(فصل وشرائط وجوب الْجُمُعَة سَبْعَة أَشْيَاء الْإِسْلَام)
الْجُمُعَة لَهَا شُرُوط بِاعْتِبَار الْوُجُوب وشروط بِاعْتِبَار صِحَة الْفِعْل وَسَيَأْتِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسميت الْجُمُعَة جُمُعَة لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا أَو لما جمع فِيهَا من الْخَيْر
وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ الآيه وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه ﵊ قَالَ
(لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا فَيصَلي بِالنَّاسِ ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجُمُعَة بُيُوتهم) وَفِي رِوَايَة
(لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَة أَو ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن الغافلين) وَفِي الحَدِيث
(من ترك ثَلَاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) إِذا عرفت هَذَا فَمن شُرُوط وُجُوبهَا الْإِسْلَام لما تقدم فِي كتاب الصَّلَاة قَالَ
(وَالْحريَّة وَالْبُلُوغ وَالْعقل)
أما وُجُوبهَا على الْحر الْبَالِغ الْعَاقِل فللأدلة الْمُتَقَدّمَة وَاحْترز الشَّيْخ بِالْحرِّ عَن العَبْد وبالبالغ عَن الصَّبِي وبالعاقل عَن غير الْعَاقِل فَلَا تجب الْجُمُعَة عَن عبد وَصبي وَمَجْنُون وَكَذَا
[ ١٤١ ]
الْمغمى عَلَيْهِ بِخِلَاف السَّكْرَان قَالَ ﷺ
(الْجُمُعَة وَاجِبَة على كل مُسلم إِلَّا على أَرْبَعَة عبد مَمْلُوك وَامْرَأَة وَصبي ومريض) وَأما الْمَجْنُون فَلِأَنَّهُ غير مُكَلّف قَالَ
(والذكورة وَالصِّحَّة والاستيطان)
احترزنا بالذكورة عَن الْأُنُوثَة فَلَا تجب الْجُمُعَة على الْمَرْأَة للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَلِأَن فِي خُرُوجهَا إِلَى الْجُمُعَة تكليفًا لَهَا وَنَوع مُخَالطَة بِالرِّجَالِ وَلَا تأمن الْمفْسدَة فِي ذَلِك وَقد تحققت الْآن الْمَفَاسِد لَا سِيمَا فِي مَوَاضِع الزِّيَارَة كبيت الْمُقَدّس شرفه الله وَغَيره فَالَّذِي يجب الْقطع بِهِ مَنعهنَّ فِي هَذَا الزَّمَان الْفَاسِد لِئَلَّا يتَّخذ أشرف الْبِقَاع مَوَاضِع الْفساد وَاحْترز الشَّيْخ بِالصِّحَّةِ عَن الْمَرَض فَلَا تجب الْجُمُعَة على مَرِيض وَمن فِي مَعْنَاهُ كالجوع والعطش والعري وَالْخَوْف من الظلمَة وأتباعهم قَاتلهم الله مَا أفسدهم للشريعة وَحجَّة عدم الْوُجُوب على الْمَرِيض الحَدِيث السَّابِق وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَفِي معنى الْمَرِيض من بِهِ إسهال وَلَا يقدر على ضبط نَفسه ويخشى تلويث الْمَسْجِد ودخوله الْمَسْجِد وَالْحَالة هَذِه حرَام صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَة وَقد صرح الْمُتَوَلِي بِسُقُوط الْجُمُعَة عَنهُ وَلَو خشِي على الْمَيِّت الانفجار أَو تغيره كَانَ عذرا فِي ترك الْجُمُعَة فليبادر إِلَى تَجْهِيزه وَدَفنه وَقد صرح بذلك الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة وَقَوله الاستيطان احْتَرز بِهِ عَن غير المستوطن كالمسافر وَنَحْوه فَلَا جمعه عَلَيْهِم كالمقيم فِي مَوضِع لَا يسمع النداء من الْموضع الَّذِي تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة إِذْ لم ينْقل عَنهُ أَنه صلى الْجُمُعَة فِي سفر وَقد رُوِيَ
(لَا جُمُعَة على مُسَافر) قَالَ
(وشرائط فعلهَا ثَلَاثَة أَن تكون الْبَلَد مصرا أَو قَرْيَة وَأَن يكون الْعدَد أَرْبَعِينَ من أهل الْجُمُعَة وَأَن يكون الْوَقْت بَاقِيا فَإِن خرج الْوَقْت أَو عدمت الشُّرُوط صليت ظهرا)
