٠ - فصل وَيخرج من الْفرج ثَلَاثَة دِمَاء دم الْحيض وَدم النّفاس وَدم الِاسْتِحَاضَة فالحيض هُوَ الدَّم الْخَارِج من فرج الْمَرْأَة على سَبِيل الصِّحَّة من غير الْولادَة وَالنّفاس هُوَ الدَّم الْخَارِج عقب الْولادَة والإستحاضة هُوَ الدَّم سَبَب الْخَارِج فِي غير أَيَّام الْحيض وَالنّفاس)
الدَّم الْخَارِج من الرَّحِم إِن كَانَ خُرُوجه بِلَا عِلّة بل جبله أَي تَقْتَضِيه الطباع السليمة فَهُوَ دم حيض وَهُوَ شَيْء كتبه الله تَعَالَى على بَنَات آدم كَمَا جَاءَت بِهِ السّنة الشَّرِيفَة
وَهُوَ فِي اللُّغَة السيلان يُقَال حاض الْوَادي إِذا سَالَ وَفِي الشَّرْع دم يخرج بعد بُلُوغ الْمَرْأَة من أقْصَى رَحمهَا بِشُرُوط مَعْرُوفَة وَله أَسمَاء الْحيض والعراك والضحك والإكبار والإعصار والطمث والدراس قَالَ الإِمَام وَسمي نفاسًا لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ لعَائِشَة ﵂
(أنفست) وَالَّذِي يحيض
[ ٧٤ ]
من الْحَيَوَان أَرْبَعَة الْمَرْأَة والضبع والأرنب والخفاش
وَأما دم النّفاس فَهُوَ الْخَارِج عقيب ولادَة مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة سَوَاء وَضعته حَيا أَو مَيتا كَامِلا كَانَ أَو نَاقِصا وَكَذَا لَو وضعت علقَة أَو مُضْغَة جزم بِهِ فِي الرَّوْضَة وَسَوَاء كَانَ أَحْمَر أَو أصفر مُبتَدأَة كَانَت فِي الْولادَة أَولا وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الدَّم الْخَارِج مَعَ الْوَلَد أَو قبله لَا يكون نفاسًا وَهُوَ كَذَلِك على الرَّاجِح
وَالنّفاس فِي اللُّغَة هُوَ الْولادَة
وَفِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء كَمَا ذكره الشَّيْخ وَيُسمى هَذَا الدَّم نفاسًا لِأَنَّهُ يخرج عقب نفس وَأما الدَّم الْخَارِج وَلَيْسَ بحيض وَلَا بعد الْولادَة فَإِن كَانَ فِي زمن يُمكن فِيهِ الْحيض إِلَّا أَنه خرج فِي غير أَوْقَات الْحيض لمَرض أَو فَسَاد من عرق فَمه فِي أدنى الرَّحِم يمسى العاذل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَيُقَال بِالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ اسْتِحَاضَة وَمَا عدا هَذِه الدِّمَاء إِذا خرج من الْفرج فَهُوَ دم فَسَاد كالخارج قبل سنّ الْبلُوغ وَالله أعلم قَالَ
(وَأَقل الْحيض يَوْم وَلَيْلَة وغالبه سته أَو سبعه وَأَكْثَره جمسة عشر يَوْمًا) أقل الْحيض يَوْم وَلَيْلَة للاستقراء وَهُوَ التتبع رُوِيَ ذَلِك عَن على بن أبي طَالب ﵁ وَنَصّ الشَّافِعِي ﵁ على ذَلِك فِي عَامَّة كتبه وَنَصّ فِي مَوضِع آخر أَن أَقَله يَوْم وَمُرَاد الشَّافِعِي بليلته وغالبه سِتّ أَو سبع لقَوْله ﷺ لحمنة بنت جحش
(تحيضين سِتَّة أَيَّام أَو سَبْعَة فِي علم الله تَعَالَى ثمَّ اغْتَسِلِي وَإِذا رَأَيْت أَنَّك قد طهرت واستنقأت فَصلي أَرْبعا وَعشْرين أَو ثَلَاثًا وَعشْرين لَيْلَة وأيامهن وصومي فَإِن ذَلِك يجْزِيك وَكَذَلِكَ فافعلي فِي كل شهر كَمَا يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن) وَأَكْثَره خَمْسَة عشر يَوْمًا بلياليهن للاستقراء وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَيْضا قَالَ الشَّافِعِي رَأَيْت نسَاء أثبت لي عَنْهُن أَنَّهُنَّ لم يزلن يحضن خمس عشر يَوْمًا وَعَن شريك وَعَطَاء نَحوه وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك الاستقراء وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث
(تمكث إِحْدَاهُنَّ شطر دهرها لَا تصلي) لِأَنَّهُ حَدِيث بَاطِل لَا يعرف قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ
[ ٧٥ ]
