستيثاق المرتهن وقيل ان له تعلقا كتعلق أرش الجناية وهو الاصح) * سقوط الزكاة بتلف النصاب بعد الحول وقبل التمكن يشعر بان الزكاة متعلقة بالنصاب غير مسترسلة في الذمة فلما جرى ذكر هذه المسألة حسن البحث عن وجه ذلك التعلق والوجه أن نشرح ما أورده في الكتاب ثم نذكر ما ينبغى أن يعرف (فأما) ترتيب ما في الكتاب (فهو) أن للشافعي ﵁ قولين في كيفية تعلق الزكاة (أحدهما) أنها في الذمة ولا تعلق لها بالعين لانها عبادة وجبت ابتداء من جهة الشرع فتتعلق بالذمة كالحج وصدقة الفطر وكذلك الكفارات (والثاني) أتها تتعلق بالعين لقوله صلي الله عليه وسلم (في أربعين شاة شاة) وعلي هذا ففى كيفية التعلق قولان (أحدهما) أن أهل السهمان يصيرون شركاء لرب المال في قدر الزكاة لان الواجب يتبع المال في الصفة حتى يؤخذ من المراض مريضة ومن الصحاح صحيحة ولانه لو امتنع من اخراج الزكاة أخذها الامام من عين النصاب قهرا كما يقسم المال المشترك قهرا إذا امتنع بعض الشركاء من القسمة (والثاني) انه يتعلق بالمال تعلق استيثاق لانه لو صار مشتركا لما جاز لرب المال الاخراج من موضع آخر كما لا يجوز للشريك اداء حق الشريك من غير مال الشركة وعلى هذا ففى كيفية الاستيثاق قولان (أحدهما) أنه يتعلق به تعلق الدين بالرهن بدليل أنه لو امتنع من اداء الزكاة أو لم يوجد السن الواجبة في ماله كان للامام بيع بعض النصاب وشراء السن الواجبة كما يباع المرهون لقضاء الدين (والثانى) أنه يتعلق به تعلق الارش برقبة العبد الجاني لانه يسقط الواجب بهلاك النصاب ولو كان تعلقها كتعلق الدين بالموهون لما سقطت ويخرج من ذلك عند الاختصار أربعة أقوال كما ذكر في الكتاب ويجوز أن يعلم قوله
في أربعة أقوال بالواو لان امام الحرمين ثم صاحب البيان حكيا عن ابن سريج أنه لا خلاف في
[ ٥ / ٥٥١ ]
تعلقها بالعين وإنما الخلاف في كيفية التعلق فتعود الاقوال علي هذه الطريقة إلي ثلاثة.
وعند مالك ﵀ تتعلق الزكاة بالعين تعلق استحقاق وشركة فلك أن تعلم ما عدا هذا القول بالميم.
وعند أبي حنيفة ﵀ فيما رواه الصيدلانى وصاحب الشامل تتعلق تعلق الارش برقبة الجاني وهو احدي الروايتين عن احمد ﵀ تعالي فيجوز أن يعلم ما عدا هذا القول بالحاء والالف.
واعرف بعد هذا أمورا (أحدها) أن عامة مشايخنا ﵏ لم يردوا الا قول الذمة وقول الشركة وقالوا الاول قديم والثانى هو الجديد الصحيح واعتذروا عن جواز الابدال استقلالا بأن أمر الزكاة مبين علي المساهلة والارفاق فيحتمل فيه مالا يحتمل في سائر الاموال المشتركة وصاحب الكتاب رجح القول الرابع وهو أن تعلق الزكاة كتعلق الارش فيجوز أن يقال الكلامان مختلفان فيما هو الاصح في المسألة ويجوز أن يقال انهم حكموا بأن الشركة أصح من قول الذمة ولا يلزم منه أن يكون أصح علي وجه الاطلاق والاول أظهر (والثانى) أن ايراد الكتاب يقتضى كون الوجوب في الذمة قولا برأسه وتعلق الرهن قولا برأسه وكذا نقل الامام لكن العراقيين والصيدلانى والقاضي الروياني والجمهور جعلوا الامرين قولان واحدا فقالوا انها تتعلق بالذمة والمال مرتهن بها.
وجمع صاحب التتمة بين الطريقين فحكى وجهين في انا إذا قلنا بتعلقها بالذمة هل تجعل المال خلوا أو نقول هو رهن بها (والثالث) أنا إذا قلنا بثبوت استيثاق المرتهن اما قولا برأسه أو جزءا من قول الذمة فهل يجعل جميع المال مرهونا به أو يخص قدر الزكاة بالرهن بها.
فيه وجهان سنفرع عليهما وكذا الخلاف إذا قلنا بثبوت تعلق كتعلق الارش في أنه يتعلق بجميع النصاب أم بقدر الزكاة.
جميع ما ذكرناه فيما إذا كان الواجب من جنس المال وأما إذا كان من غير جنسه كالشاة الواجبة في الابل ففيه طريقان مذكوران في التتمة وغيرها (أحدهما) القطع بتعلقها بالذمة لتغاير الجنس (وأظهرهما) أنه على لخلاف السابق اما الاستيثاق فلا يختلف وأما الشركة فسبيلها تقدير الاستحقاق بمقدار قيمة الشاة وهذا الطريق هو الموافق لاطلاق الكتاب *
قال (وعليه نفرع فنقول أيصح بيعه قبل أداء الزكاة ولكن الساعي يتبع المال ان لم يؤد المالك فان أخذ الساعي من المشترى انتقض البيع فيه وفي الباقي قولا تفريق الصفقة وللمشترى الخيار قبل أخذ الساعي إذا عرف ذلك علي أحد الوجهين لتزلزل ملكه وإن أدى المالك سقط خياره على الاصح ولا يلتفت إلي رجوع الساعي بخروج ما أخذه مستحقا) * القول في بيع مال الزكاة يتفرع علي أصلين (أحدهما) ما ذكرنا أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة (والثانى) تفريق الصفقة وسيأتى في بابه ان شاء الله تعالى جده وتفصيله أنه إذا باع مال الزكاة
[ ٥ / ٥٥٢ ]
بعد الحول وقبل إخراج الزكاة لم يخل اما أن يبيع جميع النصاب أو بعضه فان باع جميعه فهل يصح في قدر الزكاة يتفرع علي الافوال.
إن قلنا أن الزكاة في الذمة والمال خلو عنها فيصح وإن قلنا المال مرهون بها فقولان (أحدهما) وهو الذى ذكره امام الحرمين أنه لا يصح لان بيع المرهون بدون إذن المرتهن باطل (وأصحهما) عند العراقيين وغيرهم أنه صحيح لان هذه علقة تثبت من غير اختيار المالك وليس ثبوتها لشخص معين فيتسامح فيها بما لا يتسامح في سائر الرهون وهذا كما إذا قلنا على قول الشركة بنينا الامر على المسامحة وإن قلنا بالشركة فقد حكي القاضى ابن كج طريقين (عن ابن القطان) القطع بالبطلان (وعن أبى اسحق وغيره) أن المسألة على قولين وهذا ما أورده أكثر العراقيين (أحدهما) الصحة لان ملك المساكين غير مستقر فيه فان له اسقاطه بالاخراج من موضع آخر فإذا باعه فقد اختار الاخراج من موضع آخر (والثاني) البطلان لانه باع ما لا يملكه وهذا ما أجاب به صاحب التهذيب وعامة المتأخرين فيمكن أن يكون ذلك اختيارا منهم للقول الثاني علي هذه الطريقة ويمكن ان يكون ذهابا منهم إلي الطريقة الاولى.
وان قلنا ان تعلق الزكاة كتعلق الارش ففي صحة البيع قولان كما في بيع العبد الجاني فان صححنا فيكون بالبيع ملتزما للفداء كما سيأتي ببانه في موضعه ثم إذا حكمنا بالصحة في قدر الزكاة ففيما عداه أولى وإذا حكمنا بالبطلان فهل يبطل فيما عداه: أما علي قول الشركة ففيما عداه قولا تفريق الصفقة: وأما علي قول الاستيثاق فان قلنا حق الاستيثاق متعلق
بجميع المال فالبيع باطل في الباقي أيضا ولا فرق وان قصرنا الاستيثاق علي قدر الزكاة ففى الباقي قولا التفريق: قال في النهاية والقصر هو الحق الذى قاله الجمهور وما عداه هفوة وهل تفترق الفتوى فيما عدا قدر الزكاة بين أن يكون لقدر الزكاة جزئية معلومة كالعشر في المعشرات وربع العشر في النقدين وبين أن لا يكون كذلك كالشاة من الاربعين هذا قد ذكره صاحب الكتاب في باب تفريق الصفقة وسنشرحه إن شاء الله تعالي جده وحيث منعنا البيع في الثمار فذلك قبل الخرص فأما بعده فلا منع إذا قلنا أن الخرص تضمين علي ما سنبينه (التفريع) اعلم أن مجموع ما يحصل من الاختلافات التي ذكرنا ثلاثة أقوال بطلان البيع في الكل وصحته في الكل وبطلانه في قدر الزكاة وصحته في الباقي (أما الاول) فلا يخفى حكمه (وأما الثاني) فقد تعرض في الكتاب لتفريعه وإن قصر الكلام علي القول الرابع (وأما الثالث) فلم يتعرض له ونحن نذكرها جميعا أما إذا صححنا البيع في الجميع فان أدي البائع الزكاة من موضع آخر فذاك والا فللساعي أن يبيع المال الحاصل في يد المشترى فيأخذ الزكاة من عينه وفاقا وهذا يضعف قول التعلق بمحض الذمة إذ لو كان كذلك
[ ٥ / ٥٥٣ ]
لما كان له أن يتتبعه كمن باع مالا وفي ذمته دين مرسل ليس لصاحب الدين أن يبيعه فان أخذ الساعي الواجب من عين المال انفسخ البيع في قدر الزكاة وهل ينفسخ في الباقي فيه الخلاف في تفريق الصفقة في الدوام ان قلنا ينفسخ استرد الثمن والا فله الخيار ان كان جاهلا لتبعض ما اشتراه ان فسخ فذاك وان أجاز في الباقي فيجيز بقسطه من الثمن أم بالجميع فيه قولان (أصحهما) أو لهما ولو لم يأخذ الساعي الواجب منه ولم يؤد البائع الزكاة من غيره فهل للمشترى الخيار ان اطلع علي حقيقة الحال فيه وجهان (أصحهما) نعم لتزلزل ملكه وتعرضه لاخذ الساعي (والثاني) لا لان ملكه في الحال حاصل والظاهر استمراه وأداء البائع الواجب من موضع آخر فان قلنا بالاول فإذا أخرج البائع الواجب من موضع آخر هل يسقط خياره فيه وجهان (اصحهما) نعم وهو المذكور في التهذيب لحصول استقرار الملك كما إذا اشترى معيبا ولم يرده حتى زال العيب لا يبقي له الرد (والثاني لا يسقط لانه لا يحتمل ان يخرج ما دفعه الي الساعي مستحقا فيرجع الساعي الي عين المال والوجهان
جاريان فيما إذا باع العبد الجاني ثم فداه السيد هل يبقي للمشترى الخيار.
اما إذا افسدنا البيع في قدر الزكاة وصححناه في الباقي فللمشترى الخيار بين فسخ البيع في الباقي وأجازته ولا يسقط الخيار بأداء البائع الزكاة من موضع آخر لانه ان فعل ذلك فالقصد لا ينقلب صحيحا في قدر الزكاة وإذا اجاز فيجيز بقسط الباقي من الثمن أو بالجميع فيه قولان كما ذكرنا وفي النهاية ان بعض الاصحاب قطع بأنه يخير بجميع الثمن في المواشى لان الشاة ليست معينة ولا جزءأ معلوما فاستحقاقها كعيب شائع في الجميع والمشترى إذا اطلع على عيب قديم واراد الاجازة فانما
[ ٥ / ٥٥٤ ]
يجيز بجميع الثمن والصحيح الاول.
هذا كله فيما إذا باع جميع النصاب (أما) إذا باع بعضه (نظر) إن لم يستبق قدر الزكاة فالحكم كما لو باع الكل.
وان استبقى قدر الزكاة اما علي قصد صرفه إلى الزكاة أولا علي هذا القصد فان فرعنا علي قول الشركة ففى صحة البيع وجهان (أحدهما) أنه يصح لان ما باعه حقه (وأقيسهما) عند ابن الصباغ المنع لان حق أهل السمهان شائع في الكل فأى قدر باعه كان حقه وحقهم وهذا الخلاف مبنى على كيفية ثبوت الشركة وفيه وجهان حكاهما صاحب التتمة وغيره (أحدهما) ان الزكاة شائعة في الكل متعلقة بكل واحدة من الشياة بالقسط (والثاني) ان محل الاستحقاق قدر الواجب ثم يتعين بالاخراج.
(وأما) علي قول الرهن (فيبنى) على ما قدمنا ان جميع المال مرهون أو المرهون قدر الزكاة فعلي الاول لا يصح البيع وعلي الثاني يصح (وأما) على قولنا إن تعلق الزكاة كتعلق الارش (فان) صححنا بيع العبد الجاني صح البيع والا فالتفريع كالتفريع علي قول الرهن والله أعلم.
* (أما) لفظ الكتاب (فيجوز) إعلام قوله يصح بيعه قبل اداء الزكاة بالواو لانه وان تكلم علي القول الرابع ففى صحة البيع علي ذلك القول قولان كما في بيع العبد الجاني (وقوله) ولكن للساعي أن يتبع المال لا يختص بهذا القول بل الحكم كذلك متى صححنا البيع على جميع الاقوال (وقوله) إذا عرف ذلك علي الوجهين تنبيه على أنه لو عرف الحال من الابتداء لم يكن له الخيار وقوله.
ولا يلتفت إلي رجوع الساعي الي آخره.
إشارة إلي توجيه الوجه المقابل وبيان انه لا مبالاة به على الاصح وهو كما لو أدى الزكاة ثم باع النصاب.
واعلم ان كلام الفصل أصلا وشرحا
في بيع الغصب التى يجب فيها زكاة الاعيان فأما بيع مال التجارة بعد وجوب الزكاة فيه فستأتي في بابها * قال (وإذا ملك أربعين من الغنم فتكرر الحول قبل اخراج الزكاة فزكاة الحول الثاني واجبة إن قنلا إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة) * هذه المسأله تنبنى علي أصلين سبقا (أحدهما) أن الزكاة تتعلق بالعين أو الذمة (والآخر) ان الدين هل يمنع الزكاة أم لا.
وصورتها أن رجلا ملك أربعين من الغنم فحال الحول عليها ولم يخرج
[ ٥ / ٥٥٥ ]
زكاتها حتى حال عليها حول آخر ولا يخلوا إما أن يحدث منها في كل حول يخلة فصاعدا أولا يحدث منها شئ.
فان حدثت سخلة فصاعدا فعليه لكل حول شاة بلا خلاف لانه مضي علي نصاب كامل وإن لم يحدث شئ وهذه الحالة هي المقصودة في الكتاب فلا خلاف في لزوم الشاة للحول الاول وهل تجب شاة للحول الثاني.
فان قلنا الزكاة تجب في الذمة وكان يملك غير النصاب ما يفى بشاة فنعم.
وإن لم يملك سوى النصاب شيئا فينبنى ذلك علي أن الدين هل يمنع الزكاة أم لا إن قلنا يمنع لم يجب للحول الثاني شئ لان واجب الحول الاول دين في ذمته وإن قلنا الزكاة تتعلق بالعين علي سبيل الشركة لم يجب للحول الثاني شئ لان أهل السهمان ملكوا واحدة منها للحول الاول فانتقص النصاب.
قال القاضى ابن كج وإمام الحرمين: وانما لم تجب زكاة الخلطة لان الزكاة غير واجبة علي أهل السهمان فيما استحقوه فالاختلاط معهم كهو مع المكاتب والذمى.
وان فرعنا علي أن تعلق الزكاة كتعلق الرهن أو كتعلق الارش فقد قال الامام كالتفريع على قول الذمة وكلام الكتاب ينزل علي التفريع علي القول الآخر فانه وعد في الفصل السابق بأنه عليه يفرع التفريع ورأيت كلام الصيدلاني في التفريع على القول الآخر بخلاف ما ذكراه فانه قال: إذا قلنا إنها متعلقة بالعين فيجب في العام الاول شاة وبعد ذلك لا يجب لان النصاب ناقص سواء جعلنا تعلقه بالعين للاستيفاء كالجناية أو على معنى الشركة وقياس المذهب ما ذكراه نعم يجوز أن يفرض خلاف في وجوب الزكاة من جهة تسلط الغير عليه وان قلنا الدين لا يمنع الزكاة علي ما قدمنا نظائره وبتقدير
أن يكون كذلك فلا يختص بالقول الاخير بل يجرى على قول الرهن والذمة أيضا ولو ملك خمسا وعشرين من الابل ومضي عليها حولان ولا نتاج فان قلنا الزكاة تتعلق بالذمة وقلنا الدين لا يمنع الزكاة أو كان له ما بفى بالواجب فعليه بنتا مخاض وان قلنا بالشركة فعليه للحول الاول بنت مخاض وللثاني أربع شياه وتفريع القولين الآخرين على قياس ما سبق ولو ملك خمسا من الابل ومضى عليه حولان بلا نتاج فالحكم كما في الصورتين السابقتين نعم قد ذكرنا أن من الاصحاب من لا يثبت قول الشركة فيما إذا كان الواجب من غير جنس الاصل فعلي هذا يكون الحكم في هذه الصورة مطلقا كما في الاوليين تفريعا على قول الذمة (والظاهر) وهو اختيار المزني أنه لا فرق بين
[ ٥ / ٥٥٦ ]
أن يكون الواجب من جنس المال أولا من جنسه ولهذا يجوز للساعي أن يبيع جزءأ من الابل في الشاة فدل ذلك علي تعلق الحق بعينها وإذا تعلق بعينها فكما يجوز أن يملك أهل السهمان قدر الزكاة إذا كان من جنس المال يجوز أن يملكوه إذا كان من غير الجنس * قال (ولو رهن مال الزكاة صح فان كان قبل الحول وقلنا ان الدين مع الرهن لا يمنع الزكاة أخرجت الزكاة من عين المرهون علي الاصح تقديما لحق الزكاة على الرهن كما يقدم حق المجني عليه.
ثم لو أيسر المالك فهل يلزمه أن يجبر للمرتهن قدر الزكاة ببذل قيمته لكون رهنا عنده فيه وجهان) * رهن مال الزكاة إما أن يكون بعد تمام الحول أو قبله وقد ذكر الحالتين في الكتاب (فالاولي) في قوله ولو رهن مال الزكاة صح.
وأعلم أن القول في صحة الرهن في قدر الزكاة كالقول في صحة بيعه فيعود فيه جميع ما قدمناه ويحتاج إلى اعلام قوله صح بالواو لمثل ما ذكرنا في البيع ثم إذا صححناه في قدر الزكاة ففيما عداه أولي وإن أبطلناه في قدر الزكاة فالحكم فيما عداه يترتب علي البيع إن صححنا البيع فالرهن أولي وإن أبطلناه ففى الرهن قولان مبنيان علي العلتين المشهورتين لقول فساد التفريق.
إن منعنا التفريق لاتحاد الصيغة وفسادها في بعض مواردها بطل الرهن أيضا وإن عللنا باتحاد العوض لم يبطل ويخرج مما ذكرناه طريقة جازمة بصحة الرهن فيما عدا قدر الزكاة
وبها قال ابن خيران.
ثم ان صححنا الرهن في الجميع ولم يؤد الزكاة من موضع آخر كان للساعي أخذها منه فإذا أخذ انفسخ الرهن فيه وفي الباقي الخلاف كما تقدم في البيع وان ابطلناه في الجميع أو في قدر الزكاة خاصة وكان الرهن مشروطا في بيع ففى فساد البيع قولان.
وإن لم يفسد فللمشترى الخيار ولا يسقط خياره باداء الزكاة من موضع آخر (الحالة الثانية) أن يرهن قبل تمام الحول ثم يتم الحول فقد ذكر في وجوب الزكاة فيه خلافا في الكتاب قبل هذها وشرحناه والرهن لابد أن يكون بدين وفي كون الدين مانعا من الزكاة الخلاف المشهور.
(فان قلنا) الرهن لا يمنع الزكاة قلنا الدين أيضا لا يمنع أو قلنا انه يمنع لكن كان له مال آخر يفى بالدين وجبت الزكاة وإلا لم تجب.
إذا عرف ذلك فلا يخلو إما أن لا يملك هذا الراهن مالا آخر أو يملك فان لم يملك فهل تؤخذ الزكاة من عين المرهون ينبى ذلك علي كيفية تعلق الزكاة.
ان قلنا تتعلق بالذمة فعن أبى علي الطبري وغيره
[ ٥ / ٥٥٧ ]
أنه قد اجتمع ههنا حق الله تعالي وحق الآدمى فيخرج على الاقوال الثلاثة في اجتماعهما فان سوينا بينهما وزعنا وعن أكثر الاصحاب أنه يقدم الرهن لانه أسبق ثبوتا والمرهون لا يرهن وهذا الوجه الثاني حكاه الامام ﵁ عن شيخه تفريعا علي قول الرهن ثم أنه خالفه واختار تقديم الزكاة وأعلم ان الذين حكوا الوجهين تفريعا علي قول الذمة هم العراقيون القائلون بان المال مرتهن بالزكاة على قول الذمة (فأما) من محض تعلقها بالذمة فينبغي أن ينقطع بامتناع الاخذ من المرهون كسائر الديون المرسلة وان قلنا بالشركة فتوخذ الزكاة من عين المرهون وكذا ان قلنا ان تعلق الزكاة كتعلق الارش كما تقدم حق المجني عليه على حق المرتهن ويحصل عند الاختصار مما حكينا وجهان كما ذكر في الكتاب (أصحهما) الاخذ من عين المرهون وعلى هذا لو كانت الزكاة من غير جنس المال كالشاة في الابل يباع جزء من المال في الزكاة وهذا هو الطريق المشهور وهو المحكى عن أبي اسحاق وعن ابن أبى هريرة وأبى حامد القاضى أنه إذا لم يكن له مال آخر تؤخذ الزكاة من عين المرهون بلا خلاف إن كان الواجب من جنس المال وإنما يكون الخلاف فيما إذا كان من غير جنسه والفرق أنه إذا كان الواجب من غير جنس الاصل لم يكن متعلقا بعينه حكى
ذلك عنهما القاضى ابن كج في أثناء طريقتين بينهما بعض الاختلاف ثم إذا أخذت الزكاة من غير المرهون وأيسر المالك الراهن بعد ذلك فهل يغرم قدر الزكاة ليكون رهنا عند المرتهن ان قلنا الزكاة تتعلق بالذمة فنعم وإن قلنا تتعلق بالعين فوجهان (أحدهما) نعم لانصرافه الي مصلحة براءة ذمته (وأظهرهما) لا لتعلقه بالمال بغير اختياره وهذان الوجهان بناهما الشيخان أبو محمد والصيدلاني علي أن الزكاة المخرجة من مال القراض علي قولنا العامل لا يملك الربح الا بالقسمة معدودة من المؤن أو هي كطائفة من المال يستردها المال إن قلنا بالاول لم يجب علي الراهن الجبر وان وان قلنا بالثاني فيجب وليس هذا البناء على التقدير الاول بواضح فان مؤنات المرهون علي الراهن لا من نفس المرهون بخلاف مؤنة مال القراض فانها من الربح هذا كله فيما إذا لم يملك مالا آخر فاما إذا مالك مالا آخر فالذي قاله الجمهور ان الزكاة تؤخذ من سائر أمواله ولا تؤخذ من عين المرهون لانها من مؤنة المال فاشبهت النفقة وعن أبي علي الطبري وآخرين انا إذا أوجبنا الزكاة في عين المال أخذناها من المرهون وان
[ ٥ / ٥٥٨ ]
ملك مالا آخر وهذا هو القياس كما لا يجب علي السيد فداء العبد المرهون إذا جنى وأبدى الامام من عند نفسه ترددا في المسألة مبنيا على وجوب الجبران في صورة الاعسار ان قلنا ان المعسر إذا أيسر لزمه الجبر وجب علي الموسر ابتداء أداء الزكاة من مال آخر وان قلنا لا يلزمه الجبر لم يجب وقوله في الكتاب أخرجت الزكاة من عين المرهون علي الاصح أراد به ما إذا لم يملك الراهن مالا آخر دون ما إذا ملك وان كان اللفظ مطلقا والخلاف في الحالتين ثابت بدليل قوله من بعد ثم لو أيسر المالك ويجوز أن يعلم قوله علي الاصح بالواو لان فيه اثبات الخلاف علي الاطلاق وعلى ما قدمنا رواية عن ابن أبى هريرة وأبي حامد تخرج الزكاة من عين المرهون بلا خلاف في بعض الاحوال وأعلم ان هذه المسألة ليست تفريعا من حجة الاسلام علي القول الرابع فحسب بخلاف المسائل التي قبل هذه لانه ذكر الخلاف فيها ولا يجئ الخلاف إذا أفرد القول الرابع بالنظر وهو ان تعلق الزكاة كتعلق الارش وانما يجئ إذا نظرنا الي غير هذا القول أيضا علي ما سبق وقوله يبذل قيمته أراد في المواشي فانها غير مثلية فاما إذا كان النصاب من جنس المثليات كان الجبر بذل المثل علي
ما هو قاعدة الغرامات وقد صرح بذلك صاحب التهذيب وغيره * قال (النوع الثاني زكاة المعشرات والنظر في الموجب والواجب ووقت الوجوب (الطرف الاول) الموجب وهو مقدار خمسة أو سق من كل مقتات (ح م) في حالة الاختيار (م) انبتته ارض مملوكة أو مستأجرة (ح) خراجية (ح) أو غير خراجية إذا كان المالك معينا (ح) حرا (ح) مسلما (ح) ولا زكاة علي الجديد في الزيتون والورس والعسل (ح) والزعفران والعصفر كما لا زكاة في الفواكه (ح) والخضروات ولكن يجب في الارز والماش والباقلا وغيرها من الاقوات والنصاب معتبر وهو ثمانمائة من فان الوسق ستون صاعا وكل صاع أربعة امداد وكل مد رطل وثلث بالبغدادي وكل رطل مائة وثلاثون درهما والمن مائتان وستون درهما والرطل نصف من وهو اثنتا عشرة أو قية والاوقية عشرة دراهم وأربعة دوانيق والدرهم أربعة عشر قيراطا كل ذلك بالوزن البغدادي فان جعلنا ذلك تقريبا لا تحديدا فلا تسقط الزكاة الا بمقدار ما لو وزع علي الاوسق الخمسة لظهر النقصان) *
[ ٥ / ٥٥٩ ]
حصر كلام هذا النوع في ثلاثة أطراف في أنه بم يجب وكم يجب ومتى يجب فأما أنه علي من يجب فعلى ما سبق في النوع الاول وقد أدرجه في ضبط الموجب ههنا أيضا أما الطرف الاول فيحتاج فيه إلى معرفة جنس الموجب وقدره وامور أخر نذكر جميعها في مسائل (المسألة الاولى) تجب الزكاة في الاقوات وهى من الثمار ثمر النخل والكرم ومن الحبوب الحنطة والشعير والارز والعدس والحمص والباقلاء والدخن والذرة واللوبيا وتسمى الدخن أيضا والماش والهرطمان قال أبو القاسم الكرخي وهو الجلبان والجلبان والخلر واحد فيما ذكر صاحب الشافي وروى الازهرى عن ابن الاعرابي أن الخلر هو الماش فان ثبتت المقدمتان فالهرطمان والماش والخلر والجلبان عبارات عن معبر واحد
[ ٥ / ٥٦٠ ]
ووجه وجوب الزكاة في هذه الاجناس أن النبي ﷺ أخذ الزكاة في كثير منها وألحق الباقي به لشمول معني الاقتيات لجميعها وصلاحها للاقتناء والادخار وعظم المنافع فيها وأما ما سوى الاقوات فلم يختلف قول الشافعي ﵁ في معظمها أنه لا زكاة فيه سواء كان من الثمار
أو الحبوب أو الخضروات وذلك كالتين والسفرجل والخوخ والتفاح والرمان وغيرهما وكالقطن والكتان والسمسم والاسبيوش وهو المعروف ببزر قطونا والثفاء وهو حب الرشاد والكمون والكزبرة والبطيخ والقثاء والسلق والجرز والقنبيط وحبوبها وبذورها واختلف قوله قديما وجديدا في أشياء منها الزيتون فالجديد الصحيح أنه لا زكاة فيه كالجوز واللوز وسائر الثمار وأيضا فقد روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (الصدقة في أربعة في التمر والزبيب والشعير والحنطة وليس فيما سواها صدقة) هذا الخبر ينفى الزكاة في غير الاربعة لكن ثبت أخذ الصدقة من الذرة وغيرها بأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم في الاوقوات وتمسكنا به فيما عداها قال في القديم تجب الزكاة في
[ ٥ / ٥٦١ ]
الزيتون لما روى عن عمر ﵁ وغيره أن (في الزيتون العشر) وبه قال مالك ﵀ فعلي هذا وقت الوجوب بدو الصلاح فيه وهو نضجه واسوداده ويعتبر النصاب كما في الرطب والعنب هكذا قاله الجمهور وحكى القاضي ابن كج أن ابن القطان خرج اعتبار النصاب فيه وفي جميع ما يختص القديم بايجاب الزكاة فيه علي قولين ثم إن كان الزيتون مما لا يجئ منه الزيت كالبغدادي أخرج عشره زيتونا وإن كان مما يجئ منه الزيت كالشامي فعن ابن المرزبان حكاية وجهين في جواز اخراج الزيتون (وجه المنع) ان نهاية أمره الزيت فيتعين الاخراج كالثمرة مع الرطب (والصحيح) عند المعظم وهو نصه في القديم جواز اخراج الزيتون لامكان إدخاره ولو أخرج الزيت فهو أولى وروى إمام الحرمين وجها آخر أنه يتعين اخراج الزيتون وعلل بأن النصاب يعتبر فيه دون الزيت بالاتفاق ومنها الورس والزعفران والورس شجر يخرج شيئا كالزعفران فلا زكاة فيهما على الجديد لما سبق ونقل عن القديم أنه يجب في الزكاة إن صح حديث أبي بكر ﵁ وهو ما روى أنه كتب إلي بنى خفاش (أن أدوا زكاة الذرة والورس) ثم قال في القديم من قال في الورس العشر يحتمل أن يقول يمثله في الزعفران لاشتراكهما في المنفعة والفائدة ويحتمل أن لا يوجب فيه شيئا لان الورس ثمرة شجرة لها ساق والزعفران نبات كالخضروات فقال الصيدلانى وغيره له في الورس قولان في القديم لانه مثل وعلق بثبوت حديث أبى بكر ﵁ والزعفران باتفاق الاصحاب
مرتب على الورس إن لم تجب فيه ففي الزعفران أولي وإن وجب ففى الزعفران قلان وإن أوجبنا فيهما الزكاة ففى اعتبار النصاب ما سبق من الخلاف والاكثرون علي عدم الاعتبار ههنا لان الاثر الوارد مطلق والغالب أنه لا يحصل الواحد منهما قدر النصاب فدل أنه كان يؤخذ من القليل
[ ٥ / ٥٦٢ ]
والكثير ومنها العسل فالجديد انه كما سبق وبه قال مالك لما روى أن معاذا لم يأخذ زكاة العسل وقال (لم يأمرني النبي صلي الله عليه وسلم فيه بشئ) وعن علي وابن عمر ﵃ (أنه لا زكاة فيه) وعن أبى اسحق أن الشافعي ﵁ علق القول فيه في القديم لما روي أن أبا بكر ﵁ (كان يأخذ الزكاة منه) وروى فيه الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم أيضا فان قلنا بالوجوب فاعتبار النصاب كما سبق ومذهب أحمد وجوب الزكاة فيه وبه قال أبو حنيفة ﵀ إذا أخذه من غير أرض الخراج وذهب الشيخ أبو حامد وغيره إلي أنه قطع القول بنفى الزكاة فيه قديما وجديدا فيحصل فيه طريقان (ومنها) حب العصفر وهو القرطم فالجديد كما سبق والقديم وجوب الزكاة فيه لما روى أن أبا بكر ﵁ (كان يأخذ منه) فعلي هذا الظاهر اعتبار النصاب فيه كما في سائر الحبوب والعصفر نفسه هل يجرى فيه الخلاف قال أبو القاسم الكرخي لا والخلاف في الحب واجري القاضي ابن كج الخلاف فيه وفى الحب ويمكن تشبيهه بالورس والزعفران ومنها الترمس وهو فيما ذكره الصيدلاني وصاحب التهذيب شبيه بالباقلا لكنه أصغر منه وقيل هو شبيه باللوبيا ولا زكاة فيه علي الجديد لانه لا يقتات انما يؤكل تداويا ويقال انه يهيج الباءة وحكى العراقيون عن القديم أنه يجب فيه الزكاة لشبهه بالباقلا واللوبيا (ومنها)
[ ٥ / ٥٦٣ ]
حب الفول حكى القاضي إبن كج وجوب الزكاة فيه على القديم ولم أر هذا النقل لغيره وليس في الفرق بينه وبين حبوب سائر البقول معني معقول (المسألة الثانية) لا يكفى في وجوب الزكاة كون الشئ مقتاتا علي الاطلاق بل المعتبر ان يقتات في حالة الاختيار وقد يقتات الشئ للضرورة فلا زكاة فيه ومثله الشافعي ﵁ بالغث وحب الحنظل وسائر البذور البرية وشبهها بالظباء وبقر الوحش
لا زكاة فيهما لان الآدميين لا يستبيحونها ولا يتعهدونها كذلك هذه الحبوب واختلف في تفسير الغث فعن المزني وطائفة انه حب الغاسول وهو الاشنان ولانه إذا ادرك وتناهي نضجه حصلت فيه مرارة
[ ٥ / ٥٦٤ ]
وحموضة وربما اقتاتها المضطرون وقال آخرون انه حب اسود يابس يدفن حتى تلين قشرته ثم يزال قشره ويطحن ويخبز ويقتاته اعراب طئ: واعلم أن الائمة ضبطوا ما يجب العشر فيه بوصفين (أحدهما) أن يكون قوتا (والثانى) أن يستنبته الآدميون أي يكون من ذلك الجنس وقالوا ان فقد الاول كما في الاسبيوش أو الثاني كما في الغث أو كلاهما كما في الثفاء فلا زكاة وانما يحتاج الي الوصف الثاني من لم يتعرض لكونه مقتاتا في حال الاختيار بل اطلق الاقتيات: فاما من تعرض لذلك فهو غنى عن ذكر الوصف الثاني إذ ليس فيما لا يستنبت شئ يقتات اختيارا واعتبر العراقيون مع هذين الوصفين وصفين آخرين (أحدهما) أن يدخر (والثانى) أن ييبس ولا حاجة اليهما فانهما لا زمان لكل مقتات مستنبت (المسألة الثالثة): النصاب معتبر في المعشرات وهو قدر خمسة أو سق وبه قال مالك واحمد وقال أبو حنيفة رحمهما الله يجب العشر في القليل والكثير لكن له أن يفرق بنفسه فيما دون خمسة أو سق فإذا بلغها دفع الي الامام لنا ما روى ابو سعيد الخدرى ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (ليس فيما دونه خمسه أو سق من التمر صدقة) وفي رواية جابر وغيره الوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث رطل وهى منوان وثلثا من ويكون الوسق الواحد مائة ستين منا وجملة الاوسق الخمسة ثلثمائة صاع وهى ثمانمائة من وهذا بالمن الصغير وبالكبير اعني الذى وزنه ستمائة درهم يكون ثلثمائة من وستة وأربعين منا وثلثي من هل يعتبر القدر المذكور تقريبا أم تحديدا فيه وجهان (أحدهما) وهو الذى ذكره الصيدلانى تقريبا لان الوسق عبارة عن حمل بعير وذلك قد يزيد وينقص وانما قدر بستين صاعا تقريبا وأخدا بالوسط (وأصحهما) عند المحاملي والاكثرين انه
[ ٥ / ٥٦٥ ]
تحديد لما روى عن عائشة ﵂ انها قالت (جرت السنة انه ليس فيما دون خمسة أو سق من التمر صدقة) ولان نصاب المواشى وغيرها معتبر علي التحديد فكذلك هههنا فان قلنا بالاول احتمل
نقصان القدر القليل كالرطل والرطلين وحاول امام الحرمين ضبطه فقال الاوساق هي الا وقار والوقر المقتصد مائة وستون منا فكل نقصان لو وزع على الاوسق الخمسة لم تعد منحطة عن حد الاعتدال فلا يضر وان عدت منحطة عن حد الاعتدال لم يحتمل وان اشكل الامر فيجوز أن يقال لا زكاة الي أن تتحقق الكثرة ويجوز أن يقال يجب لبقاء الاوسق وتعليق الزكاة بها في الخبر الذى رويناه قال وهذا اظهر ثم جرى في أثناء كلامه أن الاعتبار فيما علقه الشارع بالصاع والمد بمقدار موزون يضاف إلى الصاع والمد لا بما يحوى البر ونحوه وذكر القاضي الروياني وغيره ان الاعتبار بالكيل لا بالوزن قال ابو العباس الجرجاني الا العسل إذا اوجبنا الزكاة فيه فالاعتبار فيه بالارطال قال فانه لا يكال وهذا هو الصحيح وسيأتي شواهده ومنه قوله في المختصر مكيلة زكاة الفطر هذه الترجمة تشعر بأن المعتبر الكيل وعلى هذا توسط في العدة بين وجهى التقريب والتحديد فقال هو على التحديد في الكيل وعلي التقريب في الوزن وانما قدره العلماء بالوزن استطهارا (المسألة الرابعة) لا فرق بين ما تنبته الارض المملوكة وما تملكه الارض المكتراة في وجوب العشر ويجتمع علي المكترى العشر والاجرة كما لو اكترى حانوتا للتجارة يجب عليه الاجرة وزكاة التجارة جميعا وعند أبي حنيفة ﵀ العشر علي المكرى لان العشر عنده حق الارض وعلي هذا الاصل يبنى الخلاف في اجتماع العشر والخراج فعندنا هما يجتمعان وعنده لا عشر فيما تنبته الارض الخراجية لنا انهما حقان وجبا بسببين مختلفين فلا يمنع أحدهما الاخر كالقيمة والجزاء في الصيد المملوك ثم قال الاصحاب وانما تكون الارض خراجية في صورتين (احداهما) أن يفتح الامام بلدة قهر أو يقسمها بين الغانمين ثم يبدلهم عنهما ويقفها علي المسلمين ويضرب عليها خراجا كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق علي الصحيح وفيه لابن سريج خلاف مذكور في موضعه (والاخرى) أن يفتح بلدة صلحا علي أن تكون الاراضي للمسلمين ويسكنها الكفار بخراج معلوم فالاراضي فئ المسلمين والخراج عليها أجرة لا يسقط بالسلامهم وكذا لو انجلي الكفار عن بلدة وقلنا ان الاراضي تصير وقفا علي مصابح المسلمين فيضرب عليها خراج يؤديه
[ ٥ / ٥٦٦ ]
من يسكنها مسلما كان أو ذميا فاما إذا فتحت بلدة صلحا ولم يشترط كون الاراضي للمسلمين ولكن
مكثوا فيها بخراج فهذا يسقط بالاسلام فانه جزية وعند أبى حنيفة لا يسقط البلاد التي فتحت قهرا وقسمت بين الغانمين واستبقيت في أيديهم وكذا التى اسلم أهلها عليها والاراضي التي أحياها المسلمون عشرية محضة وأخذ الخراج منها ظلم (فرع) النواحى التى يؤخذ الخراج منها ولا يعرف كيف كان حالها في الاصل حكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي ﵁ انه يستدام الاخذ منها فانه يجوز ان يكون الذى افتتحها صنع بها ما صنع عمر ﵁ بسواد العراق والظاهر أن ما جرى طول الدهر جرى رحق فان قيل فهل يثبت فيها حكم أراضي السواد من امتناع البيع والرهن قيل يجوز أن يقال الظاهر في الاخذ كونه حقا وفي الايدى الملك فلا نترك واحدا من الظاهرين الا بيقين ولهذا نظائر (فرع) الخراج المأخوذ ظلما لا يقوم مقام العشر فان أخذ السلطان علي أن يكون بدلا عن العشر فهذا كاخذ القيمة في الزكاة بالاجتهاد وقد حكوا في سقوط الفرض به وجهين الذى ذكره في التتمة انه يسقط فان لم يبلغ ذلك قد العشر اخرج الباقي وفي النهاية ان بعض المصنفين حكى قريبا من هذا عن أبى زيد المروزى والستبعده: ونعود بعد هذا إلي ما يتعلق بلفظ الكتاب اما قوله وهو مقدار خمسة أو سق معلم بالحاء لان عنده لا حاجة إلي التقييد بهذا المقدار وقوله من كل مقتات بالحاء والميم والالف لان عندهم لا يتقيد الوجوب بالاقوات بل عند أبى حنيفة يجب في جميع الثمار والخضروات والحبوب التى تنبتها الادميون الا الحشيش والقصب والحطب وعند مالك يجب في كل ما تعظم منفعته ويدخر كالسمسم وبدر الكتان والقطن وعند احمد يجب في جميع الثمار والحبوب التى تكال وتدخر سواء النابت بنفسه والمستنبت وقوله في حال الاختيار يحصل به الاحتراز عن الغث وغيره مما يقتات عند الضرورة وذكر في الوسيط أنه احترز به عن الثفاء والترمس فان العرب تقتاته في حالة الاضطرار وأورده الامام نحوا من ذلك والذى قاله الجمهور في الثفاء والترمس ما قدمنا ولم يجعلوهما مما يقتات وعد الازهرى كليهما مما لا يقتات والله أعلم.
وقوله أو مستأجرة وكذا قوله خراجية مرقومان بالحاء لان عنده لا يجب العشر على مالك الاوسق الخمسة المرفوعة منهما وقوله إذا كان مالكه معينا احترز به عن ثمار البستان وغلد الضيعة الموقوفين علي المساجد والرباطات
والقناطر والفقراء والمساكين فلا زكاة فيها إذ ليس لها مالك معين ويجوز ان يعلم بالواو ولان صاحب البيان حكي ان ابن المنذر روى عن الشافعي ﵁ وجوب الزكاة فيها واليه ذهب ابو حنيفة بناء على ما سبق ان العشر حق الارض وأوجبه على المكاتب والذمى ايضا فليكن قوله معينا
[ ٥ / ٥٦٧ ]
حرا مسلما معلما جميعها بالحاء فاما إذا كان الوقف علي جماعة معينين فقد كتبناه في باب الخلطة وقوله فلا زكاة على الجديد في الزيتون إلى قوله والعصفر لتكن جميعها معلما بالحاء وكذا قوله كما زكاة في الفواكه لما قدمنا والزيتون بالميم أيضا والعسل بالالف ايضا لما مضي ولك تعلم قوله على الجديد بالواو لانه يقتضي اثبات القولين في الاشياء المذكور من الزيتون الي العصفر وقد ذكرنا في العسل طريقة نافية للخلاف بل حكى القاضي ابن كج فيما سوى الزيتون طريقة نافية للخلاف قاطعة بالوجوب وفي جريان الخلاف في العصفر أيضا كلام قد تقدم (وقوله) النصاب معتبر وتعاد العلامة عليه بالحاء وقد وقع التعرض له في أول الكلام حيث قال وهو مقدر خمسة أو سق لكن القصد بذكر هذا الموضع وانما اعترض ذكره ثم لانه حاول استيعاب الامور التى عندها يثبت الوجوب (وقوله) فان جعلنا هذا تقريبا لا تحديدا يتضمن بيان الخلاف كما يصرح بتفريع التقريب * قال (ثم هذه الاوسق تعتبر زبيبا أو تمرا وفي الحبوب منقى عن القشر الا فيما يطحن مع قشره كالذرة ومالا يتتمر بوسق رطبا) * غرض الفصل بيان الحالة التى يعتبر فيها بلوغ المعشر خمسة أوسق فاما في ثمر النخيل والكرم فيعتبر بلوغه هذا المقدار تمرا وزبيبا لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) اعتبر الاوسق من التمر وعن احمد رواية انه يعتبر الاوسق رطبا ويؤخذا عشره يابسا والاصح عنه مثل مذهبنا فان كان له رطب لا يتخذ منه تمر ففى كيفية اعتبار النصاب فيه وجهان (أظهرهما) أنه يوسق رطبا لانه ليس له حالة جفاف ورطوبته اكمل احواله فلا ينظر الا إليها (والثاني) انه يعتبر حالة الجفاف كما في سائر الانواع وعلي هذا فالاعتبار
بنفسه أم بغيره فيه وجهان (أحدهما) بنفسه فيعتبر بلوغ يابسه نصابا وان كان حشفا قليل الخير (والثاني) انه يعتبر بأقرب الارطاب إليه فيقال لو كان بدله ذلك النوع الذى تجفف هل كان يبلغ ثمره نصابا لانه لما لم يمكن اعتباره بنفسه اعتبر بغيره كالجناية على الحر إذا لم يكن لها أرش مقدر وهذا إذا كان يجئ منه تمر وان كان حشفا رديئا فاما إذا كان يفسد بالكلية لم يجئ فيه الوجه الثاني ولفظ الكتاب الي هذا أقرب فانه قال ومالا يتتمر ولم يقل ومالا يتمر وكيف ما كان فقوله بوسق رطبا معلم بالواو والعنب الذى لا يزبب كالرطب الذى لا يتمر ولا خلاف في ضم مالا يجفف منهما إلى ما يجفف في اكمال النصاب قاله في التهذيب ثم في أخذ الواجب من الذى لا يجفف اشكال ستعرفه ووجه الخلاص فيه في مسألة اصابة النخيل العطش ان شاء الله تعالي جده وأما الحبوب فيعتبر بلوغها
[ ٥ / ٥٦٨ ]
نصابا بعد التصفية من التبن والاخراج من السنابل ثم قشورها على ثلاثة اضرب (أحدها) قشر لا يدخر الحب فيه ولا يؤكل معه فهو كالتبن المحض ولا يدخل في النصاب (والثاني) قشر يدخر الحب فيه ويؤكل معه كالذرة تطحن وتؤكل مع قشرها غالبا فيؤخذ ذلك القشر في الحساب فانه طعام وان كان قد يزال تنعما كما تقشر الحنطة فتجعل حوارى وهل يدخل في الحساب القشرة السفلى من الباقلاء حكوا فيه وجهين قال في العدة المذهب انه لا تدخل لانها غليظة غير مقصودة (والثالث) قشر يدخر الحب فيه ولا يؤكل معه فلا يدخل في حساب النصاب ولكن يؤخذ الواجب فيه وهذا كما في العلس والارز أما العلس فقد قال الشافعي ﵁ في الام أنه بعد الدياسة يبقى علي كل حبتين منه كمام لا يزول الا بالرحى الخفيفة أو بالمهراس ادخاره علي ما ذكره أهله في ذلك الكمام أصلح له وإذا أزيل كان الصافى نصف المبلغ فلا يكلف صاحبه ازالة دلك الكمام عنه ويعتبر بلوغه بعد الدياس عشرة اوسق ليكون الصافى منه خمسة أوسق وأما الارز فيدخر أيضا ممع قشره فانه ابقى له فيعتبر بلوغه مع القشر عشرة اوسق وعن الشيخ ابي حامد انه قد يخرج منه الثلث فيعتبر بلوغه قدرا يكون الخارج منه نصابا قال (ولا يكمل نصاب جنس بجنس آخر (م) ويكمل العلس بالحنطة فانه حنطة حبتان منه في كمام واحد والسلت قيل انه يضم إلى الشعير لصورته * وقيل يضم
إلى الحنطة * لانه علي طبعها * وقيل هو اصل بنفسه) * لا يضم التمر إلى الزبيب في تكميل النصاب ويضم أنواع التمر بعضها إلي بعض وكذلك أنواع الزبيب ولا تضم أيضا الحنطة إلى الشعير ولا سائر أجناس الحبوب بعضها إلي بعض خلافا لمالك حيث قال تضم الحنطة الي الشعير وتضم القطنية بعضها إلى بعض ولا يضمان إلى القطنية ولاحمد حيث قال يضم أحدهما إلى الآخر ويضمان إلى القطنية أيضا والقطنية هي العدس والحمص ونحوها سميت بذلك لقطونها البيوت: لنا أن كل واحد من أصناف الحبوب منفرد باسم خاص وطبع خاص ولا يضم بعضها إلى بعض كما لا يضم الزبيب الي التمر ويضم العلس الي الحنطة فانه نوع من الحنطة وإذا نحيت الاكمة التى يحوى الواحد منها حبتين خرجت الحنطة الصافية وقبل التنحية لو كان له وسقا علس وأربعة أو سق من الحنطة فقد تم النصاب ولو كان له ثلاثة أو سق من الحنطة فانما يتم النصاب باربعة اوسق من العلس وعلي هذا القياس: وأما السلت فقد اختلفوا في وصفه اولا فذكر العراقيون انه حب يشبه الحنطة في اللون والنعومة والشعير في برودة الطبع وتابعهم في التهذيب علي ما ذكروا وعكس الصيدلانى وآخرون فقالوا انه في صورة الشعير وطبعه حاركا لحنطة وهذا ما ذكره في الكتاب وكيف
[ ٥ / ٥٦٩ ]
ما كان فله شبه من الحنطة وشبه من الشعير وفيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يضم الي الشعير لما له من شبهه ويحكي هذا عن صاحب الافصاح وصاحب التقريب وبه أجاب أقضى القضاة الماوردى في الاحكام السلطانية (وثانيها) أنه يضم إلى الحنطة لما له من شبهها (وأظهرها) وهو اختيار القفال فيما حكي الصيدلاني أنه أصل بنفسه لا يضم الي واحد منهما لانه اكتسب من تركب الشبهين طبعا ينفرد به وصار أصلا برأسه وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن نصه في البويطى ولك أن تعلم قوله وقيل الي الحنطة لانه علي طبعها بالواو لان أبا سعيد المتولي قال لا خلاف في أنه لا يضم الي الحنطة والخلاف في أنه اصل بنفسه أو يضم إلى الشعير وقد وصف واصفون السلت بان فيه حموضة يسيرة لكنه ليس بالذى يسمي بالفارسية ترش جو فانه شعير علي التحقيق ذكره الامام قال وما عندي ان السلت المذكور في الكتب موجود في هذه الديار *
قال (ولا يكمل ملك رجل بمالك غيره الا الشريك والجار إذا جعلنا للخلطة فيه أثرا) * ذكرنا في باب الخلطة الخلاف في أن الخلطة هل تثبت في الثمار والزروع ام لا وان ثبتت فهل تثبت الخلطتان أو لا تثبت الا خلطة الشيوع والظاهر ثبوتهما جميعا فان قلنا لا تثبتان فلا يكمل ملك رجل بملك غيره في حق النصاب وان قلنا تثبتان فيكمل ملك رجل بملك غيره في حق النصاب وان قنلا تثبتان فيكمل ملك الرجل بملك الشريك والجار: ومما يتفرع على هذا الاختلاف ما لو مات أنسان وخلف ورثة ونخيلا مثمرة أو غير مثمرة وبدا الصلاح في الحالتين في ملك الورثة ان قلنا لا تثبت الخلطة في الثمار فحكم كل واحد منهم منقطع من غيره فمن بلغ نصيبه نصابا فعليه الزكاة ومن لم يبلغ نصيبه نصابا فلا شئ عليه ولا فرق بين أن يقتسموا أولا يقتسموا وان قلنا تثبت الخلطة فقد قال الشافعي ﵁ ان اقتسموا قبل بدوا الصلاح سقط حكم الخلطة وزكوا زكاة الانفراد فمن لم يبلغ نصيبه نصابا فلا شئ عليه وهذا إذا لم تثبت خلطة الجوار أو أثبتناها وكانت متباعدة فاما إذا كانت متجاورة وأثبتنا خلطة الجوار فيزكون زكاة الخلطة كما قبل القسمة وان اقتسموا بعد بدو الصلاح زكوا زكاة الخلطة لانهم كانوا شركاء حالة الوجوب وهى بدو الصلاح وبدو الصلاح في الثمار كمضي الحول كله في المواشي وههنا كلامان (احدهما) اعترض المزني فقال القسم بيع وبيع الربويات بعضها ببعض جزافا لا يجوز وبيع الرطب بالرطب على رؤس النخل بيع جزاف وايضا فبيع الرطب بالرطب لا يجوز عند الشافعي ﵁ بحال ولا يندفع هذا الاشكال بان يقال الرطب لم يتمحض عوضا في واحد من الجانبين بل الجذع بل الجذع يدخل في القسمة لان عند الشافعي ﵁ لا يجوز بيع الربوي وشئ آخر بذلك الربوي وشئ آخر وأجاب الاصحاب بوجهين (احدهما) قالوا الامر علي ما ذكرت ان فرعنا على ان القسمة
[ ٥ / ٥٧٠ ]
بيع لكن له قول آخر وهو ان القسمة افراز حق وعلي ذلك القول اجاب ههنا (والثاني) انا وان قلنا ان القسمة بيع فيتصور فرض القسمة ههنا من وجوه (منها) ان تكون بعض النخيل مثمرة وبعضها غير مثمرة فيجعل هذا سهما وذلك سهما ويقسم قسمة تعديل فيكون بيع النخل والرطب بمحض النخل
وأنه جائز (ومنها) ان تكون التركة نخلتين والوارث شخصان فيشترى احدهما نصيب صاحبه من احدى النخلتين جذعا ورطبا بعشرة ويبيع نصيب نفسه من صاحبه من النخلة الاخرى جذعا ورطبا بعشرة ويتقاضان الدراهم قال الائمة ولا تحتاج إلى شرط القطع وان كانت الصفقتان قبل بدو الصلاح لان المبيع جزء شائع من الثمرة والشجرة معا فصار كما لو باع كلها صفقة واحدة وانما تحتاج الي شرط القطع حينئذ عند افراد الثمرة بالبيع ومنا أن يبيع كل واحد منهما نصيبه من ثمرة أحدى النخلتين نصيب صاحبه من جذعها فيجوز بعد بدو الصلاح ولا يلزم الربوا وقبل بدو الصلاح لا يجوز إلا بشرط القطع لانه بيع ثمرة تكون للمشترى على جذع البائع ذكره صاحب الشامل وغيره وقد حكي القاضى بن كج عن بعض الاصحاب أن قسمة الثمار بالخرص جائزة علي أحد القولين والذى ذكره ها هنا جواب علي ذلك القول ولك أن تقول هذا لو دفع انما يدفع اشكال البيع جزافا فلا يدفع اشكال منع بيع الرطب (الكلام الثاني) قال أصحابنا العراقيون تجوز القسمة قبل اخراج الزكاة بناء على أن الزكاة في الذمة أما إذا قلنا إنها تتعلق بالعين فلا تصح القسمة واعلم أنه يمكن تصحيح القسمة مع التفريع علي قول العين بأن يخرص الثمار عليهم ويضمنوا حق المساكين فلهم التصرف بعد ذلك وأيضا فانا حكينا في البيع قولين تفريعا علي التعلق فكذلك القسمة إذا جعلناها بيعا وان جعلناها افرازا فلا منع وجميع ما ذكرنا من المسألة فيما إذا لم يكن علي الميت دين فأما إذا مات وعليه دين وخلف علي ورثته نخيلا مثمرة فبدا الصلاح فيها بعد موته وقبل ان تباع في الدين ففى وجوب الزكاة علي الورثة قولان حكاهما الشيخ أبو على (أحدهما) لا يجب لان ملكهم فيها غير مستقر في الحال إنما يستقر بعد قضاء الدين من غيره فأشبه ملك المكاتب لما لم يستقر إلا بتقدير أداء النجوم لم تجب الزكوة فيه قبل ذلك (وأصحهما) وهو الذى أورده الجمهور يجب لانها ملكهم ما لم تبع في الدين ألا ترى أن لهم أن يمسكوها ويقضوا الدين من موضع آخر فإذا ملكوا وهم من أهل الزكوة لزمهم الزكوة فعلي هذا القول في أنهم يزكون زكاة الخلطة والانفراد علي ما سبق فيها إذ لم يكن علي الميت دين قال الشيخ ويمكن بناء القولين على الخلاف في أن الدين هل يمنع الميراث فيه قولان وغيره يحكيه وجهين (أحدهما) ويروى عن الاصطخرى نعم لان الله تعالي أثبت الارث بعد الدين حيث
قال (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (وأصحهما) لا لان الدين لا يستحق الا التعلق به وطلب الحق منه
[ ٥ / ٥٧١ ]
فتكون الرقبة لهم كالمال المرهون والعبد الجاني رقبتهما للمالك فإذا فرعنا علي الاصح وهو وجوب الزكوة عليهم فان كانوا موسرين أخذت الزكوة منهم وصرفت النخيل والثمار إلى دين الغرماء وإن كانوا معسرين فهل تؤخذ الزكوة منهم فيه طريقان (أحدهما) انه على الخلاف في أن الزكوة تتعلق بالذمة أو بالعين ان قلنا بالذمة والمال مرهون بها فيخرج عل الاقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدميين فان سوينا وزعنا المال على الزكاة وحق الغرماء وإن قلنا تتعلق بالعين أخذت الزكوة سواء قلنا بتعلق الشركة أو بمثل تعلق الارش (والطريق الثاني) وهو الاصح ان الزكاة تؤخذ بكل حال لان حق الزكوة أقوى تعلقا بالمال من حق الرهن ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب وقبل امكان الاداء والدين لا يسقط بهلاك الرهن ثم حق المرتهن مقدم علي حق غيره فحق الزكاة أولي أن يكون مقدما ثم إذا أخذت الزكاة من العين ولم يف الباقي بالدين غرم الورثة قدر الزكاة لغرماء الميت إذا أيسروا لان وجوب الزكاة عليهم وبسببه تلف ذلك القدر على الغرماء قال صاحب التهذيب هذا إذا قلنا الزكوة تتعلق بالذمة فان علقناها بالعين لم يغرموا كما ذكرنا في الرهن ولو أن اطلاع النخيل كان بعد موته فالثمار محض حق الورثة ولا تصرف الي دين الغرماء إلا إذا قلنا الدين يمنع الميراث فحكمها حكم ما لو حدثت قبل موته * قال (ولا يضم حمل نخلة الي حملها الثاني ولا حمل نخلة الي حمل أخرى إذا تأخر اطلاع الاخير عن جذاذ الاولى وان تأخر عن زهوها فوجهان ووقت الجذاذ كالجذاذ على رأى) * لا خلاف في أن ثمرة العام الثاني لا تضم الي ثمرة العام الاول في تكميل النصاب وان فرض اطلاع ثمرة العام الثاني قبل جذاذ ثمرة العام الاول ولو كانت له نخيل تثمر في العام الواحد مرتين فلا يضم الحمل الثاني الي الاول لان كل حمل كثمرة عام وفي هذه المسألة كلامان (أحدهما) قال الاصحاب هذا لا يكاد يقع لان النخل والكرم اللذين يختصان بايجاب الزكاة في ثمارهما لا يحملان
حملين وانما نفرض ذلك في التين وما لا زكاة فيه وانما ذكر الشافعي ﵁ المسألة بيانا للحكم بتقدير التصور (والثاني) أن القاضى ابن كج فصل فقال ان اطلعت النخل للحمل الثاني بعد جذاذ الاول فلا ضم وان اطلعت قبل جذاذه وبعد بدو الصلاح فيه خلاف كما سنذكره في حمل نخلتين وهذا لا يخالف اطلاق الجمهور عدم الضم فان السابق إلى الفهم من الحمل الثاني هو الحادث بعد جذاذ الاول والله أعلم *
[ ٥ / ٥٧٢ ]
ولو كانت له نخيل أو كروم يختلف ادراك ثمارها في العام الواحد إما بحسب اختلاف النوع أو بحسب اختلاف البلاد حرارة وبرودة فهل يضم بعض ثمارها الي بعض نظر ان اطلع ما تبطؤ ثمارها قبل زهو الاول وبدو الصلاح فيه وجب الضم لوجود حمل الثاني يوم وجوب الزكاة في الاول والاشجار تطلع وتدرك ثمارها علي تدريج وتفاوت وان اطلع الثاني بعد جذاذ الاول ففيه وجهان (احدهما) وهو الذى أورده القاضى بن كج واصحاب القفال أنه لا يضم لان الثاني حدث بعد انصرام الاول فاشبه ثمرة عامين وهذا هو المذكور في الكتاب (والثاني) وهو الذى قاله أصحاب الشيخ ابى حامد انه يضم لانهما ثمرة عام واحد ولهؤلاء أن يحتجوا على ما ذكروه بقول الشافعي ﵁ وثمرة النخيل تختلف فثمر النخل يجذ بتهامة وهو بنجد بسر وبلح فيضم بعض ذلك الي بعض لانها ثمرة عام وان كان بينهما الشهر والشهران فان قلنا بالوجه الثاني فلو كان اطلاع الثاني قبل الجذاذ وبعد بدو الصلاح فهو أولي بالضم وان قلنا بالاول فههنا وجهان (أحدهما) ويحكى عن أبي اسحق انه لا يضم لحدوث الثاني بعد وجوب الزكاة في الاول فصار كثمرة عامين وذكر في التهذيب ان هذا اصح (والثانى) يضم لاجتماعهما على رأس النخيل كما لو اطلع قبل زهو الاول ثم اختلف الصائرون الي الوجه المذكور في الكتاب وهو اعتبار الجذاذ في ان وقت الجذاذ هل يقام مقام الجذاذ علي وجهين (أحدهما) لا يقام لاجتماع الثمرتين قبل الجذاذ على رأس النخيل (وافقههما) وهو الذى ذكره الصيدلاني انها تقام مقام الجذاذ فان الثمار بعد دخول الوقت كالمجذوذة الاثري انه لو اطلعت النخلة للعام الثاني وقد تركت بعض ثمرة العام الاول عليها لا يثبت الضم
فعلي هذا قال امام الحرمين للجذاذ أول وقت ونهاية ترك الثمار إليها اولي وتلك النهاية أحق بالاعتبار قال (ولو ضممنا نخلة إلى أخرى فجدت التى أطلعت أولا ثم اطلعت ثانيا قبل جذاذ الثانية لم نضمها الي الثانية لان فيها ضما الي الاولي وقد أطلعت بعد جذاذها وذلك يتسلسل فلا تضم الي الثانية) * اذكر المسألة في قالب المثال الذي ذكره الشافعي ﵁ وتابعه الاصحاب فيه ثم اعود الي عبارة الكتاب فان فيها لبسا اعلم ان من المواضع التى يختلف ادراك الثمار فيها بحسب اختلاف الاهوية تهامة ونجد فتهامة بلاد حارة ونجد بلاد باردة وثمر النخيل بتهامة اسرع ادراكا منها بنجد فإذا كانت للرجل نخيل تهامية واخرى نجدية فاطلعت التهامية ثم أطلعت النجدية لذلك العام واقتضي الحال ضم ثمرة النجدية إلى ثمرة التهامية علي ما فصلناه في الفصل السابق فضممناها إليها ثم اطلعت التهامية مرة أخرى فلا تضم ثمرة هذه المرة إلى ثمرة النجدية وان طلعت قبل بدو الصلاح فيها
[ ٥ / ٥٧٣ ]
لان في ضمها الي النجدية ضما الي ثمرتها المرة الاولي ولا سبيل إليه لان ثمرتها المرة الثانية اما حمل ثان علي تصوير ان تكون تلك التهاميات مما تحمل في كل سنة مرتين وإما حمل سنة ثانية وعلي التقديرين فلا ضم علي ما سبق وهذا ما ذكره الاصحاب ثم قال الصيدلانى وامام الحرمين ولو لم تكن ثمرة النجدية مضمومة إلى حمل التهامية أولا بان اطلعت بعد جذاذ ذلك الحمل لكنا نضم حملها الثاني المطلع قبل جذاذ النجدية إليها إذ لا يلزم ههنا المحذور الذى ذكرناه وهذا قد لا يسلمه سائر الاصحاب لانهم حكموا بضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض وبان ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر ومعلوم ان ادراك ثمار التهامية في كل عام اسرع من ادراك ثمار النجدية فيكون اطلاع التهامية ثانيا للعام القابل وما على النجدية من العام الاول.
وأما كلام الكتاب فأما ان اراد به الصورة التي نقلناها عن جمهور الاصحاب وأما ان أراد به ما يشعر به ظاهره فان أراد تلك الصورة وهى التي أوردها في الوسيط فاللفظ هههنا يحال عن وجهه تصويرا وتعليلا اما التصوير فلان للجمهور صورا في اطلاع النخلة الاولى مرة أخرى: وهو صور في ثلاث نخلات متغايرة اطلعت الثالثة بعد
جذاذ الاولي وقبل جذاذ الثانية وأما التعليل فلان قوله لان فيها ضما الي قوله وذلك يتسلسل يشعر بان امتناع الضم الي حمل الثانية لتضمنه الضم الي حمل الاولي وقد أطلع هذا بعد جذاذه ولا سبيل الي ضم ما اطلع بعد المجذوذ إليه ولو جوزنا ذلك للزم ضم نخلة إلى نخلة بلا نهاية وهذا التعليل غير التعليل اللذى سبق وان أراد ما يشعر به ظاهر الكلام فعدم الضم مما تنازع فيه كلام الاصحاب اللذين قالوا بانضمام ثمار العام الواحد بعضها الي بعض ولم يبالوا باطلاع الآخر بعد جذاذ الاول علي ما أسلفناه وفي ضبطهم بالعام الواحد ما يقطع التسلسل الذى ادعاه ولا يخفى ان قوله ولو ضممنا نخلة إلى آخرى معناه حمل نخلة الي حمل نخلة اخرى بحذف المضاف قل (وأما الذرة لو زرعت بعد حصاد الاولي فعلي قول هما كحملي شجرة فلا يضم وعلي قول يضم مهما وقع الزرعان والحصادان في سنة وعلي قول يكتفى في الضم بوقوع الزرعين في سنة لانه الداخل تحت الاختيار وعلي قول ينظر الي اجتماع الحصادين فانه المقصود وعلي قول إن وقع الزرعان أو الحصادان معا أو زرع الثاني وحصاد الاول اكتفى به: والزرع بعد اشتداد الحب كهو بعد الحصاد على أحد الرأيين والزرع بتناثر الحبات للاول أو بنقر العصافير كهو بالاختيار وقيل انه يضم لانه تابع ولو أدرك أحد الزرعين والاخر بقل فالظاهر الضم وقيل يخرج علي الاقوال) * الاصل الذى لابد من معرفته أولا أن زرع عام لا يضم الي زرع عام آخر في تكميل النصاب واختلاف أوقات الزراعة لضرورة التدريج فيها كالذى يبتدئ الزراعة ولا يزال يزرع الي شهر أو شهرين لا يقدح بل هي
[ ٥ / ٥٧٤ ]
معدودة زرعا واحدا يضم بعضها الي بعض عند اتحاد الجنس إذا عرفت ذلك ففى الفصل مسألتان (أحدهما) ان الشئ قد يزرع في سنة واحدة مرارا كالذرة تزرع في فصول مختلفة في الخريف والربيع والصيف ففى ضم البعض إلى البعض أقوال (احدها) ان المزروع بعد حصد الاولي لا يضم إليه كما لا يضم أحد حملي الشجر إلى الآخر (والثانى) يضم ان وقع الزرعان والحصادان في سنة لانهما حينئذ يعدان زرع سنة واحدة وهو اجتماعهما في سنة واحدة بان يكون بين الزرع الاول وحصد الثاني اقل من اثنى عشر شهرا عربية كذا قال صاحب النهاية والتهذيب فان كان بينهما سنة فصاعدا فلا يضم
(والثالث) ان الاعتبار بوقوع الزرعين في سنة ولا نظر الي الحصاد لان الزرع هو المتعلق بالاختيار والحصاد لا اختيار في وقته ويختلف باختلاف حال الارض والهواء وأيضا فان الزرع هو الاصل والحصاد فرعه وثمرته فيعتبر ما هو الاصل فعلي هذا يضم وان كان حصاد الثاني خارجا عن السنة (والرابع) ان المعتبر اجتماع الحصادين في سنة فإذا حصل وجب الضم وان كان زرع الاول خارجا عن السنة لان الحصاد هو المقصود وعنده يستقر الوجوب فاعتباره أولى وهذه الاقوال الاربعة مدونة في المختصر (والخامس) ويحكى عن رواية الربيع انه ان وقع الزرعان والحصادان أو زرع الثاني وحصد الاول في سنة ضم احداهما إلى الثاني وهذا بعيد عند الاصحاب لانه يوجب ضم زرع السنة الي زرع السنة الاخرى فان العادة ابتداء الزرع الثاني بعد مضى شهر من حصد الاول هذا بيان الاقوال علي الوجه المذكور في الكتاب واختلفوا في الاظهر منها وكلام الاكثرين مائل الي ترجيح القول الرابع ونقل المسعود في الافصاح القول الخامس علي وجه أخص مما ذكرنا فقال الاعتبار بجميع السنة بأحد الطرفين: إما الزرعين أو الحصادين ولم يلجق بهما زرع الثاني وحصد الاول والشيخ أبو حامد في طائقة جعلوا الفصل بدلا عن السنة في حكاية القول الثاني والثالث والرابع واعتبروا علي القول الثاني ان يكون الزرعان في فصل واحد والحصادان في فصل واحد وما المعنى بالفصل: ذكر القاضي الروياني ان المعني بالفصل هههنا أربعة أشهر والطريقة التى تقدمت أوفق للفظ المختصر وهى التى
[ ٥ / ٥٧٥ ]
اعتمدها القاضى بن كج ونقلها أصحاب القفال وغيرهم وعن أبي اسحق انه خرج قولان أن ما يعد زرع سنة يضم بعضه إلى بعض ولا أثر لاختلاف الزرع والحصاد قال وأعنى ههنا بالسنة اثني عشر شهرا فان الزرع لا يبقى هذه المدة وانما أعنى بها ستة اشهر إلى ثمانية وإذا جمع جامع بين ما نقلناه من الروايات انتظمت في المسألة عشرة أقوال فتأملها وهذا كله فيما إذا كان زرع الثاني بعد حصول الاول ووراء ذلك حالتان (احداهما) أن يكون زرع الثاني بعد اشتداد حب الاول فالخلاف فيه مرتب علي الخلاف فيما إذا كان زرع الثاني بعد حصد الاول وههنا أولي بالضم لاجتماعها في النبات في الارض والحصول فيها وقوله في الكتاب علي أحد الروايتين المراد منه طريقان يتولدان من
هذا الترتيب (أحدهما) القطع بالضم (والثاني) باثبات الخلاف وهو أظهر والثانية أن يكون الزرعان معا أو علي التواصل المعتبر ثم يدرك أحدهما والثانى بعد بقل لم يشتد حبه أصلا ففيه طريقان (أصحهما) القطع بالضم لان ذلك يعد زرعا واحدا والثانى وحكاه الامام عن أبي اسحق انه على الاقوال لاختلافهما في وقت الوجوب بخلاف ما لو تأخر بدو الصلاح في بعض الثمار فانه يضم إلى ما بدأ فيه الصلاح لا محالة لان الثمرة الحاصلة هي متعلق الزكاة بعينها والمنتظر فيها صفة الثمرة وههنا متعلق الواجب الحب ولم يخلق بعد والموجود حشيش محض (المسألة الثانية) قال الشافعي ﵁ الذرة تزرع مرة فتخرج فتحصد ثم يستخلف في بعض المواضع فتحصد أخرى فهو زرع واحد وان تأخرت حصدته الاخرى اختلف المفسرون لكلامه في المراد بهذه الصورة على ثلاثة أوجه (أحدها) أن المراد بها ما إذا تسنبلت الذرة واشتدت فانتثر بعض حباتها بنفسها أو بنقل العصافير أو بهبوب الرياح فسقى الارض فنبتت تلك الحبات المنثورة في تلك السنة مرة أخرى وأدركت ومنهم من قال المراد بها ما إذا نبتت فالتفت وعلا بعض طاقاتها فغطي البعض وبقي ذلك المغطي مخضرا تحث ما علا فإذا حصد العالي أثرت الشمس في المخضر فأدرك (ومنهم) من قال المراد بها الذرة الهندية تحصد سنابلها ويبقى ساقها فيخرج سنابل أخرى ويحكى هذا الوجه الثاني عن ابن سريج ثم اختلفوا في الصور الثلاث بحسب اختلافهم في المراد من النص واتفاق الجمهور علي أن ما ذكره قطع بالضم وليس جوابا علي بعض الاقوال التي سبقت فذكروا في الصورة الاولي طريقين (احدهما) أنها علي الاقوال في الزرعين المختلفى الوقت فانه زرع مفتتح بعد زرع (والثانى) القطع بالضم لانه تابع للاول غير حاصل بالقصد والاختيار وايراد الكتاب يشعر بترجيح
[ ٥ / ٥٧٦ ]
الاول وهو قضية ما في التهذيب وذكروا في الصورة الثانية طريقين أيضا (أظهرهما) القطع بالضم لانها حصلت دفعة واحدة وانما تفاوت الادراك (والثاني) ويحكي عن ابى اسحق انها مخرجة علي الاقوال وذكروا في الثالثة ثلاثة طرق (احدها) انها علي الخلاف فيما لو حصد زرع ثم زرع آخر (والثانى) لا يضم قولا واحدا كالنخلة تحمل في السنة
حملين (والثالث) يضم قولا واحدا بخلاف الزرع بعد الزرع فان أحدهما مفصول عن الآخر وههنا الزرع واحد وانما تفرق ريعه وبخلاف حملي النخلة فانها شجرة لها ثمر بعد ثمر فحملاها في سنة كحملها في سنتين والذرة زرع لا يبقى فالخارج من ساقها ملحق بالاول كزرع تعجل ادراك بعضه وتأخر ادراك بعضه وهذا أصح عند صاحب التهذيب * قال (الطرف الثاني في الواجب وهو العشر فيما سقت السماء ونصف العشر فيما سقى بنضح أو دالية والقنوات كالسماء والناعور الذى يدبر الماء بنفسه كالدواليب) * الاصل في قدر الواجب في هذا النوع ما روى ابن عمر ﵄ ان النبي ﷺ قال (فيما سقت السماء أو العيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر) ويروى (وما سقى بنضح أو غرب ففيه نصف العشر) قال في الصحاح العثرى بالتحريك الزرع الذى لا يسقيه
[ ٥ / ٥٧٧ ]
الاماء المطر وقال الازهرى وسقيه بالنضح أن يستقى له من ماء النهر أو البئر بساتينه وغيرها وتسمي السوانى نواضح الواحدة سانية والغرب الدلو الكبير: إذا عرف ذلك فيجب فيما سقى بماء السماء من الثمار والزروع العشر وكذا البعل وهو الذى يشرب بعروقه لقربه من الماء وكذا ما يشرب من ماء ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة كل ذلك فيه العشر وما سقى بالنضح أو بالدلاء أو بالدواليب ففيه نصف العشر وكذا ما سقى بالدالية قال في الصحاح وهى المنجنون تديرها البقرة وما سقي بالناعور وهو الذى يديره الماء بنفسه لانه تسبب الي النزح كالاستقاء بالدلاء والنواضح والمعني الكلي الذى يقتضيه التفاوت ان أمر الزكاة مبني علي الرفق بالمالك والمساكين فإذا كثرت المؤنة خف الواجب أو سقط كما في المعلوفة وإذا خفت المؤنة كثر الواجب كما في الركاز وأما القنوات وفي معناها السواقى المحفورة من النهر العظيم إلى حيث يسوق الماء إليه فالذي ذكره في الكتاب ان السقى منها كالسقى بماء السماء وهذا هو الذى أورده طوائف الاصحاب من العراقيين وغيرهم وعللوا بان مؤنة القنوات انما تتحمل لاصلاح الضيعة والانهار تشق لاحياء الارض فإذا تهيأت وصل الماء الي الزرع بطبعه مرة بعد أخرى بخلاف السقى بالنواضح ونحوها فان المونة ثم تتحمل
لنفس الزرع: وادعي امام الحرمين اتفاق الائمة على هذا لكن ابا عاصم العبادي ذكر في الطبقات ان ابا سهل الصعلوكى افتى بأن المسقي من ماء القناة فيه نصف العشر لكثرة المونة وفصل صاحب التهذيب فقالى ان كانت القناة أو العين كثيرة المونة بان كانت لا تزال تنهار وتحتاج الي استحداث حفر فالمسقى بها كالمسقي بالسواقي وان لم يكن لها مؤنة اكثر من مؤنة الحفر الاول وكسحها في بعض الاوقات ففى السقى بها العشر والمشهور الاول * (فرع) اشار القاضى ابن كج الي أنه لو احتاح الي شراء الماء كان الواجب نصف العشر ونقله عنه صريحا صاحب الرقم ولو سقاه بماء مغصوب فكذلك لان عليه الضمان وهذا حسن جار على كل مأخذ فانه لا يتعلق به صلاح الضيعة بخلاف القناة ثم حكي القاضى عن أبى الحسين وجهين فيما لو وهب منه الماء ورجح الحاقه بما لو غصب لما في قبول الهبة من المنة العظيمة فصاركا لو علف ماشيته بعلف موهوب والله أعلم * قال (ولو اجتمع السقيان على التساوى وجب ثلاثة أرباع العشر في كل نصف بحسابه وان كان أحدهما أغلب اعتبر الاغلب في قول ووزع في الثاني عليهما: والاغلب يعرف بالعدد في وجه وبزيادة النمو والنفع في وجه: وإذا أشكل الاغلب فهو كالاستواء) *
[ ٥ / ٥٧٨ ]
إذا اجتمع السقيان في زرع وكان يسقى بماء السماء مدة وبالنضح مدة فلا يخلو اما أن يكون الزرع منشأ على هذا القصد أو بنى أمره علي أحد الشقين ثم اعترض الآخر واجتمعا (الحالة الاولي) وهى المقصودة في الكتاب أن ينشأ الزرع على قصد السقى بهما جميعا ففيه قولان كالقولين فيما إذا تنوعت ابله أو غنمه (أظهرهما) أنه يقسط الواجب عليهما لظاهر قوله ﷺ فيما إذا تنوعت (فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح نصف العشر) فعلي هذا لو كان ثلثا السقى بماء السماء والثلث بالنضح وجب خمسة أسداس العشر ثلثا العشر للثلثين وثلث نصف العشر للثلث ولو سقى علي التساوى وجب نصف العشر ونصف نصف العشر وذلك ثلاثة أرباع العشر (والقول الثاني) وحكاه في الشامل عن أبى حنيفة واحمد ان الاعتبار بالاغلب فان كان السقى بماء السماء أغلب ففيه العشر وان كان السقى بالنضح
أغلب ففيه نصف العشر لان النظر الي اعداد السقى وازمنته مما يشق ويعسر فيدار الحكم علي الغالب تخفيفا وعلي هذا لو استويا ففيه وجهان حكاهما الامام (أحدهما) انه يجب العشر نظرا للمساكين وهذا هو الذى حكاه المسعودي تفريعا على القول الثاني (وأصحهما) وهو الذى أورده في الكتاب انا نقسط الواجب عليهما كما ذكرنا علي القول الاول لانتفاء الغلبة من الجانبين وعلى هذا فالحكم حالة الاستواء واحد علي القولين فينتظم ان يقال ان استويا وجب ثلاثة أرباع العشر فان كان أحدهما أغلب فقولان وهكذا أورد صاحب الكتاب والاكثرون ثم سواء قلنا بالتقسط أو اعتبرنا الاغلب فالنظر إلى ماذا في معرفة المقادير: فيه وجهان (احدهما) أن النظر إلى عدد السقيات لان المؤونة بحسبها تقل وتكثر ولا شك أن الاعتبار بالسقيات المفيدة دون ما لا تفيد أو تضر (وأوفقهما) لظاهر نصه أن الاعتبار بعيش الزرع ونمائه أهو بأحدهما أكثر أم لا وكذا عيش التمر فانه المقصود وقال في النهاية وعبر بعضهم عن هذا بعبارة أخرى فقال النظر الي النفع وقد تكون السقية الواحدة أنفع من سقيات كثيرة قال وهما متقاربان الا أن صاحب العبارة الثانية لا ينظر الي المدة وانما ينظر الي النفع الذى يحكم به أهل الخبرة وصاحب العبارة الاولى يعتبر المدة: واعلم أن اعتبار المدة هو الذى ذكره الاكثرون على الوجه الثاني وذكروا في المثال انه لو كانت المدة من يوم الزرع إلى الادراك ثمانية أشهر واحتاج في ستة أشهر زماني الشتاء والربيع الي سقيتين فسقى بماء السماء وفي شهرين وهو زمان الصيف الي ثلاث سقيات فسقي بالنضح فان اعتبرنا عدد السقيات فعلي قول التوزيع يجب خمسا العشر وثلاثة اخماس نصف العشر وذلك ثلاثة اخماس العشر ونصف خمسه وعلي قول اعتبار الاغلب يجب نصف العشر لان عدد السقيات بالنضح أكثر وان اعتبرنا المدة فعلى قول التوزيع يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر وعلي قول اعتبار الاغلب يجب العشر لان مدة السقى بماء السماء
[ ٥ / ٥٧٩ ]
أطول ولو سقى الزرع بماء السماء والنضح جميعا لكن اشكل مقدار كل واحد منهما فعن ابن سريج وتابعه الجمهور أنه يجب ثلاثة أرباع العشر أخذا بالاستواء وذكر القاضي ابن كج وجها آخر ان الواجب نصف العشر لانه اليقين والاصل براءة ذمته عن الزيادة وإذا عرفت ما ذكرنا يتبين
لك ان الوجهين في قوله (والاغلب يعرف بزيادة العدد الي آخره) لا يختصان بالاغلب بل يجريان فيما يعتبر به الاستواء أيضا (وقوله) إذا اشكل الاغلب فهو كالاستواء انما صور الاشكال في الاغلب لانه قصد التفريع علي قول اعتبار الاغلب والا فلو لم يعرف هل أحدهما أغلب من الآخر كما لو عرف أن أحدهما اغلب وشك في انه هذا ام ذاك والحالة (الثانية) ان يبنى الامر على أحد السقيين ثم يعرض الاخر فهل يستصحب حكم قصده أولا ويعتبر الحكم فيه وجهان (اصحهما) الثاني ثم في كيفية اعتبارهما الخلاف الذى ذكرنا * (فرع) لو اختلف الساعي والمالك في انه بماذا سقى فالقول قول المالك لان الاصل عدم وجوب الزيادة (آخر) لو كان له زرع مسقى بماء السماء وآخر مسقى بالنضح ولم يبلغ واحد منهما نصا باضم احدهما الي الثاني في حق النصاب وان اختلف مقدار الواجب * قال (ويجب ان يخرج العشر من جنس المعشر ونوعه فان اختلف النوع فمن كل بقسطه فان عسر فالوسط) * (قوله) ويجب ان يخرج العشر من جنس المعشر ولا يجوز ان يعلم بالحاء لان ابا حنيفة ﵀ يجوز اخراج القيم في الزكاة فلا يجب عنده اخراج الجنس * لنا قوله صلي الله عليه وسلم (خذ من الابل الابل) الخبر (وقوله) ونوعه ليس مجرى علي اطلاقه فانه لو اخرج الاجود عن الارد أجاز انما الواجب ألا يخرج أردأ مما عنده وغرض الفصل انه لو كان الجنس الذى يملكه من الثمار والحبوب نوعا واحدا فيؤخذ منه الزكاة وان اختلف انواعه كما إذا ملك من التمر البردى والكبيس وهما نوعان جيدان والجعرور ومصران الفارة وعذق الجبيق وهي انواع رديئة ومنهم من يجعل الجعرور وسطا فان لم يعسر
[ ٥ / ٥٨٠ ]
أخذ الواجب من كل نوع بالحصة أخذ بالحصة بخلاف نظيره في المواشي حيث ذكرنا فيه خلافا من قبل والفرق ان التشقيص في الحيوان محذور بخلاف ما في الثمار الا ترى ان في المواشي وان قلنا بالتقسيط فاننا نعتبر قيم الانواع ونأخذ ما يقتضيه التوزيع ونأمره بدفع نوع منها على ما يقتضيه التوزيع ولا يأخذ البعض من هذا والبعض من ذاك وههنا بخلافه وطرد القاضى ابن كج القولين
ههنا والمشهور الفرق وان عسر اخذ الواجب من كل نوع بأن كثرت الانواع وقل مقدار كل نوع فما الذي يؤخذ.
