(ولايجوز اسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَيجوز اسْتِعْمَال غَيرهمَا من الْأَوَانِي)
لما فِي الحَدِيث الصَّحِيح من رِوَايَة حُذَيْفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول ﷺ يَقُول
(لاتلبسوا الْحَرِير وَلَا الديباج وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلكم فِي الْآخِرَة وَفِي مُسلم
(الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم) وَفِي رِوَايَة
(من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة فَإِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَارا من جَهَنَّم) وَفِي رِوَايَة
(إِن الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب) الحَدِيث وجيم يجرجر الثَّانِيَة مَكْسُورَة بِلَا خلاف قَالَه النَّوَوِيّ وَفِي الإقليد حِكَايَة الْخلاف وَأما النَّار فَيجوز فِيهَا الرّفْع وَالنّصب وَالنّصب هُوَ الصَّحِيح وَمَعْنَاهُ أَن الشَّارِب يلقِي النَّار فِي بَطْنه بتجرع متتابع يسمع لَهُ جرجرة وَهِي الصَّوْت لتردده فِي حلقه وعَلى رِوَايَة الرّفْع تكون النَّار فاعلة وَمَعْنَاهُ أَن النَّار تصوت فِي جَوْفه عَافَانَا الله تَعَالَى مِنْهَا وَمن فعل يقربنا إِلَيْهَا
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ أَصْحَابنَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْأكل وَالشرب وَسَائِر الِاسْتِعْمَال فِي إِنَاء ذهب أَو فضَّة إِلَّا مَا حُكيَ عَن دَاوُد وَقَول الشَّافِعِي قديم للشَّافِعِيّ إِنَّه يكره والمحققون لَا يعتدون بِخِلَاف دَاوُد وَكَلَام الشَّافِعِي مؤول كَمَا قَالَه صَاحب التَّقْرِيب مَعَ أَن الشَّافِعِي رَجَعَ عَن
[ ١٩ ]
هَذَا الْقَدِيم فَحصل أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على تَحْرِيم اسْتِعْمَال إِنَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الْأكل وَالشرب وَالطَّهَارَة وَالْأكل بعلقة من أَحدهمَا والتبخر بمبخرة مِنْهَا وَجَمِيع وُجُوه الِاسْتِعْمَال وَمِنْهَا المكحلة والميل وظرف الغالية وَغير ذَلِك سَوَاء الْإِنَاء الصَّغِير وَالْكَبِير وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيم الرجل وَالْمَرْأَة بِلَا خلاف وَإِنَّمَا فرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِي التحلي لقصد زِينَة النِّسَاء للزَّوْج وَالسَّيِّد وَيحرم اسْتِعْمَال مَاء الْورْد والأدهان فِي قماقم الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَفِي القناني وَكَذَا يحرم تَزْيِين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الصَّوَاب وَجوزهُ بعض الْأَصْحَاب وَهُوَ غلط لِأَن كل شَيْء أَصله حرَام فالنظر إِلَيْهِ حرَام وَقد نَص الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب أَنه لَو تَوَضَّأ أَو اغْتسل من إِنَاء ذهب أَو فضَّة عصى وَيحرم اتِّخَاذ هَذِه الْأَوَانِي من غير اسْتِعْمَال على الصَّحِيح لِأَن مَا حرم اسْتِعْمَاله حرم اتِّخَاذه كالآت اللَّهْو عَافَانَا الله الْكَرِيم من تعَاطِي مَا هُوَ سَبَب للنار وَيحرم على الصَّائِغ صَنعته وَلَا يسْتَحق أُجْرَة لِأَن فعله مَعْصِيّة وَلَو كسر شخص هَذِه الْأَوَانِي فَلَا أرش عَلَيْهِ وَلَا يحل لأحد أَن يُطَالِبهُ بِالْأَرْشِ وَلَا رَفعه إِلَى ظَالِم من حكام زَمَاننَا لأنعم جهلة ويتعاطون هَذِه الْأَوَانِي حَتَّى يشربون الْمُسكر مَعَ آلَات اللَّهْو وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(يمسخ نَاس من أمتِي فِي آخر الزَّمَان قردة وَخَنَازِير قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله قَالُوا بلَى وَلَكنهُمْ اتَّخذُوا المعازف والقينات فَبَاتُوا على لهوهم ولعبهم فَأَصْبحُوا وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير) وَفِي حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(من جلس إِلَى قينة يستمع مِنْهَا صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك) والآنك بِضَم النُّون وَالْمدّ هُوَ الرصاص الْمُذَاب وَالله أعلم
وَأما أواني غير الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن كَانَت من الْجَوَاهِر النفيسة كالياقوت والفيروزج وَنَحْوهمَا فَهَل تحرم فِيهِ خلاف قيل تحرم لما فِيهَا من الْخُيَلَاء والسرف وَكسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا تحرم وَلَا خلاف أَنه لَا يحرم الْإِنَاء الَّذِي نفاسته فِي صَنعته وَلَا يكره كلبس الْكَتَّان وَالصُّوف النفيسين
(فرع) لَو اتخذ إِنَاء من نُحَاس وَنَحْوه وموهه بِالذَّهَب أَو الْفضة إِن حصل بِالْعرضِ على النَّار مِنْهُ شَيْء حرم على الصَّحِيح وَإِن لم يحصل بِالْعرضِ على النَّار مِنْهُ شَيْء فالمرجح فِي هَذَا الْبَاب أَنه لَا يحرم والمرجح فِي بَاب زَكَاة النَّقْدَيْنِ أَنه يحرم قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَلَو موه
[ ٢٠ ]
السَّيْف وَغَيره من آلَات الْحَرْب أَو غَيرهَا بِذَهَب تمويهًا لَا يحصل مِنْهُ بِالْعرضِ على النَّار شَيْء فطريقان أصَحهمَا وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ التَّحْرِيم للْحَدِيث وَيدخل فِيهِ الْخَاتم والدواة والمرملة وَغَيرهَا فليجتنب ذَلِك وَالله أعلم قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب وتمويه سقف الْبَيْت وجداره بِالذَّهَب أَو الْفضة حرَام قطعا ثمَّ إِن حصل مِنْهُ شَيْء بِالْعرضِ على النَّار حرمت استدامته وَإِلَّا فَلَا وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة على الْجَزْم بذلك وَالله أعلم قَالَ: