قد قدمت في أول الكتاب تفسير "الجنازة" و"الجنازة" بما أغنى عن الإعادة. والدفن معروف.
قال: والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين؛ لأن فيه جمعًا بين الكيفيات الواردة في السنة؛ فإن ابن عباس قال: إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع أو ليذر؛ فإنه من السنة. وروي أنه﵇- حمل جنازة سعد بن معاذ بن العمودين، وكذا فعله سعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو هريرة وابن الزبير في أموات حملوها.
والتربيع: أن يحمل النعش أربعة: اثنان في المقدمة، واثنان في المؤخرة خارجين عن العمودين، ويستحب عند الإتيان [به] أن يأخذ أحدهم بالشق الأيسر من صدر النعش، وهو الذي يلي يمين الميت ويمين الحامل، ثم يأخذ الثاني بالطرف المقابل له من هذا الجانب، ثم يفعل ذلك بالشق الآخر: يبدأ بالمقدمة [منه] ويختم بالمؤخرة.
والحمل بين العمودين: أن يدخل رجل بين طرفي مقدمة النعش ويضع الخشبة المعترضة على كاهله- وهو مقدم الظهر- ويترك العمودين على عاتقيه الأيمن والأيسر على المشهور.
[ ٥ / ١١٩ ]
وقال في "التتمة": إنه يأخذهما بيديه. وأيما كان فقد قال الأصحاب: إنه لا يمكن مثل ذلك في [طرفي] مؤخرة النعش؛ لأن الحامل حينئذ يكون وجهه للميت فلا ينظر الطريق، ولو وضعه على رأسه لما كان حاملًا بين العمودين ولأدى [إلى ارتفاع] مؤخرة النعش وتنكيس الميت على رأسه؛ فلابد أن يكون في مؤخرة النعش اثنان يحملانه كما يحملانه في حالة التربيع، ولا يكون بينهما أحد، وحينئذ يكون حملته على هذه الهيئة ثلاثة نفر.
ثم ما المراد بالجمع بينهما الذي هو الأفضل بزعم الشيخ وغيره؟ اختلف فيه كلام النقلة:
فالذي قاله الماوردي: أن يحمله خمسة: أربعة في جوانب النعش، وواحد بين العمودين، لكنه لا يضع شيئًا من العمودين على عاتقه.
والذي قاله البندنيجي: أن يحمله تارة على التربيع، وتارة بين العمودين كيف شاء، وهو ما حكاه الروياني عن بعض الأصحاب، وقال الجيلي: إنه المذكور في "الكافي".
قال: فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل؛ لفعل النبي - ﷺ - والصحابة [له]، وهو متصل السند بعيد عن التأويل، وهذه طريقة [الشيخ] أبي حامد، وعليها جرى الماوردي والبندنيجي.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ في "المهذب" والغزالي: إن الحمل بين العمودين أفضل مطلقًا؛ لما ذكرناه، فإن عجز [الذي في مقدم النعش حمل] معه اثنان فيكونون خمسة كما ذكرنا.
ومن الأصحاب من قال: التربيع أفضل مطلقًا؛ لأنه أصون للميت، وهو ما عزاه الإمام لبعض التصانيف، وقال: إنه لا أصل له، ولم [أر له ذكرًا] في "الإبانة".
وقد حكى الإمام بعد ذلك في باب تكبيرة صلاة الجنازة عن الشيخ أبي علي: أنه يوضع على جنازة أو سرير، ويحمله أربعة، ولا يجوز أن ينقص حملته
[ ٥ / ١٢٠ ]
عن أربعة؛ فإنه لو جوز النقصان في ذلك لكان هذا أبهأ بالميت، ولساغ أن يحمل الميت رجل واحد، وهذا ترك لحرمته وغض من قدره، فإذا كان لابد من أربعة تعين التربيع للاستحباب، لكن قول أبي عليِّ ضعفه الإمام، وفي بعض الشروح أن صاحب "التلخيص" قال: إن الحمل بين العمودين والحمل بين التربيع سواء، وفي "النهاية" حكايته احتمالًا عن صاحب "التقريب".
وقد سلك بعض من أراد الجمع بين كلام الشيخ هنا، وفي "المهذب" مسلكًا في الجمع، فقال: ما ذكره في "المهذب" محمول على ما إذا لم يحتج إلى أكثر من ثلاثة؛ لقوة المتوسط أمام النعش، وما قاله هنا على ما إذا احتاج إلى خمسة؛ لضعف المتوسط أمام النعش. ثم استحباب الحمل في النعش بين العمودين وغيره إنما هو عند الأمن من تغير الميت، فإن خشي تغيره إن انتظر ما يحمله عليه فلا بأس بحمله على الأيدي والرقاب، ولا يجوز حمله على حالة تؤدي إلى الإزراء به [والاستهانة به]، ولا على هيئة قبيحة مزرية، وينبغي أن يكون بحيث لا يخاف على الميت الميل والسقوط.
وما ذكرناه عن الشيخ أبي علي من منع الاقتصار على واحد مفروض في الكبير، أما الصبي لو حمله واحد جاز، ولا إزراء فيه، وفي حمل رجلين أيدين بجنازة كبير- احتمال ظاهر، ولو احتيج إلى الزيادة على ما ذكرناه جاز فعله.
ويوضع عمود في وسط الجنازة، ويحمله اثنان، وهكذا.
[و] تجعل الأعمدة متعارضة تحت الجنازة، وكذا حمل عبيد الله بن عمر؛ لأنه كان مبدنًا ثقيلًا.
ويختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير؛ لما فيه من الصيانة، وكذا [فعلته أسماء] بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - لأنها رأت النعش كذلك في الحبشة، فلما رآه عمر قال: نعم خباء الظعينة، وقيل: إن
[ ٥ / ١٢١ ]
فاطمة فعل لها ذلك، وأيَّما كان فهو دليل الاستحباب.
واعلم أن الشافعي قال: وليس في حمل الجنازة دناءةُ ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، وقد فعله رسول الله - ﷺ - ثم الصحابة ثم التابعون.
ومن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها الأربع بدأ بالعمود الأيسر من مقدمها يحمله على عاتقه الأيمن، ثم يسلمه إلى غيره فيحمله على عاتقه، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخرها فيحمله على عاتقه الأيمن أيضًا، ثم يتقدم فيعرض بين يديها؛ كي لا يكون ماشيًا خلفها، فليأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتقه الأيسر، ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها ويحمله على عاتقه الأيسر أيضًا، كذا حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم" والقديم معًا.
قال الرافعي: ولا شك أن هذا إنما يتأتى والجنازة محمولة على هيئة التربيع، فلو أراد أن يدور على جميع الجوانب مع الحمل بين العمودين حمل المقدمة على كاهله ساعة، ثم يتأخر فيحمل مؤخرة الياسرة على منكبه الأيمن، ثم يدور من قدام الجنازة إلى الجانب الآخر فيحمل مؤخرة اليامنة على منكبه الأيسر، قاله في "التتمة".
قال: ويستحب أن يسرع بالجنازة؛ لرواية أبي داود عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحةً فخير تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
والإسراع المطلوب يحصل بالزيادة على سجية المشي؛ بحيث لا يشق على
[ ٥ / ١٢٢ ]
[ضعيف يتبعها] لرواية أبي داود عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا - ﷺ - عن المشي مع الجنازة، فقال: "ما دون الخبب". نعم، لو كان الميت يخاف تغيره أسرعوا ما قدروا عليه، ولو خيف انفجاره ترفق به، نص عليه ولا يزلزل الميت في حال الحمل.
قال: وأن يكون الناس أمامها: أي: ويستحب أن يكون الناس أمامها، أي: مشاة؛ لما روى ابن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" [رواه
[ ٥ / ١٢٣ ]
أبو داود، والترمذي] وقال: أهل الحديث كانهم يرون الحديث المرسل في ذلك أصح. وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه- وهو سفيفان ابن عيينة-: حجة ثقة. وكأن المرسل المشار إليه هو الذي ذكره الماوردي لا غير عن سالم عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. ولفظة "كان" عبارة عن دوام الفعل والمقام عليه، والنبي - ﷺ - يفعل الجائز مرة ولا يداوم [إلا] على الأفضل، ولأنهم شفعاء وحق الشفيع التقدم.
قال الماوردي: ولأن حاملها أفضل من الماشي معها: لأن له أجرين، وللماشي مع الجنازة أجر، [وأفضل حملتها المتقدم؛ فكذلك] أفضل المشاة.
قال الإمام: واستحباب التقدم للراكب كهو للماشي، إلا أن المشي أفضل؛ فإنه ما ركب رسول الله - ﷺ - في عيد ولا جنازة.
وقال الماوردي: لو ركب المشيِّع للجنازة فيها كره له ذلك؛ لمخالفة السنة، وقد روى الترمذي عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأى ناسًا ركابًا فقال: "ألا تستحيون أنَّ الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهور الَّدوابَّ".