لصِحَّة الْجُمُعَة شُرُوط بَقِيَّة شُرُوط الصَّلَاة مِنْهَا دَار الْإِقَامَة وَهِي عبارَة عَن الْأَبْنِيَة الَّتِي يستوطنها الْعدَد الَّذين يصلونَ الْجُمُعَة سَوَاء فِي ذَلِك المدن والقرى والمغر الَّتِي تتَّخذ وطنًا وَسَوَاء فِيهَا الْبناء من حجر أَو طين أَو خشب وَنَحْوه وَوجه اشْتِرَاط ذَلِك أَنه لم ينْقل إِقَامَتهَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِلَّا كَذَلِك وَلَو جَازَت فِي غير ذَلِك لفَعَلت وَلَو مرّة وَلَو فعلت لنقل
[ ١٤٢ ]
وَيشْتَرط فِي الْأَبْنِيَة أَن تكون مجتمعة فَلَو تَفَرَّقت لم يكف وَيعرف التَّفْرِيق بِالْعرْفِ وَلَا جُمُعَة على أهل الْخيام وَإِن لازموا مَكَانا وَاحِدًا صيفًا وشتاء لأَنهم على هَيْئَة المستوفزين وَمِنْهَا أَن تُقَام فِي جمَاعَة لِأَنَّهُ ﵊ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَمن بعدهمْ لم ينْقل عَنْهُم وَلَا عَن غَيرهم فعلهَا فُرَادَى ثمَّ شَرط الْجَمَاعَة أَن تكون أَرْبَعِينَ وَبِه قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵁ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا مثل مَذْهَبنَا وَالْأُخْرَى أَن الِاعْتِبَار بِعَدَد يعد بهم الْموضع قَرْيَة وتمكنهم الْإِقَامَة فِيهِ وَيكون بَينهم البيع وَالشِّرَاء وَنقل صَاحب التَّلْخِيص من أَصْحَابنَا قولا عَن الْقَدِيم أَنَّهَا تَنْعَقِد بِثَلَاثَة وَلم يُثبتهُ عَامَّة الْأَصْحَاب وَالْمذهب الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنه لَا بُد من أَرْبَعِينَ وَاحْتج لَهُ بِأَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث جَابر ﵁ أَنه قَالَ
(مَضَت السّنة أَن فِي كل أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقهَا جُمُعَة) وَقَول الصَّحَابِيّ مَضَت السّنة كَقَوْلِه ﷺ وَمِنْهَا حَدِيث كَعْب بن مَالك قَالَ أول من صلى بِنَا الْجُمُعَة فِي بَقِيع الْخضمات أسعد بن زُرَارَة وَكُنَّا أَرْبَعِينَ وَجه الدّلَالَة أَن الْغَالِب على أَحْوَال الْجُمُعَة التَّعَبُّد وَالْأَرْبَعُونَ أقل مَا ورد وَمِنْهَا أَنه ﵊ جمع بِالْمَدِينَةِ وَلم ينْقل أَنه جمع بِأَقَلّ من أَرْبَعِينَ واتفقنا على اقامتها بالأربعين فَمن ادّعى إِقَامَتهَا بِدُونِ ذَلِك فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يشْتَرط خمسين وَاحْتج بِحَدِيث وَالْجَوَاب أَن الحَدِيث فِي رِجَاله جَعْفَر بن الزبير وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث
وَاعْلَم أَن شَرط الْأَرْبَعين الذُّكُورَة والتكليف وَالْحريَّة وَالْإِقَامَة على سَبِيل التوطن لَا يظعنون شتاء وَلَا صيفًا إِلَّا لحَاجَة فَلَا تَنْعَقِد بالإناث وَلَا بالصبيان وَلَا بالعبيد وَلَا بالمسافرين وَلَا بالمستوطنين شتاء دون صيف وَعَكسه والغريب إِذا أَقَامَ بِبَلَد واتخذه وطنا صَار لَهُ حكم أَهله فِي وجوب الْجُمُعَة وَإِن لم يتَّخذ بل عزمه الرُّجُوع إِلَى بَلَده بعد مُدَّة يخرج بهَا عَن كَونه مُسَافِرًا قَصِيرَة كَانَت أَو طَوِيلَة كالتاجر والمتفقة وَالَّذِي يرحل من بَلَده من قلَّة المَاء أَو خوف الظلمَة قَاتلهم الله ثمَّ عزمه يعود إِذا انفرج أمره فَهَؤُلَاءِ لَا تلزمهم الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بهم على الْأَصَح
(فرع) إِذا تقَارب قَرْيَتَانِ فِي كل مِنْهُمَا دون أَرْبَعِينَ بِصفة الْكَمَال وَلَو اجْتَمعُوا لبلغوا أَرْبَعِينَ لم تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة وَإِن سَمِعت كل قَرْيَة نِدَاء الْأُخْرَى لِأَن الْأَرْبَعين غير مقيمين فِي مَوضِع الْجُمُعَة وَالله أعلم
