يحجمها وَليكن ذَلِك بِحَضْرَة محرم أَو زوج خشيَة الْخلْوَة بِشَرْط أَن لَا تكون هُنَاكَ امْرَأَة تعالجها وَكَذَلِكَ يشْتَرط فِي معالجة الْمَرْأَة الرجل أَن لَا يكون هُنَاكَ رجل قَالَه الزبيرِي وَالرُّويَانِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ الْأَصَح وَبِه قطع القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ قَالَا وَالْأولَى أَن لَا يكون ذِمِّيا مَعَ وجود مُسلم
وَاعْلَم أَن أصل الْحَاجة كَاف فِي النّظر إِلَى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَفِي النّظر إِلَى بَقِيَّة الْأَعْضَاء يعْتَبر تَأَكد الْحَاجة وَفِي النّظر إِلَى السوءتين يعْتَبر مزِيد تَأَكد الْحَاجة قَالَ الْغَزالِيّ وَذَلِكَ بِأَن تكون الْحَاجة بِحَيْثُ لَا يعد التكشف بِسَبَبِهَا هتكًا للمروءة وتعذرًا فِي الْعَادة وَالله أعلم قَالَ
(وَالسَّادِس النّظر للشَّهَادَة والمعاملة فَيجوز إِلَى الْوَجْه خَاصَّة)
من مَوَاضِع الْحَاجة جَوَاز النّظر إِلَى ثدي الْمَرْأَة الْمُرضعَة لأجل الشَّهَادَة على الرَّضَاع وَكَذَا النّظر إِلَى فرجهَا لأجل الشَّهَادَة على الْولادَة وَكَذَا النّظر إِلَى فرج الزَّانِيَيْنِ لأجل الشَّهَادَة عَلَيْهِمَا لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَقيل لَا يجوز كل ذَلِك لِأَن الزِّنَا مَنْدُوب إِلَى ستره والولادة وَالرّضَاع بِشَهَادَة النِّسَاء مَقْبُولَة فيهمَا وَالصَّحِيح الأول لِأَنَّهُ بِالزِّنَا هتك حُرْمَة الشَّرْع فَجَاز أَن تهتك حرمته وَأما الرَّضَاع والولادة فَفِي الْجَواب عَنْهُمَا وَقْفَة وكما يجوز النّظر لهَذِهِ الْأُمُور كَذَا يجوز النّظر لأجل الْمُعَامَلَة لِأَن الْحَاجة قد تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَتَقْيِيد الشَّيْخ بِالْوَجْهِ فَقَط لِأَن الْحَاجة بِهِ تنْدَفع وَالْبَاقِي مَمْنُوع مِنْهُ فَبَقيَ على أَصله وَالله أعلم قَالَ
(وَالسَّابِع النّظر إِلَى الْأمة عِنْد ابتياعها فَيجوز إِلَى الْموضع الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي تقليبها)
من مَوَاضِع الْحَاجة النّظر لأجل الشِّرَاء وَقد ذَكرْنَاهُ فِي البيع فَرَاجعه وَالله أعلم قَالَ
بَاب شُرُوط عقد النِّكَاح فصل وَلَا يَصح عقد النِّكَاح إِلَّا بولِي ذكر وشاهدي عدل ويفتقر الْوَلِيّ والشاهدان إِلَى سِتَّة شُرُوط
الْوَلِيّ أحد أَرْكَان النِّكَاح فَلَا يَصح إِلَّا بولِي لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ نزلت فِي معقل بن يسَار حِين حلف أَن لَا يُزَوّج أُخْته من مُطلقهَا فَلَو كَانَ للْمَرْأَة أَن
[ ٣٥٥ ]
تعقد لما نهي عَن عضلها وَلقَوْله ﷺ «لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل وَمَا كَانَ من نِكَاح غير ذَلِك فَهُوَ بَاطِل» وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ «لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا تزوج نَفسهَا» وَكُنَّا نقُول «الَّتِي تزوج نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة» وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ «أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاث مَرَّات» وَقَالَ ابْن معِين إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب وَقَوله ذكر احْتَرز بِهِ عَن الْخُنْثَى وَالْمَرْأَة فَلَا تصح عبارَة الْمَرْأَة فِي النِّكَاح إِيجَابا وقبولًا فَلَا تزوج نَفسهَا بِإِذن الْوَلِيّ وَلَا بِغَيْر إِذْنه وَلَا غَيرهَا لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة للْأَخْبَار ثمَّ شَرط الْوَلِيّ والشاهدين مَا ذكره وَالله أعلم
(فرع) روى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى أَن الشَّافِعِي ﵁ قَالَ إِذا كَانَ فِي الرّفْقَة امْرَأَة لَا ولي لَهَا فَوَلَّتْ أمرهَا رجلا حَتَّى زَوجهَا جَازَ لِأَن هَذَا من قبيل التَّحْكِيم والمحكم يقوم مقَام الْحَاكِم قَالَ النَّوَوِيّ ذكر الْمَاوَرْدِيّ فِيمَا إِذا كَانَت امْرَأَة فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ ولي وَلَا حَاكم ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا لَا تزوج
الثَّانِي تزوج نَفسهَا للضَّرُورَة
وَالثَّالِث تولي أمرهَا رجلا يُزَوّجهَا وَحكى الشَّاشِي أَن صَاحب الْمُهَذّب كَانَ يَقُول فِي هَذَا تحكم فَقِيها مُجْتَهدا وَهَذَا الَّذِي ذكره فِي التَّحْكِيم صَحِيح بِنَاء على الْأَظْهر فِي جَوَازه فِي النِّكَاح وَلَكِن شَرط الْمُحكم أَن يكون صَالحا للْقَضَاء وَهَذَا يعسر فِي مثل هَذِه الْحَال وَالَّذِي نختاره صِحَة النِّكَاح إِذا ولت أمرهَا عدلا وَإِن لم يكن مُجْتَهدا وَهُوَ ظَاهر نَصه الَّذِي نَقله يُونُس وَهُوَ ثِقَة وَالله أعلم قَالَ
(الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَالْعَدَالَة إِلَّا أَنه لَا يفْتَقر نِكَاح الذِّمِّيَّة إِلَى إِسْلَام الْوَلِيّ وَلَا نِكَاح الْأمة إِلَى عَدَالَة السَّيِّد)
لَا يجوز أَن يكون ولي الْمسلمَة كَافِرًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض﴾
[ ٣٥٦ ]
فالكافر لَيْسَ بناصر لَهَا لاخْتِلَاف الدّين فَلَا يكون وليا وَكَذَا أَيْضا لَا يجوز لمُسلم أَن يكون وليا لكافرة لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فَقطع ﷾ الْمُوَالَاة بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَيُؤْخَذ من الْآيَة ولَايَة الْكَافِر للكافرة كَمَا ذكره الشَّيْخ فِي قَوْله إِلَّا أَنه لَا يفْتَقر نِكَاح الذِّمِّيَّة إِلَى إِسْلَام الْوَلِيّ وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح وَلَا بُد أَن يكون عدلا فِي دين فَلَو كَانَ يرتكب الْمُحرمَات قَالَ الرَّافِعِيّ فتزويجه إِيَّاهَا كتزويج الْمُسلم الْفَاسِق ابْنَته وَقَالَ الْحَلِيمِيّ إِن الْكَافِر لَا يَلِي التَّزْوِيج وَإِن الْمُسلم إِذا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج بذمية زَوْجَة القَاضِي وَالصَّحِيح أَن الْكَافِر يَلِي لِلْآيَةِ ثمَّ شَرط هَذَا أَن لَا يكون الْوَلِيّ قَاضِيا فَإِن كَانَ ولي الذِّمِّيَّة قَاضِيا فَلَا يجوز للْمُسلمِ أَن يقبل نِكَاحهَا من قاضيهم على الْمَذْهَب
وَاعْلَم أَنه يسْتَثْنى من قَوْلنَا إِن الْمُسلم لَا يَلِي الْكَافِرَة السُّلْطَان فَإِنَّهُ يُزَوّج نسَاء أهل الذِّمَّة إِذا لم يكن لَهُنَّ ولي نسيب ويتولى السُّلْطَان أَمرهم بِالْولَايَةِ الْعَامَّة وَقَوله وَالْبُلُوغ وَالْعقل احْتَرز بِهِ عَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا يجوز أَن يكون الصَّبِي وَالْمَجْنُون وليين لِأَنَّهُ مولى عَلَيْهِمَا لاختلال نظرهما فِي مصلحتهما فَكيف يكونَانِ وليين لغَيْرِهِمَا ثمَّ هَذَا فِي الْجُنُون المطبق أما المتقطع فَفِيهِ خلاف وَالصَّحِيح أَيْضا أَنه كالمطبق فعلى هَذَا تنْتَقل الْولَايَة إِلَى الْأَبْعَد لَا إِلَى القَاضِي ويزوج يَوْم جُنُونه دون يَوْم إِفَاقَته
اعْلَم أَن اختلال الْعقل لهرم أَو خبل أَو عَارض يمْنَع الْولَايَة أَيْضا وينقلها إِلَى الْأَبْعَد وَكَذَا الْحجر بالسفه على الْمَذْهَب لاختلال نظره فِي حق نَفسه فَغَيره أولى وَلِهَذَا ولي عَلَيْهِ فَأشبه الصَّبِي وَفِي معنى ذَلِك كَثْرَة الأسقام والآلام الشاغلة عَن معرفَة مَوَاضِع النّظر والمصلحة فتنتقل الْولَايَة إِلَى الْأَبْعَد نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب ﵃ وَأما الْإِغْمَاء فَإِن كَانَ لَا يَدُوم غَالِبا فَهُوَ كالنوم ينْتَظر إِفَاقَته وَإِن كَانَ يَدُوم يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَقيل كالجنون وَالصَّحِيح الْمَنْع فعلى هَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيره ينْتَظر إِفَاقَته كالنائم وَجزم بِهِ فِي الْمُحَرر وَالله أعلم وَقَوله وَالْحريَّة احْتَرز بِهِ عَن الرّقّ فَلَا يجوز أَن يكون العَبْد وليا لِأَنَّهُ لَا يَلِي على نَفسه فَكيف يُزَوّج غَيره نعم لَو وَكله غَيره فِي قبُول نِكَاح فَإِن كَانَ باذن سَيّده صَحَّ قطعا وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذن السَّيِّد جَازَ أَيْضا على الْأَصَح وَهل يجوز أَن يكون وَكيلا فِي جَانب الْإِيجَاب قيل نعم كَمَا يجوز أَن يكون وَكيلا فِي جَانب الْقبُول وَالصَّحِيح عِنْد الْجُمْهُور الْمَنْع وَالْفرق أَن جَانب الْإِيجَاب ولَايَة وَهُوَ غير أهل للولاية وَقَوله والذكورة احْتَرز بِهِ عَن غَيرهَا فَلَا تكون الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى وليين للْأَخْبَار
[ ٣٥٧ ]
السَّابِقَة وَقَوله وَالْعَدَالَة احْتَرز بِهِ عَن غَيرهَا فالفاسق هَل يَلِي تَزْوِيج موليته فِيهِ خلاف منتشرالمذهب أَنه لَا يَلِي كولاية المَال وَلقَوْله ﷺ «لَا نِكَاح إِلَى بولِي مرشد» أَي رشيد لِأَن الْفسق يقْدَح فِي الشَّاهِد فَكَذَا فِي الْوَلِيّ كالرق وَيسْتَثْنى من هَذَا السَّيِّد فَإِنَّهُ يُزَوّج أمته وَلَو كَانَ فَاسِقًا لِأَنَّهُ يُزَوّج بِالْملكِ على الْأَصَح لَا بِالْولَايَةِ وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ قَالَ إِن أَكثر الْمُتَأَخِّرين أفتى بِأَن الْفَاسِق يَلِي لَا سِيمَا الخراسانيون وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَسُئِلَ الْغَزالِيّ فِي ولَايَة الْفَاسِق فَقَالَ إِنَّه لَو سلبناه الْولَايَة لانتقلت إِلَى حَاكم يرتكب مَا نفسقه بِهِ ولي وَإِلَّا فَلَا قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن فَيَنْبَغِي أَن يكون الْعَمَل بِهِ وَالله أعلم
(فرع) إِذا فرعنا على أَن الْفسق يسلب الْولَايَة فَلَو تَابَ قَالَ الْبَغَوِيّ يُزَوّج فِي الْحَال وَقَالَ الرَّافِعِيّ الْقيَاس الظَّاهِر وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الشَّهَادَات أَنه لَا بُد من استبرائه لعود ولَايَته حَيْثُ يعْتَبر الشَّهَادَة وَالله أعلم
(فرع) يجوز للأعمى أَن يتَزَوَّج بِلَا خلاف وَله أَن يُزَوّج على الْأَصَح وَأما الْأَخْرَس فَإِن كَانَ لَهُ كِتَابَة أَو إِشَارَة مفهمة فَفِيهِ الْخلاف فِي الْأَعْمَى وَإِلَّا فَلَا ولَايَة لَهُ وَالله أعلم وَاعْلَم أَن هَذِه الشُّرُوط كَمَا تعْتَبر فِي الْوَلِيّ كَذَلِك تعْتَبر فِي الشَّاهِدين فَلَا يَصح عقد النِّكَاح إِلَّا بِحَضْرَة شَاهِدين مُسلمين وَإِن كَانَت الزَّوْجَة ذِمِّيَّة مكلفين حُرَّيْنِ ذكرين عَدْلَيْنِ يَعْنِي فِي الظَّاهِر وَيشْتَرط مَعَ ذَلِك أَن يَكُونَا مِمَّن تقبل شَهَادَتهمَا لكل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ وَعَلِيهِ وَأَن يَكُونَا سميعين بصيرين عارفين بِلِسَان الْمُتَعَاقدين متيقظين فَلَا ينْعَقد بِحَضْرَة الْمُغَفَّل الَّذِي لَا يضْبط وَحجَّة ذَلِك قَوْله ﷺ «لَا نِكَاح إِلَّا بولِي مرشد وشاهدي عدل» وَالْمعْنَى فِي ذَلِك الِاحْتِيَاط للأبضاع وصيانة النِّكَاح عَن الْجُحُود ولحفظ الْأَنْسَاب فَلَو عقد بِحَضْرَة الْفَاسِقين كشهود قُضَاة الرشا وشهود قسم الظلمَة وشبههم فَالنِّكَاح بَاطِل كَمَا لَو عقد بِحَضْرَة كَافِرين أَو عَبْدَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يتَنَبَّه لمثل ذَلِك ويتحرى مُرِيد النِّكَاح شُهُودًا عُدُولًا كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل وَأخْبر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَالله أعلم
(فرع) يشْتَرط فِي صِحَة عقد النِّكَاح حُضُور أَرْبَعَة ولي وَزوج وشاهدي عدل وَيجوز أَن يُوكل الْوَلِيّ وَالزَّوْج فَلَو وكل الْوَلِيّ وَالزَّوْج أَو أَحدهمَا أَو حضر الْوَلِيّ ووكيله وَعقد الْوَكِيل لم يَصح النِّكَاح لِأَن الْوَكِيل نَائِب الْوَلِيّ وَالله أعلم قَالَ