حكى عن صاحب الافصاح فيه ثلاثة اوجه (اصحها) وهو المذكور في الكتاب انه لا يكلف بالاخراج من كل نوع لما فيه من العسر ولا يكلف بالاخراج من الاجود ولا نرضي بالردئ بل يؤخذ من الوسط رعاية للجانبين (والثانى) انه يؤخذ من كل نوع بالقسط كما إذا قلت الانواع (والثالث) انه يؤخذ من الغالب ويجعل غيره تبعا له وروى القاضى ابن كج في المسأله طريقين (احدهما) القطع بأخذ الوسط والثانى ان فيها قولين (احدهما) اخذ الوسط (والثاني) اخذ الغالب * إذا عرفت ذلك فاعلم قوله فان عسر فالوسط بالواو واعلم انه ليس المراد وجوب اخراج الوسط حتى لا يجوز اخذ غيره بل لو تحمل العسر واخرج من كل نوع بالقسط جاز ووجب على الساعي قبوله فإذا أراد الساعي أخذ العشر كيل لرب المال تسعة وأخذ الساعي العاشر وانما يبدأ بجانب المالك لان حقه أكثر ولان حق المساكين انما يتبين به ولو بدأ بجانبهم فربما لا يفى الباقي بحقه فيحتاج الي رد ما كيل لهم وان كان الواجب نصف العشر كيل لرب المال تسعة عشر وأخذ الساعي العشرين وان كان الواجب ثلاثة أرباع العشر كيل لرب المال سبعة وثلاثون وللمساكين ثلاثة ولا يهز المكيال ولا يزلزل ولا توضع البد فوقه ولا يمسح لان ذلك مما يختلف فيه بل يصب فيه ما يحتمله ثم يفرغ * قال (الطرف الثالث في وقت الوجوب وهو الزهو في الثمار والاشتداد في الحبوب فينعقد سبب وجوب اخراج التمر والحب عند الجفاف والتنقية فلو أخرج الرطب في الحال كان بدلا) * وقت وجوب الصدقة في النخل والكرم الزهو وهو بدو الصلاح لان النبي ﷺ (كان حينئذ ببعث الخارص) للخرص ولو تقدم الوجوب عليه لبعثه قبل ذلك ولو تأخر عنه لما بعثه
[ ٥ / ٥٨١ ]
إلي ذلك الوقت ووقت الوجوب في الحبوب اشتدادها لانها حينئذ تصير طعاما كما أن حمل النخل والكرم عند بدو الصلاح يصير ثمرة كاملة وهو قبل ذلك بلح وحصرم هذا هو المشهور وفي النهاية أن صاحب التقريب حكي قولا غريبا أن وقت الوجوب هو الجفاف والاشتداد ولا يتقدم الوجوب علي الامر بالاداء: وفي الشامل أن الشيخ أبا حامد حكى عن القديم أنه أومأ الي أن الزكاة تجب
عند فعل الحصاد فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب (وهو الزهو في الثمار والاشتداد في الحبوب لهذين والكلام في معني بدو الصلاح وأن بدو الصلاح في البعض كبدوه في الكل على ما هو مذكور في كتاب البيع ولا يشترط تمام اشتداد الحب كما لا يشترط تمام الصلاح في الثمار ويتفرع على المذهب المشهور أنه لو اشترى نخيلا مثمرة أو ورثها قبل بدو الصلاح ثم بدا الصلاح بعد ذلك فعليه الزكاة ولو اشترى بشرط الخيار فبدا الصلاح في زمان الخيار فان قلنا الملك للبائع فالزكاة عليه وان امضي البيع وان قلنا للمشترى الزكاة عليه وان فسخ البيع وان قلنا بالوقف فأمر الزكاة موقوف أيضا: وفرع ابن الحداد علي هذا الاصل أنه لو باع المسلم نخيله المثمرة قبل بدو الصلاح من ذمي فبدا الصلاح في ملكه فلا زكاة علي واحد منهما: أما الذمي فظاهر: وأما المسلم فلان الثمرة لم تكن في ملكه وقت الوجوب ولو عاد إلى ملكه بعد بدو الصلاح ببيع مستأنف أو بهبة أو تقابل أورد بعيب فلا زكاة عليه أيضا لانه لم تكن في ملكه حين الوجوب والبيع من المكاتب كالبيع من الذمي فيما ذكرنا ولو باع النخل من مسلم قبل بدو الصلاح فبدا الصلاح في ملك المشترى ثم وجد بها عيبا فليس له الرد الا برضا البائع لانها تعلق بها حق الزكاة فكان كعيب حدث في يده فان أخرج المشترى الواجب: اما من تلك الثمرة أو من غيرها فالحكم علي ما ذكرنا في زكاة النعم في الشرط الرابع: اما إذا باع الثمرة وحدها قبل بدو الصلاح فهذا البيع لا يصح الا بشرط القطع فان شرطه ولم يتفق القطع حتى بدا فيها الصلاح فقد وجب العشر وينظر فان رضيا بابقائها الي اوان الجذاذ جاز والعشر على المشترى وعن الشيخ
[ ٥ / ٥٨٢ ]
ابى حامد ان ابا اسحاق حكي قولا اخر انه ينفسخ البيع لانه لو اتفقا عليه عند البيع لبطل البيع فإذا وجد هذا الشرط المبطل بعده ينفسخ والصحيح الاول وان لم يرضيا بالابقاء لم تنقطع الثمرة لان فيه اضرارا بالمساكين ثم فيه قولان (احدهما) ينفسخ البيع لتعذر امضائه فان البائع يبتغى القطع لشرطه وهو ممتنع لما ذكرنا (واصحهما) انه لا ينفسخ فانه عيب حدث بعد البيع لكن ان لم يرض البائع بالابقاء ينفسخ البيع وان رضى البائع بالابقاء وابي المشترى الا القطع فوجهان (احدهما) يفسخ أيضا (وأصحهما) أنه لا يفسخ لان البائع قد زاده خيرا والقطع انما كان لحقه حتى لا تمتص الثمرة
ماء الشجرة فإذا رضي تركت الثمرة بحالها ولو رضى البائع ثم رجع كان له ذلك لان رضاه اعارة وحيث قلنا يفسخ البيع ففسخ فعلي من تجب الصدقة: فيه قولان (أحدهما) علي البائع لان الفسخ كان لشرط القطع فأسند الي أصل العقد (واصحها) انها علي المشترى لان بدو الصلاح كان في ملكه فاشبه ما لو فسخ بعيب فعلي هذا لو أخذ الساعي من غير الثمار رجع البائع علي المشترى (وقوله) فينعقد سبب وجوب اخراج الثمرة والحب عند الجفاف معناه انا وان قلنا ان بدو الصلاح واشتداد الحب وقت الوجب فلا نكلفه بالاخراج في الحال لكن ينعقد حينئذ سبب وجوب اخراج الثمرة والزبيب والحب المصفى ويصير ذلك مستحقا للمساكين يدفع إليهم بالاجرة ولو اخرج الرطب في الحال لم يجز لما روى عن غياث بن أسيد ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (في زكاة الكرم انها تخرص كما تخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدي زكاة الرطب تمرا) لان المقاسمة بيع علي الصحيح
[ ٥ / ٥٨٣ ]
وبيع الرطب بالرطب لا يجوز فلو أخذ الساعي الرطب لم يقع الموقع ووجب الرد ان كان باقيا وان كان تالفا فوجهان (الذى) نص عليه وقاله الاكثرون انه ترد القيمة (والثانى) انه يرد المثل والخلاف يبنى علي ان الرطب والعنب مثليان أم لا: (وقد ذكر الخلاف فيه في الكتاب) في باب الغصب وجعل الاظهر انهما مثليان فمن قال به حمل النص على ما إذ لم يوجد المثل ولو جف عند الساعي نظر ان كان قدر الزكاة اجزأ والارد التفاوت أو أخذ هكذا قال العراقيون والاولى وجه آخر ذكره القاضي ابن كج وهو انه لا يجزى بحال لفساد القبض من أصله وقوله في الكتاب فلو أخذ الرطب في الحال كان بدلا أراد به انه لا يقع الموقع لان البدل لا يجزئ في الزكاة إذا فرضت ضرورة واعلم ان ما ذكرناه أصلا وشرحا في أخذ الرطب مما يجئ منه التمر والزبيب فان لم يكن كذلك فسيأتي * (قال ويستحب (ح) ان يخرص عليه فيعرف قدر ما يرجع إليه تمرا ويدخل في الخرص جميع النخيل ولا يترك بعضه ولمالك النخيل وهل يكفى خارص واحد كالحاكم أو لابد من اثنين كالشاهد فيه قولان) *
الاصل في الخرص ما روينا من حديث غياث بن اسيد وروى ايضا أن النبي صلي الله عليه وسلم (خرص حديقة امرأة بنفسه) وإنما يكون ذلك في الثمار دون الزروع لانه لا يمكن الوقوف عليها لاستتارها وايضا فان الزروع لا تؤكل في حال الرطوبة والثمار توكل فيحتاج المالك إلى ان يخرص عليه ويمكن من التصرف فيها ووقته بدو الصلاح لما روى عن عائشة ﵂ قالت (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة خارصا أول ما تطيب الثمرة) وكيفيته أن
[ ٥ / ٥٨٤ ]
يطوف بالنخلة ويرى جميع عناقيدها ويقول خرصها كذا رطبا ويجئ منها التمر كذا ثم يأتي نخلة أخرى فيفعل بها مثل ذلك الي أن يأتي علي جميع ما في الحديقة ولا يقتصر على رؤية البعض وقياس الباقي عليه لانها تتفاوت وانما يخرص كل نخلة رطبا ثم تمرا لان الارطاب تتفاوت (فمنها) ما يكون اكثر نماء وأقل تمرا (ومنها) ما يكون بخلاف ذل فان اتحد النوع جاز ان يخرص الجميع رطبا ثم تمرا وفي الفصل بعد هذا مسألتان (احداهما) هل تدخل النخيل كلها في الخرص: الصحيح المشهور ادخال الكل لاطلاق النصوص المقتضية لوجوب العشر: وعن صاحب التقريب ان للشافعي ﵁ قولا في القديم انه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكل منها أهله ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم (فال؟) وذلك في مقابلة قيامه بتربية الثمار إلى الجذاذ وتعبه في
[ ٥ / ٥٨٥ ]
التجفيف (وقد يحتج له) بما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم قال إذا (خرصتم فاتركوا لهم الثلث فان لم تتركوا الثلث فاتركوا لهم الربع) ومن قال بالصحيح قال اما مؤونة الجذاذ والتجفيف فهى من خالص مال المالك وكذا مؤونة التنقية في الحبوب لما سبق أن المستحق لهم هو اليابس وأما الخبر فهو محمول علي ترك البعض لرب المال عند اخذ الزكاة ليفرقه بنفسه علي اقاربه وجيرانه أي لا يؤاخذ بدفع جميع ما خرص عليه اولا (الثانية) هل يكفى خارص واحد ام لابد من اثنين فيه طريقان (اظهرهما) ان المسألة علي قولين (احدهما) انه لابد من اثنين لان الخرص تقدير للمال فاشبه التقويم (واصحهما) وبه قال احمد أنه يكفى واحد لانه يجتهد ويعمل على حسب اجتهاده فهو كالحاكم وقد
[ ٥ / ٥٨٦ ]
روى ان النبي ﷺ (بعث عبد الله بن رواحة خارصا) وروى (انه بعث معه غيره) فيجوز ان يكون ذلك في دفعتين ويجوز ان يكون المبعوث معه معينا أو كاتبا وحكى القاضي ابن كج وغيره قولا ثالثا هو انه ان كان الخرص علي صبي أو مجنون أو غائب فلابد من اثين والا كفى واحدا (والطريق الثاني) وبه قال ابن سريج والاصطخري القطع بانه يكفى خارص واحد وسواء اكتفينا بواحد واعتبرنا اثنين فلابد من أن يكون الخارص مسلما عدلا عالما بالخرص: وهل تعتبر الذكورة والحرية (قال) في العدة ان اكتفينا بواحد فيعتبر ان وان قلنا لابد من اثنين جاز أن يكون أحدهما عبدا أو امرأة وعن الشاشي حكاية وجهين في اعتبار الذكورة مطلقا ولك أن تقول ان اكتفينا بواحد فسبيله سبيل الحكم فينبغي ان تعتبر الحرية والذكورة وإن اعتبرنا اثنين فسبيله سبيل الشهادان فينبغي أن تعتبر الحرية أيضا وأن تعتبر الذكورة في أحدهما وتقام امرأتان مقام الثاني وأما لفظ الكتاب (فقوله) ويستحب أن يخرص عليه يجوز أن يعلم بالحاء لان أبى حنيفة ﵀ في الخرص روايتين (احداهما) أنه لا يجوز اصلا (والثانية) أنه لا يتعلق به التضمين كما هو أحد قولينا ويجوز اعلامه بالواو أيضا لان صاحب البيان حكي وجها أن الخرص واجب (وقوله) فيعرف ما يرجع إليه تمرا تمثيل لا تخصيص فان الكرم أيضا يخرص فيعرف ما يرجع إليه زبيبا (وقوله) ولا يترك بعضه لمالك النخيل معلم بالواو لما رواه صاحب التقريب وبالالف لان عند أحمد لا يحسب عليه ما يأكله بالمعروف ولا يطعم جاره وصديقه و(وقوله) قبله ويدخل في الخرص جميع النخل لو اقتصر عليه ولم يذكر ولا يترك بعضه لمالك النخل لكان بسبيل منه (وقوله) أو لا بد من اثنين يجوز اعلامه بالالف لما سبق (وقوله) قولان بالواو للطريقة القاطعة بالاكتفاء بواحد
[ ٥ / ٥٨٧ ]
قال (ومهما تلف بآفة سماوية فلا ضمان علي المالك لفوات الامكان ولو كان باتلافه غرم قيمة عشر الرطب علي قولنا ان الخرص عبرة أو قيمة عشر التمر علي قولنا أنه تضمين ثم إذا ضمناه التمر نفذ تصرفه في الجميع وان لم نضمنه نفذ في الاعشار التسعة ولم ينفذ في الشعر إلا إذا قلنا
الزكاة لا تتعلق بالعين) * حكى الائمة قولين فيأن الخرص عبرة أو تضمين (أحدهما) انه عبرة أي هو لاعتبار المقدار ولا يصير حق المساكين بجريانه في ذمة رب المنال بل يبقى علي ما كان لانه ظن وتخمين فلا يؤثر في نقل الحق إلي الذمة (وأصحهما) أنه تضمين أي حق المساكين ينقطع به عن عين الثمرة وينتقل إلى ذمة رب المال لان الخرص يسلطه على التصرف في الجميع على ما سيأتي وذلك يدل علي انقطاع حقهم عنها ولم أر نقل الخلاف في هذا الاصل هكذا إلا لاصحاب القفال ومن تابعهم وان تعرضوا لآثاره وجعله القاضى ابن كج علي وجهين لابن سريج وذكر أن أبا الحسين قال بالثاني وإن قلنا الخرص عبرة فلو ضمن الخارص المالك حق المساكين صريحا وقبله المالك كان لغوا ويبقي حقهم علي ما كان وقد فسر الامام قولنا انه عبرة بانه يفيد الاطلاع علي المقدار ظناو حسبانا ولا يغير حكما وذكر صاحب الكتاب مثله في الوسيط وليس الامر فيه علي هذا الاطلاق لانه يفيد جواز التصرف علي ما سيأتي ولو أتلف رب المال الثمار أخذت الزكاة منه بحساب ما خرص عليه ولولا الخرص لكان القول قوله في ذلك وان قلنا انه تضمين فهل يقول نفس الخرص تضمين أو لابد من تصريح الخارص بذلك نقل الامام فيه وجهين (وقال) والذى اراه انه يكفى تضمين الخارص ان اعتبرناه ولا حاجة الي قبول المخروص عليه وما عليه الاعتماد واورده المعظم أنه لا بد من التصريح بالتضمين وقبول المخروص عليه فان لم يضمنه الخارص أو لم يقبله المخروص عليه بقى حق المساكين علي ما كان: وهل يقوم وقت الخرص مقام الخرص ذكروا فيه وجهين أيضا وجه (قولنا) نعم أن العشر لا يجب الا تمرا والخرص يظهر المقدار لا أنه يلزم بنفسه شيئا وينبغى أن يرتب هذا علي المسألة الاولي ان قلنا لا بد من التصريح بالتضمين لم يقم على وقت الخرص مقامه بحال وأن أغنينا عنه فحينئذ فيه الخلاف (وقوله) في الكتاب علي قولنا أنه تضمين يجوز أن يعلم بالحاء
[ ٥ / ٥٨٨ ]
لما ذكرنا من الرواية الثانية عن أبى حنيفة ﵀ في الفصل قبل هذا: إذا تقرر هذا الاصل ففيه ثلاث مسائل (أحداها) لو اصابت الثمار آفة سماوية أو سرقة إما من الشجرة أو من الجرين قبل الجفاف
نظر إن أصابت الكل فلا شئ عليه لفوات الامكان وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب ولا يخفى ان الفرض فما إذا لم يكن منه تقصير (فأما إذا أمكن الدفع فاخرأ وضعها في غير الحرز ضمن (قال) الامام وكان يجوز أن يقال تفريعا علي ان الخرص تضمين ان الضمان يلزم بكل حال ويلزم بالخرص ذمته التمر الزام قرار لكن قطع الاصحاب بخلافه وان تلف بعض الثمار دون بعض فان كان الباقي نصابا زكاه وان كان أقل من نصاب فيبني علي ان الامكان شرط الوجوب أو الضمان ان قلنا بالاول فلا شئ عليه وان قلنا بالثاني فعليه حصة الباقي.
(الثانية) لو اتلف المالك الثمرة أو اكلها نظر ان كان قبل بدو الصلاح فلا زكاة عليه لكنه مكروهان قصد الفرار من الزكاة وان قصد الاكل أو التخفيف عن الشجرة أو غرضا آخر فلا كراهة وان كان بعد بدو الصلاح ضمن للمساكين ثم له حالتان (احداهما) وهى المقصودة في الكتاب ان يكون ذلك بعد الخرص فان قلنا الخرص عبرة فيضمن لهم قيمة عشر الرطب أو عشر الطرب فيه (وجهان) مبنيان علي ان الطرب مثلى أو متقوم والذى اجاب به الاكثرون ايجاب القيمة وهو المذكور في الكتاب لكن الثاني هو المطابق لقوله في الغصب والاظهر ان الرطب والعنب مثلي وبه اجاب في الوسيط وان قلنا الخرص تضمين غرم للمساكين عشر الثمر فان ذلك قد ثبت في ذمة بالخرص على التفصيل الذى سبق إذا عرفت ذلك فسم قوله غرم قيمة عشر الرطب بالواو واعلم ان الصواب في عبارة الكتاب علي القول الثاني أو عشر التمر علي قولنا انه تضمين وفي اكثر النسخ أو قيمة عشر التمر وهو غلط (والحالة الثانية) وان يكون الاكل والاتلاف قبل الخرص فيتقرر عليه الواجب عليه ضمان الرطب ان قلنا لو جرى الخرص كان عبرة وان قلنا لو جرى لكان تضمينا فوجهان حكاهما الصيدلاني (اصحهما) ان الواجب عليه ضمان الرطب ايضا لان قبل الخرص لا يصير التمر في ذمته (والثانى) عليه عشر التمر لان الزكاة قد وجبت ببدو الصلاح وإذا أتلف فهو الذى منع الخرص فصار كما لو أتلفه بعد الخرص (وحكى) القاضى بن كج وجها آخر عن أبى اسحاق وابن أبي هريرة في هذه الحالة أنه تضمن اكثر الامرين من عشر التمر أو قيمة عشر الرطب: واعلم ان الحالتين جميعا مفروضتان في الرطب الذى يجئ منه التمر والعنب الذى يجئ
[ ٥ / ٥٨٩ ]
منه الزبيب فأن لم يكن كذلك فالواجب في الحالتين ضمان الرطب بلا خلاف: ولك ان تقول ينبغي أن يكون الواجب في الرطب الذى يجئ منه التمر ضمان التمر مطلقا وان فرعنا على قول العبرة لان الواجب عليه ببدو الصلاح التمر الا تراه قال في الكتاب (عند بدو الصلاح ينعقد سبب وجوب اخراج التمر) فإذا وجب لهم التمر فلم يصرف إليهم الرطب أو قيمته غايته أن الواجب متعلق به لكن الاتف متعلق الحق لا يقتضي انقطاع الحق وانتقاله إلى غرامة المتعلق الا ترى انه لو ملك خمسا من الابل واتلفها بعد الحول يلزمه للمساكين شاة دون قيمة الابل نعم لو قيل يضمن الرطب ليكون مرهونا بالتمر الواجب الي أن يخرجه كان ذلك مناسبا لقولنا ان الزكاة تتعلق بالمال تعلق الدين بالرهن (المسألة الثالثة) في تصرف المالك فيما خرص عليه بالبيع والاكل وغيرهما وهو مبنى علي قولي التضمين والعبرة فان قلنا بالتضمين فله التصرف في الكل بيعا وأكلا وقد روى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال في آخر خبر عتاب (ثم يخلي بينه وبين أهله) وكان من مقاصد الخرص وفوائده التمكين من التصرف شرع ذلك لما في الحجر علي اصحاب الثمار إلى وقت الجفاف من الحرج العظيم وان قلنا بالعبرة فقد ذكر الائمة ان تصرفه في قدر الزكاة مبنى علي الخلاف في تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة كما سبق واما فيما عدا قدر الزكاة فينفذ: حكى الامام قطع الاصحاب به ووجهه بان ارباب الثمار يتحملون مؤنة تربيتها إلى الجفاف فجعل تمكينهم من التصرف في الاعشار التسعة في مقابلة ذلك بخلاف المواشى حيث ذكرنا في التصرف فيما وراء قدر الزكاة منها خلافا وان بقى قدر الزكاة وحجة الاسلام تابعه علي دعوى القطع في الوسيط لكنك إذا راجعت كتب اصحابنا العراقيين الفيتهم يقولون لا يجوز البيع ولا سائر التصرفات في شئ من الثمار في ذمته بالخرص فان ارادوا بذلك نفي الاباحة ولم يحكموا بالفساد فذلك والا فدعوى القطع غير مسلمة والله اعلم: وكيف ما كان فظاهر المذهب نفوذ التصرف في الاعشار التسع سواء أفردت بالتصرف أو وردت بالتصرف علي الكل لانا وان حكمنا بالفساد في قدر العشر فلا نعديه الي الباقي علي ما سيأتي في باب تفريق الصفقة فهذا حكم التصرف بعد الخرص وأما قبله فقد قال في التهذيب لا يجوز ان يأكل شيئا ولا ان يتصرف في شئ فان لم يبعث الحاكم خارصا أو لم يكن حاكم تحاكم إلى عدلين يخرصان عليه: واعلم ان من اجاد
النظر في قولى العبرة وتأمل ما قيل فيهما تفسيرا وتوجيها ظهر له انهما مبنيان على تعلق الزكاة بالعين
[ ٥ / ٥٩٠ ]
فأما إذا علقناها بالذمة فكيف نقول بالخرص ينقطع حقهم عن العين ويتعلق بالذمة وكان قبله كذلك (وقوله) في الكتاب ولم ينفذ في العشر يجوز اعلامه بالواو لانا وان علقنا الزكاة بالعين فقد ينفذ التصرف على بعضن الاقوال علي ما بيناه من قبل قال (ومهما ادعى المالك جائحة ممكنة صدق بيمينه ولو ادعي غلط الخارص صدق أيضا الا إذا ادعي قدرا لا يمكن الغلط فيه أو ادعي كذبه قصدا) * إذا ادعى المالك هلاك الثمار المخروصة عليه أو هلاك بعضها نظر إن أسنده إلي سبب يكذبه الحسن فيه كما لو قال هلك بحريق وقع في الجرين ونحن نعلم انه لم يقع في الجرين حريق أصلا قال فلا يبالى بكلامه وان لم يكن كذلك نظر ان اسنده الي سبب خفى كالسرقة فلا يكلف بالبين عليه ويقبل قوله مع اليمين: وهل هي واجبة أو مستحبة فيه وجهان قال في العدة وغيره (اصحهما الثاني) وان اسند الي سبب ظاهر كالنهب والبرد والجراد ونزول العسكر فان عرف وقوع هذا السبب وعموم أثره صدق ولا حاجة الي اليمين فان اتهم في هلاك ثماره بذلك السبب حلف وان لم يعرف وقوعه فوجهان (أظهرهما) الذى ذكره المعظم أنه يطالب بالبينة عليه لامكانها ثم القول في حصول الهلاك بذلك السبب قوله مع اليمين (والثاني) عن الشيخ أبي محمد ان القول قوله مع اليمين ولا يكلف البينة لانه مؤتمن شرعا فيصدق في الممكن الذى يدعيه كالمودع إذا ادعي الرد ورأيت في كلام الشيخ ان هذا إذا لم يكن ثقة فإذا كان ثقة فيغنى عن اليمين أيضا وما في الكتاب جواب علي الوجه الثاني فانه جعل القول قوله مع اليمين ولم يشرط الا الامكان فيجب اعلامه بالواو.
وحيث قلنا يحلف ففى كون اليمين واجبة أو مستحبة ما سبق من الوجهين هذا كله إذا اسند الهلاك الي سبب بان اقتصر علي دعوى الهلاك فالمفهوم من كلام الاصحاب قبوله مع اليمين حملا علي وجه يغنى عن البينة: وان ادعي المالك اجحافا في الخرص فان زعم ان الخارص تعمد ذلك لم يلتفت إلى قوله كما لو ادعى الميل على الحكم والكذب علي الشاهد لا يقبل الا ببينة وان ادعي انه غلط فان لم يبين المقدار لم يسمع أيضا ذكره في التهذيب وان بين فان كان قدرا يحتمل
في مثله الغلط كخمسة أوسق في مائة قبل: فان اتهم حلف وحط وهذا إذا كان المدعين فوق ما يقع أما لو ادعي بعد الكيل غلطا يسيرا في الخرص قدر ما يقع بين الكيلين فهل يحظ: فيه وجهان (احدهما) لا لاحتمال أن النقصان وقع في الكيل ولعله يفى إذا كيل
[ ٥ / ٥٩١ ]
ثانيا وصار كما لو اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة فانتقض بقدر ما يقع بين الكيلين لا يرجع على الاول لانه كما يجوز أن يكون ذلك لنقصان في الكيل الاول يجوز أن يكون لزيادة في الثاني (وأصحهما) نعم لان الكيل يقين والخرص تخمين وظن فالا حالة عليه اولي وان ادعى نقصانا فاحشا لا يجوز أهل النظر الغلط بمثله فلا يقبل قوله في حط ذلك القدر وهل يحط القدر المحتمل فيه وجهان (احدهما) لا لانه ادعى محالا في للعادة فالظاهر كذبه (واصحهما) نعم وبه قال القفال استنباطا مما إذا ادعت ذات الاقراء انقضاء عدتها قبل زمان الامكان وكذبناها فأصرت علي دعواها حتي جاء زمان الامكان فانا نحكم بانقضاء عدتها عند أول زمان الامكان (وقوله) في الكتاب أو ادعى كذبه قصدا معطوف علي قوله الا إذا ادعى قدرا لا يمكن الغلط فيه وهو مستثنى من دعوى الغلط لكن استثناء الكذب قصدا من الغلط لا يكاد ينتظم فليؤول والله أعلم قال (ومهما اصاب النخيل عطش يضر بابقاء الثمار جاز للمالك قطعه لان في ابقاء النخيل منفعة للمساكين ثم يسلم الي المساكين عشر الرطب إذا قلنا ان القسمة افراز حق أو ثمنه إذا منعناه القسمة وقيل يتخير إذ لا يبعد جواز القسمة بالحاجة كما لا يبعد اخذ البدل للحاجة فليس احدهما اولي من الآخر) * إذا أصاب النخيل عطش ولو تركت الثمار عليها إلى وقت الجذاذ لا ضرت بها لامتصاصها ماءها جاز قطع ما يندفع به الضرر من كلها أو بعضها لان ابقاء النخيل انفع للمالك والمساكين من ابقاء ثمرة العام الواحد وهل يستقل المالك بقطعها أو يحتاج إلى استئذان الامان والساعى ذكر الصيد لانى وصاحب التهذيب وطائفة أنه يستحب الاستئذان وقضيته جواز الاستقلال وذكر آخرون أنه ليس له الاستقلال ولو قطع من غير استئذان عزر ان كان عالما ويجوز أن يكون هذا الخلاف مبنيا علي الخلاف
في وجه تعلق الزكاة: إذا عرف ذلك فلو اعلم الساعي به قبل القطع وأراد المقاسمة بان يخرص الثمار ويعين حق المساكين في نخلة أو نخلات باعيانها فقد حكوا في جوازه قولين منصوصين وقالوا هما مبنيان علي أن القسمة إفراز حق أو بيع فان قلنا افراز فيجوز ثم للساعي أن يبيع نصيب المساكين من المالك أو غيره وأن يفرق بينهم يفعل ما فيه الحظ لهم وان قلنا انها بيع فلا يجوز وعلي هذا الخلاف يخرج القسمة بعد قطعها فان جعلناها افرازا فيجوز وان جعلناها بيعا فقد ذكر الامام أن
[ ٥ / ٥٩٢ ]
قسمتها تخرج علي بيع الطرب الذي لا يتتمر بمثله وفيه خلاف يذكر في البيع فان جاز جازت القسمة بالكيل وان لم يجز ففيه وجهان (أحدهما) ان مقاسمته للساعي جائزة أيضا لانها ليست بمعاوضة وانما هي استيفاء حق فلا يراعى فيه تعبدات الربا وايضا فانها وان كانت بيعا فان الحاجة ماسة الي تجويزها فتستثني عن البياعات الصريحة ويحكى هذا الوجه عن أبي اسحاق وابن أبى هريرة (وأصحهما) عند القاضي أبى الطيب وابن الصباغ والاكثرين انه غير جائزة لانا نفرع علي أن القسمة بيع وبيع الرطب بالرطب لا يجوز وعلي هذا فالمفروض طريقان (أحدهما) أخذ قيمة العشر من الثمار المقطوعة وهى وان كانت بدلا لكن جوز بعضهم أخذها للحاجة علي ما سبق نظيره فيما إذا وجب شقص من حيوان (والثاني) أن يسلم عشرها مشاعا الي الساعي لتعيين حق المساكين فيه وطريق تسليم المشاع تسليم الكل فإذا جرى ذلك فللساعي أن يبيع نصيب المساكين من رب المال أو غيره أو يبيع مع رب المال الجميع ويقتسما لثمن ولا خلاف في ان هذا الطريق جاء وهو متعين عند من لم يجوز القسمة واخذ القيمة وخير بعض الاصحاب الساعي بين القسمة واخذ القيمة وقال كل منهما على خلاف القاعدة الممهدة ولا بد من مخالفتها في أحدهما سبب الحاجة فيفعل ما فيه الحظ للمساكين: هذا بيان الخلاف في المسألة وقد اختلفوا بحسبه في تفسير نصه في المختصر ويؤخذ منه ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة فمن جوز القسم وأخذ القيمة جميعا حمل اللفظ على ظاهر التخيير وقال أراد بالثمن القيمة ومن لم يجوزهما فال هذا تعليق قول بناء علي أن القسمة افراز أو بيع فان قلنا بالاول أخذ عشرها وان قلنا بالثاني بيع الكل علي ما قدمنا واقتسما الثمن أو باع نصيب المساكين من رقب المال بعد القبض
أبى الطيب وابن الصباغ والاكثرين انه غير جائزة لانا نفرع علي أن القسمة بيع وبيع الرطب بالرطب لا يجوز وعلي هذا فالمفروض طريقان (أحدهما) أخذ قيمة العشر من الثمار المقطوعة وهى وان كانت بدلا لكن جوز بعضهم أخذها للحاجة علي ما سبق نظيره فيما إذا وجب شقص من حيوان (والثاني) أن يسلم عشرها مشاعا الي الساعي لتعيين حق المساكين فيه وطريق تسليم المشاع تسليم الكل فإذا جرى ذلك فللساعي أن يبيع نصيب المساكين من رب المال أو غيره أو يبيع مع رب المال الجميع ويقتسما لثمن ولا خلاف في ان هذا الطريق جاء وهو متعين عند من لم يجوز القسمة واخذ القيمة وخير بعض الاصحاب الساعي بين القسمة واخذ القيمة وقال كل منهما على خلاف القاعدة الممهدة ولا بد من مخالفتها في أحدهما سبب الحاجة فيفعل ما فيه الحظ للمساكين: هذا بيان الخلاف في المسألة وقد اختلفوا بحسبه في تفسير نصه في المختصر ويؤخذ منه ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة فمن جوز القسم وأخذ القيمة جميعا حمل اللفظ على ظاهر التخيير وقال أراد بالثمن القيمة ومن لم يجوزهما فال هذا تعليق قول بناء علي أن القسمة افراز أو بيع فان قلنا بالاول أخذ عشرها وان قلنا بالثاني بيع الكل علي ما قدمنا واقتسما الثمن أو باع نصيب المساكين من رقب المال بعد القبض وأخذ الثمن (وقوله) في الكتاب أو ثمنه إذا منعنا القسمة أي إذا جعلناها بيعا فانها حينئذ تمتنع في الرطب وهو جواب علي جواز أخذ القيمة فيجوز أن يعلم بالواو للوجه الذاهب إلي امتناعه وايراد التهذيب يقتضي ترجيح ذلك الوجه وكان يجوز تأويل قوله أو ثمنه على تقدير البيع كما ذكروا في نص الشافعي ﵁ إلا أنه صرح بما ذكرنا في الوسيط: وأعلم أن ما ذكرنا من الخلاف والتفصيل في إخراج الواجب يجرى بعينه في إخراج الواجب عن الرطب الذى لا يتتمر والعنب الذى لا يتزبب
[ ٥ / ٥٩٣ ]
وفى المسألتين مستدرك حسن لامام الحرمين ﵀ قال إنما يثور الاشكال علي قولنا إن المسكين شريك في النصاب بقدر الزكاة وحينئذ ينتظم التخريج علي القولين في القسم فاما إذا لم نجعله شريكا فليس تسليم جزء الي الساعي قسمة حتى يأتي فيه قول القسمة بل هو توفية حق علي مستحق *
[ ٥ / ٥٩٤ ]
فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٦
فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٦
[ ٦ / ٢٧٦٣ ]
فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ..الجزء السادس دار الفكر
[ ٦ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم قال (النوع الثالث زكاة النقدين والنظر في قدره وجنسه: اما القدر فنصاب الورق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا وفيهما ربع العشر وما زاد فبحسابه ولا وقص (ح) فيه) * الكلام في هذا النوع في قدر الواجب والواجب فيه ثم في جنسه أما الاول فنصاب الورق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا وفيهما ربع العشر وهو خمسة دراهم ونصف دينار ولا شئ
[ ٦ / ٢ ]
فيما دون ذلك روى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن النبي ﷺ قال (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) والاوقية أربعون درهما لما روى انه صلي الله عليه وسلم (قال إذا بلغ مال أحدكم خمس اواق مائتي درهم ففيه خمسة دراهم) ويجب فيما زاد علي المأتين والعشرين بالحساب قل أو كثر ولا وقص فيه خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يجب فيما زاد علي المأتين شئ حتى يبلغ اربعين درهما ولا فيما زاد علي عشرين دينارا حتى يبلغ اربعة دنانير ففيها ربع العشر ثم كذلك في كل اربعين درهما اربعة دنانير * لنا ماروى عن علي كرم الله وجهه ان النبي صلي الله
[ ٦ / ٣ ]
عليه وسلم قال (هاتوا ربع العشر من الورق ولا شئ فيه حتي يبلغ مائة درهم وما زاد فبحسابه) وروى
[ ٦ / ٤ ]
مثله في الذهب وفى النقدين جميعا لافرق بين التبر والمضروب والاعتبار بالوزن الذى كان بمكة
لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال (الميزان ميزان اهل مكة والمكيال مكيال اهل المدينة) وذلك ظاهر في الدنانير وقد ذكر الشيخ ابو حامد وغيره ان المثقال لم يختلف في جاهلية ولا اسلام واما الدراهم فانها كانت مختلفة الاوزان والذى استقر الامر عليه في الاسلام أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق كل عشرة منها سبعة مثاقيل من ذهب وذكروا في سبب تقديرها بهذا الوزن أمورا (أشهرها) ان غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصر رسول الله صلي الله عليه وسلم والصدر الاول
[ ٦ / ٥ ]
بعده نوعان (البغلية والطبرية) والدرهم الواحد من البغلية ثمانية دوانيق ومن الطبرية أربعة دوانيق فاخذوا واحدا من هذه وواحدا من هذه وقسموهما نصفين وجعلوا كل واحد درهما يقال فعل ذلك في زمان بني أمية وأجمع أهل ذلك العصر علي تقدير الدراهم الاسلامية بها ونسب أقضى القضاة الماوردى ذلك الي فعل عمر بن الخطاب ﵁ قال ومتي زدت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالا ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان وحكي المسعودي أنه انما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب لان الذهب اوزن من الفضة وكانهم جربوا قدرا من الفضة ومثله من الذهب فوزنوهما وكان وزن الذهب زائدا علي وزن الفضة بمثل ثلاثة أسباعها وروى الشيخ ابو محمد قريبا من هذا عن كلام القفال ﵀ وأما المواضع المستحقة للعلامات من الفصل فقوله (وما زاد فبحسابه) وقوله (ولا وقص فيه) معلمان بالحاء لما حكيناه ويجوز أن يعلم قوله (عشرون مثقالا) وقوله (مائتا درهم) بالميم والالف لانهما يحتملان النقصان اليسير *
[ ٦ / ٦ ]
قال (وان نقص من النصاب حبة فلا زكاة فيه وان كان يروج (ح) رواج التام ويعتبر (ح) النصاب في جميع الحول ولا يكمل (ح) نصاب أحد النقدين بالآخر ولكن يكمل جيد النقرة برديئها ثم يخرج من كل بقدره ولا زكاة في الدراهم المغشوشة ما لم يكن قدر نقرتها نصابا وتصح المعاملة مع الجهل بقدر النقرة على أحد الوجهين كالغالية والمعجونات) * في الفصل صور (احداهما) لو نقص عن النصاب
شئ فلا زكاة وان قل كالحبة والحبتين ولا فرق بين أن يروج رواج التام أو يفضل عليه وبين ألا يكون كذلك وفضله علي التام انما يكون لجودة النوع ورواجه رواج التام قد يكون للجودة وقد يكون لنزارة القدر الناقص ووقوعه في محل المسامحة * وعن مالك انه إذا كان الناقص قدر ما يسامح به ويؤخذ بالتام وجبت الزكاة ويروى عنه أنه إذا نقص حبة أو حبات في جميع الموازين فلا زكاة وإن نقص في ميزان دون ميزان وجبت * وعن أحمد انه لو نقص دانق أو دانقان تجب الزكاة * لنا قوله ﷺ (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) وسائر الاخبار وحكي في العدة وجهين فيما
[ ٦ / ٧ ]
لو نقص في بعض الموازين وتم في بعض (أصحهما) أنه لا يجب وهذا هو الذي أورده المحاملي وقطع به إمام الحرمين بعد ما حكي عن الصيدلانى الوجوب (الثانية) يشترط ملك النصاب بتمامه في جميع الحول خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال يشترط في أول الحول وآخره ولا يضر نقصانه في خلال الحول وطرد ذلك في المواشي وغيرها ولم يشترط الابقاء شئ من النصاب (لنا) الخبر المشهور (لا زكاة
[ ٦ / ٨ ]
في مال حتي يحول عليه الحول والحادث بعد نقصان النصاب لم يحل عليه الحول (الثالثة) لا يكمل نصاب أحد النقدين بالاخر لانهما جنسان مختلفان كما لا يكمل التمر بالزبيب وقال مالك وأبو حنيفة يكمل نصاب احدهما بالاخر وبه قال احمد في أصح الروايتين ثم عنده وعند مالك الضم بالاجزاء فيحسب كم الذهب من نصابه وكم الفضة من نصابها فإذا بلغا نصابا وجبت الزكاة وعند ابي حنيفة الضم بالقيمة
[ ٦ / ٩ ]
وبأيهما كمل وجبت الزكاة ويكمل الجيد بالردئ من الجنس الواحد كانواع الماشية وأما الذى يخرج قال في الكتاب يخرج من كل واحد بقدره وهذا إذا لم تكثر الانواع وهو الغالب في الذهب والفضة فان كثرت والردئ الخالص والمغشوش وانما الكلام في محض النقرة وجودته ترجع الي النعومة والصبر علي الضرب
[ ٦ / ١٠ ]
ونحوهما والرداءة إلى الخشونة والتفتت عند الضرب ولو أخرج الجيد عن الردئ فهو افضل وان أخرج
الردئ عن الجيد فالمشهور المنع وروى الامام عن الصيدلانى الاجزاء وخطأه فيه ويجوز اخراج الصحيح عن المكسر ولايجوز عكسه بل يجمع المستحقين ويصرف إليهم الدينار الصحيح أو يسلمه الي واحد باذن الباقين هذا هو المذهب المشهور في المذهب وحكى ابو العباس الرويانى في المسائل الجرجانيات عن بعض الاصحاب انه يجوز أن يصرف الي كل واحد منهم ما يخصه مكسرا وعن بعضهم انه يجوز ذلك ولكن مع الصرف بين المكسر والصحيح وعن بعضهم انه ان لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر جاز اداء المكسر عن الصحيح (الرابعة) إذا كانت له دراهم أو دنانير مغشوشة
[ ٦ / ١١ ]
فلا زكاة فيهما ما لم يبلغ قدر قيمتهما نصابا خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال ان كان الغش أقل وجبت فيها الزكاة (لنا) قوله صلي الله عليه وسلم (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) فإذا بلغت نقرتها نصابا أخرج قدر الواجب نقرة خالصة أو أخرج من المغشوش ما يعلم انه مشتمل علي قدر الواجب ولو أخرج عن ألف درهم مغشوشة خمسة وعشرين خالصة فقد تطوع بالفضل ولو أخرج عن مائة درهم خالصة خمسة مغشوشة لم يجز خلافا لابي حنيفة (لنا) .
