وبيع الحاضر للبادين وتلقي الركبان
[قال:] يجوز أني بيع ما اشتراه برأس المال؛ [للإجماع] وبأقل منه، أي: ولو من البائع قبل نقد الثمن الأول، وإن كان الثمنان من نوع يجري فيه الربا.
ودليل الصحة فيما إذا باع من غير البائع، أو منه بعد قبض الثمن الأول - الإجماع؛ على ما حكاه المحاملي، وهو محمول على ما إذا لم يتكرر، أمَّا إذا تكرر، فالإمام مالك - ﵀ - قد يمنع منه في بعض السور.
وفيما إذا باعه من البائع قبل قبض الثمن الأول: عموم قوله ﷺ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ".
وقوله ﷺ لبلال - على ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري - حين جاءه بتمر بَرْنيِّ: "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " فقال بلال: "تمرٌ كان عندنا ريءٌ، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "أَوَّاهُ! عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ وَلكِنْ إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ" ولم يفصل، ولأن ما جاز بيعه من غير بائه [ثمن جاز بيعه من بائعه] بذلك الثمن كالأجنبي، وكما بعد القبض الثمن الأول.
ولا يقال: إنه إذا كان قبل القبض من بائعه فهو وسيلة إلى تحليل الربا؛ لأنه لو كان بيعه بالأقل ربا لكان بيعه بالأكثر منه ربا، وما روى عن عائشة - ﵂ - في قصة زيد بن أرقم الذي استدل به على منع ذلك، ضعيف السند، على أنَّ إنكارها محمول على كون البيع الأول وقع إلى لعطاء، وهو مجهول. هذا مشهور المذهب.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
وقال الإمام: قد يضطرب في ذلك إذا عم العرف بشيء؛ فيجعل عموم العرف في حكم الشرط، كما تردد الأصحاب فيما إذا عم العرف بانتفاع المرتهن [بالمرهون]، هل يجعل كالمشروط في الرهن.
وبالمنع أفتى الأستاذ أبو إسحاق، والشيخ أبو محمد إذا صار ذلك عادة؛ فيبطل العقدان جميعًا، وألحق الماوردي بأصل المسألة ما إذا باع طعامًا بثمن مؤجل، ثم حلَّ الأجل؛ فإنه يجوز أن يأخذ بذلك الثمن طعامًا وغيره من المطعوم.
وهذا منه تفريعٌ على جواز التصرف في الثمن الذي في الذمة، كما صرح به غيره، وهذه المسألة تعرف بـ"مسألة العِينة" أخذًا من العين، وهو النقد الحاضر، نبه عليه ابن الصباغ في مداينة العبيد.
قال: "ويجوز أن يبيعه مرابحة إذا بين رأس المال ومقدار الربح، صورة ذلك أن يقول: "ابتعتها بمائة"، أو: "رأس مالي مائة"، أو: "هي عليَّ بمائة"، أو "قامت عليَّ بمائة"؛ و"بعتك بمائة"، وربح كل عشرة درهمًا مثلًا.
ودليل جواز ذلك من غير كراهة عموم قوله تعالى: - وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولأن الثمن فيه معلوم كما أنه معلوم فيما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو هذا القطيع كل شاة بدرهم.
قال القاضي أبو الطيب: وقد أجمعنا على جوازه؛ فكذلك هاهنا، [ويجوز أن يضيف إلى الثمن شيئًا ثم يبيعه مرابحة؛ بأن يقول: اشتريته بمائة، وقد بعتكه بمائتين، وربح كل عشرة درهمًا، وكأنه قال: بعتك بمائتين وعشرين].
أمَّا إذا لم يبين رأس المال، وقال: بعتك مرابحة كل عشرة درهمًا بما اشتريته – فثلاثة أوجه حكاها المتولي مجموعة، وهي متفرقة في "تعليق" القاضي الحسين.
[ ٩ / ٢٦٤ ]
أقيسها: أنه لا يجوز؛ لجهالة الثمن، كما لو قال: بعتكه بما اشتريته، ولم يقل: مرابحة، وهو جاهل بالثمن؛ فإنه لا خلاف على ما حكاه القاضي الحسين: أنه لا يجوز.
والثاني: أنه يجوز؛ لأنّ الثمن فيه مبني على الثمن الأول، وذلك معلوم في الخلوة، وإن لم يسمِّه في العقد، بخلاف ما إذا لم يقل: مرابحة؛ فإنه لا ينبني فيه على الثمن الأول.
قال القاضي: بدليل ما لو خان فيه لا يحط، ولا يثبت له الخيار.
والثالث: إن أعلمه في المجلس استمرت صحته، وإلاَّ بطل.
ثم على قول الصحة: لو اختلفا في قدر الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه؛ كالمشتري مع الشفيع، قاله القاضي.
ويجري الخلاف المذكور فيما لو كان الثمن [الأول] كفًّا من الدراهم مجهولًا لم يفسر بعد، كما صرح به المتولي، والله أعلم.
وكما يجوز البيع مرابحة يجوز محاطّة، مثل أن يقول: الثمن مائة، وبعتك بما اشتريت بحط درهم من كل عشرة، لكن في القدر المحطوط وجهان:
أحدهما: أنه يُحَطُّ من كل عشرة واحد؛ فيكون الثمن تسعين.
والثاني – وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد عن أصحابنا بعد أن قال: ليس لصاحبنا في هذه المسألة نصٌّ -: أن المحطوط من كل أحد عشر درهمًا درهم، كما أن الربح من كل أحد عشر درهمًا درهم، فيكون الثمن على هذا في مثالنا: تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءًا في مجموع الدرهم؛ لأن الذاهب من تسعة وتسعين تسعة، فيبقى درهم يضع منه جزءًا من أحد عشر جزءًا، وهذا ما حكاه المحاملي، ونسبه إلى مذهب الشافعي، لكنه صور المسألة بما إذا قال: بعتك بوضيعة درهم في كل عشرة. وقد خطأ القاضي أبو الطيب الشيخ أبا حامد فيما حكى عنه، قوال: ذلك مذكور فيما إذا قال: بعتك على وضيعة دهْ يَازده وهو أن يضع من كل أحد عشر درهمًا درهمًا، فأمَّا في هذه المسألة فلا يكون الثمن إلا تسعين من غير زيادة، وعلى
[ ٩ / ٢٦٥ ]
هذا [المنوال] جرى المتولي والإمام، ووافقهما البندنيجي في الحكم، ولم يتعرض للتخطئة، وقال الماوردي - بعد أن حكى أن الذي ذهب إليه الجمهور مثل ما قاله الشيخ أبو حامد -: الأصح عندي، أنه إذا قال: يحط درهم من كل عشرة، فالمحطوط واحد من عشرة، وإذا قال: يحط درهم لكل عشرة، فالمحطوط واحد من أحد عشر.
قال: "وما يزاد في الثمن وما يحط منه في مدة الخيار" - أي: خيار الشرط؛ لأن المختص بالمدة يلحق برأس المال؛ لأنّ لكل واحد منهما ترك العقد وإتمامه؛ فأشبه حالة العقد، وإذا كان هذا الحكم ثابتًا في خيار الشرط، ففي خيار المجلس من طريق الأَوْلى، وهذا هو الأصح عند الأكثرين فيهما.
وذهب أبو زيد والقفال إلى أنه يلحق في خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأنّ مجلس العقد كنفس العقد؛ ألاّ ترىنه لو عين رأس المال والعوض في "الصرف" في خيار المجلس جاز؛ بخلاف زمان الخيار المشروط؟!
قال الإمام متصلًا بباب الربا: "وهذا مما انفرد به أبو زيد، ولا يظهر فرق بين الخيارين.
وقيل: لا يلحق في واحد منهما؛ لتمام العقد، كما بعد اللزوم، وهذا هو الصحيح في "التتمة"، وقد حكى الإمام أنه مبني فيما إذا زاد على ان المبيع في زمن الخيار ملك المشتري، والأول مبنيٌّ على أنه باق على ملك البائع، ووافقه من العراقيين على ذلك أبو علي الطبري في "الإفصاح"، وطرد هذا البناء في لحوق الحط أيضًا، كما حكاه عنه مجلي في كتاب "الشفعة".
قال الإامم: والصحيح عندنا أن ذلك لا يلحق.
وإن قلنا: إن البيع لا ينقل الملك، فإن البيع الأول إذا لمي رتفع ولم يشتمل لفظ العقد على الزيادة، فلا معنى لتقدير إلحاق الزيادةمن غير فسخ محقق وإعادة، فيمتنع لحوق الزيادة؛ لفساد الصيغة.
حكى ذلك قبيل "باب تجارة الوصي بمال اليتيم".
وحكى مجلي في كتاب "الشفعة" عن بعضهم أنا إذا قلنا بانتقال الملك
[ ٩ / ٢٦٦ ]
فالحطيطة إبراء، وهل ينفذ؟ كل الأصحاب على نفوذه، ومنهم من قال: في النفوذ خلاف مرتب على عتق البائع في مدة الخيار على هذا القول، فإن قلنا بالنفوذ فهل يلحق ذلك بالعقد؟ فيه وجهان:
فإذا قلنا: إن الخيار يمنع انتقال الملك، فإذا حط عنه البعض كان إبراءً.
وذكر القاضي في نفوذها وجهين:
وجه النفوذ توافُقُ الخلق على ذلك في العُصُر الخالية.
وفي "الحاوي" في باب "بيع الطعام": أن النقصان إذا كان قبل التفرق كان فسخًا للبيع الأول، واستئنافَ بيعٍ بعده بما بقي من الثمن الأول، حتى لو كان ذلك بعد تلف المبيع أو عتقه لم ينفذَ القبض، ويبقى الثمن الأول، بحاله، ولو كان [قد] قبض المبيع، ثم حط عنه شيئًا من الثمن، وأبطل في هذا الباب أن يكون النقص او الزيادة فسخًا للعقد، وقال في أواخر باب "الربا": إن المشتري إذا أبراه البائع في زمن الخيار لم يصح؛ لأنه إبراءٌ مما لم يستقر ملكه عليه، وحكم إلحاق الأجل في زمن الخيار حكم الزيادة. ولو ذكراه في العقد ثم أسقطاه وصار حالًاّ، كما صرح به
[ ٩ / ٢٦٧ ]
الأصحاب في باب "السلم".
وقال القاضي الحسين متصلًا بباب تجارة الوصي: ينبغي أن ينفسخ العقد؛ لأنه جعل الثمن إذا كان عشرة مثلًا في مقابلة المبيع والأجل، ولما أسقط الأجل يحتاج إلى أن يسقط شيئًا من الثمن، ولا يعرف ذلك؛ فيصير مجهولًا.
قلت: لو كان هذا معتبرًا لوجب إذا حط من الثمن بعضه أن ينفسخ العقد فيما يقابل المحطوط من المبيع، ولا قائل به، ولوجب إذا اشترى سلعة بثمن مؤجل ومات أن يبطل العقد؛ لأن الأجل سقط بالموت، ثم مع الصحة لا يثبت للوارث الخيار في فسخ العقد لفوات بعض المقابل بجزء من الثمن، وذلك يقدح فيما ذكره.
تنبيه: قول الشيخ: "وما يحط منه" احترز به عما لو حط جميعه؛ فإن العقد ينفسخ عند من يرى إلحاق الحط في بعض الثمن، صرح به الإمام والرافعيُّ.
وفي "الحاوي": في الموضع الذي حكى فيه أن الحط يلحق، من هذا الباب: أن حطيطة الثمن كله لا تكون فسخًا للعقد.
وقال المتولي في كتاب "الشفعة": "إنه إذا حط الثمن كله كان كأنه قال: بعتك بلا ثمن، على طريقةٍ ينعقد هبة، وعلى طريقةٍ يكون بيعًا فاسدًا، وعلى ذلك جرى في "الذخائر" في "الشفعة".
وقال في "الإبانة": " [إنا] إذا قلنا: إن الحط لا يلحق، المبيع ملك المشتري، لكن هل بالبيع أو بالهبة؟ فيه وجهان.
قوله: "يلحق برأس المال" يجوز أن يكون المراد فيما إذا أراد أن يخبر بأن رأس ماله فيه كذا، أمَّا إذا أراد أن يخبر بأن شراءه كذا فيجوز ألاَّ يعتبر الحطّ ولا الزيادة، وهو قضية إطلاق المتولي لهذا التفصيل من غير أنّ يفرق بين أن يكون العقد قد لزم قبل الحط أم لا.
وفي الرافعي تخصيص ما حكاه المتولي بما إذا كان بعد اللزوم؛ فإنه قال: ما يزاد في الثمن بعد انقضاء الخار لا يلحق بالمشتري.
الثاني: وأمَّا الحط، فإن كان البيع بلفظ "ما اشتريت"، لم يلزمه حط المحطوط،
[ ٩ / ٢٦٨ ]
وإن كان بلفظ "قام عليّ" لم يخبر إلاَّ بالباقي، فإن حط الكل لم يجز بيعه مرابحة بهذا اللفظ.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره حكاية وجه فيه، كما في لفظ الشراء، ولو حط عنه بعض الثمن الأول بعد جريان المرابحة لم يلحق الحط المشتري منه.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أنه يلحق كما في التولية والإشراك، والفرق على الأول أن بناء عقد التولية والإشراك على العقد الأول أقوى وآكد، بدليل أنه لا يقبل الزيادة، وأمَّا المرابحة فيقبلها كما ذكرناه.
قال: وما يرجع به من أرش العيب يحط من رأس المال؛ لأنه جزءٌ من الثمن. فلو جنى على العبد المبيع وأخذ الأرش لم يحط على أحد الوجهين، كما لا يضيف ما غرمه من أرش جنايته إلى الثمن.
قال الماوردي: وعلى هذا للمشتري الخيار إذا علم. وفصل الإمام فقال: إن بقي للجناية أثر ونقصان في عين أو مال وجب الإخبار به، وإلاَّ فلا يجب على أحد الوجهين، ولو جنى عليه جناية، وقلنا بالأصح: أن جراح العبد مقدرة، وقدر الجناية نصف القيمة، وما نقص إلاَّ ثلثها – فهل يحط ما غرمه له الجاني وراء النقصان؟ فيه الوجهان، والأصح: لا.
ثم قال: وقد يرى الناظر في كتب العراقيين وجهين مطلقين في أنه هل يجب ذكر [أرش] الجناية؟ وهذا غير معقول إلاَّ في أرش لا يقابل تنقيصًا من القيمة كما ذكرته في الصورتين، وحيث قلنا: "يحط" وكان الثمن مائة، والأرش عشرة، فلا يقول: "اشتريته بتسعين"، ولا: "ثمنه تسعون" بل يقول: "قام عليَّ بتسعين" قاله في "المهذب" في الأرش، وفي "الحاوي" أنه يخبر بأي العبارات الثلاثة شاء.
فرع: لو اشترى شيئًا بعشرة، وباعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة خبَّر بها خلافًا لابن سرجي؛ فإنه قال: يخبر بخمسة. ولم يطرد ذلك فيما إذا خسر في الأول خمسة أنه يضيفها إلى الباقي، كذا هو المشهور عنه.
وفي "التتمة" أنه طرده، وأنه جعل الخسارة كمؤنة التزمت من أجرة خياطة أو
[ ٩ / ٢٦٩ ]
قصارة، والله أعلم.
قال: "وإن اشترى ثوبًا بعشرة، وقَصَره بدرهم، ورفأه بدرهم، خبّر به في المرابحة فيقول: "قام عليَّ باثني عشر" – أي: وبعتك بربح كل درهم ثمن مثلًا؛ لأنه صادق، وكذا أن يقول: "هي عليّ باثني عشر".
قال: "ولا يقول: ابتعته باثني عشر"؛ لأنه كذب. وهل يجوز أن يقول: "رأس مالي فيه اثنا عشر"؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يجوز.
وفي "مجموع" المحاملي: الجزم بأنه لا يجوز، وكذلك في "الحاوي"، ومثل هذا التفصيل يجري فيما إذا أدَّى أجرة الحمال، والحارس، والصباغ، وقيمة الصبغ، وأجرة الحان، وتطيين الدار، وكراء البيت الذي فيه المتاع، وأجرة الكيال والدلال إذا كان الثمن مكيلًا أو عرضًا نادى عليه واشترى السلعة بعد ذلك، وسائر المئونات التي تلزم الاسترباح، دون [سائر] المئونات التي يقصد بها استيفاء الملك: كنفقة العبد وكسوته، وعلف الدابة، وفداء العبد بسبب الجناية.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يدخل [العلف الزائد على المعتاد لا محالة]؛ ذكره القاضي الحسين وغيره.
وأجرة الطبيب – إن اشتراه مريضًا – كأجرة القصَّار، وإن حدث المرض في يده فهي كالنفقة.
وفي مؤنة السائس تردد الإمام، والأظهر أنها كالعلف.
والمكس الذي يأخذه السلطان يدخل في لفظ القيام، ولا يدخل في لفظ الشراء، وهل يدخل في لفظ "رأس المال"؟ فيه وجهان في "التتمة".
تنبيه: قوله: "رفأه بدرهم" مهموز، يقال: "رفأت الثوب وأرفؤه رفئًا": إذا أصلحت ما تهرَّشَ منه.
قال الجوهري: "وربما لم يهمز".
قال: "وإن عمل فيه عملًا يساوي درهمين أخبر به، فيقول: "اشتريته بعشرةن وعملت فيه بدرهمين" لأنه الواقع، "ولا يقول: قام عليَّ باثني عشر؛ لأن عمل
[ ٩ / ٢٧٠ ]
الإنسان بنفسه لا يتقوم عليه.
تنبيه: قوله: "يساوي درهمين" هذه اللغة الفصيحة، وفي لغة قليلة: "يَسْوَى"، وأنكرها الأكثرون، وعدُّوه لحنًا.
قال المرزوقي في "شرح الفصيح": يقال: هذا الشيء يساوي ألفًا أي: يستوي معه في القدر".
قال: وإن أخذ من لبنه أو صوفه الموجود حال العقد شيئًا أخبر به؛ لأن ذلك يناله قسط من الثمن فيحتاج إلى تقويم ما أخذه من الصوف أو اللبن، ويوزع الثمن عليه [وعلى الشاة] على قدر قيمتهما، كما يفعل في العبدين، ولو لم يكن ذلك موجودًا حال العقد، ثم وجد وأخذه – لم يخبر به؛ كما لو انتفع بالعبد.
قال: "وإن اشترى عبدين بثمن واحد، جاز أن يبيع أحدهما مرابحة، إذا قسط الثمن عليهما بالقيمة" – أي: قيمتهما وقت الشراء؛ لأن العقد يقتضي ذلك.
قال في "التتمة": إلاَّ أنه لا يقول: "اشتريته بكذا" [إلاَّ] إذا بين حقيقة الحال فيه.
وقال القاضي الحسين: يجوز له أن يخبر بلفظ: "قام عليَّ" خاصة.
ولو اشترى مائة قفيز حنطة بمائة درهم، وأراد بيع قفيز منها مرابحة، جاز أن يخبر أن ثمنه درهم، ومن أصحابنا من منع إلا بإخبار الصورة، قال الماوردي: والأول أصح.
