[ ١٥٢ ]
- أولًا - فقد الماء:
-١- أن تيقن فقد الماء، تيمم بلا طلب
-٢- إن توهم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه (تقدم قولنا أن الشك والتوهم والظن، في اصطلاح الفقهاء، سواء، أما في اصطلاح الأصوليين فالتوهم: هو تخيل حدوث الشيء باحتمال دون ٥٠ والظن هو تخيل حدوث الشيء باحتمال أكثر من ٥٠، وقد توجد قرينة دالة على ذلك. والشك: هو تخيل حدوث الشيء باحتمال ٥٠) فتش في منزله وعند رفقته، وتردد قدر حد الغوث (حد الغوث: قدره بعضهم بغلوة سهم أي رمية سهم وتقدر ب ٣٠٠ - ٤٠٠ ذراع، وهذا يعادل ١٢٠ - ١٦٠ مترًا أو مسيرة ١/٣ ساعة، وسمي حد الغوث لكونه إذا استغاث رفقته لأمر نزل به أغاثوه مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال) فإن لم يجد تيمم
-٣- إن تيقن وجود الماء: وجب طلبه في حد القرب (وهو يعادل ٦٠٠٠ خطوة أو نصف فرسخ أو مسيرة ٣/٤ الساعة) فإن كان الماء فوق هذا الحد تيمم وصلى، والأفضل تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء آخر الوقت
والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه، فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده نظر حواليه، وإن كان معه رفيق سأله عن الماء.
فعلى فاقد الماء إذن أن يطلبه قبل التيمم ما لم يتيقن عدم وجوده، لقوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ ولا يقال " لم يجد" إلا بعد الطلب
شروط طلب الماء في حدي الغوث والقرب
(١) أن يأمن على نفس محترمة، والنفس المحترمة هي كل بني آدم إلا الشخص المحكوم عليه بالإعدام شرعًا (لامتناعه عن أداء ركن من أركان الإسلام، أو لارتكابه محرمًا عقوبته القتل كالزنى محصنًا أو قتل نفس ) والحربي، أما الكافر الذي تحت حمايتنا فهو نفس محترمة، وكذلك الكلب المرافق للحماية، والغنم والدواب كلها نفوس محترمة.
(٢) أن يأمن ضياع المال
(٣) أن يأمن الانقطاع عن الرفقة
(٤) أن يأمن خروج الوقت
(٥) ألا يطلب الماء إلا بعد دخول الوقت، لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه التيمم
ويجب على فاقد الماء طلب هبة الماء، يقول هبني ماء للوضوء، ولكن لا يجوز له طلب هبة ثمن الماء حفاظًا على كرامته، ويجب طلب إعارة دلو الماء دون طلب هبة الثمن
كما يجب شراء الماء بثمن مثله إن لم يحتج إلى هذا الثمن لسداد دين مستغرق (الذي يستغرق ماله كله، أما الدين الذي يغطي جزءًا من المال فقط فلا يحول دون شراء الماء أو لمؤونة سفره، أو نفقة حيوان محترم
ويجب أن يكون الماء - في حال وجوده - زائدًا عن حاجته وحاجة حيوان محترم للشرب ولو في المستقبل.
تعقيبات:
-١- لو وجد - بعد البحث - ماء لا يكفيه لكل أعضاء الوضوء أو الغسل وجب استعماله، ثم يتيمم للباقي، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قول: ( وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (البخاري ج ٦ / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ٢ / ٦٨٥٨) والميسور - عند الفقهاء - لا يسقط بالمعسور، فإن كانت الطهارة عن الحدث الأصغر طهر أولًا وجهه ثم يديه جريًا على الترتيب الواجب في الوضوء، أو كانت عن حدث أكبر ندب له الترتيب ندبًا، فيبدأ بغسل أعالي بدنه، ثم الأدنى فالأدنى.