القياس على مالو اخرج مريضة عن الصحاح وبل أولي لان الغش ليس بورق والمريضة ابل وإذا لم يجزه فهل له الاسترجاع حكوا عن ابن سريج فيما فرع علي الجامع الكبير لمحمد فيه قولين (أحدهما) لا كما لو اعتق رقبة معيبة يكون متطوعا بها (وأصحهما) نعم كما لو عجل بالزكاة.
[ ٦ / ١٢ ]
فتلف ماله قال بن الصباغ وهذا إذا كان قد بين عند الدفع أنه يخرج عن هذا المال ثم ذكر الشافعي ﵁ في هذا الموضع كراهة الدرهم المغشوش فقال الاصحاب في شروحهم يكره للامام ضرب الدراهم المغشوشة لئلا يغش بها بعض الناس بعضا ويكره للرعية ضرب الدراهم وان كانت خالصة فانه من شأن الامام ثم الدراهم المغشوشة إن كانت مضبوطة العيار صحت المعاملة بها إشارة إلي عينها الحاضرة والتزاما لمقدار منها في الذمة وإن كان مقدار النقرة منها مجهولا ففى جواز المعاملة باعيانها وجهان (أصحهما) الجواز لان المقصود رواجها وهى رائجة بمكان السكة ولان بيع
[ ٦ / ١٣ ]
الغالية والمعجونات جائز وان كانت مختلفة المقدار فكذلك ههنا (والثاني) المنع وبه أجاب القفال لانها مقصودة باعتبار ما فيها من النقرة وهى مجهولة القدر والاشارة إليها لا تفيد الاحاطة بقدر النقرة فاشبه بيع تراب المعدن وتراب الصاغة فان قلنا بالاول فلو باع بدراهم مطلقا ونقد البلد مغشوش صح العقد ووجب من ذلك النقد وإن قلنا بالثاني لم يصح العقد ومواضع العلامات من الفصل بينة قال (ولو كان له ذهب مخلوط بالفضة قدر أحدهما ستمائة درهم وقدر الآخر أربعمائة واشكل عليه وعسر التمييز فعليه زكاة ستمائة ذهبا وستمائة نقرة ليخرج عما عليه بيقين) *
[ ٦ / ١٤ ]
لو كان له ذهب مخلوط بفضة فان عرف قدر كل واحد منهما أخرج زكاته وإن لم يعرف كما لو كان وزن المجموع الفا واحداهما ستمائة والآخر أربعمائة وأشكل عليه أن الاكثر الذهب أو الفضة فان أخذ بالاحتياط فاخرج زكاة ستمائة من الذهب وستمائة من الفضة فقد خرج عن العهدة بيقين ولا يكفيه في الاحتياط أن يقدر الاكثر ذهبا فان الذهب لا يجزئ عن الفضة وان كان خيرا منها وان لم يطب نفسا بالاحتياط فليميز بينهما بالنار (قال الائمة) ويقوم مقامه الامتحان بالماء بان يوضع قدر المخلوط من الذهب الخالص في ماء ويعلم علي الموضع الذى يرتفع إليه الماء ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة
[ ٦ / ١٥ ]
الخالصة ويعلم على موضع الارتفاع أيضا وتكون هذه العلامة فوق الاولى لان اجزاء الذهب أشد اكتنازا ثم يوضع فيه المخلوط وينظر الي ارتفاع الماء به اهو الي علامة الذهب أقرب أو إلى علامة الفضة ولو غلب علي ظنه أن الاكثر الذهب أو الفضه فهل له العمل بمقتضاه (قال) الشيخ أبو حامد ومن تابعه ان كان يخرج الزكاة بنفسه فله ذلك وان كان يسلم إلى الساعي فالساعي لا يعمل بظنه بل يأخذ بالاحتياط أو يأمر بالتمييز (وقال) الامام الذى قطع به أئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظن فيه ويحتمل أن يجوز له الاخذ بما شاء من التقديرين واخراج الواجب على ذلك التقدير لان اشتغال ذمته بغير ذلك غير معلوم: وصاحب الكتاب حكى هذا الاحتمال وجها في الوسيط: إذا عرفت ذلك اعلمت
قوله في الكتاب (فعليه زكاة ستمائة ذهبا وستمائة نقرة بالواو) لهذا الوجه ولان علي ما ذكره العراقيون قد يجوز الاخذ بالظن فلا يلزم اخراج ستمائة من هذا أو ستمائة من ذلك ثم قوله (وعسر التمييز فعليه كذا) ليس هذا على الاطلاق إذا قد يعسر التمييز ويمكن الامتحان بالماء ومعرفة المقدارين فلا يجب ستمائة من هذا وستمائة من ذاك وعسر التمييز بان يفقد آلات السبك أو يحتاج فيه إلى زمان صالح فان الزكاة واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها مع وجود المستحقين ذكر ذلك في النهاية ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الامكان *
[ ٦ / ١٦ ]
قال (ولو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلا علي ملئ ولم نوجب عليه تعجيل زكاة المؤجل وجب اخراج حصة المال النقد علي أصح الوجهين لان الميسور لا يتأخر بالمعسور) * لو ملك مائة درهم نقدا في يده ومائة مؤجلة علي ملئ فكيف يزكي: يبنى ذلك علي أن الدين المؤجل هل تجب فيه الزكاة أم لا والصحيح الوجوب وعلي هذا فهل يجب الاخراج في الحال أولا يجب الا بعد الاستيفاء فيه وجهان (والصحيح الثاني) وقد شرحنا الخلافين من قبل فان قلنا لا زكاة في الدين المؤجل فلا شئ عليه في المسألة وان أوجبنا إخراج زكاته في الحال فهو كما لو كان في يده جميع المأتين وان أوجبنا فيه الزكاة ولم نوجب اخراجها في الحال وهو المراد من قوله في الكتاب ولم نوجب تعجيل الزكاة عن المؤجل فهل يلزمه الاخراج عما في يده بالقسط فيه وجهان (احدهما) لا لان ما في يده ناقص عن النصاب فإذا لم يجب اخراج زكاة جميع النصاب لا يجب اخراج شئ (واصحهما) نعم لان الميسور لا يتأخر بالمعسور وبنوا الوجهين علي ان الامكان شرط الوجوب أو شرط الضمان: ان قلنا بالاول فلا يلزمه اخراج شئ في الحال لانه ربما لا يصل إليه الباقي وبهذا القول اجاب في المختصر في هذا الفرع وان قلنا بالثاني اخرج عن الحاضر بالقسط لان هلاك الباقي لا يسقط زكاة الحاصل في يده ومتى كان في يده بعض النصاب وما يتم به النصاب مغصوب أو دين علي غيره ولم نوجب فيهما الزكة فانما يبتدئ الحول من يوم قبض ما يتم به النصاب * قال (النظر الثاني في جنسه ولا زكاة في شئ من نفائس الاموال الا في النقدين وهو منوط
بجوهرهما علي احد القولين وفى الثاني منوط بالاستغناء عن الانتفاع بهما حتى لو اتخذ منه حلي علي قصد استعمال مباح سقطت الزكاة وان كان علي قصد استعمال محظور كما لو قصد الرجل بالسوار أو الخلخال أن يلبسه أو قصدت المرأة ذلك في المنطقة والسيف لم تسقط الزكاة لان المحظور شرعا كالمعدوم حسا بل لا يسقط إذا قصد ان يكنزهما حليا لان الاستعمال المحتاج إليه لم يقصده)
[ ٦ / ١٧ ]
لا زكاة فيما سوى النقدين من الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والياقوت ونحوهما ولا في المسك والعنبر: روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال (لا شئ في العنبر) وعن عائشة ﵃ انه (لا زكاة في اللؤلؤ) وبما تناط زكاة النقدين: أتناط بجوهرهما أم بالاستغناء عن الانتفاع بهما فيه قولان في قول يناط بجوهرهما كاربا وفى قول بالاستغناء عن الانتفاع بهما إذ لا يتعلق بذاتهما غرض وبقاؤهما في يده يدل على أنه غنى عن التوسل بهما ويبنى علي العبارتين وجوب الزكاة في
[ ٦ / ١٨ ]
الحلى المباح: فعلى الاولي تجب وبه قال (عمر وابن عباس وابن مسعود ﵃) وهو مذهب أبي
[ ٦ / ١٩ ]
حنيفة ﵀ لما روى (أن امرأتين اتتا رسول الله صل الله عليه وسلم وفى أيديهما سواران من ذهب فقال اتؤديان زكاته قالتا لا فقال ﷺ اتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار قلتا لا قال فأديا زكاته) وعلي العبارة الثانية لا تجب الزكاة فيه وبه قال ابن عمر وجابر وعائشة
[ ٦ / ٢٠ ]
﵃ وهو مذهب مالك واحمد لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (لا زكاة في الحلي) ولانه
[ ٦ / ٢١ ]
معد لاستعمال مباح كالعوامل من البقر والابل وهذا اظهر القولين: ولك أن تعلم لما ذكرنا قوله
[ ٦ / ٢٢ ]
منوط بجوهرهما بالالف والميم وقوله منوط بالاستغناء عن الانتفاع بهما بالحاء والقولان في الحلي
المباح أما المحظور فتجب فيه الزكاة بالاجماع وهو علي نوعين محظور لعينه كالأواني والقصاع والملاعق والمجامر الذهبية والفضية ومحظور باعتبار القصد كما لو قصد الرجل بحلي النساء الذى اتخذه أو ورثه أو اشتراه كالسوار والخلخال أن يلبسه أو يلبسه غلمانه أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة ان تلبسه أو تلبسه جواريها أو غيرهن من النساء وكذا لو أعد الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها فكل ذلك محظور وعلل في الكتاب وجوب الزكاة في الحلى المحظور بأن المحظور شرعا كالمعدوم حسا ولم يرد به الحاق المحظور بالمعدوم علي الاطلاق لكن المراد ان الحكم المخصوص بضرب من التخفيف واطلاق التصرف إذا شرطت فيه منفعة فيشترط كونها مباحة والا فهي كالمعدومة وهذا كما انه يشترط في البيع كون المبيع منتفعا به فلو كانت فيه منفعة محظورة كما في آلات الملاهي كان كما لو لم يكن فيه منفعة ثم التعليل المذكور في المحظور لعينه أظهر منه في المحظور باعتبار القصد لان الصنعة في المحظور لعينه لا حرمة لها إذا منعنا اتخاذه فاما المحظور باعتبار القصد فالتحريم فيه يرجع الي الفعل والاستعمال لا الي نفس الحلي والصنعة محترمة غير مكسرة وان فسد القصد فهلا كان ذلك بمثابة مالو قصد بالعروض التى عنده استعمالها في وجوه محترمة لا تجب الزكاة (قال الامام) قدس الله روحه في دفع هذا الاشكال الزكاة تجب في
[ ٦ / ٢٣ ]
عين النقد: وعينه لا تنقلب باتخاذ الحلى منه فلا يلتحق بالعروض الا بقصد ينضم إليه وهذا كما أن العروض لما لم تكن مال الزكاة في أعيانها لا تصير مال الزكاة الا بقصد ينضم إلى الشرى وهو قصد التجارة وإذا لم تسقط الزكاة بمحض الصنعة واحتيج إلى قصد الاستعمال فمتي قصد محرما لغى ولم يؤثر في الاسقاط وان اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا مباحا ولا محذورا ولكن قصد جعله كنزا فالذي
[ ٦ / ٢٤ ]
ذكره في الكتاب وأورده الجمهور انه لا تسقط الزكاة قولا واحدا لانه لم يصر محتاجا إليه بالاستعمال بل المكنوز مستغني عنه كالدراهم المضروبة وحكى الامام فيه خلافا لقصد الامساك وابطال هيئة الاخراج وهل يجوز اتخاذ حلي الذهب للذكور من الاطفال فيه وجهان ويجئ فيه الوجه الثالث
الذى ذكرناه في الباسهم الحرير * قال (ولو لم يخطر بباله قصد أصلا ففى السقوط وجهان ينظر في أحدهما إلى حصول الصياغة وفى الثاني إلى عدم قصد الاستعمال فان قصد أجارتهما ففيه وجهان والقصد الطارئ بعد الصياغة في هذه الامور كالمقارن) * في الفصل ثلاث صور تتفرع على أن الزكاة لا تجب في الحلي (احداها) لو اتخذ حليا مباحا في عينه ولم يقصد أن يكنزه ولا قصد به استعمالا مباحا ولا محظور افهل تسقط عنه الزكاة فيه وجهان (أحدهما) لا لان وجوب الزكاة منوط باسم الذهب والفضة ولا ينصرف الا بقصد الاستعمال ولم يوجد: والثاني نعم لان الزكاة تجب في مال نام والنقد غير نام في نفسه انما يلتحق بالناميات لكونه متهيئا للاخراج وبالصياغة بطل التهيؤ (قال) في العدة وهذا الثاني ظاهر المذهب (وقوله) في الكتاب ينظر في أحدهما إلى حصول الصياغة يقتضى اثبات الخلاف فيما إذا قصد أن يكنزه وإن لم يذكره لانه جعل علة السقوط حصول الصياغة وهي موجودة في تلك الصورة ويجوز أن يكون افتراق الصورتين في الاظهر باعتبار أن نية الكنز صارفة لهيأة الصياغة عن استعماله ولم يوجد ههنا نية صارفة والظاهر كون الصياغة للاستعمال وافضاؤها إليه (الثانية) لو اتخذ الحلي ليؤاجره ممن له استعماله ففيه وجهان (أحدهما) لا تسقط عنه الزكاة لانه معد للنماء فاشبه مالو اشترى حليا ليتجر فيه (وأصحهما) أنه تسقط كما لو اتخذه ليعيره ولا اعتبار بالاجرة كاجرة العوامل من الماشية وذكر في الشامل ان الوجه الاول قول احمد والثانى قول مالك (الثالثة) حكم القصد الطارئ في جميع ما ذكرنا بعد الصياغة حكم المقارن بيانه لو اتخذه علي قصد استعمال محظور ثم غير قصده الي مباح بطل الحول فلو عاد إلى القصد الفاسد ابتدأ حول الزكاة ولو اتخذه على قصد الاستعمال ثم قصد أن يكنزه
[ ٦ / ٢٥ ]
جرى في الحول وعلي هذا قس نظائره * قال (ولو انكسر الحلي واحتاج إلى الاصلاح لم يجر في الحول لانه حلى بعد وقيل يجرى لتعذر الاستعمال وقيل ينظر إلى قصد المالك للاصلاح أو عدمه) *
مما يتفرع علي نفى الزكاة في الحلى القول في انكساره وله ثلاث أحوال (احداها) أن ينكسر بحيث لا يمنع الاستعمال وهذا لا تأثير له (والثانية) أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال ويحوج الي سبك وصوغ جديد فتجب فيه الزكاة لخروجه عن صلاحية الاستعمال ويبتدئ الحول من يوم الانكسار (والثالثة) وهى المذكورة في الكتاب أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال لكن لا يحوج الي صوغ جديد بل يقبل الاصلاح باللحام فان قصد جعله تبرا أو دراهم أو قصد ان يكنزه انعقد الحول عليه من يوم لانكسار وان قصد اصلاحه فوجهان (اظهرهما) انه لا زكاة وان تمادت عليه احوال لدوام صورة الحلي وقصد الاصلاح (والثانى) يجب لتعذر الاستعمال وان لم يقصد لا هذا ولا ذاك ففيه خلاف منهم من يجعله وجهين ويقول بترتيبهما علي الوجهين فيما إذا قصد الاصلاح وهذه الصورة اولى بأن تجرى في الحول ومنهم من يجعله قولين احدهما انه تجب الزكاة لانه غير مستعمل في الحال ولا معدله (واظهرهما) المنع لان الظاهر استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال وذكر في البيان ان هذا هو الجديد والاول القديم فإذا جمعت بين الصورتين قلت في المسألة ثلاثة اوجه كما ذكر في الكتاب (ثالثها) وهو الاظهر الفرق بين ان يقصد الاصلاح وبين ألا يقصد شيئا وموضع الخلاف عند الجمهور ما إذا لم يقصد جعله تبرا أو دراهم وان كان لفظ الكتاب مطلقا *
[ ٦ / ٢٦ ]
قال (فان قيل ما الانتفاع المحرم في عين الذهب والفضة قلنا أما الذهب فاصله على التحريم في حق الرجال وعلى التحليل في حق النساء ولا يحل للرجال الاتموية لا يحصل منه الذهب أو اتخاذ أنف لمن جدع أنفه) * جرت عادة الاصحاب بالبحث عن ما يحل ويحرم من التحلى بالتبرين ليعلم موضع القطع بوجوب الزكاة وموضع القولين فاما الذهب فأصله علي التحريم في حق الرجال وعلي التحليل في حق النساء لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال في الذهب والحرير (هذان حرام على ذكور امتى حل لاناثها) واستثنى في الكتاب عن التحريم نوعين (أحدهما) التمويه الذى لا يحصل منه شئ وفى جوازه
في الخاتم والسيف وغيرهما (وجهان) سبق في الاواني ذكرهما وبالتحريم أجاب العراقيون ههنا وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله الا تمويه ينبغي أن يعلم بالواو (والثاني) يجوز لمن جدع أنفه اتخاذ أنف من ذهب وإن أمكن اتخاذه من الفضة لان الذهب لا يصدأ وقد روى أن رجلا قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من فضة فانتن عليه فأمره النبي صلي الله عليه وسلم (أن يتخذ أنفا من ذهب) وفى معنى الانف السن والانملة فيجوز اتخاذهما من الذهب وكل ما جاز من الذهب ولا يجوز لمن قطعت يده أو أصبعه أن يتخذهما من ذهب أو فضة لانها لاتعمل بخلاف الانملة يمكن تحريكها وهل يجوز أن يتخذ لخاتمه سنا أو اسنانا من الذهب قال الاكثرون لا وهو الذى أورده في التهذيب ونظم الكتاب يوافقه فانه لم يستثن من التحريم الا التمويه واتخاذ الانف وقال الامام لا يبعد تشبيه القليل
[ ٦ / ٢٧ ]
منه بالضبة الصغيرة في الاواني وبتطريف الثوب بالحرير: وللاكثرين أن يقولوا الخاتم الزم للشخص من الاناء واستعماله أدوم فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضبة وأما التطريف بالحرير فأمر الحرير أهون لان الخيلاء فيه أدني: واعلم أن كل حلي يحرم لبسه علي الرجال يحرم لبسه على الخنثى لجواز كونه رجلا وهل عليه زكاته الاظهر أنها تجب لكونه حراما وبه أجاب أبو العباس الروياني في المسائل الجرجانيات وقيل هو علي القولين في الحلي المباح وأشار في التتمة الي أن له لبس حلى الرجال والنساء جميعا لانه كان له لبسهما في الصغر فيستصحب إلي زوال الاشكال * قال (وأما الفضة فحلال للنساء ولا يحل للرجل إلا التختم بها وتحلية آلات الحرب كالسيف والمنطقة وفى السروج واللجم وجهان وتحرم علي المرأة آلات الحرب لما فيه من التشبه بالرجال) * يجوز للرجل التختم بالفضة لما روى أنه ﷺ (اتخذ خاتما من فضة) وهل له لبس ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالسوار والدملج والطوق لفظ الكتاب يقتضي المنع حيث قال ولا يحل للرجال إلا التختم به وبه قال الجمهور وقال ابو سعيد المتولي إذا جاز التختم بالفضة فلا فرق بين الاصابع وسائر الاعضاء كحلي الذهب في حق النساء فيجوز له لبس الدملج في العضد والطوق في العنق والسوار في اليد وغيرها وبهذا أجاب المصنف في الفتاوى وقال لم يثبت في الفضة إلا تحريم
الاواني وتحريم التحلي علي وجه يتضمن التشبه بالنساء فاعلم لهذا قوله ولا يحل للرجل إلا التختم
[ ٦ / ٢٨ ]
به ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة كالسيف والرمح وأطراف السهام والدرع والمنطقة والرأنين والخف وغيرها لانه يغيظ الكفار وقد ثبت ان قبيعة سيف رسول الله عليه وسلم (كانت من فضة) وفى تحلية السرج واللجام والثغر وجهان (احدهما) وبه قال ابن سلمة يجوز كالسيف والمنطقة (وأصحهما) المنع كالاواني بخلاف آلات الحرب الملبوسة ويروى هذا عن نصه في رواية البويطي والربيع وموسى بن أبى الجارود وأجرى هذا الخلاف في الركاب وفي برة الناقة من الفضة ورأيت كثيرا من الائمة قطعوا في تصانيفهم بتحريم القلادة للدابة ولا يجوز تحلية شئ مما ذكرنا بالذهب لعموم المنع فيه ويحرم علي النساء تحلية آلات الحرب بالذهب والفضة جميعا لان في استعمالهن لها تشبها بالرجال وليس لهن التشبه بالرجال هكذا ذكره الجمهور واعترض عليه صاحب المعتمد بأن آلات الحرب من غير ان تكون محلاة إما ان يجوز للنساء لبسها واستعمالها أو لا يجوز (والثانى) باطل لان كونه من ملابس الرجال لا يقتضى التحريم إنما يقتضي الكراهة: ألا ترى انه قال في الام ولا اكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للادب وانه من زى النساء لا للتحريم فلم يحرم زى النساء علي الرجال وإنما كرهه فكذلك حكم العكس وقد ذكرت نحوا من هذا في صلاة العيد وايضا الحراب جائز للنساء في الجملة كان في تجويز الحراب تجويز استعمال آلات الحروب وإذا فان ثبت جواز استعمالها وهي غير محلاة فيجوز استعمالها وهى محلاة لان التحلي لهن اجوز منه للرجال وهذا هو الحق إن شاء الله تعالي وبتقدير الا يجوز لهن استعمالها وهي غير محلاة فلا يكون التحريم ناشئا من التحلية فلا يحسن تعليقه بها ويجوز للنساء لبس انواع الحلي من الذهب والفضه كالقرط والطوق والخاتم والخلخال والسوار والتعاويذ وفى اتخاذ النعال من الذهب والفضة وجهان احدهما ويحكى عن الماوردى
[ ٦ / ٢٩ ]
انه لا يجوز لما فيه من الاسراف وأصحهما ويحكي عن القاضي الحسين أنه يجوز كسائر الملبوسات وأما التاج فقد ذكروا أنه إن جرت عادة النساء بلبسه كان مباحا والا فهو مما يلبسه عظماء الفرس فيحرم وكأن
هذا إشارة الي اختلاف الحكم بحسب اختلاف النواحي: فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه وحيث لم تجر لا يجوز تحرزا عن التشبه بالرجال وفى الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حكاهما القاضي الروياني (أظهرهما) المنع لانها لم تخرج بالصوغ عن النقدية وفى لبس الثياب المنسوجة بالذهب والفضة
[ ٦ / ٣٠ ]
وجهان (أصحهما) الجواز وذكر ابن عبدان انه ليس لهن اتخاذ زر القميص والجبة والفرجية منهما ولعل هذا جواب علي الوجه الثاني وكل حلي أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف فان كان كخلخال وزنه مائتا دينار ففيه وجهان الذى ذكره معظم العراقيين المنع وأوجبوا فيه الزكاة قولا واحدا وفى معناه اسراف الرجل في تحلية آلات الحراب ولو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة أو المرأة خلاخل كثيرة لتلبس الواحد منها بعد الواحد فلا يمتنع وليس كالواحد الثقيل وطرد ابن عبدان فيه الوجهين وهذا كله فيما يتحلي به لبسا *
[ ٦ / ٣١ ]
قال (فأما في غير التحلي فقد حرم الشرع اتخاذ الاواني من الذهب والفضة على الرجال والنساء وفى المكحلة لصغيرة تردد وفى تحلية لسكين للمهنة بالفضة الحاقا لها بالآت الحرب فيه خلاف) * في الفصل مسألتان (أحداهما) استعمال أواني الذهب والفضة حرام علي الرجال والنساء كما بينا في كتاب الطهارة وفى اتخاذها خلاف وجواب الكتاب ههنا وفى الطهارة التحريم ويجوز اعلام قوله
[ ٦ / ٣٢ ]
(اتخاذ الاواني) بالواو للخلاف الذى شرحناه في الطهارة ومثله المكحلة قد ذكرها مرة هناك ونقل الامام التردد فيها عن صاحب التقريب وقيد بما إذا كانت من فضة وفيه كلام ذكرناه في شرحها ثم (الثانية) في تحلية سكاكين المهنة وسكاكين المقلمة بالفضة وجهان احدها الجواز ألحاقا لها بالات الحرب (وأصحها) المنع لانها لا تراد للحرب قال الامام وهذا الخلاف في استعمالها للرجال ويثور منه اختلاف في حق النساء ان الحقناها بالات الحرب فليس للنسوة استعمالها والا ففيه احتمال *
قال (وفي تحلية المصحف بالفضة وجهان للحمل على الاكرام وفى تحليته بالذهب ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين الرجال والنساء وتحلية غير المصحف من الكتب لا تجوز اصلا كتحلية الدواة والسهم والسرير والمقلمة وقيل يجوز تحلية الدواة بالفضة ويلزم علي قياسه المقلمة والكتب وتحلية الكعبة والمساجد بالقناديل من الذهب والفضه قيل انه ممنوع ولا يبعد تجويزه اكراما كما في
[ ٦ / ٣٣ ]
المصحف) * هل يجوز تحلية المصحف بالفضة فيه وجهان (احدهما) لا كالأواني (وأظهرهما) نعم وبه قال أبو حنيفة ﵀ اكراما للمصحف وجعل أبو القاسم الكرخي في هذا الخلاف قولين وقال في سير الواقدي ما يدل علي حظرها وفى القديم والجديد وحرملة ما يدل علي الجواز وفى تحليته بالذهب ثلاثه أوجه (احدها) وبه أجاب الشيخ ابو محمد في مختصر المختصر الجواز اكراما وبه قال ابو حنيفة ﵀ (والثاني) المنع إذ ورد في الخبر ذمها) (والثالث) الفرق بين ان يكون للمرأة فيجوز وبين ان
[ ٦ / ٣٤ ]
يكون للرجال فلا يجوز طردا للمنع من الذهب في حق الرجال وكلام الصيدلاني والاكثرين الي هذا أميل وذكر بعضهم انه يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه والاظهر التسوية واما سائر الكتب فقال في الكتاب ان تحليتها لم تجز اصلا وذلك ان الائمة لم يحكوا فيها خلافا بل قاسوا وجه المنع في المصحف علي سائر الكتب اشعارا بالاتفاق فيها وذكروا وجهين في تحلية الدواة والمرآة والمقلمة والمقراض بالفضة (اصحهما) المنع كالأواني والثانى الجواز كالسيف والسكين وبه اجاب في مختصر
[ ٦ / ٣٥ ]
المختصر واراد صاحب الكتاب بقوله (وقيل يجوز تحلية الدواة بالفضة) حكاية وجه وقاس عليه المقلمة وسائر الكتب وفي تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في الحاوى وغيره (احدهما) الجواز تعظيما كما في المصحف وكما يجوز ستر الكعبة بالديباج (واظهرهما) المنع ويحكى ذلك عن ابي اسحق إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف وحكم الزكاة مبنى علي الوجهين نعم لو جعل المتخذ وقفا فلا زكاة فيه بحال وقد تعرض في الكتاب للوجهين معا حيث قال (قيل انه ممنوع) ولا يبعد تجويزه اكراما لكن حكى المنع نقلا والتجويز احتمالا تأسيا بالامام ﵀ فانه هكذا فعل (خاتمة) إذا اوجبنا
الزكاة في الحلى المباح فلو اختلف وزن الحلي وقيمته كما لو كانت لها خلاخل وزنها مائتا درهم وقيمتها ثلثمائة أو فرض مثله في المناطق المحلاة للرجال فالاعتبار في الزكاة بوزنها أو قيمتها فيه وجهان (أحدهما) وبه قال الماوردى ان الاعتبار بالوزن لا القيمة لانها زكاة عين فلا ينظر فيها الي القيمة كما في المواشى ولهذا لو كان وزن الحلي مائة درهم وقيمتة بسبب الصنعة مائتان لا تجب فيها الزكاة (وأصحهما) عند ابن سريج وعامة العراقيين انه تعتبر الصنعة لانها صفة في العين فيلزمه إخراج زكاة العين علي تلك الصفة كما يلزم اخراج المضروب عن المضروب فعلي هذا يتخير بين ان يخرج ربع عشر الحلي مشاعا ثم يبيعه الساعي ويفرق الثمن علي المساكين وبين ان يخرج خمسة دراهم مصنوعة
[ ٦ / ٣٦ ]
قيمتها سبعة ونصف ولا يجوز ان يكسره ويخرج خمسة مكسورة لان فيه ضررا عليه وعلى المساكين ولو أخرج من الذهب ما قيمته سبعة دراهم ونصف فهو جائز عند ابن سريج للحاجة ممتنع عند الاكثرين لامكان تسليم ربع العشر مشاعا وبيعه بالذهب بعد ذلك ولو كانت له آنية وزنها مائتان ويرغب فيها بثلثمائة فيبنى حكم زكاتها علي الخلاف في جواز الاتخاذ ان جوزناه فالحكم علي ما ذكرناه في الحلي وان لم نجوز فلا قيمة للصنعة شرعا فله اخراج خمسة من غيره وله كسره واخراج خمسة منه وله اخراج ربع عشره مشاعا ولا سبيل الي اخراج الذهب بدلا وكل حلي لا يحل لاحد من الناس فحكم صنعته حكم صنعة الاناء ففى ضمانها علي كاسره وجهان وما يحل لبعض الناس فعلي كاسره ضمانها وما يكره من التحلي ولا يحرم كالضبة الصغيرة على الاناء للزينة الحقوه بالمحظور في وجوب الزكاة وقال صاحب التهذيب من عند نفسه الاولي ان يكون كالمباح *
[ ٦ / ٣٧ ]
قال (النوع الرابع زكاة التجارة ومال التجارة كل ما قصد الاتجار فيه عند اكتساب الملك بالمعارضة المحضة ولا يكفي مجرد النية دون الشرى ولا عند الاتهاب أو الرجوع بالعيب وهل يكفى عند الخلع أو النكاح فيه وجهان ولو اشترى عبدا علي نية التجارة بثوب قنية فرد عليه بالعيب انقطع حوله وكذا لو باع ثوب تجارة بعبد للقنية ثم رد) *
زكاة التجارة واجبة عند جمهور العلماء وفيهم الشافعي ﵁ قطع به قوله في الجديد وحكى عنه في القديم ترديد قول: فمنهم من قال له في القديم قولان ومنهم من لم يثبت خلاف الجديد
[ ٦ / ٣٨ ]
شيئا وذكر في النهاية أن نفى وجوبها يعزى الي مالك ولا يكاد يثبت ذلك عنه إنما المشهور عنه أنها لا تجب بعد النضوض حتى لو نض بعد ما اتجر سنين كثيرة لا تجب إلا زكاة سنة واحدة والاصل في الباب ماروى عن أبى ذر ان النبي صلي الله عليه وسلم قال (في الابل صدقتها وفى البقر صدقتها وفى الغنم صدقتها وفى البز صدقته) ومعلوم أنه ليس في البز زكاة العين فيكون الواجب زكاة التجارة
[ ٦ / ٣٩ ]
وعن سمرة بن جندب قال (كان النبي صلي الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع) واعتمد
[ ٦ / ٤٠ ]
الشافعي ﵁ فيما روى عن أبى عمرو بن حماس أن أباه حماسا قال (مررت علي عمر بن الخطاب ﵁ وعلي عنقي أدم أحملها فقال ألا تؤدى زكاتك يا حماس فقلت مالى غير هذه وأهب في القرظ قال ذلك مال فضع قال فوضعتها بين يديه فحسبها فوجدت قد وجب فيها الزكاة فاخذ منها الزكاة) إذا تقرر ذلك فاول ما بدا به في الكتاب بيان أن مال التجارة ماذا فقال ومال التجارة كل ما قصد الاتجار فيه عند اكتساب الملك بالمعاوضة المحضة وفي هذا الضابط أمور قد فصلها بصور (فمنها) أن مجرد نية التجارة لا تجعل المال مال التجارة حتى لو كان له عرض للقنية ملكه بشراء وغيره ثم جعله للتجارة لم يصر للتجارة ولم ينعقد الحول عليه خلافا للكرابيسي من أصحابنا
[ ٦ / ٤١ ]
حديث قال يصير مال تجارة بمجرد النية وبه قال أحمد في إحدى الروايتين لما روينا من خبر سمرة وكما لو كان عنده عرض التجارة فنوى أنه للقنية يصير للقنية وينقطع حول للتجارة: لنا أن ما لا يثبت له حكم الحول بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كما لو نوى بالمعلوفة السوم ويخالف عرض التجارة تصير للقنية بمجرد النية من وجهين (أحدهما) انه ليس للاقتناء معني إلا الحبس والامساك للانتفاع
فإذا أمسك ونوى الاقتناء فقد قرن النية بصورة الاقتناء لانه جردها (والثانى) أن الاصل في العروض الاقتناء والتجارة عارضة فبمجرد النية يعود حكم الاصل وإذا ثبت حكم الاصل فبمجرد النية يزول وهذا كما أن المسافر يصير مقيما بمجرد النية والمقيم لا يصير مسافرا بمجرد النية ومنها لو اقترنت نية التجارة بالشراء كان الشراء مال تجارة ودخل في الحول لانضمام قصد التجارة إلى فعلها كما لو نوي المشترى وسار يصير مسافرا ولا فرق بين أن يكون الشراء بعرض أو نقد أو دين ولا بين أن يكون حالا أو مؤجلا وإذا ثبت حكم التجارة لا يحتاج لكل معاملة الي نية جديدة وفى معني الشرى ما لو صالح
[ ٦ / ٤٢ ]
عن دين له في ذمة إنسان علي عرض بنية التجارة فيصير للتجارة سواء كان الدين قرضا أو ثمن مبيع أو ضمان متلف وكذلك الاتهاب بشرط الثواب إذا نوى به التجارة وأما الهبة المحضة والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والارث فليست معدودة من أسباب التجارة فلا أثر لاقتران النية بها وكذا الرد بالعيب والاسترداد حتى لو باع عرضا للقنية بعرض للقنية ثم وجد بما أخذ عيبا فرده واسترد الاول علي قصد التجارة أو وجد صاحبه بما أخذ عيبا فرده وقصد المردود عليه بأخذه التجاره لم يصر مال تجارة ولو كان عنده ثوب للقنية فاشترى به عبدا للتجارة تم رد عليه الثوب بعيب انقطع حول التجارة ولم يكن الثوب المردود مال تجارة لان الثوب لم يكن عنده علي حكم التجارة حتي يقال ينقطع البيع ويعود الي ما كان قبله بخلاف ما لو كان الثوب للتجارة أيضا فانه يبقى حكم التجارة فيه بعد البيع وكذا لو تبايع التاجران ثم تقابلا يستمر حكم التجارة في المالين ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبد للقنية فرد عليه الثوب بالعيب لم يعد علي حكم التجارة لان قصد القنية قطع حول التجارة والرد والاسترداد بعد ذلك ليسا من التجارة في شئ فصار كما لو قصد القنية بمال التجارة الذى عنده ثم نوى جعله للتجارة ثانيا لا يؤثر حتى يقرن النية بتجارة جديدة ولو خالع الرجل امرأته وقصد التجارة في عوض الخلع أو زوج السيد أمته أو نكحت الحرة أو نويا التجارة في الصداق ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يكون مال تجارة لان الخلع والنكاح ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة ولانه ليس المملوك بهما مملوكا بعين مال (واظهرهما) ولم يذكر اكثر العراقيين سواه أنه يكون
مال تجارة لانه مال ملكه بمعارضة ولهذا ثبتت الشفعة فيما ملك بهما وأجرى الوجهان في المال المصالح عليه عن الدم والذى آجر به نفسه أو ماله إذا نوى بهما التجارة وفيما إذا كان تصرفه في المنافع بأن كان يستأجر المستعملات ويؤاجرها علي قصد التجارة *
[ ٦ / ٤٣ ]
قال (والنصاب معتبر في أول الحول وآخره دون الوسط علي قول وفى جميع الحول على قول وفى آخر الحول فقط على قول لان انخفاض السعر لا ينضبط ولو كان النقصان محسوسا بالتنضيض ففى انقطاع الحول علي هذاا لقول وجهان) * لا خلاف في اعتبار الحول في زكاة التجارة ويدل عليه مطلق قوله صلي الله عليه وسلم (لا زكاة في مال حتي يحول عليه الحول) والنصاب معتبر أيضا لكن في وقت اعتباره ثلاثة أقوال على ما ذكر صاحب الكتاب والامام (أحدها) أنه يعتبر في أول الحول وآخره اما في الاول فليجر في الحول وأما في الآخر فلانه وقت الوجوب ولا يعتبر فيما بينهما لعسر مراعاة النصاب بالقيمة فان الاسعار
[ ٦ / ٤٤ ]
تضطرب انخفاضا وارتفاعا (وثانيها) أنها تعتبر في جميع الحول كما في المواشي فعلي هذا لو نقصت القيمة عن النصاب في لحظة انقطع القول فان كمل بعد ذلك استأنف الحول (وأصحها) أنه لا يعتبر إلا في آخر الحول اما انه لا يعتبر في أثنائه فلما سبق وأما أنه لا يعتبر في أوله فكالزيادة علي النصاب لما لم يشترط وجودها في أثناء الحول لوجوب زكاتها لم يشترط وجودها في أول الحول فعلي هذا لو اشترى
[ ٦ / ٤٥ ]
عرضا للتجارة بشئ يسير انعقد الحول عليه ووجبت الزكاة فيه إذا بلغت قيمته نصابا في آخر الحول واحتج لهذا القول بحديث حماس فانه لم ينظر إلي القيمة إلا في الحال ولم يبحث عما تقدم وليس هذا الاحتجاج كما ينبغي وعبر الاكثرون عن الخلاف في المسألة بالوجوب دون الاقوال وسبب اختلاف العبارة أنها جميعا ليست منصوصة وإنما المنصوص منها الثالث والاولان خرجهما شيوخ الاصحاب هكذا حكي الشيخ أبو علي والمذاهب المخرجة يعبر عنها بالوجوه تارة وبالاقوال أخرى وبالقول
[ ٦ / ٤٦ ]
الثاني قال ابن سريج ونسب ابن حمدان إليه الاول والله أعلم.
ويجوز أن يعلم الاول بالميم والالف (والثانى) بالميم والحاء (والثالث) بالحاء والالف لان مذهب أبي حنيفة ﵀ مثل القول الاول
[ ٦ / ٤٧ ]
ومذهب أحمد مثل (الثاني) ومذهب مالك مثل (الثالث) ثم إذا احتملنا نقصان النصاب في غير الآخر فذلك في حق من تربص لسلعته حتى تم الحول وهي نصاب بالقيمة فاما لو باعها بسلعة أخرى في أثناء الحول فقد حكي الامام وجهين فيه (أحدهما) أن الحول ينقطع ويبتدئ حول السلعة الاخرى
[ ٦ / ٤٨ ]
من يوم ملكها (وأصحهما) أن الحكم كما لو تربص بسلعته ولا أثر للمبادلة في أحوال التجارة ولو باعها في أثناء الحول بالنقد وهو ناقص عن النصاب ثم اشترى به سلعة فتم الحول وهى تبلغ نصابا بالقيمة ففيه وجهان لتحقق النقصان حسا قال الامام ﵀ والخلاف في هذه الصورة امثل منه في الاولى ورأيت المتأخرين يميلون إلى انقطاع الحول والله أعلم وهذه الصورة الاخيرة هي المذكورة في الكتاب
[ ٦ / ٤٩ ]
وأعرف من اللفظ شيئين (أحدهما) أن قوله فلو صار النقصان محسوسا بالتنضضن ليس المراد منه مطلق التنضيض فانه لو باع بالدراهم والحال تقتضي التقويم بالدنانير علي ما سيأتي فهو كبيع السلعة بالسلعة (والثاني) أن قوله على هذا القول يوهم تخصيص الوجهين بالقول الثالث وهما جاريان علي القول الاول
[ ٦ / ٥٠ ]
أيضا ولا فرق * (فرع) لو تم الحول وقيمة سلعته دون النصاب فهل يبتدئ حول ثان فيه وجهان قال أبو إسحق نعم ويسقط حكم الحول الاول وقال ابن أبى هريرة لابل متى بلغت القيمة نصابا تجب الزكاة ثم يبدأ حول ثان والاول أصح عند صاحب التهذيب وغيره *
[ ٦ / ٥١ ]
قال (وابتداء حول التجاره من وقت الشراء بنية التجارة ان كان المشترى به عرضا ماشية كانت أو لم تكن: وإن كان المشترى به نقدا فمن وقت النقد نصابا كان أو لو يكن إن قلنا إن النصاب لا يعتبر في ابتداء الحول وفى الجملة زكاة التجارة والنقدين يبني حول كل واحد منهما علي حول صاحبه لاتحاد المتعلق ومقدار الواجب) *
[ ٦ / ٥٢ ]
غرض الفصل الكلام في بيان ابتداء الحول وجملته أن مال التجارة لا يخلو اما أن يملكه بأحد النقدين أو بغيرهما فان ملكه بأحد النقدين نظر ان كان نصابا كما لو اشترى بعشرين دينارا أو بمائتي درهم فابتداء الحول من يوم ملك ذلك النقد ويبنى حول التجارة علي حوله ووجهوا
[ ٦ / ٥٣ ]
ذلك بشيئين (احدهما) ان قدر الواجب فيهما واحد وكذلك متعلقه فان الزكاة واجبه في عين النقد وفى قيمة السلعة وهى من جنس النقد الذى كان رأس المال بل هي نفس تلك الدراهم الا أنها صارت مبهمة بعد ما كانت معينة فصار كما لو ملك مائتي درهم ستة اشهر ثم اقرضها مليئا تلزمه الزكاة بعد ستة اشهر من يوم القرض (والثانى) ان النقد اصل وغرض التجارة تبع له وفرع عليه الا ترى ان التقويم به يقع فبنى حوله عليه وخرجوا علي التوجيهين ما إذا بادل الدراهم بالدراهم حيث ينقطع الحول ولا يبنى اما علي الاول فلان زكاة النقد في العين ولكل واحد من عين الدراهم الاولى وعين الثانية حكم نفسها واما علي الثاني فلان الثانية لا تقوم بالاولى وليست احداهما اصلا والاخرى فرعا لها وهذا فيما إذا كان الشراء بعين النصاب اما إذا اشترى بنصاب من احد النقدين في الذمة وله مائتا درهم وعشرون دينارا فنقدها في ثمنه ينقطع حول النقد ويبتدئ حول التجارة من يوم الشري هذا لفظ صاحب التهذيب وعلل بأن هذه الدراهم والدنانير لم تتعين للتصرف فيه والله اعلم: وان كان النقد الذى هو رأس المال دون النصاب فليس له حول حتى يبنى عليه فيكون ابتداء الحول من يوم ملك عرض التجارة: هذا إذا ملك بأحد النقدين ولو ملك بغيرهما فله حالتان (احداهما) ان يكون ذلك الغير مما لا تجب الزكاة فيه كالثياب والعبيد فابتداء الحول من يوم الملك
لان ما ملكه قبله لم يكن مال زكاة (والثانية) ان يكون مما تجب فيه الزكاة كما لو ملكه بنصاب من السائمة فظاهر المذهب ان حول السائمة ينقطع ويبتدئ حول التجارة من يوم الملك ولا يبنى لاختلاف الزكاة قدرا ومتعلقا (قال) الاصطخرى يبني حوله علي حول السائمة كما لو ملك بنصاب من النقد واحتج بقوله في المختصر ولو اشترى عرضا للتجارة بدراهم أو بدنانير أو بشئ تجب فيه.