ولا يجوز مثل ذلك فيما إذا اشترى عبدًا بمائةٍ، وأراد أن يبيع نصفه بخمسين بلفظ الشراء. صرح به المتولي.
ولو أسلم في عبدين بصفة واحدة، ثم قبضهما، وأراد بيعهما مرابحة – قسم الثمن عليهما بالسوية؛ قاله مجلي، سواءً كانا من ذوي الأمثال أوا لقيم، وسواءً كانا متفقين في القيمة أو لا؛ لأن الثمن وقع عليهما بالسوية.
قال: وإن قال: "اشتريته بمائة"، ثم قال: بل [اشتريته] بتسعين – أي: وباعه مرابحة، لكل عشرة درهم مثلًا – ففيه قولان:
أحدهما: يحط الزيادة وربحها" – أي: وذلك أحد عشر في مثالنا – ويأخذ
[ ٩ / ٢٧١ ]
المبيع بالباقي – أي: وهو تسعة وتسعون؛ لأنه ملك نقل بالثمن الأول مع زيادة منسوبة إليه، فيحط الزائد عليه، كما في الشفعة والتولية، ولاخيار للمشتري؛ ذلأنه زاده خيرًا.
قال: "والثاني: أذنه بالخيار" – أي: المشتري – "بين أن يفسخ البيع، وبين أن يحط الزيادة وربحها، ويأخذ المبيع بالباقي"؛ أنه ربما كان له غرض في الشراء بمائة وربحها لتحِلَّة قَسَمٍ أو نفاذ وصية، ولأنه لا يأمن أن يكون الثمن أنقص من تسعين، وحاصل ما قاله الشيخ أن البيع حيحٌ، وفي ثبوت الخيار القولان، وقد بناهما الماوردي على أن إخباره بالتسعين كذب أم لا؟ وفيه خلاف:
فمن لم يجعله كذبا، ً ووجهه بأن التسعين تدخل في المائة – قال: لا يثبت للمشتري خيار، وهذا ما حكى من بعد هذا البناء أنه المذهب، وصححه غيره، وفي الرافعي: أنه نصّ عليه في كتاب "اختلاف العراقيين".
ومن جعله كذبًا؛ لأن التسعين بعض المائة، وهي مقابلة بعض المبيع؛ فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن، ومقابله لجميع المبيع – أثبت للمشتري الخيار، وهو ما
[ ٩ / ٢٧٢ ]
حكى بعد هذا البناء أنه قولٌ مخرج من المسألة التي نذكرها من بعد، وفي الرافعي: أنه الذي نقله المزني، وقد جزم بعض الأصحاب بالقول الأول، وحمل ما نقله المزني على ما إذا ثبت النقص بالبينة، وفرق بأنه إذا ثبت ذلك بالإقرار دلّ على أمانته وديانته؛ فلا يخاف خيانته مرة أخرى؛ ولذلك لم يثبت للمشتري خيار، وإذا ثبت خيانته بالبينة لا تؤمن خيانته، بأن يكون هذا الثوب قد اشتراه بثمانين، وأخفى الذي اشتراه بتسعين.
ثم إذا ثبت للمشتري الخيار، وأجاز، أو لم يثبته له، فهل للبائع خيار؟ فيه وجهان، وقيل قولان، أظهرهما: لا، وقيل: محلهما إذا ثبت النقص بالبينة، أمَّا إذا ثبت بالإقرار فيثبت قطعًا، ووراء ما ذكرناه قولان، أو وجه وقول:
فالوجه رواه القاضي أبو حامد في "الجامع"؛ بناءً على الحط أن العقد باطل لكون الثمن مجهولًا عند العقد، وحكاه صاحب "التقريب" قولًا، وضعفه الإمام.
وتقريره: أن الحط لا يفتقر إلى إنشاء حط، كما في أرش العيب القيم على رأي، بل من أصل العقعد، وذلك يحصل الجهالة.
وقد أجاب الإمام عن ذلك بأنّ العقد عقدٌ على ظن العلم بالثمن؛ فاكتفى به، وإذا أخلف فطريق الاستدراك الخيار، لا الحكم بالفساد، وهذا يناظر قولنا: لا يزوج السيد أمته من مجبوب على علم، ولو فعل لم يصح، ولو زوجها على ظن السلامة انعقدت وخيرت الأمة.
وعبر الماوردي عن هذا الوجه: بأن من أصحابنا من قال على قول الحط: يأخذه بعقد مستأنف.
ثم قال: وهذا غلطٌ؛ لأنه لو أخذه بعقد مستأنف لبطل العقد الأول، إلى اشتراط قدر الربح، كما افتقر إليه الأول.
وما قاله الإمام من الاستدراك بالخيار فيه نظرٌ؛ لما قد عرفت ان المذهب: أن الخيار لا يثبت.
والقول: أن العقد ينعقد بجميع الثمن، وهو في مسألة الكتاب مخرجٌ مما إذا ثبت
[ ٩ / ٢٧٣ ]
النقص بالبينة؛ فإن فيها قولين منصوصين في كتاب "اختلاف العراقيين" على ما حكاه أبو الطيب، وعلى هذا للمشتري الخيار جزمًا، إلاَّ أن يكون عالمًا بكذبه؛ فلا يثبت. ولو قال له: "لا تفسخ؛ فإني أحط عنك الزيادة" فهل يسقط خياره؟ فيه وجهان.
وهذا كله إذا كان المبيع باقيًا، أمَّا لو تلف قبل ذلك ففي "التهذيب" وغيره من كتب العراقيين أنه تنحط الزيادة وربحها قولًا واحدًا، ويلزم البيع.
قال الرافعي: "والظاهر جريان القولين في الانحطاط، وأمَّا الخيار [فلا يثبت للمشتري] إن قلنا بالانحطاط، وفي ثبوته للبائع الخلاف السابق، وإن قلنا بعدم الانحطاط فلا يثبت للبائع، وكذا للمشتري على أظهر الوجهين؛ كما لو عرف بعيب المبيع بعد تلفه، لكن يرجع بقدر التفاوت وحصته من الربح كما يرجع بأرش العيب، أمَّا إذا لم يبعه مرابحة، بل قال: اشتريته بمائة، وبعته لك بمائة وعشرة، وكان قد اشتراه بتسعين – انعقد بمائة وعشرة قولًا واحدًا، ولا خيار للمشتري؛ لأنه الذي ضيعه حقه، حيث اعتمد قوله فيه.