وَأَقل النّفاس لَحْظَة زأكثره سِتُّونَ يَوْمًا وغالبه أَرْبَعُونَ يَوْمًا) أقل النّفاس لَحْظَة وَهِي عبارَة الْمِنْهَاج وَفِي التَّنْبِيه أَقَله مجة وَقَالَ فِي الرَّوْضَة تبعا للرافعي لَا حد لأقله بل يُوجد حكم النّفاس بِمَا وجد بِهِ وَحجَّة ذَلِك الاستقراء وَأَكْثَره سِتُّونَ يَوْمًا للاستقراء قَالَ الْأَوْزَاعِيّ عندنَا امْرَأَة ترى النّفاس شَهْرَيْن وَقَالَ ربيعَة شيخ مَالك أدْركْت النَّاس يَقُولُونَ أَكثر مَا تنفس الْمَرْأَة سِتُّونَ يَوْمًا وغالبه أَرْبَعُونَ لما رَوَت أم سَلمَة ﵂ قَالَت
(كَانَت النُّفَسَاء على عهد رَسُول الله ﷺ تقعد بعد نفَاسهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَاحْتج بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث على أَكْثَره أَرْبَعُونَ وَالْمذهب الأول للوجود والْحَدِيث مَحْمُول على الْغَالِب جمعا بَينه وَبَين الاستقراء قَالَ
(وَأَقل الطُّهْر بَين الحيضتين خَمْسَة عشر يَوْمًا وَلَا حد لأكثره)
احْتج لَهُ بالاستقراء وَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحيض خَمْسَة عشر يَوْمًا لزم فِي الطُّهْر مَا ذكرنَا وَلَا حد لأكْثر الطُّهْر لِأَن من النِّسَاء من تحيض فِي السّنة مرّة بل فِي عمرها مرّة وَقَوله بَين الحيضتين احْتَرز بِهِ عَن الطُّهْر الْفَاصِل بَين الْحيض وَالنّفاس فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون أقل من خَمْسَة عشر يَوْمًا كَمَا إِذا رَأَتْ الْحَامِل دَمًا وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَن الْحَامِل تحيض فَولدت بعده مثلا بِعشْرَة أَيَّام فَإِن هَذَا طهر فاصل لَكِن بَين حيض ونفاس قَالَ ابْن الرّفْعَة احْتَرز بِهِ عَن طهر المبتدأة والآيسة قَالَ
(وَأَقل زمَان تحيض فِيهِ الْجَارِيَة تسع سِنِين وَلَا حد لأكثره) دَلِيل الْوُجُود قَالَ الشَّافِعِي ﵁ أعجب مَا سَمِعت من النِّسَاء تحيضن نسَاء تهَامَة تحضن لتسْع سِنِين وَفِيه حَدِيث ورد عَن عَائِشَة ﵂ لِأَن كل مَا لَا ضَابِط لَهُ فِي الشَّرْع وَلَا فِي اللُّغَة يرجع فِيهِ إِلَى الْوُجُود وَقد وجده الشَّافِعِي ﵁ ثمَّ المُرَاد بِالتسْعِ استكمالها
[ ٧٦ ]
على الصَّحِيح وَقيل نصف التَّاسِعَة وَقيل الطعْن فِيهَا فعلى الصَّحِيح المُرَاد التَّقْرِيب لَا التَّحْدِيد على الصَّحِيح فعلى هَذَا لَو رَأَتْ الدَّم قبل استكمال التَّاسِعَة فِي زمن لَا يسع طهرا وحيضا كَانَ وحيضا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَإِن كَانَ يسعهما لَا يكون حيضا وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن تقدم بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ كَانَ حيضا وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ الدَّارمِيّ لَا يضر نُقْصَان شهر وشهرين وَالله أعلم قَالَ
(وَأَقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر ولحظتان وَأَكْثَره أَربع سِنِين وغالبه تِسْعَة أشهر)
أما كَون أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر فَلِأَن عُثْمَان ﵁ أَتَى بِامْرَأَة قد ولدت لسِتَّة أشهر فَشَاور الْقَوْم فِي رَجمهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَأنزل الله تَعَالَى ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ وَأنزل ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ فالفصل فِي عَاميْنِ وَالْحمل فِي سِتَّة أشهر فَرَجَعُوا إِلَى قَوْله فَصَارَ إِجْمَاعًا وَأما كَون أَكثر مُدَّة الْحمل أَربع سِنِين فدليله الاستقراء قَالَ مَالك هَذِه جارتنا امْرَأَة مُحَمَّد بن عجلَان امْرَأَة صدق وَزوجهَا رجل صدق وحملت ثَلَاثَة أبطن فِي اثْنَتَيْ عشرَة سنة كل بطن أَربع سِنِين وَرَوَاهُ مُجَاهِد أَيْضا وَجَاء رجل إِلَى مَالك بن دِينَار فَقَالَ يَا أَبَا يحيى ادْع لامْرَأَة حُبْلَى مُنْذُ أَربع سِنِين فِي كرب شَدِيد فَدَعَا لَهَا فجَاء رجل إِلَى الرجل فَقَالَ اِدَّرَكَ امْرَأَتك فَذهب الرجل ثمَّ جَاءَ وعَلى رقبته غُلَام ابْن أَربع سِنِين قد اسْتَوَت أَسْنَانه وَالله أعلم قَالَ