قال: في (الروضة) في الخصائص ومنه تفضيل زوجاته على سائر النساء، إن أراد بسائر الباقي، كما هو المشهور، فمن المفضلات عليهن.
وإن أراد بها الجميع على اللغة الأخرى، فما الدليل عليه؟ وهل مراده نساءالأمة، أو نساء بني آدم ﵇؟
وهل قال أحد إن أحدا من نسائه ﷺ أفضل من فاطمة ﵂، غير خديجة
[ ٢١٨ ]
وعائشة رضوان الله عليهما.
والمسئول بيان ذلك.
الجواب (الحمد لله)
مراده بسائر الباقي، ولايصح هنا أن يريد الجميع، لأنه يلزم منه تفضيلهن على أنفسهن، لأنهن من جملة جميع النساء، فالسؤال عن ذلك عجب، وطلب الدليل عليه أعجب، ولعل مراد السائل الترديد بين مجموع الباقي وبين كل فرد منه، فإنه عبارة الروضة محتملة لذلك، وعبارة الرافعي مثل الروضة.
ووجه الاحتمال أن النساء جمع معرف بالألف واللام (وهو محتمل للأمرين. وقاعدة دلالة العموم ترجح كل فرد، وكذا الاحتمالان في
[ ٢١٩ ]
زوجاته، لأنه جمع مضاف، والمضاف كالمعرف بالألف واللام.
والذي ينبغي حمله عليه كل فرد من المفضل والمفضل عليه معًا.
وقد نصت الآية الكريمة عليه، في جانب المفضل عليه في قوله تعالى (لستن كأحد من النساء).
وقول السائل: هل مراده نساء الأمة، أو نساء بني آدم، وجوابه أن القاضي حسين قال: نساؤه أفضل نساء العالمين.
والمتولى قال: زوجاته خير نساء هذه الأمة.
وقول الروضة سائر النساء محتمل لهما، يحتمل أن يريد على باقي نساء هذه الأمة، ويحتمل أن يريد على باقي النساء، كلهن من هذه الزمة وغيرها، والاحتمالان المذكوران فيما يفهمه من معنى قوله تعالى (يا نساء النبي بتسن كأحد من النساء إن اتقيتن).
والظاهر أن مراد العموم من هذه الأمة وغيرها، وقد يؤيده أن هذه الأمة خير الأمم، فنساؤها خير نساء الأمم، والتفضيل على الأفضل تفضيل على من دونه، بطريق الأولى /.
[ ٢٢٠ ]
وفي هذا بحث من جهة: أن التفضيل لجملة هذه الأمة وتفضيل الجملة على الجملة، لا يقتضي كل فرد (على كل فرد، فقد يكون في الجملة المفضولة واحدة أفضل من كل فرد) من الجملة الفاضلة، ويكون في باقي الجملة الفاضلة أفراد كثرة مجموعها أفضل من باقي الجملة المفضولة أو من كلها.
وإذا فهمت هذا، فانظر إلى الآية الكريمة تجدها اقتضت التفضيل على كل فرد، لا على الجملة، فإن حملناها على العموم، اقتضت تفضيل نساء النبي ﷺ على كل فرد، من جميع النساء فيلزم أن لا يكون في أحد من النساء المتقدمة نبية للإجماع على أن النبي أفضل من غير النبي وقد اختلفوا في مريم هل هي نبية أو لا وكذلك في غيرها، في أم موسى
[ ٢٢١ ]
وآسية، فإن ثبتت امرأة، فإما أن يكون عاما مخصوصا، وإما أن يكون المراد نساء هذه الأمة.
وقد قال ﷺ: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع» فذكر منهن مريم وخديجة، ولا شك أن خديجة ليست نبية فلا دلالة في الحديث على كون مريم نبية أو غير نبية.
بقي بحث آخر، وهو أن الآية الكريمة نصت على الإفراد بقوله: كأحد وهو عام، لأنه نكره في سياق النفي، ولا شك أنه إذا أخذ، واحد واحد، كان مفضلا عليه، وإذا أخذ المجموع، لم يلزم ذلك فيه.
وإذا أخذت جملة من آحاد المجموع، احتمل أن يقال: إن (أحدا) بعمومه يشملها، ولا يخرج عنه إلا المجموع لضرورة التبعيض.
فهذا البحث ينبغي أن ينظر فيه، ويكمل ما يقتضيه، ولا شك أنك إذا قلت ما جاءني من أحد من الناس، اقتضى نفي مجيء كل واحد منهم مطابقة واقتضى نفي مجيء المجموع التزاما، وأما اقتضاؤه لنفي مجيء جملة منهم فهل هو بالالتزام كالمجموع أو بالمطابقة؟ لأن أحدا بمنزلك بعض، واحدا
[ ٢٢٢ ]
كان أو أكثر؟ هذا محل نظر، والضمير في لستن لنساء النبي ﷺ، والظاهر أن المراد كل فرد أيضا وإن كانت / الصيغة محتملة للمجموع.
