(فصل وَتجب زَكَاة الْفطر بِثَلَاثَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وغروب الشَّمْس من آخر يَوْم من رَمَضَان)
يُقَال لَهَا زَكَاة الْفطر لِأَنَّهَا تجب بِالْفطرِ وَيُقَال لَهَا زَكَاة الْفطْرَة أَي الْخلقَة يَعْنِي زَكَاة الْبدن لِأَنَّهَا تزكي النَّفس أَي تطهرها وتنمي عَملهَا ثمَّ الأَصْل فِي وُجُوبهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ
(فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر على النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين) وَادّعى ابْن الْمُنْذر أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على وُجُوبهَا
ثمَّ شَرط وجوبا الْإِسْلَام لقَوْله ﵊
(من الْمُسلمين) وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ
[ ١٨٦ ]
الْإِجْمَاع على ذَلِك فَلَا فطْرَة على كَافِر عَن نَفسه وَهل تجب إِذا ملك عبدا مُسلما فِيهِ خلاف يَأْتِي عِنْد قَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من الْمُسلمين وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَصَحّ أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ لأجل عَبده الْمُسلم وَفِي وَقت وُجُوبهَا أَقْوَال أظهرها وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَنَّهَا تجب بغروب الشَّمْس لِأَنَّهَا مُضَافَة إِلَى الْفطر كَمَا مر فِي لفظ الحَدِيث وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب بِطُلُوع الْفجْر يَوْم الْعِيد لِأَنَّهَا قربَة تتَعَلَّق بالعيد فَلَا تتقدم عَلَيْهِ كالأضحية وَالثَّالِث تتَعَلَّق بالأمرين فَلَو ملك عبدا بعد الْغُرُوب فَلَا تجب فطرته على المُشْتَرِي على القَوْل الْأَظْهر وَكَذَا لَو ولد لَهُ ولد بعد الْغُرُوب أَو تزوج فَلَا فطْرَة عَلَيْهِ لعدم إِدْرَاك وَقت الْوُجُوب وَالله أعلم قَالَ
(وَوُجُود الْفضل عَن قوته وقوت عِيَاله فِي ذَلِك الْيَوْم ويزكي عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من السلمين)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث لوُجُوب زَكَاة الْفطر وَهُوَ الْيَسَار فالمعسر لَا زَكَاة عَلَيْهِ قَالَ ابْن الْمُنْذر بِالْإِجْمَاع وَلَا بُد من معرفَة الْمُعسر وَهُوَ كل من لم يفضل عَن قوته وقوت من تلْزمهُ نَفَقَته آدَمِيًّا كَانَ أَو غَيره لَيْلَة الْعِيد ويومه مَا يُخرجهُ فِي الْفطْرَة فَهُوَ مُعسر وَهل يشْتَرط كَون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَن مَسْكَنه وخادمه الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ للْخدمَة فِيهِ وَجْهَان فِي الرَّوْضَة بِلَا تَرْجِيح وَرجح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَالشَّرْح الصَّغِير أَنه يشْتَرط ذَلِك وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَشرح الْمُهَذّب وَكَذَا يشْتَرط أَن يكون الصَّاع الْمخْرج فَاضلا عَمَّا ذكرنَا وَعَن دست ثوب يَلِيق بِهِ صرح بِهِ الإِمَام وَالْمُتوَلِّيّ وَالنَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَهل يمْنَع الدّين وجوب الْفطْرَة لَيْسَ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَالرَّوْضَة تَرْجِيح بل نقلا عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاق على أَنه يمْنَع وُجُوبهَا كَمَا أَن الْحَاجة إِلَى نَفَقَة الْقَرِيب تمنع وُجُوبهَا إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير رجح أَن الدّين لَا يمْنَع وجوب زَكَاة الْفطر كَمَا يمْنَع وحوب زَكَاة المَال قَالَ وَفِي كَلَام الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب مَا يدل على أَن الدّين لَا يمْنَع الْوُجُوب لَكِن رجح صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير أَن الدّين يمْنَع الْوُجُوب وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي نكت التَّنْبِيه وَنَقله عَن الْأَصْحَاب وَقَول الشَّيْخ وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته
اعْلَم أَن الْجِهَات الَّتِي تتحمل زَكَاة الْفطر ثَلَاثَة الْملك وَالنِّكَاح والقرابة فَمن تلْزمهُ نَفَقَته بِسَبَب مِنْهَا لزمَه فطْرَة الْمُنفق عَلَيْهِ وَيسْتَثْنى من ذَلِك مسَائِل يلْزمه نَفَقَة ذَلِك الشَّخْص وَلَا تجب فطرته مِنْهَا الابْن تلْزمهُ نَفَقَة زَوْجَة أَبِيه وَفِي وجوب زَكَاة افطر عَلَيْهِ بسبها وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الْغَزالِيّ فِي جمَاعَة أَنَّهَا تجب عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وأصحهما عِنْد الْبَغَوِيّ وَغَيره لَا تجب وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وصححناه فِي الْمُحَرر والمنهاج وَيجْرِي الْوَجْهَانِ فِي مُسْتَوْلدَة الْأَب وَمِنْهَا لَو كَانَ للْأَب ابْن بَالغ وَالْوَالِد فِي نَفَقَة أَبِيه فَوجدَ قوت الْوَلَد يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته لم تجب فطرته على الْأَب وَكَذَا الابْن الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا كالكبير وَمِنْهَا الْقَرِيب الْكَافِر الَّذِي تجب
[ ١٨٧ ]
نَفَقَته وَكَذَا العَبْد الْكَافِر وَالْأمة الْكَافِرَة تجب نَفَقَتهم دون فطرتهم وَكَذَا زَوجته الْكَافِرَة وَعَن هَؤُلَاءِ احْتَرز الشَّيْخ بقوله من الْمُسلمين وَمِنْهَا زَوْجَة الْمُعسر أَو العَبْد إِذا كَانَت موسرة فَإِن نَفَقَتهَا مُسْتَقِرَّة فِي ذمَّته وَلَا تجب فطرتها بل تجب عَلَيْهَا على الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ وَخَالفهُ النَّوَوِيّ فصحح عدم الْوُجُوب وَكَذَا الْأمة الْمُزَوجَة بِعَبْد أَو مُعسر تجب فطرتها على سَيِّدهَا على الْأَصَح دون نَفَقَتهَا فَإِنَّهَا وَاجِبَة على الزَّوْج وَمِنْهَا إِذا كَانَ لَهُ عبد لَا مَال لَهُ غَيره بعد قوت يَوْم الْعِيد وَلَيْلَته وَبعد صَاع يُخرجهُ عَن فطْرَة نَفسه وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إِنَّه فِي هَذِه الصُّورَة أَنه يبْدَأ بِنَفسِهِ حكى الإِمَام فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الْأَصَح أَنه إِن كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ لخدمته فَهُوَ كَسَائِر الْأَمْوَال
وَالثَّانِي يُبَاع مِنْهُ بِقدر الْفطْرَة
وَالثَّالِث لَا تجب الزَّكَاة أصلا فعلى الصَّحِيح فِي معنى خدمته خدمَة من تلْزمهُ خدمته من قريب وَزَوْجَة وَلَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَى العَبْد لعمله فِي أرضه أَو مَاشِيَته فَإِن الْفطْرَة تجب قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَأطلق فِي الْمِنْهَاج وَلم يذكر التَّقْيِيد بِالْخدمَةِ وَالله أعلم قَالَ
(فَيخرج صَاعا من قوت بَلَده وَقدره خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي)
من وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة الْفطر يلْزمه أَن يخرج صَاعا من قوته لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم وَهُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي ووزنه سِتّمائَة دِرْهَم وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم وَهَذَا عِنْد الرَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يَقُول إِن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَقَالَ النَّوَوِيّ إِن الرطل مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم وَالِاعْتِبَار فِي الصَّاع بِالْكَيْلِ وَإِنَّمَا قدر الْعلمَاء الصَّاع بِالْوَزْنِ استظهارًا قَالَ النَّوَوِيّ قد يسْتَشْكل ضبط الصَّاع بالأرطال فَإِن الصَّاع الْمخْرج بِهِ فِي زَمَنه ﵊ مكيال مَعْرُوف وَيخْتَلف قدره وزنا باخْتلَاف جنس مَا يخرج كالذرة والحمص وَغَيرهمَا فَالصَّوَاب الِاعْتِمَاد على الْكَيْل دون الْوَزْن فَالْوَاجِب أَن يخرج بِصَاع معاير بالصاع الَّذِي كَانَ يخرج بِهِ فِي من رَسُول الله ﷺ فَمن لم يجد وَجب عَلَيْهِ أَن يخرج قدرا يتَيَقَّن أَنه لَا ينقص عَنهُ وعَلى هَذَا فالتقدير بِخَمْسَة أَرْطَال وَثلث تقريب وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء إِنَّه قدر أَربع حفنات بكفي رجل معتدل الْكَفَّيْنِ وَالله أعلم
