(وواجبات الْحَج غير الْأَركان ثَلَاثَة الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَرمي الْجمار ثَلَاثًا وَالْحلق)
اعْلَم أَن الْمِيقَات ميقاتان زماني ومكاني فالميقات الزماني بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَج شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر لَيَال من ذِي الْحجَّة آخرهَا لَيْلَة النَّحْر على الصَّحِيح وَأما الْعمرَة فَجَمِيع السّنة وَقت لَهَا وَلَا تكره فِي وَقت مِنْهَا وَلَو أحرم بِالْحَجِّ فِي غير أشهره لم ينْعَقد حجا وانعقد عمره على الْمَذْهَب
وَأما الْمِيقَات المكاني وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ فالشخص إِمَّا مكي أَو غَيره فالمكي أَي الْمُقِيم بهَا سَوَاء كَانَ من أَهلهَا أَو من غَيرهم فميقاته نفس مَكَّة على الرَّاجِح وَقيل مَكَّة وَسَائِر الْحرم فعلى الْأَظْهر لَو أحرم من خَارج مَكَّة وَلَو فِي الْحرم فقد أَسَاءَ وَعَلِيهِ دم لتعديه إِن لم يعد إِلَيْهِ وإحرام الْمَكِّيّ من بَاب دَاره أفضل وَأما الْمُقِيم بِمَكَّة فَإِن كَانَ منزله بَين مَكَّة والمواقيت الشَّرْعِيَّة فميقاته الْقرْيَة الَّتِي يسكنهَا أَو الْحلَّة الَّتِي ينزلها البدوي وَإِن كَانَ منزله وَرَاء الْمَوَاقِيت فميقاته الْمِيقَات الَّذِي يمر عَلَيْهِ والمواقيت خَمْسَة
أَحدهَا ذُو الحليفة وَهُوَ مِيقَات من توجه من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَهُوَ على عشر مراحل من مَكَّة
وَالثَّانِي الْجحْفَة وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب
وَالثَّالِث يَلَمْلَم وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن
وَالرَّابِع قرن بِإِسْكَان الرَّاء المهمله وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من نجد نجد الْحجاز وَهَذِه الْأَرْبَعَة نَص عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة بِلَا خلاف والميقات
الْخَامِس ذَات عرق وَهُوَ مِيقَات المتوجهين من الْعرَاق وخراسان وَهَذَا أَيْضا مَنْصُوص عَلَيْهِ كالأربعة عِنْد الْأَكْثَرين وَقيل بِاجْتِهَاد عمر ﵁ إِذا عرفت هَذَا فَمن جَاوز
[ ٢١٦ ]
مِيقَاته وَهُوَ مُرِيد للنسك وَأحرم دونه حرم عَلَيْهِ وَلَزِمَه دم وَهُوَ شَاة جَذَعَة ضَأْن أَو ثنية معز لِأَنَّهُ كَانَ يلْزمه الْإِحْرَام من الْمِيقَات فَلَزِمَهُ بِتَرْكِهِ دم وَلما رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا أَنه ﵊ قَالَ
(من ترك نسكا فَعَلَيهِ دم) وَسَوَاء ترك الاحرام عمدا أَو نِسْيَانا وَيلْزمهُ الْعود إِلَى الْمِيقَات إِلَّا لعذر من خوف الطَّرِيق أَو فَوت الْحَج فَإِن عَاد إِلَى الْمِيقَات سقط عَنهُ الدَّم بِشَرْط أَن لَا يكون تلبس بنسك فَإِن تلبس بِنَفْسِك لم يسْقط عَنهُ الدَّم التأدى ذَلِك النّسك بِإِحْرَام نَاقص وَلَا فرق فِي ذَلِك النّسك بَين الْفَرْض كالوقوف وَبَين السّنة كطواف الْقدوم
وَقَول الشَّيْخ وَرمي الْجمار ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات يَعْنِي غير جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الَّتِي ترمى يَوْم النَّحْر يَعْنِي يَوْم الْعِيد وَيَرْمِي إِلَيْهَا سبع حَصَيَات فَقَط فَإِن أَرَادَ أَن يتعجل سقط عَنهُ رمي الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام التَّشْرِيق فَيبقى ثَلَاث يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ الْيَوْم الأول من أَيَّام التَّشْرِيق يُسمى يَوْم القر لأَنهم يقرونَ فِيهِ بمنى وَالْيَوْم الثَّانِي النَّفر الأول وَالثَّالِث النَّفر الثَّانِي وَهِي أَيَّام