[ ٥ / ١٢٤ ]
نعم، لو عجز المشيع عن المشي أو كان الموضع بعيدًا لم يكره الركوب، قاله الماوردي أيضًا، وفي هذه الحالة يكون الراكب أمامها، وقد حكى أبو سليمان الخطابي اختلاف العلماء في استحباب تقدم الماشي عليها وتأخره، ثم قال: [و] أما الراكب فلا أعلمهم اختلفوا في أن يكون خلف الجنازة.
ولا يكره الركوب في العود بحال، لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: صلى النبي - ﷺ - على ابن الدحداح ونحن شهود، ثم أتي بفرس، فعقل حتى ركبه، فجعل يتوقص به ونحن نسعى حوله.
وروى أبو داود عن ثوبان أن رسول الله - ﷺ - أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: "إنَّ الملائكة كانت تمشي؛ فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلم ذهبوا ركبت".
قال: بقربها؛ لأنه إذا بعد انقطع فلا يكون مشيِّعًا، ولأنه إذا قرب نظر إليها
[ ٥ / ١٢٥ ]
ملتفتًا فاعتبر. وحدُّ القرب: أن يكون بحيث إذا التفت وقع البصر عليها، فإن بعد عن ذلك لم يجز إجزاء التشييع، وإذا سبق الجنازة إلى المقبرة لم يكره، وهو بالخيار إن شاء قام حتى توضع، وإن شاء جلس. وفي "التتمة" أن المستحب لمن مر عليه الجنازة أن يقوم لها، وإذا كان معها فلا يقعد حتى توضع الجنازة؛ لما سنذكره من الخبر، إلا أنه لا يكره ترك القيام، ولا الجلوس قبل وضعها، وفي "الجيلي" أن بعض أصحابنا قال: يكره الجلوس، وقد يستدل له بأنه﵇- قال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع" أخرجه البخاري ومسلم.
وقال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: "حتى توضع بالأرض" ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: "حتى توضع في اللحد"، وسفيان أحفظ من أبي معاوية، والمشهور الذي جزم بنقله الجمهور: الأول، والقيام منسوخ؛ فإن أبا داود روى عن علي: "أن النبي - ﷺ - قام في الجنازة، ثم قعد بعد". وأخرجه مسلم بنحوه.
[ ٥ / ١٢٦ ]
وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - ﷺ - يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل؛ فجلس النبي - ﷺ - وقال: "اجلسوا، خالفوهم" أخرجه أبو داود، وكذا الترمذي، وقال: إنه غريب.
وهذا التشييع مختص بالرجال، أما النساء فلا يستحب لهن؛ لأن البخاري ومسلمًا رويا عن أم عطية﵂- قالت: "نهينا عن تتبع الجنازة، ولم يعزم علينا".
قال في "الروضة": وقد قيل: إنه حرام عليهن، والصحيح أنه مكروه إذا لم يتضمن حرامًا.
[ ٥ / ١٢٧ ]
ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبة الكافر؛ لقوله﵇- لعليِّ وقد مات أبوه: "اذهب فواره".
قال: ثم يدفن، وهو- أي: الدفن- فرض على الكفاية بالإجماع، والأصل فيه قبل ذلك من الكتاب العزيز قوله- تعالى-: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] والقصة معروفة، وقوله – تعالى-:
[ ٥ / ١٢٨ ]
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات] وهو من "كفت": إذا جمع، أي: جامعة للأحياء بالمساكن، والأموات بالقبور.
وحكمته: أنه لو ترك لانهتكت حرمته بظهور تغير جثته وانتشار رائحته، وتأذي الناس بها، وتعرض لأن تأكله السباع، وإذا كان ذلك هو الذي شرع الدفن لأجله فهم منه أن الواجب منه ما يمنع ذلك، كما صرح به الأصحاب، وأما أكمله فقد ذكره الشيخ من بعد.
وهل أقارب الميت وغيرهم في الفرضية سواء أم لا؟ فيه ما تقدم في باب الغسل.
ثم هذا الذي ذكره الشيخ إذا كان الدفن ممكنًا، فإن لم يكن [ممكنًا] مثل أن مات في سفينة في البحر، ولم يقدر على دفنه، إما لخوف في البر أو لبعده- فقد قال الشافعي في "الأم": جعل بين لوحين، وربطا عليه؛ ليلفظه البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم فيدفنونه خير له من أن تأكله الحيتان، فإن رموه إلى البحر لم يأثموا، إن شاء الله. وقال المزني: إنما قال ذلك إذا كان حول البحر مسلمون، فإن كان أهل الجزائر كفارًا: ثقِّل وألقي في البحر حتى يتحصل في قراره؛ كي لا يقع لهم فيدفنوه إلى غير القبلة. وما قاله المزني هو المذكور في "المهذب" والرافعي، وقال ابن الصباغ: إن المزني نقله كذلك في "الجامع الكبير".
وقال الشيخ أبو حامد: هذا لا معنى له؛ لأن البحر لا يخلو أن يتصل جانبه ببلاد المسلمين، وإن لم يتصل جميعه، فربما وقع للمسلمين فدفنوه، وهو إذا ثقل يكون إلى غير القبلة اتصالًا [إذ] لا يستقر في البحر إلى جهة، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجرى عليه الماوردي والبندنيجي، [وأبو الطيب وقال: الذي ذكره المزني في "جامعه" ما ذكره الشافعي في "الأم"، لا غيره، والله أعلم].
وقد أفهم قول الشيخ: "ثم يدفن" بعد قوله: "ويستحب أن يسرع بالجنازة، وأن
[ ٥ / ١٢٩ ]
يكون الناس أمامها بقربها"-: أن ذلك مختص بما بعد الصلاة، والذي يظهر أنه لا فرق فيه بين ما قبل الصلاة وبعدها، وهو الذي يفهم من كلام الأصحاب، وبه صرح أبو الطيب، [و] كأن مراد الشيخ- والله أعلم- بيان أن المشي أمام الجنازة لا يقطع الصلاة وإن كانت الشفاعة بها تحصل، بل تستدام إلى الدفن، ليكون [حائزًا لأجر ذلك]؛ قال﵇-: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها- رجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد"، وفي رواية: "أصغرهما مثل أحد"- ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" رواه البخاري ومسلم.
وفيه دلاله على أنه متى نُصِب عليه اللبن ولم يهل التراب بعد أو لم يستكمل: أن القيراطين لا يحصلان، وقد حكى الإمام تردد بعض الأصحاب في حيازتهما في هذه الحالة، ثم قال: والوجه أن يقال: إذا ووري حصلت الحيازة. وقد حكى الماوردي ما أبداه الإمام وجهًا للأصحاب ثم قال: إنها لا تحصل إلا إذا فرغ من قبره، وبالجملة فالناس في الانصراف عن الجنازة أربعة أصناف:
من ينصرف عقيب الصلاة [فله من الأجر قيراط، وقد كان ابن عمر ينصرف عقيب الصلاة]، فلما بلغه تمام الخبر قال: "قد فرطنا في قراريط كثيرة".
ومن ينصرف بعد أن توضع في القبر وقبل إهالة التراب، فقد حصل له قيراط، وهل يحصل له الثاني؟ فيه ما تقدم.
ومن ينصرف بعد الفراغ من الدفن ولا يدعو، ولا خلاف في حيازته القيراطين.
[ ٥ / ١٣٠ ]
ومن ينصرف بعد أن يقف ويدعو للميت بالتثبيت، ويستغفر له بعد فراغ الدفن، وهو أكمل الأحوال؛ لما ستعرفه.
واعلم أن الشيخ استغنى بقوله: "ثم يدفن، وهو فرض على الكفاية" [عن أن يقول في الحمل إذا احتيج إليه: إنه فرض على الكفاية]؛ لأن الدفن لا يتصور- حينئذ- إلا به، أما إذا لم يحتج إليه: بأن أريد دفنه في الموضع الذي كفن فيه وصلي عليه، فقد سقط الحمل بالكلية.
قال: والأولى أن يتولى ذلك- أي: الدفن- من يتولى غسله؛ أي: من الرجال، رجلًا كان الميت أو امرأة؛ لأنه يكون أرفق به، وقد يطلع غاسله على شيء يكره فلا ينبغي أن يراه غيره.
أما النساء فلا يباشرن الدفن عند وجود الرجال وإن كان الميت امرأة: لأنه يحتاج إلى قوة وبطش يضعف عنه النساء، وهو لا يمكن إلا بتكشف من المباشر، وهن مأمورات بالستر، وهذا ما أورده الجمهور، وعليه نص الشافعي في "المختصر" حيث قال: لا يدخل الميت في قبره إلا الرجال ما كانوا موجودين، ويدخله منهم أفقههم وأقربهم رحمًا، ويدخل المرأة زوجها وأقربهم بها رحمًا، وعن صاحب "العدة" تقديم نساء القرابة على الرجال الأجانب في دفنها.
