تبقى قضية نسبة الكتاب، ويظهر في طرة الكتاب ورود أسماء ثلاثة: الشافعي ﵀، والمُزَني ﵁، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، والسؤال: مَنْ صاحب الكتاب ومؤلِّفه؟
فأقول: نُسِب الكتاب في جميع نشراته إلى المُزَني، بيَّن فيه مذهب الشافعي في معنى الأمر والنهي، لكن بعضهم اعترض على ذلك واعتبره من كتب الشافعي الأصولية صحيح النسبة له يرويه عنه تلميذه المُزَني، قال: «ولكن للأسف الشديد طُبع هذا الكتاب من زمن بعيد، طبعه مستشرق ونَسَبَه للمُزَني، وتابعه مَنْ طبع الكتاب من العرب، ودليلهم ما جاء في المخطوط من نسبته للمُزَني»، قال: «لكن شيخ المذهب وحافظ كتب الإمام الشافعي: الإمام البَيْهَقي في كتابه (مناقب الشافعي) نَسَبَ الكتاب للشافعي نسبةً محقَّقة، وكرَّر هذه النسبة مرات، بل إنه لَمَّا عقد فصلًا في كتب الشافعي الأصولية عدَّده مع كتبه التي لا يختلف عليها أنها للشافعي»، ثم ذكر بعض نصوص البَيْهَقي في نسبة «كتاب صفة الأمر والنهي» للشافعي، وقال: «وهذا التصريح من الإمام البَيْهَقي يقطع كل خلاف ويصحِّح نسبة الكتاب للإمام الشافعي»، قال: «وهو ما لم يقف عليه الطابعون للكتاب».
[ ٣٣٠ ]
هذه خلاصة دعواه، وردَّ عليه الباحث الفاضل مشاري الشثري فقال: قد جانبَ الشيخُ الصوابَ فيما ذكره، وكلام البَيْهَقي لا يعني أن ذلك الكتاب المعيَّن هو الكتاب المقصود، فكيف إذا ثبت أنه كتابٌ آخر، فالكتاب الذي يَعنيه البَيْهَقي ليس هو هذا الكتابَ المنسوبَ للمُزَني.
قال: فإن كتاب «صفة الأمر والنهي» للشافعي موجودٌ محفوظٌ في كتاب «الأم» (^١)، وهذا الكتاب يَبتدِئ بقول الشافعي: «أخبرنا ابن عيينة»، وفي ضمن هذا الكتاب عنوانٌ متفرِّع عنه باسم: «صفة نهي رسول الله -ﷺ-»، والذي صرف الأنظار عن هذا الكتاب بهذا الاسم الظنُّ بأن هذا الكتاب من جملة كتاب «جماع العلم»، فقد جعله الشيخ رفعت - محقِّق طبعة الوفاء - من جملة كتاب «جماع العلم»، وقبله الشيخ شاكر الذي أفرد «جماع العلم» بالنشر ألحقَ هذا الكتاب به، ثم إنه ذكر (ص: ٨) احتمالًا بأن هذا العنوان: «صفة نهي رسول الله -ﷺ-» كتابٌ مستقل، وأنه مُراد مَنْ ترجم للشافعي وذكر في ضمن كتبه كتاب «صفة الأمر والنهي»، والاحتمال الذي ذكره الشيخ شاكر صحيح، غير أنه غفل عن أن الكتاب المراد لا يبتدئ بهذا العنوان، بل يبتدئ قبل ذلك، وهذا العنوان إنما هو عنوان لبابٍ منه، والصواب أن كتاب «صفة الأمر والنهي» يشمل ما في (٩: ٤٦ - ٥٥) من ط الوفاء، ويبتدئ بقول الشافعي: «أخبرنا ابن عيينة» وينتهي بقوله: «وإنما قلت يكون فيها عاصيًا إذا قامت الحجة على الرجل بأنه كان علم أن النبي -ﷺ-».
قال: ثم إني أزيدُ على ذلك أمرًا، وأقول بأن كتاب «جماع العلم» لا ينتهي عند كتاب «صفة الأمر والنهي»، بل ينتهي قبل ذلك، تحديدًا عند
_________________
(١) وهو يقع في (٩: ٤٦ - ٥٥) من ط الوفاء.
[ ٣٣١ ]
قوله: «إذا كان موجودًا في أفعالهم الاختلاف» (٩: ٤٢)، والعنوان الذي بعده «بيان فرض الله ﵎» كتابٌ مستقلٌّ وليس بابًا منه، وقد ذكره من ترجم للشافعي كالبَيْهَقي في «المناقب» (١: ٢٤٦)، ثم يأتي بعده كتاب «صفة الأمر والنهي» بالوصف الذي قدمته، فتحصَّل بذلك أن المطبوع باسم «جماع العلم» هو في حقيقة الأمر ثلاثة كتب:
الأول: «جماع العلم» (^١).
الثاني: «بيان فرائض الله ﵎» (^٢).
الثالث: «صفة الأمر والنهي» (^٣).
وبرهان ذلك أن كلًّا من هذه الكتاب الثلاثة يعالج موضوعًا مستقلًّا، وأقوى منه أن ذلك جاء في مخطوطة حسنة من «الأم»، وهي المحفوظة في مكتبة مراد ملا، فقد جاء كلُّ واحدٍ من هذه الكتب بعنوان مستقل مصدَّرًا بفاتحة مستقلة، ففي (٦: ١٢٧ ب): «جماع العلم. بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي». وفي (٦: ١٣٧ ب): «… إذا كان موجودًا في أفعالهم الاختلاف. تم الكتاب. يليه في الجزء الثامن بيان فرض الله ﵎»، ثم في (٦: ١٣٩ أ): «بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي. بيان فرض الله ﵎»، وفي (٦: ١٤٠ أ): «بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي. صفة الأمر والنهي»، وقد كتب الناسخ هذا العنوان مرةً أخرى في هامش المخطوط للدلالة على أنه بداية كتاب مستقل، وكلٌّ من هذه العناوين مميَّزٌ باللون الأحمر.
_________________
(١) وهو يقع في (٩: ٥ - ٤٢) ط الوفاء.
(٢) وهو يقع في (٩: ٤٢ - ٤٦) منتهيًا بقول الشافعي: «ثم أدَّى الفرض».
(٣) وهو يقع في (٩: ٤٦ - ٥٥).
[ ٣٣٢ ]