وَمِنْهَا أَي من شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة أَن تقع فِي الْوَقْت ووقتها وَقت الظّهْر فَلَا تقضى على صورتهَا بالِاتِّفَاقِ وَقَالَ الإِمَام أَحْمد تجوز قبل الزَّوَال وَحجَّتنَا مَا ورد عَن أنس
[ ١٤٣ ]
﵄ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ
(يُصَلِّي الْجُمُعَة حِين تَزُول الشَّمْس) وروى مُسلم عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ
(كُنَّا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس ثمَّ نرْجِع فنتتبع الْفَيْء أَي ظلّ الْحِيطَان) وَلَو ضَاقَ الْوَقْت عَن الْجُمُعَة صلوا ظهرا وَلَا يجوز الشُّرُوع فِي الْجُمُعَة نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم وَلَو خرج الْوَقْت وهم فِيهَا أتموها ظهرا وَإِن صلو رَكْعَة فِي الْوَقْت وَلَو شكوا هَل خرج الْوَقْت أم لَا لم يشرعوا فِي الْجُمُعَة وصلوا ظهرا فَإِن الْوَقْت شَرط لَا بُد من تَحْقِيق وجوده وَقد شككنا فِيهِ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالله أعلم قَالَ
(وفرائضها ثَلَاثَة أَشْيَاء خطبتان يقوم فيهمَا وَيجْلس بَينهمَا وَأَن تصلى رَكْعَتَيْنِ فِي جمَاعَة)
من شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة أَن يتقدمها خطبتان فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ أَنه ﵊
(كَانَ يخْطب خطبتين يجلس بَينهمَا وَكَانَ يخْطب قَائِما) وَفِي رِوَايَة
(أَنه ﵊ كَانَ يخْطب خطبتين يقْرَأ الْقُرْآن وَيذكر النَّاس) وللخطبة خَمْسَة أَرْكَان
أَحدهَا حمد لله تَعَالَى وَيتَعَيَّن لفظ الْحَمد
وَالثَّانِي الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ وَيتَعَيَّن لفظ الصَّلَاة
الثَّالِث الْوَصِيَّة بتقوى الله تَعَالَى قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها فَإِن ذَلِك قد يتواصى بِهِ مُنكر والشرائع بل لَا بُد من الْحمل على طَاعَة الله تَعَالَى وَالْمَنْع من الْمعاصِي بِلَا خلاف وَلَو قَالَ أطِيعُوا الله كفى
الرَّابِع الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَهُوَ ركن على الصَّحِيح وَلَا تصح الْخطْبَة بِدُونِهِ وَهُوَ مَخْصُوص بِالثَّانِيَةِ وَيَكْفِي مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء
الْخَامِس قِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن وَأقله آيَة وَاحِدَة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي سَوَاء كَانَت وَعدا أَو وعيدًا أَو حكما أَو قصَّة وَيشْتَرط كَون الْآيَة مفهمة فَلَا يَكْفِي ﴿ثمَّ نظر﴾ وَإِن كَانَت آيَة وَاخْتلف فِي مَحل الْقِرَاءَة وَالصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم أَنَّهَا تجب فِي إِحْدَى الْخطْبَتَيْنِ لَا بِعَينهَا وَالله أعلم
[ ١٤٤ ]
هَذِه أَرْكَان الْخطْبَة أما شُرُوطهَا فستة
أَحدهَا الْوَقْت وَهُوَ بعد الزَّوَال فَلَا يَصح تَقْدِيم شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ
الثَّانِي تَقْدِيم الْخطْبَتَيْنِ على الصَّلَاة
الثَّالِث الْقيام فيهمَا مَعَ الْقُدْرَة
الرَّابِع الْجُلُوس بَينهمَا وَتجب الطُّمَأْنِينَة فِيهِ فَلَو كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام وخطب جَالِسا وَجب أَن يفصل بَينهمَا بسكتة على الْأَصَح
الْخَامِس الطَّهَارَة عَن الْحَدث وَالنَّجس فِي الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان وَكَذَا يجب ستر الْعَوْرَة على الْجَدِيد