وقال البندنيجي: إن الشافعي قال في "الأم": أستحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة، ومن الجنازة إلى من في القبر: النساء. فأما إدخالها القبر: فإن كان لها زوج كان أولى من كل أحد، فإن لم يكن لها زوج تولاه من عصباتها المحارم على الترتيب في الغسل، فإن لم يكن لها محارم تولاه من له ذات رحم محرم كالخال وأبي الأم والعم للأم، فإن لم يكن قال في "المهذب" و"الوسيط" وغيرهما: تولاه عبيدها، وهم أولى من بني العم؛ لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح، قال الرافعي: فإن ألحقناهم بالأجانب فلا يتوجه تقديمهم. وأبدى الإمام- مع القول بجواز النظر ونحوه- الاحتمال من جهة أخرى، وهي أن ملكها ينقطع بالموت، وشبهه بالتردد السابق في غسل الأمة
[ ٥ / ١٣١ ]
مولاها، وذلك ظاهر، فإن لم يكن لها عبيد فالخصيان أولى؛ لضعف شهوتهم.
قال الإمام: وفيهم احتمال بين سنذكره في أحكام النظر، فإن لم يكونوا؛ فذوو الأرحام الذين لا محرمية لهم، فإن لم يكونوا فأهل الصلاح من الأجانب.
وقال صاحب "الفروع": إذا [فقدنا ذوي] الأرحام الذين لا محرمية لهم يرسل حسل، فإن تعذر جاز للأجانب وضعها، قال الإمام: ولا أرى تقديم ذوي الأرحام محتومًا بخلاف تقديم المحارم؛ لأن ذوي الأرحام الذين لا محرمية لهم كالأجانب في وجوب الستر عنهم في الحياة، وإذا صارت في القبر- قال البندنيجي: فإن كانت أكفانها مشدودة تولى حلها النساء، وعزى صاحب "البيان" ذلك إلى الصيدلاني، وكذا ما حكيناه عن رواية البندنيجي [عن "الأم" في حملها من المغتسل إلى الجنازة، وقال: إنه لم يره لغيره.
واعلم أن الشيخ في "المهذب"، والبندنيجي] وغيرهما قالوا في ترتيب مباشري الدفن ضابطًا غير ما [ذكره الشيخ]، وهو أن الأولى أن يتولاه الرجال، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه: فإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها؛ لأنه أحق بغسلها، فإن لم يكن لها زوج؛ فالعصبات والمماليك والخصيان وغيرهم على ما ذكرناه من قبل.
وهذه العبارة تقتضي أنا إذا قلنا: الوالي مقدم في الصلاة- يكون مقدمًا في الدفن، ولا خلاف أنه لا يقدم فيه، وتقتضي أن الأسن يقدم في الدفن على الصحيح؛ لأن الصحيح والمنصوص أنه مقدم على الأفقه في الصلاة، ونص الشافعي يقتضي تقديم الأفقه في الدفن، وبه صرح الأصحاب، وعبارة الشيخ هنا لا يرد عليها ذلك؛ لأن الوالي لا يقدم في الغسل، وكذا الأسن لا يقدم فيه، بل المقدم فيه الأفقه، بل يرد عليها أنها تقتضي تقديم النساء في الدفن حيث يقدمن في الغسل، وهن لا يقدمن فيه، وحينئذ لم تسلم عبارة منهما عن شيء وهو إطلاق العام وإرادة الخاص، وهو جائز في الكتاب العزيز، ولكن تترجح
[ ٥ / ١٣٢ ]
عبارته هنا؛ لأن القصد ستر الميت في الغسل والدفن؛ فحسن تشبيه أحدهما بالآخر، والله أعلم.
ثم المراد بالأفقه الذي قدمه الشافعي هنا: الأعلم بإدخاله القبر كما قال الماوردي، قال: وليس يريد: أعلمهم بأحكام الشرع، وتقديمه الزوج على المحارم بناء على أنه يقدم في الغسل عليهم ومن قدمهم عليه من أصحابنا في الغسل قدمهم عليه في الدفن أيضًا.
قال: وأن يكون عددهم وترًا، [أي: والأولى أن يكون عددهم وترًا] لما روي أن النبي - ﷺ - أدخله قبره ثلاثة: العباس، وعلي واختلف في الثالث فقيل: إنه الفضل، وقيل: إنه أسامة، قال القاضي أبو الطيب: وهو الصحيح.
[وكلام الشيخ يفهم استحباب الثلاثة؛ لأنه أقل العدد الوتر؛ فإن الواحد أول العدد وليس بعدد عند الحساب، والسنة تشهد لاستحباب ذلك، وبه صرح البندنيجي وغيره]، ثم الاقتصار على الثلاثة يكون إذا حصل بهم الكفاية، فإن احتيج إلى زيادة جعلوا وترًا؛ [لقوله ﵇: "إن الله وتر يحب الوتر"]، وقد قيل: إنه –﵇- أدخله قبره خمسة: من ذكرنا، وعبد الرحمن بن عوف، وشقران مولى رسول الله - ﷺ -، قاله في "الحاوي"، ويكفي في الصبي
[ ٥ / ١٣٣ ]
واحد؛ لأنه﵇- أدخل ولده إبراهيم في القبر وحده.
قال: وأن يكون بالنهار، أي: والأولى أن يكون بالنهار؛ لأنه أيسر لاجتماع الناس وللخروج من الخلاف؛ فإن الحسن قال: إن الدفن ليلًا مكروه. ولا كراهية فيه عندنا؛ لأنه﵇- وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وفاطمة، وعائشة دفنوا ليلًا، وقال﵇- في المسكينة، وقد دفنت ليلًا: "هلاَّ آذنتموني"، نعم يكره أن يتوخَّى دفنه في الأوقات المكروهة؛ لقول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات، كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين تقوم قائمة الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، أو كما قال، أخرجه أبو داود ومسلم، فإن
[ ٥ / ١٣٤ ]
الأصحاب حملوا الحديث على ذلك، وتضيف: تميل وتجنح للغروب، يقال: ضاف، يضيف: بمعنى: "مال"، ومنه اشتق: الضيف.
فرع: أهل الذمة لا يمكنون من إخراج جنائزهم نهارًا، ويجب على الإمام أن يمنعهم من ذلك، حكاه الجيلي عن "الأحكام السلطانية".
قال: ويعمق القبر قدر قامة وبسطة" أي: والأولى أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة، أي: لرجل معتدل، وبعضهم يقول: لرجل ربع، ووجهه: أن عمر﵁- أوصى بذلك، ولم ينكره أحد؛ فإن فيه مبالغة في تحصيل المقصود من الدفن.
والتعميق: بالعين المهملة، والقامة: معروفة، والبسطة: أن يرفع الرجل يديه وهو قائم.
وقدر المتولي وغيره مجموع ذلك بأربعة أذرع إلى أربعة ونصف.
وجزم البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما بأنها أربعة أذرع ونصف، وعن المحاملي أنها ثلاثة أذرع ونصف، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد أن السنة من التعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع، وهذا وإن خالف المحاملي في اعتبار البسطة فهو مقتض موافقته على أن القامة والبسطة ثلاثة أذرع ونصف؛ إذ البسطة بعد
[ ٥ / ١٣٥ ]
القامة بالتفسير الذي ذكرناه لا تزيد على نصف ذراع، وهذا الوجه لم يورد الغزالي غيره؛ لأنه قال في "الوسيط": إن أكمله قامة رجل ربع. ولفظ الإمام: وقد قيل: الأولى أن يكون عمق القبر بمقدار بسطة، وهي قامة رجل ربع وسط. ولم يحك غير ذلك، وإذا جمع ما قيل في ذلك كان ثلاثة أوجه أو أربعة، والصحيح- وقال في "الروضة": إنه الصواب-: الأول.
وإذا عرفت أن المستحب من التعميق قدر ما ذكرناه عرفت أن الزيادة عليه والنقص عنه بعد الواجب غير مأثور.
قال: ويدفن في اللحد، أي: والأولى أن يدفن في اللحد؛ لقوله﵇- "اللحد لنا والشَّقُّ لغيرنا" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: إنه غريب.
وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبِن نصبًا كما صنع برسول الله - ﷺ - " أخرجه مسلم.
قيل: والسبب في لحد النبي - ﷺ - أن عادة أهل مكة كانت الضريح، وكان يتولى ذلك لهم أبو عبيدة بن الجراح، وكان عادة أهل المدينة: اللحد، وكان يتولى ذلك لهم أبو طلحة الأصناري، فلما مات رسول الله - ﷺ - قال قوم: اجعلوا له ضريحًا، وقال آخرون: لحدًا، فأنفذ العباس رسولًا إلى أبي عبيدة ورسولًا إلى أبي طلحة، وقال: اللهم خر لنبيك. فسبق الرسول إلى أبي طلحة، [فجاء به]، فألحده - ﷺ -
[ ٥ / ١٣٦ ]
واللحد: بضم اللام وفتحها، يقال لحدت، وألحدت: لغة قليلة، وهو حفرة تحفر في أرض القبر بعد أن يبلغ الحد الذي يريده في جانبه القبلي تحت جدار القبر، ويكون أسفل من أرض القبر قليلًا، ويستحب أن يوسع من قبل رأسه ورجليه؛ لأنه – ﵇- أمر الحافر بذلك في قتلى أحد، وأصل اللحد من الميل، فكأن ما يميل عن الاستواء لحد، ومنه: الإلحاد في الحرم، وفي دين الله تعالى.