الرَّمْي ثمَّ عدد حَصى كل يَوْم من هَذِه الْأَيَّام إِحْدَى وَعِشْرُونَ حَصَاة لكل جَمْرَة سبع حَصَيَات وَيشْتَرط فِي رمي الجمرات التَّرْتِيب فِيهِنَّ بِأَن يَرْمِي أَولا الْجَمْرَة الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْأَخِيرَة وَلَا يعْتد برمي الثَّانِيَة قبل الأولى وَلَا بالثالثة قبل الْأَوليين وَلَو ترك حَصَاة وَلم يدر من أَيهَا من الثَّلَاثَة جعلهَا من الأولى وَأعَاد رمي الْجَمْرَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة هَذَا مَا يتَعَلَّق بالجمرات وَأما نفس الرَّمْي فَالْوَاجِب مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الرَّمْي فَلَو وضع الْحجر فِي المرمى لم يعْتد بِهِ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يُسمى رميًا وَيشْتَرط قصد الرَّمْي فَلَو رمى فِي الْهَوَاء فَوَقع المرمي بِهِ فِي المرمى لم يعْتد بِهِ وَلَا يشْتَرط بَقَاء الْحجر فِي المرمى فَلَا يضر تدحرجه بعد ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن تقع الحصيات فِي المرمى فَلَو شكّ فِي وُقُوع الْحَصَى فِيهِ لم يعْتد بِهِ على الْجَدِيد وَيشْتَرط حُصُول الْحَصَاة المرماة بِفِعْلِهِ حَتَّى لَو رمى فَوَقَعت الْحَصَاة على رَأس آدَمِيّ أَو غَيره فحركتها وَوَقعت فِي المرمى فَلَا يعْتد بِهِ لِأَنَّهَا لم تحصل فِي المرمى بِفِعْلِهِ وَلَو وَقعت على الأَرْض وتدحرجت فَوَقَعت فِي المرمى أَجْزَأَ لحصولها فِيهِ بِفِعْلِهِ وَيشْتَرط أَن يرميها بِيَدِهِ فَلَو دَفعهَا بِرَجُل أَو رمى بقوس لم يجز وَيشْتَرط أَن يَرْمِي السَّبع حَصَيَات فِي سبع مَرَّات فَلَو رمى حصاتين دفْعَة ووقعتا فِي المرمى فَهِيَ حَصَاة حَتَّى لَو رمى السَّبع مرّة فَهِيَ حَصَاة وَلَو رمى وَاحِدَة وأتبعها بِأُخْرَى وسبقت الثَّانِيَة الأولى فرميتان وَلَا يشْتَرط كَون الْحَصَى لم يرم بِهِ حَتَّى لَو رمى بِحجر رمى هُوَ بِهِ أَو غَيره أَجْزَأَ هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالرَّمْي وَأما المرمي بِهِ فَيشْتَرط كَونه حجرا فيجزى سَائِر أَنْوَاع الْحجر وَلَا يَجْزِي غَيره ومدار هَذَا الْبَاب على التَّوْقِيف لِأَن فِي مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ فَيجب الِاتِّبَاع وَالله أعلم
[ ٢١٧ ]
(فرع) إِذا عجز عَن الرَّمْي بِنَفسِهِ إِمَّا لمَرض أَو حبس أَو عذر لَهُ أَن يَسْتَنِيب من يَرْمِي عَنهُ لَكِن لَا يَصح رمي النَّائِب عَن المستنيب إِلَّا بعد رمي النَّائِب عَن نَفسه وَيشْتَرط فِي جَوَاز النِّيَابَة أَن يكون الْعذر مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَاله قبل خُرُوج وَقت الرَّمْي فَإِذا وجد الشَّرْط ثمَّ زَالَ الْعذر عَن المستنيب وَالْوَقْت بَاقٍ أَجْزَأَ على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَالله أعلم وَأما عد الشَّيْخ الْحلق من الْوَاجِبَات فَهِيَ طَريقَة وَقد تقدم أَنه ركن وعَلى كل حَال فَلَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ أَو بالتقصير وَأقله ثَلَاث شَعرَات وَفِي حَدِيث جَابر ﵁ عَن أَنه ﵊ أَمر أَصْحَابه أم بحلقوا أَو يقصروا نعم الْأَفْضَل للرِّجَال الْحلق لفعله ﵊ ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع رَوَاهُ مُسلم وَلقَوْله ﵊
(اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين) وَفِي الثَّالِثَة للمقصرين نعم لَو نذر الْحلق قَالَ الْغَزالِيّ لزمَه بِلَا خلاف قَالَ الإِمَام وَنَصّ عَلَيْهِ فَلَا يقوم التَّقْصِير حِينَئِذٍ مقَام الْحلق وللرافعي فِيهِ أشكال وَالله أعلم قَالَ