السَّادِس رفع الصَّوْت بِحَيْثُ يسمع أَرْبَعِينَ من أهل الْكَمَال وَإِلَّا لما يحصل الْمَقْصُود من مَشْرُوعِيَّة الْخطْبَة وَهل يشْتَرط كَونهَا عَرَبِيَّة الصَّحِيح نعم لنقل الْخلف عَن السّلف ذَلِك وَقيل لَا يجب لحُصُول الْمَعْنى فعلى الصَّحِيح لَو لم يكن فيهم من يحسن الْعَرَبيَّة جَازَ بغَيْرهَا وَيجب على كل وَاحِد أَن يتعلمها بِالْعَرَبِيَّةِ كالعاجز عَن التَّكْبِير بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن مَضَت مُدَّة إِمْكَان التَّعْلِيم وَلم يتَعَلَّم أحد مِنْهُم عصوا كلهم وَلَا جُمُعَة لَهُم بل يصلونَ الظّهْر كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَوُجُوب تعلم الْخطْبَة على كل وَاحِد ذكره فِي التَّتِمَّة وَذكره غَيره وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة وَعبارَة الرَّوْضَة وَيجب أَن يتَعَلَّم كل وَاحِد مِنْهُم الْخطْبَة قَالَ الأسنوي وَهُوَ غلط قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَإِذا لم يعرف الْقَوْم الْعَرَبيَّة فَمَا فَائِدَة الْخطْبَة وَأجَاب بِأَن فَائِدَة الْخطْبَة الْعلم بالوعظ من حَيْثُ الْجُمْلَة وَقَول الشَّيْخ وَأَن تصلى رَكْعَتَيْنِ فِي جمَاعَة لقَوْل عمر ﵁ الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ تَمام من غير قصر على لِسَان مُحَمَّد ﷺ وَكَذَا نقلهَا الْخلف عَن السّلف قَالَ ابْن الْمُنْذر وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وَكَونهَا فِي جمَاعَة قد مر وَالله أعلم قَالَ
(وهيئاتها أَربع الْغسْل وتنظيف الْجَسَد وَلبس الثِّيَاب الْبيض وَأخذ الظفر وَالطّيب)
السّنة لمن أَرَادَ الْجُمُعَة أَن يغْتَسل لَهَا بل يكره تَركه فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ
(إِذا أَتَى أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا
(حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا) زَاد النَّسَائِيّ وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة ولغسل الْجُمُعَة تَتِمَّة مهمة مرت فِي فصل الأغسال المسنونة وَالْغسْل وَإِن صدق بسكب المَاء على جَمِيع الْجَسَد إِلَّا أَن الْمَقْصُود مِنْهُ تنظيف الْجَسَد من الأوساخ الَّتِي يحصل بِسَبَبِهَا رَائِحَة كريهة فَلهَذَا ذكر الشَّيْخ تنظيف الْجَسَد وَمن السّنة أَيْضا أَن يتزين ويلبس من أحسن ثِيَاب ويتطيب لقَوْله ﷺ
(من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَلبس من
[ ١٤٥ ]
أحسن ثِيَابه وَمَسّ من طيب بَيته إِن كَانَ عِنْده ثمَّ أَتَى الجمعه فَلم يتخط أَعْنَاق النَّاس ثمَّ صلى مَا كتب لَهُ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يفرغ من صلَاته كَانَت كَفَّارَة بَينهَا وَبَين جمعته الَّتِي قبلهَا) والأبيض من الثِّيَاب أفضل وكما يسْتَحبّ الْغسْل وَالطّيب يسْتَحبّ إِزَالَة الظفر وَالشعر الْمُسْتَحبّ إزالتهما وَالْحكمَة فِي الْغسْل أَن لَا يجد الجليس من جليسه مَا يكره فَيَتَأَذَّى قَالَ الْعلمَاء وَيُؤْخَذ من هَذَا أَن الجليس لَا يتعاطى مَا يتَأَذَّى مِنْهُ جليسه من كَلَام سيء وَغَيره ومشروعية الطّيب حَتَّى يجد الجليس من جليسه مَا ينْتَفع بِهِ من طيب الرَّائِحَة وَحسن الثِّيَاب لأجل النّظر فَلَا يجد مَا يتَأَذَّى بِهِ بَصَره ﷺ على من شرع لنا هَذَا الْخَيْر وَالله أعلم قَالَ
٠ - وَيسْتَحب الْإِنْصَات فِي حَال الْخطْبَة)