الصدقة من الماشية
[ ٦ / ٥٤ ]
وكان افاد ما اشترى به ذلك العرض من يومه لم يقوم العرض حتى يحول الحول من يوم افاد الثمن وحمل المزني هذا النص علي ما رأه الاصطخرى ثم اعترض عليه وصار إلى عدم البناء وعامة الاصحاب نفوا ذهاب الشافعي ﵁ إلى البناء فتكلموا علي هذا النص من وجوه (أحدها) قال ابن سريج وأبو إسحق وغيرهما إن مسألة المختصر مفروضة فيما إذا استفاد ثمن العرض يوم الشراء وحينئذ لا فرق بين أن يقال يعتبر الحول من يوم الشراء وبين أن يقال يعتبر من ذلك الثمن (والثانى) أن الشافعي ﵁ جمع بين ثلاث صور الشراء بالدراهم والشراء بالدنانير والشراء بالماشية ثم أجاب في الصورتين الاوليين دون الآخرة وقد يقع مثل ذلك في كلامه واحتجوا لهذا بأنه قال من يوم افاد الثمن ولفظ الثمن يقع علي النقدين دون الماشية (واعلم) أن في حقيقة الثمن خلافا سنذكره في كتاب البيع إن شاء الله تعالي جده وهذا الوجه
[ ٦ / ٥٥ ]
يتفرع علي أن الثمن هو الذهب والفضة لا غير ومن قال بالتأويل الاول أطلق لفظ الثمن علي الماشية أيضا (والثالث) تغليط المزني في النقل وإلى هذا مال امام الحرمين ورأى التأويل تكلفا: ولنتكلم في ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة (قوله) من وقت الشراء بنية التجارة ليس لتخصيص الحكم بالشراء بل هو مذكور تمثيلا وسائر الاكتسابات الملحقة في معناه ويجوز إعلامه بالواو لان اللفظ مطلق لا يفرق بين أن يكون قيمة ما اشتراه للتجارة نصابا أو لا يكون وهو مجرى على اطلاقه إذا فرعنا علي أن النصاب لا يعتبر إلا في آخر الحول وهو الصحيح فإذا اعتبرناه في جميع الحول أو في طرفيه ولم يبلغ قيمة المشترى نصابا فليس ابتداء الحول من يوم الشراء بل هو وقت بلوغ قيمته نصابا (وقوله) ماشية كانت معلم بالواو لما حكينا عن الاصطخرى (وقوله) وإن كان المشترى به نقدا فمن وقت القد أي من
[ ٦ / ٥٦ ]
وقت ملك النقد ثم قوله نصابا كان أو لم يكن ان قلنا النصاب لا يعتبر في ابتداء الحول هو موضع نظر وتأمل لانه إما أن يريد به نصابا كان المال المشترى أو لم يكن أو يريد به نصابا كان النقد أو لم يكن وهو الاسبق الي الفهم فان أراد الثاني فقد صرح باحتساب الحول من وقت ملك النقد مع نقصانه عن النصاب وان أراد به الاول فقد حكم بالاحتساب من وقت ملك النقد مطلقا وليس كذلك بل يشترط فيه كون ذلك النقد نصابا نص عليه الشافعي ﵁ وقطع به الاصحاب من غير فرق بين أن يعتبر النصاب في جميع الحول أولا يعتبر لان النقد الناقص ليس مال زكاة حتى يفرض جريانه في الحول (وقوله) زكاة التجارة والنقدين ينبني حول كل واحد منهما علي صاحبه ويبين أنه لو باع مال تجارة بنقد بنية القنية يبني حول النقد علي حول مال التجارة كما يبنى حول مال التجارة علي حول النقد (وقوله) لاتحاد المتعلق ومقدار الواجب اشارة إلى التوجيه الاول وقد بيناه * قال (وكل زيادة حصلت بارتفاع القيمة وجبت الزكاة فيها بحول رأس المال كالنتاج فان رد إلى اصل النضوض فقدر الربح من الناض لا يضم الي حول الاصل علي أحد القولين لانه مستفاد من كيس المشترى لا من عين المال) * ربح مال التجارة ينقسم إلى حاصل من غير نضوض المال والي حاصل مع نضوضه وأما القسم الاول فهو مضموم الي الاصل في الحول كالنتاج لان المحافظة علي حول كل زيادة مع اضطراب الاسواق وتدرجها انخفاضا وارتفاعا في غاية العسر قال في النهاية وقد حكى الائمة القطع بذلك لكن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زكاة الاعيان قد لا يسلم وجوب الزكاة في الربح في آخر الحول وقضية قياسه أن نقول ظهور الربح في أثناء الحول بمثأبة نضوضة وسيأتى الخلاف فيه في القسم
[ ٦ / ٥٧ ]
الثاني قال وهذا لا بد منه والائمة قد يذكرون القول الضعيف مع الصحيح ثم إذا توسطوا التفريع تركوا الضعيف جانبا وهذا الكلام يقتضى أعلام قوله في الكتاب بحول رأس المال بالواو فعلى المشهور الصحيح لو اشترى عرضا للتجارة بمائتي درهم فصارت قيمته في خلال الحول ثلاثمائة زكي الثلثمائة عند تمام الحول وان كان ارتفاع القيمة قبيل الحول بلحظة ولو ارتفعت بعد الحول
فالربح مضموم الي الاصل في الحول الثاني كما في النتاج وأما القسم الثاني وهو الحاصل مع النضوض فينظر فيه ان صار ناضا من غير جنس رأس المال فهو كما لو بدل عرضا بعرض لان التقويم لا يقع به وحكي الشيخ ابو على عن بعض الاصحاب انه علي الخلاف الذى نذكره فيما إذا صار ناضا من جنس رأس المال وان صار ناضا من جنسه فأما أن يفرض في خلال الحول أو بعده وعلي التقدير الاول فأما أن يمسك الناض إلي أن يتم الحول أو يشترى به سلعة (الحالة الاولي) أن يمسك الناض الي تمام الحول كما إذا اشترى عرضا بمائتي درهم وباعه في خلال الحول بثلاثمائة ويتم الحول وهو في يده فقد قال الشافعي ﵁ في باب زكاة التجارة أنه يزكى المائتين ويفرد مائة الربح بحول وقال
[ ٦ / ٥٨ ]
في باب زكاة مال القراض إذا دفع الف درهم الي رجل قراضا علي النصف فاشترى بها سلعة وحال الحول عليها وهى تساوى الفين ففيها قولان (احدهما) أنه يزكي الكل (والثانى) أن رب المال يزكى الفا وخمسمائة فأوجب زكاة جميع الربح أو نصفه عند تمام الحول ولم يفرده بحول واختلف الاصحاب علي طريقين (أظهرهما) وبه قال أبو إسحق والاكثرون أن المسألة علي قولين (احدهما) وهو اختيار المزني أنه يزكى الربح بحول الاصل لانه فائدته ونماؤه فأشبه ما إذا لم يرد الي النضوض ونتاج الماشية (واصحهما) أنه يفرد الربح بحول لظاهر قوله صلي الله عليه وسلم (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ويخالف ما إذا لم ينض لان الربح ثمة كامن وغير متميز عن الاصل ومتعلق الزكاة واحد وهو القيمة ويخالف النتاج فانه يتولد من أصل المال والربح هاهنا غير متولد من غير المال بل هو مستفاد بالتصرف من كيس المشترى ولهذا لو غصب ماشية فتوالدت وجب رد النتاج مع الاصل ولو غصب دراهم فتصرف فيها وربح كان الربح له في اظهر
[ ٦ / ٥٩ ]
القولين (والطريق الثاني) وبه قال ابن سريج القطع بافراد الربح بحول وحمل كلامه في القراض علي ما إذا اشترى السلعة بالف وهى تساوى الفين فليس فيها زيادة بعد الشراء فلذلك أوجب الزكاة في الربح مع الاصل قال هؤلاء وهكذا صور المسألة في الام لكن المزني لم ينقلها علي وجهها ومنهم
من قال قصده بما ذكر في مال القراض بيان أن زكاة جميع الربح قبل المقاسمة على رب المال ام يتقسط عليه وعلي العامل فاما ان حول الربح هل هو حول الاصل أم لا فهذا مما لم يقع مقصدا ثم ولا يوجه الكلام نحوه فلا احتجاج فيه علي أنه ليس في اللفظ تصوير للرد إلي النضوض فيجوز حمله علي ارتفاع القيمة من غير نضوض وإذا فرعنا علي أن الربح يفرد بحول فابتداؤه من يوم الظهور ام من يوم نض وباع فيه وجهان (أحدهما) وبه قال ابن سريج أنه من يوم الظهور لان الربح لم يحصل بالبيع
[ ٦ / ٦٠ ]
وانما حصل بارتفاع قيمة السلعة (والثاني) أنه من يوم البيع والنضوض لان الزيادة به تستقر وقبله قد يتوهم زيادة فيتبين خلافه لاضطراب السوق قال القاضى الرويانى وغيره وهذا ظاهر المذهب (الحالة الثانية) أن يشترى بها سلعة قبل تمام الحول فطريقان (أحدهما) القطع بانه يزكى عن الجميع لان ما في يده في آخر الحول عرض (وأصحهما) ان الحكم كما لو أمسك الناض الي تمام الحول لان الربح بالنضوض بمثابة فائدة استفادها فلا يختلف حكمها بين ان يشترى بها سلعة أو لا يشترى وهذا كله فيما إذا باع ونص في خلال الحول فاما إذا باع ونض بعد تمامه فقد قال الشيخ أبو على ينظر إن ظهرت الزيادة قبل تمام الحول فلا خلاف في انه يزكى الكل بحول الاصل
[ ٦ / ٦١ ]
وإن ظهرت بعد تمامه فوجهان (أحدهما) هكذا (وأظهرهما) أنه يستأنف للربح حولا وجميع ما ذكرناه فيما إذا اشترى العرض بنصاب من أحد النقدين أو اشتراه بغيرهما وهو يساوى نصابا: أما لو اشترى بمائة درهم مثلا وباعه بعد ستة أشهر بمائتي درهم وبقيت عنده إلي آخر الحول من يوم الشراء فان قلنا بظاهر المذهب وهو أن النصاب لا يشترط إلا في آخر الحول تفرعت المسالة علي قولين في أن الربح من الناض هل يضم إلي الاصل في الحول: إن قلنا نعم فعليه زكاة المائتين وإن قلنا لا: لم يزك مائة الربح إلا بعد ستة أشهر أخرى وإن قلنا إن النصاب يشترط في جميع الحول أو في طرفيه فابتداء حوله من يوم باع ونض فإذا تم زكى عن المائتين: واعلم أن مسألة الكتاب فيما إذا رد إلي النضوض في خلال الحول ثم اللفظ من جهة اطلاقه يشمل ما إذا أمسك الناض حتى تم الحول
[ ٦ / ٦٢ ]
وما إذا اشترى به سلعة أخرى ويشمل ايضا ما إذا كان نصابا في اول الحول أو ناقصا عنه واجراؤه على اطلاقه فيهما صحيح مستمر (وقوله) لا يضم معلم بالزاى لما قدمناه (وقوله) علي أحد القولين بالواو للطريقة القاطعة بعدم الضم ثم نوضح الفصل بفرعين (أحدهما) من مولدات ابن الحداد وهو مالو ملك الرجل عشرين دينارا فاشترى بها عرضا للتجارة ثم باعه بعد ستة أشهر من ابتداء الحول باربعين دينار أو اشترى بها سلعة اخرى ثم باعها بعد تمام الحول بمائة كيف يزكي أما إذا قلنا إن الربح من الناض لا يفرد بحول فعليه زكاة جميع المائة وأما إذا قلنا يفرد فعليه زكاة خمسين دينارا لانه اشترى السلعة الثانية باربعين عشرون منها رأس ماله الذى مضى عليه ستة أشهر وعشرون ربح استفاده يوم باع الاول واشترى الثاني فإذا مضى ستة أشهر فقد تم الحول علي نصف السلعة فيزكيه بزيادته وزيادته ثلاثون دينارا لانه ربح علي العشرينين ستين وكان ذلك كامنا وقت تمام الحول ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى فعليه زكاة العشرين الثانية فان حولها حينئذ يتم ولا يضم إليها ربحها لانه صار ناضا قبل تمام حولها فإذا مضت ستة اشهر أخرى فعليه زكاة ربحها وهو الثلاثون الباقية فان كانت الخمسون التى أخرج زكاتها في الحول الاول باقية عنده فعليه اخراج زكاتها ثانيا مع الثلاثين هذا جواب ابن الحداد تفريعا على أن الربح الناض لا يفرد
[ ٦ / ٦٣ ]
بحول وحكى الشيخ أبو علي فيه وجهين آخرين ضعيفين (احدهما) انه عند البيع الثاني يخرج زكاة عشرين فإذا مضت ستة اشهر اخرج زكاة عشرين اخرى وهى التي كانت ربحا في الحول الاول فإذا مضت ستة اشهر اخرى اخرج زكاة الستين الباقية لانها إنما استقرت عند البيع الثاني فمنه يبتدئ حولها (والثانى) أنه عند البيع الثاني يخرج زكاة عشرين ثم إذا مضت ستة أشهر زكى عن الثمانين الباقية لان الستين التي هي الربح حصلت في حول العشرين التى هي الربح الاول فيضم إليها في الحول ولو كان الفرع بحاله لكنه لم يبع السلعة الباقية فيزكى وعند تمام الحول الاول خمسين كما ذكرنا عند تمام الحول الثاني الخمسين الثانية لان الربح الآخر ما صار ناضا الفرع الثاني اشترى بمائتي درهم عرضا للتجارة
فباعه بعد ستة اشهر بثلثمائة واشترى بها عرضا وباعه بعد تمام الحول بستمائة فان لم يفرد الربح بحول اخرج زكاة الستمائة وان أفردناه أخرج زكاة اربعمائة فإذا مضت ستة أشهر أخرج زكاة مائة فإذا مضت ستة اشهر اخرى اخرج زكاة المائة الباقية هذا على جواب ابن الحداد واما علي الوجهين الاخرين فيخرج عند البيع الثاني زكاة مائتين ثم على الوجه الاول إذا مضت ستة اشهر اخرج زكاة مائة وإذا مضت ستة اشهر اخرى اخرج زكاة ثلثمائة وعلى الوجه الثاني إذا مضت ستة اشهر من يوم البيع الثاني اخرج زكاة الاربعمائة الباقية ولو لم يبع العرض الثاني اخرج زكاة اربعمائة عند تمام الحول وزكاة الباقي بعد ستة اشهر هذا هو الحكم فان اردت التوجية فخرجه علي ما سبق *
[ ٦ / ٦٤ ]
قال (فان نتج مال التجارة كان النتاج مال تجارة أيضا علي أحد الوجهين ويجبر به نقصان الولادة في نصاب مال التجارة وجها واحدا ثم حوله حول الاصل على الاصح) * مال التجارة إذا كان حيوانا فلا يخلو اما أن تجب فيه زكاة العين كنصاب السائمة من الغنم فالكلام فيه وفى نتاجه سيأتي من بعد أو لا تجب كالخيل والجواري والمعلوفة من النعم فهل يكون نتاجها مال تجارة فيه وجهان (أحدهما) لا لان النماء الذى تفيده العين لا يناسب الاستنماء بطريق التجارة فلا يجعل مال تجارة ويروى عن ابن سريج (وأصحهما) نعم لان الولد جزء من الام فله حكمها وزوائد مال التجارة من فوائد التجارة عند أهلها والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الام بالولادة فان نقصت كما إذا كانت قيمة الجارية الفا فعادت بالولادة إلى ثمانمائة وقيمة الولد مائتان فيجبر نقصان الام بقيمته وعليه زكاة الالف ولو عادت قيمتها إلي تسع مائة جبرنا نقصان المائة من الولد لان سبب النقصان انفصال الولد وهو عتيد حاضر فيجعل كأنه لا نقصان كذا حكى عن ابن سريج
[ ٦ / ٦٥ ]
وغيره قال الامام وفيه احتمال ظاهر وقضية قولنا انه ليس مال تجارة أن لا يجبر به نقصان الجارية كالمستفاد لسبب آخر (وقوله) في الكتاب في نصاب مال التجارة لفظ النصاب حشو في هذا الموضع (وقوله) وجها واحدا أي من جهة النقد وما ذكره الامام انما أبداه علي سبيل الاحتمال وثمار
اشجار التجارة بمثابة أولاد حيوان التجارة ففى كونها مال تجارة ما ذكرنا من الوجهين ثم ان لم نجعل الاولاد والثمار مال تجارة فكيف القول في زكاتها في السنة الثانية وما بعدها انخرجها من حساب التجارة كما لو ورث عبدا ام كيف الوجه قال امام الحرمين الظاهر انا لا نوجب الزكاة فانه فيما نختاره الآن منفصلا عن تبعية الام وليس أصلا في التجارة وان فرعنا على انها مال تجارة وضممناها إلى الاصل ففى حولها وجهان (أحدهما) انها على القولين في ربح الناض لانها زيادة مستقرة من مال التجارة فعلى أحد القولين ابتداء الحول من انفصال الولد وظهور الثمار (وأصحهما) ان حولها حول الاصل كالزيادات المنفصلة كالنتاج في الزكاة العينية *
[ ٦ / ٦٦ ]
قال (وأما المخرج فهو ربع عشر القيمة من النقد الذى كان رأس المال نصابا كان أو لم يكن فان كان اشتراه بعرض قنية قوم بالنقد الغالب فان غلب نقدان فلم يبلغ نصابا الا بأحدهما قوم به وان بلغ بهما نصابا يخير المالك على وجه وروعي غبطة المساكين علي وجه وتتعين الدراهم على وجه لانه أرفق ويعتبر بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه علي وجه) * لا خلاف في ان قدر زكاة التجارة ربع العشر كما في النقدين ومم تخرج قطع (في الجديد) بانها تخرج من القيمة ولا يجوز أن تخرج من عين ما في يده وبه قال مالك لان متعلق الزكاة هو القيمة وحكى عن القديم قولان (أحدهما) مثل هذا (والثاني) أنه يخرج ربع عشر ما في يده لانه الذي
[ ٦ / ٦٧ ]
يملكه والقيمة تقدير واختلفوا في هذا القول منهم من قال انه ترخيص وتجويز لاخراج العين باعتبار القيمة ولو أخرج ربع عشر القيمة جاز ومن قال بهذا قال في المسألة قولان (تعيين) القيمة (والتخيير) بين العين والقيمة وبه قال ابو اسحق ومنهم من قال ما ذكره (في القديم) أراد تعيين العين للاخراج ومن قال بهذا قال في المسألة قولان (تعيين) العين (وتعيين) القيمة وحكى ابن عبدان هذا عن ابن ابى هريرة ومن الاصحاب من استوعب وجعل المسألة على ثلاثة أقوال (أصحها) تعيين العين (والثاني) تعيين القيمة (والثالث) التخيير بينهما وتحكي هذه الطريقة عن ابن سريج وعليها جرى
صاحب التقريب ثم الفتوى والتفريع علي الجديد وهو الذى ذكره في الكتاب لكنا نورد صورة لايضاح هذا الخلاف فنقول إذا ملك مائة درهم فاشترى بها مائتي قفيز من الحنطة فحال الحول وهى تساوى مائتين فتجب عليه الزكاة تفريعا على أن النصاب لا يعتبر الا في آخر الحول فعلي الاصح
[ ٦ / ٦٨ ]
يخرج خمسة دراهم وعلي الثاني خمسة اقفزة وعلي الثالث يتخير بينهما ولو أخر إخراج الزكاة حتى تراجع السوق ونقصت القيمة نظر ان كان ذلك قبل إمكان الاداء (فان قلنا) الامكان شرط الوجوب سقطت الزكاة (وان قلنا) شرط الضمان وعادت القيمة الي مائة فعلي الاصح يخرج درهمين ونصفا وعلي الثاني يخرج خمسة اقفزة وعلي الثالث يتخير بينهما وان كان بعد الامكان فعلي الاصح يخرج خمسة دراهم لان النقصان من ضمانه وعلي الثاني يخرج خمسة أقفزة ولا يضمن نقصان القيمة مع بقاء العين كالغاصب وعلي الثالث يتخير بينهما وان أخر فزادت القيمة وبلغت أربعمائة فان كان ذلك قبل الامكان وقلنا أنه شرط الوجوب فعلي الاصح يخرج عشرة دراهم وعلى الثاني خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم لان هذه الزيادة في ماله ومال المساكين وعن ابن ابي هريرة أنه يكفى علي هذا القول خمسة اقفزة قيمتها خمسة دراهم لان هذه الزيادة
[ ٦ / ٦٩ ]
وهى محتسبة في الحول الثاني وعلى الثالث يتخير بين الامرين ولو أتلف الحنطة بعد وجوب الزكاة قيمتها ومائتا درهم ثم ارتفعت قيمتها فصارت اربعمائه فعلى الاصح يخرج خمسة دراهم فانها القيمة يوم الاتلاف وعلي الثاني يخرج خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم وعلي الثالث يتخير بينهما إذا عرفت ذلك: فالكلام بعده في ما يقوم به العرض ولا يخلو الحال أول ما ملك مال التجارة: إما أن يملكه بالنقد أو بغير النقد أو بهما (القسم الاول) أن يملكه بالنقد (فأما) أن يملكه بأحد النقدين أو بهما فان ملكه بأحد النقدين (فأما) أن يكون نصاب أو لا يكون فان كان نصابا كما لو اشتراه بمائتي درهم أو عشرين دينارا فيقوم في آخر الحول بذلك النقدين لان الحول مبني على حوله والزكاة واجبة فيه فان بلغ نصابا بذاك النقد أخرج زكاته والا فلا: وان كان الباقي غالب نقد البلد ولو قوم به لبلغ
نصابا بل لو اشترى بمائتي درهم عرضا وباعه بعشرين دينارا وقصد التجارة مستمرا فتم الحول والدنانير في يده ولا تبلغ قيمتها مائتي درهم فلا زكاة فيها هذا ظاهر المذهب وعن صاحب التقريب حكاية قول أن التقويم أبدا يقع بغالب نقد البلد ومنه يخرج الواجب سواء كان رأس المال نقدا أو غيره لانه أرفق بالمستحقين لسهولة التعامل به وحكى القاضي الروياني هذا عن ابن الحداد وقال أبو حنيفة واحمد يعتبر الاحظ للمساكين فنقوم به ولا غيره بما ملك به وان كان دون النصاب ففيه وجهان (احدهما) وبه قال أبو إسحق أنه يقوم بغالب نقد البلد كما لو اشترى بعرض لانه لا زكاة فيه كما لا زكاة في العرض (وأصحهما) وهو المذكور في الكتاب وبه قال ابن أبى هريرة أنه يقوم بذلك النقد ايضا لانه
[ ٦ / ٧٠ ]
أصل ما في يده واقرب إليه من نقد البلد وموضع الوجهين ما إذا لم يملك من جنس النقد الذى ملك به ما يتم به النصاب فان ملك كما لو اشترى بمائة درهم عرضا للتجارة وهو يملك مائة اخرى فلا خلاف في ان التقويم بجنس ماملك به لانه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول وابتداء الحول من يوم ملك دراهم وان ملك بالنقدين جميعا فله ثلاثة احوال لانه اما ان يكون كل واحد منهما نصابا اولا يكون واحد منهما نضا يكون احدهما أو نصابا دون الآخر * واما في الحالة الاولي فيقوم بهما علي نسبة التقسيط يوم الملك وطريقه تقويم احد النقدين بالآخر يومئذ بانه اشترى بمائتي درهم وعشرين دينارا
[ ٦ / ٧١ ]
عروضا للتجارة فينظران كانت قيمة مائتي درهم عشرين دينارا فقد علمنا ان نصف العروض مشترى بالدراهم ونصفها بالدنانير وان كانت قيمتها عشرة دنانير فثلثها مشترى بالدراهم وثلثاها بالدنانير فهكذا تقوم في آخر الحول ولا يضم احدهما الي الآخر حتي لا تجب الزكاة إذا لم يبلغ واحد منهما نصابا وان كان بحيث لو قوم الجميع بأحد النقدين لبلغ نصابا وحول كل واحد من المبلغين من يوم ملك ذلك النقد * واما في الحالة الثانية (فان قلنا) ما دون النصاب كالعروض قوم الجميع بنقد البلد (وان قلنا) انه كالنصاب قوم ما ملكه بالدراهم وما ملكه بالدنانير * واما في الحالة الثالثة فيقوم
[ ٦ / ٧٢ ]
ما ملكه بالنقد الذى هو نصاب بذلك النقد وما ملكه بالنقد الثاني فعلى الوجهين وكل واحد من المبلغين يقوم به في آخر حوله وحول المملوك بقدر النصاب من يوم ملك ذلك النقد وحول المملوك بالآخر من يوم ملك العروض وإذا اختلف جنس المقوم به فلا ضم كما سبق (القسم الثاني) ان يملكه بغير النقد كما لو ملك بعرض للقنية فيقوم في آخر الحول بآخر نقد البلد من الدراهم أو الدنانير ان بلغ به نصابا اخرج زكاته والا فلا شئ عليه وان كان يبلغ بغيره نصابا فان كان
[ ٦ / ٧٣ ]
يجرى في البلد النقدان واحدهما اغلب فالتقويم به وان استويا نظر ان بلغ باحدهما نصابا دون الآخر قوم به وان بلغ بهما ففيه وجوه اربعة (احدها) ان المالك يتميز فيقوم بأيهما شاء ويخرج الزكاة ويحكي هذا عن ابى اسحق (والثانى) انه يراعي الاغبط للمساكين (والثالث) انه يتعين التقويم بالدراهم لانها ارفق واصلح لشراء المحقرات قال الرويانى وهذا اختيار ابن ابي هريرة (والرابع) انه يعتبر بالنقد الغالب في اقرب البلاد إليه لاستوائهما في ذلك البلد فصار كما لو لم يكن
[ ٦ / ٧٤ ]
فيه نقد فهذا هو الترتيب المذكور في الكتاب وكذا أورده العراقيون والقاضي الرويانى وحكموا بأن الوجه الاول اصح وايراد الامام وصاحب التهذيب يقتضى ترجيح الثاني لانهما قالا إذا استويا ولم يغلب احدهما يقوم بالانفع للمساكين فان استويا فيه فحينئذ فيه الوجوه الثلاثة الباقية وما ذكراه يعتضد بان الاظهر في اجتماع الحقاق وبنات البون رعاية الاغبط وما ذكره غيرهما يعتضد لان الاظهر في الجبران ان الخيار في تعيين الشاتين والدراهم الي المعطى ويدخل في هذا
[ ٦ / ٧٥ ]
القسم المملوك بالخلع والنكاح علي قصد التجارة إذا قلنا انه مال تجارة (القسم الثالث) انه يملك بالنقد وغيره معا كما لو اشترى بمائتي درهم وعرض قنية فما يقابل الدراهم يقوم بالدراهم وما يقابل العرض بنقد البلد فان كان النقد دون النصاب عاد الوجهان وكما يجزئ التقسيط عند اختلاف الجنس يجزئ عند اختلاف الصفة كما لو اشترى بنصاب من الدنانير بعضها صحيح وبعضها مكسر
وبينهما تفاوت يقوم ما يخص الصحاح بالصحاح وما يخص المكسرة بالمكسرة ولا يخفى عليك
[ ٦ / ٧٦ ]
بعد هذا الشرح ان لفظ القيمة من قوله في الكتاب فهو ربع عشر القيمة فينبغي ان يكون معلما بالواو وقوله من النقد الذى كان رأس المال بالحاء والالف وقوله أو لم يكن بالواو وقوله فان غلب نقدان أي علي التساوى * قال (ولا يمتنع علي التاجر التجارة لعدم اخراج الزكاة وأما الاعتاق والهبة فهو كبيع المواشي بعد وجوب الزكاة فيها) *
[ ٦ / ٧٧ ]
هل ينفذ بيع التاجر مال التجارة بعد تمام الحول ووجوب الزكاة فيها ذكر بعض الاصحاب أنه علي الخلاف في بيع سائر الاموال بعد وجوب الزكاة فيها وروى في النهاية عن بعضهم انا ان قلنا ان زكاة التجارة تؤدى من عين العروض فهو على ذلك الخلاف (وان قلنا) تؤدى من القيمة فالحكم فيه كالحكم في مالو وجبت شاة في خمس من الابل فباعها لان القيمة ليست من جنس
[ ٦ / ٧٨ ]
العرض كالشاة ليست من جنس الابل والذى قطع به الجمهور وأورده في الكتاب أنه يجوز البيع ولا يخرج على ذلك الخلاف لان متعلق هذه الزكاة المالية والقيمة وهى لا تفوت بالبيع ولا فرق بين أن يبيع على قصد التجارة وهو الذي يتناوله لفظ الكتاب أو علي قصد اقتناء العرض فان متعلق الزكاة الواجبة لا يبطل وان صار مال قنية فهو كما لو نوى الاقتناء من غير بيع ولو أعتق عبد التجارة أو وهب مال التجارة فحكمه حكم مالو باع المواشى بعد وجوب الزكاة فيها لان الاعتاق والهبة يبطلان متعلق زكاة التجارة كما أن البيع يبطل متعلق زكاة العين ولو باع مال التجارة
[ ٦ / ٧٩ ]
بمحاباة فقدر المحاباة كالموهوب فان لم نصحح الهبة وجب أن تبطل في ذلك القدر ويخرج في الباقي علي تفريق الصفقة والله أعلم *
قال (قاعدة يجب اخراح الفطرة (ح) عن عبد التجارة مع زكاة التجارة وان كان مال التجارة نصابا من السائمة غلب زكاة العين في قول لانه مقطوع به وغلب زكاة التجارة في قول لانه أرفق بالمساكين لعمومه فان غلبنا الزكاة ولم يكن المال نصابا باعتباره عدلنا الي الزكاة الاخرى في اظهر
[ ٦ / ٨٠ ]
في أظهر الوجهين ولو اشترى معلوفة للتجارة ثم أسامها وقلنا المغلب زكاة العين فالاظهر أنه يجب في السنة الاولي زكاة التجارة كيلا يحبط بعض حول التجارة) * غرض القاعدة الكلام فيما لو كان مال التجارة مما يجب في عينه الزكاة وافنتحها باجتماع الفطرة وزكاة التجارة فعندنا تجب فطرة عبيد التجارة مع اخراج الزكاة عن قيمتهم وبه قال مالك خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال لا تجب الفطرة به * لنا انهما حقان يجبان لسببين مختلفين فلا يتداخلان كالجزاء مع القيمة في الصيد المملوك ولو كان مال التجارة نصابا من السائمة فلا تجب فيه زكاة العين والتجارة جميعا وفيما تقدم منهما قولان (الجديد) وبه قال مالك انه تقدم زكاة العين لانها أقوى من جهة انها متفق عليها وفى زكاة التجارة نزاع لبعض أهل الظاهر وقد حكينا فيها عن القديم شيئا ضعيفا أيضا (والقديم) وبه قال أبو حنيفة واحمد رحمهما الله أنه تقدم زكاة التجارة لانها أنفع للمساكين من حيث أنها تعم وتشمل أصناف الاموال وتزيد بزيادة القيمة وذكر القفال في شرح التلخيص أن له في القديم قولين (أحدهما) كالجديد (والثاني) تغليب زكاة التجارة ورأيت لابن الصباغ من العراقيين رواية مثل ذلك (فان قلنا) بالاصح وهو تقديم زكاة العين أخرج السن الواجبة من السائمة والسخال تضم إلى الامهات وان قدمنا زكاة التجارة فقد قال في التهذيب تقوم مع درها ونسلها وصوفها وما اتخد من لبنها وهذا جواب في النتاج علي انه مال تجارة وقد أسلفنا فيه خلافا ولا عبرة بنقصان النصاب في أثناء الحول تفريعا على الصحيح في وقت اعتبار نصاب التجارة ولو اشترى نصابا من السائمة للتجارة ثم اشترى بها عرضا بعد ستة أشهر مثلا فعلي القول الثاني لا ينقطع الحول وعلي الاول ينقطع ويبتدئ حول زكاة التجارة من يوم شراء العرض ثم القولان فيما إذا كمل نصاب الزكاتين واتفق الحولان أما إذا لم يكمل نصاب أحداهما كما إذا كان مال تجارته أربعين من
الغنم السائمة ولم تبلغ قيمتها نصابا عند تمام الحول أو تسعا وثلاثين فما دونها وبلغت قيمتها نصابا فعليه زكاة التى كمل نصابها دون الاخرى قولا واحدا هكذا ذكر العراقيون والقفال والجمهور وما في الكتاب يقتضى اثبات الخلاف فيه فانه قال فان غلبنا زكاة ولم يكن المال نصابا باعتباره عدلنا الي الزكاة الاخرى في أظهر الوجهين وكلام الامام يوافق ما ذكره فانه روى وجهين في وجوب زكاة
[ ٦ / ٨١ ]
العين إذا رأينا تقديم زكاة التجارة وكان مال تجارته أربعين من الغنم ولم يبلغ قيمتها نصابا في آخر الحول وعلي عكسه كما لو رأينا تقديم زكاة العين وقد اشترى أربعين فنقص العدد وقيمة الباقي نصاب من النقد روى وجهين في وجوب زكاة التجارة وساعدهما صاحب التهذيب في حكاية الخلاف في الصورة الاولي دون الثانية سواء ثبت الخلاف أم لا فالجواب في المسألة العدول الي الزكاة الاخرى لانقطاع زحمة الاولي وإذا غلبنا زكاة العين في نصاب السائمة وانتقصت في خلال السنة عن النصاب ونقلتاه الي زكاة التجارة فهل يبنى حول زكاة التجارة علي حول زكاة العين أم يستأنف لها حولا فيه وجهان حكاهما القفال في الشرح قال وهما كالوجهين فيما لو ملك نصابا من السائمة لا للتجارة واشترى به سلعة للتجارة هل يبني حول السلعة علي حول الماشية وإذا أوجبنا زكاة التجارة لنقصان الماشية المشتراة للتجارة عن قدر النصاب ثم بلغت بالنتاج في أثناء الحول نصابا ولم تبلغ بالقيمة نصابا في آخر الحول فقد حكي صاحب التهذيب عن بعض الاصحاب أنه لا زكاة عليه لان الحول انعقد علي زكاة التجارة فلا يتبدل وعن بعضهم انه ينتقل الي زكاة العين فعلي هذا يعتبر الحول من تمام النصاب بالنتاج أو من وقت نقصان القيمة عن النصاب فيه وجهان وأما إذا كمل نصاب الزكاتين ولم يتفق الحولان وهذا في السوائم انما يكون بسبق حول زكاة التجارة بأن يشترى بمتاع تجارته بعد ستة أشهر نصابا من السائمة أو يشترى معلوفة للتجارة ثم يسيمها بعد ستة أشهر ولا يتصور سبق حول زكاة العين فيها لان حولها ينقطع بالمبادلة فإذا تصور ذلك ففيه طريقان (اظهرهما) وبه قال القاضى أبو حامد أنه علي القولين في أنه يقدم هذه الزكاة أم هذه الزكاة (والثانى) وبه قال أبو إسحق واختاره القاضي أبو الطيب ان القولين مخصوصان بما إذا اتفق الحولان وذلك بأن يشترى بعروض القنية نصابا من السائمة للتجارة فاما إذا لم يتفقا فلا جريان للقولين وعلي هذا فما الحكم
نقل الامام ﵁ في طريقين (احدهما) ان المتأخر يرفع المتقدم ويتجرد قولا واحدا (والثانى) ان المتقدم يرفع المتأخر وعليه زكاة التجارة في الصورة المفروضة قولا واحدا لان التي تم حولها خالية عن زحمة الغير فتجب وهذا هو الاشهر الذى نقله فقول المعظم تفريعا على طريقة ابي اسحق وإذا طردنا القولين فيما إذا تقدم حول التجارة فان غلبنا زكاة التجارة فلا كلام وان غلبنا زكاة العين فوجهان (أحدهما) انها تجب عند تمام حولها وما سبق من حول التجارة علي حول زكاة العين يتعطل (واظهرهما) أنه يجب عليه زكاة التجارة عند تمام حولها كيلا يحبط بعض حولها ثم يستفتح حول زكاة العين من منقرض
[ ٦ / ٨٢ ]
حولها وتجب هي في سائر الاحوال وقوله وقلنا المغلب زكاة العين جواب علي طريقة طرد القولين مع اختلاف الحولين ولك ان تعلمة بالواو وتشير به الي الطريقة الثانية للخلاف هذا تمام القول فيما إذا كان مال التجارة نصابا من السائمة * قال (ولو اشترى حديقة للتجارة فاثمرت وقلنا الثمرة مال التجارة أو اشترى الثمار قبل الصلاح فبدا الصلاح في يده وغلبنا زكاة العين فالعشر المخرج لا يمنع من انعقاد حول التجارة على الثمار بعد القطاف وهل تسقط زكاة التجارة عن الاشجار والاراضي فيه ثلاثة أوجه منشؤها التردد في التبعية (وفى الثالث) يتبع الشجرة دون الارض ولو اشترى أرضا للتجارة وزرعها ببذر القنية فحق الزرع العشر ولا تسقط زكاة التجارة عن الارض لان التجارة لم توجد في متعلق العشر حتى يستتبع غيره) * الفصل ينظم صورتين (أحداها) لو اشترى حديقة أو نخيلا للتجارة فأثمرت أو أرضا مزروعة للتجارة فأدرك الزرع وبلغ الحاصل نصابا فالقولان في أن الواجب زكاة العين أو زكاة التجارة مطردان فان لم يكمل أحد النصابين أو كملا ولم يتفق الحولان استمر التفصيل الذى سبق وههنا كما يتصور سبق حول التجارة يتصور سبق زكاة العين بان يبدو الصلاح في الثمار قبل تمام حول التجارة ثم هذا الذى ذكرناه فيما إذا كانت الثمرة حاصلة عند الشراء وبدو الصلاح في يده اما إذا طلعت بعد الشراء فيزداد هذا النظر الي شئ آخر وهو ان الثمرة الحادثة من أشجار
التجارة هل تكون مال التجارة وفيه وجهان اسلفنا ذكرهما (فان قلنا) نعم فهي كما لو كانت حاصلة عند الشرى وتنزل منزلة زيادة متصلة أو ارباح متجددة في قيمة العروض ولا ينزل منزلة ربح ينض حتي يكون حولها على الخلاف الذى سبق فيه (وان قلنا) انها ليست مال تجارة فقضيته وجوب زكاة العين فيها بلا خلاف وتخصيص زكاة التجارة بالارض والاشجار (التفريع) ان غلبنا زكاة العين اخرج العشر أو نصف العشر من الثمار أو الزروع وهل تسقط به زكاة التجارة عن قيمة جذع النخيل وتبن الزرع فيه وجهان (احدهما) نعم الان المقصود الثمار والزروع وقد اخذنا زكاتها (واظهرهما) لا لانه ليس فيها زكاة العين فلا تسقط عنها زكاة التجارة ويحكى الوجه الثاني عن ابن سريج وابي اسحق وفى ارض الحديقة وارض الزرع طريقان (احدهما) ان في زكاة التجارة في قيمتها وجهين كما في الجذع والتبن (والثانى القطع بالوجوب والفرق بعد الاراضي عن التبعية فان الثمار والحبوب
[ ٦ / ٨٣ ]
خارجة عن عين الشجرة والتبن وهما خارجتان مما اودع في الارض لا من نفس الارض قال الامام وينبغي ان يعتبر ذلك بما يدخل من الاراضي المتخللة بين النخيل في المساقاة وما لا يدخل فما لا يدخل تجب فيه زكاة التجارة قطعا وما يدخل فهو علي الخلاف والله اعلم فان اوجبنا زكاة التجارة في هذه الاشياء فلم تبلغ قيمتها نصابا فهل تضم قيمة الثمرة والحب إليها لتكميل النصاب نقلوا فيه وجهين وعلي هذا القول لا يسقط اعتبار التجارة في المستقبل بالكلية بل تجب زكاة التجارة في الاحول الاتية ويكون افتتاح حول التجارة من وقت اخراج العشر لا من وقت بدو الصلاح وان كان ذلك وقت الوجوب لان عليه بعد بدو الصلاح تربية الثمار للمساكين فلا يجوز ان يكون زمان التربية محسوبا عليه ذكره في النهاية وان غلبنا زكاة التجارة قومت الثمرة والجذع وفى الزرع الحب والتبن وتقوم الارض ايضا في صورة الحديقة وفيما إذا اشترى الارض مزروعة للتجارة ولا فرق بين ان يشتريها مزروعة للتجارة وبين ان يشترى ارضا للتجارة وبذارا للتجارة ويزرعها به في جميع ما ذكرنا ولو اشترى الثمار وحدها وبدا الصلاح في يده جرى القولان في انه يخرج العشر ام زكاة التجارة (والثانية) لو اشترى أرضا للتجارة وزرعها ببذر للقنية فعليه العشر في الزرع وزكاة التجارة في الارض بلا خلاف ولا تسقط زكاة التجارة عن
الارض باداء العشر قولا واحدا لان التجارة لم توجد في متعلق العشر حتي يستتبع غيره (وأما) لفظ الكتاب (فقوله) في صورة شرى الحديقة وقلنا الثمرة مال تجارة أشار به الي الوجهين في أن ثمار أشجار التجارة هل تكون مال تجارة وانما يقطع النظر اليهما إذا حدثت الثمار بعد الشرى علي ما بيناه (وقوله) أو اشترى الثمار هو صورة شرى الثمار وحدها وانما يعتبر بدو الصلاح في يده لانه وقت وجوب العشر وبتقدير تقدمه على الشرى فالواجب زكاة التجارة قولا واحدا (وقوله) فالعشر المخرج لا يمنع من انعقاد حول التجارة علي الثمار بعد القطاف معناه ما ذكرناه انه لا يسقط علي قول تقديم زكاة العين اعتبار التجارة في الاحوال المستقبلة وقوله وهل تسقط زكاة التجارة عن الاشجار والارض يرجع الي صورة الحديقة دون الصورة وهو شرى مجرد الثمار (وقوله) فيه ثلاثة أوجه يجوز أن يعلم بالواو لان اثبات الوجوه الثلاثة انما ينتظم علي قول من اثبت الخلاف في الاراضي وقد نقلنا طريقة قاطعة بأنها لا تتبع * قال (فصل إذا قلنا ان العامل لا يملك الربح بالظهور وجب زكاة الجميع (و) علي المالك وان قلنا يملك وجب علي العامل في حصته بحول الاصل علي وجه لانه ربح وبحول مستفتح من وقت
[ ٦ / ٨٤ ]
الظهور علي وجه لانه في حقه أصل وفيه وجه انه لا زكاة عليه لانه لا يستقل بالتصرف فاشبه المغصوب ثم ان قلنا يجب فهل تستبد باخراجه فيه خلاف يلتفت علي أن الزكاة كالمؤن أو كاسترداد طائفة من المال وعليه ينبني أن ما يخرجه المالك من الزكاة يحتسب من الربح أو من رأس المال) * بناء الفصل علي أن عامل القراض هل يملك القدر المشروط له من الربح بمجرد الظهور أولا يملك الا بالقسمة وفيه قولان (أصحهما) الثاني وسيأتي شرحهما في كتاب القراض إذا عرفت ذلك فالرجل إذا دفع الي غيره نقدا قراضا وحال الحول وفيه ربح فلا يخلوا ما أن لا يكون واحد منهما من أهل وجوب الزكاة كالذمي والمكاتب أو يكونا جميعا من أهله أو يكون أحدهما من أهله دون الثاني (اما) الحالة الاولي فلا يخفى حكمها (وأما) الثانية فكلام الكتاب مقصور عليها (فان قلنا) العامل
لا يملك الربح بالظهور فزكاة رأس المال والربح كله على المالك لان الكل ملكه هكذا قاله الجمهور ورأى الامام تخريج الوجوب في نصيب العامل علي الخلاف في المغصوب والمجحود والاملاك الضعيفة لتأكد حق العامل في حصته وتعذر ابطاله علي المالك وحول الربح مبنى علي حول الاصل الا إذا رد الي النصوص ففيه الخلاف الذى تقدم ثم أن أخرج الزكاة من مال آخر فذاك وان اخرج من هذا المال ففى حكم المخرج وجهان (أحدهما) أنه محسوب من الربح كالمؤن التي تلزم المال من أجرة الدلال والكيال وكما ان فطرة عبيد التجارة تحسب من الربح وكذا ارش جنايتهم وهذا أظهر عند الكثيرين ويحكى عن نصه في الام (والثانى) أنه كطائفة من المال يستردها المالك لانه مصروف الي حق لزمه فعلى هذا يكون المخرج من رأس المال والربح جميعا علي قضية التقسط (مثاله) رأس المال مائة والربح خمسون يكون ثلثا المخرج من رأس المال وثلثه من الربح قال في التهذيب والوجهان مبنيان على أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة ان قلنا بالاول فهو كالمؤن والا فكاسترداد طائفة من المال وروى الامام هذا البناء عن بعضهم لكن مع ترتيب ان قلنا بتعلقها بالعين فهو كالمؤن بلا خلاف والا ففيه الخلاف ثم انه لم يرتض هذا البناء ولم يستبعد طرد الوجهين تعلقت الزكاة بالعين أو بالذمة وفى المسألة وجه ثالث أن المخرج من رأس المال خاصة لان الواجب لزمه خاصه وهذا اظهر عند القاضي الروياني وقوم ﵏ وان قلنا العامل يملك الربح بالظهور فعلى المالك زكاة رأس المال ونصيبه من الربح وهل علي العامل زكاة نصيبه فيه طرق (احدها) ويحكى
[ ٦ / ٨٥ ]
عن صاحب التقريب انه على القولين في المغصوب ونظائره لانه لا يتمكن من التصرف على حسب مشيئته (والثاني) القطع بالوجوب لانه متمكن من التوصل إليه متى شاء بالاستقسام فاشبه الدين الحال علي الملئ (والثالث) ويحكى عن القفال القطع بالمنع لان ملكه غير مستقر من حيث انه وقاية لرأس المال عن الخسران فصار كملك المكاتب فان اوجبنا وهو الظاهر سواء اثبتنا الخلاف ام لا فالكلام في امور (أحدها) حول حصته من الربح هل هو حول رأس المال فيه وجهان (احدهما) نعم كحصة المالك منه لانهما جميعا مستفيدان للربح من رأس مال (واصحهما) لا لانه في حقه اصل واقع
في مقابلة عمله ولا عهد بضم ملك الغير الي الغير في الحول وعلى هذا فمن متي يبتدأ الحول فيه ثلاثة اوجه (اصحها) وهو نصه في المختصر انه من يوم الظهور لثبوت ملكه من يومثذ (والثانى) من يوم يقوم المال علي المالك لاخذ الزكاة (والثالث) من يوم القسمة لان ملكه حينئذ يستقر (الثاني) إذا تم حوله ونصيبه لا يبلغ نصابا ومجموع المال نصاب فان اثبتنا الخلطة في النقدين فعليه الزكاة والا فلا الا أن يكون له من جنسه ما يتم به النصاب وهذا إذا لم نجعل ابتداء الحول من يوم المقاسمة فان حسبناه من المقاسمة سقط النظر الي قولي الخلطة (الثالث) لا يلزمه اخراج الزكاة قبل القسمة لانه لا يعلم سلامة نصيبه له الا إذا تقاسمها وحينئذ يزكيه لما مضي كالدين إذا استوفاه هذا هو الاظهر ونفى ابن عبدان الخلاف فيه وفيه وجه آخر انه يجب الاخراج في الحال لتمكنه من الاستقسام فاشبه الوديعة عند الغير ويحكى هذا عن صاحب التقريب (والرابع) ان اخرج الزكاة من موضع آخر فذاك وان أراد اخراجها من مال القراض فهل يستبد به أم للمالك منعه فيه وجهان (أظهرهما) أنه يستبد وذكر الرويانى أنه المنصوص (والثانى) ولم يرد الصيد لانى غيره انه لا يستبد وللمالك منعه لان الربح وقاية لرأس المال عن الخسران فله أن يمنعه من التصرف فيه حتى يسلم إليه رأس المال قال الامام ويمكن تخريجها على ما ذكرنا من أن الزكاة مؤنة أو استرداد طائفة (ان قلنا) بالاول فله اخراجها منه استبداد (وان قلنا) بالثاني فلا ولك تقول انما أن يحسن أخذ الوجهين من هذا المأخذ إذا اثبتنا الخلاف في كون الزكاة مؤنة أو استرداد طائفة على الاطلاق لكن أومأ الصيدلاني الي تخصيص ذلك الخلاف بزكاة مؤنة أو استرداد طائفة على الاطلاق لكن أومأ الصيدلاني الي تخصيص ذلك الخلاف بزكاة جميع المال إذا أخرجها المالك تفريعا علي القول الاول فاما ما يخرجه من المال لزكاة رأس المال من نصيبه من الربح فهو كاسترداد طائفة ولا يتجه فيه الوجهان لان العامل قد اختص بالتزام ما يخصه فكيف يحسب من الربح ما يخص المالك وقد صرح الامام بهذا الذى أومأ إليه الشيخ الصيدلانى فكان من
[ ٦ / ٨٦ ]
حقه أن يقول باخذ الوجهين من المأخذ المذكور أولا يقول بتخصيص الوجهين بالقول الاول والله أعلم (الحالة الثالثة) أن يكون أحدهما من أهل وجوب الزكاة دون الاخر فان كان الذى هو من
أهل الوجوب منهما المالك وفرعنا على أن الكل له ما لم يقسم فعليه زكاة الكل وان فرعنا علي القول الآخر فعليه زكاة رأس المال ونصيبه من الربح ولا شئ علي العامل ولا يكمل بمال المالك ان لم يبلغ نصابا بنصيب العامل وان كان العامل من أهل الوجوب دون المالك (فان قلنا) كل المال للمالك قبل القسمة فلا زكاة وان قلنا للعامل حصته من الربح ففى الزكاة عليه الخلاف الذى سبق في الحالة الاولى فان أوجبنا الزكاة فذلك أذا بلغت حصته نصابا أو كان له ما يتم به النصاب وتثبت الخلطة ههنا بلا خلاف ولا تجئ في اعتبار ابتداء الحول ههنا الا الوجه الاول والثالث ويسقط الثاني لانه لا تقويم على من لا زكاة عليه وليس له اخراج الزكاة من عين المال ههنا بلا خلاف لان المالك لم يدخل في العقد علي أن يخرج من المال الزكاة هكذا ذكروه ولمانع أن يمنع ذلك لانه عامل من عليه الزكاة وعد بعد هذا الي لفظ الكتاب واعلم قوله لا يملك الربح بالظهور بالحاء لان مذهب أبي حنيفة ﵀ مثل القول الثاني وقوله وجب زكاة الجميع على المالك بالواو لما حكيناه عن الامام قدس الله روحه وقوله بعد ذلك يملك بالزاى لان مذهب المزني ﵀ مثل القول الاول ولا يخفى عليك ان قوله لا يملك الربح بالظهور أراد به حصته من الربح ففيه الخلاف ولك أن تعلم قوله من وقت الظهور بالواو اشارة الي وجهين ذكرناهما في ابتداء الحول فانهما لا يعتبران وقت الظهور وان ساعد هذا الوجه علي اعتبار حول مستفتح وقوله وفيه وجه أنه لا زكاة عليه هو مقابل لقوله أولا وجب علي العامل في حصته ثم الحكم المذكور في هذا الوجه ليس له تعرض للخلاف لكن التعليل والتشبيه بالمغصوب يبين انه قصد به حكاية طريقة القولين فكأنه قال وفيه وجه أنه لا زكاة عليه علي أحد القولين وقد تسمي طرق الاصحاب وجوها (وقوله) يلتفت إلى أن الزكاة كالمؤن إلى آخره اتباع منه للمأخذ الذى ذكره الامام وقوله وعليه ينبنى انما يخرجه المالك من الزكاة الي آخره يقتضى اطلاقه اثبات الخلاف فيما يخرجه المالك علي القولين لكن ما نقلنا عن الصيدلاني والامام ينازع فيه وتخصيص الخلاف بالقول الاول وقوله أو من رأس المال لم يعن به الاحتساب من رأس المال فحسب وان نقلها من قبل وجها أنه كذلك يحتسب وانما أراد من رأس المال والربح جميعا لانه بني هذا الخلاف في أنها كالمؤن أو كاسترداد طائفة من المال واسترداد طائفة من المال يتوزع
علي رأس المال والربح ولا يختص برأس المال *
[ ٦ / ٨٧ ]
قال (النوع الخامس زكاة المعادن والركاز وفيه فصلان (الاول) في المعادن فكل حر مسلم نال نصابا من النقدين (ح و) من المعادن فعليه ربع العشر في قول والخمس في قول تشبيها بالركاز وفى قول ثالث يلزمه الخمس ان كان ما ناله كثيرا بالاضافة الي عمله وان لم يكثر فربع العشر وفيه قول ان النصاب لا يعتبر (م) والصحيح ان الحول لا يعتبر) * من أنواع الزكاة ما يخرج من الاموال الكامنة في الارض إذا نالها الانسان وعده في أنواع الزكاة يتفرع علي المذهب في أن مصرفه مصرف سائر الزكوات وفيه وجه يأتي في موضعه ان مصرفه مصرف الفئ فعلي ذلك الوجه لا يتضح عده من الزكوات ثم الاموال الكامنة في الارض اما مخلوقة فيها وهى المعدن والفصل الاول معقود له واما مدفونة فيها وهي الركاز والفصل الثاني معقود له والاصل في زكاة المعدن بعد الاجماع قوله تعالى (وانفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) ومما أخرج لنا من الارض المعادن وروى أن النبي ﷺ (أقطع بلال ابن الحرث المزني المعادن القبلية وأخذ منها الزكاة) وفقه الفصل الذى أخذنا في شرحه مسائل (أحداها) لا زكاة في المستخرج من المعادن الا في الذهب والفضة خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث أوجب في كل جوهر ينطبع ويصبر علي المطرقة كالحديد والنحاس دون ما لا ينطبع كالكحل والفيروزج والياقوت ولاحمد حيث قال يجب في كل مستفاد من المعدن منطبعا كان أو غير منطبع وحكي الشيخ ابو علي في شرح التلخيص وجها مثله عن بعض الاصحاب * لنا مع أبى حنيفة القياس علي غير المنطبعات ومع احمد على الطين
[ ٦ / ٨٨ ]
الاحمر وأيضا فقد روى انه ﷺ قال (لا زكاة في حجر) (الثانية) في واجب النقدين المستخرجين من المعدن ثلاثة أقوال (أصحها) ان الواجب فيها ربع العشر وبه قال احمد لمطلق قوله صلي الله عليه وسلم (في الرقة ربع العشر) وروى أنه ﷺ قال (في الركاز الخمس وفي المعدن الصدقة) (والثاني) وبه قال أبو حنيفة ويحكى عن المزني أيضا أن الواجب الخمس لما روى
انه صلي الله عليه وسلم قال (وفى الركاز الخمس قيل يا رسول الله وما الركاز قال هو الذهب والفضة المخلوقان في الارض يوم خلق الله السموات والارض) (والثالث) أن ما ناله من غير تعب ومؤنة فيه الخمس وما ناله بالتعب والمؤنة ففيه ربع العشر جمعا بين الاخبار وأيضا فان الواجب يزداد بقلة المؤنة وينقص بكثرتها ألا ترى أن الامر كذلك في المسقى بماء السماء والمسقى بالنضح وعن مالك روايتان (أحداهما) كالقول الاول (وأشهرهما) كالثالث ثم الذي اعتمده الاكثرون في ضبط
_________________
(١) كذا بالاصل فحرر
[ ٦ / ٨٩ ]
الفرق علي هذا القول النظر إلى الحاجة إلي الطحن والمعالجة بالنار والاستغناء عنهما فما يحتاج إلي الطحن والمعالجة ففيه ربع العشر وما يستغني عنهما ويؤخذ مجموعا خالصا ففيه الخمس ولم ينظروا إلي قلة الموجود وكثرته وحكى الامام مع هذا طريقه أخرى وهى عد الاحتفار من جملة العمل المعتبر والنظر إلي نسبة النيل إلى العمل أي عمل كان من الحفر والطحن وغيرهما فان عد كثيرا بالاضافة الي العمل أو مقتصدا ففيه ربع العشر وان عد كثيرا ففيه الخمس وأوضحهما بالتصوير فقال: لو استفاد الي قريب من آخر النهار دينارا وبعمل قليل في بقية النهار دينارا ففى الاول ربع العشر وفى الثاني الخمس ولو عمل طول اليوم ولم يجد شيئا ثم وجد في آخر النهار دينارين وكان المعتاد المقتصد في اليوم دينارا فينبغي ان يحط دينارا فنوجب فيه ربع العشر وفى الزيادة الخمس ويحتمل أن يقال فيهما الخمس والزمان الاول قد حبط والاحتمال الاول هو الذى أورده المصنف في الوسيط واستحسن القفال الا يطلق في المسألة ثلاثة أقوال بل يرتب فيقال ما استخرج بتعب ومؤنة فواجبه الخمس أو ربع العشر فيه قولان (ان قلنا) بالثاني ففيما وجد من غير تعب أولي (وان قلنا) بالاول ففيه قولان والفرق ما قد تبين (الثالثة) يتفرع علي الخلاف في قدر الواجب اعتبار
[ ٦ / ٩٠ ]
النصاب والحول فان أوجبنا ربع العشر فلابد من النصاب كالنقدين من غير المعادن وفى الحول قولان (أصحهما) أنه لا يشترط بل تجب الزكاة في الحال كالثمار والزروع وبهذا قال مالك وأبو حنيفة
وأحمد ﵏ وهو المنصوص عليه في أكثر كتب الشافعي ﵁ قديمها وحديثها (والثانى) أنه يشترط ولا يجب شئ حتي يتم عليه الحول كما في النقدين من غير المعادن وهذا القول ينقل عن مختصر البويطي ايماء ورواه المزني في المختصر عمن يثق به عن الشافعي ﵁ واختاره وذكر بعض
[ ٦ / ٩١ ]
الشارحين أن أخته روت له ذلك عن الشافعي ﵁ فلم يحب تسميتها وان أوجبنا الخمس فلا يعتبر الحول وفى النصاب قولان (أحدهما) لا يعتبر وبه قال أبو حنيفة ﵀ لانه مال يجب تخميسه فلا يعتبر فيه نصاب كالفئ والغنيمة (والثاني) يعتبر لما روى أنه صلي الله عليه وسلم قال (ليس عليكم في الذهب شئ حتى يبلغ عشرين مثقالا) وكيفما كان فالظاهر من المذهب اعتبار النصاب وعدم اعتبار الحول والمعنى فيه ان النصاب انما اعتبر ليبلغ المال مبلغا يحتمل المواساة والحول انما اعتبر ليتمكن من تنمية المال وتثميره والمستخرج من المعدن نماء في نفسه ولهذا اعتبرنا النصاب في الثمار والزروع ولم نعتبر الحول والله اعلم (وقوله) في الكتاب كل حر مسلم التعرض للحرية والاسلام كالمفروغ عنه ههنا لانا عرفنا اعتبار الصفتين في المالك في جميع الزكوات والاكتفاء بهما للوجوب
[ ٦ / ٩٢ ]
بما ذكره في أركان الوجوب وان كان في ترتيب الكتاب اضطراب على ما بينه في أول كتاب الزكاة ويجئ مثل هذا الكلام في قوله في أول زكاة المعشرات إذا كان مالكه حرا مسلما ومن قوله النقدين قصد به الاحتراز عن المستخرج من المعادن مما سوى النقدين فليكن معلما بالحاء والالف والواو لما سبق (وقوله) ربع العشر معلم بالحاء والزاى (وقوله) الخمس بالالف والميم لما سبق (وقوله) وفيه قول أن النصاب لا يعتبر ينبغى أن يعلم كلمة لا يعتبر بالميم والالف لانهما يعتبران النصاب كما هو الاصح عندنا (وقوله) والصحيح أن الحول لا يعتبر يجوز أن يعلم بالواو لانه إثبات للخلاف فيه كما نقلناه لكن ابن عبدان حكى طريقة قاطعة بعدم الاعتبار ولم يثبت ما رواه المزني لارساله ولو اعلمت قوله لا يعتبر بالزاى لما ذكرنا من اختيار المزني جاز * قال (ثم علي اعتبار النصاب ما يجد شيئا فشيئا يضم بعضه الي بعض كما يتلاحق من الثمار
ولكن الجامع ههنا اتصال العمل فان أعرض لاصلاح آلة لم ينقطع وان كان للانتقال إلي حرفة أخرى انقطع وإن كان لمرض أو سفر فوجهان وكذلك يكمل النيل (و) بما يملكه من النقدين لا من جهة المعادن وبما يملكه من أموال التجارة حتي تجب الزكاة في قدر النيل بحسابه وان لم تجب فيما كمل به لعدم الحول فيه فان زكاة المعدن والنقدين والتجارة متشابهة في اتحاد المتعلق فيكمل بعضها بالبعض) * مضمون الفصل مسألتان مفرعتان علي اشتراط النصاب (إحداهما) ليس من الشرط أن ينال في الدفعة الواحدة نصابا بل ما ناله بدفعات يضم بعضها إلي بعض في الجملة لان المستخرج من المعدن هكذا ينال غالبا فأشبه تلاحق الثمار لكن الضابط في ضم الثمار بعضها إلى بعض كونها ثمار سنة واحدة وههنا ينظر الي العمل
[ ٦ / ٩٣ ]
والنيل وان تتابع العمل وتواصل النيل ثبت الضم قال في التهذيب ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه وان تتابع العمل ولكن لم يتواصل النيل بل حفد المعدن زمانا ثم عاد النيل فان كان زمان الانقطاع يسيرا لم يقدح في الضم وان طال فقد قال في النهاية في الضم وجهان وقال الجمهور فيه قولان (الجديد) الضم لان المعدن كثيرا ما يعرض له ذلك فلو لم يضم بطل زكاة المعدن في كثير من الاحوال (والقديم) وبه قال مالك انه لا يضم كما لو قطع العمل وكحملي سنتين وأن قطع العمل مع تواصل النيل ثم عاد إليه
[ ٦ / ٩٤ ]
نظر إن كان القطع بغير عذر عارض فلا ضم طال الزمن أو قصر لانه أعرض عن هذا النوع من الاكتساب واشتغل بحرفة أخرى فما يناله بعد العود شئ جديد وان قطع لعذر فالضم ثابت ان قصر الزمان وان طال فكذلك عند الاكثرين لانه عاكف علي العمل متي ارتفع العذر وحكي الصيدلاني وغيره وجها أنه لا ضم عند طول الزمان وفى حد الطول وجهان نقلهما القاضى الروياني (احدهما) انه ثلاثة أيام (والثاني) يوم كامل لان العادة العمل كل يوم وترك نوبة كاملة فصل طويل والاصح فيه وفى نظائره تحكيم العرف ثم اصلاح الآلات وهرب العبيد والاجراء من الاعذار بلا خلاف وفى المرض والسفر وجهان مرويان في النهاية (أحدهما) انهما يمنعان الضم بحصول صورة الانقطاع مع أنهما قديمتدان
(واصحهما) انهما لا يمنعان كسائر الاعذار وهذا ما نص عليه في المرض ولم يذكر الاكثرون غيره وينبغي أن يكون السفر مرتبا علي المرض ومتى حكمنا بعدم الضم فذلك علي معنى أن الاول لا يضم إلى الثاني في وجوب حق المعدن فاما الثاني فيكمل بالاول كما يكمل بما يملكه لا من جهة المعادن علي ما سيأتي بيانه (وقوله) في الكتاب ولكن الجامع ههنا اتصال العمل قصر للنظر علي العمل
[ ٦ / ٩٥ ]
واعراض عن تواصل النيل وانما يستمر ذلك جوابا علي الجديد وهو ان انقطاع النيل لا أثر له مع اتصال العمل فيجوز أن يعلم بالميم والواو اشارة إلى القديم ومذهب مالك (المسألة الثانية) إذا نال من المعدن ما دون النصاب وهو يملك من جنسه نصابا أو زائدا عليه فاما أن يناله في آخر جزء من حول ما عنده أو بعد تمام حوله أو قبله فاما في الحالتين الاوليين فيصير النيل مضموما الي ما عنده وعليه في ذلك النقد حقه وفيما ناله حقه علي اختلاف الاحوال فيه لانهما من جنس واحد والوجوب ثابت فيهما جميعا وأما إذا ناله قبل تمام الحول فلا شئ فيما عنده حتي يتم حوله وفى وجوب حق المعدن فيما ناله وجهان (أصحهما) وبه أجاب ابن الحداد واختاره القاضي ابو الطيب وهو ظاهر نصه في الام انه يجب لان زكاة النقدين لا من جهة المعادن مع زكاتهما من جهة المعادن متشابهتان في اتحاد المتعلق على ما سبق ذكر نظيره في زكاة التجارة (والثاني) وبه قال الشيخ ابو حامد أنه لا يجب لانه لا زكاة فيما عنده حتى يصلح لاستتباع غيره فعلي هذا فيما عنده ربع العشر عند تمام حوله وفيما ناله ربع العشر عند تمام حوله وان كان يملك من جنسه دون النصاب كما لو كان يملك مائة درهم فنال من المعدن مائة نظر إن نال بعد تمام حول علي ما عنده ففي وجوب حق المعدن فيما ناله الوجهان لانه لا زكاة فيما عنده
[ ٦ / ٩٦ ]
لنقصانه عن النصاب فعلى الاول يجب فيما عنده ربع العشر إذا مضي حول من يوم كمل النصاب بالنيل وعلي الثاني لا يجب شئ حتي يمضي حول من يوم النيل فيجب في الجميع ربع العشر وعن صاحب الافصاح وجه أنه يجب فيما ناله حقه وفيما كان عنده ربع العشر في الحال لانه كمل بالنيل والحول قد مضى عليه والنيل بمثابة ما حال عليه الحول من الاموال وان ناله قبل ان يمضى حول علي
[ ٦ / ٩٧ ]
المائة فلا مساغ لوجه صاحب الافصاح ويجرى الوجهان الاولان وهذا التفصيل مذكور في بعض طرق العراقيين وقد نقل معظمه الشيخ ابو على ورأيت الامام نسبه إلى السهو فيه وقال إذا كان ما ملكه دون النصاب فلا ينعقد عليه حول حتى يفرض له وسط آخر أو يحكم بوجوب الزكاة فيه يوم النيل ولا شك في بعد القول بوجوب الزكاة فيه يوم النيل
[ ٦ / ٩٨ ]
لان الشيخ لم يتفرد بهذا النقل ولا صار إليه حتي يعترض عليه وانما نقله متعجبا منه منكرا ولو كان ما عنده مال تجارة انتظمت فيه الاحوال الثلاث وان كان دون النصاب فلا اشكال لان الحول ينعقد عليه ولا يعتبر النصاب الا في آخر الحول على الصحيح فان نال من المعدن في آخر حول التجارة ففيه حق المعدن وفى مال التجارة زكاة التجارة ان كان قدر النصاب وكذلك ان كان دونه واكتفينا بالنصاب في آخر الحول وان نال قبل تمام الحول ففى وجوب حق المعدن الوجهان السابقان وإن نال بعد تمام الحول نظر ان كان مال التجارة نصابا في آخر الحول ففى النيل حق المعدن لا نضمامه الي ما وجب فيه الزكاة وان لم يكن نصابا ونال بعد ما مضى شهر من الحول الثاني مثلا يبنى ذلك على الخلاف في ان سلعة التجارة إذا قومت في آخر الحول ولم تبلغ نصابا ثم ارتفعت القيمة بعد شهر هل يجب فيها الزكاة أم ترتقب آخر الحول الثاني (ان قلنا) بالاول فتجب زكاة التجارة في مال التجارة وحينئذ يجب حق المعدن في النيل بلا خلاف (وإن قلنا) بالثاني ففى وجوب حق
[ ٦ / ٩٩ ]
المعدن الوجهان (واعلم) أن جميع ما ذكرناه مفرع علي الصحيح في أن الحول ليس بشرط في زكاة المعدن فان شرطناه انعقد الحول عليه من يوم وجده وقوله في الكتاب حتى تجب الزكاة في قدر النيل معلم بالواو للوجه المنسوب إلى الشيخ أبى حامد وشهره الامام برواية الشيخ أبي على (وقوله) لعدم الحول فيه تمثيل وفى معناه ما إذا كان الذى عنده دون النصاب فانه لا تجب فيه الزكاة الا علي ما حكى عن صاحب الافصاح (وقوله) قبل ذلك بما يملكه من النقدين لا من جهة المعادن ثم الحكم
غير مخصوص بما إذا كان يملكه لا من جهة المعادن بل لو نال من المعدن ما دون النصاب وحدث ما يمنع الضم ثم نال قدرا آخر يبلغ مع الاول نصابا كان حكمه حكم مالو كان الاول لا من جهة المعادن فيجب في الآخر حق المعدن علي الاصح ولا يجب في الاول لكن ينعقد الحول عليه من يوم تم النصاب للمستقبل إلا أن ينقص المبلغ عن النصاب باخراج حق المعدن والله أعلم * قال (وللمسلم أن يزعج الذمي من معادن دار الاسلام ولكن ما ناله قبل الازعاج يملكه ولا زكاة عليه الا إذا قلنا على وجه بعيدان مصرفه الفئ علي قولنا واجبه الخمس فإذ ذاك يؤخذ من الذمي) *
[ ٦ / ١٠٠ ]
الذمي لا يمكن من احتفار معادن دار الاسلام والاخذ منها كما لا يمكن من الاحياء في دار الاسلام لان الدار للمسلمين وهو دخيل فيها لكن ما أخذه قبل الازعاج يملكه كما لو استولى علي الحطب والحشيش وهل عليه حق المعدن ينبي علي ان مصرف حق المعدن ماذا ولاشك أن مصرفه مصرف الزكاة ان اوجبنا فيه ربع العشر وان اوجبنا فيه الخمس فطريقان حكاهما الشيخ ابو علي وغيره (احدهما) ان في مصرفه قولين (احدهما) مصرفه مصرف خمس الفئ والغنيمة لانه مال مخمس مثلهما وبهذا قال ابو حنيفة (واصحهما) ان مصرفه مصرف الزكوات لانه حق وجب في مستفاد من الارض فاشبه حق الثمار والزروع (والثانى) وبه قال الاكثرون ان مصرفه مصرف الزكوات قولا واحدا بخلاف الركاز لانه مال جاهلي والظاهر انه كان للكفار وكان شبيها بالفئ والمعادن بخلافه وصاحب التلخيص قد ذكر الطريق الاول في باب زكاة المعدن في التلخيص والطريق الثاني في باب بعده (فان قلنا) مصرفه مصرف الزكوات لم يؤخذ من الذمي شئ وان قلنا مصرف الفئ أخذ الخمس وعلي هذا لا يشترط فيه النية وعلي الاول يشترط ولو كان المستخرج من المعدن المكاتب
[ ٦ / ١٠١ ]
فلا زكاة عليه فيما استخرجه كالذمي لكنه غير ممنوع عن الاخذ بخلاف الذمي ولو نال العبد من المعدن شيئا فهو لسيده وعليه واجبه فان امره السيد بذلك ليكون النيل له فقد بناه صاحب الشامل
علي القولين في ان العبد هل يملك ما ملكه السيد أم لا وحظ الزكاة من القولين وقد قدمناه ولو استخرج اثنان من المعدن نصابا فوجوب الزكاة يبي على القولين في أن الخلطة هل تثبت في غير المواشى (وقوله) في الكتاب وللمسلم ازعاج الذمي لك أن تبحث عنه وتقول اثبت الازعاج لكل مسلم أم هو من اعمال الحاكم (والجواب) ان كلام الائمة بالثاني أظهر اشعارا والاول منقدح ايضا فان كل واحد منهم صاحب حق فيه فكان له ان يمنعه (وقوله) ولا زكاة عليه الا إذا قلنا الخ فيه استئناء الخمس علي قولنا ان مصرفه الفئ عن ففى الزكاة وذلك يستدعي كون الخمس زكاة لكن من اوجب الخمس فلا يكاد يسميه زكاة ولهذا قال الشافعي ﵁ في المختصر وذهب بعض اهل ناحيتنا يعنى مالكا الي ان في المعادن الزكاة وذهب غيرهم يعنى ابا حنيفة إلى ان فيها الخمس فلم يعد الخمس زكاة (وقوله) على وجه بعيد عبر عن ذلك المذهب بالوجه والاكثرون سموه قولا وكأنه مستخرج من مثله في الركاز فيجوز كل واحد من الاطلاقين (واعلم) أنا إذا فرعنا علي ظاهر المذهب وهو أن الحول لا يعتبر فوقت وجوب حق المعدن حصول النيل في يده ووقت الاخراج التخليص
[ ٦ / ١٠٢ ]
والتنقية كما أن وجوب الزكاة في الزروع اشتداد الحب ووقت الاخراج التنقية فلو أخرج قبل التمييز والتنقية عن التراب والحجر لم يجزه ويكون مضمونا علي الساعي يلزمه رده فلو اختلفا في قدره بعد التلف أو قبله فالقول قول الساعي مع يمينه ومؤنة التخليص والتنقية علي المالك كمؤنة الحصاد والدياس فلو تلف بعضه قبل التمييز فهو كتلف بعض المال قبل الامكان والله أعلم * قال (الفصل الثاني في الركاز وفيه الخمس مصر وفاإلي مصارف الصدقات (ح ز و) ولا يشترط الحول ويشترط النصاب (م ح) وكونه من جوهر النقدين علي الجديد) * في الفصل مسائل (إحداها) قدر الواجب في الركاز الخمس لما روى عن أبى هريرة ﵁ أنه صلي الله عليه وسلم قال (في الركاز الخمس) (الثانية) في مصرفه قولان (أصحهما) وهو المذكور في الكتاب أن مصرفه مصرف الزكوات لانه حق واجب في المستفاد من الارض فاشبه الواجب في الزروع والثمار (والثاني) وبه قال المزني والوكيل البابشامى وأبو جعفر الترمذي ﵏ أنه
يصرف إلى اهل الخمس المذكورين في آية الفئ لانه مال جاهلي حصل الظفر به من غير ايجاف خيل ولا ركاب فكان كالفئ ومنهم من لا يطلق قولين بل يقطع للشافعي ﵁ بالاول وينقل الثاني وجها ضعيفا (الثالثة) لا يشترط الحول فيه لان الحول للاستنماء وهو نماء كله ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في المعدن لانه يلحق مشقة في تحصيل التبر بل ثم يحتاج إلي الطبخ والمعالجة والركاز بخلافه (الرابعة) هل يشترط فيه النصاب وهل يختص الوجوب بالذهب والفضة نص الشافعي ﵁ في مواضع على الاشتراط والاختصاص وقال في موضع: لو كنت انا الواجد لخمست القليل والكثير والذهب والفضه وغيرهما واختلف الاصحاب ﵃ علي طريقين (أظهرهما) أن المسألتين علي قولين (أظهرهما) وينسب إلي الجديد أنه يشترط النصاب ويختص بالنقدين (أما) الاول فلظاهر قوله صلي الله عليه وسلم (لا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا) (وأما) الثاني فكما لو اكتسب لا من جهة الركاز (والثانى) وينسب الي القديم أنه لا يشترط ولا اختصاص
[ ٦ / ١٠٣ ]
لمطلق قوله صلي الله عليه وسلم (في الركاز الخمس) ولانه مال مخمس فاشبه الغنيمة (والطريق الثاني) القطع بالقول الاول وحمل النص الثاني علي الاحتياط للخروج من الخلاف كقوله في باب صلاة المسافر أما أنا فلا أقصر في أقل من ثلاثة أيام وليس ذلك قولا آخر له في مسافة القصر (وقوله) في الكتاب مصروفا إلى مصارف الصدقات معلم مع الواو بالزاى وبالحاء لان عنده أيضا يصرف إلى مصارف الفئ وبالالف لان احدى الروايتين عن احمد مثله (وقوله) ويشترط النصاب معلم بالحاء والالف والميم لان عند أبي حنيفة واحمد لا يشترط النصاب وهو أصح الروايتين عن مالك وكذلك قوله وكونه من جوهر النقدين معلم بهذه العلامات لان قولهم فيه كقولهم في النصاب ويجوز أن يعلم قوله علي الجديد بالواو اشارة الي الطريقة النافية للخلاف (وقوله) ويشترط النصاب منقطع عما قبله لا مجال للخلاف المذكور في الحول وإنما قال من جوهر النقدين ليشمل الحلى والاوانى * (قال ويشترط كونه من ضرب الجاهلية فان كان على ضرب الاسلام فلقطة وقيل مال ضائع يحفظه الامام وان لم يكن عليه أثر كالاواني والحلي فهو ركاز علي وجه ولقطة علي وجه) *
[ ٦ / ١٠٤ ]
فقه الفصل مسألتان (الاولي) لو كان الركاز الموجود علي ضرب الاسلام بان كان عليه شئ من القرآن أو اسم ملك من ملوك الاسلام لم يملكه الواجد بالواجدان لان مال المسلم بالاستيلاء عليه بل يجب رده إلى مالكه ان علم مالكه وان لم يعلم ففيه وجهان (قال) الجمهور هو لقطة كما لو وجده علي وجه الارض وقضيه ما ذكروه صريحا ودلالة أنه يعرف سنة ثم للواجد أن يملكه ان لم يظهر مالكه علي ما هو سبيل كل لقطة (وقال) الشيخ أبو علي هو مال ضائع يمسكه الآخذ للمالك ابدا أو يحفظه الامام له في بيت المال ولا يملك بحال كما لو القت الربح ثوبا في حجره أو مات مورثه عن ودائع وهو لا يعرف مالكها وانما يملك بالتعريف ما ضاع عن المارة دون ما حصنه المالك بالدفن واتفق العثور عليه بالاحتفار ونقل صاحب التهذيب قريبا من هذا الكلام عن القفال والمذهب الاول قال الامام ﵀ ولو انكشفت الارض عن كنز بسيل جارف ونحوه فلا ادرى ما قول الشيخ فيه والمال البارز ضائع قال واللائق بقياسه الا يثبت حق التملك اعتبارا باصل الوضع (الثانية) لو لم يعرف أن الموجود من ضرب الجاهلية أو الاسلام بان كان مما يضرب مثله في الجاهلية والاسلام أو كان مما لا أثر عليه كالتبر والحلى والاوانى فالمنقول عن نصه أنه ليس بركاز لانه يحتمل أن يكون مال مسلم فيغلب حكم الاسلام وفيه وجه أنه ركاز لان الموضع المدفون فيه يشهد له (فان قلنا) بالاول فقضية كلام الجمهور في الصورة السابقة لا يخفي وأما الشيخ أبو علي فرأيت له في شرح التلخيص مساعدة الجمهور في هذه الصورة فانه قال يعرف سنة فان لم يظهر مالكها فعل بها ما يفعل بسائر اللقطات وذكر الامام أن الشيخ حكى في التملك في هذه الصورة وجهين لضعف أثر الاسلام (وأعلم) أنا إذا قلنا أن الموجود في صورة التردد ركاز فلا يشترط كون الموجود علي ضرب الجاهلية بل الشرط الا يعلم كونه على ضرب الاسلام فاذن قوله في الكتاب ويشترط كونه على ضرب الجاهلية انما يكون مجرى على ظاهره إذا قلنا الموجود في صورة التردد ليس بركاز (وقوله في المسألة الاولى وقيل مال ضائع يحفظه الامام يشعر بانه لا يبقى في يد الواجد بل يأخذه الامام ويحفظه وكلام الشيخ أبى على ما حكيته من قبل ينازع فيه ويقتضي تمكن الواجد من
[ ٦ / ١٠٥ ]
الامساك له واطلاقه الوجهين في المسألة الثانية اتباع لما حكاه الامام فيها والاكثرون لم يطلقوا الوجهين وانما حكوا النص ووجها لبعض الاصحاب كما قدمناه وحكي صاحب الشامل عن نصه أنه يخمس وهذا حكم بانه ركاز فعلى هذا في المسألة قولان (وأعلم) انه يلزم من كون الركاز على ضرب الاسلام كونه مدفونا في الاسلام ولا يلزم من كونه علي ضرب الجاهلية كونه مدفونا في الجاهلية لجواز أن يظفر بعض المسلمين بكنز جاهلي ويكنزه ثانيا على هيأته فيظفر به اليوم أحد فالحكم مدار على كونه من دفن الجاهلية لا علي كونه من ضرب الجاهلية * قال (ويشترط ان يوجد في موضع مشترك كموات أو شارع وما يوجد في دار الحرب فغنيمة أو فئ وما يجده في ملك نفسه الذى أحياه يملكه وعليه الخمس وهل يدخل في ملكه بمجرد الاحياء فيه وجهان ولو اشتراه ثم وجد فيه ركازا يجب طلب المحيي فانه اولى به) * روى ان رجلا وجد كنزا فقال له النبي صلي الله عليه وسلم (ان وجدته في قرية مسكونة أو طريق ميتاء فعرفه وان وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفى الركاز الخمس) الكنز بالصفة التي تقدم ذكرها اما أن يوجد في دار الاسلام أو في دار الحرب فان وجد
[ ٦ / ١٠٦ ]
في دار الاسلام نظر ان وجد في موضع لم يعمره مسلم ولا ذو عهد فهو ركاز سواء كان مواتا أو كان من القلاع العادية التي عمرت في الجاهلية لقوله في الحديث أو خربة جاهلية وان وجد في طريق شارع فقد ذكر صاحب الكتاب أنه ركاز ولم يجزم الامام به هكذا ولكن أشار الي خلاف فيه والذى ذكره القفال والعراقيون أن ما يوجد فيه ليس بركاز وانما هو لقطة والحديث الذى رويناة صريح فيه وما يوجد في المسجد ذكر في التهذيب أنه لقطة كالموجود في الطريق وقياس المذكور في الكتاب ان يكون ركازا وما عدا هذه المواضع ينقسم الي مملوك وموقوف.
والمملوك اما أن يكون له أو لغيره فان كان لغيره ووجد فيه كنز لم يملكه الواجد بل ان ادعاه مالكه فهو له بلا يمين كالامتعة في الدار والا فهو لمن تلقى صاحب الارض منه وهكذا الي ان ينتهي الي الذى أحيا الارض فيكون له وان لم يدعه لانه بالاحياء
ملك ما في الارض وبالبيع لم يزل ملكه عنه فانه مدفون منقول فان كان المحيى أو من تلقى الملك عنه هالكا فورثته قائمون مقامه فان قال بعض ورثة من تلقى الملك عنه هو لمورثنا وأباه بعضهم سلم نصيب المدعي ما إليه وسلك بالباقي ما ذكرنا هذا كله كلام الائمة ﵏ صريحا واشارة ومن المصرحين بملك الركاز القفال ذكره في شرح التلخيص ورأى الامام تخريج ملك الكنز باحياء الارض علي ما لو دخلت ظبية دارا بالاحياء فاغلق صاحبها الباب وفاقا لا علي قصد ضبطها قال وفيه وجهان (أظهرهما) أنه لا يملكها لعدم القصد ولكن يصير أولي بها كذلك المحيى يصير اولى بالكنز ثم قال انه يملك الكنز بالاحياء وزالت رقبة الارض عن ملكه فلا بد من طلبه ورده إليه (وان قلنا) انه لا يملكه ولكن يصير اولي به فلا يبعد ان يقال إذا زال ملكه عن رقبة الارض بطل اختصاصه كما أن في مسألة الظبية إذا قلنا أنه لا يملكها فلو فتح الباب وأفلتت يملكها من اصطادها إذا عرفت ذلك وأردت التفريع فلك ان تقول (ان قلنا) لمحيى لا يملكه بالاحياء فإذا دخل في ملكه أخرج الخمس (وان قلنا) يملكه بالاحياء فإذا احتوت يده علي الكنز نفسه وقد مضى سنون فلا بد من اخراج الخمس الذى لزمه
[ ٦ / ١٠٧ ]
يوم ملكه وفيما مضي من السنين يبى وجوب ربع العشر في الاخماس الاربعة على الخلاف في الضال والمغصوب وفى الخمس كذلك ان قلنا لا تتعلق الزكاة بالعين (وان قلنا) تتعلق فعلي ما ذكرنا فيما إذا لم يملك الا نصابا وتكرر الحول عليه والله أعلم * وأن كان الموضع للواجد نظران كان قد أحياه فالذي وجده ركاز وعليه خمسه وفي وقت دخوله في ملكه ما سبق وقد حكي في الكتاب في هذه الحالة فيه وجهين جريا علي ما ذكره الامام وان انتقل إليه من غيره لم يحل له اخذه بل عليه عرضه علي من يملكه وهكذا حتي ينتهي الملك الي المحي كما سبق وان كان الموضع موقوفا فالكنز لمن في يده الارض قاله في التهذيب هذا إذا وجد في دار الاسلام وان وجد في دار الحرب فاما أن يوجد في موات أو غيره فان وجد في موات نظر ان كانوا لا يذبون عنه فهو كموات دار الاسلام والموجود فيه ركاز وان كانوا يذبون عنه ذبهم عن العمران ففيه وجهان قال الشيخ أبو علي هو كما لو وجد في عمرانهم وقال الاكثرون حكمه حكم مواتهم الذى لا يذبون عنه وعن أبى حنيفة أن ما يوجد في موات دار الحرب
فهو غنيمة لا ركاز حكاه في الشامل وان وجد في موضع مملوك لهم فينظران أخذ بقهر وقتال فهو غنيمة كأخذ متاعهم من بيتهم ونقودهم من خزائنهم فيكون خمسه لاهل الخمس وأربعة أخماسه لمن وجده وان أخذ من غير قهر وقتال فهو فئ ومستحقه اهل الفئ هكذا قاله في النهاية وهو محمول علي ما إذا دخل دار الحرب من غير امان لانه ان دخل بامان لم يكن له أخذ كنزهم لا بقتال ولا بغير قتال كما ليس له أن يخونهم في أمتعة بيوتهم وعليه الرد ان أخذه وقد نص علي هذا الشيخ أبو علي ثم في كونه فيئا اشكال لان لك أن تقول من دخل بغير امان وأخذ مالهم من غير قتال فاما أن يأخذه في خفية فيكون سارقا أو جهارا فيكون مختلسا وقد ذكر في الكتاب في السير أن ما يختلس ويسرق منهم فهو خالص ملك المختلس والسارق ويشبه أن يكون الفئ هو أموالهم التي تحصل في قبضة الامام من غير قتال كالجزية ونحوها دون ما يأخذه الآحاد وربما ايدت هذا الاشكال بان كثيرا من الائمة اطلقوا القول بكونه غنيمة منهم ابن الصباغ والصيدلاني وأعود بعد هذا الي نظم الكتاب فالقول (قوله) ويشترط ان يوجد في موضع مشترك كموات وشارع فيه كلامان (أحدهما) انه قد يعنى بكون الموات مشتركا كونه بسبيل يتمكن كل واحد من احيائه وتملكه وبكون الشارع مشتركا
[ ٦ / ١٠٨ ]
انه لكل أحد فيه حق الطروق ولا يحسن حمل الاشتراك في لفظ الكتاب عليهما لان كل واحد من المعنيين يختص باحد الموضعين وقد وصفهما جميعا بالاشتراك بلفظ واحد فالاحسن تفسيره بمعني شامل كالانفكاك عن الملك ونحوه (والثاني) ان لمنازع ان ينازع في اشتراط الوجود في موضع مشترك لانه إذا احيا ارضا وتملكها ثم وجد فيها كنزا كان ذلك ركازا وان لم يوجد في موضع مشترك الا ان يقال المراد بالوجدان الدخول تحت اليد والتسلط عليه ثم قوله كموات يجوز ان يكون معلما بالواو لانه مطلق وقد حكينا وجها في موات دار الحرب الذى يذبون عنه وبالحاء ايضا لما سبق (وقوله) وشارع بالواو لما ذكرنا من مصير الاكثرين الي انه لقطة (وقوله) وما يوجد في دار الحرب فغنيمة أو فئ أي علي اختلاف الحال في القهر وعدمه ثم هو محتاج الي التأويل من وجهين (أحدهما) ان الموجود في موات دار الحرب ليس كذلك فهو محمول علي عمران دار الحرب (والثانى) انه لو دخل بامان
فليس حكم المأخوذ ما ذكره فإذا هو محمول علي ما إذا دخل بغير امان (وقوله) ملكه وعليه الخمس الاحسن ان يقرأ ملكه وعليه الخمس لا ملكه لان قولنا ملك يشعر بابتداء ثبوت الملك فيقتضى ان يكون ابتداؤه عند الوجدان لكنه غير مجزوم به بل فيه الوجهان المذكور ان عقيب هذا الكلام (اما) الحكم بانه ملكه فهو مستمر علي الوجهين جميعا (وقوله) يجب طلب المحيى معلم بالواو لما سبق (وقوله) فانه اولى به يجوز ان يكون جوابا علي قولنا أنه لا يملكه بالاحياء المجرد ويجوز ان يحمل علي غير ذلك والله اعلم * قال (ولا خمس علي الذمي لانه ليس من أهل الزكاة) * حكم الذمي في الركاز حكمه في المعدن فلا يمكن من اخذه في دار الاسلام وان وجده ملكه قال الامام ﵀ وفيه احتمال عندي في الركاز لانه كالحاصل في قبضة المسلمين وهو في حكم مال ضل عنهم وإذا حكمنا بالمشهور وهو انه يملكه ففى أخذ حق الركاز منه الخلاف السابق في المعدن وقد تعرض له صاحب الكتاب هناك وقد اقتصر ههنا على ظاهر المذهب فاعلم قوله ولا خمس بالواو (واعلم) انه لو قدم هذه المسألة علي الفصل السابق علي هذا أو أخرها عن الفصل التالى له لكان اليق لتنتظم المسائل المتعلقة بمكان الركاز في سلك واحد ولا يدخل فيها ما ليس منها * قال (وان تنازع البائع والمشترى والمعير والمستعير وقال كل واحد منهما أنا دفنت الركاز فالقول قول صاحب اليد فلو قال المكرى بعد رجوع الدار إليه كنت دفنته قبل الاجارة فالقول قول المستأجر علي أحد الوجهين لانهما توافقا على انه كان في يده) *
[ ٦ / ١٠٩ ]
إذا تنازع بائع الدار ومشتريها في الركاز الذى وجد فيها فقال المشترى هو لي وأنا دفنته وقال البائع مثل ذلك أو قال ملكته بالاحياء أو تنازع المعير والمستعير أو المكترى والمكري هكذا فالقول قول المشترى والمستعير والمكترى مع ايمانهم لان اليد لهم فصار كما لو وقع النزاع في متاع الدار وهذا إذا احتمل ان يكون صاحب اليد صادقا فيما يقوله ولو علي بعد فاما إذا انتفى الاحتمال لان مثله لا يمكن دفنه في مدة يده فلا يصدق صاحب اليد ولو فرض النزاع بين المكرى والمكترى أو المعير والمستعير بعد رجوع الدار إلى يد المالك
فان قال المكرى أو المعير أنا دفنته بعد ما رجعت الدار إلى يدي فالقول قوله بشرط الامكان ولو قال دفنته قبل خروج الدار عن يدى ففيه وجهان للشيخ أبي محمد (احدهما) ان القول قوله أيضا لانه صاحب الدار الآن (وأظهرهما) عند الامام أن القول قول المكترى والمستعير لان المالك قد سلم له اليد وحصول الكنز في يده ويده تنسخ اليد السابقة ولهذا لو تنازعا قبل الرجوع كان القول قوله (وقوله) في الكتاب فالقول قول صاحب اليد معلم بالزاى لان الشيخ أبا علي وآخرين نقلوا عن المزني أن القول قول المالك اتباعا لما في الارض (وقوله) فالقول قول المستأجر معلم به أيضا * قال «فرع) إذا وجد مائة درهم وفى ملكه نصاب من النقد تم عليه الحول وجب خمس الركاز إذا كمل بغيره وإن كان ما في ملكه دون النصاب أو قبل تمام الحول ففى التكميل خلاف) * هذا مفرع على اعتبار النصاب في الركاز والفرض انا وان اعتبرناه فلا نشترط أن يكون الموجود نصابا بل يكمل ذلك بما يملكه من جنس النقد الموجود وفيه من التفصيل والخلاف ما سبق في المعدن فلا حاجة الي الاعادة وقد نص حجة الاسلام ﵀ على حكاية الخلاف ههنا وجمع بين ما إذا لم تجب الزكاة فيما عنده لعدم تمام الحول وما إذا لم تجب لعدم بلوغه نصابا وهناك اقتصر علي ظاهر المذهب والصورة الاولي *
[ ٦ / ١١٠ ]
قال (النوع السادس زكاة الفطر وتجب بغروب الشمس ليلة العيد في قول وبطلوع الفجر يوم العيد في قول وبمجموع الوقتين في قول ثالث وعلي الثالث لو زال الملك في وسط الليل وعاد في الليل ففى الفطرة وجهان وعلي الاول إذا ملك عبدا أو ولد له ولد بعد الغروب بلحظة أو مات قبل الغروب بلحظة فلا زكاة) * عن ابن عمر ﵄ قال (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان علي الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير علي كل حر وعبد ذكر وانثي من المسلمين) وعن ابن عباس ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (فرض زكاه الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث
وطعمة للمساكين) (واعلم) أن زكاة الفطر واجبه وقال بعض الناس انها غير واجبة وبه قال أبو الحسين بن
[ ٦ / ١١١ ]
اللبان الفرضي من أصحابنا فيما رواه صاحب الشامل ولا فرق عندنا بين الواجب والفريضة * وقال أبو حنيفة ﵀ هي واجبة وليست بفريضة وفى وقت وجوبها ثلاثة أقوال (أصحها) وهو الجديد وبه قال احمد أن وقته غروب الشمس ليلة العيده واحتجوا له بأنها مضافة إلى الفطر وقد قال ابن عمر ﵄ زكاة الفطر من رمضان وحينئذ يكون الفطر من رمضان (والثانى) وهو القديم وبه قال أبو حنيفة ﵀ أن وقته طلوع الفجر يوم العيد لانها قربة متعلقة بالعيد فلا يتقدم وقتها علي العيد كالاضحية وعن مالك روايتان كالقولين (والثالث) أنها تجب بمجموع الوقتين لتعلقها بالفطر والعيد جميعا قال الصيدلاني وهذا القول خرجه صاحب التلخيص واستنكره الاصحاب (التفريع) لو نكح امرأة أو ملك عبدا أو اسلم عبده الكافر أو ولد له ولد في ليلة العيد لم تجب فطرتهم علي الجديد ولا على القول الثالث وتجب علي القديم ولو مات عبده أو ولده أو زوجته ليلة العيد أو بت طلاقها أو ارتد عبده لم تجب فطرتهم علي القديم ولا علي القول الثالث وتجب علي الجديد وكذا الحكم لو أسلم كافر قبل الغروب ومات بعده ولو طرأت الاحوال المذكورة بعد الغروب وزالت قبل طلوع الفجر فلا فطرة علي الاقوال كلها ولو زال
[ ٦ / ١١٢ ]
الملك عن العبد بعد الغروب وعاد قبل طلوع الفجر وجبت الفطرة علي الجديد والقديم (وأما) على القول الثالث ففيه وجهان حكاهما في النهاية وقال هما ملتفتان علي أن الواهب هل يرجع فيما إذا زال ملك المتهب عنه ثم عاد وله نظائر نذكرها في مواضعها ونشرح فيها الوجهان ولو باع بعد الغروب عبده واستمر ملك المشترى فيه فالفطرة علي الجديد علي البائع وعلي القديم علي المشترى وعلي الثالث
[ ٦ / ١١٣ ]
لا تجب علي واحد منهما ولو مات مالك العبد ليلة العيد فالفطرة واجبة في تركتة علي الجديد وهي علي الوارث في القديم وعلي الثالث لا تجب أصلا وذكر في النهاية ان الشيخ أبا علي حكي وجها في وجوبها علي الوارث تفريعا علي القول الثالث بناء علي القديم في ان حول الوارث يبي علي حول
المورث (وقوله) في الكتاب وعلي الاول إذا ملك إلى آخره ينبغى أن يعلم فيه أن نفى الزكاة في
[ ٦ / ١١٤ ]
صورة الموت ليس تفريعا علي هذا القول خاصة بل هو لازم علي الاقوال كلها ومواضع العلامات عند ذكر الاقوال لا تخفى * قال (والنظر في ثلاثة اطراف الطرف الاول في المؤدى عنه وكل من وجبت نفقتة تجب علي المنفق فطرته من الزوجة (ح) والمملوك والقريب) *
[ ٦ / ١١٥ ]
الكلام في زكاة الفطر في أنها متى تؤدى وعمن تؤدى ومن الذى يؤدى وما المؤدي وإلي من تؤدى (أما) الاخير من هذه الامور فموضعه كتاب قسم الصدقات (وأما الاول) فيحتاج فيه الي معرفة وقت الوجوب وقد فرغنا منه الآن ويجوز التقديم عليه علي الضبط المذكور في مسائل التعجيل وأما
[ ٦ / ١١٦ ]
إذا لم يعجل فالمستحب الا يؤخر أداها عن صلاة العيد لما روى أنه صلي الله عليه وسلم (فرض زكاة الفطر وأمر بها ان تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد لما روى أنه ﷺ قال (اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) فلو اخر عصى وقضى بقى ههنا النظر
[ ٦ / ١١٧ ]
في الاطراف الثلاثة الباقية (الاول) في المؤدى عنه (اعلم) أن الفطرة قد يؤديها الانسان عن نفسه وقد يؤديها عنه غيره والاصل فيه قوله صلي الله عليه وسلم (ادوا صدقه الفطر عمن تمونون) والجهات التى
[ ٦ / ١١٨ ]
يصير بها الشخص في نفقة الغير ومؤنته ثلاث النكاح والملك والقرابة وكلها تقتضي لزوم الفطرة أيضا في الجملة ثم القول في شرائط الوجوب ومواضع الاستثناء عن هذا الاصل سيظهر من بعد وليكن قوله يجب علي المنفق فطرته وكذا قوله من الزوجة معلمين بالحاء (اما) الثاني (فلان) عنده لا تجب فطرة الزوجة علي الزوج وانما هي عليها وحكي ذلك عن اختيار ابن المنذر من اصحابنا (واما) (الاول) فلامور
(منها) مسألة الزوجة (ومنها) ان عنده لا يجب على الولد فطرة الاب وان وجبت نفقته (ومنها) ان عنده لا تجب
[ ٦ / ١١٩ ]
على الجد فطرة ولد الولد * لنا ماروى عن ابن عمر ﵁ ان النبي ﷺ امر (بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) *
[ ٦ / ١٢٠ ]
قال (ولا تفارق الفطرة النفقة الا في سبع مسائل (احداها) الابن تلزمه نفقة زوجة ابيه وفى فطرتها وجهان (اصحهما) الوجوب (ح) * يستثني عن قولنا من وجبت نفقته علي المنفق فطرته مسائل (منها) ماهى مستثناة بلا خلاف (ومنها) ما في استثنائها اختلاف قول أو وجه (فمنها) ان الابن تلزمه نفقة زوجة ابيه تفريعا على
[ ٦ / ١٢١ ]
الصحيح في وجوب الاعفاف وسيأتي شرح ذلك الخلاف وموصع الاعفاف في بابه إن شاء الله تعالي وهل يلزمه فطرتها فيه وجهان (أصحهما) عند المصنف في طائفة أنها تلزم لانها ممن يمونه الابن وصار كالاب لما لزمته تفقته لزمه فطرته وعلي هذا فهذه الصورة غير مستثناة عن الاصل الممهد (والثانى) وهو الاصح عند صاحبي التهذيب والعدة وغيرهما أنها لا تلزم لان الاصل في القيام بامرها هو
[ ٦ / ١٢٢ ]
الاب والابن متحمل عنه والفطرة غير لازمة على الاب بسبب الاعسار فلا يتحملها الابن بخلاف النفقة فانها لازمة مع الاعسار فيتحملها وأيضا فلان فقد النفقة يمكنها من الفسخ وإذا فسخت احتاج الابن الي تزويجه وفقد الفطرة بخلافه ويجرى الوجهان في فطرة مستولدته ولك أن تعلم قوله يلزمه نفقة زوجه أبيه بالواو إذا قد عرفت أنه مبنى على وجوب الاعفاف وفيه خلاف
[ ٦ / ١٢٣ ]
وبالحاء والزاى لان عندهما لا يجب الاعفاف ويجوز اعلام لفظ الوجوب من قوله الاصح الوجوب بالحاء لان عنده لا تجب علي الابن فطرة الوالد فما ظنك بفطرة زوجته *
قال (الثانية الابن الكبير الذى هو في نفقة أبيه إذا وجد قدر قوته ليلة العيد فلا فطرة علي أبيه لسقوط النفقة عنه ولا عليه لعجزه ولو كان صغيرا والمسألة بحالها ففيه خلاف (و) لان حق الصغير آكد) *
[ ٦ / ١٢٤ ]
غير الاصول والفروع من الاقارب كالاخوة والاعمام لا تجب فطرتهم كما لا تجب نفقتهم (وأما) الاصول والفروع فان كانوا موسرين فلا تجب نفقتهم وإن كانوا معسرين فكل من جمع منهم إلي الاعسار الصغر أو الجنون أو الزمانة وجبت نفقته ومن تجرد في حقه الاعسار ففى نفقته قولان ومنهم من قطع بالوجوب في حق الاصول وحكم الفطرة حكم النفقة وفاقا وخلافا إذا عرفت ذلك فلو أن الولد الكبير كان في نفقة أبيه أما بمجرد الاعسار إن اكتفينا به أو مع الزمانة ان لم نكتف
[ ٦ / ١٢٥ ]
به فوجد قدر قوته ليلة العيد ويومه فقد سقطت فطرته عن الاب لسقوط نفقته وكونها تابعة له ولا تجب عليه لعجزه واعساره وإن كان الولد صغيرا والمسألة بحالها ففى سقوط الفطرة وجهان (قال) الصيدلاني لا تسقط والفرق أن نفقة الكبير لا تثبت في الذمة بحال وإنما هي لكفاية الوقت ونفقة الصغير قد ثبتت الا ترى أن للام أن تستقرض علي الاب الغائب لنفقة الصغير فكانت نفقته آكد فأشبهت نفقة الاب نفسه وفطرته فطرته (وقال) الشيخ أبو محمد تسقط كما تسقط النفقة وتردد فيما
[ ٦ / ١٢٦ ]
ذكره من جواز الاستقراض وقال الاظهر منعه إلا إذا أذن السلطان ومثله يفرض في حق الكبير أيضا وما ذكره الشيخ أظهر عند الامام وغيره (واعلم) أن مسألة الكبير جارية على الاصل الممهد وكذلك مسألة الصغير علي قول الشيخ أبى محمد وإنما الاستثناء على قول الصيدلاني * قال (الثالثة الزوج ان كان معسرا لا تستقر فطرتها في ذمته وان استقرت النفقة ولا تجب عليها فطرة نفسها وان كانت موسرة نص عليه ونص في الامة المزوجة من المعسر ان الفطرة تجب على سيدها فقيل قولان بالنقل والتخريج وقيل الفرق أن سلطنة السيد آكد من سلطنة الحرة
[ ٦ / ١٢٧ ]
ولو أخرجت الزوجة فطرة نفسها مع يسار الزوج دون إذنه لم يصح علي أحد الوجهين لان الزوج أصل لا متحمل) * من أصول الباب الذى يحتاج إلي معرفته في هذه المسألة وغيرها أن الفطرة الواجبة علي الغير تلاقى المؤدى عنه ثم تتحمل عنه أم تجب على المؤدى ابتداء وفيه خلاف يعبر عنه تارة بقولين مخرجين من معاني كلام الشافعي ﵁ وتارة بوجهين (أحدهما) أن الوجوب يلاقى المؤدى
[ ٦ / ١٢٨ ]
عنه ثم يتحمل عنه المؤدى لقوله صلي الله عليه وسلم في الحديث الذى سبق (علي كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين) (والثانى) أنها تجب علي المؤدى ابتداء لقوله صلي الله عليه وسلم (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر عنه) قال القاضى الروياني وغيره ظاهر المذهب هو الاول ثم الاكثرون منهم الشيخ أبو علي طردوا الخلاف في كل من يؤدى صدقة الفطر عن غيره من الزوج والسيد والقريب قال الامام وذكر طوائف من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزوج فأما فطرة
[ ٦ / ١٢٩ ]
المملوك والقريب فتجب علي المؤدى ابتداء بلا خلاف لان المملوك لا يقدر علي شئ والقريب المعسر لو لم يجد من يقوم بالانفاق عليه لا يلزمه شئ فكيف يقال بان الوجوب يلاقيه ثم حيث فرض الخلاف وقلنا بالتحمل فهو كالضمان أو كالحوالة حكي أبو العباس الرويانى في المسائل الجرجانيات فيه قولين إذا تقرر ذلك ففى المسألة صورتان (إحداهما) الزوج المعسر لا تستقر الفطرة في ذمته وان استقرت النفقة لان النفقة عوض والفطرة عبادة مشروطة باليسار ثم ان كانت موسرة فهل عليها فطرة نفسها قال في المختصر لا أرخص له في تركها ولا يتبين لي أن أوجب عليها ونص فيه أيضا علي أنه
[ ٦ / ١٣٠ ]
لو زوج أمته من معسر تجب الفطرة علي سيدها واختلف الاصحاب علي طريقين (أصحهما) عند الشيخ أبي علي وغيره أن المسألتين علي قولين مبنيين علي الاصل المذكور (ان قلنا) الوجوب يلاقى المؤدى
[ ٦ / ١٣١ ]
عنه أولا وجبت الفطرة علي المرأة الحرة في الصورة الاولي وعلى سيد الامة في الثانية (وان قلنا) الوجوب علي المؤدى ابتداء فلا يجب (والثاني) تقرير النصين وبه قال أبو إسحق والفرق أن الحرة
[ ٦ / ١٣٢ ]
بعقد النكاح تصير مسلمة الي الزوج حتي لا يجوز لها المسافرة والامتناع من الزوج بعد أخذ المهر والنفقة بحال والامة بالتزويج غير مسلمة بالكلية بل هي في قبضة السيد الا ترى أن له أن يستخدمها
[ ٦ / ١٣٣ ]
وأن يسافر بها وهذا معنى قوله في الكتاب سلطنة السيد آكد من سلطنة الحرة أي علي نفسها ثم التقريب من وجهين (أحدهما) أن الحرة لما كانت مسلمة بالكلية كانت كالامة المسلمة الي المشترى
[ ٦ / ١٣٤ ]
بعقد الشراء فتنتقل الفطرة إليه والامة لما كانت في قبضة السيد لم تكن الفطرة متحولة عنه وإنما الزوج كالضامن لها فإذا لم يقدر علي الاداء بقى الوجوب علي السيد كما كان (والثانى) أن الامة إذا
[ ٦ / ١٣٥ ]
لم تكن واجبة التسليم كان السيد متبرعا بتسليمها فلا يسقط عنه بتبرعه ما كان يلزمه لولا التبرع ولو نشزت المرأة وسقطت فطرتها عن الزوج لسقوط النفقة فقد قال الامام الوجه عندي القطع بايجاب الفطرة
[ ٦ / ١٣٦ ]
عليها وان حكمنا بان الوجوب لا يلاقيها لانها بالنشوز أخرجت نفسها عن امكان التحمل (فرعان) (أحدهما) زوج الامة ان كان موسرا فحكم فطرتها حكم نفقتها وسيظهر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالي (والثانى) ان خادمة الزوجة ان كانت مستأجرة لم يجب علي الزوج فطرتها وان كانت من امائه وجبت لانها مملوكته وان كانت من اماء الزوجة والزوج ينفق عليها ففطرتها واجبة عليه نظرا
[ ٦ / ١٣٧ ]
الي انه يمونها نص عليه في المختصر وقال الامام الاصح عندي انها لا تجب لان نفقة الخادمة غير
مستقلة إذ يمكنه تحصيل الغرض بمتبرعة أو مستأجرة (الصورة الثانية) لو اخرجت الزوجة زكاة نفسها مع يسار الزوج دون اذنه ففى اجزائه وجهان (ان قلنا) الزوج متحمل اجزأ والا فلا ويجرى الوجهان فيما لو تكلف من فطرته علي قريبه باستقراض وغيره وأخرج من غير اذنه والوجه الاول هو
[ ٦ / ١٣٨ ]
المنصوص عليه في المختصر ولو أخرجت الزوجة أو القريب باذن من عليه جاز بلا خلاف بل لو قال الرجل لغيره اد عنى فطرتي ففعل جاز كما لو قال أقض ديني ذكره في التهذيب (وقوله) في الكتاب لان الزوج اصل لا متحمل ليس تعليلا لوجه المنع بشئ يساعد عليه بل الغرض منه التنبيه على مبني الوجهين (واعلم) أن الصورة الثانية ليس لها كثير تعلق بالاصل المستثنى منه وانما المتعلق
[ ٦ / ١٣٩ ]
به الاولى فان الفطرة فارقت النفقة حيث لم تلزم الزوج المعسر والنفقة لازمة مستقرة * قال (الرابعة البائنة الحامل تستحق الفطرة وقيل إذا قلنا ان النفقة للحمل فلا تستحق) * تجب فطرة الرجعية كنفقتها (وأما) البائنة فان كانت حائلا فلا نفقة ولا فطرة وان كانت حاملا ففى فطرتها طريقان (أحدهما) أنها تجب اتباعا للفطرة النفقة (الثاني) ان وجوبها مبنى على الخلاف
[ ٦ / ١٤٠ ]
في أن النفقة للحمل أو للحامل (ان قلنا) بالثاني فيجب (وان قلنا) بالاول فلا لان فطرة الجنين لا تجب وهذا الطريق الثاني هو الذى اورده الاكثرون وكلام صاحب الكتاب يشعر بترجيح الاول وبه قال الامام والشيخ ابو علي قال الشيخ لانها المستحقة سواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل ولها ان تأخذها وتنفقها على نفسها بلا خلاف وقولنا أنها للحمل علي قول نعنى به انه سبب الوجوب وذلك لا ينافى كونها المستحقة هذا إذا كانت الزوجة حرة فان كانت أمة ففطرتها بالاتفاق ناظرة إلى ذلك الخلاف (فان قلنا) النفقة للحمل فلا نفقة ولا فطرة لان الحمل لو كان ظاهرا لم يكن عليه ان
[ ٦ / ١٤١ ]
يمون ملك الغير (وان قلنا) للحامل وجبتا وسواء رجحنا الطريقة الاولي أو الثانية فالاصح استحقاق
الفطرة لان الاصح ان النفقة للحامل وعلي هذا فالمسألة غير مستثناة عن الاصل السابق (اما) إذا قلنا النفقة واجبة للحمل فلا فطرة فالحمل شخص تجب نفقته ولا تجب فطرته فينتظم استثناؤه والله اعلم قال (الخامسة لا فطرة علي المسلم في عبده الكافر وتجب عليه في نصف العبد المشترك أو في العبد الذى نصفه حر ولو جرت مهايأة فوقع الهلال في نوبة احدهما ففي اختصاصه بالفطرة وجهان لانه خرج نادرا) *
[ ٦ / ١٤٢ ]
في المسألة صورتان (احداهما) لا يجب على المسلم فطرة عبده الكافر وبه قال مالك واحمد خلافا لابي حنيفة * لنا لتقييد في حديث ابن عمر ﵄ حيث قال (من المسلمين) وايضا فان الفطرة شرعت تطهير أو الكافر ليس أهلا للتطهير وحكم الزوجة الذمية والقريب الكافر حكم العبد الكافر فلا تجب فطرتهم وان وجبت نفقتهم (الثانية) تجب فطرة لعبد المشترك علي الشريكين وفطرة لعبد الذى بعضه حر عليه وعلي السيد خلافا لابي حنيفة ﵀ حيث قال لا تجب ولمالك حيث قال في الصورة
[ ٦ / ١٤٣ ]
الثانية في احدى الروايتين تجب علي السيد حصته ولا شئ علي العبد والرواية الثانية مثل مذهبنا * لنا ما سبق ان الفطرة تتبع النفقة وهى مشتركة فكذلك الفطرة ثم الوجوب عليهما إذا لم تكن مهايأة فان جرت مهايأة بين الشريكين أو بين المالك والعبد فهل تختص الفطرة بمن وقع زمان الوجوب في نوبته أم هي على الشركة يبنى ذلك علي أن الفطرة من المؤن النادرة أو من المؤن الدائرة وبتقدير أن تكون من النادرة فهل تدخل في المهايأة أم لا (أما) المقام الاول فقد حكى الامام
[ ٦ / ١٤٤ ]
فيه وجهين (أحدهما) أنها من المؤن الدائرة لانها معلومة القدر والوقت معدودة من وظائف السنة (واصحهما) ولم يذكر الجمهور غيره انها من المؤن النادرة لان يوم العيد لا يتعين في السنة لاختلاف الاهلة وبتقدير التعين فالشئ الذى لا يتفق في السنة الا مرة نادر وأما الثاني ففيه وجهان مشهوران (أظهرهما) أنها تدخل في المهايأة لان مقصود المهايأة التفاضل والتمايز فليختص كل واحد منهما بما
[ ٦ / ١٤٥ ]
يتفق في نوبته من الغنم والغرم (والثانى) لا تدخل لان النوادر مجهولة ربما لا تخطر بالبال عند التهايؤ فلا ضرورة الي ادخالها فيه والوجهان جاريان في الاكساب النادرة كصيد يصطاده العبد الذى ليس بصياد وكقبول هبة ووصية ونحوها (فان قلنا) بالاول فجميع الفطرة على من وقع الهلال في نوبته (وان قلنا) بالثاني فهي مشتركة بحسب الملك أبدا ثم المعتبر في يساره أن يفضل الواجب سواء كان
[ ٦ / ١٤٦ ]
تمام الصاع أو بعضه عن قوت يومه وليلته ان لم يكن بينهما مهايأة وان كان بينهما مهايأة فعن القدر الذى يلزمه من قوت نفسه لا من الكل * وليكن قوله في الكتاب وتجب عليه في نصف العبد المشترك معلما بالحاء والميم لما ذكرناه ولو قال وتجب فطرة العبد المشترك بدل ما ذكرة لكان أحسن ولا يستغنى عن التعرض للنصف (وقوله) فوقع الهلال جواب على أصح الاقوال وهو أن وقت الوجوب
[ ٦ / ١٤٧ ]
الاستهلال (وقوله) لانه خرج نادرا جواب على الاصح في عدها من النوادر وليكن معلما بالواو للوجه السابق ولا يخفى حاجة الصورة الاولي الي الاستثناء وأما الثانية فانما يصح استثناؤها علي قولنا ان الفطرة لا تدخل في المهايأة لانهما حينئذ يشتركان في الفطرة دون النفقة فتفارق الفطرة النفقة *
[ ٦ / ١٤٨ ]
قال (السادسة العبد المرهون تجب فطرته علي في المغضوب والضال والآبق طريقان (قيل) تجب (وقيل) قولان كسائر الزكوات ولو انقطع خبر العبد الغائب نص على وجوب فطرته وعلي أن عتقه لا يجزئ عن الكفارة وقيل قولان وقيل قولان في المسألتين لتقابل الاصلين وقيل بتقرير النصين ميلا الي الاحتياط فيهما) *
[ ٦ / ١٤٩ ]
المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد كالقن في وجوب الفطرة وتجب فطرة العبد المرهون والجانى والمستأجر لوجود الملك ووجوب النفقة قال الامام والمصنف في الوسيط هكذا أطلقوا القول في المرهون
ويحتمل أن يجرى فيه الخلاف المذكور في زكاة المال المرهون (واعلم) ان الخلاف في زكاة المال المرهون لم نلفه الا في حكاية هذين الامامين والجمهور أطلقوا الوجوب ثم أيضا وأما المغصوب والضال ففى
[ ٦ / ١٥٠ ]
فطرته طريقان (أحدهما) أنه على القولين في زكاة المال المغصوب وطرد ابن عبد ان علي هذه الطريقة الخلاف فيما إذا حيل بينه وبين زوجته عند الاستهلال (وأصحهما) القطع بالوجوب اتباعا للفطرة النفقة ويخالف زكاة المال فان المالية معتبرة فيها وهي غير معتبرة ههنا ألا ترى انه تجب فطرة الزوجة والقريب مع انتفاء المالية فلا تجب عند ضعفها كان أولى ولهذا وجبت في المستولدة (وأما)
[ ٦ / ١٥١ ]
العبد الغائب فان علم حياته وكان في طاعته وجبت فطرته وان كان آبقا ففيه الطريقان في المغصوب وللخلاف مأخذ آخر حكاه الامام وهو ان اباق العبد هل يسقط نفقته كنشوز الزوجة أم لا وفيه خلاف فان اسقطها اسقط الفطرة أيضا وان لم يعلم حياته وانقطع خبره مع تواصل الرفاق ففى فطرته طريقان (أحدهما) أنها تجب بلا خلاف وبه قال ابو اسحق (والثانى) أنه علي القولين وفى كيفيتهما طريقان (أحدهما) أنهما قولان منصوصان وذلك ان المزني روى في المختصر أنه قال ويزكي عن عبيده
[ ٦ / ١٥٢ ]
الحضور والغيب وان لم يرج رجعتهم إذا علم حياتهم قال وقال في موضع آخر وان لم يعلم حياتهم فشرط العلم بالحياة في قول واطلق الوجوب في قول علم أو لم يعلم (والثانى) وهو المذكور في الكتاب ان سبب خروج القولين انه نص ههنا على لزوم الفطرة وفى الكفارة علي أن اعتاق مثل هذا العبد لا يجزئ فنقل الجواب من كل مسألة الي الاخرى وجعلتا علي قولين بالنقل والتخريج وجه وجوب الفطرة والاجزاء عن الكفارة ان الاصل بقاؤه ووجه عدم وجوبها وعدم الاجزاء ان الاصل براءة ذمته عن واجب
[ ٦ / ١٥٣ ]
الفطرة واستمرار شغلها بواجب الكفارة الي يقين الاعتاق قال القاطعون بالوجوب (أما) منقول المزني فلا اختلاف فيه الا انه اجاب في النص الاول في إحدى المسألتين دون الاخرى والاحتجاج
بالمفهوم ضعيف (وأما) فصل الكفارة فالنصان مقرران والفرق الاخذ بالاحتياط في الطرفين بتقديره حيا بالاضافة الي الفطرة وميتا بالاضافة الي الكفارة ليأتي بيقين الاعتاق وكيفما قدر فالاظهر
[ ٦ / ١٥٤ ]
وجوب الفطرة وعدم الاجزاء في الكفارة وإذا أوجبنا لفطرة في هذه الصورة فهل نوجب اخراجها في الحال أم يجوز التأخير الي عود العبد كما في زكاة المال في نظائرها المذهب الاول لان المهلة شرعت ثم لمعني النماء وهو غير معتبر ههنا وروى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد ان الشافعي ﵁ نص في الاملاء على قولين في ذلك قال وهذا بعيد لان امكان الاداء شرط الضمان في زكاة المال والمال الغائب يتعذر الاداء منه وليس كذلك الفطرة هكذا ذكره لكن قال صاحب التهذيب لو دخل الوقت ومات
[ ٦ / ١٥٥ ]
المودى عنه قبل امكان الاداء ففى سقوط الفطرة وجهان فألحقهما في أحد الوجهين بزكاة المال في اعتبار الامكان وحكي الامام هذا الخلاف أيضا * قال (السابعه نفقة زوجة العبد في كسبه وليس عليه فطرتها لانه ليس أهلا لزكاة نفسه فلا يتحمل عن غيره) *
[ ٦ / ١٥٦ ]
العبد ينفق علي زوجته من كسبه ولا يخرج الفطرة عنها حرة كانت أو أمة لانه ليس أهلا لزكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره (أما) النفقة فلابد منها وأقرب موضع يؤدى منه كسبه ثم إذا كانت الزوجة حرة موسرة فهل عليها فطرة نفسها (منهم) من قال هو علي القولين المذكورين فيما إذا كانت تحت زوج معسر و(منهم) من قال عليها فطرتها بلا خلاف لان العبد ليس أهل للخطاب بالفطرة وإن
[ ٦ / ١٥٧ ]
كانت أمة فهل علي سيدها فطرتها فيه هذان الطريقان (والثاني) أظهر في الصورتين ولو ملك السيد عبده شيئا وقلنا انه بملكه لم يكن له إخراج فطرة زوجته عنه استقلالا لانه ملك ضعيف ولو صرح بالاذن في الصرف إلي هذه الجهة ففيه وجهان للشيخ ابى محمد (ان قلنا) له ذلك فليس للسيد الرجوع
عن الاذن بعد استهلال الهلال لان الاستحقاق إذا ثبت فلا مدفع له (خاتمة) قوله في أول المسائل السبع ولا تفارق الفطرة النفقة الا في كذا لا شك أنه لم يعن به مطلق المفارقة لان مفارقتهما لا تنحصر
[ ٦ / ١٥٨ ]
فيما استثناه بل هما مفترقان في القدر والوقت وأمور أخر لا تحصى كثرة وإنما عنى المفارقة في ثبوت النفقة وانتفاء الفطرة لكن هذه المفارقة غير منحصرة أيضا فيما استثناه لمسائل (منها) إذا كان للكافر عبد مسلم ففى فطرته وجهان سنذكرهما والنفقة واجبة (ومنها) إذا أوصى برقبة عبد لرجل وبمنفعته لآخر قال ابن عبد ان فطرته على الموصى له بالرقبة بلا خلاف ونفقته عليه أو على الموصى له بالمنفعة أو في بيت المال فيه ثلاثة أوجه فعلي غير الوجه الاول المسألة من مسائل المفارقة (ومنها) عبد
[ ٦ / ١٥٩ ]
بيت المال والعبد الموفق غلي المسجد في فطرتهما وجهان حكيها عن البحر (الاظهر) وبه أجاب في التهذيب أنها لا تجب والعبد الموقوف علي رجل معين ذكر في العدة ان فطرته تبنى علي الملك فيه (ان قلنا) ان الملك للموقوف عليه فعليه فطرته (وان قلنا) لله تعالي فوجهان ونفى صاحب التهذيب في باب الوقف وجوب فطرته علي الاقوال كلها لانه ليس فيه ملك محقق والاول أشهر ونفقة هؤلاء واجبة لا محالة *
[ ٦ / ١٦٠ ]
قال (الطرف الثاني في صفات المؤدى وهى الاسلام والحرية واليسار فلا زكاة على كافر الا في عبده (ح) المسلم علي قولنا ان المؤدى عنه اصل والمؤدى متحمل عنه ولا زكاة علي رقيق ولا مكاتب (و) في نفسه وزوجته ولا يجب علي السيد زكاة المكاتب لسقوط نفقته وقيل تجب عليه وقيل تجب في مال المكاتب ومن نصفه حر وجب عليه نصف صاع) *
[ ٦ / ١٦١ ]
اعتبر في مؤدى الفطرة ثلاثة أمور (الاول) الاسلام فلا فطرة على كافر عن نفسه لانه ليس له أهلية التطهير ولا أهلية اقامة العبادات ولا عن غيره إلا إذا ملك الكافر عبدا مسلما أو كان له قريب مسلم ففيه وجهان مبنيان علي أن من يؤدى عنه الفطرة أصيل يتحمل عنه أو الوجوب علي
المؤدى ابتداء (أحدهما) وبه قال ابو حنيفة ﵀ أنها لا تجب (والثانى) وبه قال احمد تجب ويتصور
[ ٦ / ١٦٢ ]