إِذا عرفت هَذَا فَكل مَا يجب فِيهِ الْعشْر فَهُوَ صَالح لإِخْرَاج الْفطْرَة مِنْهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور وَفِي قَول لَا يجزىء الحمص والعدس ويجزىء الأقط على الصَّحِيح وَقَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي الْقطع بِجَوَازِهِ لصِحَّة الحَدِيث فِيهِ وَالأَصَح أَن الْجُبْن وَاللَّبن فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا فِيمَن ذَلِك قوته
[ ١٨٨ ]
وَإِلَّا فَلَا يجزىء وَلَا خلاف أَنه لَا يجزىء السّمن وَلَا الْجُبْن المنزوع الزّبد وَلَا يجزىء التِّين وَلَا لحم الصَّيْد وَإِن كَانَ يقتات بهما فِي بعض الجزائر لِأَن النَّص ورد فِي بعض المعشرات وقسنا عَلَيْهِ الْبَاقِي بِجَامِع الاقتيات
وَاعْلَم أَن شَرط الْمخْرج أَن لَا يكون مسوسًا وَلَا معيبا كَالَّذي لحقه مَاء أَو نداوة الأَرْض وَنَحْو ذَلِك كالعتيق الْمُتَغَيّر اللَّوْن والرائحة وَكَذَا المدود وَشرط الْمخْرج أَن يكون حبا فَلَا تجزىء الْقيمَة بِلَا خلاف وَكَذَا لَا يجزىء الدَّقِيق وَلَا السويق وَلَا الْخبز لِأَن الْحبّ يصلح لما لَا يصلح لَهُ هَذِه الثَّلَاثَة وَهُوَ مورد النَّص فَلَا يَصح إِلْحَاق هَذِه الْأُمُور بالحب لِأَنَّهَا لَيست فِي معنى الْحبّ فاعرفه ثمَّ الْوَاجِب غَالب قوت بَلَده لِأَن نفوس الْفُقَرَاء متشوقة إِلَيْهِ وَقيل الْوَاجِب قوت نَفسه فعلى الصَّحِيح وَهُوَ أَن الْوَاجِب غَالب قوت بَلَده لِأَن نفوس الْفُقَرَاء متشوفه إِلَيْهِ وَقيل الْوَاجِب قوت نَفسه فعلى الصَّحِيح وَهُوَ أَن الْوَاجِب غَالب قوت الْبَلَد لَو كَانُوا يقتاتون أجناسًا لَا غَالب فِيهَا أخرج مَا شَاءَ وَقيل يجب الْأَعْلَى احْتِيَاطًا ثمَّ مَا المُرَاد بالغالب قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط الْمُعْتَبر غَالب قوت الْبَلَد وَقت وجوب الْفطْرَة لَا فِي جَمِيع السّنة وَقَالَ فِي الْوَجِيز غَالب قوت الْبَلَد يَوْم الْفطْرَة وَالله أعلم
وَمَا فِي الْوَسِيط صرح بِهِ صَاحب الذَّخَائِر وَكَلَام شرح الْمُهَذّب قَالَ الاسنائي يَقْتَضِي أَن المُرَاد بقوت الْبَلَد إِنَّمَا هُوَ فِي وَقت من الْأَوْقَات قَالَ فتفطن لَهُ وَصُورَة مَسْأَلَة شرح الْمُهَذّب الَّتِي ذكرهَا الاسنائي فِيمَا إِذا كَانُوا يقتاتون أجناسًا لَا غَالب فِيهَا وَلَو كَانُوا يقتاتون قمحًا مخلوطًا بشعير أَو بذرة أَو بحمص وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ على السوَاء تخير وَإِلَّا وَجب الْإِخْرَاج من الْأَكْثَر وَيحرم تَأْخِير الزَّكَاة عَن يَوْم الْعِيد وَيسْتَحب إخْرَاجهَا قبل صَلَاة الْعِيد وَيجوز تَعْجِيلهَا من أول رَمَضَان وَالله أعلم
(فرع) لَو أخرج من مَاله فطْرَة وَلَده الصَّغِير جَازَ وَإِن كَانَ الصَّغِير غَنِيا فَلِأَنَّهُ يسْتَقلّ بتمليكه فَكَأَنَّهُ ملكه ثمَّ أخرج عَنهُ وَالْجد فِي معنى الْأَب وَهَذَا بِخِلَاف الْوَلَد الْكَبِير فَإِنَّهُ لَا يخرج عَنهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ نعم لَو كَانَ الابْن الْكَبِير مَجْنُونا جَازَ أَن يخرج عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يملكهُ لِأَنَّهُ كالصغير
وَاعْلَم أَن التَّقْيِيد بالوالد يخرج الْوَصِيّ والقيم فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يخرج عَنهُ من مَاله إِلَّا بِإِذن القَاضِي كَذَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب لِأَن اتِّحَاد الْمُوجب والقابض يخْتَص بِالْأَبِ وَالْجد وَالْأَفْضَل صرف الْفطْرَة إِلَى أَقَاربه الَّذين لَا تلْزمهُ نَفَقَتهم وَالْأولَى أَن يبْدَأ بِذِي الرَّحِم الْمحرم كالأخوات والأخوة والأعمام والأخوال وَيقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ الْقَرَابَة الَّذين لَيْسُوا بمحرمين عَليّ كأولاد الْعم وَالْخَال ثمَّ بالجار وَالله أعلم قَالَ
[ ١٨٩ ]