-٢- لو كان محدثًا أو جنبًا وعلى بدنه نجاسة، ومعه ماء لا يكفي إلا لأحدهما تعين عليه غسل النجاسة ثم يتيمم للحدث، لأنه لا بدل للتطهر من النجاسة، بخلاف الحدث، ومثله لو كان محرمًا وعلى بدنه طيب ومعه ما يكفي أحدهما فقط، فيجب غسل الطيب ويتيمم للحدث، إن لم يمكن الوضوء به وجمعه لغسل الطيب فإن أمكن وجب فعله، ولو كان عليه نجاسة وطيب غسل النجاسة
-٣- إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب وحائض ومن على بدنه نجاسة، وهناك ما يكفي أحدهم فقط، فإن كان ملكًا لأحدهم فهو أجدر به، ولا يجوز له بذله لطهارة غيره (لأن الإيثار إنما شرع في حظوظ النفوس لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات) وإذا كانوا فيه شركاء فهم فيه سواء، ولا يجوز لأحدهم كذلك أن يبذل نصيبه لطهارة غيره سواء كان يكفيه أم لا، فإن كان مباحًا فالذي صححه إمام الحرمين أنهم فيه شركاء قطعًا بينهم بالسوية
-٤- ولو كان مع الميت ماء فخافت رفقته العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه
[ ١٥٣ ]
- ثانيًا - في المرض:
- يجوز للمكلف التيمم إذا خاف أن يؤدي استعمال الماء إذا ذهاب نفس (كأن يكون مصابًا بجرح بالغ، فإذا توضأ زاد قيحه فقتله) أو ذهاب منفعة عضو (كأن يحدث الماء شللًا في العضو) أو بطء شفاء، أو زيادة مرض (وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته) أو حدوث شين فاحش قبيح في عضو ظاهر (ما يبدو عند المهنة، وهو الوجه واليدان) لقوله تعال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج) ولما روى جابر ﵁ قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسال أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) " (أبو داود ج ١/ كتاب الطهارة ١٢٧/ ٣٣٦) ويعتمد في كون المرض مرخصًا في التيمم، وأنه على الصفة المعتبرة، على معرفة نفسه إن كان عارفًا وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل ولو كان امرأة أو عبدًا
[ ١٥٤ ]
- ثالثًا - في البرد:
إذا لم تنفعه تدفئة أعضائه بعد الوضوء، ولم يجد ما يسخن به الماء وخاف على منفعة عضو، أو حدوث شين من شدة البرد، جاز له التيمم. روى عمرو بن العاص ﵁ قال: "احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ قال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا" (أبو داود ج ١/ كتاب الطهارة باب ١٢٦/ ٣٣٤)
الحالات التي تعاد فيها الصلاة التي تيمم لها:
[ ١٥٥ ]
- تعاد الصلاة التي تطهر لها بالتيمم في الحالات التالية:
-١- إذا كان التيمم للبرد ثم وجد ما يسخن به الماء
-٢- إذا تيمم لفقد الماء في الحضر ثم وجده، لحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) (الترمذي ج ١ أبواب الطهارة باب ٩٢/١٢٤) ولأن عدم الماء في الحضر عذر نادر (احتراز عن المرض والسفر) غير متصل (احتراز المستحاضة. والعذر نوعان: عام ونادر، فالعام لا إعادة معه للمشقة كالمريض يصلي قاعدًا أو موميًا أو بالتيمم خوفًا من استعمال الماء، ومثله في هذا المسافر. وأما النادر فقسمان دائم غالب كالاستحاضة، وهذا لا إعادة فيه للمشقة والضرورة، وغير دائم غالبًا، وهو نوعان، نوع يأتي معه يبدل للخلل، ونوع لا يأتي، فمن الثاني فاقد الطهورين مثلًا، فهذا وأمثاله اجب عليهم الصلاة على حسب الحال ثم تجب الإعادة لندور هذه الأعذار. ومثال الأول من تيمم في الحضر لعدم الماء، أو لشدة البرد في السفر والحضر وغير ذلك مما تقدم تفصيله فهؤلاء وأمثالهم تجب عليهم الإعادة) فلم يسقط معه الفرض
-٣- إذا تيمم العاصي بسفره، كعبد آبق، أو قاطع طريق، أو امرأة سافرت بدون إذن زوجها، لأن العاصي بسفره لا يستبيح من رخص السفر شيئًا إذا عدم الماء، وعليه أن يعيد ما صلاه متيممًا متى وجد الماء.
-٤- إذا تيمم لفقد الماء في سفره، في مكان يوجد عادة فيه ماء في مثل ذاك الوقت من كل سنة، ولكن كان الماء مفقودًا حال وجوده بصورة استثنائية.
ففي حالات إعادة الصلاة المذكورة، إذا زال المانع ولم يزل هناك وقت لإعادة الفريضة التي أداها متطهرًا لها بالتيمم، نوى الصلاة أداء، فإن فات وقتها نواها قضاء.