ملك الكافر العبد المسلم بان يسلم العبد في يده أو يرثه أو يشتريه على قول صحة الشرى ويهل هلال شوال قبل أن نزيل الملك عنه ومستولدته التي أسلمت فيها الوجهان (فان قلنا) بالوجوب فقد قال الامام لاصائر الي أن المتحمل عنه ينوى والكافر لا تصح منه النية وذلك يدل علي استقلال الزكاة بمعنى المواساة ولو أسلمت ذمية تحت ذمى واستهل الهلال في تخلف الزوج ثم أسلم قبل انقضاء العدة ففى وجوب
[ ٦ / ١٦٣ ]
نفقتها مدة التخلف خلاف يأتي في موضعه فان لم نوجبها لم نوجب الفطرة وان أوجبناها فالفطرة علي الخلاف المذكور في وجوب فطرة عبده المسلم (وقوله) في الكتاب الا في عبده المسلم ليكن معلما بالحاء لما نقلناه عن مذهب ابى حنيفة ثم ظاهره يقتضي الجزم بنفي الوجوب في القريب المسلم وفى مسألة اسلام الذمية لانه حصر الاستثناء في العبد وكل ذلك علي الخلاف نص عليه الشيخ أبو علي وغيره
[ ٦ / ١٦٤ ]
(الثاني) الحرية وفيه صور (منها) لا يجب علي الرقيق فطرة نفسه ولا فطرة زوجته لانه لا يملك شيئا فان ملكه السيد مالا فقد ذكرناه وان ملكه عبدا وقلنا أنه يملك سقطت فطرته عن السيد لزوال ملكه عنه ولم تجب علي المملك لضعف ملكه (ومنها) هل تجب علي المكاتب فطرة نفسه (المشهور) أنها لا تجب كمالا تجب عليه زكاة ماله لضعف ملكه (وقيل) إنها تجب عليه في كسبه كنفقته وبه قال احمد وهذا الاختلاف علي ما ذكره الامام قولان (الاول) منهما منصوص (والثانى) مخرج ذكره ابن سريج
[ ٦ / ١٦٥ ]
وعلي ما رواه في التهذيب وجهان واطلقهما الصيدلانى قولين من غير التعرض للنص والتخريج والامر فيه سهل وإذا قلنا بالمشهور وهو أنه لا فطرة عليه فهل هي علي سيده (الظاهر) أنها ليست عليه لسقوط نفقته عنه ونزوله مع السيد منزلة الأجنبي الا ترى انه يبيع منه ويشترى (وروى) ابو ثور عن القديم انها تجب على السيد لانه عبد ما بقى عليه درهم وانكر الشيخ ابو على ان يكون هذا
قولا للشافعي ﵁ وقال انه مذهب ابى ثور نفسه والخلاف في أن المكاتب هل عليه
[ ٦ / ١٦٦ ]
فطرة نفسه يجرى في انه هل عليه فطرة زوجته وعبيده بلا فرق (واعلم) ان قوله في الكتاب ولا زكاة علي رقيق ولا مكاتب في نفسه وزوجته الكلام في الرقيق قد صار مذكورا مرة في المسألة السابقة وانما كرره لانه احتاج إلى ادراجه في صور الاستثناء اولا والي التعرض له في صفات المؤدى ثانيا (وقوله) وقيل تجب عليه أي على السيد وهو القول الذى حكاه ابو ثور (ومنها) حكم
[ ٦ / ١٦٧ ]
المستولدة والمدبر حكم القن علي ما سبق والكلام فيمن نصفه حر ذكره مرة وانما اعاده ههنا ليتبين ان الحرية التى اعتبرها ليست حرية الكل وانما هي الحرية بحسب القدر المؤدى من الفطرة *
[ ٦ / ١٦٨ ]
قال (والمعسر لا زكاة عليه وهو الذى لا يفضل عن مسكنه وعبده الذى يحتاج الي خدمته ودست ثوب يلبسه صاع من الطعام فلو أيسر بعد الهلال لم يتجدد الوجوب بخلاف الكفارات) * الامر الثالث اليسار فالمعسر لا زكاة عليه وكل من لم يفضل عن قوته وقوت من في نفقته ليلة
[ ٦ / ١٦٩ ]
العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فهو معسر ومن فضل عنه ما يخرجه في الفطرة من أي جنس كان من المال فهو موسر ولم يصرح الشافعي ﵁ واكثر الاصحاب في ضبط اليسار والاعسار الا بهذا القدر وزاد الامام فاعتبر في اليسار أن يكون قدر الصاع فاضلا عن مسكنه وعبده الذى يحتاج إليه في خدمته وقال لا يحسب عليه في هذا الباب مالا
[ ٦ / ١٧٠ ]
يحسب في الكفارة وتابعه المصنف فيما ذكره وانت إذا فحصت عن كتب الاصحاب وجدت اكثرهم ساكتين عن ذلك وقد يغلب على ظنك انه لا خلاف في المسألة والذى ذكره كالبيان والاستدراك
لما اهمله الاولون وربما استشهد عليه بانهم لم يتعرضوا ايضا لدست ثوب يلبسه ولا شك في أنه مبقى
[ ٦ / ١٧١ ]
عليه فان الفطرة ليست باشد من الدين وأنه مبقى عليه في الديون لكن الخلاف ثابت فان الشيخ ابا على حكى وجها أن عبد الخدمة لا يباع في الفطرة كما لا يباع في الكفارة ثم انكر عليه وقال لا يشترط في صدقة الفطر أن يكون فاضلا عن كفايته بل المعتبر قوت يومه ويفارق الكفارة لان لها بدلا
[ ٦ / ١٧٢ ]
ينتقل إليه فخفف الامر فيها ولا بدل للفطرة فمتي قدر عليه بوجه ما لزمه القضاء كقضاء الدين وذكر في التهذيب ايضا ما يوجب اثبات وجهين في المسألة والاصح عنده الاول كما في الكتاب وقد احتج له بقول الشافعي ﵁ ان الابن الصغير إذا كان له عبد يحتاج الي خدمته فعلى الاب ان
[ ٦ / ١٧٣ ]
يخرج فطرته كما يخرج فطرة الابن ولولا ان العبد غير محسوب لسقط بسببه نفقة الابن ايضا ثم ذكر الامام ﵀ شيئين (أحدهما) ان كون المخرح فاضلا عن العبد والمسكن وان شرطناه في ابتداء الثبوت فلا نشترطه في الدوام بل إذا ثبتت الفطرة في ذمة انسان بعنا عبده ومسكنه فيها لانها بعد الثبوت التحقت بالديون (والثاني) ان ديون الآدميين تمنع وجوب الفطرة وفاقا كما ان الحاجة الي صرفه
[ ٦ / ١٧٤ ]
الي نفقة الاقارب تمنعه قال ولو ظن ظان ان دين الآدمى لا يمنعه علي قول كما لا يمنع وجوب الزكاة كان مبعدا هذا لفظه وفيه شئ آخر نذكره في اواخر صدقة الفطر ان شاء الله تعالي جده فعلي هذا يشترط مع كون المخرج فاضلا عما سبق كونه فاضلا عن قدر ما عليه من الدين ولم يتعرض
[ ٦ / ١٧٥ ]
له في الكتاب بل لم يتعرض لما اتفقت الكلمة على اعتباره وهو كونه فاضلا عن قوته وقوت من يمونه إلا ان يقال انه تعرض له على سبيل الاشارة فانه إذا اعتبر كونه فاضلا عن العبد والمسكن فاولى ان يكون فاضلا عنه (وقوله) صاع من الطعام لا يخفى انه غير معين وانما المراد قدر صاع من أي جنس كان من المال * وقال ابو حنيفة
[ ٦ / ١٧٦ ]
﵀ اليسار المعتبر في الباب ان يكون مالكا لنصاب زكوى ومالك واحمد وافقانا علي عدم اعتباره لان الحق المالي الذى لا يزيد بزيادة المال لا يعتبر فيه وجود النصاب كالكفارات ثم اليسار انما يعتبر وقت الوجوب فلو كان معسرا عنده ثم ايسر فلا شئ عليه لان وجود الشرط
[ ٦ / ١٧٧ ]
بعد فوات الوقت لا يغنى ولو وجد بعض أسباب الكفارات من الشخص وهو عاجز عن جميع خصالها ثم قدر فعليه أن يكفر لان الوجوب قد ثبت ثم والاداء موقوف على القدرة وفيه خلاف يذكر في موضعه (وقوله) فلو أيسر بعد الهلال هذا التصوير مفرع علي قولنا ان وقت الوجوب الاستهلال وقد سبق له نظير (وقوله) لم يتجدد الوجوب فيه ضرب من التوسع إذ لم يكن في الابتداء
[ ٦ / ١٧٨ ]
وجوب حتي يفرض تجدده أو عدم تجدده والمراد منه لم يثبت الوجوب وليكن معلما بالميم لان القاضى الرويانى وصاحب البيان رويا عن مالك انه إن أيسر يوم الفطر وجب عليه الفطرة (وقوله) بخلاف الكفارات أي علي ظاهر المذهب وهو ان الوجوب ثابت إذا قدر بعد العجز عن جميع الخصال وإلا فهما متفقان في الحكم *
[ ٦ / ١٧٩ ]
قال (ولو كان الفاضل نصف صاع وجب اخراجه على أحد الوجهين ولو كان الفاضل صاعا ومعه زوجته وأقاربه أخرج عن نفسه علي الاصح وقيل عن زوجته لان فطرتها دين والدين يمنع وجوب الزكاة وقيل يتخير ان شاء أخرج عن واحد وان شاء وزع وقيل لا يجوز التوزيع ولكن
[ ٦ / ١٨٠ ]
يخرج عمن شاء ولو كان الفاضل صاعا وله عبد اخرج عن نفسه وهل يلزمه بيع جزء من العبد في زكاة نفس العبد فيه خلاف ولو فضل صاع عن زكاته ونفقته وله اقارب قدم من تقدم نفقته فان استووا فيتخير أو يقسط فيه وجهان) *
[ ٦ / ١٨١ ]
في الفصل فروع (احدها) لو فضل عمالا يحتسب عليه بعض صاع من نصف وثلث وغيرهما فهل يلزمه اخراجه فيه وجهان مرويان عن أبي اسحق (أحدهما) لا كما إذا لم يجد الا نصف رقبة لا يجب اعتاقه في الكفارة وكذا لو لم يقدر الا علي إطعام خمسة مساكين أو كسوتهم (وأصحهما) نعم محافظة على
[ ٦ / ١٨٢ ]
الواجب بقدر الامكان ويخالف الكفارة من وجهين (أحدهما) ان الكفارة لا تتبعض والفطرة تتبعض في الجملة ألا ترى انه لو ملك نصف عبد يلزمه نصف صاع (والثاني) ان الكفارة لها بدل والفطرة لا بدل لها فصار كما لو جد ما يستر به بعض العورة يلزمه لتستر به حتى لو انتهي في الكفارة إلي المرتبة الاخيرة
[ ٦ / ١٨٣ ]
وهى الاطعام ولم يجد الاطعام ثلاثين قال الامام يتعين عندي اطعامهم قطعا (الثاني) لو فضل صاع وهو يحتاج إلي إخراج فطرة نفسه وله زوجة وأقارب ففيه وجوه (أصحها) انه يلزمه تقديم نفسه لقوله ﷺ " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " (والثاني) انه يلزمه تقديم زوجته لتأكد حقها وثبوته بالعوض ولهذا تستقر نفقتها في الذمة بخلاف نفقة غيرها * واحتج في الكتاب لهذا الوجه بأن فطرتها دين والدين
[ ٦ / ١٨٤ ]
يمنع وجوب هذا الزكاة (أما) كون الدين مانع لهذه الزكاة (فوجهه) ما سبق في الفصل الذى قبل هذا (وأما) المقدمة الاولى فلصاحب الوجه الاول أن يقول ان ادعيت ان فطرتها دين والحالة هذه فهو ممنوع بل عندي لا يلزم فطرتها إلا إذا فضل عن فطرة نفسه شئ وإن لم يتعرض لهذه الحالة فكما ان فطرتها دين في الجملة ففطرة نفسه وأقاربه دين في الجملة فلم يمنع فطرتها وجوب فطرة غيرها
[ ٦ / ١٨٥ ]
ولا ينعكس (والثالث) انه يتخير ان شاء اخرج عن نفسه وان شاء أخرج عن غيره لاستواء الكل في الوجوب ويحتج لهذا الوجه بقوله في المختصر فان لم يكن عنده بعد القوت لليوم إلا ما يؤدى عن بعضهم أدى عن بعضهم أطلق الاداء عن البعض اطلاقا وهذا الوجه أرجح عند القاضى الرويانى إذا قلنا به فلو أراد أن
يوزع الصاع هل له ذلك نقل في النهاية فيه وجهين (وجه) الجواز صيانة البعض عن الحرمان ووجه
[ ٦ / ١٨٦ ]
المنع وهو الاصح نقصان المخرج عن قدر الواجب في حق الكل مع انه لا ضرورة إليه والوجهان على قولنا ان من لا يجد إلا بعض صاع يلزمه إخراجه فان لم يلزمه لم يجز التوزيع جزما وأورد المسعودي وجه التوزيع إيرادا يشعر بأنه يتعين ذلك محافظة علي الجوانب والله أعلم (الثالث) لو فضل صاع وله عبد صرفه الي نفسه وينظر في العبد ان كان محتاجا إلي خدمته فهل عليه أن يبيع جزءا منه في فطرته
[ ٦ / ١٨٧ ]
فيه وجهان موجهان بطريقين (أحدهما) توجيه الزام البيع بأنه مبيع في الدين فكذلك ههنا بخلاف الكفارة فان لها بدلا وتوجيه الآخر بأن تكليفه إزالة الملك عته مع انه محتاج إليه إضرار به وهذا ما أورده في التهذيب (والثاني) توجيه الالزام بالقياس علي سائر الاموال المبيعة في الفطرة وتوجيه الآخر بأن الفاضل ينبغي أن يكون غير ما عنه يخرج وهذا ما أشار إليه الامام ويحسن أن يرتب فيقال
[ ٦ / ١٨٨ ]
(ان قلنا) الفطرة يجب أن تفضل عن عبد الخدمة فلا يباع شئ منه (وإن قلنا) لا يجب ذلك فوجهان للمأخذ الثاني وإن كان العبد مستغنى عنه جرى الخلاف بالنظر إلى المأخذ الثاني وإذا وقع السؤال عن مطلق العبد حصل في الجواب ثلاثة أوجه وهكذا أورد الامام ﵀ (ثالثها) الفرق بين عبد الخدمة والعبد المستغي عنه وهو الاظهر وصور صاحب الكتاب المسألة في الوسيط فيما إذا
[ ٦ / ١٨٩ ]
كان العبد مستغني عنه وربما أوهم ذلك تقييد الخلاف به ولا شك في انه لا يتقيد انما الكلام في انه هل يجزئ فيه الرابع لو فضل صاعان عن قدر الحاجة وفى نفقته جماعة فهل يقدم نفسه بواحد أم يتخير فيه وجهان لا يخفى خروجهما مما سبق الاصح انه يقدم نفسه ثم في الصاع الثاني ينظر ان كان من نفقته أقارب فيقدم منهم من يقدم في النفقة والقول في مراتبهم خلافا ووفاقا موضعه
[ ٦ / ١٩٠ ]
كتاب النفقات فان استووا فيتخير أم يقسط فيه وجهان وتوجيههما ما سبق ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة فانها توزع في مثل هذه الحالة ولم يتعرضوا للاقراع ههنا وله مجال في نظائره (وقوله) في الكتاب ولو فضل صاع عن زكاته ونفقته أي ونفقة من في نفقته وأراد به ما إذا فضل صاعان علي ما أوضحناه لكن فرع في التصوير علي الاصح وهو انه يقدم نفسه بصاع فان اجتمعت الزوجة مع الاقارب
[ ٦ / ١٩١ ]
ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) تقديم القريب لان علقته لا تنقطع وعلقة الزوجية؟ بعرض لها الانقطاع ويحكى هذا عن ابن أبى هريرة ﵀ (وأصحهما) تقديم الزوجة لان نفقتها آكد ألا ترى انها لا تسقط بمضي الزمان (وثالثها) التخير وعلى الاصح فلو فضل صاع ثالث فاخراجه عن أقاربه على ما سبق
[ ٦ / ١٩٢ ]
فيما إذا تمحضوا وظاهر المذهب من الخلاف الذى ذكرناه ومما أخرناه إلى النفقات انه يقدم نفسه ثم زوجته ثم ولده الصغير ثم الاب ثم الام ثم ولده الكبير والله أعلم * قال (الطرف الثالث في الواجب وهو صاع مما يقتات والصاع أربعة امداد والمد رطل وثلث بالبغدادي) *
[ ٦ / ١٩٣ ]
الواجب في الفطرة من كل جنس يخرجه صاع وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة ﵏ إذ قال يكفى من الحنطة نصف صاع وعنه في الزبيب روايتان * لنا ما روى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال " كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت " ١ والصاع أربعة امداد والمد رطل وثلث فيكون الصاع بالارطال خمسة وثلثا * وقال
[ ٦ / ١٩٤ ]
أبو حنيفة ﵀ الصاع ثمانية أرطال أربعة أمناء * لنا نقل أهل المدينة خلفا عن سلف ولمالك مع أبى يوسف رحمهما الله فيه قصة مشهورة ١ وجملة الصاع بالوزن ستمائة درهم وثلاثة وتسعون درهما وثلث
درهم قال ابن الصباغ وغيره والاصل فيه الكيل وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارا وقوله في الكتاب
[ ٦ / ١٩٥ ]
مما يقتات غير مجرى علي ظاهره لا في شمول الحكم لكل مقتات ولا في قصره عليه أما الاول فلان الاقوات النادرة كالفث وحب الحنظل وغيرهما لا يجرى نص عليه وقد بين في الكتاب ذلك بقوله من بعد والقوت ما يجب فيه العشر أي يعنى بالقوت ههنا ذلك وأما الثاني فلما سيأتي في الاقط ويجوز اعلام قوله مما يقتات بالواو لما سيأتي *
[ ٦ / ١٩٦ ]
قال (والقوت كل ما يجب فيه العشر وفى الاقط قولان للتردد في صحة حديث ورد فيه فان صح فاللبن والجبن في معناه المخيض والسمن ثم لا يجزئ المسوس والمعيب ولا الدقيق فانه بدل وقيل انه أصل) *
[ ٦ / ١٩٧ ]
غرض الفصل الكلام في جنس المخرج والذي سبق كان في قدره وكل ما يجب فيه العشر فهو صالح لاخراج الفطرة منه فمن أنواعه ما هو منصوص عليه في الخبر ومنها ما هو مقيس عليه وذكر الموفق ابن طاهر ان صاحب الافصاح حكى عن القديم قولا انه لا يجزئ إخراج العدس والحمص في الفطرة
[ ٦ / ١٩٨ ]
لانهما ادامان والمذهب الاول وفى الاقط طريقان (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب انه علي قولين (أحدهما) انه لا يجوز اخراجه لانه اما غير مقتات أو مقتات لا عشر فيه فأشبه الفث وما إذا اقتاتوا ثمرة لا عشر فيها وبهذا قال أبو حنيفة إلا أن يخرجه بدلا بالقيمة (والثاني) وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله يجوز لحديث أبي سعيد وكلام الامام يقتضى ترجيح القول الاول وصغو
[ ٦ / ١٩٩ ]
الاكثرين إلى ترجيح الثاني ويحكى ذلك عن القاضى أبى حامد وبه أجاب منصور التميمي في المستعمل (والطريق الثاني) وبه قال أبو إسحق القطع بالجواز وانما علق القول فيه حين لم يصح الخبر
عنده فلما صح جزم به فان جوزنا فقد ذكر في الكتاب ان الجبن واللبن في معناه وهذا أظهر الوجهين وفيه وجه ان الاخراج مهما لا يجزئ لان الخبر لم يرد بهما ويشبه أن يكون هذا الخلاف جاريا
[ ٦ / ٢٠٠ ]
في إخراج من قوته الاقط واللبن والجبن لما بينهما من التقارب كأنهما جنس واحد وفى اخراج من قوته اللبن اللبن (أما) الاول فلان أصحابنا العراقيين حكوا عن القاضي أبى الطيب جواز اخراج اللبن مع وجود الاقط لانه يصلح للاقط وغيره وعن الشيخ أبى حامد انه لا يجزئ اللبن مع وجود الاقط
[ ٦ / ٢٠١ ]
لانه يصلح للادخار واللبن لا يصلح له ففرض الخلاف في حالة وجود الاقط يدل علي ما ذكرناه: وأما الثاني فلان صاحب التهذيب حكي في الذين قوتهم اللبن ان في اخراجهم اللبن وجهين علي قولنا يجوز اخراج الاقط واتفقوا علي أن اخراج المخيض والمصل والسمن لا يجزئ لان الاقتيات انما يحصل عند اجتماع جزئي اللبن وهذه الاشياء لا تصلح للاقتيات حتى لو كان الجبن منزوع الزبد لم يكن
[ ٦ / ٢٠٢ ]
مجزئا أيضا ثم في الفصل مسألتان (إحداهما) لا يجزئ المسوس والمعيب من هذه الاجناس كما لا يجزئ المعيب في سائر الزكوات وإذا جوزنا الاقط لم يجز إخراج المملح الذى أفسد كثرة الملح جوهره لانه معيب وإن لم يفسد جوهره لكن كان الملح ظاهرا عليه فالملح غير محسوب والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الاقط منه صاعا ويجزئ الحب القديم وان قلت قيمته بسبب القدم إذا لم يتغير
[ ٦ / ٢٠٣ ]
طعمه ولونه (الثانية) لا يجزئ الدقيق ولا السويق ولا الخبز لان النص ورد بالحب وانه يصلح لما لا تصلح له هذه الاشياء فوجب اتباع مورد النص ولهذا منعنا إخراج القيمة وقال الانماطى يجزئ الدقيق قال ابن عبدان ويقتضي قوله إجزاء السويق وقياسه تجويز الخبز أيضا قال وهذا هو الصحيح لان المقصود اشباع المساكين في هذا اليوم ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة (قوله) والقوت كل
[ ٦ / ٢٠٤ ]
ما يجب فيه العشر ليس المراد منه ان القوت هذا علي الاطلاق فان لفظ القوت يقع علي غيره ألا ترى أن الشافعي ﵁ سمي الفث قوتا وإن لم يجب فيه العشر وانما المراد منه ان لفظ القوت إذا استعملناه في هذا الباب عنينا به ما يجب فيه العشر ثم نظم الكتاب يقتضى حصر الاجزاء فيما يجب فيه العشر لانه قال الواجب صاع مما يقتات ثم قال والقوت ما يجب فيه العشر
[ ٦ / ٢٠٥ ]
وإنما يثبت الحصر إذا لم يحكم باجزاء الاقط وهو الاظهر عند الامام فلعل حجة الاسلام ﵀ نحى نحوه لكن صغو الاكثرين الي أجزائه كما بيناه (وقوله) وفى الاقط قولان معلم بالواو للطريقة المعزية إلي أبي اسحق (وقوله) للتردد في صحة حديث ورد فيه أراد به ما ذكره الامام انه روى
[ ٦ / ٢٠٦ ]
في بعض الروايات " أو صاعا من اقط " وليست هذه الرواية على الحد المرتضى عند الشافعي ﵁ وليست علي حد التزييف عنده فتردد لذلك قوله (وقوله) فان صح فاللبن والجبن في معناه أي في ثبوت حكم الاجزاء وإلا فمطلق كونه في معناه غير مشروطه بالصحة بل ان صح فيشتركان في الاجزاء وان
[ ٦ / ٢٠٧ ]
لم يصح ففي عدم الاجزاء ثم هو معلم بالواو لما سبق (وقوله) ولا الدقيق بالحاء والالف وكذا قوله بانه بدل فان عندهما هو مجزئ وهو أصل وأشار بقوله فانه بدل الي ان الابدال غير مجزئة في الزكاة علي أصلنا وهذا من جملتها لانه غير المنصوص عليه (وقوله) وقيل انه أصل هو الذى حكيناه عن الانماطي ونقل الامام الخلاف في الدقيق قولين عن رواية العراقيين وذكر انه مأخوذ من الاقط المضاف إلى اللبن *
[ ٦ / ٢٠٨ ]
قال (ثم يتعين من الاقوات القوت الغالب يوم الفطر في قول وجنس قوته علي الخصوص في قول وقيل يتخير في الاقوات وإذا تعين فلو أبدل بالاشرف جاز كابدال الشعير بالبر ولو كان اللائق بحاله الشعير فأكل البر أو بالعكس جاز أخذ ما يليق بحاله ولو اختلف قوت مالكي عبد
[ ٦ / ٢٠٩ ]
واحد لم يكن باختلاف النوعين باس وقيل يجب علي صاحب الاردإ موافقة صاحب الاشرف حذرا من التنويع) * هل يتخير مخرج الفطرة بين الاجناس المجزئة قال العراقيون والشيخ أبو علي فيه وجهان وقال
[ ٦ / ٢١٠ ]
المسعودي وطائفة قولان (أحدهما) انه يتخير لظاهر قوله في الخبر " صاعا من تمر أو صاعا من شعير " وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ وهو الاصح عند القاضي الطبري فيما حكى القاضي الروياني (وأصحهما) عند الجمهور انه لا يتخير وكلمة أو محمولة علي بيان الانواع كما في قوله تعالي (ان يقتلوا أو يصلبوا
[ ٦ / ٢١١ ]
أو تقطع) فانه ليس للتخير وإنما هو لبيان انواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف الجريمة وعلي هذا فوجهان (أصحهما) وبه قال ابن سريج وأبو إسحق ان المعتبر غالب قوت البلد فان كان بالحجاز أخرج التمر وان كان ببلاد العراق أو خراسان فالحنطة وإن كان بطبرستان أو جيلان فالارز
[ ٦ / ٢١٢ ]
ووجهه قوله صلي الله عليه وسلم " اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم " ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان مغنى عن الطلب فان الظاهر انه يطلب القوت الغالب في البلد وبهذا قال مالك (والوجه الثاني) وبه قال أبو عبيد بن حربويه ان المعتبر قوته علي الخصوص كما ان في الزكاة يعتبر نوع ماله لا الغالب
[ ٦ / ٢١٣ ]
قال ابن عبدان وهذا هو الصحيح عندي ويتعلق بهذا الاختلاف فروع (أحدها) إذا تعين جنس أما لكونه غالب قوت البلد أو لكونه غالب قوته فليس المراد منه انه لا يجوز العدول عنه بحال بل المراد انه لا يجوز العدول إلى ما هو أدني منه اما لو عدل إلى الاعلي فهو جائز بالاتفاق فان قيل إذا عينا جنسا فهلا امتنع
[ ٦ / ٢١٤ ]
العدول إلى غيره وان كان أعلا كما أن الفضة لما تعينت في الفضة امتنع العدول الي الذهب وكذلك يمتنع العدول من الغنم إلي الابل فيجوز أن يقال في الجواب الزكوات المالية متعلقة بالمال فأمر بأن يواسى الفقير مما
واساه الله تعالي والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلي ما هو غذاء البدن وبه قوامه والاقوات متشاركة
[ ٦ / ٢١٥ ]
في هذا الغرض وتعيين شئ منها رفق وترفيه فإذا عدل الي الاعلى كان في غرض هذه الزكاة كما لو أخرج كرائم ماشيته وفيما يعتبر به الادنى والاعلي وجهان (أحدهما) ان النظر إلي القيمة لانه ما كان
[ ٦ / ٢١٦ ]
أكثر قيمة كان أرفق بالمساكين وأشق علي المالك وبهذا قال احمد فيما حكاه القاضى الروياني (وأظهرهما) ان النظر الي زيادة صلاحية الاقتيات فعلي الاول يختلف الحال باختلف البلاد والاوقات إلا أن يعتبر زيادة القيمة في الاكثر وعلي الثاني البر خير من التمر والارز ورجح في التهذيب الشعير أيضا علي التمر وعن الشيخ أبي محمد ﵀ أن التمر خير منه وله في الزبيب والشعير وفى التمر والزبيب
[ ٦ / ٢١٧ ]
تردد قال الامام والاشبه تقديم التمر علي الزبيب (الثاني) إذا قلنا المعتبر قوت كل شخص بنفسه وكان يليق بحاله البر وهو يقتات الشعير بخلا لزمه البر ولو كان يليق بحاله الشعير لكنه كان يتنعم باقيات البر فهل يجزئه الشعير فيه وجهان (أحدها) لا نظرا إلي اعادته (واصحهما) نعم نظرا الي اللائق بامثاله ويشبه أن يرجع هذا الخلاف الي اختلاف عبارتين للاصحاب في حكاية وجه ابن حربوبه فحكي
[ ٦ / ٢١٨ ]
بعضهم أن المعتبر قوت الشخص في نفسه وحكى آخرون أن المعتبر القوت اللائق بامثاله فعلي الثانية يجزئ الشعير وعلي الاول لا يجزئ (والثانية) هي التى أوردها الصيدلاني وجمع صاحب التهذيب بينهما ورجح الثانية (الثالث) قد يخرج الواحد الفطرة عن شخصين من جنسين فيجزئه كما إذا اخرج عن احد عبديه أو قريبيه من غالب قوت البلد إن اعتبرناه أو من
[ ٦ / ٢١٩ ]
غالب قوته ان اعتبرناه وعن الآخر من جنس أعلا منه وكذا لو ملك نصفين من عبدين فأخرج نصف صاع عن احد النصفين من الواجب ونصفا عن الثاني من جنس اعلا منه وإذا خيرنا بين
الاجناس فله اخراجها من جنس بكل حال ولا يجوز أن يخرج الواحد عن الواحد الفطرة من جنسين
[ ٦ / ٢٢٠ ]
وان كان احدهما اعلا من الواجب كما إذا وجب الشعير فأخرج نصف صاع منه ونصفا من الحنطة ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه وبه قال ابو حنيفة * لنا ظاهر الحديث " فرض النبي صلي الله عليه
[ ٦ / ٢٢١ ]
وسلم صاعا من شعير أو صاعا من تمر " وإذا بعض لم يخرج صاعا من تمر ولا صاعا من شعير وايضا فانها واجب واحد فلا يجوز تبعيضه كمالا يجوز في كفارة اليمين ان يطعم خمسة ويكسو خمسة ولو ملك رجلان عبدا فان
[ ٦ / ٢٢٢ ]
خيرنا بين الاجناس أخرجا ما شاء بشرط اتحاد الجنس وان أوجبنا غالب قوت البلد وكانا في بلد واحد أخرجا بحسب الملك صاعا منه هكذا أطلقوه وهو محمول علي ما إذا كان العبد عندهما أيضا لانه إذا كان غائبا وجب النظر في ان الفطرة تجب علي السيد ابتداء أم هو متحمل لما سنرويه عن الشيخ أبى على ولان صاحب التهذيب حكي انه لو كان له عبد غائب وقوت بلده يخالف قوت بلد العبد
[ ٦ / ٢٢٣ ]
فالواجب قوت بلده أو قوت بلد العبد يخرج علي الاصل المذكور وان كان السيدان في بلدين مختلفى القوت واعتبرنا قوت الشخص بنفسه وختلف قوتهما ففيه وجهان (أظهرهما) وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد انه يجوز أن يخرج كل واحد منهما قدر ما يلزمه من قوته أو قوت بلده لانهما إذا أخرجا هكذا أخرج كل واحد منهما جميع ما لزمه من جنس واحد وشبه ذلك بما إذا قتل ثلاثة من المحرمين
[ ٦ / ٢٢٤ ]
ظبية فذبح أحدهم ثلاث شياه واطعم الثاني بقيمة ثلاث شياه وصام الثالث عدل ذلك يجزئهم (والثاني) وبه قال ابن سريج لا يجوز ذلك لان المخرج عنه واحد فلا يتبعض واجبه وعلي هذا فوجهان (أحدهما) وهو الذى أورده الامام والمصنف ان علي صاحب الاردإ موافقة صاحب الاشرف احترازا من التفريق ومحافظة على جانب المساكين (والثاني) ان صاحب الاشرف ينزل ويوافق صاحب الاردإ دفعا للضرر عنه وهذا
[ ٦ / ٢٢٥ ]
حكاه القاضي الروياني وغيره عن ابن سريج قال الشيخ ابو على الوجهان عندي في الاصل مخرجان علي أن فطرة العبد تجب على السيد ابتداء أو هو متحمل (ان قلنا) بالاول جاز التبعيض (وان قلنا) بالثاني فلا لان العبد واحد لا يلزمه الفطرة من جنسين والشئ لا يتحمل ضمانا الا كما وجب * ذكر الشيخ هذا فيما إذا اعتبرنا قوت الشخص في نفسه واختلف قوتهما ولقائس أن يخرج الوجهين إذا اعتبرنا قوت البلد وكانا مختلفى القوت علي هذا الاصل أيضا ثم ان كان العبد في بلد أحدهما
[ ٦ / ٢٢٦ ]
فعلي التقدير الثاني يلزمهما صاع من قوت ذلك البلد وان كانا في بلد ثالث يلزمهما صاع من قوت ذلك البلد الثالث وهذا وجه قد رواه صاحب الشامل وآخرون مرسلا قالوا يخرجان صاعا من قوت بلد العبد ولو كان الاب في نفقة ولدين فالقول في إخراجهما الفطرة نه كالقول في السيدين وكذا من نصفه حر ونصفه رقيق إذا أوجبنا عليه نصف الفطرة على التفصيل الذى سبق فيه فعند ابن الحداد
[ ٦ / ٢٢٧ ]
يجوز أن يخرجا من جنسين وعند ابن سريج لا يجوز (الرابع) ان أوجبنا غالب قوت البلد وكانوا يقتاتون أصنافا مختلفة وليس بعضها أغلب من بعض فله أن يخرج ما شاء والافضل أن يخرج من الاشرف * ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفط الكتاب (أما) قوله ثم يتعين من الاقوات القوت الغالب معلم بالحاء (وقوله) وجنس قوته بالحاء والميم (وقوله) يتخير بالميم لما رويناه ويجوز اعلامها جميعا بالالف
[ ٦ / ٢٢٨ ]
وكذا اعلام قوله قبل هذا الفصل مما يقتات لان ابن الصباغ روى عن احمد انه لا يجوز أن يخرج الا من الاجناس الخمسة المنصوص عليها أي في حديث أبى سعيد (وقوله) القوت الغالب يوم الفطر التقييد بيوم الفطر لم أظفر به في كلام غيره وبين لفظه ههنا ولفظه في الوسيط بعض المباينة لانه قال فيه المعتبر غالب قوت البلد في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة (وقوله) وجنس قوته علي
[ ٦ / ٢٢٩ ]
الخصوص ظاهره يشعر بالعبارة الاولي من العبارتين الحاكيتين لوجود ابن حربويه وتسمية الاول والثانى قولين لا تكاد يوجد لغيره وانما حكاهما الجمهور وجهين (وأما) قوله وقيل يتخير فمنهم من حكاه قولا علي ما سبق (وقوله) ولو كان اللائق بحالة الشعير يتفرع علي اعتبار قوت الشخص دون اعتبار القوت الغالب وإن كان معطوفا علي ما يتفرع عليهما جميعا (وقوله) أخذ مما يليق يحاله يجوز إعلامه بالواو لاحد الوجهين
[ ٦ / ٢٣٠ ]
في الصورة الاولي انه يتعين إخراج البر (وقوله) ولو اختلف قوت مالكى عبد تفريع للمسألة علي اعتبار قوت الشخص وهو صحيح لكنها لا تختص بل تتفرع على أن المعتبر غالب قوت البلد أيضا على الوجه الذى تقدم واطلاق النوع في المسألة توسع والمراد الجنس * ﴿خاتمة﴾ في باب الفطرة مسائل ذات وقع منصوص عليها في المختصر أهملها المصنف ونحن
[ ٦ / ٢٣١ ]
لم نؤثر الاعراض عنها (احداها) إذا باع عبدا بشرط الخيار فوقع وقت الوجوب في زمان الخيار (إن قلنا) الملك في زمان الخيار للبائع فعليه فطرته وان أمضى البيع (وان قلنا) للمشترى فعليه فطرته وان فسخ البيع وان توقفنا فان تم البيع فعلي المشترى والا فعلي البائع وان تبايعا ووقع وقت الوجوب في مجلس الخيار كان كما لو وقع في زمان الخيار المشروط
[ ٦ / ٢٣٢ ]
(الثانية) لو مات عن رقيق ثم أهل شوال فان لم يكن عليه دين أخرج ورثته الفطرة عن الرقيق كل بقدر حصته وان كان عليه دين يستغرق التركة فالذي نقله المزني ان عليهم الفطرة من غير فرق بين أن يباع في الدين أو لا يباع وعن الربيع عن الشافعي ﵁ ان عليهم اخراج الفطرة ان بقى الرقيق لهم فجعلوا المسألة علي قولين إذا بيع في الدين * وجه الوجوب انه ملكهم الا انه غير مستقر وذلك لا يمنع وجوب الفطرة فانها تجب مع انتفاء الملك أصلا ورأسا فأولى أن تجب مع ضعف
[ ٦ / ٢٣٣ ]
الملك ووجه المنع ان ايجاب الفطرة مع نقصان الملك وكونه بعرض الزوال اجحاف بهم وبنى
الاكثرون المسألة أولا علي اصل وهو أن الدين هل يمنع انتفاء الملك في التركة الي الورثة فظاهر المذهب.
وهو نصه ههنا انه لا يمنع لانه ليس فيه أكثر من تعلق الدين به وذلك لا يمنع الملك كما
[ ٦ / ٢٣٤ ]
في المرهون والعبد الجاني وقال الاصطخرى يمنع وربما جعل هذا قولا ضعيفا للشافعي ﵁ ووجهه ان لله تعالى جده قدم الدين علي الميراث حيث قال (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فان قلنا بالاول فعليهم فطرته بيع في الدين أو لم يبع وفهمت من كلام الامام أنه يجئ فيه الخلاف المذكور في المرهون والمغصوب
[ ٦ / ٢٣٥ ]
(وان قلنا) بالثاني فان بيع في الدين فلا شئ عليهم وإلا فعليهم الفطرة وفى الشامل حكاية وجه مطلق انه لا شئ عليهم ويشبه أن يكون مأخذهما ما حكاه الامام ان أكثر المفرعين علي المذهب المنسوب الي الاصطخرى
[ ٦ / ٢٣٦ ]
يقولون بالتوقف أن صرف العبد إلى الدين بان انهم لم يملكوها وان أبرأ أصحاب الديون أو قضاها الورثة من غير التركة بان انهم ملكوها وان بعضهم قال بثبوت الملك للورثة عند زوال الديون ابتداء من غير اسناد وتبين وعن القاضى أبى الطيب ان فطرته تجب في تركة السيد علي أحد القولين كالعبد
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الموصي بخدمته هذا إذا مات السيد قبل استهلال الهلال وإن مات بعده ففطرة العبد واجبة عليه كفطرة نفسه وتقدم علي الوصايا والميراث وفى تقديمها علي الديون طريقان (أظهرهما) انه علي ثلاثة أقوال علي ما قدمناها في زكاة المال (والثانى) القطع بتقديم الفطرة لانها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كارش جنايته (وأما) فطرة نفسه فهى علي الاقوال وحكى القاضى الروياني طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضا لقلتها
[ ٦ / ٢٣٨ ]
في الغالب وسواء أثبتنا الخلاف أم لا فالمنصوص عليه في المختصر تقديم الفطرة على الدين وذلك انه قال ولو مات بعد ما أهل شوال وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبداة علي الديون ولك أن تحتج بهذا النص علي خلاف ماقاله الامام وتابعه المصنف لان سياقه يفهم أن المراد مااذا طرأت الفطرة علي الدين الواجب
وإذا كان كذلك لم يكن الدين مانعا منها وبتقدير الا يكون هو المراد لكن اللفظ مطلق يشمل ما إذا طرأت الفطرة علي الدين وبالعكس فاقتضى ذلك ألا يكون الدين مانعا (الثالثة) أوصى لانسان
[ ٦ / ٢٣٩ ]
بعبد ومات الموصي بعد مضى وقت الوجوب فالفطرة في تركته وان مات قبله وقبل الموصى له الوصية قبل الهلال فالفطرة عليه وان لم يقبل حتى دخل وقت الوجوب فعلي من الفطرة يبني علي أن الموصى له متى يملك الوصية (ان قلنا) يملكها بموت الوصي فان قبل فعليه الفطرة بلا شك وان رد ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو علي (أصحهما) الوجوب لانه كان مالكا للعبد إلى أن رد (والثاني) لا لعدم استقرار ملكه (وان قلنا) انها تملك بالقبول فيبنى علي أن الملك قبل القبول لمن يكون
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وفيه وجهان (أصحهما) انه للورثة فعلى هذا ففي الفطرة وجهان (أصحهما) انها عليهم (والثاني) لا لانا تبينا بالقبول ان ملكهم لم يستقر عليه (والوجه الثاني) انه باق على ملك الميت
[ ٦ / ٢٤١ ]
فعلى هذا لا تجب فطرته علي أحد لان إيجابها على الميت ابتداء بعيد وغيره غير مالك وفى التهذيب حكاية وجه آخر انها تجب في تركته (وان قلنا) بالتوقف فان قبل فعليه الفطرة والا فعلى الورثة هذا
[ ٦ / ٢٤٢ ]
كله إذا قبل الموصى له ولو مات قبل القبول وبعد وقت الوجوب فقبول وارثه يقوم مقام قبوله والملك يقع له فحيث أوجبنا عليه الفطرة لو قبلها بنفسه فهي في تركته إذا قبل وارثه فان لم يكن له
[ ٦ / ٢٤٣ ]
سوى العبد تركة ففى بيع جزء منه للفطرة ما سبق ولو مات قبل وقت الوجوب أو معه فالصدقة علي الورثة إذا قبلوا لان وقت الوجوب كان في ملك الورثة والله اعلم (واعلم) أن حجة الاسلام رحمه
[ ٦ / ٢٤٤ ]
الله وان أهمل هذه المسألة الثالثة في هذا الموضع الا انه أشار إليها اشارة خفيفة في آخر الباب الاول
[ ٦ / ٢٤٥ ]
من كتاب الوصايا وفقهها على الاختصار ما أتيت به *
[ ٦ / ٢٤٦ ]