السهو: الغفلة.
وفائدة السجود لأجله: جبر ما حصل من النقص بسبب زيادة شيء مخصوص في الصلاة، أو نقصان شيء مخصوص من المسنونات، وهي المسماه بـ"الأبعاض"، وذلك يتضح بشرح مسائل الكتاب.
وعبارة بعضهم: أنه يشرع بسبب ترك مأمور أو ارتكاب منهي.
والأولى أولى؛ لأن فيها اتباعًا لما ورد [في الخبر،] قال﵇: "إذا زاد أحدكم أو نقص فيسجد سجدتين".
وبذلك يظهر لك أنه لا يختص بالفرض؛ بل يشركه فيه السنة، وهو المذهب.
وقد حكى عن القديم قول: أن سجود السهو لا يشرع في السنة؛ لأنها اخف حالًا من الفريضة.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يعرف هذا القول للشافعي، بل قال ابن الصباغ: إن الشافعي نص في القديم على انه يسجد فيها.
ثم قاعدة الباب: أنه متى شك في فعل مأمور مما يسجد لتركه بعد فوات محله، سجد للسهو؛ لأن الأصل أنه لم يفعله، وإذا شك في ارتكاب [منهي معين يقتضي تحققه سجود السهو] فالأصل أنه لم يفعله؛ فلا سجود عليه [إلا في مسألة] واحدة، وهي ما صدر بها الشيخ الباب وما يليها.
وقولنا: "معين"، احتراز مما إذا شك هل ترك مأمورًا في الجملة أم لا؟ فلا
[ ٣ / ٤٥٥ ]
يسجد كما لو شك هل سها أم لا؟ قاله البغوي وغيره.
قال: إذا شك في عدد الركعات، وهو في الصالة -بنى الأمر على اليقين وهو الأقل، يأتي بما بقي، ويسجد للسهو؛ لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا شك أحدكم في صلاته؛ فلم يدر كم صلى: أثلاثًا، أم أربعًا- فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع- كانتا ترغيمًا للشيطان".
قال القاضي الحسين: وليس المعنى بقوله -﵇-: "شفعن له صلاته" أنها بالسجدتين تصير ستًاّ؛ إذ السجدتان لا تقومان مقام ركعة، وإنما عني به: أن السجدتين تردانها إلى الأربعة، وتحذفان الزيادة؛ لأن سجود السهو كما يجبر النقصان يدفع الزيادة.
ومعنى ترغيم السجدتين الشيطان، أو أنفه، كما جاء في رواية: أنهما "تسخطانه"؛ فكأنه لفرط إذلاله قد ألصق أنفه بالرغام، وهو التراب الذي يخالطه الرمل.
فإن قيل: قد روى البخاري ومسلم، عن [ابن مسعود: "أن] النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب؛ وليبن عليه، ثم ليسجد سجدتين"، والتحري: طلب أحد الأمرين وأولاهما بالصواب في ظنه؛ فلم
[ ٣ / ٤٥٦ ]
عدلتم عن العمل به، مع أنه معتضد بالقياس على ما إذا شك في الأواني وفي القبلة ونحوهما؟!
قيل في جوابه: إنا نحمل التحري المذكور [في هذا الخبر] على طلب اليقين؛ جمعًا بينه وبين الخبر الأول، والتحري قد يكون بمعنى اليقين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤].
والفرق بين ما نحن فيه وبين الأواني والقبلة: أنه هنا يمكنه البناء على اليقين في المجتهد يه من غير كبير مشقة، ولا علامة يستدل بها لى المطلوب، ولا كذلك في الأواني والقبلة ونحوهما.
فإن قيل: لو أخبره جمع كثير بأنه ترك ركعة من صلاته أو فرضًا منها، واعتقد هو أنه أتى بها، أو [أنه] أتى به، [واعتقد هو] أنه لم يأت به- وجب عليه البناء على قولهم، وإن أمكنه البناء على اليقين فهو يبطل ما ذكرتم.
قلنا: لنا في رجوعه إلى قولهم وجهان حكاهما الرافعي وغيره هنا، وقد حكيناهما عن رواية أبي علي في باب صلاة الجماعة قولين:
فإن قلنا: إنه لا يرجع إلى قولهم؛ كما لو أخبره واحد أو اثنان-وهو الظاهر من كلام الأصحاب-فلا إشكال.
وإن قلنا: إنه يرجع إلى قولهم-كما هو الأصح في "التتمة"-فمعتمده قصة ذي اليدين، وهو قائم مقام اليقين؛ إذ المسالة مصورة بما إذا تردد في قولهم، والله أعلم.
قال: وكذلك إذا شك في فرض من فروضها، أي: غير النية والتكبير؛ لأن الشك فيهما شك في كل فروضها-وقد تقدم الكلام فيه- بنى الأمر على اليقين، وهو أنه لم يفعل؛ فيأتي به، ويسجد للسهو؛ لما تقدم.
قال بعضهم: وإنما أورد الشيخ المسألة الأولى، وعطف هذه عليها، [وإن كانا
[ ٣ / ٤٥٧ ]
في الحكم سواء؛] لأن الأولى مورد صريح الحديث.
قلت: لأن ما ورد في "سنن" أبي داود وإن أمكن الاستدلال بعمومه على هذه المسألة أيضًا؛ فآخر الخبر يدل على أن المراد: [الصورة] الأولى، وصيغة الخبر المشار إليه: "إذا شك أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشك، وليبن على اليقين، وإذا استيقن التمام سجد سجدتين: فإن كانت صلات تامة كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرْغِمَتَ الشيطان".
فإن قيل: ما وجه دعواكم: أن هذه المسألة والتي قبلها خرجت عن القاعدة التي ذكرتموها؟ ولأي معنى خرجت؟
قلنا: أما وجه خروج ذلك عن القاعدة؛ فلأنه [على تقدير أن يكون] لم يأت بما شك فيه؛ فإذا أتى به لا خلل حتى يجبر، وعلى تقدير أن يكون قد أتى به فإعادته تؤثر خللاصفي الصلاة؛ فيحتاج إلى الجبر، فإذا شك في الفعل، وأتى به فإعادته تؤثر خللًا في الصلاة؛ يحتاج إلى الجبر، فإذا شك في الفعل، وأتى به فقد شك: هل ارتكب ما يقتضي السجود أم لا؟ والأصل عدمه. وأما كونه يسجد فقد قال الشيخ أبو محمد وطائفة من الأصحاب-[كما قال الإمام-: إنه] لا وجه له إلا [الخبر] الذي أسلفناه؛ ولهذا قال في "الوجيز": إنه يسجد خبرًا؛ أي: لأجل الخبر، وهذا صوابه، وقد تصحف الخاء فيه بالجيم. وليس بصحيح.
وعلىهذا: لو زال الشك قبل السلام، وانكشف الحال على أن الذي [أتى] به [جابرًا] زائد-سجد للسهو؛ لتحقق الزيادة، وإن بان أنه [غير] زائد فلا، قال: لأن [الظاهر من] الخبر أن الشك دام إلى السلام، وهذا القول وتفريعه مال إليه الإمام والغزالي في "الوجيز".
[ ٣ / ٤٥٨ ]
وقال الشيخ أبو عليّ: إنما سجد، وإنما احتمل أن يكون ما أتى به غير زائد؛ لأنه يأتي به مع تجويز ان يكون زائدًا؛ فقد تطرق إليه نوع خلل؛ فلذلك سجد. وهذا ما صححه في "التتمة" ويحكي عن القفال أيضًا، ولم يورد صاحب "التهذيب" وكثيرون -كما قال الرافعي- سواه، وهو الذي اورده ابن الصباغ.
وقد تعرض الإمام لنقض العلة المذكورة بأن من قضى فائتة وهو يتردد، في تركها [لا يأتي بسجود السهو]، مع أنه أتى بجميعها مع التردد في الوجوب من حين اقتران النية.
وأجيب: بأن النية في مسألة النقص لم تكن مترددة في مبطل ولا في باطل، بل في واجب أو مندوب، والنية هاهنا مترددة في واجب أو مبطل؛ فكان تأثير التردد هاهنا أثم.
وعلى هذا قال الشيخ أبو عليّ: إذا تيقن قبل السلام أن ما أتى به غير زائد، سجد؛ لأجل التردد حالة الفعل.
وهو مخصوص بالاتفاق بما إذا مضى في التردد ركن يحتمل أن يكون زائدًا، فأما إذا خطر الشك، فزال ولم يمض معه ذلك-فلا أثرله ولا سجود.
وقد ضبط ذلك في كتاب "التهذيب" بقوله: ومن شك في ركن، ثم تذكر أنه أتى به: فما أتى في حالة الشك إن كان زائدًا على أحد المحتملين سجد، وإلا فلا.
مثال ذلك: إذا كان في ركعة من الصبح، فشك أنها أولاه، أو ثانية: فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية أنها أولاه لم يلزمه سجود السهو؛ لأن ما هو فيه على كل احتمال [من] أصل صلاته، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية سجد؛ لأن قيامه يحتمل أن يكون زائدًا. وكذا لو شك في ركعة من الظهر أنها أولاه أو ثانية: فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية فعليه السجود؛ لأنها إن كانت ثانية فقد ترك التشهد الأول، وإن كانت أولاه.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
فقد أتى بها مع الشك في أنه ترك التشهد الأول أم لا؟
قال القاضي الحسين: ويحتمل أن يقال: لا سجود عليه.
[وإن كان شكه أن الركعة التي هو فيها ثالثة أو رابعة: فإن بان قبل أن يرفع رأسه من السجود الحال فلا سجود عليه]، وإن بان بعد أن قام فعليه؛ لأنه يجوز أن يكون زائدًا، وعبارته في ذلك [أنه]: إن أتى مع الشك بركن تام سجد، وإلا فلا، وقد قدمت تفصيل القول في الركن التام ومقارنة الشك إياه في فصول النية في أول باب: صفة الصلاة. وأنا فصلته في الباب قبله، وبين العبارتين فرق لمن تأمل.
أما إذا وقع الشك في عدد الركعات، أو في فرض من فروض الصلاة بعد الخروج منها-فلا أثر لذلك، طال الزمان أو قصر؛ لأنه مما يكثر جنسه، ولا يمكن الاحتراز عنه، ولا يأمن مثله في القضاء، هذه طريقة العراقيين، وللمراوزة في المسألة ثلاثة طرق:
إحداها: أن فيها قولين:
[أحدهما]: كما صار إليه العراقيون، وهو ما حكاه في التتمة عن القديم، وكذا القاضي الحسين عند الكلام في ستر العورة.
والثاني: أنه كما [لو] كان في الصلاة؛ فإن الأصل أنه لم يفعل؛ فإن قرب الزمان تدارك، وبني على صلاته، وسجد للسهو؛ لأنه سلم في غير محله؛ فإن طال الزمان استأنف.
قلت: ويأتي وجه آخر مع طول الزمان: أنه يبني أيضًا؛ بناء على أنه لو تذكر ذلك وقد طال الفصل، بنى؛ كما تقدم. وهذه الطريقة طريقة الفوراني.
والثانية: إن طال الزمان لم يؤثر شكه قولًا واحدًا؛ لأنه لا يمكن ضبطه، ويؤدي إلى ما لا يتناهى، وإن لم يطل قولان؛ لأن وجه التأثير أن وقوعه يندر ولا يعم؛ فهو كالشك في الصلاة. وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، واستحسنها الإمام.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الثالثة-حكاها القاضي الحسين هنا لا غير: أن ذلك يؤثر، [لكن] إن كان الفصل يسيرًا بنى على صلاته، وإن طال الفصل فقولان:
الجديد: أنه يستأنف.
والقديم: أنه يبني على صلاته.
قال: ونظير المسألة: المعتدة بالأقراء إذا ارتابت بالحمل: إن كانت في خلال العدة لا يحكم بانقضائها، وإن كانت قد انقضت عدتها فعلى قولين:
أحدهما: لا ينعقد النكاح.
والثاني: ينعقد موقوفًا.
ووجه الشبه: أن الريبة هناك طرأت بعد الحكم بانضاء العدة؛ فأوجبت نقض الحكم [ببقاء العدة؛ فكذا هنا: الريبة إذا طرأت [أوجبت نقض] الحكم] بصحة الصلاة، ويلزمه الاستئناف.
قلت: وهذا التشبيه بالطريقةالأولى أقرب منه بهذه، وبالجملة فحاصل الطرق عند الاختصار أربعة أقوال:
أحدها: لا أثر لذلك أصلًا.
والثاني: أنه يؤثر، لكن إن قرب الزمان بنى، وإن بعد استأنف.
والثالث: أنه يؤثر، ويبني على كل حال.
والرابع: أنه إن قرب الزمان أثر، وبني، وإن بعد [استأنف] ولا أثر له، وهذا ما اختاره البغوي.
والغزالي اقتصر على حكاية ما عدا الثالث، وقال: وليس من الشك ألا يتذكر كيفية الصلاة السابقة؛ بل الشك أن يتعارض اعتقادان على التناقض بأسباب حاضرة.
فن قلت: قد أفهم قول الشيخ: "في فرض من فروضها" أنه إذا شك في سنة من سننها: كالتشهد الأول، والقنوت، ونحوهما-لا يكون الحكم كذلك، وقد قال البندنيجي، وغيره: إنه الجديد، وهو مقتضى القاعدة التي سلفت، وكذا
[ ٣ / ٤٦١ ]
يقتضي أنه إذا شك هل سجد للسهو أو لا؟ أو سجد واحدة أو اثنتين-أنه لا يأتي بما شك فيه، وهو يأتي به بلا خلاف.
قلت: أما الأول فلا يخالف ما أفهمه كلام الشيخ؛ لأن الشيخ قال: إنه يأتي [بأمرين]: بما شك فيه، وبسجود السهو، ومن شك في ترك القنوت ونحوه لا يأتي إلا بأحدهما؛ لأن شكه يه إن كنا في محله أتىبه، ولا سجود، وإن كنا بعد فوات محله سجد فقط، وعلى هذه الحالة يحمل كلام البندنيجي وغيره، لكني رأيت-فيما وقفت عليه من "الحاوي"-أنه إذا شك هل أتى بالتشهد الأول، أو قنت في الصبح، [أو قرأ الفاتحة] أو سجد سجدة أو سجدتين-فإنه يطرح الشك، ويبني على اليقين، ويأتي بما شك في فعله، ويسجد للسهو، وهذا لا وجه له.
وأما الثاني فلا نسلم أن كلام الشيخ يفهمه؛ لأن فرض الصلاة يحترز به عن سننها، والمفهوم من سنن الصلاة إنما هو الراتبة فيها، دون ما يطرأ فيها بسبب يحدث، وذلك واضح في باب فروض الصلاة وسننها، وإذا كان كذلك فسجود السهو ليس من السنن التي لا تنتقل الصلاة عنها؛ فلذلك قلت: إن كلام الشيخ لا يفهم ذلك. ثم لو سلمنا أنه يفهم إخراج السنن الراتبة وغيرها، فهو لا يفهم إلا عدم ثبوت الحكمين، كما ذكرناه، وهو كذلك؛ لأنه يأتي بما شك فيه، ولا يسجد لأجله للسهو؛ كما صرح به الأصحاب.
نعم، هاهنا مباحثة، وهي أن الجابر للخلل الواقع بالشك [في الصلاة إنما يكون [بسجدتي السهو]، وهو كذلك فيما إذا وقع الشك] في أنه هل سجد للسهو أم لا؟ فإنه يأتي بسجدتي السهو التي شك فيهما، وهما جابرتان
[ ٣ / ٤٦٢ ]
للخلل؛ كالشاة من الأربعين تزكي نفسها وغيرها، وهذه المسألة [هي] التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي حين جمعهما مجلس، فادعى الكسائي أن من تهدي إلى علم، وتبحر فيه- تهدى إلى الفنون كلها؛ فقال له أبو يوسف: أنت قد تبحرت في علم العربية، فما تقول فيمن سها في سجود السهو هل يسجد؟ فقال لا. فقال: لم [قلت]؟ فقال: لأن التصغير لا يصغر؛ إذ لو صغر لصغر تصغير التصغير؛ فيؤدي إلى ما لا يتناهى. فأصاب في الحكم والتعليل.
فأما إذا وقع الشك في أنه هل سجد واحدة أو اثنتين، فقد قال الأصحاب: إنه يأتي بسجدة أخرى، ولا يسجد.
قال الإمام: وهو متفق عليه، ولم يحك الجمهور غيره، وإذا كان كذلك فالخلل الذي وقع بالشك لم يحصل بعده إلا سجدة واحدة؛ فهو مخالف للقاعدة.
[وجوابه هذا] يتوقف على تقديم مسألة مقصودة في نفسها، وهي [أنه]: إذا سها في صلاته؛ فسجد سجدتي السهو، ثم قام قبل السلام ناسيًا، أو فعل ما يقتضي سجود السهو فهل يعيد سجدتي السهو، ثم قام قبل السلام ناسيًا، أو فعل ما يقتضي سجود السهو فهل يعيد سجدتي السهو أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما- في "الرافعي"،وهو المذهب المشهور؛ كما قال في "التتمة"-: أنه
[ ٣ / ٤٦٣ ]
لا يعيده، وحكى الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
والثاني-وهو قول أبي إسحاق؛ كما قاله البندنيجي، وابن القاص؛ كما قاله ابن الصباغ، وغيره-: أنه يعيده، وهو الأصح في "الحاوي"؛ إذ لو كان السجود يجبر ما بعده لم يكن لتأخيره إلى آخر الصلاة معنى، وكان يكون عقيب سببه؛ كما في سجود التلاوة.
[وللمنتصرين للأول أن يقولوا: سجود التلاوة] في الصلاة يلزم محلًا واحدًا، وهو حالة القيام للزوم سببه له؛ فإنه لو قرأ آية سجدةفي غيره لم يسجد؛ إذ لا تشرع القراءة في الصلاة في غيره، وسجود السهو لو كان عقيب سببه لم يلزم محلًا واحدًا؛ لأن سببه لايلزمه؛ فقد يقع في محل سجود؛ فيؤدي إلى الإتيان بأربع سجدات متواليات، فرضًا ونفلًا، ولك يخل بصورة الصلاة؛ فلا جرم أخر إلى آخر الصلاة وإن جبر ما بعده، والله أعلم.
إذا عرفت ذلك عدنا إلى ما نحن فيه:
فإن قلنا -فيما إذا وقع السهو بعد استكمال السجود- بعدم الإعادة، في صورتنا أولى.
وإن قلنا: يعيد ثم، فالفرق أن بعض الجابروقع في مسألتنا متأخرًا عن الخلل؛ فاغتفر وقوع [البعض] الآخر قبله، وثم وقع مجموع الجابر قبل الخلل فلا يكون جابرًا؛ لأن السيل لا يسبق المطر- وهذا جواب الكسائي في نحو من ذلك أيضًا، على أني رأيت في "الحاوي" في مسألتنا حكاية وجه آخر: أنه يأتي بعد الشك بسجدتين؛ كما صار إليه قتادة:
أحداهما: يتم بها جبران السهو الأول، وتحسب من السهو الثاني.
والثانية: يتم بها جبران السهو الثاني؛ كما نقول في المعتدة إذا وطئها الزوج بشبهة، وقد بقي من عدتها قرء: فعليها أن تعتد بثلاثة أقراء بعد الوطء الأول منها تتم العدة الأولى، وتحسب من الثانية، والباقيان تتم بهما العدة الثانية.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وحينئذ فلا فرق بين المسألتين، والأولى الترتيب؛ لما ذكرناه من الفرق. والله أعلم.
قال: وإن زاد في صلاته ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا -على وجه السهو- سجد للسهو؛ لما روى أبو داود، عن عبد الله –وهو ابن مسعود-قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر خمسًا؛ فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا؛ فسجد سجدتين بعدما سلم" وأخرجه البخاري ومسلم.
ومعنى قول ابن مسعود: "بعدما سلم" أي: من الصلاة أولًا، يدل عليه أنه جاء في رواية عنه قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم [بينهم]؛ فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا. قالوا: فإنك قد صليت خمسًا؛ فانفتل فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر [مثلكم] أنسى كما تنسون" وأخرجه مسلم.
قال بعضهم: وفي رواية لمسلم: "إذا زاد أحدكم أو نقص فليسجد سجدتين"،
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وعلى هذه الرواية فالدلالة على المدعي بنفس الخبر، وعلى الأخرى فوجه الدلالة القياس؛ لأن زيادة الركن الواحد عمدًا تبطل؛ كزيادة الركعة عمدًا؛ فوجب أن يكون حكمهما عند السهوسواء، ثم في الخبر دلالة علىن زيادة الركعة في الرابعة لا تبطلها، ويسجد بسببها للسهو، وهو كذلك عندنا، ونقيس عليه إذا أتى بركعة سهوًا في الثلاثية والثنائية؛ لأن الزيادة لو اثرت في جعل الوتر شفعًا لأثرت في جعل الفع وترًا.
ثم في قول الشيخ: "على وجه السهو" احتراز عما إذا فعل ذلك على وجه العمد؛ فإنه في حالة يبطل؛ كما ذكره في الباب قبله، وفي حالة لا يبطل [و] لا يقتضي سجودًا عندنا، وهو إذا أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع؛ فإنه زاد في صلاته سجودًا وقيامًا وقعودًا في التشهد، ولا سجود عليه؛ لأنه يفعله وجوبًا.
قال: وإن تكلم، أو سلم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة، أي: قرأ في غير القيام سجد للسهو.
ووجهه في الكلام والسلام ناسيًا قصة ذي اليدين، وقد سلفت في الباب قبله.
وقد روى مسلم، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﷺ صلى العصرن فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله ، وذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم؛ فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم".
وقال أبو داود: سجد سجدتين، [ثم تشهد]، ثم سلم.
ووجهه في القراءة [: أنها قول أتى به في غير محله؛ فشابه الكلام.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
أما إذا قرأ في موضع القراءة] وهو القيام؛ فمفهوم كلام الشيخ أنه لا يسجد، وهو كذلك.
أما إذا قرأ الفاتحة والسورة فظاهر، وكذا إذا قرأ الفاتحة وحدها، وإن قرأها مرة بعد مرة: فإن كان عامدًا، وقلنا: إن تكرارها يبطل-فلا سجود، وإن قلنا: إنه لا يبطل- فقد استوى عمد ذلك وسهوه.
ومفهوم كلام الشيخ أنه لا يسجد، وهو موافق لما حكاه القاضي الحسين في نظير المسألة، وهي: إذا شك المأموم بعد سلام إمامه هل ترك التشهد أم لا؟ قرأه، ولا سجود عليه؛ لأن أقصى ما فيه أنه كرر قراءة التشهدنوتكرير قراءة التشهد لا يقتضي سجود السهو. [فقوله: "وتكرير قراءة التشهد لا يقتضي سجود السهو"، هو] ما أراده من النظر؛ إذ تكرار الفاتحة كتكرار التشهد، كما قررناه؛ لأن كلًا منهما ركن قولي، والله أعلم.
وقد وفاق الشيخ في هذه العبارة البندنيجي؛ فإنه هكذا قال؛ فظاهرها يقتضي أمورًا:
أحدها: أنه لا فرق في الكلام ناسيًا بين القليل والكثير، وهو جار على ظاهره؛ إذا قلنا بأن الكلام الكثير ناسيًا لا يبطل الصلاة، دون ما إذا قلنا: إنه يبطل؛ فإنه يختص بالكلام القليل؛ إذ لا سجود مع البطلان.
وحكم الفعل والأكل ناسيًا كحكم الكلام، وقد ذكرناه.
وضابط هذا النوع أن يقال: كل ما اختص عمده ببطلان الصلاة، ولا يخرج منها بسهوه؛ فسجود السهو مشروع لجبره.
وقولنا:"اختص عمده ببطلان الصلاة" احترزنا به عن الردة؛ فإنها تبطل سائر العبادات كلها؛ فلو ارتد ناسيًا للصلاة لم شرع له سجود السهو.
وقولنا: "ولا يخرج منها بسهوه" احترزا به عن الأكل والفعل، والكلام الكير ناسيًا؛ إذا قلنا: إنه مبطل، وكذا عن الحدث على وجه السهو؛ فإنه يبطل الصلاة، ولا سجود مع البطلان.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
الثاني: أنه لا فرق في القراءة بين أن تكون الفاتحة أو بعضها أو غير ذلك، وهو في الفاتحة متفق عليه إذا كان على وجه السهو، وفي غير الفاتحة وجهان في "الحاوي":
أحدهما: أن الحكم كذلك، وبه صرح ابن الصباغ؛ حيث قال: لو قرأ السورة في الركوع أو السجود سجد؛ لأن الركوع والسجود ليس بمحل للقراءة، وكذا حكاه الإمام عن الشيخ أبي علي في "شرح التلخيص" وقال: إنه حسن متجه.
قال ابن الصباغ: وهذا بخلاف ما لو قرأ السورة قبل الفاتحة؛ فنه يعيدها بعد الفاتحة، ولا سجود عليه؛ لأن القيام محل القراءة على الجملة، وإنما شرع [فيه] ترتيبها وتقديم الفاتحة؛ فإذا أخرها وقدم غيرها لم يسجد.
والوجه الثاني: أنه لا يسجد إذا قرأه في الركوع والسجود.
قال الإمام: وهو ينقدح علىمذهب طوائف من جهة أن هذا ليس نقل ركن من محله إلى غير محله. وفي هذا شيء سنذكره.
الأمر الثالث: أنه لا فرق في القراءة بين أن تكون علىوجه السهو أو عمدًا، وبعضهم قيد كلام الشيخ بما إذا فعل ذلك ناسيًا، وحكى معه وجهًا آخر عن المراوزة: أنه لا يسجد؛ لأن عمده لا يبطل الصلاة-على الصحيح-والظاهر إجراء كلام الشيخ على ظاهره؛ لأنا قد قررنا أنه لا فرق في القراءة بين الفاتحة وغيرها، وتكرار غير الفاتحة لا يبطل، عمدًا كان أو سهوًا؛ فظهر أنه لا فرق بين أن يكون ذلك عمدًا أو سهوًا، وبه صرح البندنيجي في باب السجود من صفة الصلاة، وكذا القاضي أبو الطيب عند الكلام في الركوع؛ حيث قال: إذا دعا [بعد
[ ٣ / ٤٦٨ ]
الانتصاب] في الركوع، أو وقف ساكتًا وقوًا طويلًا سهوًا-لم يضره، ولا يسجد، ولو قصدبقيامه القنوت، أو تعمد الدعاء- كان عليه سجود السهو، وكذا لو قرأ بعد قيامه ساهيًا أو عامدًا كثيرًا من القرآن، أو يسيرًا، كان عليه سجود السهو.
قال: والقراءة في الركوع والسجود والتشهد، حكمها كما ذكرنا في الانتصاب. نعمن إذا قرأ الفاتحة مرة أخرى عمدًا في محل القراءة، وقلنا: إنها تبطل- كما إذا قرأها في غير موضع القراءة أولًا، وبه صرح الماوردي في باب صفة الصلاة، وعلى هذا فلا يسجد عند تعمد ذلك، ويسجد على المذهب.
قال بعضهم: ولا يمتنع تعلق السجود في نوع الزيادة بفعل ما لا يبطل فعله عمدًا، كما يتعلق في نوع النقص بما لا يبطل تركه عمدًا: كترك القنوت ونحوه.
الرابع: أنه لا فرق فيها بين أن تكون في الركوع أو السجود أو الرفع منهما، وهو كذلك عند العراقيين، وطردوه فيما إذا تشهد في غير موضع التشهد، أو قنت في غير موضع القنوت [على الصحيح]، صرح به ابن الصباغ وغيره.
وعند المراوزة فيه تفصيل وخلاف يتوقف معرفته على أصلين مقصودين في أنفسهما:
الأول منهما: أن نقل القراءة عمدًا من محلها إلى الركن الطويل هل يبطل الصلاة أم لا؟ وفيه خلاف جار فيما لو نقل التشهد من محله إلى ركن طويل.
قال الرافعي: أو نقلهما إلى ركن قصير ولم يطول، كما إذا أتى ببعض ذلك.
والثاني: إذا طول الركن القصير هل تبطل الصلاة أم لا؟ وفيه خلاف.
ووجه البطلان -كما قال الإمام-: أن تطويله يؤدي إلى ترك الموالاة في الصلاة؛ لأن سائر الأركان يجوز تطويلها؛ فإذا طول القصير أيضًا لم تبق الموالاة، وهي شرط في الصلاة، وادعى أن هذا الوجه ظاهر المذهب، ولم يورد في "التهذيب" غيره.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
قال الرافعي: ولمن ذهب إلى الوجه الآخر أن يقول: إن كان معنى الموالاة ألا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها؛ فلا يلزم من تطويل الأركان فوت الموالاة، وألا فلا نسلم اشتراط الموالاة بمعنى آخر، ثم الركن الطويل القيام، والركوع والسجود والقعود [للتشهد]، والرفع من الركوع حيث لا يشرع قنوت، وليست الصلاة صلاة التسبيح-ركن قصير، فأما ما شرع يه القنوت والتسبيح فإنه مطول، وقد صح ذلك عن رسول الله ﷺ.
واستدل الأصحاب لقصره عند فقد ذلك بأنه لم يسن فيه تكرار الذكر المشروع فيه، بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، قالوا: فكانه ليس مقصودًا لنفسه وإن كان فرضًا؛ وإنما المقصود منه: الفصل بين الركوع والسجود، ولوكان مقصودًا لنفسه لشرع فيه ذكر واجب؛ لأن القيام هيئة معتادة؛ فلابد من ذكر يصرفه عن العادة إلى العبادة؛ كالقيام قبل الركوع، والجلوس في آخر الصلاة: لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيها العبادة والعادة، وجب فيهما شيء من الذكر.
فإن قيل: لو كان الغرض الفصل لما وجبت الطمأنينة فيه.
قيل: إنما وجبت؛ ليكون على سكينة وثبات؛ فإن تناهي الحركات في السرعة يخل بشرية الخشوع والتعظيم، ويحرم الأبهة.
والرفع [من السجود] هل هو ركن قصير أو طويل؟ فيه وجهان:
الذي عليه الجمهور -كما قال الإمام-: الثاني، وهو اختيار ابن سريج، ويهشد له رواية أبي داود، عن البراء: "أن رسول الله ﷺ كان سجوده وركوعه وقعوده وما بين السجدتين قريبًا من السواء" وأخرجه البخاير ومسلم.
وقال أبو عليّ: إنه قصير؛ لأن المقصود الظاهر منه الفصل بين السجدتين؛ فشابه الرفع من الركوع.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
قال بعضهم: بل هو أولى؛ لأن الذكر المشروع في الاعتدال [من الركوع] أطول من المشروع في الجلسو بين السجدتين؛ فكان إلى الطول أقرب. وهذا ما ذكره القاضي الحسين والبغوي، والشيخ أبو محمد في "الفروق". وقال الإمام: إنه منقاس. وادعى الرافعي أنه الأصح؛ إذ لا يظهر فرق بينه وبين الرفع من الركوع.
قلت: وبعضهم -لعدم الفرق-قال: الذي يظهر في الرفع من الركوع أنه طويل، وهو الذي يقتضيه قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي- وقد روى مسلم، عن أنس قال: "ما صليت خلف أحد أوجز من رسول الله ﷺ بإتمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده -قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
وروى البخاري عن البارء بن عازب قال: "كان [ركوع] رسول الله ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود- قريبًا من السواء"، [وأورده مسلم بمعناه، ولم يذكر فيه: "ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء"].
ثم الخلاف في الأصلين المذكورين -وهما نقل القراءة أو التشهد إلى الركن الطويل، وتطويل الركن القصير- مأخوذ، كما قال القاضي الحسين، من نص الشافعي. على انه لو أطال القيام بعد رفع الرأس من الركوع، فذكر الله، أو قنت ساهيًا- سجد للسهو، وهذا يدل على أنه لو فعل ذلك عامدًا بطلت صلاته؛ لأن ما اقتضى سهوه السجود أبطل عمده الصلاة، ولأي معنى كان ذلك؟
[ ٣ / ٤٧١ ]
اختلف الأصحاب فيه:
فقيل: لأنه نقل ذكرًا مقصودًا مشروعًا في محل إلى محل غيره.
فعلى هذا: إذا قرأ في غير القيام عمدًا بطلت صلاته، وسهوًا يسجد للسهو؛ لأجل النقل، وكذا لو تشهد في غير محل القعود، أو قنت في غير محل القنوت عمدًا أو سهوًا.
وقيل: إنه تطويل الركن القصير؛ فعلى هذا لو طول الركن القصير بقراءة، أو تشهد، أو قنوت من حيث لا يشرع، أو بذكر آخر حيث لا يشرعن أو سكوت عمدًا- بطلت، ويسجد للسهو، وإن فعل ذلك في الركن الطويل فلا.
وعن القفال: أنه إن قنت في الرفع من الركوع حيث لا يشرع، [أو أتى فيه بذكر مشروع بقصد القنوت،] وطول الرفع عمدًا- بطلت صلاته، وإن فعله سهواص سجد للسهو، وإن أتى فيه بذكر مشروع [بقصد القنوت سجد لسهو، وإن أتى فيه بذكر مشروع] [طول به]، ولم يقصد به القنوت عمدًا- لا تبطل، وسهوًا لا يسجد للسهو؛ كذا حكاه الفوراني عنه، [وهذا ما حكاه البندنيجي- أيضًا-في باب السجود من صفة الصلاة].
وقد اقتضى الأصلان المذكوران: أنه متى طول الركن القصير بذكر منقول من محل في الصلاة إليه عمدًا، تبطل صلاته، وسهوًا، يسجد قولًا واحدًا؛ كما هو ظاهر النص، وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب، ولم يورد في "الوجيز" غيره.
وبعضهم رتب هذه الحالة على ما سبق؛ فقال: إن قلنا: إذا وجد أحد الأمرين عمدًا أو سهوًا ثبت ما ذكرناه، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، الأظهر منهما- كما قال في "الوسيط"-: الإبطال.
وإذا عرفت ما ذكرناه تلخص لك منه: أنا حيث قلنا بالبطلان في تطويل القصير، أو نقل ذكر مقصود إلى الطويل عمدًا؛ إذا وجد ذلك على حكم السهو- سجد. وحيث قلنا: إن عمد ذلك لا يبطل؛ فإذا وجد على وجه السهو هل يقتضي السجود؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ٤٧٢ ]
أحدهما [لا]، وهو ما حكيناه عن المراوزة.
والثاني: نعم، وهو ما حكيناه عن العراقيين، وهو الأصح في "الرافعي".
وفي شرح "الوجيز" للعجلي: أن القراءة في غير القيام: إن كانت هي الفاتحة فحكمها ما سلف، وإن كانت غيرها:
فإن قلنا: علة البطلان تطويل القصير، فالحكم كذلك.
وإن قلنا: العلة النقل، فلا.
وهذا منه إشارة إلى أن المتواتر فعله هو الركن، لا الذكر المقصود، وهو نازع إلى ما ذكرناه عن افمام في الفصل قبله، والذي صرح به القاضي الحسين، والمتولي: أنه الذكر المقصود في محله ركنًا كان أو سنة؛ كما هو ظاهر النص، والله أعلم.
فرع: إذا أتى بالتشهد أو بعضه سهوًا بعد الأولى، أو الثالثة من الرباعية-فقد أتى به في موضع جلسة الاستراحة، وهي قصيرة، ومقتضى ما سلف: أنه إذا لم يرد ما أتى به من الذكر على قدر جلسة الاستراحة، ألا يسجد، ولو فعل ذلك عمدًا ألا يبطل؛ إذا لاحظنا تطويل الركن، فإن لاحظنا نقل الذكر المقصود [من محل] إلى محل أبطل عمده، واقتضى السجود سهوه، وهو ما أورده القاضي الحسين وابن الصباغ وغيرهما، وصرح الماوردي بالعلة، فقال: لأنه نقل سنة على الندب من محل إلى محل؛ فلزمه سجود السهو؛ لما أوقعه من الزيادة في صلاته؛ لقصة ذي اليدين. ولو زاد جلوسه على قدر جلسة الاستراحة عمدًا، بطلت صلاته، وسهوًا، سجد، بلا خلاف، ولو قصر جلوسه عن جلسة الاستراحة، فلا سجود عليه؛ إذا لم يشغله بذكر، بلا خلاف، وإن شغله فحكمه ما تقدم، ولو جلس للتشهد بسن السجدتين، وأتى به-فقضية قولنا: إنه ركن قصير، أن يكون في بطلانه عند العمد، والسجود عند السهو الخلاف السابق؛ كذا قاله القاضي الحسين.
