قال في (التتمة) إن المستحب لزائر القبور، أن يقول وعليكم السلام، ديار قوم مؤمنين، ولا يقل السلام عليكم، لأنهم ليسوا أهلا للخطاب، قال ابن الأستاذ وهذا مخالف للخبر الصحيح. انتهى.
وكأن صاحب التتمة: أخذ بالحديث المشهور، في الرجل الذي سلم عن النبي ﷺ (فقال لا تقل عليك السلام فإنها تحية الموتى).
[ ٤٤٦ ]
هل الأفضل ما ذكره صاحب التتمة، أو المشهور؟ لأنه ورد في معرض التعليم، وحديثه أصح. والمسئول بيان ذلك، أحسن الله إليكم.
الجواب: (الحمد لله)
هذا الذي قال صاحب التتمة، سبقه إليه شيخه القاضي حسين، وذكر المتولى هذه المسألة في باب الجمعة، واستدل بأنهم ليسوا أهلا للتحيات، ولم يذكر الحديث.
وما قاله المتولي وشيخه، ليس بصحيح، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ (كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ، يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول/: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) رواه مسلم.
وعنها قالت: قلت كيف أقول يا رسول الله؟ قال (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، رحم الله المستقدمين منا، والمستأخرين) وإنما إن شاء الله بكم للاحقون. رواه مسلم.
وعن بريدة بن الخصيب قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم، إذا
[ ٤٤٧ ]
خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، السلام على أهل الديار.
وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه (فقال السلام عليكم يأهل القبول، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر). رواه الترمذي وقال حسن غريب.
فهذه أحاديث متظاهرة متضافرة، قولا وفعلا، تقتضي أن السنة أن
[ ٤٤٨ ]
يقول السلام عليكم كما في الحياة. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة السلام على أهل الديار، وهو موافق على تقديم لفظ السلام، ولكنه لم يجئ بالخطاب وإنما جاء بالغيبة، ومثله في حال الحياة لا يستحق الجواب، (على ما قاله: القاضي حسين، فإنه قال: لو قال سلام اله تعالى على الشيخ، لا يستحق الجواب) لأنه لم يخاطبه بالسلام إذ في الشيوخ كثرة، وهكذا لو قال في الرد، وعلى الشيخ السلام لا يسقط عنه فرض الرد لما بيناه.
قلت، وفي التعليل بأن في الشيوخ كثرة، يقتضى أنه لو أراد المعهود استحق، والتعليل بعدم الخطاب ينفيه، وإضافة السلام/ إلى الله لا يمنع، فإنه قال قبل ذلك، لو قال سلام الله عليك يستحق الجواب، فلعل اللفظ الوارد في رواية ابن أبي شيبة اختير، لأن الأموات لا يجيبون. وأما حديث لا تقل عليك السلام، فرواه أبو تميمة الهجيمي واسمه طريف بن مجالد عن رجل من قومه، قال طلبت النبي ﷺ فلم أقدر عليه، فجلست
[ ٤٤٩ ]
فإذا نفر هو فيهم ولا أعرفه وهو يصلح بينهم فلما فرغ، قام معه بعضهم، فقالوا يا رسول الله فلما رأيت ذلك، قلت عليك السلام يا رسول الله عليك السلام قال (إن عليك السلام تحية الميت) ثم أقبل على فقال: (إذا لقى الرجل أخاه المسلم، فليقل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
ورواه أبو تميمة الهجيمي أيضا عن أبي جرى جابر بن سليم ويقال سليم ابن جابر قال أتيت النبي ﷺ، فقلت عليك السلام، قال: (لا تقل عليك السلام، ولكن قل السلام عليك)، وذكر قصة طويلة رواهما الترمذي وقال في الثاني وهذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي.
ولنا في الجواب عنه ثلاث طرق، أحدهما: أنه وإن كان حديثا جيدا، فإن الأحاديث المتقدمة أصح منه وأكثر فترجح عليه. الثاني: أنه يجوز ي السلام على الموتى الأمران تقديم السلام، وتأخيره، لأنهم لا يردون، والحي ليس فيه إلا تقديم السلام، فلذلك نهى عن تأخيره، ثم الأفضل في حق المسلم على الميت أيضا التقديم، عملا بالأحاديث المتقدمة، فالميت شارك الحي فيما هو الأفضل في حقه، واختص عنهم بالتأخير.
[ ٤٥٠ ]
الثالث أن يكون المراد من قوله تحية الميت إضافة المصدر إلى الفاعل لا إلى المفعول، معناه أن عليك السلام، (هي التحية التي يرد بها الميت على الحي، ولا يتأتى في حقه غيرها، لأنه لا يبتدئ بالسلام) وأما الحي فإنه تارة يبتدئ وتارة يرد/، فإذا ابتدأ، ينبغي أني قدم السلام، ليحصل الأمانة منه بأول لفظه. والله أعلم.
[ ٤٥١ ]