وقد قال القرافي: إن الضمائر عامة والظاهر بحسب ما تعود عليه وهي هنا لجمع مضاف، فهي بحسبه وهو عام يدل ظاهرا على كل فرد ومحتمل للمجموع، فضميره كذلك، فإن جعلناه للمجموع، فمعناه أن جملة نساء النبي ﷺ أفضل من كل جمع من النساء قل أو كثر، وهذا نتيجة البحث المتقدم، فإن أحدا يجيء هنا بمعنى بعض متكمنة، وإن جعلناه لكل فرد فمعناه أن كل واحدة من نساء النبي ﷺ أفضل من كل واحدة من النساء، ويبقى تفضيل كل واحدة منهن على كل جمع النساء على البحث المتقدم.
وأما تفضيل كل واحدة منهن على مجموع النساء سواهن، فاللفظ ساكت عنه، وقد ظهر بهذا أن نساء النبي ﷺ، مفضلات على نساء هذه الأمة وكذا على نساء سائر الأمم، إن جعل اللفظ على عمومه، وإن لم يكن في النساء نبية، لكن في هذا إشكالا، من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن فاطمة (﵂) أفضل كما سنبينه، ولا جواب
[ ٢٢٣ ]
إلا تخصيص اللفظ بها، أو نقول إنها داخلة في نساء النبي ﷺ، لأنها ابنته، وهي معهن داخلة في اسم النساء ف الجملة والإضافة مختلفة فيها، بمعنى البنوة، وفيهن بمعنى الزوجية.
الثاني: أن الخطاب للنساء الموجودات حين نزول الآية الكريمة، فيلزم أنهم أفضل من خديجة، ولا خلاف أن خديجة أفضل من بقيتهن بعد عائشة، وجوابه أن خديجة داخلة في جملة نساء النبي ﷺ، وإن لم تكن مخاطبة، ولكن دل الخطاب على أن التفضيل إنما حصل للمخاطبات بكونهن نساء النبي ﷺ، وهذا الوصف حاصل في خديجة فلا تخرج عن حكمه.
الثالث: أنه يلزم تفضيل حفصة، وأم سلمة،
[ ٢٢٤ ]
وزينب، وميمونة، وصفية، وسودة، وجويرية،
[ ٢٢٥ ]
وأم حبيبة، على نساء سائر الأمم إذا جعلنا النساء للعموم.
ولا شك أن مريم أفضل من هؤلاء الثمان، لقوله ﷺ، (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع)
فذكر مريم وخديجة.
وجوابه: أن يلتزم التخصيص لذلك، عند هذا أقول: إن الآية الكرية تضمنت تعظيم قدر نساء النبي ﷺ بأمور:
منها (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما)
[ ٢٢٦ ]
وكلهن محسنات، فعلمنا أن الله أعد لهن أجرا عظيما عنده، ويصغر في عين العظيم العظايم، فعظم الأجر المعد لا يعلم كنهه إلا الله.
،منها: أنهن يؤتين أجرهن مرتين، وهذا لم يحصل لغيرهن، إلا للثلاثة المذكورين في القرآن والحديث.
ومنها: (وأعتدنا لها رزقا كريما) والشهداء أثنى عليهم، بآنهم عند ربهم يرزقون، وهؤلاء زادهم مع الرزق كونه كريما.
ومنها المفاوتة بينهن وبين غيرهن، وإرادة الله إذهاب الرجس عنهن ويطهرهن تطهيرا مؤكدا.
وما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وليس في الآية إلا ذلك، وشرفهن بانتسابهن إلى النبي ﷺ، وإنافة قدرهن بذلك حتى يفارق صفاتهن صفات غيرهن.
وليس في الآية تصريح بما أراده الفقهاء أو تكلموا فيه من التفضيل حتى يتكلف النظر بينهن وبين مريم ﵍، فنقول ما قاله
[ ٢٢٧ ]
الله، ونسكت عما سكت عنه.
وقوله: هل قال أحد: إن أحدا من نسائه ﷺ، أفضل من فاطمة ﵂، غير خديجة وعائشة ﵄؟
جوابه: قال بذلك من لا يعتد بقوله في ذلك، وهو الذي يقول: إن أفضل الصحابة زوجات النبي ﷺ، لأنهن في الجنة معه، في درجته التي هي أعلى الدرجات، وهذا قول ضعيف، مردود ساقط لا مستند له، من نظر ولا نقل.
وأما فاطمة وخديجة وعائشة فالذي أختاره وندين الله به، أن فاطمة أفضل ثم خديجة، ثم عائشة، ولم يخف عنا الخلاف في ذلك، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل./
والحجة في تفضيل فاطمة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لها: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمين، أو سيدة نساء هذه الأمة).