قال: لكن الأصحاب متفقون على أنه إذا أتى به على وجه السهو، لا يسجد؛
[ ٣ / ٤٧٣ ]
لأن ما بين الجلستين محل الجلوس، بخلاف ما لو جلس بعد الرفع قائمًا من الركوع وقبل السجود؛ فإنه يسجد؛ لأنه ليس بمحل الجلوس؛ إذ لا جلوس بعد الركوع.
قلت: وهذا مناقض لما حكيناه عنه وغن غيره في الفرع قبله، إلا أن يقال: الجلوس ثم ليس بركن في الصلاة، وهاهنا هو ركن أو بعض ركن؛ فقوي.
ثم قياس ما قاله القاضي هنا: أنه إذا فعل ذلك عمدًا أن تبطل صلاته؛ لأن قاعدتهم: أن ما اقتضى السجود سهوه أبطل عمده الصلاة؛ كما تقدم، وبالعكس. نعم، لو لم يطل لا تبطل، وقد قال الإمام: إنه لو جلس من قيام لما انتهى إلى السجود جلسة خفيفة لم يشغلها بذكر، لا تبطل صلاته؛ لأن الجلوس في الصلاة يعهد غير ركن: كجلسة الاستراحة، والتشهد الأول؛ فلا تبطل الصلاة بزيادته على وجه لا يظهر في الصلاة، وبهذا خالف بزيادة قيام أو ركوع أو سجود؛ فإنه لا يعقل في الصلاة إلا ركنًا؛ فزيادته زيادة ركن؛ فأبطل وإن كان فعلًا قليلًا.
وحكى عن الشيخ أبي علي أنه صرح عند إتيانه بالتشهد في هذه الجلسة بمثل ما حكيناه عن القاضي احتمالًا، والله أعلم.
قال: وإن فعل ما لا يبطل عمده الصلاة، أي: سهوًا، كالالتفات، والخطوة والخطوتين- لم يسجد للسهو؛ لأنه إذا عفي عن عمده لكثرة جنسه، وعسر الاحتراز منه- فسهوه أولى، وقد فعل النبي ﷺ الفعل اليسير في الصلاة، ورخص فيه، ولم يسجد للسهو، ولا أمر به.
ومن هاهنا تؤخذ قاعدة قررها الأصحاب في الباب: أن ما لا يبطل الصلاة ارتكابه من المنهيات على وجه العمد لا يقتضي السجود سهوه، ولم يستثن من ذلك إلا قراءة الفاتحة أو غيرها في غير المحل؛ كما تقدم حكايته عن
[ ٣ / ٤٧٤ ]
العراقيين، وكلام القاضي الحسين يقتضي أنه يسجد للسهو مما ذكره الشيخ ونحوه؛ لأنه قال: كل عمل يلزمه سجود السهو إذا أتى به ساهيًا؛ فإذا أتى به عامدًا بطلت صلاته، وكل عمل قلنا: لا يلزمه به سجود السهو، إذا فعله متعمدًا لا تبطل صلاته، [إلا في مسألة واحدة، وهي إذا عمل عملًا قليلًا لا من جنس الصلاة؛ فإنه يلزمه سجود السهو، وإن تعمده [لا] تبطل صلاته].
قال: وإن نهض للقيام، أي: ساهيًا، في موضع القعود، أي: وهو محل التشهد الأول، ولم ينتصب قائمًا فعاد إلى القعود-ففيه قولان:
أحدهما: يسجد؛ لأنه روي عن يحيى بن سعيد قال: "رأيت أنس بن مالك تحرك للقيام في الركعتين من العصر؛ فسبحوا به؛ فجلس، ثم سجد سجدتين وهو جالس".
ولأنه زاد في الصلاة زيادة من جنسها على وجه السهو؛ فاقتضى السجود؛ كما لو زاد ركوعًا، وهذا ما أورده الماوردي لا غير، وصححه القاضي أبو الطيب: وصاحب "المرشد".
والثاني: لا يسجد؛ لمفهوم قوله -﵇-: "إذا قام الإمام في الركعتين: فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوى قائمًا فلا يجلس،
[ ٣ / ٤٧٥ ]
ويسجد سجدتي السهو" رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة.
ولأنه عمل يسير؛ فأشبه الخطوة والخطوتين. وهذا ما صححه في "المهذب"، وهو الأظهر عند العراقيين؛ كما قال الرافعي.
ومن صحح الأول منهم قال: خبر المغيرة ضعيف، وإن صح فالأمر بالسجود فيه منصرف إلى من استتم قيامه وإلى من لم يستتم، ومن قال: إنه منصرف إلى من استتم، فقد أخطأ، والفرق بين الزيادة من جنسها وغير جنسها تقدم. وهذه الطريقة التي ذكرها الشيخ هي طريقة الشيخ أبي حامد والعراقيين.
وقد صار كثيرون إلى أنه إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود سجد، وإن كان إلى القعود أقرب منه إلى القيام فلا يسجد. [و] يحكي هذا عن القفال، وحمل القولين على هذين الحالين، وهذه الطريقة بها أجاب البغوي، والروياني في "الحلية" كما قال الرافعي. وإذا قلنا بها، فلو كان نسبته إلى القيام والقعود على السواء لا يسجد أيضًا، قاله الإمام، وحكى عن شيخه عبارة أخرى، فقال: إن انتهض في قيامه إلى حد الراكعين سجد؛ لأنه زاد ركوعًا سهوًا، وألا فلا. وهذه العبارة مختصة بما إذا نهض منحنيًا، أما لو نهض منتصبًا فلا، ويتعين النظر إلى القرب من حد الركوع أو القعود، وإليه صار الصيدلاني، فقال: لو انتهض منتصبًا، وبلغ إلى حد هو أقرب إلى القيام والقعود، ورجع-سجد؛ لأنه فعل كثير من جنس الصلاة بجملة البدن؛ فتغير النظم، وفارق الخطوة والخطوتين؛ فإن التعويل في المشي على الرجلين والبدن محمول عليهما.
قال الغزالي: ويحتمل أن يقال: فعل الخطوتين يزيد عليه؛ فلا تبطل الصلاة بعمده. أي: ولا يسجد لسهوه.
وقد أفهم كلام الإمام أن المراد بالانتهاء [إلى حد الراكعين على طريقة شيخه: الانتهاء إلى حد أكمل الركوع، لا الانتهاء] [إلى أقل ما يجزئ فيه، وهو أن
[ ٣ / ٤٧٦ ]
ينحني حتى] تبلغ يداه ركبتيه من غير علة، بل قال: إنه لو قرب في ارتفاعه من حد أكمل الركوع، ولم يبلغه-فهو في حد الراكعين أيضًا.
وسلك القاضي الحسين طريقًا آخر، فقال: إن كان انتهاضه قريبًا من القعود؛ فإن لم ينصب ساقيه عاد، وتشهد، ولا سجود عليه؛ لأن هذا القدر لو زاده عمدًا لم تبطل صلاته، وإن انتصب ساقاه، وبلغ هيئة الراكعين-عاد، وسجد للسهو؛ لأنه لو زاد هذا القدر عمدًا بطلت صلاته، ولو ارتفع عن هيئة الراكعين، ودون هيئة القائمين، هل له العود؟ يحتمل وجهين حكاهما الروياني في "تلخيصه" عن الأصحاب:
أحدهما: نعم؛ كما لو كان في هيئة الراكعين، ويسجد للسهون وهذا ما صححه القاضي من بعد.
والثاني: لا؛ كما لو بلغ هيئة القيام، وحكمه إذا عاد حكم من عاد بعد انتصابه قائمًا، وسنذكره.
وظاهر النص أن المعتبر: الانتصاب التام؛ كما قاله الشيخ، وهو الذي أورده الجمهور، وبمقابله فسر المسعودي كلام الشافعي، وبه قال الشيخ أبو محمد، ولم يحك في "التتمة" سواه؛ حيث قال: وحد الانتصاب أن يبلغ حدًا لو مد يده إلى ركبته لا تصل [راحتاه إلى ركبتيه].
قال الرافعي: وهذا الاختلاف يرجع إلى شيء، وهو أن من قام في صلاته منحنيًا فوق حد أقل الركوع، هل يجزئه ذلك، أم لا؟ وفيه وجهان: فمن قال ثم: لا يجزئه -وهو الأصح- قال هاهنا: [له أن يعود، ومن قال ثم: يجزه-قال هاهنا:] إذا صار إليه لا يعود؛ لأنه وصل حد الفرض.
قلت: وهذان الوجهان اللذان بنى عليهما الغزالي الخلاف أبداهما القاضي الحسين احتمالين له؛ بناءً على ماذكره هاهنا؛ فهو عكس المدعي.
أما لو لم يعد إلى القعود، بل تمم القيام بعد تذكره، أو كان تذكره
[ ٣ / ٤٧٧ ]
لذلك بعد أن انتصب قائمًا-فقد ترك التشهد الأول، وسيأتي حكمه؛ فلو عاد عالماص بأن لا يجوز له العود بطلت صلاته؛ لأنه ترك فرضًا لأجل سنة، وإن كان جاهلًا، قال القاضي الحسين: فالمذصهب: أنها لا تبطل، وهو ما جزم به البندنيجي، وابن الصباغ وكذا المتولي، وقال: إنه إذا علم بعد جلوسه لا يقيم، بل يقوم في الوقت.
وعن أبي إسحاق أنه تبطل صلاته مع الجهل أيضًا؛ لأنه أتى بعمل طويل في صلاته على وجه العمد، ووجهه البغوي بأنه غير معذور بترك التعلم. ومقتضى التعليلين أنه لو عاد ناسيا ًلا تبطل جزمًا، وبه صرح الرافعي.
قال الماوردي: والأصح الأول؛ لأنه لمي قصد بعمله منافاة الصلاة؛ فصار كمن قام إلى خامسة.
وقد حكى الرافعي عن رواية أبي الحسين، عن بعض الأصحاب أنه إذا تذكر بعد الانتصاب، ولم يشرع في القراءة-يجوز له العود، ولو شرع يها فلا، كمذهب الإمام أحمد.
قال الرافعي: والخالف فيما إذا جلس للتشهد في محله، لكنه لم يأت بهن وانتهض للقيام ناسيًا أنه لم يأت به، في عوده وسجوده للسهو- كالخلاف فيما إذا انتهض للقيام ولم يجلس أصلًا، وقد ذكرناه.
وهذا كله في المنفرد والإمام، أما المأموم إذا طرأ ذلك لإمامه فسنذكره.
فرع: لو كان يصلي قاعدًا، فافتتح بعد الثانية القراءة: فإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد، وجاء وقت الثالثة-لم يعد بعد [ذلك] إلى قراءة التشهد في أصح الوجهين، وإن سبق لسانه إلى القراءة، وهو عالم بأنه لم يتشهد فله العود إلى قراءة التشهد.
قال: وإن ترك التشهد الأول، أو الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وقلنا: إنه سنة فيه، او ترك القنوت، أي: حيث يشرع، وهو في الأخيرة من الصبح، أو في الأخيرة من الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان- سجد للسهو.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
هذا الفصل ينظم ثلاث مسائل:
الأولى: إذا ترك التشهد الأول فإنه يسجد للسهو؛ لما روى أبو داومد، عن عبد الله بن بحينة قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم قام؛ ولم يجلس؛ فلما قضى صلاته، وانتظرنا التسليم-كبر، فسجد سجدتين وهو جالس قبل السلام، ثم سلم" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية: "وكان منا المتشهد في قيامه".
وخبر المغيرة بن شعبة السالف يدل عليه أيضًا.
الثانية: إذا ترك الصالة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وقلنا: إنه سنة فيه-سجد للسهو؛ لأن ترك الصلاة عليه عمدًا في الأخير يبطل الصلاة؛ كترك التشهد فيه عمدًا؛ فوجب أن يكون تركها في التشهد الأول كتركه فيه حتى يشرع له السجود.
وفي "الحاوي" في "صفة الصلاة" حكاية وجه آخر: أنه لا يسجد عند تركها؛ [لأنه تبع للتشهد فلا تشهد لتركه، وإن سجد لترك التشهد]، وإن قلنا: إنه سنة. أما إذا قلنا: إنه ليس بسنة فيه فلا يسجد
الثالثة: إذا ترك القنوت حيث يشرع-كما ذكرنا- سجد للسهو؛ لأن تطويل محل القنوت [مشروع لأجل القنوت] أصلًا لا تبعًا؛ فاقتضى السجود بتركه؛ كالتشهد الأول، والصلاة على النبي ﷺ فيه؛ فإن المحل لما كان مشروعًا لهما قصدًا سجد لتركهما، وبهذا خالف ما ذكرناه من [باقي] سنن الصلاة؛ فإنه لا يسجد لها على الجديد؛ فإنها إنما تقع تبعًا لغيرها، أو على وجه الهيئة له؛ فإن دعاء الاستفتاح يراد للافتتاح والتعوذ للقراءة، وقراءة السورة تبع للفاتحة في
[ ٣ / ٤٧٩ ]
محلها، والتكبيرات هيئات للرفع والخفض، والتسبيحات هيئات للركوع والسجود تسقط بسقوط محلها.
والغزالي قال: إنما اختص السجود بما ذكرناه؛ لأنه تعلق به شعار [ظاهر] خاص بالصلاة.
واحترز بقوله: "خاص بالصلاة" عن تكبيرات العيد؛ فإنها وإن كانت من الشعائر [الظاهرة] لكنها لا تختص بالصلاة؛ فإنها تشرع في الخطبتين، وفي أيام العيد.
والصلاة على الآل، إذا قلنا باستحبابها في التشهد الأخير يلحقه بالصلاة على النبي ﷺ إذا تركها في الأول.
وقد اختار القاضي الحسين أنه يسجد لترك السورة؛ لأنها سنة مؤكدة. قال: ولعلها [آكد من القنوت] والتشهد الأول؛ فإنه﵇قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها".
وعن الداركي [ذكر] وجه فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود: أنه يسجد للسهو. وهذا تفريع على الجديد، وألا فقد حكى ابن الصباغ، عن رواية أبي إسحاق عن القديم: أنه يسجد لترك جميع السنن، وقال: إنه مرجوع عنه، والمستقر: أنه يسجد لما ذكرناه فقط؛ ولأجله سمي أبعاضًا؛ لأنه أقل من السنن التي لا يتعلق بتركها السجود؛ إذ "البعض" إذا أطلق وقع على الجزء الأقل.
وقيل غير ذلك؛ كما ذكرناه في باب فروض الصلاة.
فرع: إذا هوى إلى السجود، وترك القنوت؛ فهل يعود إلى الانتصاب ليقنت أم لا؟ حكمه حكم ما لو نهض للقيام في موضع القعود، والسجود ههنا كالانتصاب ثم، والطريقة المفصلة بين ان ينتهي إلى حد الراكعين أم لا، مكتفية هاهنا بأقل الركوع؛ لأنه أول ما يأتي عليه الأخذ في الانحناء للسجود، بخلافما ذكرناه ثم؛ فإن أكمل الركوع أول ما يأتي عليه الراكع.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
ثم لا فرق في السجود عند ترك التشهد والقنوت والصلاة على النبي ﷺ بين ان يتركه عمدًا أو سهوًا؛ لأن ما تعلق الجبران بسهو" تعلق بعمده؛ كما في الإحرام، ولان المتعمد إلى الجبر أحوج، وهذا ما أورده الفوراني.
قال الشيخ: وقيل: إن ترك ذلك عمدًا لم يسجد؛ لأن السجود مضاف إلى السهو شرعًا؛ فلا يثبت بدونه؛ كما أن سجود التلاوة لما كان مضافًا إلى التلاوة لا يثبت بدونها، وهذا ما حكاه ابن الصباغ وغيره قولًا، وهو في "المهذب" محكيوجهًا، نسيه البندنيجي إلى أبي إسحاق، وقال في "الوجيز": إنه الأظهر.
والمذهب المنصوص: الأول، وهوالأصح عند عامة الأصحاب؛ لما ذكرناه، وبعضهم قطع به، ونسب القائل بخلافه إلى الغلط.
قالوا: وإضافة السجود إلى السهود لا تنافي شرعيته في العمد؛ كفدية الأذى؛ فإنها مضافة إلى "الأذى"، وتجب بحلق الشعر من غير أذى.
ثم كلام الشيخ يفهم أنه لو ترك الجلوس للتشهد الأول، أو القيام للقنوت دونهما بأن يكون لا يحسنهما- أنه لا يسجد للسهو، والبندنيجي والبغوي وغيرهما قالوا: إن السجود يتعلق بترك الجلوس للتشهد الأولن [وبترك التشهد الأول]، وكذا بترك القنوت، وبترك القيام له، وحينئذ فيكون ما يتعلق به السجود أربعة أشياء متفق عليها، واثنان مختلف فيهما: وهو الصلاة على النبي ﷺ في الأول، وعلى آله في الأخير.
وقد نوقش الغزالي لجل ذلك في عدها خمسة.
والجواب عن الشيخ: أنه جرى على الغالب. والله أعلم.،
قال: وإن سها سهوين أو أكثر، أي: من نوع واحد أو [من] أنواع- كفاه للجميع سجدتان؛ لقصة ذي اليدين، وقصة الخرباق؛ فإنها اشتملت على أكثر من سهو واحد، واقتصر النبي ﷺ على سجدتين، ولأن السهو شبيه بالأحداث، وهي تتداخل.
وأيضًا فذاك فائدة التأخير إلى آخر الصلاة.
[ ٣ / ٤٨١ ]
قإن قيل: قد روى ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل سهو سجدتان".
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن راويه زهير بن أسلم، وهو مجهول.
[والثاني:] أنا نحمله على بيان ما يسجد لأجله، كثيرًا كان السهو أو قليلًا؛ كقوله﵇-:"لكل ذنب توبة" أي: لا تختص التوبة ببعض الذنوب دون بعض، بل تعم كل الذنوب.
ثم ما ذكره الشيخ لا خلاف فيه إذا لم يتخلل السهوين حالة اقتداء؛ فإن تخللهما حالة اقتداء فسنذكره.
قال الأصحاب: وقد يتعدد السجود للسهو صورة في الصلاة الواحدة مرتين فأكثر، فمن القسم الأول إذا صلى الجمعة؛ فسها وسجد، ثم دخل وقت العصر قبل السلام-يعيد السجود قبل السلام؛ [ناء على أنها تنقلب ظهرا]، وكذا إذا صلى الصلاة المقصورة، وسها فيها؛ فسجد في آخرها، ثم وصل إلى وطنه، او نوى الإتمام قبل السلام-يعيد السجود، والمسبوق إذا سجد مع إمامه يعيد السجود آخر صلاته على الجديد، وكذا إذا سها اشخص؛ فسجد، ثم سها قبل السلام-يعيده على وجه سلف، وكذا إذا ظن انه ترك القنوت؛ فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يتركه-فإنه يعيد السجود على أصح الوجهين، وبه جزم القاضي الحسين والمتولي؛ لأنه زاد سجدتين سهوًا؛ فاحتاج إلى جبرهما بالسجود، ومقابله: لاي حتاج، قال الشيخ أبو محمد: لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة؛ فيجبر نفسه؛ كما يجبر غيره.
وصار كالشاة من الأربعين تزكى نفسها وغيرهان ولو كانت المسالة بحالها،
[ ٣ / ٤٨٢ ]
فظن أنه ترك القنوت؛ فسجد، فبان أنه لم يتركه، لكنه سها عن شيء آخر: فهل يعيد السجود؟ فيه جوابان للقاضي، وأظهرهما: لا؛ لأنه قصد جبر الخلل، وهو يجبر كل خلل.
قال: وإن سها خلف الإمام لم يسجد؛ لقوله -﵇-:"ليس على من خلف الإمام سهو؛ فإذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه" رواه الدارقطني، عن رواية ابن عمر.
وقد تكلم معاوية بن الحكم في الصلاة خلف النبي ﷺ ولم يأمره بالسجود.
ثم في قوله الشيخ: "خلف الإمام" أراد به الخلفية في تبعيته في الأفعال لا في الموقف؛ لأن الواقف إلى جنبه كذلك.
وفيه احتراز عن مذهب أبي علي بن خيران، في أن من لم يكن خلف الإمام، لكن مقتديًا به في قدوة حكمية، كالطائفة الثانية في صلاة "ذات الرقاع" إذا خرجت إلى وجه العدو؛ فإنها إذا سهت في الركعة التي تأتي بها- لا يتحمل عنها عنده، وكذا المزحوم في الصلاة إذا سها فيما يأتي به حيث تكون القدوة حكمية-كما ستعرفه-لا يتحمل عنه الإمام على رأي، والمنصوص خلاف
[ ٣ / ٤٨٣ ]
ما قاله ابن خيران، كما ستعرفه.
ويندرج فيما ذكره الشيخ صورتان:
أحداهما: إذا سمع المأموم صوتًا؛ فظن أن الإمام سلم؛ فقام، وأتى بما عليه وجلس، والإمام بعد في صلاته-لا يعتد له بذلك، ولا سجود عليه؛ لان القدوة باقية؛ فإذا سلم الإمام تدارك ما عليه، ولو علم في القيام أن الإمام لم يتحلل ليرجع؛ فلوسلم الإمام حالة علمه بذلك فهل يجلس ثم يقوم، أو يستمر قائمًا ويبتدئ قراءة الفاتحة؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب" وغيره، وبنوا عليهما-كما قال الرافعي-ما لوسلم الإمام، ولم يتنبه لذلك حتى أتم الركعة؛ فقالوا: إن جوزنا المضي فركعته صحيحة، أي: إذا كانت القراءة بعد السلام، ولا يسجد للسهو، وإن قلنا: عليه القعود، لم تحسب له، ويسجد للسهو؛ لزيادته في الصلاة بعد تسليم الإمام.
[الثانية]: إذا كان المأموم في التشهد، وتيقن أنه ترك الفاتحة في ركعة من الصلاة، وقلنا: لا تسقط القراءة عنه-فإذا سلم الإمام قام، وأتى بركعة، ولا سجود عليه.
ولو كان قبل سلام الإمام شك هل ترك القراءة، أم لا؟ قال القاضي الحسين: فعليه بعد سلام امام، أن يأتي بركعة. وهل يسجد للسهو؟ كنت أقول: نعم؛ لأنه ما يتأتى بعد سلام الإمام زيادة في أحد محتمليه؛ فإن من الجائز أنه لم يتركها؛ فيلزمه سجود السهو؛ كالمسبوق إذا سها في قضاء ما فاته. ثم رجعت، وقلت: لا
[ ٣ / ٤٨٤ ]
يلزمه؛ لأن هذه الركعة التي يفعلها بعد سلام الإمام صادرة عن تشكيك صدر في حالة الاقتداء؛ فلم يسجد؛ اعتبارًا بتلك الحال.
قال: وإن سها إمامه-[أي: بعد اقتدائه به أو قبله]-تابعه في السجود؛ للخبر السابق، ولقوله﵇-: "فإذا سجد فاسجدوا".
وحكى القاضي الحسين وجهًا: أن املسبوق لا يلزمه أن يتابعه [في السجود، سواء سها قبل اقتدائه [به] أو بعده، وقدحكاه الإمام وغيره عن رواية الصيدلاني عن بعض الأصحاب.
ووجهه: أنه لاي عتد له به؛ فإنه يأتي آخر صلاته؛ فلا حاجة [به] إليه.
ورأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب وجهًا فيما إذا كان سهوه قبل اقتدائه به: أنه لا يتابعه فيه، بخلاف ما إذا كان بعد اقتدائه.
وقال الإمام: إنه الظاهر]. وبه يحصل في السألة ثلاثةأوجه، أصحها- وهو الذي لم يورد الجمهور سواه-:ما ذكره الشيخ، وبعضهم ادعى الإجماع عليه، وهو محمول على ما إذا لم يكن مسبوقًا.
واحتج الأصحاب على المخالف في المسبوق بأنه يجب عليه متابعة الإمام فيما لاي عتد له به، وهو إذا أدركه بعد الرفع من الركوع؛ كذا هاهنا، وعلى هذا: إذا لم يتابعه في السجود بطلت صلته، صرح به الإمام والقاضي الحسين وغيرهما من المراوزة.
قال الرافعي: ولا فرق بين أن يعرف المأموم سهوه أو لم يعرفه، وهذا بخلاف ما لو قام إلى ركعة خامسة لا يتابعه؛ حملًا على أنه ترك ركنًا [من
[ ٣ / ٤٨٥ ]
ركعة]؛ لأنه لم يتحقق الحال، ثم لم يكن له متابعته؛ لإتمامه صلاة نفسه يقينًا.
ثم هذا فيما إذا كان سجوده قبل السلام، اما لو كان بعده على القول القديم، فلا يتابعه فيه؛ لأن القدوة قد انقطعت عندنا بسلامه؛ فلا يعود بسجوده بعد السلام؛ فلو تابعه في السجود مع العلم بطلت صلاته؛ قال الماوردي.
نعم، لو كانقد سلم ناسيًا، وقلنا: إن السجود قبل السلما، فتذكر الإمام سهوه عن سجود السهو قبل سلام القوم؛ فسجد- فهل يجب على المأموم متابعته فيه؟ قال القاضي الحسين: ذلك ينبني على أن الإمام هل عاد إلى حكم الصلاة أم لا؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: عاد، لزمته متابعته، وألا فلا. والخلاف جار فيما لو سل الإمام والمأموم أيضًا جاهلين.
ولو كان الإمام سلم ساهيًا، وسلم المأموم عالمًا بسهوه، فعاد الإمام وسجد-لا يتابعه [المأموم] وجهًا واحدًا. وكذا لو كان الإمام قد سلم ساهيًا، ثم سجد المأموم سجدة، ثم تذكر الإمام؛ فسجد-لا يتابعه وجهًا واحدًا؛ لأنه يؤدي إلى زيادة سجدة في الصلاة، قال القاضي الحسين: ولو لم يسه الإمام، لكنه ظن أنه سها، وتيقن المأموم أنه مخطئ في ذلك، كما إذاظن أن الإمام ترك الأبعاض، والمأوم يعلم أنه أتى بها- فلا يوافقه في السجود.
فرع: إذا سجد الإمام إحدى سجدتي السهو، وأدركه مسبوق فيها فقط، ثم أحدث الإمام، وانصرف-فهل يتم المسبوق السجود، ثم يمشي على ترتيب صلاته، أو لا يتم ويبني على ترتيب صلاته من حين حدث الإمام؟ فيه وجهان:
الذي ذكره عامة أصحابنا -كما قال أبو الطيب-: الثاني.
وقال ابن أبي هريرة بالأول.
قال: وإن ترك الإمام، أي: بأن سلم، وانفصل، ولم يسجد عامدًا أو ساهيًا، أو كان يعتقد أنه بعد السلام، والمأموم يعتقد أنه قبله- كما قال أبو الطيب سجد
[ ٣ / ٤٨٦ ]
المأموم؛ جبرًا للخلل الواقع في صلاته؛ بسبب ارتباطها بصلاة الإمام.
وقال المزني، والبويطي، وأبو حفص بن الوكيل، وطائفة من الأصحاب-كما قال الغزالي-: إنه لا يسجد، قال الإمام: وهو منقاس.
وقد احتج المزني له بأنه لم يسه، وإنما سها أمام، وسجوده معه كان للمتابعة؛ فإذا لم يسجد التابع فالمتبوع أولى، قال الأصحاب: وهذه العلة تبطل بمن سمع قارئًا يقرأ السجدة، ولم يسجد القارئ؛ فإن السامع يسجد، وليس هو التالس، والسجود يسقط عن التالي بتركه إياه. وهذا فيه نظر؛ لأن من الأصحاب من يقول: إن التالي لا يسجد أيضًا-كما تقدم-فيجوز أن يكون الخصم قائلًا به.
واحتج أبو حفص وغيره بأن المأموم يلزمه متابعة الإمام في ترك النفل، وهذا نفل.
قال الأصحاب: وهذا لا يصح؛ لأن بسلام الإمام انقطعت القدوة؛ فلا تلزمه المتابعة بعده؛ ولهذا له أن يطيل الدعاء ما شاء، ولو سها المأموم في هذه الحالة لم يتحمل الإمام سهوه، وعلى هذا: لو ترك الإمام سجدة من سجدتي السهو سجد المأموم الثانية؛ حملًا على أنه نسي.
وهذا كله إذا بان الإمام متطهرًا، وهو موافق للمأموم في أن سجود السهو متوجه؛ فلو بان أن الإمام محدث لم يسجد المأموم، وفيه نظر؛ فإن الصلاة خلف المحدث جماعة.
ولو كان الإمام يعتقد أن لا سجود عليه، والمأموم يعتقد توجه السجود عليه، أو بالعكس: فهل يسجد، والتفريع على المذهب المشهور؟ فيه وجهان ينبنيان على أن النظر إلى اتقاد الإمام أو إلى اعتقاد المأموم؟ وعلى هذا الأصل تنبني صحة صلاة الشافعي خلف الحنفي، وبالعكس، كما ستعرفه في باب صفة الأئمة، والله أعلم.
قال: وإن سبقه الإمام بركعة؛ سجد معه- أي: لسهو حصل بعد اقتدائه به أو قبله- أعاد في آخر صلاته في قوله الجديد؛ لأن الخلل قد تطرق إلى
[ ٣ / ٤٨٧ ]
صلاة المأموم أيضًا؛ بسبب ارتباطها بصلاة الإمام، والجبر بسجود السهو محله آخر الصلاة؛ فتوجه عليه عند إرادته إعادته، وما أتى به مع الإمام فهو للمتابعة، وأشار الشيخ بالجديد إلى أنه منصوص في "المختصر"، وقد عزي إلى "الأم" أيضًا، وهو الأصح في "الحاوي" وغيره.
قال: ولا يعيد في قوله القديم؛ لأن الخلل كما تطرق لصلاة المأموم؛ بسبب سهو الإمام-وجب أن ينجبر بجبره إذا كان الاقتداء باقيًا إلى حين الجبر؛ ولهذا التقييد فائدة تظهر لك من بعد. وهذا القول قد نص عليه في "الإملاء" أيضًا، وهو معدود من الجديد؛ كما قال الرافعي في غير ما موضع، وحينئذ فيكون القولان في الجديد، وقد اختار ما حكاه [الشيخ] عن القديم المزني وصاحب "المرشد".
وقيل: إن اكن سهو الإمام قبل اقتداء المأموم به فلا يعيد قولًا واحدًا؛ لأنه لم يحضر السهو، والصحيح هي الطريقة الأولى باتفاق الأصحاب.
ثم الطريقان مفرعان على المذهب في أن الإمام إذا لم يسجد سجد المأموم، أما إذا قلنا: [إنه] لا يسجد [، فلا يعيد قولًا واحدًا.
وقد احترز الشيخ بقوله: "فسجد معه" عما إذا لم يسجد] معه، أو لم يسجد الإمام؛ فإن المأموم-على الطريقة التي عليها نفرع-يسجد قولًا واحدًا.
فإن قلت: قد قلتم: إنه إذا لم يسجد معه بطلت صلاته؛ فكيف يحسن الاحتراز؟ قلنا: يتصور ذلك بصورتين:
أحداهما: في صلاة الخوف؛ إذا فارقت الطائفة الثانية الإمام قبل التشهد، وقدسها بعد اقتدائها به أو قبله، وتشهد في غيبتها، وسجد للسهو، ثم عادت [إلى القدوة] بعد ذلك؛ فإنه إذا سلم يأتي بالسجود.
والثانية: أن ينوي المسبوق الفارقة قبل سجود الإمام للسهو؛ حيث لا تبطل صلاته.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
فرع: لو سها هذا المسبوق بعد مفارقة الإمام؛ فقد ذكرنا: أن الإمام لا يتحمل عنه هذا السهو، ثم إن كان قد سجد مع الإمام، وقلنا بقوله القديم [ثم]- سجدسجدتين قبل سلامه، وإن قلنا بقول هالجديد فكذلك على الصحيح، وهو المحكي عن نص الشافعي في القديم أيضًا.
ومن أصحابنا من قال: يسجد أربع سجدات: سجدتين لسهو الإمام، وسجدتين لسهوه. وخطئ فيه؛ لأنه يلزمه-إذا سها بالزيادة والنقصان- أن يسجد أربع سجدات، ولا قائل به عندنا، وعلى هذا: لو سها المنفرد في صلاته، ثم دخل مع الإمام، وجوزناه؛ فسا الإمام، ثم سلم، وأتم المأموم صلاته منفردًا؛ لكونها أطول من صلاة الإمام؛ أو لكونه أحرم منفردًان ثم تابع من سبقه بركعة؛ فلم يسجد- ينبني على أن من سها منفردًا، ثم لحق بإمام، هل يتحمل عنه، أم لا؟ وفيه وجهان؛ حكاهما الفوراني، والغزالي في باب صلاة الخوف؛ إلحاقًا لذلك بما إذا سهت الاطئفة الثانية في الركعة الثانية في صلاة ذات الرقاع، واستبعد الإمام الخلاف في هذه الصورة ثم، وقال: الوجه القطع بأن القدوة لا ينعطف حكمها على ما تقدم [من] الانفراد، وهذا ما [أورده الماوردي] والبندنيجي والرافعي هاهنا.
فإن قلنا: يتحمل عنه، كان كالمسألة قبلها؛ فيسجد أربع سجدات [على هذا الوجه الذي عليه نفرع.
وإن قلنا: لا يتحمل عنه سجد ست سجدات]؛ على رأي؛ نظرًا إلى تعدد السهو، وأربعًا- على رأي- نظرًا إلى [أن] السهو الأول والأخير نوع واحد؛ [فانجبر] بسجدتين، والأخير بسجدتين.
والمذهب أنه يكفيه عن الجميع سجدتان.
قال: وإن ترك إمامه فرضًا، أي: ولم يرجع إليه بعد ما نبه عليه-نوى مفارقته، ولم يتابعه؛ لأنه إذا كنا قد تركه عمدًا فقد بطلت صلاته، وخرج عن
[ ٣ / ٤٨٩ ]
كونه إمامًا، وإن كان جاهلًا-ففعله خطأ؛ فلا يتابعه فيه، [فإنه إنما] يتابعه فيما كان من صلاته.
وهذكا لو ارتكب إمامه محظورًا؛ مثل: أن قام إلى خامسة، لا يتابعه؛ لما ذكرناه.
ولا فرق بين ان يكون المأموم قد دخل مع افمام في أول صلاته، أو كان مسبوقًا بركعة؛ لأن أفعال إمامه غير معتد بها فيها؛ فكيف يقتدي به فيها؟!
نعم لو جهل المسبوق أنها خامسة؛ فتابعه فيها، حسبت له؛ فإذا سلم افمام، [سلم] معه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون الإمام قد ترك فرضًا من صلاته؛ لأجله قام إلى خامسة؛ فإنها رابعته، وإذا كان كذلك [فلم لا] يتابعه المأموم فيها؛ كما لو سجد من قيام سجدة، أو في آخر صلاته سجدتين -فإنه يتابعه؛ لاحتمال أنه قرأ آية سجدة، أو سها في صلاته؟!
قيل: أنه لو تحقق أنه ترك ذلك يقينًا، لم يكن له متابعته؛ لأن صلاته قد تمت يقينًا؛ فلا يزيد فيها.
نعم لو تنحنح الإمام؛ فبان منه حرفان، وقلنا: إن ذلك عمدًا يبطل؛ فهل للمأموم متابعته بعد ذلك، او لا؟ فيه وجهان، في "تعليق" القاضي الحسين:
أحدهما: لا؛ لأن الأصل سلامته، وصدور أفعاله عن اختياره.
وأظهرهما: نعم؛ لأن الأصل بقاء العبادة، والظاهر من حاله الاحتراز عن مبطلات الصلاة؛ فيحمل على كونه [مغلوبًا فيه].
والحكم فيما لو ترك الإمام والمأموم فرضًا على وجه النسيان، ثم تذكره المأموم دون الإمام؛ مثل: أن تركا سجدة من الركعة الأخيرة، ثم تذكر المأموم- كام إذا تركه الإمام وحده ابتداء؛ ينوي مفارقته؛ قاله القاضي الحسين، وقال: إنه لا يجوز أن ينتظره [حتى يتذكر أو يسلم. وكلامه فيما إذا قام الإمام إلى ما
[ ٣ / ٤٩٠ ]
يعلمه المأموم زائدًا أنه لا يتعين عليه المفارقة، بل له أن ينتظره].
ثم ما ذكره الشيخ مصور بما إذا كان الإمام والمأموم يعتقدان أن ما تركه الإمام فرض؛ فلو كان المأموم يعتقده فرضًا دون الإمام؛ كما إذا كان الإمام حفيًا فترك الطمأنينة، أو قراءة الفاتحة [والمأموم شافعيًا]، وقلنا: يصح اقتداؤه به لو أتى بالطمأنينة، والفاتحة؛ فهل ينوي مفارقته، او لا؟ وإذا لم ينو مفارقته؛ فلا يتابعه في تركها، والكلام في هذا مسوق في باب صفة الأئمة، والذي حكاه القاضي الحسين هاهنا: أنه إذا ترك الطمأنينة لا يتابعه فيها؛ بخلاف القراءة؛ لان هذا في ظاهر الأفعال.
قال: وإن ترك فعلًا مسنونًا؛ أي: واشتغل بفرض، لم يخرج به من الصلاة؛ مثل: أن ترك التشهد الأول، أو ترك سجود التلاوة؛ حين [قرأ آية] سجدة- تابعه، ولم يشتغل بفعله؛ لأن متابعة الإمام واجبة؛ فلا تترك لأجل سنة؛ فلو اشتغل بفعله بطلت صلته إن لم ينو مفارقته، وإن نوى مفارقته، جاز؛ على الأصح؛ لأن هذه مفارقة بعذر، صرح به في "التهذيب".
ولو كان الإمام قد ترك التشهد الأول، ولم ينتصب قائمًا، وتابعه المأموم في القيام، ثم عاد الإمام إلى التشهد؛ فهل يتابعه المأموم في العود؟ ينظر: إن لم يكن المأموم قد انتصب أيضًا، تابعه وجوبًا بلا خلاف؛ كما قاله ابن الصباغ والماوردي، وإن كان قد انتصب هو دون إمامه؛ فهل يتابعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه وصل إلى فرض؛ فلا يتركه؛ لاتباع إمامه.
[ ٣ / ٤٩١ ]
وأصحهما في "الحاوي" و"الشامل"، وهو المذهب في تعليق البندنيجي: أن عليه أن يتابعه؛ لأن المأموم يترك الفرض؛ لاتباع إمامه؛ كما لو رفع عن الركوع قبل إمامه؛ فإنه يعود، ويركع معه، وإن كان قد أسقط فرض الركوع.
والوجهان في الجواز، لا في الوجوب، وهذه طريقة الإمام؛ فإنه حكى الوجهين، ثم قال: ولم يوجب أحد الركوع؛ فنه لو قام قصدًان وترك متابعة إمامه في التشهد-لم يقض ببطلان صلاته، وكان في حكم من تقدم على إمامه بركن؛ فانتظره فيه حتى لحقه.
وطريقة الشيخ أبي حامد ومن تبعه: أنهما في الوجوب حتىلو لم يعد-على القول به-بطلت صلاته.
ويجيء من مجموع الطريقين ثلاثة أوجه، ذكرت مثلها في باب صلاة الجماعة، والمذكور منها في "التهذيب" في هذه المسألة هاهنا الوجوب.
ولو كان الإمام قد انتصب قائمًا قبل المأموم ثم عاد الإمام إلى الجلوس جاهلًا-قال في الشامل: فالذي يقتضيه المذهب أن المأموم [لا يرجع؛ لأن المأموم] وإن لم يكن قد انتصب؛ فهو يجب علهي الانتصاب؛ لانتصاب الإمام، ولا معنى لمتابعته في فعل لا يعتد به، وهل ينتظره قائمًا؟
قال القاضي أبو الطيب: نعم.
وقال القاضي الحسين: لا ينتظره قائماص؛ لأن اتظاره فعل لا يعتد به مع طوله؛ فلينو مفارقته، ويتم صلاته لنفسه.
ولو كان الإمام والمأموم قد انتصبا جميعًا قيامًا، ثم عاد الإمام؛ فلا يتابعه في العود؛ لأجل ما ذكرناه، ويفارقه، ولا فرق بين أن يعلم المأموم أنه عاد إلى ذلك عامدًا، او ساهيًا، وصرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهما.
وحكى البغوي في أن المأموم إذا جهل حاله، فهل يجوز أن ينتظره قائمًا؛ حملًا على أنه عاد ناسيًا؟ فيه وجهان، تقدم مثلهما في التنحنح، وهذا [منه]
[ ٣ / ٤٩٢ ]
يدل على أنه لو عرف أنه عاد ساهيًا، لا يفارقه؛ فحصل في المفارقة عند عوده ساهيًا، وجهان.
أما إذا ترك الإمام فعلًا مسنونًا، وانتقل عنه إلى فرض خرج به من الصلاة؛ كما إذا ترك سجود السهو، وسلم؛ فقد ذكرنا أن المأموم يأتي به، وكذا إذا ترك افمام التسليمة الثانية- يأتي بها المأموم؛ إذ لا مخالفة. وقد استثنى بعضهم هذه الصورة من كلام الشيخ، ولا حاجة إليه؛ لأنه لا شيء بعد السلام يتابعه فيه، وليس السلام بفعل؛ حتى يندرج في كلام الشيخ.
فرع: إذا ترك الإمام القنوت؛ لأنه لا يراه؛ فإن علم المقتدي أنه لو قنت سبقه الإمام بالسجود على التفصيل المشهرو فيه؛ فلا يقنت، وإن علم أنه لا يسبقه، وإن قنت؛ فهل يؤثر [له] القنوت؟ فيه قولان كالقولين في تكبيرات العيد، حكاه الإمام في باب تكبير صلاة الجنازة.
قلت: ويشبه أن يكون مأخذ الخلاف أن النظر في الأفعال في الصلاة إلى اعتقاد امام، أوالمقتدي، وفيه خلاف يأتي في باب: صفة الأئمة.
فإن قلنا: النظر إلى اعتقاد الإمام، فلا يقنت؛ كما لو كان المأموم لايراه أيضًا، وألا فيقنت، وحينئذ يظهر أن يقال: إن الإمام لو كان يعتقد مشروعية القنوت، لكنه تركه قصدًا، أو سهوًا، وتمكن منه المأموم من غير مخالفة له فعله قولًا واحدًا؛ لتوافق الاعتقادين.
وأطلق الغزالي والرافعي القول: بأنه لا بأس بانفراده بالقنوت إذا لحقه على القرب.
والقاضي الحسين في باب صلاة المسافر أطلق القول بأن مصلي الصبح، لو اقتدى بمن يصلي الظهر قصرًا أو إتمامًا، وقنت هو انه تبطل صلاته؛ لأن المتابعة فرض، والقنوت نفل، ولعل ذلكمصرو بحالة المخالفة، وهو الظاهر، ثم قال: ولو أخرج نفسه من متابعته، ثم قنت-جاز.
قال الغزالي: ولا بأس بانفراده بجلسة الاستراحة؛ كما لا بأس بزيادتها في غير موضعها.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
قال: وسجود السهو سنة؛ لأنه ينوب عن المسنون دون المفروض، والبدل في الأصول على حكم مبدله، أو أخف؛ فلما كان المبدل مسنونًا- وجب أن يكون البدل مسنونًا؛ ولأنه سجود يثبت فعله؛ بسبب حادث في الصلاة؛ فوجب أن يكون [مسنونًا]؛ كسجود التلاوة وقد قال ﵇: "كانت الركعة والسجدتان نافلة [له] ".
فإن قيل: قوله ﵇: "وليسجد سجدتين" أمر، وظاهره الوجوب، وهو جبران نقص في عبادة؛ فوجب أن يكون واجبًا؛ كما في الحج.
قيل: صرفنا عن الظاهر من الخبر ما ذكرناه من الخبر، وأما الحج فإنما
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وجب جبرانه؛ لكونه بدلًا من واجب، وليس كذلك سجود السهو.
قال: فإن ترك جاز؛ لأن السنة يجوز تركها، ثم هو سجدتان بينهما جلسة، يسن في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورك.
قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما، وذلك يشعر بأن المحبوب فيهما هوالمحبوب في سجدات صلب الصلاة.
قلت: بل صرح في "التتمة" بأنهما كسجدتي الصلاة في الذكر، ووضع الجبهة على الأرض، والطمأنينة، والتسبيح، وإطالة الذكر حتى يرفع منهما.
قال الرافعي: وسمعت بعض الأئمة يحكي أنه يستحب أن يقول فيهما: "سبحان من لا ينام، ولا يسهو"، وهو لائق بالحال.
قال: ومحله قبل السلام؛ أي: وبعد التشهد الأخير والصلاة فيه على النبي ﷺ [وعلى] آله؛ لحديث معاوية بن الحكم، وابن بحينة، وقد تقدما في الباب.
وقد روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم؛ فلم يدر كم صلى؟ زاد أو نقص؛ فليسجد سجدتي السهو، [وهو جالس]، ثم يسلم".
ولأنه سجود عن سبب وقع في صلاته؛ فوجب أن يكون محله في الصلاة؛ قياسًا على سجود التلاوة؛ ولأنه جبران الصلاة؛ فوجب أن يكون محله في الصلاة؛ كمن نسي سجدة منها.
قال: وقال في موضع آخر: إن كان السهو زيادة، فمحله بعد السلام؛ لأنه ﵇ في قصة ذي اليدين- سجد بعد السلام؛ كما رواه ابن بحينة؛ لأن ذلك بسبب النقص؛ فدل على اختلاف محله؛ لاختلاف سببه؛ ولأن سجود السهو جبران؛ فإاذ كان لنقصان اقتضى أن يكون قبل السلام؛
[ ٣ / ٤٩٥ ]
لتكمل به الصلاة، وإن كان لزيادة أوقعه بعد السلام؛ لكمال الصلاة، وهذا ما أشار إليه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك"، وهو المنقول عن مالك، والمزني﵏واختاره ابن المنذر.
فإذا قلنا به، وكان قدسها سهوين: أحدهما: زيادة، والآخر: نقصان.
قال في "التتمة": يسجد قبل السلام؛ لأنه صحيح بالاتفاق؛ فإن الذين ذهبوا إلى أنه بعد السلام في الزيادة قالوا بصحته قبله، وأما السجود بع السلام؛ فمختلف فيه؛ فإن الذين قالوا بأنه قبل السلام إذا سجد بعده لا يصح سجوده. وهذا فيه كلام يأتي.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وسجوده﵇في قصة ذي اليدين بعد السلام؛ لأنه نسي السهو، ثم ذكره بعد السلام، فأتى به إذ ذاك، والزيادة نقص من حيث المعنى؛ كما في الأصبع الزائد، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون قبل السلام؛ كالنقص المحقق.
فإن قيل: قد روي [أنه] ﵇ [قال]: "لكل سهو سجدتان بعد السلام". وروي أن ابن مسعود سها في صلاته؛ فسجد سجدتي السهو بعد السلام، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. وهذان يقتضيان أن محله بعد السلام، زيادة كان أو نقصانًا؛ ولأن السلام من الصلاة؛ فوجب أن يكون سجوده للسهو بعده؛ كسائر أركان الصلاة.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
قيل: ما ذكره من الأخبار منسوخ؛ لقول الزهري: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام. ولا يقول الزهري ذلك إلا عن سماع من الصحابة.
ويؤيده ما رواه ابن المنذر بإسناده: أنا أبا هريرة كان يأمر بسجدتي السهو قبل السلام، وهو راوي قصة ذي اليدين، وسائر أفعال الصلاة لايخرج بها منها؛ ولذلك قلنا: يأتي بالسجود بعدها، ولا كذلك السلام؛ فإنه يخرج به من الصلاة.
وقد حكى عن القديم قول آخر: أنه يتخير بين تقديمه على السلام وتأخيره عنه، زيادة كان السهو أو نقصانًا؛ لتقابل الأخبار.
وما ذكره الزهري فلا حجة فيه؛ لان الفعل لا يدل على نفي جواز الأول.
قال الروياني في "تلخيصه": وهذا أخذ من قول المزني: سمعت الشافعي يقول: إذا كانت سجدتا السهوبعد السلام تشهد لهما، وإن كانتا قبل السلام كفاه التشهد الأول.
وقال الطبري: إن أبا علي ذكر هذا في "الشرح" من تخريج الأصحاب، وأن الشافعي أشار إليه في القديم، ونقله المزني إلى "الجامع الكبير"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال، ثم هي في الجواز والاعتداد به، أو [في] الاستحباب؟ فيه وجهان في "النهاية":
أصحهما-عند بعضهم- الأول، وادعى الإمام، والرافعي: أنه المشهور بين الأصحاب، قال الإمام: وعليه التفريع.
والذي حكاه الماوردي: الثاني، وادعى أنه [لا] خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون، وهذه الطريقة حكاها ابن كج أيضًا، وحينئذ يكون التقديم أفضل في قول، والتأخير أفضل عند السهو بالزيادة دون النقصان.
