هذا الباب مسوق؛ لبيان الصفات المطلوبة في الإمام ندبًا وشرطًا، ونبه بما ذكره [فيه] على ما لم يذكره من الأضداد؛ إذ بضدها تتبين الأشياء.
قال: السنة أن يؤم القوم [أقرؤهم]، أي: أصحهم قراءة لكتاب الله، وأفقههم، أي: في دين الله.
أشار الشيخ بذلك إلى ما ثبت في الصحيح: روى مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".
وروى البخاري في حديث عمرو بن سلمة الطويل: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا".
[ ٤ / ٣ ]
وروى مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عامر البدري، عن النبي ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء، [فأقدمهم سلمًا"، وفي روأية]: فأقدمهم سنًّا"، ولا يؤم [الرجل] الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه".
فثبت بهذه الأخبار تقديم الأقرأ.
قال الشافعي: والمخاطب بذلك الذين كانوا في عهده، وكان أقرؤهم أفقههم؛ فإنهم كانوا يسلمون كبارًا، ويتفقهون قبل آن يقرءوا؛ فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ؛ فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة - ﵃ - إلا خمسة: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وقيل: عبد الله بن عباس؛ فلذلك ذكر الأقرأ، وأمر بتقديمه، ولم يذكر الأفقه؛ ألا تراه لم يذكر النسب، وهو مما يقدم به؛ لأنهم كلهم كانوا ذوي أنساب.
ويشهد لقول الشافعي: "إن أقرأهم حينئذ أفقههم"، قول ابن مسعود: "كنا لا
[ ٤ / ٤ ]
نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها"، وقول ابن عمر: "ما رأيت السورة تنزل على النبي ﷺ إلا ونعلم أمرها ونهيها".
فإن قلت: هل قول الشافعي: "إن أقرأهم كان أعلمهم"، عام في كل أحد من القراء، أو هو الأغلب؟
قلنا: آثار الإمام إلى الثاني؛ من أجل أن عمر - ﵁ - لم يعد ممن يحفظ القرآن؛ لأنه كان يعسر عليه الحفظ، وهو يفضل على عثمان وعلي - ﵃ - مع حفظهما القرآن، وتفضيله على غيرهما ممن يحفظه أولى؛ لأنه أفضل منهم.
قلت: ويحتمل أن يبقى كلام الشافعي على عمومه؛ لأنا قد ذكرنا آن المراد بالأقرأ: الأصح قراءة، لا أنه الأكثر حفظًا، [وإذا كان كذلك فيجوز أن يكون عمر - ﵁ - أصح قراءة من غيره.
وقد استفدنا مما قاله الإمام: أن المراد بالأقرأ عنده: الأكثر حفظًا]، والذي رأيته في [كلام] بعضهم الأول.
قال: فإن زاد واحد في الفقه، أو القراءة، فهو أولى.
هذا المصل مسوق؛ لبيان مسألتين:
إحداهما: أن يستوي الحضور في القراءة، ويزيد واحد عليهم بالفقه أو فيه؛ فهو أولى.
والثانية: أن يستوي القوم فى الفقه، ويزيد واحد منهم عليهم بالقراءة؛ فهو أولى.
ووجهه في الصورتين امتيازه بالفضل.
وما ذكرناه من لفظ الشيخ هو الذي حفظناه، وقال الشيخ محيي الدين النواوي: إنه الذي ضبطه عن نسخة المصنف، وقد رأيته في نسخة عليها خطه. كذلك قال، ويقع في كثير من النسخ أو أكثرها: "فإن زاد واحد في الفقه والقراءة؛
[ ٤ / ٥ ]
فهو أولى"، والصواب الأول.
قلت: إذ لو لم يكن كذلك، لاحتجنا إلى جعل الواو في قوله: "السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم" بمعنى "أو"؛ دفعًا للتكرار.
قال: وإن زاد واحد في الفقه، أي: مع معرفته [من] القراءة ما يكفيه لصلاته، وزاد آخر في القراءة، أي: مع معرفته من الفقه ما يكفيه لصلاته - فالأفقه أولى؛ لأن عمر قدم على عثمان وعلي؛ لزيادة علمه، مع زيادة قراءتهما عليه، ولأن حاجة الصلاة إلى الفقه أدعى، ولأن ما يحتاج إليه من القراءة فيها محصور، بخلاف الفقه فقد ينوبه في الصلاة ما لا يعلم كيف يفعل فيه إلا بالعلم، ولا يعلمه من لا فقه له.
قال الرافعي: وقد حكى [القاضي] الروياني وغيره وجهًا: أنهما سواء؛ لتقابل الفضيلتين.
قلت: وهذا ما حكاه البندنيجى عن الشافعى [حيث قال: قال الشافعي:] هما سواء، وأيهما [تقدم، فحسن].
قال: والذي قاله الأصحاب: أن الأفقه أولى، وهو ما ادعى ابن الصباغ أن الشافعي أشار إليه؛ فإنه قال: قال الشافعي في كتاب الإمامة: "فإن قدم الفقيه إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة؛ فحسن، وإن قدم القارئ إذا علم ما يلزمه في الصلاة؛ فحسن"، ثم قال بعده: ويشبه أن يكون من كان فقيهًا، وقرأ من القرآن شيئًا أولى؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما يعلم كيف يفعل فيه بالفقه، ولا يعلمه من لا فقه له.
ولا جرم قال الإمام: إن هذا مذهب الشافعي، ﵀.
وقد حكى القاضي أبو الطيب، وابن الصبإغ، عن ابن المنذر أنه اختار تقديم الأقرأ.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة والفقه؛ قدم أشرفهما، وأسنهما؛ لاجتماع فضيلتين دلت عليهما الأخبار فيه، روى الشافعي بسنده أن النبي ﷺ قال:
[ ٤ / ٦ ]
"الأئمة من قريش"، وقال ﵇: "قَدِّموا قريشًا، ولا تَقَدَّموها".
وقال ﷺ في حديث مالك بن الحارث الطويل: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، تم ليؤمكم أكبركم" أخرجه مسلم، وزاد البخارى: "وصلوا كما رأيتمونى أصلى".
[ ٤ / ٧ ]
وروى مسلم، عن مالك أيضًا قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي؛ فلما أردنا الإقفال من عنده قال: "وإذا حضرت الصلاة فأذنا، نم أقيما، وليؤمكما أكبركما".
والشرف الذي آثار إليه الشيخ: الشرف بالنسب.
قال ابن الصباغ: فيقدم بنو هاشم وبنو المطلب على غيرهم من قريش، وتقدم قريش على غيرها.
قال البندنيجي: وتقدم العرب أيضًا على العجم.
وهل يقدم بالانتساب إلى العلماء والصالحين؟
قال الإمام: رأيت في كتب أئمتنا ترددا فيه، والظاهر أن كل نسب معتبر في الكفاءة مرعى هاهنا.
والسن المشار إليه هو الحاصل في الإسلام؛ فمن أسلم من شهر وهو ابن عشرين مقدم على من أسلم بعده وإن كان ابن ثلاثين فأكثر؛ كذا قاله العراقيون، وحكاه الإمام عنهم، واستحسنه، وحكى عن شيحه شيئًا سنذكره.
قال البغوي: ومن أسلم أحد آبائه قبل آباء الآخر؛ فهو المقدم، نعم من أسلم بنفسه أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه عن إسلام من أسلم أبواه؛ لأنه إذا أسلم بنفسه فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، بخلاف الآخر؛ كذا قاله في "التهذيب" أيضًا.
قلت: ويظهر أن يقال: هذا ظاهر إذا كان إسلام من أسلم بنفسه، قبل بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه، [أما إذا كان بعد بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه؛ فالذي يظهر تقديم من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه]، والله أعلم.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والخرف، والسن - قدم أقدمهما هجرة؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاَتلَ ﴾ الآية [الحديد: ١٠].
فإن قيل: الخبر دال على التقديم بالهجرة بعد القراءة، وقد قلتم: إن القراءة في ذلك الوقت تستلزم الفقه، ويقتضي ذلك أن يقدم بها بعدهما؛ فلم قدمتم بالشرف
[ ٤ / ٨ ]
والسن بعدهما، وأخرتم الهجرة؟!
قلنا: لأن الهجرة فضيلة واحدة؛ فإذا وجد في مقابلها فضيلتان، قدمتا عليها، نعم لو وجد في مقابلها إحدى الفضيلتين؛ فهل تقدم، أم لا؟ فيه خلاف سنذكره.
قال الأصحاب: ثم الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تنقطع إلى يوم القيامة؛ فإذا أسلم اثنان، وتقدم أحدهما الآخر في الهجرة؛ فإنا نقدمه عليه في الإمامة، ويقدم أولاد المهاجرين على أولاد غيرهم، [ويقدم أولاد المهاجرين بعضهم على بعض]؛ يتقدم هجرة آبائهم.
قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهما من العراقيين; فإن قيل: قد روي أنه ﵇ قال: "لا هجرة بعد الفتح".
قلنا: أراد بذلك؛ كما قال بعضهم: لا هجرة واجبة، أو لا هجرة [من مكة] إلى المدينة.
[و] كذلك نقول: لأن مكة يعد الفتح صارت دار إسلام.
أو نقول: أراد: لا هجرة كاملة؛ ويدل عليه رواية معاوية، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
قال: فإن استويا فى ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والشرف، والنسب، والهجرة - قدم أورعهما؛ لأن للورع تأثيرًا في تكميل الصلاة.
والمراد به: حسن، الطريقة، والعفة، لا مجرد العدالة المسوغة لقبول الشهادة. وأصل الورع: الكف.
وما ذكره الشيخ هو ما أورده ابن الصباغ، وقال الإمام: إنه الذي يقتضيه قياس المذهب.
[ ٤ / ٩ ]
وحكى البندنيجي [معه] وجهًا عن بعض الأصحاب: أنه يقدم عند الاستواء في القراءة والفقه والشرف والنسب والهجرة، بحسن الوجه.
وسبب هذا الاختلاف قد شرحه القاضى أبو الطيب وغيره، فقال: حكي عن بعض السلف أنه إذا اجتمع إمامان يوجد في كل واحد منهما الشرائط الخمسة - يقدم أصبحهم وجهًا.
واختلف أصحابنا فى ذلك:
فمنهم من قال: أراد بذلك أحسنهم ذكرًا عند الناس في الدين والصلاح؛ لأن الناس شهداء الله في أرضه؛ فإذا شهدوا للرجل بالصلاح، كان دليلًا على أنه صالح عند الله.
ومنهم من قال: أراد أحسنهم وجهًا في الصورة؛ لأن النبي ﷺ قال: "اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه".
وفي "الحاوي" أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "يؤمكم أحسنكم وجهًا؛ فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقًا".
[ ٤ / ١٠ ]
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الوجه ليس بشيء.
واختار الشخ أيو محمد تقديم الأورع على الأفقه، ولم يذكر القاضي الحسين، والمتولي، واليغوي غيره، وقضية ذلك تقديمه على الشرف والسن وغيرهما من طريق الأولى.
قال القاضي: وهذا بخلاف الفتوى؛ فإنه يقدم فيها الأفقه على الأورع.
وزاد فقال: لو اجتمع فقيه [و] قارئ وورع، فالأورع أولى؛ لأن هذه سفارة بين العبد وبين الله - تعالى - وفي السفارات يرجح لها من هو الأوجه هد وقوع الحاجة [إليه]، والأوجه عند الله والأكرم هو الأتقى.
قال: ويحتمل أن يقال: الفقه والقراءة أولى؛ لأن الخبر ورد فيهما، والنبي ﷺ تعرض لهما دون الورع؛ فدل على أنهما أهم، وهذا ما اختاره الإمام.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والشرف، والسن، والهجرة، والورع، أقرع يينهما؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
وقال غيره: يقدم بنظافة الثوب، وحسن السمت، وطِيب النَّعْمة، وحسن الصنعة، من غير ترتيب بين هذه الأشياء.
وفي "التتمة": أنه تقدم النظافة، ثم حسن الصوت، ثم حسن الصورة.
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ، علمت أن الصفات المرجحة عنده في هذه الإمامة ست، وترتيبها كما ذكر، والورع آخرها، وليس في كلامه تصريح بما إذا استويا فى القراءة، والفقه، وأحدهما شريف، والآخر من غير شريف؛ من المقدم منهما؟ وسنذكر ما فيه، والبغوي عد الصفات أيضًا ستًّا، لكنه جعل الورع أولها؛ كما ذكرناه عنه وعن غيره، وجعل الفقه يليه، ثم القراءة، ثم الإسلام مع الهجرة، وقال: إن ذلك مقدم على السن والشرف؛ للخبر؛ فإنه يقتضي تقديم الهجرة، [بعد]، القراءة والفقه؛ فإن استويا في الإسلام والهجرة فالأسن والأنسب لغيره مقدم، وإن كان ثم نسب؛ بأن كان أحدهما ثيخا عجميًّا، والآخر شابًا قرشيًا؛ ففي المقدم منهما قولان.
[ ٤ / ١١ ]
والغزالي وغيره عدوا الصفات خمسًا، وأسقطوا الهجرة من العدة.
والشافعي لم يذكر الورع، وذكر الهجرة مع باقى الصفات؛ فهى خمس عنده أيصًا.
قال الشيخ أيو حامد، وتبعه البندنيجي وغيره: ولا يختلف قوله أن القراءة والفقه يقدمان على باقي الخمس: وهو موافق لما في الكتاب وغيره من كتب العراقيين هاهنا، لكن الإمام قال في كتاب الجنائز: إن العراقيين حكوا عن نص الشافعي: أنه يقدم في صلاة الجنازة الأسن، ويقدم في سائر الصلوات الأفقه، وأن منهم من نقل وخرج، فجعل في كل مسألة قولين، وأن المراوزة لم يذكروا هذا هكذا، بل قطعوا في سائر الصلوات بتقديم الأفقه، وأجروا الخلاف في الجنازة فقط.
[و] على ظاهر النص؛ فالأفقه مقدم على الأقرأ - على المشهور - وفيه ما تقدم، والصفات الثلاث الباقية من الخمس التي ذكرها الشافعي، وهى: النسب، والسن، والهجرة، ما المقدم منها عند وجودها في ثلاثة أشخاص في كل شخص صفة منها؟ فيه قولان:
الجديد: أن المقدم الأسن على النحو الذي ذكرناه.
قال الإمام: وكان شيخي يشير إلى اعتبار الشيخوخة، ويروي فيها أخبارًا؛ مثل: قوله ﵇: "من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم". قال: وهذا يقتضي أنه إذا اجتمع ابن عشرين وابن ثلاثين، وابن العشرين قرشي - فالقرشي مقدم؛ من حيث إن صاحبه ليس شيخًا، ولكن أجمع أئمتنا على أنه لا تعتبر الشيخوخة، بل يكفي كبر السن.
ثم المقدم على الجديد بعد السن - كما ذكرنا - ذو النسب، ثم ذو الهجرة، على النعت الذي ذكرناه، وإلى هذا القول يرشد كلام الشيخ؛ حيث جعل الهجرة
[ ٤ / ١٢ ]
آخر الخمس، وبعدها الورع.
والقديم: أن المقدم ذو النسب، [ثم ذو الهجرة، ثم ذو السن، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروري، والشيخ في "المهذب" وجماعة من الأصحاب؛ كما قال الرافعي؛ مستدلًا بما ذكرناه من الخبرين، وبأن قولي الشافعي متفقان؛ على تقديم النسب] على الهجرة، والهجرة مقدمة على الن في الحديث الذي رواه أبو مسعود [قبله]؛ فيلزم تقديم النسب؛ لأن المقدم على المقدم مقدم، والقائلون بالجديد قالوا: الأخبار واردة بتقديم الأسن؛ فكان العمل بها أولى من العمل بما سواها؛ لأوجه:
أحدها؛ [أن] ما ورد في تقديم الأسن يدل على الحكم بخصوصه، وما ورد في النسب يدل عليه بعمومه؛ لتناوله الإمامة الكبرى والصغرى؛ [فيحتمل قصره على الكبرى، وهو الظاهر.
والثاني: أن اعتبار الن أظهر فى]، مقصود الصلاة؛ لأن سرها الخشوع، والأكبر أخشع غالبًا.
والثالث: أن السن فضيلة في الذات، والنسب خارج.
قلت: ويجوز أن يستأنس في ذلك أيضًا بما روي أنه اجتمع على باب عمر بن الخطاب أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وسلمان الفارسي، وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب؛ فأذن لسلمان، وبلال، وصهيب؛ فتغير وجه أبي سفيان؛ فقال له سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء قوم دعوا ودعيت، فأجابوا، وتأخرت؛ ولئن حسدتهم اليوم على باب عمر؛ لأنت غدا أشد حسدًا لهم على باب الجنة.
وأما كونه - ﵇ - قدم الهجرة على الأسن، فلا ينافي ما ذكرناه؛ لأن المهاجرين في زمنه كانوا من قريش؛ فوجد في حقهم فضيلتان؛ فقدموا على من لم توجد فيهم إلا فضيلة واحدة؛ وهى: السن؛ وبهذا يحصل الجواب أيضًا عما ذكره البغوي من تقديم الذي أسلم وهاجر على السن والشرف؛ لأجل الخبر؛ فإنه إذا كان الغالب في المهاجرين أنهم من قريش؛ فقد اجتمع فيهم
[ ٤ / ١٣ ]
الشرف والإسلام والهجرة؛ فقدموا على من لم يوجد فيهم إلا مجرد السن، أو السن والنسب.
والقاضي الحسين حيث قال: يقدم الأورع، ثم الأفقه، ثم الأقرأ، ثم السبق بالهجرة – قال: ومعنى السبق بالهجر: أن يكون أحدهما أسلم منذ عشر سنين، والآخر أسلم منذ عشرين منة؛ فالذي أسلم منذ عشرين سنة أولى؛ لأنه اكتسب من الطاعات والخيرات ما لم يكتسبه حديث العهد بالإسلام.
وهذا عين تقديم الأسن التفسير الذي ذكره العراقيون، وزعموا أنه القول الجديد، وإذا أردت ضبط الخلاف المحكي عن الشافعي فقل: السن هل هو أوسط الخمس، أو آخرها؟ فيه القولان.
قال الإمام: فإن قلت: الأخبار دلت على ترجيح السن والنسب؛ [فهلا دلت] على استوائهما؟
قلنا: لا سيل إلى ذلك؛ فإن ما يتعلق به ناصر كل قول يشير إلى التقديم؛ لقوله ﵇: "قدموا قريشًا" وقوله: "فأقدمكم سنًا"، فكذا نفهم على القطع إذا نظرنا في مأخذ ذلك أن المسألة على التفضيل والتقديم، [ودلالة الشريعة أين وجدت دالة على ذلك؛ فتعين وجوب التقديم]، ثم ينظر في الأولى، قال: وهذا عن دقيق النظر؛ فليفهم، ووجوه الترجيح قد تقدمت.
قال: وصاحب البيت أحق من غيره، [أى]: إذا اجتمع فيه شرائط الإمامة، سواء كان غيره أكمل منه، أو لا؛ لقوله ﵇؛ "ولا يُؤَّمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه"، ورواية أبي داود: "ولا يؤم الرجل في بيته، ولا فى سلطانه"، والمراد بصاحب البيت: مستحق منافعه، مالكًا كان أو مستأجرا أو مستعيرًا، نعم لو كان الساكن عبدًا؛ فسيده أحق منه، والمكاتب أحق من سيده، وفي المستعير مع المعير تردد جواب القفال: فقال مرة: المعير أولى، وهو الذي حكاه الروياني في تلخيصه عن الشيخ أبي حامد، ولم
[ ٤ / ١٤ ]
يحك البندنيجي وفي "الوجيز" غيره، وهو الأظهر عند الأئمة.
وقال مرة: المستعير أولى؛ فإنه صاحب السكنى، إلى أن ينصرف ويمنع. وهذا ما أورده القاضي الحسين، وتبعه البغوي، وعلى هذا قال الإمام: فالفرق بين المعير والسد مع عبده: أن العيد في سكونه ممتثل أمر مولاه، وسكون العبد من عرض السيد؛ فإنه ملكه؛ فإذا حضر السيد فهو المالك، وإليه ترجع فائدة السكون، [وفائدة السكون] في حق المستعير [إليه]؛ فإذا لم يرجع المعير في العارية؛ فيجوز أن يقدر دوام الحق للمستعير.
وقد حكى الروياني في "تلخيصه" الوجه المذكور في تقديم المستعير، في تقديم العبد على سيده، والذي جزم به المعظم: الأول.
ولا خلاف في أن المعير إذا رجع في العارية فهو أولى.
وسلك الماوردي طريقًا آخر؛ فقال: إذا كان صاحب الدار مثل الحاضرين عنده، فهو أولى، وإن كانوا أقرأ منه فلا حق له في الإمامة، وليس لهم أن يجمعوا إلا بإذنه؛ فإن أذن لأحدهم، فهو أحق إمامتهم، وإن لم يأذن، صلَّوْا فرادى.
ولو كان صاحب الدار امرأة، فلا حق لها في الإمامة إلا بالنساء.
ولو كان مجنونًا أو صبيًا، اسنؤذن وليه؛ فإن أذن لهم جمعوا، وإلا صلوا فرادى.
وقد اختلف في التكرمة المذكورة في الحديث:
فقيل: إنها بساطه، وفراغه، ووسادته؛ قاله ابن رجاء.
وقيل: مائدته.
[ ٤ / ١٥ ]
فرع: لو كان للبيت مالكان، فحضرا، لم يقدم أحدهما إلا بإذن الآخر، ولو حضر أحدهما، فالأمر كما لو كانا حاضرين؛ قاله فى "التهذيب".
قال: وإمام المسجد أحق من غيره، أي: وإن كان أفضل منه؛ للخبر، وقد روي أن ابن عمر كان له مولى يصلي فى مسجده؛ فأتى يومًا إلى المسجد؛ فتأخر مولاه؛ فقال له ابن عمرت تقدم؛ فإنك أحق بمسجدك.
قال: والسلطان أحق من صاحب المنزل، أي: عند إرادة إقامة الصلاة جماعة في منزله؛ كما آثار إليه الإمام - رحمه الله تعالى - لأن ولايته عامة، وفي تقدمه على السلطان خروج عن موجب المتابعة وبذل الطاعة، ولا فرق بين أن يكون أكمل من صاحب المنزل، أو دونه؛ قال ﵇؛ "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا" رواه أبو داود.
وقد صلى ابن عمر، وأنس خلف الحجاج.
وحكى الماوردي وغيره قولًا: أن رب المنزل أحق من السلطان؛ لقوله ﵇: "رب الدار أحق بالدار"، ولأنه مالكها، وأحق الناس يمنافعها؛ فوجب أن يكون أحق الناس بالإمامة فيها؛ لكون الإمامة تصرفًا فيها، وهذا مذكور في القديم.
والجديد، وهو الأصح، وإليه أشار في القديم: الأول، وعلى هذا لو أذن اللطان لغيره، كان أولى، قاله ابن الصباغ.
قال: وإمام المسجد؛ أي؛ السلطان أحق من إمام المسجد، وإن كان دونه؛ لما
[ ٤ / ١٦ ]
ذكرناه من عموم ولايته، وقوله ﵇: "لا يؤم الرجل في سلطانه" يدل عليه أيضًا، ووالي البلد في البلد، وقاضيها مع الرعية، كالسلطان معهم؛ قاله الماوردي وغيره.
وإمامة المسجد تارة تحصل بولاية الإمام، وتارة تحصل بنصب الشخص نفسه إمامًا فى مسجده، وترتضيه الجماعة.
وهذا في مساجد المحال والعشائر والأسواق، وأما في المسجد الجامع للبلد فلا يجوز أن يكون إمامًا إلا بإذن الإمام؛ فإن عدم؛ فارتضى أهل البلد بتقدبم أحدهم؛ جاز حينئذ.
وقد أفهم كلام الشيخ هذا وما قبله، أن ما أسلفه في أول الباب، فيما إذا اجتمع جماعة في صحراء، أو مسجد ليس له إمام راتب، وليس فيهم صاحب ولاية، وكلهم بالغون، مقيمون، أو مسافرون، أحرارٌ، عدولٌ، ليس فيهم ولد زنى، ووقع بينهم تنازع في التقديم.
