(فصل وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ سنة مُؤَكدَة وَهِي رَكْعَتَانِ يكبر فِي الأولى سبعا سوى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي الثَّانِيَة خمْسا سوى تَكْبِيرَة الْقيام ويخطب بعْدهَا خطبتين)
الْعِيد مُشْتَقّ من الْعود لِأَنَّهُ يعود فِي السنين أَو يعود السرُور بعوده أَو لِكَثْرَة عوائد الله تَعَالَى
[ ١٤٨ ]
على عباده فِيهِ أَي أفضاله ثمَّ صَلَاة الْعِيد مَطْلُوبَة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ قيل المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا صَلَاة عيد النَّحْر وَلَا خَفَاء فِي أَنه ﵊ كَانَ يُصَلِّيهمَا هُوَ وَالصَّحَابَة مَعَه وَمن بعده وَرُوِيَ أَنه ﵊ أول عيد صلاه الْفطر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفيهَا فرضت زَكَاة الْفطر قَالَه الْمَاوَرْدِيّ ثمَّ الصَّلَاة سنة لقَوْل الْأَعرَابِي هَل عَليّ غَيرهَا أَي غير الصَّلَوَات الْخمس قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع وَهَذَا مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل إِنَّهَا فرض كِفَايَة لِأَنَّهَا من شَعَائِر الْإِسْلَام فَتَركهَا تهاون فِي الدّين وتشرع جمَاعَة بِالْإِجْمَاع وَالْمذهب أَنَّهَا تشرع للنفرد وَالْمُسَافر وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة لِأَنَّهَا نَافِلَة فَأَشْبَهت الاسْتِسْقَاء والكسوف نعم يكره للشابة الجميلة وَذَوَات الْهَيْئَة الْحُضُور وَيسْتَحب للعجوز الْحُضُور فِي ثِيَاب بذلتها بِلَا طيب
قلت يَنْبَغِي الْقطع فِي زَمَاننَا بِتَحْرِيم خُرُوج الشابات وَذَوَات الهيئات لِكَثْرَة الْفساد وَحَدِيث أم عَطِيَّة وَإِن دلّ على الْخُرُوج إِلَّا أَن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي خير الْقُرُون قد زَالَ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ فِي الْمُسلمين قلَّة فَأذن رَسُول الله ﷺ لَهُنَّ فِي الْخُرُوج ليحصل بِهن الْكَثْرَة وَلِهَذَا أذن للْحيض مَعَ أَن الصَّلَاة مفقودة فِي حقهن وتعليله بشهودهن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا وَأَيْضًا فَكَانَ الزَّمَان زمَان أَمن فَكُن لَا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وَكَذَا الرِّجَال يَغُضُّونَ من أَبْصَارهم وَأما زَمَاننَا فخروجهن لأجل إبداء زينتهن وَلَا يغضضن أبصارهن وَلَا يغض الرِّجَال من أَبْصَارهم ومفاسد خروجهن مُحَققَة وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت
(لَو رأى رَسُول الله ﷺ مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) فَهَذِهِ فَتْوَى أم الْمُؤمنِينَ فِي خير الْقُرُون فَكيف بزماننا هَذَا الْفَاسِد وَقد قَالَ بِمَنْع النِّسَاء من الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد خلق غير عَائِشَة ﵂ مِنْهُم عُرْوَة بن الزبير ﵁ وَالقَاسِم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة مرّة وَمرَّة أجَازه وَكَذَا مَنعه أَبُو يُوسُف وَهَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان وَأما فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا يتَوَقَّف أحد من الْمُسلمين فِي مَنعهنَّ إِلَّا غبي قَلِيل البضاعة فِي معرفَة أسرار الشَّرِيعَة قد تمسك بِظَاهِر دَلِيل حمل على ظَاهره دون فهم مَعْنَاهُ مَعَ إهماله فهم عَائِشَة ﵂ وَمن نحا نَحْوهَا وَمَعَ إهمال الْآيَات الدَّالَّة على تَحْرِيم إِظْهَار الزِّينَة وعَلى وجوب غض الْبَصَر فَالصَّوَاب الْجَزْم بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَالله أعلم
ثمَّ وَقتهَا مَا بَين طُلُوع الشَّمْس والزوال وَقيل لَا يدْخل وَقتهَا إِلَّا بارتفاع الشَّمْس قدر رمح وَالصَّحِيح الأول والارتفاع قدر رمح مُسْتَحبّ ليزول وَقت الْكَرَاهَة وكيفيتها رَكْعَتَانِ للادلة وَإِجْمَاع الْأمة وَيَنْوِي صَلَاة عيد الْفطر أَو الْأَضْحَى وَيكبر فِي الأولى سبع
[ ١٤٩ ]
تَكْبِيرَات غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي الثَّانِيَة خمْسا سوى تَكْبِيرَة الْقيام من السُّجُود
