(٣٥) قال المزني: اختلف الناس في ولد الحِمارة الأهلية من الحمار الوحشي، قال المزني: لما أصبته من حلال وحرام منعت من أكله لعلةِ مشارَكة الحرام له، وكذلك ولد الظبية من التيس يقتلها المحرِمُ، وولد الإوز من الرَّخَم، وما أشبه ذلك، فتفَهَّموه.
(٣٦) مسألة: رجل اشترى من رجل جارية، فمنع الجاريةَ حتى يُقْبِضَه الثمنَ، فعدا عليها المشتري وهي في يدي البائع فوَطِئها، فحملت ثم ماتت في يدي البائع، قال المزني: يسقط الثمن عن المشتري، ولا يرجع عليه البائع في الوطء بشيء إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا فما نقص من ثمنها سقط عن البائع، ويرد باقي الثمن.
(٣٧) مسألة: قال المزني: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا أو جارية، فحدث به عيب عنده، وأصاب به عيبً آخر قديمًا .. فإن المشتريَ بالخيار، إن شاء أن يردها وما نقصها، وإن شاء حبسها وأخذ منه العيب، وقال الكوفي: لا سبيل له إلى الرد، وله قيمة العيب، وقاله الشافعي، قال المزني: القياس عندي ألا يردها، من قِبل إجماعهم أن البائع إذا علم بالعيب عنده لم يكن له أن يدفعها وما نقصها، كذلك أيضًا ليس للمشتري أن يردها وما نقصها.
(٣٨) قال: وسألت المزني عن رجل وكَّل رجلًا ببيع جارية له، فلقيه الوكيل، فقال: قد بعت الجارية، ولم يكن باعها، ثم إنه باعها بعد ذلك؟ فقال: البيع جائز؛ لأن الوكالة بعدُ قائمة لم تفسخ، قيل: أليس حين قال:
_________________
(١) العنوان من زيادتي على الأصل.
[ ٣٥٣ ]
«بعت الجارية» فقد أخبره بانقضاء الوكالة في البيع، وإنما هو الآن وكيل في قبض الثمن في خبره؟ قال: بلى، قيل: فلم لا كان البيع باطلًا بإقراره بذلك؟ قال: من قِبَل أن إقراره باطل، وهو على ما عقد له من الوكالة حتى يُحدِثَ الموكِّل فسخًا؛ كما لو ضمنا الوكالة فأقر كل واحد منهما أنه ليس وكيلً لصاحبه على النسيان، ثم ذكر الوكيل الوكالة، أن بيعه جائز، قال المزني: أشبه الأمرين أن قوله كذب، والبيع جائز.
(٣٩) قال: قيل للمزني: ما تقول في السَّلَم في الرؤوس والبَيْض؟ فقال: جائز إذا قال: رؤوس كباش أو غنم، وبيض دجاج أو إوز، فقيل: وإن كان ذلك مختلِفَ القدر؟ قال: وإن كان ذلك مختلفَ القدر، قياسًا على ما أجمعوا عليه من اختلاف جودة القمح، وأني إذا أسلمت في قمح جيد أن ذلك جائز، وليس على المسلَم إلا ما يقع عليه اسم «جيد» وإن اختلف ذلك، فكذلك ما يقع عليه اسم «بيض» و«رؤوس».
(٤٠) مسألة ملك الأخ أخاه: قال المزني: سألني سائل عما احتج به الشافعي في ملك الأخ أخاه، فأقرب ما حضرني في وقت كتابي هذا: أنه لا خلاف أن الله ﵎ فرض للولد على المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وكذلك لا خلاف (^١) أن على الابن الموسر فرضَ النفقة على أبيه الزمن والفقير، ولم يُجمِعوا على أن الله ﵎ فرض للأخ الفقير على أخيه الموسر فرض النفقة، فلو كان في معنى الأب من الابن ومعنى الابن من الأب كمعنى الأخ، لوجب له الفرض من الأخ كما وجب له الفرض من الأب ومن الابن، فلما ارتفع إجماعهم عن الفرض للأخ، ولم يرتفع إجماعهم عن الأب للابن ولا على الابن للأب، ولم يكن ذلك بين
_________________
(١) في الأصل: «اخلاف» ثم شطب على الألف.
[ ٣٥٤ ]
الأخ والأخ .. كان كذلك لا يملك الابنُ الأبَ، ولا الأبُ الابنَ؛ لعظيم ما وصفنا الواجب به نفقة كل واحد منهما على صاحبه، وكان ملك الأخ أخاه لخروجهما عن عظيم حرمة ما بين الأب والابن، وما بين الابن والأب، ولما كان الولد وولدُ الولدِ وإن سفلوا في التحريم كالولد، والأمُّ وأمُّ الأمِّ وإن عَلَيْنَ في التحريم كالأم، لا يتناكحوا [كذا] أهل هذا العمود بحال أبدًا، وكان الأخوان إذا وُلِد لأحدهما ابنٌ وللآخر ابنةٌ جاز أن يتناكحا؛ لأن أولادَيْهِما صاروا بني عم، وكذلك ولد العمات والخالات، وليس كذلك ولد البنات ولا أمهات الأمهات، فلما افترق النوعان من حيث وصفنا بقول أصحابنا، فكذلك يفترقان في الملك، وفروع الشيء مثله، فلما كان فروع الأخوين يجوز بينهما النكاح، ولا يجوز في فروع البنات ولا في الأمهات .. افترقا، فكذلك الملك في الإخوة فيها نظيره يجوز، ولا يجوز في الولد والوالد، فهذا الذي حضرني، وما أقنعني ذلك كما أشتهي، وبالله التوفيق.
(٤١) مسألة في الطلاق: قال المزني في رجل قيل له: «امرأتك طالق؟»، فقال: «نعم»: المدني يلزمه الطلاق، قال المزني: الذي أحفظ عن الكوفي كذلك، قال المزني: القياس عندي أن ذلك لازم في الحكم؛ لأن قول الأول لم يكن تحته معنًى في حين قوله وتمامه وانقطاعه، فقول القائل: «نعم»، و«نعم» ليست بلفظة طلاق ولا يشبه طلاقًا، وإنما هي خبر، فإذا لم يتقدم منه طلاق فقوله: «نعم» في القياس ليس يبني فيما بينه وبين الله، فأما الحكم فيلزمه، وأنا أستخير الله في ذلك، والقياس عندي على ما وصفت.
[ ٣٥٥ ]
(٤٢) مسألة في الظهار: سئل المزني عن من [كذا] قال لامرأته: «أنتِ عليَّ كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، أو لأتزوجن عليك (^١)» يجب أن يوقف عن الوطء؟ أو متى يلحقه الظهار؟
قال المزني: الجواب عندي وبالله التوفيق: أنه لا يجب عليه الظهار إلا في حال عدم القدرة عن التزويج، وقد يكون في حال سياقه، فكأنه قال: إذا كانت تلك الحالُ فأنتِ علي كظهر أمي، فلا تلزمه كفارة؛ لأنها لا تجب إلا بالظهار والعودة، وهي عند الشافعي إن نفذ عن طلاقها عاقلًا وذلك يمكنه، وهذا لا إمكان له على ما وصفت، وإن كان موته بموضع بعيد عما حَدّ فيه من تزويجه فلا يمكنه حتى يموت، فالقياس على قول الشافعي من حيث يُحنِّثه بالخطأ دون قوله في قوله من يرفع الحِنْث بالخطأ، فالقياس على ذلك أن عليه رقبةً، وقد أمكنه ألا يعود بطلاقها فعاد بتركها محلَّلَة عنه.
(٤٣) مسألة في الماء المستعمل: قال المزني: اختلف الناس في الرجل يتوضأ بالماء في الإناء النظيف: هل له أن يتوضأ به ثانية أم لا؟ فقال المدني: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، وأبى ذلك الشافعي والكوفي والبصري، قال المزني: والقياس عندي ألا يتوضأ به ولا يشرب من قِبَل إجماعهم على أنه إذا كان واجدًا لغيره لم يَجزِه، فلو كان يُجزئ بحاله المتقدمة لما ضره وجود غيره.
ودليل آخر: لما أجمعوا أني إذا كان معي من الماء قدرُ ما أتوضأ به، وخِفتُ العطشَ، أني أتيمم ولا أتوضا به، وأستبقيه لِشَفَتي، كان هذا دليلًا
_________________
(١) كلمة «عليك» مشطوب عليها في الأصل.
[ ٣٥٦ ]
على أنه لو كان يجوز شربه بعد أداء فرض لأمروني أن أتوضأ به في إناء نظيف، فأؤدي فرضي للوضوء ويكون قد بقي لِشَفَتي ما يجزيني، فلما لم يجز هذا دل على أنه منتقل عن حاله الأول فيما أقول، وبالله التوفيق.
وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم
[ ٣٥٧ ]