قاله القاضي الحسين في "التعليق".
قال: وإن قال: اشتريته بمائة – أي: وباعه مرابحة – ثم قال: [بل] بمائة وعشرة – لم يقبل" – أي: قوله في ذلك؛ لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي فلم يقبل؛ كما لو أقرّ لأدميّ بمال، ثم رجع عنه.
قال: "وإن أقام عليه بينة بذلك؛ لأن سماع البينة فرع الدعوى، ودعواه غير مسموعة؛ لمناقضتها قوله السابق، وفي قوله السابق تكذيب للبينة أيضًا، ويخالف ما إذا قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، ثم أحضر بينة؛ فإنها تسمع على أحد الوجهين، وإن كان في قوله الأول ما يمنع سماعها؛ لأن دعواه صحيحة؛ لعدم المناقضة؛ فجاز أن يترتب عليها.
ولأن المقرَّ بهِ هنا إثبات مستند إلى محسوس، فقوى المترتب عليه؛ لبعد خلافه، وما ذكره في مسألة الشهود نفي يجوز أن يكون مستندًا إلى العدم الأصلي، وتكون البينة حاصلة، كما يجوز خلافه، فضعف المترتب عليه؛ فلم يؤثر؛ ولهذا
[ ٩ / ٢٧٤ ]
المعنى جرى الخلاف – أيضًا – فيما إذا قال:"ما أودعني" ثم أقام بينةً بالتلف.
ومما يؤيد هذا الفرق: أن الماوردي حكى الجزم بعدم سماع البينة إذا قال عند الشراء: اشتريته بنفسي بمائة. وفيما إذا كان قد أخبر عن شراء وكيله وعبده المأذون، ثم عاد يذكر أن الوكيل أخطأ، والعبد غلط في إخباره – حكى وجهين في سماع البينة بما ادّعاه ثانيًا، وقد أشار الإمام في باب "الضمان" إلى ما ذكرته من الفرق.
قال: إلاَّ أن يصدقه المشتري" أي: فتلزمه الزيادة وربحها؛ لأن الحق لهما ولا يعد وهمًا، ويثبت للمشتري الخيار، وهذا ما حكاه العراقيون.
وقيل: لا تثبت الزياة أيضًا، ولكن يثبت للبائع الخيار، وهذا أصح في "الوجيز".
وحكى الإمام أن الذي ذهب إليه الجمهور من فقهاء الأصحاب: أنا نتبين بطلان العقد من أصله، وأن والده ذهب إلى ما حكيناه من صحة العقد.
فرع: إذا كذّبه المشتري، فهل له تحليفه؟ فيه طريقان في الطريقين:
أحدهما: أنه ينبني على أن يمين الرد بمنزلة الإقرار، أو البينة؟
فإن قلنا: بمنزلة البينة، لم تعرض، وألا عرضتن فإن حلف برء، وإن نكل حلف البائع، وحمك له بالزيادة وربحها، ويثبت للمشتري الخيار.
والطريق الثاني: أنه [إن] قال: اشتريت، لم نعرض، وإن قال: وكيلي اشترى، وأخبرني بالثمن، ثم تبينت خطأه – عرضت.
وعلى طريقة الماوردي في اصورة التي جوز فيها إقامة البينة: إذا لم يكن ثمّ بينة، له تحليفة قولًا واحدًا
قال: وإن واطأ غلامه، فباع منه ما اشتراه بعشرة، ثم اشتراه بعشرين، وخبر بالعشرين –كره [له] ذلك"؛ لأنه لو صرح بذلك فسد البيع، وكل شرط يفسد البيع إذا اعتقده كان مكروهًا، وهذا كما نقول: إذا اعتقد في النكاح أن يطلقها كان مكروهًا؛ [لأنه] لو صرح به فقال: قبلت نكاحها على أن أطلقها، إذا وطئتها – فسد العقد على أحد القولين.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يجوز عندي أن يبيع هذا الثوب مرابحة؛ لأن الثمن
[ ٩ / ٢٧٥ ]
الثاني مع غلامه زيادة من طريق الغش والخيانة، وإذا باعه مرابحة بهذا الثمن كان للمشتري الخيار، وعلى ذلك اقتصر ابن الصباغ والمتولي.
وفي "المهذب": أنه لا خيار، وهو الذي صححه ابن أبي عصرون.
تنبيه: واطأ غلامه: مهموز، والمراد بالغلام: الأجير الحر.
أمَّا لو كان رقيقًا لم يجز أن يخبر إلاَّ بالثمن الأول؛ لأن الشراء الثاني لم يصح، وهكذا الحكم فيما لو اشترى من عامل القراض [عنه،] وكان للعامل نصف الربح، وقد اشترى السلعة بعشرة، ثم اشتراها رب المال بعشرين، لم يجز أن يخبر بأنّ رأس ماله فيها إلاَّ خمسة عشر، صرح به الماوردي.
فائدة: من جملة ما يجب الإخبار به في بيع المرابحة ذكر الأجل، إن كان قد اشترى بمؤجل، خلافًا لما حكاه المسعودي وجهًا.
فإن لم يخبر به - قال المحاملي: ليس في هذه المسألة نصٌّ، والقياس على مذهبنا ثبوت الخيار للمشتري، وهذا ما صرح به الماوردي عن المذهب، والقاضي أبو الطيب عن القاضي أبي حامد في "جامعه"، فإن أجاز كان ما وقع عليه العقد حالًا.
وكذا يجب عليه أن يخبر بما حدث في المبيع من عيب في يده، وكذا بما علمه من عيب قديم رضي به.
ولو اشتراه بغبن فهل يجب عليه الإخبار بذلك؟ فيه وجهان، أصحهما عند الإمام: أنه لا يجب.
قال الرافعيُّ: وقضية كلام الأكثرين مقابله؛ لأنهم قالوا: لو اشتراه بدين على مماطل، وجب أنا يخبر به، وكذا لو اشترى من ابنه الطفل وجب الإخبار عنه؛ لأن الغالب في مثله الزيادة في الثمن نظرًا للطفل، واحترازًا عن التهمة، فإذا وجب الإخبار عند ظن الغبن فَلأَنْ يجب عند تيقنه كان أولى.
وفي "الإبانة" حكاية الخلاف فيما إذا اشترى بالدين.
ولو اشترى من ابنه البالغ، أو من أبيه، فأصح الوجهين بالاتفاق: أنه لا يجب الإخبار عنه، كما لو اشترى من زوجته أو مكاتبه.
وفي "الشامل" ما يقتضي ترددًا في الشراء من المكاتب.
[ ٩ / ٢٧٦ ]
ولو اشترى بعرض وجب عليه أن يخبر به، فيقول: اشتريته بعرض، وقيمة العرض كذا؛ لأن العادة فيما بين التجار انهم يتشددون يما يبيعون بالعروض، ويتسامحون فيما يبيعون بالنقود، ولو قال: قام عليَّ بكذا- وذكر القيمة- جاز.
فرع: بدل الخلع، والصداق، والكتابة، ودم العمد، والمنافع يجوز بيعه مرابحة، ففي الصداق والخلع يقول: "قام عليَّ بكذا"، وهو مهر المثل، وفي الإجارة أجرة المثل، وفي الصلح عن دم العمد ديةُ المقتول.
قال القاضي الحسين في "تعليقه": "ويحتمل وجهًا آخر: أنه لا يجوز بيعه مرابحة؛ لأنه لا يقصد بذلك التجارة، بخلاف البيع.
قال: "ويحرم النجش".
أصل النَّجْش: بفتح النون، وسكون الجيم الاستيثار؛ ومنه: نجشت الصيد، أنجُشه - بالضم - نجشًا: إذا استثرته، وسمي الناجش في السلعة - كما سنذكره - ناجشاص؛ لأنه يثير الرغبات فيها، ويرفع في ثمنها، وكل من استثار شيئًا فهو ناجش.
وقيل: أصله الختل، بمعنى الخَدْع؛ ومنه قيل للصائد: ناجش؛ [لأنه يختل الصيد، ويحتال له].
وقيل: أصله المدح والإغراء.
والمحرم منه ما قاله الشيخ، وهو أن يزيد في الثمن، أي: عما تساويه العين؛ ليغر غيره فيشتريه.
والدليل على تحريمه: ما روى الشافعيُّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵃ - أن النبي ﷺ نهى عن النجش.
وروى بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَنَاجَشُوا" والنهي يقتضي التحريم.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
قال أصحابنا: ويأثم الناجش، علم بتحريم ذلك أو لم يعلم؛ لما فيه من الغرر، صرح به في "التهذيب".
قال مجلي: "وفيه نظرٌ؛ فإن تأثيم من لا يعلم التحريم بعيد".
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: تقييد التأثيم بحالة العلم، وهذا الشرط يعم جميع المناهي المذكورة في الباب، كما صرح به الرافعيُّ.
والبيع صحيح؛ لأنّ النهي لمعنى في غير المبيع، فأشبه البيع وقت النداء، ولا يثبت للمشتري خيار إذا لم يكن النجش بمواطأة من البائع، وإن كان فوجهان أو قولان:
أحدهما – وبه قال أبو إسحاق -: أنه يثبت، للتدليس كما في التصرية.
والثاني – وهو ظاهر قول الشافعيّ كما حكاه أبو الطيب، والأشبه عند الأئمة كما قاله الرافعيّ، وبه قال ابن أبي هريرة -: أنه لا يثبت؛ لأن التقصير من جهة المشتري، حيث اغتر بقوله، ولم يحتط بالبحث عن ذلك من تفاوت أهل الخبرة.
ويخالف التصرية؛ إذ لا تقصير من المشتري.
ومثل هذا التفصيل يجري فيما إذا اشترى جوهرًا بعدما أراه لمن له معرفة بالجوهر، فأخبر الرائي المشتري بجودته، وبان بخلافه، على ما حكاه القاضي الحسين في باب "بيع البراءة" ويلتحق بالنجش ما إذا قال أعطيت في ههذ العين كذا كذبًا ليغر به المشتري.
قال: ويحرم [البيع] على بيع أخيه – أي: التسبب إلى البيع على بيع أخيه – وهو أن يقول لمن اشترى شيئًا بشرط الخيار: افسخ البيع – أي: في زمن الخيار – فإني أبيعك مثله بأقل من هذا الثمن؛ لما روى الشافعيُّ بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ يَبِيعُ الَّرجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ".
وروى النسائي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ: "لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ
[ ٩ / ٢٧٨ ]
أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أوْ يَذَرَ".
والمعنى فيه: أن ذلك يوغر الصدور، ويورث الشحناء والقطيعة والهجران.
واشترط ابن كجِّ في تحريم هذا: ألا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مفرطًا، وقال بجوازه إذا كان مغبونًا غبنًا مفرطًا؛ لأنه ضرب من النصيحة.
ولو باع على بيع أخيه بالإذن منه؛ ارتفع التحريم على الأصح، وفي معنى ما ذكره الشيخ ما إذا قال: أبيعك أجود منه بمثل هذا الثمن، أو قال لبائع سلعة في زمن الخيار: افسخ البيع لأشتريها منك بأكثر من هذا الثمن، وكذا لو طلبها من المشتري بزيادة ربح في زمن الخيار بحضرة البائع – على ما دلّ عليه كلام الماوردي- لأنه يؤدي إلى أن يفسخ البائع على المشتري؛ طمعًا فيما يبذل له من الربح.
قال: "فإن فسخ وباعه صحّ البيع؛ لما ذكرناه في النجش، وهكذا الحكم فيما يذكره من المناهي.
قال: "ويحرم [على الرجل] أن يدخل على سوم أخيه، وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة بثمن – أي: أجابه وقال له: نعم – كما ذكره الجوهري – "فيزيده ليبيع منه؛ [فإن فعل ذلك صح البيع"؛] لما روى أنه – ﵇ – "نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" والمعنى فيه ما ذكرناه، وشرط أبو عبيد بن حربويه في تحريم ذلك أن يكون الأول مسلمًا، أمَّا لو كان ذميًّا فلا يحرم، حكاه عنه الرافعيّ في "الخِطْبة على الخطبة".
قال: وإن [كان قد] عرض له بالإجابة – أي: بأن قال: أشاور عليك وما أشبه ذلك، كره الدخول في سومه؛ لما فيه من الإيحاش، ولا يحرم لعدم رضا البائع، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يحرم، وغيره نسبه إلى القديم.
ولو عرضت السلعة في النداء جازت الزيادة فيها؛ لما روى الترمذي عن أنس: أن
[ ٩ / ٢٧٩ ]
رسول الله ﷺ باع حلسًا وقدحًا، فقال: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟ " – عن الحلس والقدح – فقال رجل: آخذهما بدرهم، فقال النبي ﷺ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " فأعطاه الرجل درهمين، فباعهما منه ولأن في النداء لا يقصد رجل بعينه، ولا يؤدي ذلك إلى الإيحاش.
قال: ويحرم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهو أن يقدم رجل ومعه سلعة، يريد بيعها – أي: في الحال – ويحتاج إليها في البلد، فجيء إليه رجل ويقول له: لا تبع حتى أبيع لك قليلًا قليلًا، وأزيد [لك] في ثمنها، [فإن فعل صح البيع"؛] لما روى النسائي عن أنس أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أباه أو أخاه. وروى الشافعيُّ ومسلم بسندهما عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ فِي غَفَلاَتِهِمْ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضِ".
أمَّا إذا كانت السلعة لا يحتاج إلذيها إلاَّ نادرًا فلا يحرم، وإن كان عدم الحاجة لقلة السلعة وكبر البلد، أو لعدم الاحتياج إليها في الحال كما قال القاضي أبو الطيب، أو لكونه عامَّ الوجود رخيصًا كما قال في "التهذيب" – ففي التحريم وجهان، ينظر في
[ ٩ / ٢٨٠ ]
أحدهما إلى عموم الحديث، وفي الثاني إلى المعنى.
ولا نزاع في أن القادم لو سأل الحاضر ذلك ابتداءً جاز؛ لأن في المنع منه إضرارً بالبدوي، ولو استشار البدوي الحاضر في ذلك، فهل يرشده إلى ذلك؟ حكى ابن كجٍّ عن أبي الطيب وأبي إسحاق المروزي: أنه يجب عليه إرشاده إليه؛ لبذل النصيحة، وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه لا يرشده إليه.
تنبيه: قول الشيخ: "يقدم رجل" هو بفتح الياء والدال، يقال: قدم: بكسر الدال، يقدم: بفتحها، قُدُومًا، ومَقْدَمًا: بفتحها.
قال: "ويحرم تلقي الركبان" وهو أن يلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم؛ ليغبنهم، أي: فيما يشتريه منهم- لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَ أَتَى سَيّدُهُ بِالسُّوقِ فَهُوَ بِالْخِيارِ".
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ، فَإِنْ تَلَقَّى مُتَلَقِّ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَ السُّوق. وغير ذلك من الأحاديث، وفي نظرٌ إلى أهل البادية كما نظر في الأحاديث المذكورة في الفصل قبله إلى أهل الحاضرة، كذا قاله أبو إسحاق في "الشرح".
وفي "الحاوي" ما يدل على أنّ المنع من تلقي الركبان؛ لأجل أهل المدينة: إمَّا خشية انقطاع القوافل عنها وعدولهم إلى غيرها – كما حكاه عن الجمهور – أو خشية أن يحبسه المبتاع في بيته؛ فتضيق الحال على أهل المدينة، كما حكاه عن غيرهم.
تنبيه: القافلة عند أهل اللغة: الرفقة الراجعة من السفر، ومن قال: القافلة تطلق على الذاهبة والراجعة، فقد أخطأ؛ لأن القفول الرجوع.
يقال: قفل يقفل، بضم الفاء.
والشيخ أطلق على الحاضرة قافلة؛ باعتبار ما تئول إليه.
الكساد: مصدر: كسَد الشيءُ – بفتح السين – يكسد كسادًا؛ فهو كاسد وكسيد.
وقوله: "ليغبنهم" بفتح المثناة وكسر الباء الموحدة، يقال: غبنه – بالتفح – يغبنه
[ ٩ / ٢٨١ ]
في البيع غبنًا: بإسكان الباء، وفي رأيه غبن – بفتح الباء -: ضعف.
وقال ابن السكيت: هما لغتان: إسكان الباء، وفتحها، وأكثر ما يستعمل في الشراء والبيع بالفتح، وفي الرأي بالإسكان.
والغبن في الشراء والبيع: الوكس.
وقيل: الخديعة، وقيل: النقص.
قال: "فإن قدموا، وبان لهم الغبن، كان لهم الخيار"- أي: سواء أخبرهم بسعر البلد، أو كذب، أو سكت كما صرح به في "التهذيب": لعموم الخبر، وهل هو على الفور أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ فيه وجهان كما في خيار التصرية، وأصحهما: الأول، ولا يثبت لهم قبل أن يقدموا ويعرفوا السعر، صرح به البغوي وغيره، وكان ينبغي أن يتخرج على الخلاف الآتي في أنه إذا لم يغبنهم هل يثبت لهم الخيار؟ فإن قلنا: لا يثبت، اتجه ذلك، وإن قلنا: يثبت، فيكون في ثبوته قبل قدوم السوق خلاف، كما حكيناه في شراء الغائب.
قال: وإن لم يغبنهم فقد قيل: يثبت لهم الخيار؛ لعموم الخبر، وهذا قول من علل المنع بالمعنى الثاني الذي حكيناه عن الماوردي.
[قال:] "وقيل: لا يثبت"؛ لأنه لم يوجد تغرير وخيانة، وهذا هو الأصح، وقول من علل المنع بالمعنى الأول.
قال الرافعيُّ: وقد أُجْرِيَ الوجهان فيما إذا ابتدأ الباعة والتمسوا منه الشراء عن علم منهم بسعر البلد أو غير علم.
وفي "حلية الشاشيِّ" جريانهما فيما إذا كان قد غبنهمن فلم يقدموا البلد حتى رخص السعر، وعاد إلى ما كان أخبرهم به، ولو لم يقصد التلقي، ولكن خرج لشغل آخر من اصطياد وغيره فرآهم متنقلين، فاشترى منهم شيئًا – فهل يعصي؟ فيه وجهان:
أصحهما عند الأكثرين نعم؛ لعموم المعنى، فعلى الأول لا خيار لهم وإن كانوا مغبونين. وقيل: إن اخبر عن السعر كاذبًا ثبت، وعلى الثاني حكمه ما سبق.
ولو تلقى الركبان، وباع منهم ما يقصدون شراءه في البلد، فهل هو كالتلقي
[ ٩ / ٢٨٢ ]
للشراء؟ فيه وجهان.
قال: "ويحرم التسعير"، وهو أن يأمر الناظِرُ في أمر المسلمين أهل السوق ألاَّ يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فالأصل فيه ما روى أبو داود عن أنس: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر، فَسَعِّرْ لنا، قال رسول الله: "إِنَّ اللهَ هَوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ".
ولأنّ الناس مسلطون على أموالهم، وفي التسعير عليهم إيقاع حجر، وذلك غير جائز في مطلق التصرف، ولأن الإمام مندوب إلى النظر في مصالح الكافة، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن بأولى من نظره في مصلحة البائع بوفور الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، ولا فرق في ذلك بين حالتي الغلاء والرخص، وفي وقت الغلاء وجه: أنه يجوز؛ رفقًا بالضعفاء.
وعن أبي إسحاق: أنه إن كان يجلب الطعام إلى البلد فالتسعير حرام، وإن كان يزرع بها، ويكون اقتناؤه فيها فلا يحرم، وحيث جوزنا التسعير فذاك في الأطعمة، ويلتحق بها علف الدواب في أظهر الوجهين، وإذا سعر الإمام مخالفًا استحق التعزير، وفي صحة البيع وجهان منقولان في "التتمة".
وعلى القول بتحريم التسعير لو فعله الإمام، وباع الناس أمتعتهم بما سعر - عليهم نظر: إن أكرههم على بيعها، ولم يمكنهم من تركها لم يصح، وإن لم يكرههم لكنهم كانوا كارهين للسعر، فالبيع جائز لكنه مكروه.
قاله الماوردي.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
قال: "ويحرم الاحتكار في الأقوات" –أي: خاصة – "وهو أن يبتاع [طعامًا] في وقت الغلاء – أي: بالمد – فلا يبيعه ويمسكه؛ ليزداد في ثمنه"؛ لما روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنِ احُتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ".
وروى ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ".
قال:"وقيل: يكره"؛ لأن فيه تضييقًا على المسلمين ولا يحرم؛ لأنه ماله المطلق فيه تصرفه، وقد [كان سعيد بن المسيب يحتكر، فقيل له، فقال: إنَّ معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث أي: الأول] كان يحتكر.
كذا حكاه مسلم.
والمذهب الأول [لما روى أبو أمامة أن النبي ﷺ نهى أن يحتكر الطعام، وظاهر النهي [يقتضي] التحريم، وكذلك اللعن لا يكون إلا على محرم.
ولا بأس بالشراء في وقت الرخص، ليبيع في وقت الغلاء، ولا [بأس] أن يشتري في قوت الغلاء لنفقة نفسه وعياله، ثم يفضل شيئًا فيبيعه في وقت الغلاء، ولا [يحرم عليه] أن يمسك غلة ضيعته ليبيع في وقت الغلاء، والأولى أن يبيع ما فضل
[ ٩ / ٢٨٤ ]
عن كفايته، وهل يكون إمساكه مكروهًا؟ فيه وجهان:
ولو اضطر الناس إلى الطعام، وعند شخص فضل عن قوته، وجب عليه بيع ما فضل [عنه]، فإن لم يفعل أجبره السلطان عليه، [والمراد بالفضل: ما يفضل عن قوته وعائلته لسنة كاملة، كما أشار إليه الإمام في قسم الصدقات].
ولنختم الباب بما جرت عليه عادة الأئمة بذكره معه، وهو بيع التولية والإشراك؛ لأن الشيخ ذكرهما في باب "السلم"، فحتاج إلى معرفتهام.
فالتولية: أن يشتري شيئًا، ثم يقول لغيره: وليتك هذا العقد، فيقول المشتري: قبلت أو توليتُ، على قاعدة التخاطب، وذلك جائزٌ، ويلزم القائل مثل الثمن الأول قدرًا وجنسًا وصفة، ولا يشترط ذكره إذا علماه، فإن لم يعلمه المشتري أعلمه البائع أولًا، ثم ولاه العقد، فإن لم يعلمه فهل ينعقد؟ فيه الخلاف المذكور في نظيره في "المرابحة" على ما حكاه المتولي.
ولو حَطَّ عن المولي شيئًا من الثمن انحط عن المولي، ولو كان بعد التولة، ولو حط الكل بعد التولية، فكذلك على ما حكاه في "البسيط" [وغيره] مع حكايته عن الأصحاب القطع بأن قح الشفيع يتجدد بعقد التولية، وأنّ الزيادات المنفصلة تسلم للمولى.
وعن القاضي الحسين: أن الوجه التردد في جميع هذه الأحكامن فعلى رأي يجعل المولى نائبًا عن المولى، فتكون الزوائد للمولى ولا تتجدد الشفعة، ويلحق الحط المولى. وعلى رأي تعكس هذه الأحكامن ويقول: هي بيع جديد، فظاهر المذهب الفرق بين الزوائد والشفعة، وبين الحط، وعلى هذا: لو حط البعض قبل التولية لم تجز التولية إلاَّ بالباقي، ولو حط الكل لم تصح التولية، ولو أخبر المولى عمَّا اشتراه وكذب، فمنهم من قال: هو كالكذب في عقد المرابحة، ومنهم من قال: ويحط قدر الخيانة قولًا واحدًا.
ومن شرط هذا العقد: القدرة على التسليم، والتقابض إذا كان في مال الربا، وكذا سائر الشروط، ولا يجوز قبل القبض من غير البائع على أحد الوجهين في الرافعيّ،
[ ٩ / ٢٨٥ ]
وفي البائع وجهان مرتبان على البيع منه، وأولى بالصحة.
قال المتولي: ويشترط أن يكون الثمن الأول من ذوات الأمثال، فلو كان عرضًا، وأرادأن يعبر عنه بعبارة الشراء بأن قال: اشتريت بكذا، وقد وليتك العقد بما اشتريته لم يصح إلاَّ أن يكون ذلك العرض بعينه في ملك المولى. أمَّا إذا قال: قام عليَّ بكذا، وقد وليتك العقد بما قام عليَّ – فوجهان:
أحدهما: يجوز كالمرابحة.
والثاني: لا يجوز.
والفرق: أن العقد الثاني في المرابحة مخالف للأول في قدر الثمن؛ فجاز أن يحتمل أيضًا نوع مخالفة باختلاف الجنس مع الاتفاق في المعنى، وذلك أن يبيع بقدر قيمته، فأمَّا في التولية فلا مخالفة بين العقدين أصلًا.
وأمَّا الإشراك: فهو أن يشتري شيئًا ويشرك غيره فيه؛ ليصير بعضه له بقسطه من الثمن، ثم إن نصَّ على المناصفة فذاك، وإن أطلق فوجهان:
أحدهما: يصح، ويحمل على المناصفة، وهو الأصح عند الغزالي، وبه جزم في "التتمة".
والثاني: الفساد، وهو ما أورده في "التهذيب".
وحكم الإشراك في البعض حكم التولية في الكل في جميع ما ذكرناه، والله أعلم.
[ ٩ / ٢٨٦ ]