(رُوِيَ أَنه ﵊ كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي الأولى سبعا قبل الْقِرَاءَة وَفِي الثَّانِيَة خمْسا قبل الْقِرَاءَة) وَيقف بَين كل تكبيرتين قدر آيَة معتلة يهلل وَيكبر ويحمد ورد عَن ابْن مَسْعُود قولا وفعلًا وَمعنى يهلل يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله والتحميد التَّعْظِيم وَهَذَا إِشَارَة إِلَى التَّسْبِيح والتحميد وَيحسن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لِأَنَّهُ اللَّائِق بِالْحَال وجامع للأنواع الْمَشْرُوعَة للصَّلَاة وَهِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس ﵄ وَجَمَاعَة وَلَو نسي التَّكْبِيرَات وَشرع فِي الْقِرَاءَة فَاتَت وَيقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الأولى ق وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت بكمالها رَوَاهُ مُسلم وَتَكون الْقِرَاءَة جَهرا للسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَكَذَا يجْهر بالتكبيرات ثمَّ يسن بعد الصَّلَاة خطبتان ورد عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ وَأَبا بكر وَعمر ﵄
(كَانُوا يصلونَ الْعِيد قبل الْخطْبَة) فَلَو خطب قبل الصَّلَاة لم يعْتد بهَا على الصَّحِيح الصَّوَاب الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وتكرير الْخطْبَة هُوَ بِالْقِيَاسِ على الْجُمُعَة وَلَو يثبت فِيهِ حَدِيث قَالَه النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وَيسْتَحب أَن يفْتَتح الأولى بتسع تَكْبِيرَات وَالثَّانيَِة بِسبع تَكْبِيرَات وَاعْلَم أَن الصَّلَاة تجوز فِي الصَّحرَاء فَإِن كَانَ بِمَكَّة فالمسجد الْحَرَام أفضل وَإِن لم يكن عذر فَإِن ضَاقَ الْمَسْجِد فالصحراء أولى بل يكره فعلهَا فِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ الْمَسْجِد وَاسِعًا فَالصَّحِيح أَن الْمَسْجِد أولى وَالله أعلم قَالَ
(وَيكبر من غرُوب الشَّمْس لَيْلَة الْعِيد إِلَى أَن يدْخل الإِمَام فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَضْحَى خلف الصَّلَوَات الْفَرَائِض من صبح يَوْم عَرَفَة إِلَى الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق)
يسْتَحبّ التَّكْبِير بغروب الشَّمْس لَيْلَتي الْعِيد الْفطر والأضحى وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمَسَاجِد والبيوت والأسواق وَلَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَعند ازدحام النَّاس ليوافقوه على ذَلِك وَلَا فرق
[ ١٥٠ ]
بَين الْحَاضِر وَالْمُسَافر دَلِيله فِي عيد الْفطر قَوْله تَعَالَى ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي عيد الْأَضْحَى بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ويغني عَنهُ ورد عَن أم عَطِيَّة قَالَت
(كُنَّا نؤمر فِي الْعِيدَيْنِ بِالْخرُوجِ حَتَّى تخرج الْحيض فيكُن خلف النَّاس يكبرن بتكبيرهم) وَأما آخر وَقت التَّكْبِير فَفِي عيد الْفطر حَتَّى يحرم الإِمَام بِصَلَاة الْعِيد هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأما فِي الْأَضْحَى فَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن آخر عقيب الصُّبْح من آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَعند النَّوَوِيّ الصَّحِيح أَنه عقيب الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق قَالَ وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الْمُحَقِّقين للْحَدِيث وابتداؤه بصبح يَوْم عَرَفَة ويشرع فِي الْأَضْحَى خلف الْفَرَائِض الْحَاضِرَة والفائتة وَكَذَا فِي كل صَلَاة نَافِلَة كَانَت ذَات سَبَب أَو مُطلقَة أَو فرض كِفَايَة كَصَلَاة جَنَازَة وَهل يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات فِي عيد الْفطر فِيهِ خلاف وَالأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة أَنه لَا يسْتَحبّ لعدم نَقله وَصحح النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار أَنه يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات كالأضحى وَيسْتَحب رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ للرِّجَال دون النِّسَاء وَالتَّكْبِير فِي وقته أفضل من غَيره من الْأَذْكَار لِأَنَّهُ شعار الْيَوْم وَالله أعلم (فرع): الْحَاج يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر وَهُوَ يَوْم الْعِيد وَيخْتم بيصح آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن غير الْحَاج كالحاج وَالله أعلم قَالَ: