(٢٢) وسئل المزني عن قول النبي صلى الله عليه: «من قطع سِدْرةً صوَّبَ الله رأسه في النار»، فقال: إن ثبت أن النبي قاله فيُشْبِه أن يكون سُئل مَنْ هجَم على قطع سدرةٍ للرجل أو ليتيم أو لمن حرّم الله عليه أن يقطعها عليه، فتحامل عليها وقطعها بعد نهي الله ﷿ أو نهي رسوله صلى الله عليه أو بدلالة، فيستحق ما قال بهجومه على خلاف الله أو رسوله، فتكون المسألة سبقت السامع للجواب، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة، فأدى ما سمع دون ما لم يسمع، نظير ما روى أسامة أن رسول الله قال: «إنما الربا في النسيئة»، فيحتمل مخرج ذلك أن يكون رسول الله سئل: هل في الذهب بالذهب مِثلًا بمثل ربا؟ فقال: «إنما الربا في النسيئة»، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل، يدًا بيد».
والدليل على قطع السِّدرة عندي وبالله التوفيق: أن المرء أحق بماله، وأنه جائز له أن يجعل جِنانَه دارً يسكنها، فيقطع ما فيها من الشجر، السدر وغيره، ولمّا لم أرى أحدًا يمتنع مِنْ ورق السدرة - والورق من الشجر بعضها كالغصن فيها - وقد سوى رسول الله فيما حرم قطعه بينه وبين عَضْده بقوله في شجر مكة: «لا يُعْضَد شجرُها» فكأن العَضْد في معناه القطع في النهي، وقد أجاز النبي أن يغسل بالسدر دليل على أنه لو كان قَطْعُه من شجره حرامً [كذا] ما أجاز الانتفاع بما يحرم قطعه، وفي ذلك دليل على إباحته، ولو جاز ألا أفارق لفظ الحديث بلا دلالة من حديث غيره ولا إجماع ولا ما نقلته خاصة العلماء، فالقبول ألزم من طرح الاستدلال.
_________________
(١) العنوان من زيادتي على الأصل.
[ ٣٤٢ ]
(٢٣) وقد قال رسول الله: «أنت ومالُكَ لأبيك»، فلو لم يستدل بتأويل كان له بيع ابنه كما يبيع عبده ومال عبده، ولا يحل لابنه وطء جوار (^١) نفسه لأن الفرج لغيره، ومتى مات ورث الجد بقدر مورثه من مال الابن الحي، ولبطل بيع الابن وشراه إلا بإذن أبيه، وإذا مات الابن لم يرثه ابنه ولا زوجته ولا ولده؛ لأنه لا مال له وإنما هو لأبيه، ونحو هذا كثير، فتأويل «أنت ومالك لأبيك» عندي وبالله التوفيق: أن ألزَمَه ﵇ من بِرِّه بأبيه أن لا يمتنع مما أراد أبوه من نفسه وماله، إلا أن يسأل شططًا أو مُحَرَّمًا، فلا يكون ذلك من البِرِّ الذي يلزمه، لا (^٢) أنَّ مخرَجَه أنه وماله ملك لأبيه.
(٢٤) ونظير ذلك أيضًا: ما نهى عنه صلى الله عليه عن بيع الماء؛ لأنه لا خلاف عندنا أن بيع ما حوته آنية الرجل حلالًا [كذا]، فكان مخرجه عندنا نهيً خاصًّ، وهو غير بيع الماء في مكانه الذي خُلِق فيه؛ كقوله: «لا يمنع أحدكم فضل الماء ليَمنع به»، فأباح ذلك لمن يَرْعى في الكلأ، ونهى أن يمنع فضل الماء؛ لأن في منْعِه منعَ إقامة الماشية على الكلأ؛ لأنه لا قوام لها إلا بالماء، فأما مَنْ اسْتَقَى بدلوه، أو أخذها بقُلَّتِه، فقد صار هذا بعينه مِلْكًا له، يبيعه ويورَثُ عنه.
(٢٥) ومنها: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه نهى في الصلاة عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوطِّنَ الرجلُ المقام كإيطانِ البعير.
قال المزني: مخرج هذا النهي عندي وبالله التوفيق على وجهين: أحدهما - أن لا يحتظر الموضع بالإيطان، فيمتنع غيره منه، فيصير كالمالك، وأما المسجد وكل موضع منه لمن سبق إليه، فلا يختص به في
_________________
(١) هكذا أثبته على التوهم، وهو غير واضح في الأصل، وظاهر رسم ما في الأصل: «وطرجوا».
(٢) ظاهر ما في الأصل: «الا».
[ ٣٤٣ ]
منع غيره، والوجه الآخر - أن يرى إيطانه أعظمَ لأجره، فنال الثواب بالإيطان. والحجة في ذلك: أن كل موضع في المسجد نظير مِثْلِه، وأن الناس فيه شَرَعٌ، ولولا ذلك كما وصفت إن شاء الله لما جاز للرجل أن يصلي مرارًا متوالية في مكان واحد في المسجد ليس فيه غيره، ولا من يؤذيه بالصلاة فيه، ولَمَا جاز أن يجعل الرجل في منزله قبلة يوطن الصلاة فيها، وفي ذلك دليل على ما قلنا، وبالله التوفيق.
(٢٦) ومنها: أن مَخْلَد بن خُفَاف قال: إن عبدًا كان بين شركاء فباعوه ورجلٌ من الشركاء غائبٌ، فلما قدم أبَى أن يجيز، فاختصموا في ذلك إلى هشام بن إسماعيل، فقضى أن يرد العبد ويتبعه القوم فيؤخذ منه الخراج، فوجد الخراج فيما مضى من السنين ألف درهم، قال: فبيع غلامان لي، قال: فجئت عروة بن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله قال: «الخراج بالضمان»، قال: فدخل عروة على هشام فحدثه ذلك، فرَدّ بيع الغلامين ورَدّ الخراج.
قال المزني: وروى الشافعي أن مخلد بن خفاف ذكر لعروة في عبد ابتاعه فأصاب به عيبًا فقُضِي عليه برَدِّه ورَدِّ غلته، فقال عروة: قضى رسول الله في مثل هذا أن الخراج بالضمان، وهو الذي روى الحديث عن عائشة، وفيه زيادة قوله: «في مثل هذا»، وهو البيع الحلال الذي مَلَكَه المشترِي فحدثت الغَلَّة في مِلْك المشتري عما اشترى، لم يكن ذلك في ملك البائع قط، فلما أصاب به عيبًا رده لأنه المشتَرَى، ولم يرد غلتَه لأنها لم تُشْتَرَا [كذا]، وملكه كان حِلًّا، فما اكتسب ملكُه الحلَّ كان مثله حلًّا، ومن ذلك يشتري غصبًا أو غصب رجل عبدًا أو اشترى شراءً فاسدً، فلم يَمْلِك شيئًا من ذلك، فيَمْلِكَ غلته، فعليه رَدُّه ورَدُّ غلَّتِه؛ لأنه في ملك غيره.
[ ٣٤٤ ]
وكذلك ما اكتسب فرع لملك غيره، فنظير ما ملكْتُ مِنْ حلٍّ أو اكتسَبْتُه أحِلَّ، ولا يطيب ما كان مِلْكُه لغيري حِلٌّ وعليَّ حرامٌ [كذا]، ومن زاد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه معناه فهو مثْبِتٌ، ومَن لم يأتِ به فليس بحجة على مَنْ أتى به؛ كما روى بلال عن رسول الله في البيت وكان معه أسامة وعثمان بن طلحة، وقال غيره: «لم يفعل»، وكما روى ابن عمر وغيره أن النبي كان يرفع إذا كبر للافتتاح وإذا رفع رأسه من الركوع، وروى ابن مسعود أنه كان يرفع في أول مرة ثم لا يعود، فكان مَنْ يُثْبِت شاهدً، ومَن لم يُثْبِت غيرَ شاهدٍ، كان مغفَّلً، ألا ترى لو أن رجلين شهدا على رجل أنه قال: «امرأتي طالق ثلاثًا»، وشهد آخران معهما بما شهدا به عليه، وزادا في شهادتهما بأنه وصل: «إن دخلت الدار» .. أنه لا طلاق عليه؛ لزيادة الشاهدين ما زاد من الخبر في شهادتهما، ولا معنى للذَيْن قطعا بالطلاق، ولسقوط علم ما أثبته غيرهما، فكذلك قلنا في الخبر: من زاد معنى عن رسول الله صلى الله عليه كان شاهدً، ومن لم يُثْبِتْه لم يكن له في ذلك معنى.