والثالث: أن التقديم والتأخير في الفضل سواء، زيادة كان السهو، أو نقصانًا، كذا صرح به الإمام.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
وقد أفهم كلام الشيخ أنه على القولني لا يتشهد بعد السجود؛ إذ لو كان يشرع عنده لذكره، وما حكيناه عن رواية المزني سماعًا من الشافعي صريح في أنه إن كان نيل السلام لا يتشهد بعده، وإن كان بعد السلام تشهد، وقد حكى هذا النص أيضًا القاضي الحسين.
واتفق الأصحاب على العمل به [فيما] إذا كان السجود قبل السلام، بل ادعى الماوردي أنه لا خلاف فيه بين العلماء، وأما إذا كان السجود بعد السلام، فقد اختلف الأصحاب فيه:
فمنهم من عمل بظاهر النص فيه أيضًا، وقال: الشافعي قصد بذلك بيان حكمة المسألة. وهذا اختيار أبي زيد؛ كما قال الرويانين وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، وجماعة الفقهاء.
فعلى هذا يتشهد بعد سجوده، ويسلم، سواء كنا ممن يرى سجود السهو بعد السلام، أو كان ممن لا يراه؛ فأخره قصدًا.
وقيل: إنه يتشهد أولًا، ثم يسجد، ثميسلم؛ قاله ابن سريج، ويعزي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
والحناطي أثبت هذا الخلاف قولين.
ومنهم من قال: إنما أجاب الشافعي بما ذكره؛ تفريعًا على قوله: إن السجود للزيادة بعد السلام.
قلت: وهذه الطريقة ادعى البندنيجي والروياني أنها المذهب؛ حيث قالا: كل موضع قلنا: إنه يسجد قبل السلام فأخره إلى ما بعده، عامدًا، أو ساهيًا-المذهب: أنه يسلم عقيبه، ولا يتشهد.
وقال ابن الصباغ: إن قائلها أبو علي صاحب "الإفصاح" وأبو غسحاق، وصححاها، وتنسب الأولى إلى صاحب "التلخيص".
ومنهم من قال: [إن] هذا من الشافعي تفريع على مذهب غيره، وإذا كان كذلك، فلا يتشهد لهما.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
والإمام اختصر هذا التطويل، وقال: إذا قلنا: إن سجود السهو بعد السلام، كان حكمه في السجود والتشهد، كحكمه في سجدة التلاوة خارج الصلاة، وقد تقدم.
وأنت إذا تأملت ما حكيناه عن البندنيجي وغيره، عرفت أنه تفريع على أن الخلاف في السجود قبل السلام أو بعده، في الاستحباب، لا في الاعتداد به.
أما إذا قلنا بالطريقة الأخرى، وأنه قبل السلام؛ فإذا أخره إلى ما بعد السلام قصدًا، فقد فوته على نفسه؛ كما ستعرفه.
قال: فإن لم يسجد حتى سلم، ولم يطل الفصل، سجد؛ لما قدمناه من خبر ابن مسعود عند الكلام في زيادة الركوع سهوًا.
قال: وإن طال، ففيه قولان؛ أصحهما: أنه لا يسجد؛ لأنه جبران للصلاة، وما اكن من أحكام الصلاة لا يصح فعله بعد تطاول الزمان؛ فسجود السهو أولى؛ ولأنه لا يجوز أن يقع بين أفعال الصلاة فصل طويل؛ فلا يجوز أن يتأخر الجبران عنها، وهذا كالتسليمة الثانية، فإنها، وإن كانت خارجة عن الصلاة؛ فالشرط ألا تتراخى عن التسليم الأول، وهذا ما نص عليه في الجديد، وهو أحد قوليه في القديم.
ومقابله-وهو الثاني في القديم-: أنه يسجد؛ لأنه جبران لنقص حصل في العبادة؛ فلا يؤثر فيه [طول] الزمان؛ كجبران الخلل الواقع في الإحرام؛ فعلى هذا. أي [وقت] فعله وقع موقعه.
وعلىلأول: فالمرجع في [طول] الصل وقصره إلى العرف.
وحكى البندنيجي والمحاملي وغيرهما قولًا آخر عن القديم: أنه لا يسجد بعد قيامه من المجلس، ويسجد إذا لم يقم، والجديد أن الرجوع إلى العرف؛ كام ذكرناه.
وقد حاول افمام ضبط العرف؛ فقال: إذا مضى زمان يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود؛ قصدًا، أو نسيانًا؛ فهذا فصل طويل، وألا فليس ذلك بفصل طويل. ثم
[ ٣ / ٤٩٩ ]
قال: هذا إذا لم يفارق المجلس؛ فإن فارقه، ثم تذكر على قرب من الزمان؛ فهذا محتمل عندي؛ لأن الزمان قريب، لكنا إن نظرنا إلى العرف فمفارقة المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود؛ لطول الزمان، والذي قاله المحاملي تفريعٌ على أن المرجع إلى العرف أنه لا يضره مفارقة المسجد واستدبار القبلة.
قلت: ويشهد له قصة الخرباق.
وقد أضرب بعضهم عن الكلام هاهنا في بيان طول الفصل وقصره، وأحاله على الكلام في آخر باب فروض الصلاة وسننها من هذا الكتاب، ومستنده في ذلك أن القاضي الحسين لما حكى القولين عند [طول] الفصل وقصره كما ذكرناه قال: وهذان القولان كالقولين فيما [إذا] تذكر عبد السلام أنه ترك فرضًا من الصلاة هل يبني، أو يستأنف؟
[ومنهم من قال: القولان هاهنا، وثم يستأنف] قولًا واحدًا.
والفرق: أن سجود السهو تتم الصلاة دونه؛ لأنه ليس بفرض، وإنما هو سنة، بخلاف الأركان.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن ما ذكره من السجود عند قرب الزمان فالقولان عند طوله مفرعان على أن محله قبل السلام، وبذلك قيده الشارحون لكلامه، ولا يظهر للتقييد معنى؛ فإنا إذا قلنا: إن محله بعد السالم إذا كان السهو زيادة، ولم يطل الزمان -سجد في وقت السجود، وإن طال، ففيه القولان، صرح بهما البندنيجي، وغيره، والإمام حكاهما وجهين عن رواية الصيدلاني، تفريعًا عل الطريقة
[ ٣ / ٥٠٠ ]
المشهورة بزعمه أن الخلاف في الاعتداد بالسجود، وقال: [إنا إذا] قلنا بفوات السجود تنزل منزلة سجود التلاوة إذا فات، وقد ذكرنا قولين في أنها هل تقضي، أم لا؟ فيجري القولان في سجود السهو لا محالة، وحينئذ يكون حاصل ما قيل في المسألة تفريعًا على هذه الطريقة ثلاثة أوجه، أو قولان [ووجه]:
أحدها: يأتي به عند طول الفصل أداء.
والثاني: يأتي به قضاء.
والثالث: لا يأتي به أصلًا.
الأمر الثاني: أنه لا فرق- فيما ذكره- بين أن يكون [عدم] سجوده قبل السلام عمدًا أو سهوًا، وهو كذلك إذا قلنا بأن الخلاف في أنه قبل السلام أو بعده عند الزيادة، في الاستحباب، لا في الاعتداد؛ كما هي طريقة الماوردي، وبه صرح، وكذا البندنيجي، وكلام البندنيجي والروياني وغيرهما السابق يعضده؛ كما أسلفنا التنبيه عليه. أما إذا قلنا: إن الخلاف في الاعتداد به؛ كما ادعى الإمام أنها الطريقة المشهورة، وأن عليها نفرع.
فإن قلنا: إن محله بعد السلام، فقد تقدم حكمه، ويعود الخلاف في أنه هل يتشهد، أو لا؟ وإذا قلنا: يتشهد؛ فهل قبل السجود، أو بعده؟ فيه الوجهان، وبهما صرح في "البيان" و"الزوائد" في هذه الحالة.
وإن قلنا: قبل السلام؛ فإن سلم عامدًا، فقد فوت على نفسه السجود، وإن كان سلامه [قد] صدر، وهو ساه عن السهو؛ فهل يحكم بفوات السجود، أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن سجود السهو سنة، والسلام فرض قد جرى محللًا؛ فلا يعود إلى سنة قبله، وهذا ما مال إليه الإمام، والغزالي في "الفتاوي".
والصحيح: أنه يسجد، وبه قطع الجمهور، وعليه نص الشافعي؛ لأن النبي ﷺ [صلى خمسًا وسلم] ثم عاد وسجد.
[ ٣ / ٥٠١ ]
وعلى هذا فهل يحكم بعوده للصلاة إذا سجد، مع طول الفصل، أو قصره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ بدليل أنه لا يجب عليه إعادة السلام والعود إلى الصلاة لو لم يرد السجود، وهذا أرجح عند البغوي.
ومقابله منسوب إلى أبي زيد، وهو الأصح عند القفال والإمام، وبه قطع الغزالي في "الفتاوى". وسلامه الأول- على هذا- موقوف: فإن عن له أن يسجد تبينا أنه لم يخرج [به] من الصلاة، وإن عن له ألا يسجد تبينا أنه وقع موقعه؛ هكذا أبداه الإمام احتمالًا لنفسه، بعد أن قال: إنه رأى في أدراج كلام الأئمة ترددًا في أنه هل يعيد السلام؟
قلت: ومقتضى وجوب الإعادة أنه لو لم يتذكر إلا بعد طول الفصل أن تبطل، وقد استشعره من بعد. وقال: [الوجه] القطع في هذه الصورة بصحة التحلل.
ثم فائدة الخلاف تظهر فيما إذا أحدث بعد سجوده، وقبل سلامه ثانيًا، أو كان يصلي الجمعة؛ فخرج الوقت قبل السلام، أو مسافرًا؛ فوصل إلى وطنه أو نوى الإتمام قبل السلام.
فإن قلنا: إنه عاد إلى الصلاة، بطلت صلاته عند الحدث، وأتمها ظهرًا فيما إذا خرج الوقت، وكذا الإتمام إذا كان قد نوى القصر، ونحو ذلك.
قال القاضي الحسين: وعلى الوجهين ينبني إعادة التشهد.
فإن قلنا: إنه عاد إلى الصلاة [لم يعده، وإلا أعاده.
وغيره قال: إن قلنا: إنه لا يعود إلى الصلاة]، فهل يتشهد، أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يتشهد؛ كذا حكاهما الرافعي، وصاحب "الزوائد" عن رواية الطبري، وأنهما كالوجهين في سجود التلاوة خارج الصلاة، وهذا عين ما حكيناه عن الإمام من قبل.
قال الرافعي: وقد بنى الأصحاب على الوجهين في أنه هل يعود إلى الصلاة أم
[ ٣ / ٥٠٢ ]
لا أنه هل يكبر للافتتاح، أم لا؟ إن قلنا: إنه يعود إلى الصلاة فلا، وإلا كبر.
وقضية كلام الإمام أن يأتي فيه الوجه الذي سبق في سجود التلاوة.
قال في "التهذيب": والصحيح أنه يسلم، سواء قلنا: يتشهد، أم لا.
ولا خلاف في أنه إذا سلم عامدًا، وقلنا: إنه يسجد بعده؛ فسجد؛ لا يعود إلى الصلاة، صرح به الرافعي، والإمام، وفقهه ظاهر، وكلام الفوراني قد يوهم إجراء الخلاف فيه؛ لأنه قال: لو ترك السجود للسهو، وسلم ناسيًا: إن لم يتطاول الزمان فإنه يتشهد، ويسجد استحبابًا، وإن تطاول فهل يعود؟ فعلى قولين، ولو سلم عامدًا، وترك سجود السهو؛ فهل يعود إلى السجود؟ فعلى وجهين: فإن قلنا: يعود على السجود؛ فهل يعود إلى حكم الصلاة حتى لو أحدث في هذه الحالة تبطل صلاته، أو لا؟ فعلى وجهين، وهل يتشهد مرة ثانية؟ إن قلنا: يعود إلى الأول، فلا يتشهد، وإن قلنا: لا يعود، يتشهد.
فإن قلت: كلام الفوراني هذا مصرح بأنه إذا سلم عامدًا هل يسجد، أم لا؟ فيه وجهان، وهما محكيان في غيره- أيضًا- منسوبان إلى رواية الطبري، وقد جزمتم القول بأنه إذا سلم عامدًا، فقد فوت السجود على نفسه.
قلنا: بل نحن قد حكينا الوجهين أيضًا، لكن بالترتيب والبناء، وذلك لا يخفى على متأمل. والله أعلم.
***
[ ٣ / ٥٠٣ ]