[ ١٥٦ ]
- التيمم عن عضو من الأعضاء:
- إذا كانت العلة المرخصة في التيمم مانعة من استعمال الماء في جميع أعضاء الطهارة تيمم عن الجميع، فإن منعت بعضًا دون بعض غسل الممكن وتيمم عن الباقي، ثم في هذه الصورة تفصيل:
-١- التيمم عن العضو الجريح الذي لا ساتر عليه: يجب غسل الصحيح بقدر الإمكان، ويتيمم للجرح. (أما إذا كان في بدنه حبات الجدري أو بثرات منتشرة، فإن لم يلحقه ضرر من غسل ما بينها وجب غسله، وإن لحقه ضرر لم يجب) فإن كان الحدث أكبر تيمم إما قبل الغسل أو بعده، لأن الجسم كله كالعضو الواحد في الغسل وليس هناك ترتيب. أما إن كان محدثًا حدثًا أصغر فلا ينتقل من عضو إلى آخر حتى يكمله غسلًا، وتيممًا عنه، لفرضية الترتيب، ولا فرق بين تقدم الغسل على التيمم أو العكس، وإن كانت الجراحة في عضوين وجب تيممان، وإن كانت في ثلاثة وجب ثلاثة أما اليدان أو الرجلان، فإن كانت فيهما كليهما جراحة لم يجب إلا تيمم واحد عنهما، لكن يستحب أن يعتبرهما عضوين فيتيمم عن كل واحدة بعد غسل الصحيح منها أو قبله، ولا يجب مسح الجرح بالماء أو التراب إن كان الجرح في غير أعضاء التيمم، ولو لم يضره، أما إن كان في أعضاء التيمم فيجب مسح الجرح بالتراب إ لم يكن في ذلك ضرر، أما إن تضرر بالمسح بالتراب كمن جدر وجهه، فله حكم فاقد الطهورين بالنسبة لوجهه (ومثله من كان في وجهه أو يديه، أو كل أولئك معًا، أكزيما أو شبهها، فإن له فيما يتضرر بالتراب من أعضائه حكم فاقد الطهورين، ويسقط عنه الفرض) ويأتي بالمقدور عليه من مسح اليدين، بناء على ما هو معروف في قواعد الفقه من أن المشقة تجلب التيسير، ويعيد الصلاة عند التمكن من استعمال أحد الطهورين. ولا تجب إعادة الصلاة في جميع أحوال التيمم عن العضو الجريح الذي لا ساتر عليه، لأنه مما تعم به البلوى ويكثر، كالمرض إلا في الحالة التي استثنينا أعلاه، وإن كان في جرحه دم كثي غير معفو عنه ويخشى ن غسله ضررًا، فتجب الصلاة لحمله النجاسة.
-٢- المسح على الجبيرة:
التعريف: الجبيرة أخشاب أو قصب تسوى وتشد على موضع الكسر ليلتئم، وينزل منزلة الجبيرة في الحكم العصابة واللصوقات والمراهم (المقصود هنا: المراهم التي تشكل عند جفافها طبقة كتيمة عازلة) ونحوها.
ولا يجوز وضع الجبيرة على شيء من الصحيح، إلا القدر الذي لا يتمكن من ستر الكسر إلا به، ويجب أن يضعها على طهر، فإن خالف فيهما، ولمن يخف ضررًا وجب نزعها، ثم يلبسها على طهارة ويجعلها بقدر العلة تمامًا، مع ما يلزم للاستمساك.
كيفية طهارة لابس الجبيرة: يجب نزع الجبيرة إن لم يخف من نزعها ضررًا، فإن خاف (والخوف المعتبر هو ما سبق بيانه في المرض المبيح للتيمم) فليفعل ثلاثة أمول: غسل الصحيح من باقي أعضائه، وكل ما يقدر عليه من أطراف الجبيرة، والتيمم عن ما تحت الجبيرة، وامسح على كال الساتر بالماء، لحديث جابر ﵁ فيمن شج رأسه، وقد تقدم، وفيه: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)
[ ١٥٧ ]
- الصلاة المؤداة وقت وضع الجبيرة متى تعاد ومتى لا تعاد:
أولًا - حالة كون الجبيرة في عضو من أعضاء الوضوء، أو الغسل، غير أعضاء التيمم:
-١- إن كانت الجبيرة بقدر العلة تمامًا فليس عليه أن يعيد، سواء كانت موضوعة على طهارة من الحدثين أم لا
-٢- إن كانت الجبيرة زائدة عن العلة بقد الاستمساك فقط، وكانت موضوعة على طهارة من الحدثين، فلا إعادة
[ ١٥٨ ]
٣- إن وضعها على غير طهارة، وكانت زائدة عن العلة، ولو بقدر الاستمساك فتجب عليه الإعادة
-٤- إن وضعها على طهارة، وكانت زائدة عن قدر الاستمساك، فعليه الإعادة
-٥- إن لم يتعذر نزعها، ولم ينزعها، وجبت عليه إعادة الصلاة.
ثانيًا - حالة كون الجبيرة في أعضاء التيمم: تجب إعادة الصلاة، سواء وضعت على طهارة أم لا، وسواء أخذت من الصحيح شيئًا أم لا.
[ ١٥٩ ]