(٢٧) ومنها: ما روي عن عامر الشعبي، قال: عن جابر بن عبدالله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، قال: فلحقني رسول الله فضربه، وقال: «سِرْ»، فسار سيرًا لم يكن يسير مثله، ثم قال: «بعنيه بأوقية»، فبعته منه بأوقية واستثنيت حُملانه إلى أهلي، فلما بلغت أهلي أتيته بالجمل، فنَقَد ثمنه، فرجعت، فأرسلَ على إثْرِي، فقال: «أترى إنما ماكَسْتُك لآخذَ جملك، خذ جملك ودراهمك فهما لك»، والمُطَّلِب بن حَنْطَبٍ عن جابر بن عبدالله، قال: اشترى رسول الله مني بعيرًا وأَفْقَرني ظهره إلى المدينة.
[ ٣٤٥ ]
قال المزني: يحتمل هذا وجوهًا: منها - أن يكون هذا كان جائزًا قبل أن يقول ﵇ في اشتراط سادة بريرة على عائشة بأن الولاء لهم: «ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل»، ومعنى من أعتق .. أن له الولاءَ، ومعنى من ملك بعيرًا .. أن له الظهرَ، فيكون ما قال جابر منسوخًا، ويكون ما أبان رسول الله من فساد الشرط ناسخًا، ومنها - أن يكون وعد جابرً على غير عقدٍ، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، ومنها - أن لا يكون وعد، وكان الشِّرى مطلقًا، ولا وعد قبل ذلك، فلما اشترى رسول الله تفضل بظهره على جابر، ولا أعلم خلافًا بين المسلمين أن مَنْ ملَكَ بعيرًا أن له ركوبَه وبيعَه وإكراءَه، وأنه لا يجوز أن يشترط مَنْعَه مما له في عُقْدة الشِّرى، وفي ذلك دليل على أحد الوجوه التي وصفنا، وبالله التوفيق.
(٢٨) ومنها: ما روي عن جابر، قال: كان لنا فضول أرض، فقال لنا رسول الله: «من كان له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، أو ليدع».
قال المزني: يحتمل ما احتمل حديث أسامة عن النبي صلى الله عليه: «إنما الربا في النسيئة»، سُبق بالمسألة وسَمِع الجواب، فقد يحتمل أن يكون النبي سُئل عن المخابرة التي كانوا يفعلونها، فقال النبي: «من كان له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، أو ليدع»، يقول النبي: تَرْكُها خير من أن يخابرها؛ لأن المخابرة إكْرَى الأرض عندنا ببعض ما يخرج منها، فيكون كراءً فاسدً وغررًا مجهولًا، فنهى النبي عن ذلك، والدليل على ذلك: أن رافعًا روى أن النبي صلى الله عليه نهى عن إكراء الأرض، قيل له: أبالذهب والورق؟ فقال: لا، وهذا جواب عن رسول الله صلى الله عليه، وقد أجاز العلماء كِرَى الدور، والأرضين [كذا] مثلها في القياس.
[ ٣٤٦ ]
(٢٩) ومنها: ما روي عن عبدالله بن الديلمي، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه برأس الأسود العَنْسي الكذاب، فقلنا: يرسول الله، قد علمت مَنْ نحن؟ ومِن أين نحن؟ فإلى مَنْ نحن؟ قال: «إلى الله وإلى رسوله»، فقلنا: يرسول الله، إن لنا أعنابًا فما نصنع بها؟ قال: «زبِّبُوها»، قلنا: فما نصنع بالزبيب؟ قال: «انبذوه على غدائكم، واشربوا على عشائكم، وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم، وانبذوا في الشِّنان، ولا تنبذوا في القِلال؛ فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًّا».
قال المزني: ليس في قوله: «انبذوا على غدائكم واشربوه على عشائكم، وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم» إيجاب تحريم شربه بعد ذلك وهو حلو لأنه يسكر، ولو كان إنما هو على صفة ما وصف في اللفظة، ويحرم ما خرج من اللفظة، لحرم أن نشربه على غداء ولا عشاء، ولا يحل أبدًا إلا على غداء أو عشاء، فلما كان حلًّا على غير غداء وعشاء دلّ على أنه لم يحرم ما خرج من الصفة، ولمّا كان تحريم النبي صلى الله عليه النبيذ إذا أسكر كثيره كانت علة تحريمه إسكار. وقد يجوز أن يكون قرب ما وصف من نبيذ شربه على الغداء والعشاء يجوز من أن يمهل ذلك إلى الشدة، فيدخل في حد التحريم، فاحتاط بما لا إشكال فيه أنه لا يتغير عن حله لقرب الوقت من صنعه، وبالله التوفيق.
(٣٠) ومنها: ما روي عن رافع بن خَديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «أفطر الحاجم والمحتجم»، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث».
قال المزني: يحتمل وجوهًا: منها - أن يكون الحاجم والمحجوم منافقين فأفطرا، فأعلَمَ رسولُ الله أصحابَه بهما بوحي الله جل وعز بإعلامه
[ ٣٤٧ ]
ذلك منهما، ويحتمل أن يكونا مؤمنين أكلا بعد الفجر ولم يعلما، فقال رسول الله: «أفطر الحاجم والمحجوم» ليخبر أنهما يقضيا [كذا]، ويحتمل أن يكونا وقعا بالغِيبة في أخيهما، فقال ﵇: «أفطر الحاجم والمحتجم»؛ أي: أكلا لحم أخيهما فنقضا بذلك صومهما، قال الله ﷿ في كتابه: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) [الحجرات: ١٢]، لا أن الحجامة من الحاجم والمحجوم إفطارًا، وذلك أن الله جل ثناؤه جعل الصيام كفًّا عن المأكل والمشرب والجماع، فقال ﵎: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، وقال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧]، فهذا معنى الصوم، وليس فيما خرج من دبر ولا قبل ولا بدن من خلاء ومذي وودي واحتلام على غير عمد وعرق ودم وغير ذلك من البدن إفطار، ولولا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه: «من ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» لكان سواء، فكان الاستقاء مخصوصًا، ألا ترى أنه إذا دخل حلقَه طعامًا أو شرابًا [كذا] مكرهًا، أو جومعت امرأة مكرهة أن ذلك إفطارا [كذا]؟ فلو كان ما خرج من الحلق مثلَه، لكان إذا ذرعه القيء مكرهًا إفطارًا، فلما لم يكن ذرع القيء إفطارًا كان عمده والإكراه فيه سواء، لولا أن النبي صلى الله عليه جعله في الاستقاء مفطرًا، فصار مخصوصًا، ولا قياس على مخصوص.
(٣١) ومنها: ما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
[ ٣٤٨ ]
قال المزني: مخرجه عندنا وبالله التوفيق أنه لما قال: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أوجب أن لا يقبل عنه إلا الثقة عن الثقة؛ لأن ما قبل عنه فدين يدان به الله جل ثناؤه، وما حدث عن بني إسرائيل فليس عليه في قبول ذلك دين يدين به الله، فليس عليه أن يطلب الثقة في ذلك كما يطلبه في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه، لا أن في ذلك تجويزَ أن يقبل من محدِّثٍ عن بني إسرائيل من يرى حديثه كذبًا؛ لأنه روي أنه من روى حديثًا عن من يراه كاذبًا فهو أحد الكاذِبَيْنِ؛ لأنه لا يجيز الكذب صلى الله عليه عن بني إسرائيل ولا غيرهم، وحذر أن يحدث إلا بالصدق، وأن لا يقبل إلا من الصادقين المعروفين، ولم يجعل هذا الاستقصاء في الحديث عن بني إسرائيل، لا أنه أجاز قَبول حديث الكاذِبِين، ولا أن حَرَّج في ذلك.
(٣٢) ومنها: ما روي عن عبدالله بن مسعود، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه سرية، فاعتصم رجل من المشركين بشجرة، فأمر بالشجرة فأحرقت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه، فقال: «إني لم أُبْعَث أن أعَذِّب بعذاب الله، إنما أُمِرت بضرب الأعناق، وشَدِّ الوَثاق».
قال المزني: مخرج ما نهى عنه صلى الله عليه وبالله التوفيق: أنه نهى أن يُعَذَّب مَنْ قُدِر عليه بعذاب الله، وليس في ذلك نهي عن المقاتَلَة بالنار، وإنما يُعَذِّب المعذِّب مَنْ قَدَر عليه، فكان في معنى من هو في يديه، وقوله: «إنما بُعِثت بضرب الأعناق، وشد الوَثاق»، ولا يكون ذلك إلا في المقدور عليه، وفي ذلك دليل أنه إنما نَهَى عن حرقه لأنه صار في معنى المقدور عليه، والشجر لا يقع عليها تعذيب، وقد حَرَّق النبي صلى الله عليه أموال بني النضير، وقال لأسامة: «ائتِ يُبْنا ذا صباح ثم حرق»، ولا تألَّمُ إلا ذو روح، ألا ترى أن النبي قال: «من قتل عصفورًا بغير حقها، حوسب بها يوم القيامة»؟ قيل:
[ ٣٤٩ ]
يرسول الله، وما حقها؟ قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي به»، فنهى عن تعذيبها، ولا عذاب في غير الحيوان، فبان بذلك أن الذي نهى عن الإحراق في الشجرة إنما هو المحْرَق فيها عن قدرة عليه، وبالله التوفيق.