قال: إلا أن تكون الأرض رخوة، أي: لا تحتمل اللحد بل تنهار إن حفره- ورخوة: بكسر الراء وفتحها- فتشق ويدفن في شقها، أي: لتعذر اللحد، وشقها: بفتح الشين، وصورته: أن يحفر قعر القبر كالنهر. وقال البندنيجي وغيره: صورة ذلك: أن يبنى من جانبي أرض القبر بلبن أو حجر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض على صورة التابوت، [ويرفع ما يبنيه] حتى إذا سقف فوق الميت لا يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه، وحكى الرافعي الصورتين.
قال الشافعي: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون التراب عليه.
ويكره الدفن في التابوت كما قال أبو الطيب، ولفظ الشافعي في "الأم": ولست أحب أن يجعل الميت في الصندوق. وعنى التابوت. وقال: بلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئًا كالصندوق؟ فقال: بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله - ﷺ - انصبوا عليّ اللبن، وأهيلوا عليّ التراب. وعبارة البندنيجي:
[ ٥ / ١٣٧ ]
والمستحب: ترك التابوت؛ لأن النبي - ﷺ - والصحابة ما دفنوا في التوابيت. وقال الرافعي تبعًا لـ"التهذيب" والقاضي الحسين: إنه يكره ذلك إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية، ولو أوصى بذلك فلا تنفذ وصيته إلا في هذا الموضع، ويكون من رأس المال، وهو ما حكاه الرافعي.
قال: ويسل الميت من قبل رأسه إلى القبر؛ لرواية الشافعي عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - سلَّ من قبل رأسه. وروى أبو داود عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: وإن هذا من السنة.
وكيفية ذلك: أن يوضع رأس الميت وهو في التابوت عند الموضع الذي يكون فيه رجلاه في القبر، ثم يسلُّ من قبل رأسه سلًاّ، وينزل إلى القبر على رأسه، ويستحب أن يدنى في اللحد من مقدمه؛ كي لا ينكب على وجهه.
قال: ويسجَّى بثوب عند إدخاله القبر؛ لأنه﵇- كذا فعل بسعد ابن معاذ حين دفن، أخرجه عبد الرزاق.
[ ٥ / ١٣٨ ]
والمعنى فيه ستره عن أعين الحاضرين عند حل أكفانه، ويكون الذي يدخله القبر تحت الثوب كما قال المتولي.
وستر المرأة أشد استحبابًا؛ ولذلك ذكر الشافعي سترها في "المختصر" ولم يتعرض لستر الرجل، لكن الأصحاب صرحوا به عن أبي الفضل بن عبدان من أصحابنا، فإنه اختار استحباب ذلك في المرأة دون الرجل كمذهب أبي حنيفة، ولعله أخذه مما ذكرناه.
قال: ويقول الذي يدخله [القبر]: باسم الله، وعلى ملة رسول الله - ﷺ -؛ لرواية أبي داود عن ابن عمر: أنه - ﷺ - كان إذا أدخل الميت القبر- أو قال: إذا وضع الميت في لحده- قال مرة: "باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله"، وقال
[ ٥ / ١٣٩ ]
مرة: "باسم الله، وبالله، وعلى ملَّة رسول الله"، والملة: الدين والشريعة.
قال البندنيجي: قال الشافعي: ويدعو بما يليق بالحال، ولا وقت لها، غير أنا نحب أن يقول: أسلمه إليك الأشحَّاء من ولده وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت [عنه] فأهل العفو أنت، أنت غني عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين.
وقال في "المختصر": إنه يقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله - ﷺ - اللهم أسلمه إليك الأشحاء .. وساق ما تقدم.
وقال الماوردي: إنه إنما اختار هذا الدعاء؛ لأنه مروي عن السلف ولائق بالحال.
[ ٥ / ١٤٠ ]
قال: ويوضع على جنبه الأيمن، أي: مستقبل القبلة؛ لما ستعرفه من كلامه، ووجهه ما قاله الرافعي: إنه كذلك فعل برسول الله - ﷺ -، وكذلك كان يفعله، وليكن ذلك بحيث لاينكب ولا يستلقي، وذلك بأن يدنى من جدار اللحد فيسند إليه وجهه ورجلاه، ويجعل في باقي بدنه التجافي؛ فتكون هيئته قريبة [من هيئة] الراكعين ويسند ظهره إلى لبنةٍ أو لبنتين في موضعين أو أكثر ونحو ذلك.
ولو وضع على جنبه الأيسر مستقبل القبلة فقضية كلام الإمام أنه لا يجوز؛ لأنه قال: ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة، وذلك حتمُ، وقال في "التتمة": إنه يكره.
وهذا حكم الميت المسلم المنفصل عن أمه، أما الجنين المسلم في بطن الذمية إذا مات بموتها فسنذكره.
قال: ويوضع تحت رأسه لبنة؛ لرفع رأسه كما يفعل الحي إذا نام، ويقوم التراب المستعلي مقامها.
قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما من العراقيين: ويكره أن يجعل تحت رأسه مخدة أو تحته مضرَّبة؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد من السلف، وقد نسب ابن الصباغ ذلك إلى النص، وعبارة الإمام في "النهاية": لا ينبغي أن يوضع على مخدة، أو مضربة، وعبارة القاضي الحسين: إنه لا تستحب المضربة والوسادة.
وقال في "التهذيب": لا بأس به؛ إذ روى ابن عباس: "أنه جعل في قبر النبي - ﷺ -
[ ٥ / ١٤١ ]
قطيفة حمراء"، أخرجه مسلم.
قال: ويفضي بخده إلى الأرض؛ لأنه روي أنه﵇- قال: "إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض" قاله ابن الحداد، وفي "الشامل": أن عمر﵁- هو القائل بذلك.
قال الإمام: ولو أفضى بوجهه إلى اللبنة التي تحت رأسه كان حسنًا؛ لأنه يكون على صورة مستكين لربه.
قال: وينصب عليه- أي: على اللحد أو الشق- اللبن نصبًا؛ لقول سعد بن أبي وقاص في الخبر الذي ذكرناه عن رواية مسلم: "وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا كما صنع برسول الله - ﷺ - ".
قال الشافعي في "الأم": ويتبع فرج اللبن بكسار اللبن والطين، أي: ليمنع انهيار التراب.
قال: ويحثي عليه التراب باليد ثلاث حثيات؛ لرواية جعفر بن محمد بن علي عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - أهال على قبر ميت بكفَّيه ثلاثًا.
قال الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي: والإهالة: أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعًا، والحكمة فيه: ألا يفسد ما نصب من اللبن لو أهيل عليه
[ ٥ / ١٤٢ ]
التراب ابتداءً بالمساحي.
ويستحب لكل من حضر الدفن أن يحثو عليه بيديه التراب؛ لأنه روي: أن [المؤمن] إذا مات وغفر له غفر لمن غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وحثوا عليه التراب من الدفن.
ويقرأ في المرة الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
قال: ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لخبر سعد، ولأنه أسرع في تكميله. قال الشافعي: ولا أحب أن يزيد في القبر أكثر من ترابه كي لا يرتفع جدًا. وقال في "الأم": فإن زادوا على ذلك فلا بأس. وأراد به لا كراهية فيه، ومع ذلك قال الشيخ وغيره: ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ لما روى أبو داود عن القاسم- وهو
[ ٥ / ١٤٣ ]
ابن محمد بن أبي بكر الصديق- قال: دخلت على عائشة﵂- فقلت: يا أمَّه، اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال أبو علي: يقال: رسول الله - ﷺ - مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي النبي - ﷺ -.
وقال أبو داود في "المراسيل": عن صالح بن أبي صالح: رأيت قبر رسول الله - ﷺ - شبرًا أو نحوًا من شبر، يعني في الارتفاع، والمعنى في الرفع: أن يعلم أنه قبر فيتجنب من الحدث عليه وغيره، وليترحم على الميت من رآه، وهذا إذا كان الدفن في دار الإسلام، فلو دفن في دار الحرب أخفي بحيث لا يظهر لأحد؛ مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم من دار الحرب، وقد تضمن الخبر أن [رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله - ﷺ -، ورأس عمر عند رجليه].
وقال البندنيجي: إنه روى أن رأس أبي بكر بين كتفي النبي - ﷺ -، ورأس عمر بين كتفي أبي بكر؛ ليكون كل واحد دون رتبة صاحبه.
فإن قيل: قد روى أبو داود عن أبي هياج الأسدي، قال: بعثني عليُّ فقال: "أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ - ألا أدع قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمسته" وأخرجه مسلم، وهذا صريح في عدم الرفع.
قال أصحابنا: لم يرد به التسوية مع الأرض، وإنما أراد أن يسطحه؛ جمعًا بين الحديث وفعل الصحابة.
[ ٥ / ١٤٤ ]
قال: وتسطيحه أفضل، [أي: من تسنيمه] لأنه – ﵇- سطح قبر ابنه إبراهيم وقبور المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقد فعل الصحابة ذلك في قبره﵇- وقبر أبي بكر وقبر عمر.
