المواقيت: جمع "ميقات"، وهو في لسانهم: الحد، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] يعنى: أنها حدٌّ لإحلال ديونهم وأوقات حجهم وعبادأنهم.
والمراد بها في هذا الباب: المواضع التي لا يجوز لمن أراد نسكًا من حج أو عمرة أو هما بالقران - مجاوزته بدون إحرام، وهي خمسة كما سيأتي.
قال: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل اليمن يلملم، وميقات [أهل] نجد قرن، وميقات أهل الشام ومصر الجحفة.
والأصل في ذلك ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - ﵁ - قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرئًا - وفي رواية؛ قرن المنازل - ولأهل اليمن يلملم"، قال: "فهن لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، كذلك حتى أهل مكة يهلون منها".
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن ابن عباس روى أنه - ﵇ - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجدٍ اليمن ونجد: قرن. وهذه الرواية تعضد ما قاله البندتيجي: إن المواقيت الثابتة بنص السنة خمسة: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب وتلك النواحي الجحفة وساق الباقي.
[ ٧ / ١١٩ ]
قال: وميقات أهل العراق ذات عرق. هذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف يين العلماء في أنه ثبت بنص السنة أو بالاجتهاد.
وقد حكى القاضي أبو الطيب عن الشافعي - ﵁ - ذلك قولين، وغيره أثبتهما وجهين:
أحدهما- وهو المنصوص في "الأم"-: أنه ثبت بالاجتهاد؛ لأنه لم يفتح في زمان رسول الله ﷺ، وإنما فتح في زمان عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرن، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن، شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. كذا ذكره البخاري في "صحيحه".
والثاني - وهو الذي قاله في موضع آخر؛ كما قال أبو الطيب-: أنه ثبت بنص السنة؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل، فقال: سمعته - أحسبه رفع إلى النبي ﷺ- وذكر الحديث السابق، وفيه: "ومهل أهل العراق من ذات عرق".
وعن مسلم أنه روي عن جابر - أيضًا - قال: "خطبنا رسول الله ﷺ وقال: "يهل أهل المشرق من ذات عرق".
وروى أبو داود والنسائي عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات
[ ٧ / ١٢٠ ]
عرق"، وهذا ما اقتضى كلام القاضي أبي الطيب ترجيحه، وصرح الماوردي بأنه أصح المذهبين، وبه جزم البندنيجي، وقال: إنه ما كان عند الشافعي ثبوته بالسنة؛ لأن الخبر لم يبلغه، [وقد ثبتت السنة]، فهو مذهبه.
وما ذكر من حديث عمر، قال أبو الطيب: يجوز أن يكون عمر﵁- لم يبلغه توقيت رسول الله ﷺ إياه.
وما ذكر من كفر أهل العراق، فقد كان أهل المغرب – أيضًا- كفارًا، وكان بالشام قيصر، و[كان] بمصر المقوقس، ونص على ميقاتهم مع كفرهم؛ فكذلك أهل العراق، والله أعلم.
قال: فإن أهلوا من العقيق، فهو أفضل؛ لأن أبا داود روى بسنده عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق"، وقال الترمذي: إنه حسن. وقال غيره: إن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وقال البيهقي: إنه تفرد به. وذكر الإمام: أنه مرسل؛ لأن رأويه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،
[ ٧ / ١٢١ ]
وهو لم يلق جده؛ فلهذا لم يجب العمل به، واستحب لاحتمال الصحة مع أن من أحرم من العقيق يكون محرمًا من ذات عرق؛ لأنها دونه، ومن أحرم من ذات عرق لا يكون محرمًا من العقيق، والجمع بينهما للاحتياط أولى.
وإذا ثبت أن هذه مواقيت لمن ذكر فالاسم يصدق إذا أحرم من أول ذلك أو وسطه أو آخره، فإذا فعل ذلك، خرج عن الواجب، غير أن المستحب أن يحرم من الجانب المقابل للجانب الذي [يلي] مكة.
تنبيه: ذو الحليفة: بضم الحاء المهملة، وفتح السلام وبالفاء، على نحو ستة أميال من المدينة، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة، كذا قاله النووي.
وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي و"الرافعي": أنها على ميل، وهي من مكة على نحو عشر مراحل.
والبندنيجي جزم بأن بينهما عشرة أيام، وهي أبعد المواقيت.
يلملم: بفتح الياء والسلامين، وإسكان الميم بينهما، ويقال فيه: ألملم، كما يقال: رجل يلمعي وألمعي، وهو على مرحلتين من مكة.
نجد- بفتح النون- إذا أطلق كان المراد به- كما قال الرافعي-: نجد الحجاز، وعليه ينطبق قول ابن عباس- كما تقدم-: "إنه ﵇ أقت لأهل نجد اليمن ونجد: قرن"، وهو- كما قال النووي وغيره-: ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من الغرب بالحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن. وقضية ذلك: أن يكون مراد الشيخ: نجد الحجاز دون نجد اليمن، ويعضده قوله: " [وميقات أهل اليمن يلملم] "، ولم يفصل بين نجدها وغورها؛ كما هو ظاهر الخبر، لكن خبر ابن عباس الذي رواه القاضي يقتضي أن ميقات النجدين جميعًا قرن، وهو ما حكاه في "الشامل" عن النص، ولم يحك الغزالي والإمام والقاضي الحسين غيره، وتبعهم الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا: إن ميقات اليمن يلملم، أردنا به تهامة [منها]، لا كل اليمن.
قلت: ولفظ الشافعي – ﵁- مصرح به؛ فإنه قال- كما حكاه ابن
[ ٧ / ١٢٢ ]
الصباغ والروياني-: "وميقات أهل تهامة اليمن يلملم".
قال الروياني: والغور يسمى: تهامة.
وقد تلخص من ذلك أن الحجاز مشتمل على نجد وغور: فالنجد: بلاد فيها ارتفاع، والغور: بطونها، والنجد أغلب؛ وكذلك اليمن تشتمل على نجد وغور، وميقات النجدين: قرن، ولكل تهامة ميقات يخصها.
قرن: بفتح القاف، وإسكان الراء، بلا خلاف، وغلطوا الجوهري في فتحها، وفي زعمه: أن أويسًا القرني منسوب إليها، وإنما هو من بني قرن: بطن من مراد، وهو على مرحلتين من مكة.
وفي "شرح" ابن التلمساني: أنه تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله: الجبل المستطيل الصغير المنقطع عن الجبل الكبير.
الشأم: مهموز مقصور، ويجوز تخفيف الهمزة، ويجوز الشام -بفتح الشين والمد- وهي [ضعيفة]، وإن كانت مشهورة، قال صاحب "المطالع": أنكرها أكثرهم.
وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
وهو من العريش إلى الفرات طولًا، وقيل: إلى بالِس.
والجحفة: بجيم مضمومة، ثم حاء مهملة ساكنة، كانت [قرية] كبيرة، وهي على نحو سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، وسميت بذلك؛ لأن السيل أجحفها، وحمل أهلها، ويقال [لها] مهيعة: بفتح الميم وإسكان [الهاء].
العراق: بكسر العين، مذكر على المشهور، وحكي جماعة تأنيثه، وفي سبب تسميته عشرة أقوال، أشهرها: لكثرة أشجاره.
ذات عرق: يكسر العين، وإسكان الراء، على مرحلتين من مكة، وعرق: [هو الجبل المشرف على العقيق].
الإهلال: بالإحرام، وأصله رفع الصوت، ومنه: استهلال الولد، فسمي الإحرام: إهلالًا؛ لرفع صوته بالتلبية.
العقيق: واد تدفق ماؤه في غوري تهامة؛ ذكره الأزهري في "التهذيب"، وهو
[ ٧ / ١٢٣ ]
أبعد من ذات عرق بقليل، وهذا [قد] حكاه القاضي الحسين وجهًا بعدما قال: إنه لا يعرف الآن عقيق إلا عقيق هو من المدينة على قدر فرسخين، فأما العقيق الذي أقته رسول الله ﷺ هو لأهل العراق، فقد خفي الآن.
وقال الماوردي: إنه موضع من يسار الذاهب من ناحية العراق إلى مكة مما يلي قرن من وراء المقابر ومسيل الوادي عند النخلات المتفرقة، وقد قال قوم: إن حده ما بين بريد التقاء إلى تَمْرة.
قال: وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مر بها من غير أهلها؛ لخبر ابن عباس السابق.
قال الفوراني: ولا يستثنى من ذلك إلا مسألة واحدة، وهي الأجير، فإن عليه أن يحرم من ميقات الميت أو المستأجر الذي يحج عنه، فإن مر بغير ذلك الميقات أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد عن ذلك الميقات من مكة، وإذا مات ميت فإن الحاج يحرم عنه من ميقات ذلك الميت.
قال: ومن كان أهله دون الميقات أو في الحرم، فميقاته موضعه؛ للخبر السابق [أيضًا]، والأفضل أن يحرم من الجانب الأبعد من موضعه إلى مكة، سواء كان في بناء أو خيام، والواجب عليه ألا يتعدى بناء موضعه [من جهة مكة] وخيام قومه إلا محرمًا؛ كما تقدم مثل ذلك في الميقات، وقد نص عليه في "الأم" حيث قال: "وأقل ما يلزمه ألا يخرج من بيوتها حنى يحرم، وأحب [إلي] أن يحرم من أقصى بيوتها"، وحكي عنه أنه قال [في "الإملاء": "يحرم من ييته ومن مسجد قريته" قال] في "البحر": وهذا لا بأس به.
والمكي: المستحب في حقه أن يحرم من باب داره، [أو من] المسجد قريبًا من البيت؟ فيه اختلاف نص.
قال: ومن سلك طريقًا لا ميقات فيه، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه؛ لأن عمر لما اجتهد في ميقات أهل العراق، اعتبر ما ذكرناه، ولم ينكر عليه أحد.
[ ٧ / ١٢٤ ]
وهذه المسألة مصورة بما إذا كان يحاذي ميقاتين فى طريقه، أحدهما بعد الآخر، [و]، يحاذي الأول وهو أبعد من مكة- وجب عليه أن يحرم، وليس له أن يؤخره عن محاذاة الأول منتظرًا محاذاة الثاني؛ كما ليس للذي يأتي مكة [من المدينة]، أن يجاوز ذا الحليفة؛ ليحرم من الجحفة؛ وهذا ما جزم به الإمام والروياني، وعزاه الرافعي إلى اختيار القفال، وحكى وجهًا آخر لم يحك النوراني سواه: أن له أن يؤخره إلى أن يحاذي الأقرب إلى مكة، وهو غريب. نعم:، الخلاف المشهور فيما إذا كان حذو طريقه ميقاتان، أحدهما أقرب من الآخر إلى مكة، وهو بينهما، فإنه يجب عليه أن يحرم، ثم إن كان بينهما على قدر واحد، فهل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أو إلى الأقرب؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، ويظهر أثرهما فيما إذا جاوز ذلك، وكلفناه العود إليه، وعسر عليه الرجوع إلى موقفه يين الميقاتين، وتعذر معرفة قدره؛ فإلى قدر أي الميقاتين يرجع؟ ولا يظهر فيما إذا عرف مسافة موقفه؛ فإن الواجب عليه أن يرجع إلى مثل تلك المسافة؛ كذا قاله الإمام.
ولو كان موقفه من أحدهما أقرب فالاعتبار به جزمًا، قريبًا كان من مكة أو بعيدًا.
وقال العراقيون: إذا كان بين ميقاتين على نسبة واحدة، حاذى أي الميقاتين شاء، وأحرم منه، والأفضل أن يحرم من أبعدهما إلى مكة، وهو الذي حكاه الماوردي [عن الجمهور]، وصححه، وحكى وجهًا [آخر أنه] من [الأبعد].
فرع: الغريب إذا أتى من جانب، ولم يمر بميقات ولا حاذاه، فيحرم على مرحلتين من مكة؛ نزولًا على قضاء عمر﵁ - في تأقيت ذات عرق والتفاتًا إلى حد المذهب في حاضري المسجد الحرام؛ قاله في "الوسيط": وهو من تخريج الإمام.
قال: ومن كان داره فوق الميقات، فالأفضل ألا يحرم إلا من الميقات قي أصح
[ ٧ / ١٢٥ ]
القولين؛ لما روي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "استمتع بأهلك حتى تأتي الميقات، فتحرم منه".
ولأنه - ﵇ - حج مرة واعتمر ثلاثًا، وأحرم في جميعها من الميقات، ولم يحرم في شيء منها قبل الميقات، ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لاختاره ﷺ لنفسه، وفعله ولو مرة؛ لينبه الناس على فضله؛ ولأنه أقل تغريرًا بالعبادة؛ وهذا ما رواه البويطي والمزني في "جامعه الكبير"، ونسب إلى الجديد؛ وعلى هذا فلو أحرم من دويرة أهله، فقد ترك الأولى.
وقال الإمام: إن بعض الأصحاب أطلق الكراهة في التقديم، ولست أرى ذلك.
[وقد] عزا في "الإبانة" الكراهة على هذا إلى الجديد، وكلام "الوسيط" مشير إليه.
ولو نذر أن يحرم بالحج من دويرة أهله، فقياس من أطلق الكراهة: ألا ينعقد نذره، وقياس من قال: إنه إذا فعل ذلك فقد ترك الأولى، أن يكون الحكم كما لو نذر الحج ماشيًا، وقلنا: إنه راكبًا أفضل؛ فإن له أن يحج راكبًا- ألا يلزمه هنا الإحرام من دويرة أهله، ويجوز له تأخيره إلى الميقات، وقد صرح في "المهذب" بأنه يلزمه من دويرة أهله إذا نذر ذلك، وأنه إذا جاوزه غير محرم، كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم.
قال: ومن دويرة أهله في القول الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد تقدم تفسيره.
وفي "الإبانة": أنه روي عنه - ﵇ - أنه قال: "من تمام الحج والعمرة أن
[ ٧ / ١٢٦ ]
تحرم بهما من دويرة أهلك".
وقال في "النهاية": إنه ورد في ذلك أخبار صحيحة، منها: ما روي أنه - ﵇ – قال: "أفضل الأعمال حج الرجل من دويرة أهله يؤمُّ هذا البيت العتيق".
وقد روى أبو داود بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" أو "وجبت له الجنة". [شك] عبد الله.
[ ٧ / ١٢٧ ]
ولأنه إذا أحرم من دويرة أهله، كان أكثر عملًا؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، ونسب إلى القديم، واقتضى كلام ابن الصباغ ترجيحه، وحكى الإمام والقاضي الحسين طريقة قاطعة [به]، وهي التي صححها الفوراني، واختارها القفال، ولم يحك في "الوسيط" و"الوجيز" غيرها، [والقائلون بها حملوا] ما حكي عن الجديد من الكراهة على أنه لا يتشبه بالمحرمين في التجرد عن الثياب من غير أن يحرم كما يعتاده الشيعة فإن ذلك مكروه.
وقال الفوراني: وقد دل عليه قول الشافعي - ﵁ -: "ولا يتجرد عن الثياب قبل الإحرام، بل يلبسه، ويفعل ما يفعل سائر الناس".
قال الرافعي: ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل نصه في "البويطي" على ما إذا لم يأمن على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام، وتنزيل نصه في "الإملاء" على ما إذا أمن عليها.
ثم نسبة ما عزي إلى "الإملاء" إلى القديم، لم أره إلا للغزالي، و"الإملاء" معدود من الجديد.
وقد فهمت مما ذكرناه: أنه لا خلاف أنه إذا قدم الإحرام على الميقات المكاني انعقد.
قال الجرجاني: ويخالف ما إذا قدم الإحرام بالحج على الميقات الزماني؛ فإنه لا ينعقد، والفرق: أن ميقات المكان مبني على الاختلاف في حق الناس؛ فأبيح فيه
[ ٧ / ١٢٨ ]
التقديم، بخلاف ميقات الزمان؛ فإنه لا يختلف في حق أحد؛ فلم يجز فيه التقديم.
قال: ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، أي: لا قصدًا، ولا [فى] ضمن قصده كمن يريد قضاء شغل فيما دون الحرم.
قال: ثم أراد أن يحرم - أهلَّ من موضعه؛ لما روي عن ابن عمر: أنه أهل من الفرع وهو دون الميقات إلى مكة.
قال الشافعي: وهذا عندنا: أنه مر بميقاته لا يريد إحرامًا، ثم بدا له؛ [فأهل منه، أو جاء إلى الفرع، من مكة أو غيرها، ثم بدا له] فأحرم.
قال الأصحاب: ولا يجب عليه العود إلى الميقات؛ لأن العود إليه إنما يجب على من لزمه الإحرام منه لإرادته النسك؛ عملًا بقوله - ﵇-: "هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد [الحج والعمرة"، وقد فقد ذلك في حق هذا؛ فلم يلزمه العود. نعم، لو جاوز موضح إرادة] الإحرام غير محرم، كان وجوب العود إليه ولزومه له على ما سنذكره فيما إذا جاوز الميقات مريدًا للنسك.
قال: ومن جاوزه مريدًا للنسك، أي: قصدًا، أو في ضمن قصده؛ لكونه قصد دخول الحرم، وقلنا: لا يجوز دخوله بغير إحرام.
قال: وأحرم دونه، فعليه دم؛ لأنه وجب عليه الإحرام من الميقات؛ لحديث ابن عباس: "فإذا تركه وجب الدم"، كما روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي ﷺ: "من ترك نسكًا، فعليه دم".
[ ٧ / ١٢٩ ]
وقال في "المهذب" وغيره؛ ويجب عليه أن يرجع إلى الميقات إلا أن يتحقق له عذر من خوف الطريق أو فوات الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد ترك الإحرام عامدًا أو ساهيًا.
قال الأصحاب من الفريقين: ويخالف ما لو لبس أو تطيب ساهيًا؛ فإنه لا يلزمه الدم؛ لأن الطيب واللباس طريقهما طريق الترك؛ فلذلك اختلف حكم عمدهما وسهوهما والإحرام طريقه طريق إيجاب الفعل، وما طريقه الإيجاب يستوي فيه العمد والسهو؛ يدل على ذلك أن الركوع والسجود في الصلاة لما كان طريقهما الإيجاب، استوى حكم العمد والسهو فيهما، ولما كان الكلام في الصلاة طريقه طريق الترك، اختلف [حكم] عمده وسهوه.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب الدم على من مر بالميقات [مريدًا للنسك، ثم أحرم دونه - بين أن يكون من أهل العبادة حال مروره بالميقات] أو لا؛ كالكافر إذا مر به مريدًا للنسك، ثم أسلم، وأحرم دونه، وقد صرح به في "المهذب" وغيره، ومنع المزني إيجاب الدم على الكافر، والمذهب: خلافه.
فرع: إذا مر بالميقات، وأحرم منه بأحد النسكين، ثم بعد الميقات أدخل عليه النسك الآخر: أما الحج على العمرة، أو العمرة على الحج، وجوزناه، هل يلزمه الدم؟ فيه وجهان في "التهذيب":
[ ٧ / ١٣٠ ]
أحدهما: نعم؛ لأنه جاوز الميقات مريدًا للنسك، وأحرم بعده.
والثاني: لا؛ لأنه جاوزه محرمًا؛ فصار كما لو أحرم مبهمًا من الميقات، فلما جاوزه صرفه إلى الحج، والله أعلم.
قال: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بالنسك، أي: قبل التلبس بشيء من [أعمال] ما أحرم به غير الإحرام من ركن أو سنة: كطواف القدوم في الحج، وإلا فهو بمجرد الإحرام قد تلبس بالنسك.
قال: سقط عنه الدم؛ كما إذا عاد الدا فع عن عرفة قبل الغروب إليها [بعد الغروب]، وهذا عن الشيخ تصريح بأن الدم وجب ثم سقط، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى وجها آخر وصححه: أن الدم إنما يجب بفوات العود، ولا نقول: إنه وجب بالإحرام، وسقط بالعود.
والمذكور في "تعليق" البندنيجي: أنه إذا جاوز الميقات مريدًا للنسك، وأحرم دونه، فقد أساء، وكان أمره مراعى: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بشيء من أفعال نسكه تبينا أنه لم يجب عليه دم، وإن لم يعد تبينا أنه كان قد وجب عليه؛ وهذا وجه ثالث، والكل متفقون على أنه بعد العود لا شيء عليه، وهو [ظاهر المذهب] في "الشامل"، وغيره.
وحكى القاضي أبو الطيب قولًا ثانيًا في المسألة: أنه لا يسقط عنه الدم بالعود إلى الميقات محرمًا؛ كما لو رجع بعد ما تلبس بالنسك، ورواه الشيخ أبو حامد وجهًا، وتبعه ابن الصباغ وغيره.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح: أنه قول، والصحيح عدم الوجوب؛ لأنه حصل محرمًا في ميقاته قبل التلبس بشيء من أفعال عبادته؛ فوجب ألا يلزمه [دم] لأجل عدم إحرامه منه؛ قياسًا على ما إذا ابتدأ إحرامه من دويرة أهله؛ وعلى هذا قال في "البحر": وعلى هذا يكون عن أراد النسك مخيرًا بين ثلاثة أشياء: بين أن يحرم قبل الميقات، وبين أن يحرم من الميقات، وبين أن يحرم دونه ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحد منها. وعلى قول من قال: لا يسقط الدم، [لا يخرج عن الإساءة]
[ ٧ / ١٣١ ]
بذلك. فجعل كونه مسيئًا وغير مسيء مبنيًا على الوجهين.
وفي "ابن يونس" - تفريعًا على قول السقوط -: أنه هل يكون مسيئًا أم لا؟ فيه وجهان. ولعله أخذهما من إطلاق صاحب "الفروع" القول بأنه إذا مر بالميقات مريدًا للنسك، وجاوزه، ولم يحرم، ثم أحرم دونه، وعاد إليه - فظاهر المذهب: أنه لا يكون مسيئًا، وقيل: هو مسيء بأصل المجاوزة؛ وهذا الإطلاق يمكن حمله على ما قاله في "البحر"؛ فلا تمسك به.
[و] الوجهان – أو القولان - في سقوط الدم عند العود إلى الميقات جاريان – كما حكاه البندنيجي وغيره، في باب العمرة إذا جمعت، إلى غيرها - في المتمتع والقارن إذا أحرم الحج من جوف مكة، ثم عاد إلى الميقات محرمًا قبل الوقوف، هل يسقط عنه دم التمتع والقران أم لا؟ وقد تقدم فرق بينهما عند بعضهم.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره من العراقيين يقتضي أنه لا فرق في محقوط الدم بعد
[ ٧ / ١٣٢ ]
العود وقبل التلبس [النسك] وعدمه، بين أن يكون بعد مجاوزته مسافة القصر أو لا، وهو ما ذكره في "التهذيب"، ولا بين وصوله إلى مكة أو لا.
والفوراني جعل محل الخلاف في السقوط [إذا عاد بعد أن بلغ مسافة القصر من الميقات، وجزم القول به] إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر.
والإمام حكى الخلاف فيما إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، وقال فيما إذا عاد بعد انتهائه إلى مسافة القصر؛ إن الخلاف مرتب على المسألة قبلها، وهنا أولى بعدم السقوط، وجزم القول بأنه لو عاد بعد ما دخل مكة لا ينفعه العود.
أما إذا عاد إلى الميقات بعد التلبس [بشيء] من أفعال النسك- ولو بطواف القدوم في الحج - لم يسقط عنه الدم، كما أفهمه كلام الشيخ؛ قياسًا على ما لو دفع قبل الغروب يوم عرفة، ثم عاد بعد فوات الليل، لا يسقط الدم.
وفي "التهذيب" [حكاية وجه:]، أنه لا أثر للتلبس بطواف القدوم.
ولو مر بالميقات مريدًا للنسك، وجاوزه غير محرم، ثم عاد إليه، وأحرم منه - فلا خلاف عند الماوردي والروياني وغيرهما من العراقيين؛ أنه لا يجب الدم.
وفي "الوسيط" تبعًا لـ"النهاية": أنه إن عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، فالأمر كذلك، وإن عاد بعد مجاوزته مسافة القصر من الميقات، ففي السقوط وجهان، وإن عاد بعد وصوله إلى مكة، لم ينفعه العود، وعليه الدم قولًا واحدًا.
قال الإمام: لأن المحذور أن يدخل مكة غير محرم مع انطواء عقده على قصد النسك وقد حصل ذلك، بخلاف المتمتع إذا عاد إلى ميقاته للإحرام بالحج؛ فإنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس مسيئًا؛ إذ قد أحيا الميقات الذي انتهى إليه بإحرام العمرة؛ فباين بذلك رتبة المسيء، وإنما كنَّا نلزمه دم التمتع لربح أحد السفرين، فإذا عاد، فقد سقط المعنى.
وهل يلتحق عود المريد للنسك إلى الميقات غير محرم بعد دخوله الحرم دون مكة، [بعوده إليه بعد دخول مكة] حتى لا يسقط عنه الدم قولًا واحدًا، أو لا يلتحق
[ ٧ / ١٣٣ ]
به حتى يأتي فيه الخلاف؟ فيه خلاف حكاه الإمام من بعد.
ولو مر بالميقات مريدًا للنسك، ولم يحرم حتى دخل مكة، ولم يرجع - قال في "الحاوي": لا يلزمه الدم لأجل مجاوزته الميقات؛ لأن الدم إنما يجبر [به] نقص النسك، ولا يجب بدلًا من ترك النسك. وهذا منه يفهم أن ما قاله مخصوص بما إذا لم يحرم، أما إذا أحرم بعد دخوله مكة فلا.
وقد أفصح عنه القاضي الحسين، وتبعه في "التهذيب"؛ فقال: إن أحرم بالحج في سنته، وجب عليه الدم؛ لأنه [بان أن] الحج في هذه السنة كان إحرامه واجبًا من الميقات، وإن حج في السنة الثانية، لم يلزمه الدم؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لحج سنة قابلة، ولو اعتمر يلزمه الدم، سواء اعتمر في هذه السنة أو في السنة القابلة؛ لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها.
فروع:
[أحدها]: الولي إذا نوى أن [يعقد الإحرام] للصبي، فاجتاز به الميقات، ولم يعقده له، ثم عقده بعد ذلك - هل يلزمه فدية في ذلك؟ [فيه] وجهان في "تعليق" القاضي أيي الطيب عند الكلام في كيفية إحرام الولي [عنه]:
أحدهما: تلزمه، وتكون [في مال] الولي؛ كما لو أحرم بالصبي، ثم فوته الحج، كانت الفدية في مال الولي.
والثاني: لا تجب على الولي، ولا في مال الصبي: أما الصبي؛ فلأنه لم يقصد الحج، وأما الولي؛ فلأنه غير محرم، ولم يرد الإحرام.
[الثاني]: الأجير على الحج إذا فعله، ثم اعتمر لنفسه، لزمه الدم، قال القاضي أبو الطيب: لأن حجه لما أوقعه عن الغير، صار كأن الغير فعله، وصار هو بمثابة من دخل مكة مريدًا للنسك وهو غير محرم، وأحرم بالعمرة.
قال البندنيجي: وهكذا الحكم وإن كان [لم] يعن له أن يعتمر إلا بعد
[ ٧ / ١٣٤ ]
فراغه من الحج عن الغير.
ولو كان أجيرًا عن الغير في العمرة، فاعتمر عنه، وأحرم من الميقات، ثم أحرم بالحج عن نفسه من مكة – لزمه الدم؛ للعلة التي ذكرناها.
وقد حكى البغوي ذلك، ثم قال: وقال الشيخ - يعني القاضي الحسين-: [القياس] ألا يجب عليه دم الإساءة؛ لأنه لم يجاوز الميقات غير محرم.
[الثالث]: المكي ومن هو بمكة من متمتع وغيره إذا خرج إلى الحرم، فأحرم بالحج، ولم يعد إلى مكة - فهل يجب عليه الدم؟ فيه وجهان في "المهذب"، وقولان في "الإبانة" و"النهاية"، والصحيح: الوجوب؛ لأن مكة ميقاته؛ قال﵇-: "حتى أهل مكة يهلون منها".
ولو أحرم به من الحل، ولم يعد إلى الحرم، ولا إلى مكة - لزمه الدم جزمًا، ولو عاد إلى مكة فحكمه كما إذا عاد من تعدى الميقات غير محرم إليه محرمًا.
ولو عاد إلى الحرم دون مكة، فهل يكون كعدم عوده أو كعوده إلى مكة؟ فيه وجهان حكاهما الفورانى وغيره، ومأخذهما القولان السابقان، والله - ﷾ - أعلم وأعز وأحكم.
* * *
[ ٧ / ١٣٥ ]