(وَأولى الْوُلَاة الْأَب ثمَّ الْجد أَبُو الْأَب ثمَّ الْأَخ للْأَب وَالأُم ثمَّ الْأَخ للْأَب ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب وَالأُم ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب ثمَّ الْعم ثمَّ ابْنه على هَذَا التَّرْتِيب)
[ ٣٥٨ ]
أولى الْوُلَاة الْأَب لِأَن من عداهُ يُدْلِي بِهِ ثمَّ الْجد أَي أَبُو الْأَب وَإِن علا لِأَن لَهُ ولَايَة وعصوبة فَقدم على العاصب فَقَط ثمَّ الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ أَو من الْأَب ثمَّ ابْنه وَإِن سفل لادلائهم بِالْأَبِ ثمَّ الْعم لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب ثمَّ ابْنه وَإِن سفل ثمَّ سَائِر الْعَصَبَات وَالتَّرْتِيب فِي التَّزْوِيج كالترتيب فِي الْإِرْث إِلَّا فِي الْجد فَإِنَّهُ يقدم على الْأَخ هُنَا بِخِلَاف الْإِرْث وَإِلَّا فِي الابْن فَإِنَّهُ لَا يُزَوّج بالبنوة وَإِن قدم فِي الْإِرْث وَوجه عدم ولَايَته فِي النِّكَاح أَنه لَا مُشَاركَة بَينه وَبَين الْأُم فِي النّسَب فَلَا يعتني بِدفع الْعَار عَنهُ فَلَو شَارك الْأُم فِي النّسَب كَابْن هُوَ ابْن ابْن عَمها فَلهُ الْولَايَة بذلك لَا بالبنوة وَكَذَا إِذا كَانَ معتقًا أَو قَاضِيا أَو ولدت قرَابَة من وَطْء الشُّبْهَة بِأَن كَانَ ابْنهَا أخاها أَو ابْن أَخِيهَا أَو ابْن عَمها وَلَا تَمنعهُ الْبُنُوَّة التَّزْوِيج بالجهة الْأُخْرَى وَالله أعلم قَالَ
(فَإِن عدمت الْعَصَبَات فالمولى الْمُعْتق ثمَّ عصباته)
أَي الرجل ثمَّ عصبَة الْمولى وَهَكَذَا على تَرْتِيب الْإِرْث لقَوْله ﵊ «الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب» فَإِن كَانَ الْمُعْتق امْرَأَة فَالْأَصَحّ أَنه يُزَوّجهَا من يُزَوّج الْمُعتقَة لَكِن بِرِضا العتيقة وَلَا يشْتَرط رضَا الْمُعتقَة بِكَسْر التَّاء على الْأَصَح وَأما بعد موت الْمُعتقَة فيزوج من لَهُ الْوَلَاء فَيقدم ابْن الْمُعتقَة وَفِي وَجه تبقى ولَايَة الْأَب وَالله أعلم
(فرع) تزوج عَتيق بحرة الأَصْل فَأَتَت بابنة زَوجهَا بعد الْعَصَبَات الْحَاكِم وَقيل مولى الْأَب وَالله أعلم
(فرع) لَو خلف الْمُعْتق ابْنَيْنِ قَالَ ابْن الْحداد يُزَوّجهَا كل مِنْهُمَا على الِانْفِرَاد كالنسب وَالله أعلم
(ثمَّ الْحَاكِم)
أَي حَاكم الْموضع الَّذِي هِيَ فِيهِ لقَوْله ﵊ «السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ» فَلَو أَذِنت لحَاكم بلد آخر لم يَصح قَالَه الْغَزالِيّ وَالله أعلم
(فرع) هَذَا التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْأَوْلِيَاء مُعْتَبر فِي صِحَة النِّكَاح فَلَا يُزَوّج أحد وَهُنَاكَ
[ ٣٥٩ ]