هَل يحرم الْكَلَام وَقت الْخطْبَة فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم أَنه يحرم وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد فِي أرجح الرِّوَايَتَيْنِ عِنْده لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين نزلت فِي الْخطْبَة قُرْآنًا لاشتمالها على الْقُرْآن الَّذِي يُتْلَى فِيهَا وَلقَوْله ﷺ
(إِذا قلت لصاحبك يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب أنصت فقد لغوت) واللغو الاثم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون﴾ والجديد أَن الْكَلَام لَيْسَ بِحرَام والإنصات سنة لما رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(أَن عُثْمَان دخل وَعمر يخْطب فَقَالَ عمر مَا بَال رجال يتأخرون عَن النداء فَقَالَ عُثْمَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زِدْت حِين سَمِعت النداء أَن تَوَضَّأت) وَرُوِيَ
(أَن النَّبِي ﷺ دخل عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يخْطب الْجُمُعَة فَقَالَ مَتى السَّاعَة فَأَوْمأ النَّاس إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلم يفعل وَأعَاد الْكَلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَهُ بعد الثَّانِيَة وَيحك مَا أَعدَدْت لَهَا قَالَ حب الله وَرَسُوله فَقَالَ إِنَّك مَعَ من أَحْبَبْت) وَجه الدّلَالَة أَنه ﵊ لم يُنكر عَلَيْهِم ذَلِك وَلَو كَانَ حَرَامًا لأنكره
[ ١٤٦ ]
وَيجوز الْكَلَام قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة وَبعد الْفَرَاغ مِنْهَا وَقبل الصَّلَاة قَالَ فِي المرشد حَتَّى فِي حَال الدُّعَاء لِلْأُمَرَاءِ أَو فِيمَا بَين الْخطْبَتَيْنِ خلاف وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا يحرم وَبِه جزم فِي الْمُهَذّب وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط نعم فِي الشَّامِل وَغَيره إِجْرَاء الْقَوْلَيْنِ ثمَّ هَذَا فِي الْكَلَام الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض مُهِمّ ناجز فَأَما إِذا رأى أعمى يَقع فِي بِئْر أَو عقربا ندب على إِنْسَان فأنذره أَو علم ظَالِما يتطلب شخصا بِغَيْر حق كعريف الْأَسْوَاق ورسل قُضَاة الرشا فَلَا يحرم بِلَا خلاف وَكَذَا لَو أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر فَإِنَّهُ لَا يحرم قطعا وَقد نَص على ذَلِك الشَّافِعِي وَاتفقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب
(فرع) لَو سلم الدَّاخِل حَال الْخطْبَة فَإِن قُلْنَا بالقديم يحرم الْكَلَام حرمت إجَابَته بِاللَّفْظِ وَيسْتَحب بِالْإِشَارَةِ كَمَا فِي حَال الصَّلَاة وَلَو عطس شخص فَيحرم تشميته على الصَّحِيح كرد السَّلَام وَإِن قُلْنَا بالجديد إِنَّه لَا يحرم الْكَلَام فَيجوز رد السَّلَام والتشميت بِلَا خلاف وَهل يجب رد السَّلَام فِيهِ خلاف الصَّحِيح فِي الشَّرْح الصَّغِير اسْتِحْبَابه أَيْضا لَا وُجُوبه وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وأصل الرَّوْضَة وَالله أعلم قَالَ
(وَمن دخل وَالْإِمَام يخْطب صلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ثمَّ يجلس)
إِذا حضر شخص وَالْإِمَام يخْطب لم يتخط رِقَاب النَّاس لقَوْله ﷺ
