(وسننها قبل الدُّخُول فِيهَا شَيْئَانِ الْأَذَان والاقامة) الْأَذَان فِي اللُّغَة الْإِعْلَام وَفِي الشَّرْع ذكر مَخْصُوص شرع للإعلام بِصَلَاة مَفْرُوضَة وَالْأَذَان
[ ١١٠ ]
وَالْإِقَامَة مشروعان بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة﴾ والإخبار فِي ذَلِك كَثِيرَة مِنْهُمَا حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
(إِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن لكم أحدكُم وليؤمكم أكبركم) وَفِي رِوَايَة
(فأذنا ثمَّ أقيما) وهما سنة على الصَّحِيح وَقيل فرض كِفَايَة وَقيل هما سنة فِي غير الْجُمُعَة وَفرض كِفَايَة فِيهَا وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَنَّهُمَا ليسَا بِسنة فِي غير الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَهُوَ كَذَلِك فَلَا يشرعان فِي الْمَنْذُورَة والجنازة وَلَا السّنَن وَإِن شرعت فِيهَا الْجَمَاعَة كالعيد والكسوف وَالِاسْتِسْقَاء والتراويح لعدم ورودهما فِي ذَلِك ثمَّ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة إِن كَانَت مَكْتُوبَة فِي جمَاعَة رجال فَلَا خلاف فِي اسْتِحْبَاب الْأَذَان لَهَا وَأما الْمُنْفَرد فِي الصَّحرَاء وَكَذَا فب الْبَلَد فَيُؤذن أَيْضا على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ لأبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁
(إِنِّي أَرَاك تحب الْبَادِيَة وَالْغنم فَإِذا كنت فِي باديتك أَو غنمك للصَّلَاة فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة) وَالْقَدِيم لَا يُؤذن لانْتِفَاء الْإِعْلَام وَيَنْبَغِي أَن يُؤذن وَيُقِيم قَائِما مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَلَو تَركهمَا مَعَ الْقُدْرَة صَحَّ أَذَانه وإقامته على الْأَصَح لَكِن يكره إِلَّا إِذا كَانَ مُسَافِرًا فَلَا بَأْس بأذانه رَاكِبًا وأذان المضطجع كالقاعد إِلَّا أَنه أَشد كَرَاهَة وَلَا يقطع الْأَذَان بِكَلَام وَلَا غَيره فَلَو سلم عَلَيْهِ إِنْسَان أَو عطس لم يجبهُ حَتَّى يفرغ فَإِن أَجَابَهُ أَو تكلم لمصْلحَة لم يكره وَكَانَ تَارِكًا للمستحب نعم لَو رأى أعمى يخَاف وُقُوعه فِي بِئْر وَنَحْوه وَجب إنذاره وَيسْتَحب أَن يكون الْمُؤَذّن متطهرا فَإِن أذن وَأقَام وَهُوَ مُحدث أَو جنب كره وَيسْتَحب أَن يكون صيتًا وَحسن الصَّوْت وَأَن يُؤذن على مَوضِع عَال وَشرط الْأَذَان أَن يكون الْمُؤَذّن مُسلما عَاقِلا ذكرا وَهل الْأَذَان أفضل من الْإِمَامَة أم لَا فِيهِ خلاف الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أم الْإِمَامَة أفضل وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ قَالَ وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَابنَا إِن الْأَذَان أفضل وَنَصّ الشَّافِعِي على كَرَاهَة الْإِمَامَة وَاعْلَم أَن الْأَذَان مُتَعَلق بِنَظَر الْمُؤَذّن لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى مُرَاجعَة الإِمَام وَأما الْإِقَامَة فتتعلق بِإِذن الْأَمَام وَالله أعلم قَالَ
(وَبعد الدُّخُول فِيهَا شَيْئَانِ التَّشَهُّد الأول والقنوت فِي الصُّبْح وَفِي الْوتر فِي النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان)
[ ١١١ ]
التَّشَهُّد الأول سنة فِي الصَّلَاة لما رَوَاهُ عبد الله بن بُحَيْنَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ
(قَامَ فِي صَلَاة الظّهْر وَعَلِيهِ جُلُوس فَلَمَّا أتم صلَاته سجد سَجْدَتَيْنِ) وَلَو كَانَ وَاجِبا لما تَركه ﷺ وَأما مشروعيته فالإجماع مُنْعَقد بعد السّنة الشَّرِيفَة على ذَلِك وَكَيف قعد جَازَ بِلَا خلاف بِالْإِجْمَاع لَكِن الإفتراش أفضل فيجلس على الكعب يسراه وَينصب يمناه وَيَضَع أَطْرَاف أَصَابِعه الْيُمْنَى للْقبْلَة وَأما الْقُنُوت فَيُسْتَحَب فِي اعْتِدَال الثَّانِيَة فِي الصُّبْح لما رَوَاهُ أنس ﵁ قَالَ
(مَا زَالَ رَسُول الله ﷺ يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى فَارق الدُّنْيَا) وَكَون الْقُنُوت فِي الثَّانِيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَكَونه بعد رفع الرَّأْس من الرُّكُوع فَلَمَّا ورد عَن بِي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ
(لما قنت فِي قصَّة قَتْلَى بِئْر مَعُونَة قنت بعد الرُّكُوع فقسنا عَلَيْهِ قنوت الصُّبْح) نعم فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ
(كَانَ يقنت قبل الرّفْع من الرُّكُوع) قَالَ الْبَيْهَقِيّ لَكِن رُوَاة الْقُنُوت بعد الرّفْع أَكثر وأحفظ فَهَذَا أولى فَلَو قنت قبل الرُّكُوع قَالَ فِي الرَّوْضَة لم يُجزئهُ على الصَّحِيح وَيسْجد للسَّهْو على الْأَصَح وَلَفظ الْقُنُوت
(اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت وَعَافنِي فِيمَن عافيت وتولني فِيمَن توليت وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت وقني شَرّ مَا قضيت فَإنَّك تقضي وَلَا يقْضى عَلَيْك وَإنَّهُ لَا يذل من واليت تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت) قَالَ الرَّافِعِيّ وَزَاد الْعلمَاء وَلَا يعز من عاديت قبل تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت وَقد جَاءَت فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ وَبعده فلك الْحَمد على مَا قضيت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَاعْلَم أَن الصَّحِيح أَن هَذَا الدُّعَاء لَا يتَعَيَّن حَتَّى لَو قنت بِآيَة تَتَضَمَّن دُعَاء وَقصد الْقُنُوت تأدت السّنة بذلك ويقنت الإِمَام بِلَفْظ الْجمع بل يكره تَخْصِيص نَفسه بِالدُّعَاءِ لقَوْله ﷺ
(لَا يؤم عبد قوما فيخص نَفسه بدعوة دونهم فَإِن فعل فقد خَانَهُمْ) ثمَّ سَائِر الْأَدْعِيَة فِي حق الإِمَام كَذَلِك أَي يكره لَهُ إِفْرَاد نَفسه صرح بِهِ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الْأَذْكَار للنووي وَالسّنة أَن يرفع يَدَيْهِ وَلَا يمسح وَجهه لِأَنَّهُ لم يثبت قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَلَا يسْتَحبّ مسح الصَّدْر بِلَا خلاف بل نَص جمَاعَة على كَرَاهَته قَالَه فِي الرَّوْضَة وَيسْتَحب الْقُنُوت فِي آخر وتره فِي النّصْف الثَّانِي من رَمَضَان كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ ﵁ وَأَبُو دَاوُد عَن أبي بن كَعْب وَقيل يقنت كل السّنة فِي الْوتر قَالَه النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق فَقَالَ إِنَّه مُسْتَحبّ فِي جَمِيع السنه وَقيل يقنت فِي جَمِيع
[ ١١٢ ]
رَمَضَان وَيسْتَحب فِيهِ قنوت عمر ﵁ وَيكون قبل قنوت الصُّبْح قَالَه الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح بعده لِأَن قنوت الصُّبْح ثَابت عَن النَّبِي ﷺ فِي الْوتر فَكَانَ تَقْدِيمه أولى وَالله أعلم قَالَ