[ ٢٢٨ ]
وروى النسائي، من حديث داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر اليشكري، عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ، قال: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)
[ ٢٢٩ ]
وداود بن أبي الفرات، وعلباء بن أحمر ثقتان، فالحديث صحيح، وهو صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة.
والحديث الأول، يدل لتفضيلها على أمها.
وقد قال ﷺ: (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها)
وأما تفضيل خديجة، على عائشة، فبهذا الحديث، وبقوله ﷺ في الصحيح: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد).
[ ٢٣٠ ]
والضمير قيل إنه للسماء والأرض، ويؤيده ما ورد من الإشارة إليهما، وعلى هذا يكون المراد خير نساء الدنيا، وهويقتضي أن مريم وخديجة، أفضل النساء مطلقا، فمريم أفضل نساء زمانها، وخديجة أفضل نساء زمانها، وليس في تعارض، لفضل أحداهما على الأخرى.
وقد علمت أن مريم اختلف في نبوتها، ولا شك أنها إن كانت نبية فهي أفضل، ويهشد لنبوتها ذكرها في سور الأنبياء معهم هو قرينةوإن لم تكن نبية، فالأقرب أنه أفضل أيضا لذكرها في القرآن وشهادته بصديقيتها.
وقال ﷺ (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) قيل إنما قال: ركبن الإبل، لأن مريم لم تركب بعيرا قط.
وزمان خديجة إن كان المراد به زمان ملتها، احتجنا إلى تخصيصه
[ ٢٣١ ]
بفاطمة، وإن كان المراد به زمان وجودها قفد يقال: عائشة لم تكن في ذلك الوقت، فلا يدل فضل خديجة على عائشة، فالحديث الأول كان في الاستدلال.
وقد اختلف في نبوة نسوة غير مريم، كأم موسى، وآسية، وحواء، وسارة، ولم يصح عندنا في ذلك شيء / إلا أن رسول ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)
و(فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
والحديث الذي فيه خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة (لم يتعرض في لآسية، ولا يؤخذ منه حكمها لأنها ليست في زمانها).
وفي قوله: خير نسائها مربم، وجه آخر، وهو أن الضمي يعودعلى مريم، وتكون كلمة مريم مبتدأ وكذا خديجة، والتقدير: مريم خير نساء مريم، وخديجة خير نساء خديجة وإضافة النساء إليهما، كإضافتهن في قوله تعال:
(أو نسائهن) ويعود شرحه إلى ما سبق، إما نساء زمانها
[ ٢٣٢ ]
أو نساء ملتها.
وفي الصحيح عن عائشة: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة).
وفي غير الصحيح: (ما أبدلني الله خيرا منها).
ولا شك أنها أول من آمن بالنبي ﷺ، وظهر عنها في ذلك الوقت من العقل، والنور ما لا يخفى.
وقال ﷺ: (إني رزقت حلها، ووالله إني لأحب عائشة محبة كثيرة، لفضلها وفقهها)
ولمحبة رسول الله ﷺ إياها ولأمره بمحبتها كما سأذكره وما كنت اشتهي
[ ٢٣٣ ]
أن أقدم عليها أحدا، ولكن تكلمت بما تقتضيه الأدلة.
والحديث الذي أشرت إليه بالأمر بمحبتها، في الصحيح لم جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ: (وقال لها ألست تحبين ما أحب؟ قال بلى قال فأحبي هذه يعني عائشة).
وهذا الأمر لا صارف لحمله على الوجوب، وحكمه ﷺ على الواح حكمه على الجماعة، ويلزم من هاتين المقدمتين، وجوب محبتها على كل واحد، وقال ﷺ فيها ما لا يحصى من الفضل ونطث القرآن في أمرها بما لم ينطق به في غيرها.
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ: (بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت أي الناس أحب / إليك؟ قال: عائشة، قلت من الرجال قال أبوها، قلت ثم من؟ قال: عمر، فعد رجال).
[ ٢٣٤ ]
وقد قال المتولى من أصحابنا، تكلم الناس في عائشة وفاطمة، أيهما أفضل، والأولى للعاقل، أن لا يشتغل بمثل ذلك.
وحكى عن الصعلوكي: أنه قال: من أراد أن يعرف التفاوت بينهما، فليتأمل في زوجته وبنته. وتكلموا في خديجة وعائشة.
قال قوم: خديجة أفضل، وقسل عائشة أفضل هذا كلام المتولى،
وأما بقية أزواج النبي ﷺ فلا يبلغن هذه المرتبة، وإن كن خير نساء الأمة بعد هؤلاء الثلاث، وهن متقاربات في الفضل، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله، ولكن نعلم لحفصة بنت عمر من الفضائل كثيرا، فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة، والكلام في التفضيل صعب، ولا ينبغي التكلم إلا بما ورد، والسكوت عما سواه وحفظ الأدب، رضي الله عن الجميع، ورزقنا محبتهم ونفعنا بهم
[ ٢٣٥ ]