(٣٣) ومنها: ما روي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «البَيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرقا»، وعن عبدالله بن مسعود أنه باع من الأشعث بن قيس جاريةً، فاختلفا في الثمن، فقال عبدالله: اجعل بيني وبينك مَنْ شئت، فقال: أنت بيني وبين نفسك، فقال: فإني أقضي بيني وبينك ما قضى به رسول الله ﷺ: القول قول رب السلعة إذا كانت قائمة بعينها، أو يَتَرادّانِ.
قال المزني: كل حديث منها قائم بنفسه وفي غير معنًى.
ما جاء حديث ابن عمر عن النبي: المتبايعان متفقان على البيع والثمن، فأثبت النبي الخيار، فأيُّهما شاء منهما نَقَضَ البيعَ ما لم يتفرقا، فإن تفرقا فلا خيار لأحد منهما في نَقْضِ العقدة إلا بعلة سوى العقدة من عيب أو غيره.
وحديث ابن مسعود في المتبايعان إذا اختلفا وإن تفرقا، فجعل سلعة البائع لا تخرج من يديه إلا بقوله، ونَهَى المشتري لا يخرج الثمن من ملكه إلا بقوله، فادعى البائع كثيرًا من الثمن ملكه بسلعته، وادعى المشتري ملكها بقليل الثمن، وكل واحد منهما مدعٍى ومدعًى عليه، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه ويبرأ من دعوى صاحبه، ومما يؤكد ذلك قول النبي: «على المدعي البينة، وعلى المدعى عليه اليمين».
[ ٣٥٠ ]
(٣٤) ومنها: ما روي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهوِّدانه أو ينَصِّرانه أو يمجِّسانه؛ كما تولد البهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟»، قال معمر: قلت للزهري: لم تحدث بهذا وأنت على غيره؟ قال: نحدث بما سمعنا.
قال المزني: مخرج هذا عندي وبالله التوفيق: أن الله لما ادّان العباد بأعمالهم، ووضع التكليف عن صغارهم، أبان أن لا طاعة لهم ولا معصية في أفعالهم، فلما قال النبي: «كل مولود يولد على الفطرة» فلا تخلو الفطرة من إحدى منزلتَيْن: إما أن تكون على الإسلام، فلو كان كذلك لجاز أن يُنصَّر المسلمون ويُهَوَّدوا ويمَجَّسوا، فلما لم يجز أن يُنَصَّر المسلمون ولا تجري هذه اللفظة عليهم، بطل ذلك.
والمنزلة الأخرى - أن تكون الفطرة الخِلقة، قال الله ﷿: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام: ١٤]، وقال: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]، ويقول الرجل في البئر: «أنا فطرتها»؛ أي: أحدثتها، وهذا أولى الأمرين بالمولود أنه على الخلقة، لم يبلغ ما يكون بفعله مسلمًا ولا غير مسلم، فجعل رسول الله حكمه حكم أبويه، فصار معنى: «يهوِّدانه» بمعنى: أن حكمه كحكمه؛ كما أن حكم مولود المؤمن كحكمه، فمتى بلغ مولود اليهودي وأقام على اليهودية كفر بفعله، وإن أسلم خرج من دين أبويه بفعله، والدليل على ذلك: أن الصعب بن جَثّامة قال: قلت: يرسول الله، أهل الديار من المشركين يُبَيَّتون فنُصِيب مِنْ ذراريهم؟ فقال: «هم منهم»، يقول: إنهم في معنى آبائهم، أن ليس عليهم فيهم كفارة ولا غرامة؛ كما ليس ذلك في آبائهم، وليس في هذا إباحة قتل الوِلْدان؛
[ ٣٥١ ]
لأن رسول الله نهى عن قتلهم على القدرة، ولم يَنهَ عن قتلهم في البَياتِ بالجهالة، والذي وصفنا من أمر المولود على الفطرة دليل على ما قلنا، وبالله التوفيق، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه قال: «كما تتناتج الإبل على الخلقة ليس فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها»؟ فكذلك المولود على الخلقة لم يَعقِل الكفرَ بعدُ حتى يبلغ فيُحدِثَ الكفرَ، وإنما يسمى يهوديًّا بحكم أبيه؛ كما يسمى مولود المؤمن مؤمنًا بحكم أبيه، وبالله التوفيق.
تم الكتاب بعون الله وإحسانه
[ ٣٥٢ ]