قال الشافعي: [ولأن الحصا] لا يثب إلا على قبر مسطح. وهذا منه يدل على أن وضع الحصا على القبر سنة مستقرة.
فإن قيل: قد روي أن رجلًا رأى قبر رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر مسنمة، وتسطيح القبر يشبه البناء للأحياء، ويكره أن يجعل القبر كالبناء بدليل أنه يكره تجصيصه وتزويقه.
قيل: راوي هذا الخبر مجهول، ولا حجة عندنا في المراسيل مع أنه يحتمل أنه أراد بما ذكره من التسنيم تشخيص القبر عن الأرض، ["فإن أراد ما ذكره السائل" ففعله - ﷺ - أولى من فعل غيره، ولا نسلم أن ذلك يشبه بناء الأحياء؛ لأن بناءهم لا يشخص عن الأرض مقدار شبر ويقتصر عليه، بل ذلك يختص بالقبر. نعم، قال أبو علي الطبري في "الإفصاح"، وكذا أبو علي بن أبي هريرة: تسنيمه أفضل الآن؛ لأنه صار شعار الروافض. وقال: إنه لا يجهر بالتسليم؛ لأنه صار شعارًا لهم. وقال القاضي الحسين: إن أصحابنا اليوم أجمعوا على التسنيم لأجل ذلك. وقال القاضي أبو الطيب [والإمام] وابن الصباغ وغيرهم: إنه غير صحيح؛ لأن السنة لا تترك لأجل فاعلها من أهل البدع. وقد اختار الغزالي
[ ٥ / ١٤٥ ]
التسنيم؛ لأجل ما ذكره أبو علي من التعليل، ودفع ما رد به عليه بأنه﵇- كان يقوم للجنازة، فقيل له: إن اليهود تفعله؛ فتركه.
ثم قال: حتى ظن ظانون أن القنوت إذا صار شعارًا لهم جاز تركه، وهذا بعيد، وإنما نخالفهم في هيئات مثل التختم في اليمين وأمثاله، وما حكاه في أمر القنوت حكاه الإمام عن رواية بعضهم عن الشافعي. ثم قال: وهذا النقل مزيف، والشافعي﵀- أعلى من أن يدعو إلى ترك بعض من أبعاض الصلاة بسبب إقامته المبتدعة، والقول بذلك يرمي إلى التزام أمور لا سبيل إلى التزامها، ولا جرم قال الغزالي: إنه بعيد.
وقوله: "وإنما يخالفهم في هيئات مثل التختم في اليمين وأمثاله"، أشار به إلى أن التختم في اليمين قد صار [شعارًا لهم]؛ فترك لأجل ذلك، ويتختم في اليسار، وإن كان رسول الله - ﷺ - يتختم في اليمين، إذ هو هيئة، وحمله على ذلك أن الإمام قال بعد حكايته عن بعض الأصحاب: إن الأمر فيه قريب، ولكن أخبرني من أثق به من أئمة الحديث أن الذي ظهر وصح من أمر رسول الله - ﷺ - التختم في اليسار. انتهى.
فعلى هذا يكون التختم فيه سنة بأصل الشرع، لكن قد ذكرت في باب ما يكره لبسه الأحاديث الواردة في ذلك، وأن الصحيح أن التختم في اليمين أفضل، ثم قول الغزالي: "وإنما نخالفهم في هيئات" قد يفهم [منه] اختيار ما صار إليه ابن أبي هريرة من ترك الجهر بالسلام إذ صار شعارًا لهم؛ لأنه هيئة، وليس
[ ٥ / ١٤٦ ]
كذلك؛ لأن هذه سنة من سنن الصلاة فهي بالقنوت أشبه، وليس كذلك التختم. وقد قال الإمام: إن هذا بعيد جدًا، ولا ينبغي أن يرتكب الإنسان ترك ما صح وثبت لهذا المعنى، ثم إن صح هذا في هيئة قبر فطرده في سنة من سنن الصلاة بعيد لا أصل له، وليس ترك القيام للجنازة من هذا النحو؛ فإنه لم يكن أمرًا مقصودًا ولا سنة في عبادة.
قال: ويرشُّ عليه الماء؛ لما روي أن النبي - ﷺ - رش على قبر ولده إبراهيم الماء، ووضع عليه حصًا من حصا العرص، قيل: هو أول قبر رش عليه [الماء]. وروى أبو بكر البزار عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قام على قبر عثمان بن مظعون بعدما دفنه، وأمر فرش عليه الماء. والمعنى فيه: أن يلصق به ما يوضع عليه من حصًا؛ فإن
[ ٥ / ١٤٧ ]
وضعه مستحب كما ستعرفه، وليمنعه من أن ينهال ترابه [به] فيزول أثره، ولأن فيه تفاؤلًا بتبريد المضجع. ويكره أن يرش عليه ماء الورد؛ لأن فيه إضاعة المال، قاله في "التهذيب"، وكذا المتولي، وألحق به طلاءه بالخلوق.
وقد أفهم كلام الشيخ أن رش الماء آخر ما ندب إليه في الدفن؛ إذ لم يذكر بعده شيئًا آخر، وعليه ينطبق قوله في "المختصر": فإذا فرغ من القبر فقد أكمل معناه، لكن في "الحاوي" وتعليق البندنيجي أنه قال في "الأم" والقديم معًا: وإن قرأ بعد دفنه عند القبر شيئًا من القرآن فحسن.
واستحب صاحب "التتمة" والقاضي الحسين والشيخ نصر المقدسي في كتاب "التهذيب" وغيرهم- كما قال في "الروضة" – تلقين الميت بعد الدفن؛ لأنه – ﵇- لقن ولده إبراهيم، والتلقين أن يقول: يا عبد الله يا ابن أمة الله، أو: يا فلان بن حواء- قال القاضي الحسين: وهو ما كان يقوله بـ"مرو" إذا لقن شيخًا صالحًا: "اذكر ما خرجت عليه، أو اثبت على ما كنت عليه من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا"؛ لأن ذلك ورد به الخبر. قال في الروضة: والحديث الوارد
[ ٥ / ١٤٨ ]
في التلقين ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم. وقد اعتضد بهذا الحديث شواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث: "اسألوا الله له التثبيت" أي: الذي رواه أبو داود عن عثمان- وهو ابن عفان- قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل".
ووصية عمرو بن العاص: "أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى استأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي، رواه مسلم في "صحيحه"، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي كل زمن من يقتدي به.
قال أصحابنا: ويقعد الملقن عند رأس القبر، وهذا في حق المكلف، وأما الطفل ونحوه فلا يلقن.
قال: ولا يجصص ولا يبنى عليه، أي: قبة وبيت وحظيرة ونحو ذلك كما قاله البندنيجي؛ لما روى جابر: أنه﵇- نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص وأن يبنى عليه رواه مسلم.
[ ٥ / ١٤٩ ]
والتقصيص: التجصيص، قاله أبو عبيد، كما حكاه الماوردي.
ولأن ذلك من شأن الأحياء، والمستحب أن يخالف بين الأحياء والأموات.
والمظلة ونحوها ملحقة بالبناء عليه في الكراهة، قاله في "التهذيب" وغيره، وألحق الغزالي وإمامة التطيين بالتجصيص.
قال الرافعي: وليس له ذكر في الكتب، لكنه لا يبعد الفرق بينهما؛ فإن التجصيص زينة دون التطيين، أو الزينة في التجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روى الترمذي في "جامعه" عن الشافعي أنه قال: لا بأس بالتطيين.
ولا يختلف الحال في كراهية التجصيص ونحوه من التزويق وغيره بين أن يكون القبر في المقابر المسبَّلة أو لا، وأما البناء عليه فالمنع مخصوص فيما إذا كان في مقبرة مسبلة.
قال البندنيجي: قال أصحابنا: وهو مكروه. وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز؛ لأنهم عللوا المنع بأن فيه تضييقًا على الناس، وقالوا: لو بُني عليه هدم.
قال الماوردي: قال الشافعي: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، أما إذا كان في ملكه فله ذلك؛ لفقد المعنى المذكور.
[ ٥ / ١٥٠ ]
قال في "الحاوي": لكنه غير مختار، وقال في "المهذب" وغيره: ويكره أن يبني عليه مسجدًا تعظيمًا له، والمراد أن يسوي القبر مسجدًا فيصلي فوقه كما صرح به البندنيجي، وقال: إنه يكره أيضًا أن يبني عنده مسجدًا فيصلي فيه إلى القبر؛ لقوله﵇-: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، رواه مسلم.
ويكره وضع اللوح المنقوش عند رأس القبر، قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأن أحدًا من السلف لم يفعل ذلك، نعم يستحب أن يضع عند رأسه صخرة أو علامة ليعرف بها، وكذا عند رجليه؛ لأنه روي: أنه﵇- لما دفن عثمان بن مظعون أمر رجلًا أن يأتيه بصخرة فلم يطق الرجل حملها، فحسر النبي - ﷺ - عن ساعديه، ورفع الصخرة فوضعها عند رأس القبرن وقال: "أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" أخرج معناه أبو داود، ولأجله استحب
[ ٥ / ١٥١ ]
الأصحاب أن يجمع الأقارب في موضع واحد في المقبرة.
قال: ولا يدفن اثنان في قبر [واحد] إلا لضرورة؛ لأنه﵇- كان يفعل ذلك فكان يدفن كل ميت في قبر، ولما كان يوم أحد أمر أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر؛ لكثرة القتلى.
وروى أبو داود عن هشام بن عامر [أنه] قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" قالوا: من نقدم؟ فقال﵇-: "أكثرهم قرآنًا في اللحد".
[ ٥ / ١٥٢ ]
والضرورة تؤخذ بكثرة القتلى أو الموتى بسبب قحط أو موتان وفي الناس ضعف؛ لقلة الغذاء في القحط، أو مشتغلون في الحرب كما كان في يوم أحد، وضيق المكان يلحق بذلك و"الموتان"، بضم الميم وإسكان الواو: الوباء.
قال: ويقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة؛ للخبر، وهذا إذا لم يكن أحدهما ابنًا للآخر، فإن كان؛ قدم الأب بكل حال، وكذا تقدم الأم على البنت، والابن يقدم عليهما مطلقًا؛ لمكان الذكورة.
قال الشافعي: ولا أحب أن تدفن مع الرجل امرأة، فإن كانت ضرورة جعل الرجل أمامها وهي وراءه، وبينهما حاجز من التراب.
وهذا ما حكاه الغزالي.
وقال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين: يجعل التراب بين كل ميتين على الإطلاق. قال في "الروضة": وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الأم".
ولو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم في اللحد إلى جهة القبلة من يقدم إلى الإمام في الصلاة، والفرق ما تقدم.
قال: والدفن في المقبرة أفضل؛ لأنه - ﷺ - كان يدفن أصحابه في المقابر مع الجماعة، ولأنه أقرب إلى رحمة الله- تعالى- لكثرة الداعين له إذا درس قبره، فإنه روي أنه –﵇- قال: "اللَّهمَّ اغفر لأهل القبور الدارسة"، ولأنه يحترم
[ ٥ / ١٥٣ ]
فيها فيكون أبعد من أن ينبش أو يبال عليه، بخلاف ما إذا أفرد عن المقابر.
فإن قيل: فقد دفن رسول الله - ﷺ - في حجرة عائشة، والصحابة لا تفعل به إلا الأفضل.
قيل: فعله أولى بالاتباع من فعل غيره، والأنبياء فقد قيل: إن موضع وفاتهم موضع دفنهم؛ فلهذا دفن فيها.
وكذا الأفضل أن يدفن بين أقوام صالحين؛ لأن أبا سعيد ذكر في كتابه "المؤتلف والمختلف" عن [ابن الحنفية] عن عليِّ – كرم الله وجهه- قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ندفن موتانا [وسط قوم صالحين]؛ فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء، وهذا إذا كانوا في مقبرة البلد الذي مات فيه، فلو كانوا في غيرها لا ينقل إليهم؛ لأن فيه تأخير الدفن. وفي "الحاوي" أن الشافعي قال- يعني في "الأم"-: ولا أحب إذا مات الميت في بلد أن ينقل إلى غيره، وخاصة إن كان قد مات بمكة أو المدينة أو بيت المقدس.
[ثم قال الماوردي: نعم، لو كان بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس] فيختار أن ينقل إليها؛ لقوله﵇-: "من دفن بالمدينة كنت له شاهدًا وله شافعًا، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، والجمهور على منع النقل كما تقدم، لكن قال صاحب "التهذيب" و"الشامل" والبندنيجي: إنه يكره نقله، وقال القاضي الحسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب "التتمة": يحرم نقله،
[ ٥ / ١٥٤ ]
ولو وصى به لم تنفذ وصيته. قال في "الروضة": وهذا أصح؛ فإن في نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه.
ولو تشاحح جماعة في الحفر في موضع في المقبرة المسبلة، قدم السابق، وعند الاستواء يقرع، وليس لأحد الدفن في قبر دفن فيه ميت عند عدم الضرورة، ما لم يعلم أنه بلي، وذلك يختلف باختلاف البلاد، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن ظن بلاه فحفر فوجد فيه أو بعضه أو عظامه منه وجب على الحافر إعادته كما كان. نعم، لو فرغ القبر ثم وجد فيه شيئًا من العظام لم يضر، بل يجعل في جانب اللحد، ويدفن الثاني فيه، ولا يجوز أن يسوي على [القبر المتقادم في المقبرة المسبلة إذا اندرس أثره التراب ليتصور بصورة الجديد؛ فإن ذلك يمنع الغير من الدفن فيه.
وقد أفهم كلام الشيخ أن الدفن في غير المقبرة جائز، ولا شك فيه، وذلك بأن يستعير أرضًا لدفنه، أو يرضى ورثة الميت بدفنه فيما ورثوه منه، وإذا فعلوا ذلك فليس لأحدهم إخراجه منها، وكذا لو طلبوا الجميع ذلك، كما ليس للمعير ذلك، ولهم بيعا، وليس للمشتري نقله، لكن له الخيار إن كان جاهلًا. نعم، لو اتفق نقله أو بلي؛ فذلك الموضع للبائع أو للمشتري؟ فيه وجهان، قال القاضي الحسين: كالوجهين فيما إذا باع بستانًا، واستثنى شجرة منه، ثم قلعها- فالمغرس هل يبقى على ملكه أو يكون للمشتري؟
ولو قال بعض الورثة: ندفنه في المقبرة؛ و[قال] باقيهم: بل في ملكه- أجيب من دعي إلى المقبرة؛ لأن في دفنه في ملكه إبطالًا لحق من كره ذلك من ورثته، فلو بادر الطالب لذلك ودفنه في ملكه، كان للكاره نبشه وإخراجه، والأولى ألا يفعل؛ لما فيه من هتك الميت، وهذا بخلاف ما لو قال بعضهم:
[ ٥ / ١٥٥ ]
أنا أكفنه من مالي، وقال الآخر: بل من مال الميت- كفن من مال الميت.
قال القاضي أبو الطيب: لأن في تكفينه من مال غيره منَّةً على الباقين؛ فلا يلزمون قبول ما فيه منَّةُ بخلاف المقبرة فإنه لا منة فيها.
وألحق الأصحاب طلب أحد الورثة دفنه في ملك نفسه مع منازعة باقي الورثة في ذلك بما إذا طلب بعضهم دفنه فيما ورثوه منه.
قال ابن الصباغ: فلو [بادر ودفنه] في ذلك لم يذكره الأصحاب، وعندي أنه لا ينقل وهو المذكور في "التتمة"؛ لأن فيه هتكًا، وليس في إبقائه إبطال حق الغير.
قلت: ولا منة؛ إذ الواجب- كما أفهمه كلام الأصحاب السابق- دفنه في المقابر المسبلة.
قال: فإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة، نبش وغسل ووجه إلى القبلة؛ تداركًا لما فات، وهذا على وجه الوجوب، وعن القاضي أبي الطيب أنه قال في "المجرد": التوجيه إلى القبلة سنة، وإذا ترك فيستحب أن ينبش ويوجَّه [إلى القبلة]، وعليه يدل قول الشافعي: "لا بأس أن ينبش ويوجه إلى القبلة ما لم يتغير ويزنخ"، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه لا ينبش لأجل الغسل بل يكره؛ لما فيه من هتك الميت. وهذه العلة تقتضي اطراده في النبش لأجل التوجيه إلى القبلة من طريق الأولى؛ لأنه لم يختلف في أن الغسل واجب، وإن اختلف في التوجيه كما تقدم.
والصحيح- وهو المذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره، لا غير: ما ذكره الشيخ، لكن ظاهر كلامه أن ذلك يفعل ما أمكن الغسل والتوجيه، وقيد ذلك في "المهذب" بحالة عدم خشية الفساد على الميت، فإن خشي عليه الفساد فلا ينبش؛ لتعذر ذلك، كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة عند التعذر، وهذا هو المذكور في "التهذيب" وغيره.
[ ٥ / ١٥٦ ]
والمراد بالفساد: التغير كما قال البغوي والبندنيجي وغيرهما. وقال الماوردي: إنه التغير وحصول الرائحة، وهو الذي تضمنه النص السابق.
وقال أبو الطيب: إنه التقطع، وهو أبلغ من ذلك، ويقرب مما حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب أنه ينبش لأجل ما ذكرناه، وإن تغير، لكنه قال: إنه ليس بشيء.
وفي "العدة" حكاية وجه: أنه يخرج لأجل الغسل ما دام يبقى جزء منه من عظم وغيره.
قال الرافعي: والأظهر الأول.
فرع: لو وقع الماء في القبر، وقد دفن من غير غسل فهل ينبش لأجل الغسل؟ حكى القاضي الحسين فيه وجهين، وكأنهما الوجهان المذكوران في الغريق.
