مذهب الشافعي عندي وبالله التوفيق: أن الأمرَ والنهيَ من الله ﷿ ومن رسوله صلى الله عليه على العمومِ والظاهرِ والحتمِ، إلا أن يأتيَ في سياق الخبر أو في غيره ما يدل على أنه أريد به الخصوصُ أو باطنٌ أو إرشادٌ أو إباحةٌ أو دلالةٌ، فيَلزَم قَبولُ الدليلُ، فإذا أمر الله ﷿ أو رسوله صلى الله عليه بأمر وسَمّاه .. فما لزمه اسمُه لزمه حكمُه على العمومِ والحتْمِ؛ لأن الله ﵎ أو رسوله صلى الله عليه لو لم يُرِد العمومَ وأراد غيرَه لأبانه، فلما لم يُبِنْه علِمْنا أنه لم يُرِد ما لم يُبَيِّن؛ كما لم يَأمُر إلا بما بَيَّن؛ لأنه لا يُكَلِّف عِلمَ الغيوب، قال الله ﷿: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: ٤]، وقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥]، وقال: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: ٣٦]، فمَن ادَّعَى فيما أطلَقه القرآنُ أو السنةُ - بَيِّنٌ معناه في اللغةِ - أنَّه أرِيد معنًى دون معنًى .. قيل له: قولك
[ ٣٣٥ ]
«إنه أريد به» غيْبٌ، والغيبُ لا يوصَل إليه إلّا بخبرٍ، والمدعي لذلك بغير حق منفرد، ولا يقبل مِنْ مدعٍى إلا ببينة، ولا تُزال حجة بغير حجة.
(٢) هذا جواب مسألة يَستدِل بها من نظر، ويحتاج إلى شرحها من لم ينظر، وقد وصفت لك من كل وجه يسيرًا يدلُّ على كثير إن شاء الله.
(٣) فمِن عموم الأمر من القرآن: قول الله ﵎: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]، قال: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) [النساء: ٤]، وقال: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم) الآية [النساء: ٦].
(٤) ومِن عموم النهي من القرآن: قال الله ﷿: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: ٣٣]، وقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (^١) [الإسراء: ٣٢]، وقال: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) (^٢) [آل عمران: ١٣٠].
(٥) ومِن عموم الأمر من السنة: قال رسول الله صلى الله عليه: «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليصليها [كذا] إذا ذكرها؛ فإن الله ﷿ يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]»، وأمَر صلى الله عليه المستحاضة بالغسل لانقضاء الحيض، وبالصلاة في أيام الاستحاضة، وأمَر النبيُّ الذي خُيِّل إليه الشيْءُ في الصلاةِ ألا ينصَرِف حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا.
_________________
(١) في الأصل: (إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا)، كأن الكلمة دخلت على المزني من قوله تعالى في سورة النساء (٢٢): (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).
(٢) في الأصل: «ولا تأكلوا»، والواو ليست من الآية.
[ ٣٣٦ ]
(٦) ومِن عموم النهي من السنة: نَهْيُ النبيّ ﵇ عن الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مِثلًا بمثل، سواءً بسواء، عينًا بعينٍ، ونَهَى ﵇ عن بيع الطعام حتى يُستوفَى، ونَهَى عن الدَّيْن بالدَّيْن.
(٧) ومِن العموم الذي دل القرآن على أنه أريد به الخصوص: قال الله ﷿ في المشركين: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: ٣٩]، فلو لم يقل غير هذا كان على العموم، فلما أمر بقتال المشركين من أهل الكتاب حتى يُعطُوا الجزية .. دل ذلك على الخصوص، وعلى أن أهلَ الشرك صنفان: أهل كتاب، وأهل أوثان، فجمَعهما الكفرُ والأمْرُ بقتالهم بمعنًى واحدٍ، وفُرِّق بينهما في إعطاء الجزية، فقُبِلَت مِنْ الكتابيِّ وحَرُم قتالُه، ولم تُقبَل من الوثني فحرم تركُه.
(٨) وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]، ولو لم يقل غير هذا جُلِد مائةً كلُّ حُرٍّ وعبدٍ، فلما قال في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] دلّ ذلك على الخصوص، فجَمَع العبدَ والحرَّ الزنا بمعنًى واحدٍ، وفُرِّق بينهما في أن جُعِل المائةُ على الحرِّ البكر، والنصفُ على العبدِ.
(٩) وقال ﷿: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣]، فلو لم يقل غير هذا حلَّتْ كلُّ مؤمِنةٍ ومشرِكةٍ، فلما قال: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) [البقرة: ٢٢١] دلّ ذلك على الخصوص، ثُمّ لو لم يقل غير هذا ما حلَّتْ مشرِكةٌ كتابيَّةٌ ولا وثنِيَّةٌ، فلما قال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥] دلّ على أن التحريم على غير أهل الكتاب.