(من تخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم) وَيسْتَثْنى من ذَلِك الإِمَام وَمن بَين يَدَيْهِ فُرْجَة وَلَا طَرِيق إِلَيْهَا إِلَّا بالتخطي لأَنهم قصروا بِعَدَمِ سدها ثن الْمَنْع من التخطي لَا يخْتَص بِحَال الْخطْبَة بل الحكم قبلهَا كَذَلِك ثمَّ الدَّاخِل هَل يُصَلِّي التَّحِيَّة اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَقَالَ القَاضِي عِيَاض قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَجُمْهُور السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يُصَلِّيهمَا ويروى عَن عمر وَعُثْمَان وعَلى ﵃ وحجتهم الْأَمر بالإنصات وتأولوا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي قَضِيَّة سليك على أَنه كَانَ عُريَانا فآمره بِالْقيامِ ليراه النَّاس ويتصدقوا عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَإِسْحَاق وفقهاء الْمُحدثين إِنَّه يسْتَحبّ أَن يُصَلِّي تَحِيَّة الْمَسْجِد رَكْعَتَيْنِ خفيفتين وَيكرهُ أَن يجلس قبل أَن يُصَلِّيهمَا وَحكى هَذَا الْمَذْهَب عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقول النَّبِي ﷺ لسليك حِين جَاءَ وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة وَقد جلس
(أصليت يَا فلَان قَالَ لَا قَالَ قُم فاركع) وَفِي رِوَايَة
(قُم فَصلي الرَّكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة
(صل رَكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة
(إِذا
[ ١٤٧ ]
جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَقد خرج الإِمَام فَليصل رَكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة
(وَالْإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا) قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا صَرِيحَة فِي الدّلَالَة لمَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَتَأْويل من قَالَ إِن أمره ﷺ لسليك بِالْقيامِ ليتصدق عَلَيْهِ بَاطِل يردهُ صَرِيح قَوْله ﷺ
(إِذا جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا) فَهَذَا نَص صَرِيح لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل وَلَا أَظن عَالما يبلغهُ هَذَا اللَّفْظ صَحِيحا فيخالفه وَالله أعلم
وَقَول الشَّيْخ وَمن دخل وَالْإِمَام يخْطب يَقْتَضِي أَن الْحَاضِر لَا يفْتَتح صَلَاة وَلم يبين أَنه مَكْرُوه أم لَا وَعبارَة الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة يَنْبَغِي لمن لَيْسَ فِي الصَّلَاة من الْحَاضِرين أَن لَا يستفتحها سَوَاء صلى السّنة أم لَا وَفِي الْحَاوِي الصَّغِير الْكَرَاهَة وَالَّذِي ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه حرَام وَنقل الْإِجْمَاع على ذَلِك وَلَفظه قَالَ أَصْحَابنَا إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر حرم على من فِي الْمَسْجِد أَن يبتدىء صَلَاة وَإِن كَانَ فِي صَلَاة خففها وَهَذَا إِجْمَاع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالله أعلم قلت هَذِه مَسْأَلَة حَسَنَة نفيسة قل من يعرفهَا على وَجههَا فَيَنْبَغِي الاعتناء بهَا وَلَا يغتر بِفعل ضعفاء الطّلبَة وجهلة المتصوفة فَإِن الشَّيْطَان يتلاعب بصوفية زملننا كتلاعب الصّبيان بالكرة وَأَكْثَرهم صدهم عَن الْعلم مشقة الطّلب فاستدرجهم الشَّيْطَان قَالَ السَّيِّد الْجَلِيل أبوزيد قعدت ثَلَاثِينَ سنه فِي المجاهدة فَلم أر أصعب عَليّ من الْعلم وَقَالَ السَّيِّد الْجَلِيل أَبُو بكر الشبلي إِن فِي الطَّاعَة من الْآفَات مَا يغنيكم أَن تَطْلُبُوا الْمعاصِي فِي غَيرهَا وَقَالَ السَّيِّد الْجَلِيل ضرار بن عَمْرو إِن قوما تركُوا الْعلم ومجالسة الْعلمَاء وَاتَّخذُوا محاريب وصلوا وصاموا حَتَّى يبس جلد أحدهم على عظمه خالفوا فهلكوا وَالَّذِي لَا اله غَيره مَا عمل عَامل على جهل إِلَّا كَانَ مَا يفْسد أَكثر مِمَّا يصلح وَهَذِه زِيَادَة خَارجه عَن الْفَنّ الَّذِي نَحن فِيهِ فَمن أَرَادَ من هَذِه المناداة فَعَلَيهِ بِكِتَاب سير السالك فِي أَسْنَى المسالك وَالله أعلم قَالَ