وقد أفهم اقتصار الشيخ على ذكر النبش عند الدفن من غير غسل أو إلى غير القبلة مع أنهما واجبان من أربعة- أنه لا ينبش لغيرهما إذا لم يفعل؛ كما إذا دفن قبل الصلاة أو من غير كفن، وهو كذلك في الصلاة عند الجمهور؛ لإمكانها على القبر كما تقدم، مع أنه لا يجوز دفنه قبل الصلاة كما قال الإمام، ويأثم فاعله؛ لأن في ترك الصلاة عليه قبل الدفن مخالفة الشعار العظيم الظاهر في فروض الكفايات، وفيه إهانة للميت؛ فحرم.
قال الرافعي: وقد حكى أبو عبد الله الحناطي عن أبي إسحاق المروزي: أن فرض الصلاة لا يسقط بالصلاة على القبر، فيفوت من لم يدرك الصلاة.
فأما نبشه لأجل الكفن؛ ففيه وجهان مشهوران:
أحدهما: نعم، كما ينبش لأجل الغسل.
والثاني: لا، وهو الأظهر عند الرافعي تبعًا للغزالي؛ لأن المواراة قد حصلت، وفي نبشه كشف عورته.
فإن قلت: هل يجري الوجهان في تكفين الرجل بالحرير؛ لأن تكفينه فيه حرام فهو كالمعدوم؟
[ ٥ / ١٥٧ ]
قلت: لا؛ لأنه لو كان كالمعدوم لما صحت صلاة من ستر به عورته، وهي صحيحة، بل الخلاف فيه مخرج على الخلاف الآتي في الثوب المغصوب.
وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بأنه لا ينبش.
وعن "الفتاوى" القطع بمقابله ما لم يؤد إلى هتك حرمته وتفتت أجزائه.
قال: وإن وقع في القبر شيء له قيمة، نبش وأخذ، أي: إذا طالب به صاحبه؛ لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - ﷺ -، فقال: خاتمي، ففتح موضعًا فيه فأخذه، فكان يقول: أنا أقربكم عهدًا برسول الله - ﷺ -. ولأنه يمكن رد المال على صاحبه من غير ضرر؛ فلم يجز منعه منه، وهذا ما نص عليه في القديم والجديد معًا.
وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا:
أحدها: أنه ينبش إذا دفن في أرض مغصوبة؛ لإمكان ردها، وبه صرح الأصحاب، ونص عليه، لكن الأولى لصاحبها ألا يطلب ذلك، وبعضهم يقول: يكره له ذلك، ولا فرق فيه بين أن يتغير أو لا؛ لأن حرمة الحي أولى.
قال الإمام: ويجوز أن يظن ظان تركه؛ فإنه سبيلي عن قرب، وتنزل حرمة الميت بمنزلة حرمة الحي فيما هذا سبيله.
الثاني: أنه لو دفن في كفن مغصوب أو مسروق أنه ينبش ويؤخذ؛ لأنه مال الغير، وقد حصل في القبر على وجه العدوان؛ فكان أولى بالنبش، وقد قال الأصحاب: هل ينبش؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها- كما قال الرافعي، وهو المذكور في "التهذيب" و"الوجيز"-: نعم، كما ينبش لرد الأرض، ويشق جوفه لإخراج ما ابتلعه، وإن كان فيه هتك حرمته.
والثاني: [لا]، وهو المذكور في "الشامل"؛ لأن في انتزاعه عنه هتكه، بخلاف النقل والشق، ولأنه قد أشرف على الهلاك بالتكفين، بخلاف الأرض؛ فأعطي حكم الهالك، وهذا إذا أمكن أخذ القيمة، فلو عسر أخذها في الحال، قال الإمام: ففي النبش احتمال ظاهر.
[ ٥ / ١٥٨ ]
والثالث- وهو ما حكاه الإمام عن رواية العراقيين-: إن تغير الميت، وكان في النبش ورد الكفن هتكه- لم ينبش، وإلا نبش.
الأمر الثالث: إذا ابتلع مال الغير ودفن، وقلنا: يشق جوفه لو لم يدفن- كما جزم به الشيخ-: ينبش ويشق جوفه ويخرج، وبه صرح الرافعي تبعًا للإمام، ورطده في كل حالة قلنا: يشق فيها جوف الميت لإخراج ما فيه، فدفن قبل ذلك.
الرابع: أنه لا ينبش لما عدا ذلك، وهو كذلك في الغالب، وإلا فقد قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إن الأرض المدفون فيها إذا لحقها سيل أو نداوة، فقد جوز الزبيري نقله منها، وأباه غيره. قال في "الروضة": وقول الزبيري أصح، وقال الغزالي في كتاب الشهادات: إن الميت إذا تحمل عنه في حياته شهادة، وليس معروفًا بالنسب- نبش إذا عظمت الواقعة واشتدت الحاجة، ولم يطل العهد بحيث تتغير الصورة، ولا ينبش عند فقد ذلك.
قال: وإن بلع الميت مالًا لغيره؛ أي: وطالب به صاحبه- شق جوفه وأخرج؛ صيانة لحق الغير عن الضياع، ويخالف ما لو لم يمت؛ فإنه لا يشق جوفه؛ لأن ذلك يذهب روحه بغير بدل، وللمال المبلوع بدل يرجع إليه في الحال، وفي "التتمة" وجه جزم به القاضي الحسين، أنه لا يشق جوفه بعد الموت أيضًا؛ لقوله – ﵇-: "كسر عظم الميت ككسره حيًا" أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وقال الرافعي: إن هذا الوجه للقاضي أبي الطيب، وإنه يجب الغرم من تركته على الورثة، وإن في "العدة": أن الورثة إذا ضمنوا مثله أو قيمته فلا يخرج، ولا يرد على أصح الوجهين.
أما إذا ابتلع الميت مال نفسه- وقلنا: يشق جوفه لأجل مال الغير- فهل يشق جوفه ويخرج؟ فيه وجهان مشهوران:
[ ٥ / ١٥٩ ]
أصحهما عند أبي العباس الجرجاني والعبدري: نعم؛ لأنه صار للورثة، فهو كمال الأجنبي.
والثاني- وهو الأصح عند الشيخ أبي حامد والماوردي والقاضي أبي الطيب في "المجرد"، وبه أجاب في "المقنع" كما قال في "الروضة": لا؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة.
وبلع الميت: هو بكسر اللام، وابتلع: بمعناه.
قال: وإن ماتت امرأة وفي جوفها ولد يرجى حياته، أي: بأن تموت وله ستة أشهر فأكثر- شق جوفها وأخرج؛ لأن فيه استبقاء لحي محترم بإتلاف جزء من ميت؛ فجاز، بل وجب؛ كما إذا اضطر لأكل ميتة الآدمي.
قال: وإن لم ترج حياته، أي: بأن تموت، وله دون ستة أشهر، قال الجيلي: وكذا لو ماتت وله ثمانية أشهر- ترك عليه شيء حتى يموت؛ لأنه لا يمكن دفنها وهو حي بلا خلاف كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ ولا يمكن تأخير دفنها إلى أن يموت؛ لكون الدفن واجبًا على الفور، وفي التأخير تعريض للتغير، وحرمة الميت كحرمة الحي؛ فيتعين ما ذكره الشيخ؛ فإن حياة هذا غير متحققة، ولو تحققت لكانت في هذه الحالة قبل انفصاله كلا حياة؛ إذ لا يترتب عليها شيء من أحكام الشرع، وهي تزول عن قرب قطعًا؛ فإن بقاءها بحسب ما فيه من الرطوبة قلة وكثرة، وتخالف حياة من قطع بموته عن قرب؛ فإنه لا يجوز قتله؛ لأن أحكام الشرع مستصحبة عليه.
واعلم أن هذه المسألة لا نص فيها للشافعي﵁- والكلام فيها للأصحاب، وقد حكوا عن ابن سريج إطلاق القول بأنها إذا ماتت وفي جوفها ولد [حي: يشق] وفها ويخرج لما ذكرناه من العلة، ولم يحك القاضي أبو الطيب بعد حكاية ذلك عنه غيره، ولا جرم اقتصر في "المهذب" على ذكره من غير إعزاء، وحكى القاضي الحسين والفوراني في شق جوفها وجهين مطلقين:
أحدهما: ما سبق؛ للعلة المذكورة.
[ ٥ / ١٦٠ ]
والثاني: لا يشق؛ لقوله﵇- "كسر عظم الميت ككسره حيًا". وقضية هذا الإطلاق: أن يكون في شق جوفها وجهان؛ سواء أكان الولد مرجوَّ الحياة أو لا، ويؤيد ذلك قول القاضي بعد حكاية الوجهين: والأولى أنها [إن] ماتت من الطلق- والولد- يتحرك في بطنها- أن يشق.
وإذا قلنا: لا يشق- وهو ما جزم به القاضي الحسين في أول الباب عدد الكفن- قال المتولي: يقال للقابلة؛ حتى تمسح على بطنها، فربما خرج، فإن لم يخرج تركت حتى يموت. وغيره قال: تترك حتى يموت، ثم يدفن، وهو ما ذكره القاضي عند حكاية الوجهين، وقال- حين جزم بعدم الشق، خلافًا لأبي حنيفة-: إنه يجعل على بطنها شيءٌ ثقيل؛ حتى يسكن [ما فيه].