من هُوَ أقرب مِنْهُ لِأَنَّهُ حق مُسْتَحقّ بِالتَّعْصِيبِ فَأشبه الْإِرْث فَلَو زوج أحد مِنْهُم على خلاف التَّرْتِيب الْمَذْكُور لم يَصح النِّكَاح وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز أَن يُصَرح بِخطْبَة مُعْتَدَّة وَيجوز أَن يعرض نِكَاحهَا قبل انْقِضَاء الْعدة)
الْخطْبَة بِكَسْر الْخَاء هِيَ التمَاس النِّكَاح ثمَّ الْمَرْأَة إِن كَانَت خلية عَن النِّكَاح وَالْعدة جَازَت خطبتها تَصْرِيحًا وتعريضًا قطعا وَإِن كَانَت مُزَوّجَة حرما قطعا وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة حرم التَّصْرِيح بخطبتها وَأما التَّعْرِيض فَإِن كَانَت رَجْعِيَّة حرم التَّعْرِيض لِأَنَّهَا زَوْجَة وَإِن كَانَت فِي عدَّة الْوَفَاة وَمَا فِي مَعْنَاهَا كالبائن والمفسوخ نِكَاحهَا فَلَا يحرم التَّعْرِيض لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ لِأَن فَاطِمَة بنت قيس طَلقهَا زَوجهَا فَبت طَلاقهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ «إِذا حللت فآذنيني» وَفرق بَين التَّصْرِيح والتعريض بِأَنَّهُ إِذا صرح تحققت الرَّغْبَة فِيهَا فَرُبمَا كذبت فِي انْقِضَاء الْعدة لغَلَبَة الشَّهْوَة أَو غَيرهَا وَفِي التَّعْرِيض لَا يتَحَقَّق ذَلِك وَهَذَا الْفرق يَصح فِيمَا إِذا كَانَت عدتهَا بالاقراء دون الْأَشْهر مَعَ أَن الصَّحِيح أَنه لَا فرق بَين الْعدة بالإقراء أَو بِالْأَشْهرِ ثمَّ أَلْفَاظ التَّصْرِيح مَا كَانَ نصا فِي إِرَادَة التَّزْوِيج نَحْو أُرِيد أَن أنكحك وَإِذا حللت نكحتك والتعريض مَا يحْتَمل الرَّغْبَة وَعدمهَا كَقَوْلِه رب رَاغِب فِيك وَإِذا حللت فآذنيني وَمن يجد مثلك وَنَحْو ذَلِك ثمَّ هَذَا كُله فِيمَا إِذا خطبهَا غير صَاحب الْعدة أما صَاحبهَا الَّذِي يحل لَهُ نِكَاحهَا فِيهَا فَلهُ التَّصْرِيح وبخطبتها وَالله أعلم قَالَ
(وَالنِّسَاء على ضَرْبَيْنِ ثيبات وأبكار فالبكر يجوز للْأَب وَالْجد إجبارها على النِّكَاح وَالثَّيِّب لَا يجوز تَزْوِيجهَا إِلَّا بعد بُلُوغهَا وإذنها)
قد تقدم لَك تَرْتِيب الْأَوْلِيَاء من النّسَب وَغَيره وَلَا شكّ أَن أقوى أَسبَاب الْولَايَة الْأُبُوَّة ثمَّ الجدودة لكَمَال شفقتهما فَلهَذَا كَانَ للْأَب وَالْجد تَزْوِيج الْبكر من كُفْء بِغَيْر إِذْنهَا صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة بِمهْر الْمثل لقَوْله ﵊ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَالْبكْر تستأمر وإذنها صماتها وَفِي رِوَايَة وإذنها سكُوتهَا والإجبار مَنُوط بالبكارة لَا بالصغر عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ثمَّ هَذَا إِذا لم يكن بَين الْأَب وَالْجد عَدَاوَة ظَاهِرَة فَإِن كَانَ فَفِي جَوَاز إجبارها وَجْهَان قَالَ ابْن كج
[ ٣٦٠ ]
وَابْن الْمَرْزُبَان لَيْسَ لَهُ إجبارها وعَلى ذَلِك جرى الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قَالَ الحناطي وَيحْتَمل الْجَوَاز
قلت جزم الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ بِبَقَائِهِ على ولَايَته وأوردا على أَنفسهمَا بِأَن الْأَب إِذا كَانَ عدوا ووضعها تَحت غير كُفْء وَأجَاب بِأَن خوف الْعَار يرشد إِلَى دفع هَذَا التَّوَهُّم وَالله أعلم وَيسْتَحب أَن تستأذن الْبَالِغَة للْخَبَر وَلَو أقرّ الْأَب أَو الْجد بِالنِّكَاحِ حَيْثُ لَهُ الْإِجْبَار قبل على الْأَصَح لِأَنَّهُ يقدر على الْإِنْشَاء وَمن قدر على الْإِنْشَاء قدر على الاقرار وَفِي وَجه لَا يقبل حَتَّى تشاهده الْبَالِغَة وَلَو استأذنها فِي دون مهر الْمثل فَسَكَتَتْ لم يكف أَو فِي أَن يُزَوّجهَا بِغَيْر كُفْء فَسَكَتَتْ كفى فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَإِن زوج غير الْأَب وَالْجد فَلَا بُد من إِذن الْبكر بعد الْبلُوغ وَيَكْفِي السُّكُوت على الْأَصَح لعُمُوم الْخَبَر ثمَّ حَيْثُ يَكْفِي السُّكُوت فَسَوَاء ضحِكت أَو بَكت إِلَّا أَن تبْكي بصياح أَو ضرب خد فَلَا يَكْفِي وَلَا يكون رضَا وَالله أعلم وَأما الثّيّب أَي الْعَاقِلَة فَلَا يجوز تَزْوِيجهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا بعد الْبلُوغ وإذنها النُّطْق لقَوْله ﷺ الثّيّب تستنطق وَلَا استنطاق إِلَّا بعد الْبلُوغ بِالْإِجْمَاع فَإِن كَانَت مَجْنُونَة أَو صَغِيرَة جَازَ للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا لَا لغَيْرِهِمَا لِأَن الْجُنُون إِذا انْضَمَّ إِلَى الصغر تأكدت الْولَايَة وَلَيْسَ لَهَا حَالَة تستأذن فِيهَا وَلَهُمَا ولَايَة الْإِجْبَار فِي الْجُمْلَة فاقتضت الْمصلحَة تَزْوِيجهَا وَيَكْفِي ظُهُور الْمصلحَة وَإِن لم يكن بهَا حَاجَة إِلَى النِّكَاح لِأَن النِّكَاح يفيدها الْمهْر وَالنَّفقَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَا تزوج الثّيّب الصَّغِيرَة الْمَجْنُونَة وَلَو كَانَت كَبِيرَة وَقد بلغت مَجْنُونَة جَازَ للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا وَكَذَا يجوز للْحَاكِم عِنْد عدم الْأَب وَالْجد وَإِن كَانَ لَهَا قريب من أَخ وَغَيره هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن ولَايَته عَامَّة وَله ولَايَة على مَالهَا ويرجى شفاؤها وَبِهَذَا فَارَقت الصَّغِيرَة وَقيل يُزَوّجهَا الْقَرِيب كالأخ وَهل يلْزمه مُرَاجعَة أقاربها أَو يسْتَحبّ وَجْهَان ثمَّ الْحَاكِم إِنَّمَا يُزَوّجهَا بِظُهُور الْحَاجة بِأَن تظهر مخايل شهوتها أَو لقَوْل الْأَطِبَّاء إِن شفاءها يتَوَقَّع بِهِ فَيجب حينئذوفال ابْن الصّباغ لَا يُزَوّجهَا الْحَاكِم إِلَّا إِذا فال الْأَطِبَّاء إِن شفاءها فِيهِ فَلَو انْتَفَى ذَلِك فزوج لأجل النَّفَقَة أَو لمصْلحَة أُخْرَى لم يجز فِي الْأَصَح لِأَن تَزْوِيجهَا يَقع إجبارا وَغير للْأَب وَالْجد لَا يجْبر وَقيل يجوز كَمَا يُزَوّج الْأَب للْمصْلحَة أما إِذا بلغت عَاقِلَة ثمَّ جنت فَهَل للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا إِذْ قُلْنَا لَا تعود ولَايَة المَال إِلَيْهِمَا وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَفِي التَّتِمَّة يُزَوّجهَا الْأَب بِلَا خلاف وَالصَّحِيح أَنه تعود ولَايَة من لَهُ الْولَايَة بالجنون وَلَا يَلِي القَاضِي فعلى هَذَا الْأَب وَالْجد يُزَوّج لَا محَالة وَقَول الشَّيْخ وَالثَّيِّب لَا تزوج إِلَّا بعد بُلُوغهَا وإذنها يسْتَثْنى الصغيرى والمجنونة الثّيّب على مَا تقدم وَالله أعلم وَاعْلَم أَن الْبكارَة تَزُول بِوَطْء حَلَال أَو شُبْهَة أَو زنا وَفِي الْقَدِيم أَن الزَّانِيَة حكمهَا حكم الْبكر وَهُوَ ضَعِيف وَلَو حصلت الثيوبة بالسقطة أَو بإصبع أَو خدة الطمث وَهُوَ
[ ٣٦١ ]
الْحيض أَو طول التعنيس وَهُوَ بَقَاؤُهَا زَمَانا بعد أَن بلغت حد التَّزْوِيج وَلم تزوج فَالصَّحِيح أَنَّهَا كالأبكار وَلَو وطِئت مُكْرَهَة أَو نَائِمَة أَو مَجْنُونَة فَالْأَصَحّ أَنَّهَا كالثيب فَلَا بُد من نطقها وَقيل كالبكر قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَلَو خلقت الْمَرْأَة بِلَا بكارة فَهِيَ بكر وَالله أعلم
(فرع) ادَّعَت الْمَرْأَة الْبكارَة أَو الثيوبة فَقطع الصَّيْمَرِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ بِأَن القَوْل قَوْلهَا وَلَا يكْشف حَالهَا لِأَنَّهَا أعلم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا تسْأَل عَن الْوَطْء وَلَا يشْتَرط أَن يكون لَهَا زوج قَالَ الشَّاشِي وَفِي هَذَا نظر لِأَنَّهَا رُبمَا أذهبت بَكَارَتهَا بأصبعها فَلهُ أَن يسْأَلهَا فَإِن اتهمها حَلفهَا قلت طبع النِّسَاء نزاع إِلَى ادِّعَاء نفي مَا يجر إِلَى الْعَار فَيَنْبَغِي مُرَاجعَة القوابل فِي ذَلِك وَإِن كَانَ الأَصْل الْبكارَة لِأَن الزَّمَان قد كثر فَسَاده فَلَا بُد من مُرَاجعَة القوابل وَلَا يَكْفِي السُّكُوت احْتِيَاطًا للأبضاع والأنساب وَالله أعلم
(فرع) فِي أصل الرَّوْضَة أقرَّت لزوج وَأقر وَليهَا المقبول إِقْرَاره لآخر فَهَل المقبول إِقْرَارهَا أَو إِقْرَاره فِيهِ وَجْهَان بِلَا تَرْجِيح وَالله أعلم قلت وَفِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة إِذا أقرَّت الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ وصدقها الزَّوْج قبل على الْجَدِيد فعلى هَذَا لَا يَكْفِي الاطلاق على الْأَصَح فَلَا بُد أَن تَقول زَوجنِي وليي بعد لين ورضاي حَيْثُ يعْتَبر وَكَذَا لَو ادّعى الزَّوْج فَهَل يشْتَرط عدم تَكْذِيب الْوَلِيّ وَالشُّهُود لَهَا فِيهِ أوجه أَصَحهَا لَا ثمَّ قَالَ فَإِذا قبلنَا إِقْرَارهَا وَإِن كذبهَا الْوَلِيّ فَلَو أقرَّت لشخص وَأقر الْمُجبر لآخر فَهَل يقبل إِقْرَاره أم إِقْرَارهَا وَجْهَان وَحكى الإِمَام عَن الْأَصْحَاب ترددًا فِي قبُول إِقْرَار الْبكر وَمَعَهَا مجبر وَرجح عدم الْقبُول انْتهى مُلَخصا وَالله أعلم قَالَ