[ ٣٣٧ ]
(١٠) ومن العموم من السنة التي دلت على أنه أريد به خاص: قال رسول الله صلى الله عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالغرب نصف العشر»، فلو لم يقل غير هذا كانت الزكاة في المد وأقل، فلما قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» دل على أنه أراد به الخاص، وهو ما بلغ خمسةَ أوسق فصاعدًا.
(١١) وقال ﵇: «الجار أحق بسَقَبِ جاره»، فلو لم يقل إلا هذا كان لكل جار شفعة، فلما قال: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» دلّ على أنه أراد الخاص، وهو الجار المُخالِط المُشايِع، دون المُقاسِم.
(١٢) ونَهَى عن بيع التمر بالرطب، ولو لم يقل غير هذا لم يجز بيع تمر برطب أبدًا، فلما أرخص في بيع العرايا - وهو تمر برطب - دلّ على أنه أراد بالتحريم: ما سوى العرايا.
(١٣) ومن العموم من القرآن التي دلت السنة على أنه أريد به الخاص: قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦]، فلو لم يقل غيرَ هذا، كان على العباد كلما قام رجل إلى الصلاة أن يتوضأ، على وضوءٍ كان أو على غير وضوء، فلما صلى رسول الله صلواتٍ بوضوء واحدٍ، دلّ ذلك على أنه أراد مِنْ القائمين إلى الصلاة مَنْ ليس على وضوء، ولمَّا مَسح على الخُفَّين دلّ على أنه أراد مِنْ القائمين إلى الصلاةِ مَنْ لا خفَّين عليه.
(١٤) وقال ﷿: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) [المائدة: ٣٨]، فلو لم يقل غير هذا قُطِع مَنْ لزمه اسم سرقةٍ، فلمّا قال النبي ﵇: «القطع في ربع دينار فصاعدًا» دلّ على أن الله ﷿ أراد بعض السُّرّاق دون بعض.
[ ٣٣٨ ]
(١٥) وقال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]، فلو لم يقل غير هذا ثُمّ نَكَحت غيره ثُمّ طلقها قبل أن يصيبها حلَّتْ للأوّل، فلمّا قال رسول الله صلى الله عليه لامرأة رفاعة وطلقها ثلاثًا وتزوجت: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلتَه ويذوق عُسَيْلتَكِ» دلّ على أنه أراد: الزوجَ المصِيبَ، دون الزوجِ الذي لم يُصِب.
(١٦) ومن الأمر الذي أطلقه القرآن يدل تبيينه أنه مباح: ولمّا كان الانتشار والابتغاء من فضل الله مباحَينِ يمنع منهما بقوله: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة: ٩]، وقال: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]، فأعلَمَ منعَهم مِنْ المباح ما ألزمهم مِنْ إتيان الجمعة، ولأن لا يتركوا رسول الله قائمًا فيما عليهم مِنْ فرض الصلاةِ، ولما قال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: ١٠] كان معناه إباحتهما كما كانا، لا أن فرضًا عليهم ذلك.
(١٧) ومن ذلك أن الصيد لمّا كان مباحًا بقول الله ﷿: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]، وقال: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) [المائدة: ٩٤]، فلمّا قال ﷿: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ٩٥]، ثُمّ قال: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢] كان معناه أن ردهم إلى المباح كما كان أولًا، لا أنّ ذلك فرضًا [كذا] عليهم.
(١٨) ومن ذلك أن مباحًا للرجل أن يأكل من ماله ويترك، فلما أصدقه امرأتَه قال الله ﷿: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) (^١) [البقرة: ٢٢٩]، وقال: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) [النساء: ٢١]،
_________________
(١) في الأصل: «ولا تأخذوا …»، سقط منه قوله: «ولا يحل لكم أن».
[ ٣٣٩ ]
فأعلَمَ أنْ [مَنَعَه (^١) منه مِلْكُها عليه إلا أن تَطِيبَ به نفْسًا، فلمّا قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤] فإذا طابت به نفسًا ارتفع التحريم بارتفاع المنع وصار إلى المباح كما كان أولً، لا أن فرضًا ذلك عليهم؛ كما ارتفع تحريم الانتشار والابتغاء من فضل الله بانقضاء الصلاة، وكما ارتفع تحريم الصيد بارتفاع الإحرام، ورجع المعنى في ذلك كله إلى المباح كما كان أولً، لا أن فرضًا أن ينتشروا، ولا أن يبتغوا من فضل الله، ولا أن يصيدوا، ولا أن يأكلوا، ونظيره: (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]، و(كُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]، لا فرضٌ أن يأكله، فتفَهَّمْه ولا تقلِّد من وضعَه.
النهي المحرِّمُ مِنْ السنن
(١٩) سئل المزني عن بعض سنن رسول الله صلى الله عليه المحرِّمة، فقال: من ذلك نهيه عن بيع الغَرَر، وعن بيع السنين، وعن الدَّيْن بالدَّيْن، وعن المحاقَلة والمزابَنة والمنابَذة، وعن حَبَل الحَبَلة، وعن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع الثمار حتى يبدوَ صلاحها، وعن نكاح المتعة، وعن الشغار، وما كان في معنى هذا.