وفي "الحاوي" ما يقتضي حكاية الوجهين في الشق وعدمه في الذي لا ترجى حياته؛ فإنه قال: قال أبو العباس بن سريج: يشق جوفها ويخرج ولدها؛ لما ذكرناه من العلة، وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء، وقال غيره من أصحابنا: إن كان الولد لمدة يجوز أن يعيش فيها لستة أشهر فصاعدًا- شق جوفها وأخرج، وإن كان لمدة لا يجوز أن يعيش فيها ترك، وعبارة المحاملي المحكية عن "التجريد" تقتضي أن محل الوجهين كذلك، لكن الثاني منهما هو الذي ذكره الشيخ؛ فإنه قال- كما حكاه من رد على من اعترض على الشيخ في ذلك بعد حكاية مذهب ابن سريج: ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا الولد إذا خرج يرجى أن يعيش شق جوفها، وإن كان لا يرجى أن يعيش لم يشق؛ لأنه لا فائدة في ذلك إلا هتك حرمتها، ولكن لا تدفن والولد حي، بل تترك إلى أن تضعه، أو يترك في جوفها [إلى أن يسكن] اضطرابه وحركته، ثم تدفن، ولأجل ذلك قال في "الروضة": إذا ماتت المرأة وفي جوفها جنين حي، قال أصحابنا: إن كان يرجى حياته شق جوفها، وأخرج، ثم دفنت، وإلا فثلاثة أوجه:
الصحيح: لا يشق جوفها، بل تترك حتى يموت الجنين، ثم تدفن.
والثاني: يشق.
والثالث: يوضع عليه شيء ليموت، ثم تدفن. قال: وهذا غلط، وإن كان قد
[ ٥ / ١٦١ ]
حكاه جماعة، وإنما ذكرته؛ لأبين بطلانه، ومن لم يقف على نقل الأصحاب كما ذكره الشيخ واعتقد بطلانه- تأول المتأدب منهم كلامه فقال: معنى قوله: ترك عليه شيء من الزمان حتى يموت، وقد جاء مثله في قوله- تعالى-: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨]، وبعضهم قال: لعل الشيخ قصد بذلك عدم تغير الميت بسبب حركة الولد، وأطال بعضهم في الرد على من اعتقد تصحيح كلام الشيخ، وقال: لعل الموجود في النسخ زلة من ناسخ؛ فإن هذا لم يقل به أحد من المسلمين، بل هو شبيه بفعل اليهود؛ فإنهم إذا أيسوا من المريض بادروا إلى قتله، وما تقدم يغني عن جوابه عن ذلك، والله أعلم.
قال: ويستحب للرجال زيارة القبور، لما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: أتى النبي - ﷺ - قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي - ﷺ -: "استأذنت ربي أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت" وأخرجه مسلم. وروى أبو داود عن [ابن] بريدة- وهو عبد الله - عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإن في زيارت تذكرةً". وأخرجه مسلم بنحوه.
[ ٥ / ١٦٢ ]
وذكر أبو عمر بن [عبد البر] في "الاستذكار" من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من أحدٍ يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا عرفه، وردَّ ﵇".
قال عبد الحق في "الأحكام": وإسناده صحيح.
أما النساء فمفهوم كلام الشيخ أنه لا يستحب لهن، وهل هو جائز أو محرم أو مكروه؟ لم يتعرض له في هذا الكتاب، ويجيء فيه من مجموع ما حكاه الأصحاب أربعة أوجه:
أحدها: أنه يجوز، وهو ما قاله الغزالي في "الإحياء"، ويوافقه إطلاق القاضي أبي الطيب والماوردي القول باستحباب زيارة القبور، وكأن هؤلاء رأوا دخولهن في رخصته، ﵇.
قال العجلي تبعًا لصاحب "البحر": وهو أصح عندي إذا أمن الافتتان وتعدي ما فيه رضا الله تعالى.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو ما ذكره في "المهذب"؛ لرواية أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لعن الله زوارات القبور" رواه الترمذي.
[ ٥ / ١٦٣ ]
وعن ابن عباس: "لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج".
والثالث: أنه مكروه وهو ما ذكره البندنيجي وابن الصباغ.
قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالكراهة كراهة التحريم، ويحتمل أن تكون على بابها؛ لأن التحريم نسخ، ولكنه من النساء يؤدي إلى الهتك، أو لأنهن أكثر جزعًا وأقل صبرًا من الرجال، وهذا ما حكاه الرافعي عن الأكثرين.
والرابع- قاله الشاشي-: إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والبكاء والتعديد والنوح على جاري عادتهن، فيحرم، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة، وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير شيء من ذلك؛ كره، إلا للعجوز التي لا تشتهي؛ فإنه لا يكره لها كما لا يكره لها حضور الجماعة في المساجد.
وقد رأيت- فيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب- تقييد استحباب زيارة القبور بقبور من كان يستحب زيارته في حياته؛ فإنه قال: قال في "الأم": ولا بأس بزيارة القبور. وهذا كما قال: يستحب زيارة [قبر من كان] يستحب زيارته في حياته. ثم قال: وإذا قصد بزيارة القبر الترحم على الميت وتذكر الموت والآخرة- كان مستحبًا، وكان له ثوابه. وهذا لم أره لغيره، نعم، قالوا- كما صرح به الفوراني والغزالي وغيرهما-: ينبغي أن يكون دنوُّ الزائر من
[ ٥ / ١٦٤ ]
القبر المزور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حيًا، وزاره.
قال: ويقول إذا زار: سلامُ عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا- إن شاء الله- عن قريب بكم لاحقون؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا- إن شاء الله-[عن قليل] بكم لاحقون"، وروى النسائي عن [بريدة بن حصيب]: أنه﵇- كان إذا أتى على المقابر قال: "السلام عليكم أهلا لدار من المسلمين والمؤمنين، وإنا- إن شاء الله [عن قريب] بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم".
وقوله: "إن شاء الله" ليس للشك؛ بل معناه: على الإيمان، وقيل: إن "إن" هاهنا بمعنى: "إذ"؛ كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء]، وقيل: إنه ترجع المشيئة إلى اللحوق في تلك البقعة، والذي صححه النواوي أنه إنما أتى بها؛ للتبرك، وامتثالًا لقوله – ﷿-: ﴿َلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
[ ٥ / ١٦٥ ]
قال: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم؛ [لرواية عائشة أنه﵇- قال: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم".
قال: واغفر لنا ولهم؛ لقوله﵇- "إن جبريل أتاني فقال: إن الله يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم".
وفي "تعليق" البندنيجي أن أبا هريرة روى أنه﵇- قال جميع ما ذكره الشيخ حين خرج إلى المقبرة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن الزائر في المقبرة يقول: عليكم السلام، يأهل الديار من المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، رحم الله المتقدمين منكم والمتأخرين، أنتم لنا سلف، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون، اللهم ربَّ الأجساد البالية والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحًا منك وسلامًا مني، اللهم برِّد عليهم مضاجعهم، واغفر لهم.
ولو قرأ القرآن عند القبر كان حسنًا كما تقدم، وقد استحبه بعضهم ليقع الدعاء بعده؛ لأنه حينئذ يكون أقرب إلى الإجابة، وقد قيل: إن القاضي أبا الطيب سئل عن ختم القرآن في المقابر، فقال: الثواب للقارئ، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة.
قال: ولا يجلس على قبر؛ لقوله﵇- "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده – خير له من أن يجلس على قبرٍ"
[ ٥ / ١٦٦ ]
رواه البخاري ومسلم.
وأصرح من ذلك رواية مسلم: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها"، وهل المنع منع تحريم أو كراهة؟ فيه اختلاف بين النَّقلة: فالذي قاله في "المهذب": أنه لا يجوز، وعبارة الغزالي والمتولي والبندنيجي: أنه يكره ذلك، وكذا الاتكاء عليه.
قال: ولا يدوسه؛ لما في ذلك من إهانة الميت، وهو أبلغ من الجلوس عليه، وقال في "المرشد": هو كالجلوس.
قال: إلا لحاجة، أي: مثل ألا يصل إلى قبر ميته إلا بوطئه؛ لأنه حينئذ يكون معذورًا، وفي هذه الحالة ينبغي أن يقلع ما في رجليه، كما أشار إليه الماوردي بقوله: وإن كان لابد له من المشي عليه، خلع نعليه من رجليه ومشى؛ لما روى بشار قال: حانت من رسول الله - ﷺ - نظرة، فإذا رجل يمشي في القبور بنعلين فقال: "يا صاحب السِّبتيَّتين ويحك، ألق سبتيَّتك" رواه أبو داود،
[ ٥ / ١٦٧ ]
والمعنى فيه ظاهر.
قال: ويكره المبيت في المقبرة؛ لما فيه من الوحشة على البائت، نص في "الأم".
وكذا يكره إيقاد النار عند القبر، قاله الماوردي وغيره، والله أعلم.
[ ٥ / ١٦٨ ]