وقوله: "أحق" و"أولى"، هذه الصيغة في كلام العرب لها معنيان:
أحدهما: استيعاب الحق؛ كقولك: فلان أحق بماله [من غيره]؛ أي: لا حق لغيره فيه، ومثله قولهم: أحق الناس بالصلاة على الميت أبوه، وبإنكاحها أبوها، وصار المقطع أحق به، وشبهه.
والثاني: ترجيح الحق، وإن كان للآخر فيه نصيب؛ كقولك؛ فلان أحسن حالًا من فلان.
[كذا] قاله الأزهري، قال: وعلى الثاني معنى [قول النبي] ﷺ: "الأيم أحق بنفسها من وليها" أي: لا يفتات عليها فيزوجها بغير إذنها، ولم ينف [هذا اللفظ] حق الولي؛ فإنه [هو] العاقد عليها، والناظر لها.
[ ٤ / ١٧ ]
قال: والبالغ أولى من الصبي. هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن إمامة الصبى جائزة فى الصلوات، وذلك مما لا خلاف فيه عندنا، إلا في الجمعة؛ كما سيأتي.
ووجهه: ما روى البخاري، عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماءٍ ممرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان؛ فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه؛ فكنت أحفظ ذلك الكلام؛ فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامها؛ فيقولون: اتركوه وقومه؛ فإنه إن ظهر عليهم؛ فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم؛ فلما قدم، قال: جئتكم والله من عند نبى الله حقًا، قال: صلوا صلاة كذا فى حين كذا، [وصلوا صلاة كذا فى حين كذا]؛ فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أقرؤكم؛ فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموتي يين أيديهم، وأنا ابن ست سنين، [أو سبع سنين].
ولأنه تصح صلاته في النفل؛ فكذا في الفرض، ولا ترد الجمعة على أحد القولين لنا؛ لأنها مختصة بشرائط، دون سائر الصلوات.
الثاني: أن البالغ أولى منه بالإمامة.
ووجهه: أنه أكمل منه، وأكثر احترازًا في صلاته؛ لأنه يخاف العقاب بإخلاله بها، ولا كذلك الصبي.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن الصبي القارئ أولى من البالغ الذي ليس بقارئ، والخير يشهد له.
قال: والحاضر أولى من المسافر، لأن صلاته أتم، ولأنه إذا أم؛ صلى المقيم
[ ٤ / ١٨ ]
معه جمح صلاته، والمسافر يتم.
قال الشافعي: فيحصل له فضيلتان؛ فضيلة الجماعة، وفضيلة الإتمام، [ولا كذلك لو أم المسافر؛ فإنه لا يمكن المقيم الإتيان بجمع صلاته خلفه، والمسافر تفوته فضيلة الإتمام].
قال الأصحاب: ومن هنا أخذ القول بأن الإتمام عند الشافعي - على قول - أفضل من القصر.
ثم المسالة مصورة بما إذا اجتمع جمع ليس فيهم إمام، وبعضهم مقيم وبعضهم مسافر؛ فلو كان معهم إمام فهو أولى وإن كان مسافرًا؛ قاله ابن الصباغ وغيره.
ثم حيث قلنا بتقديم الحاضر؛ فلوتقدم [المسافر]، وأم، فهل يكره؟ فيه قولان: قال في "الأم": كرهته.
وقال في "الإملاء": [لا بأس به.
قال الروياني: وقد قيل: إنه قال في "الإملاء":] المسافر والمقيم سواء. وهو غير صحيح.
قال: والحر أولى من العبد؛ لأن الإمامة منصب جليل؛ فكان الحر بها أليق؛ وكذلك الحرة أولى من الأمة في إمامة النساء؛ لكمالها، وعموم سترها، وهذا من الشيخ مؤذن بصحة إمامة العبد في الفرض والنفل كيف كان، وعليه يدل قوله ﷺ: ["اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة"، أخرجه البخاري.
ولفظ ابن الصباغ والماوردي وغيرهما من الفقهاء في رواية هذا الخبر]: "اسمعوا وأطيعوا، ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة".
[ ٤ / ١٩ ]
قال الماوردي: وقد روي أن عمر بن الخطاب أمر صهيب بن سنان الرومي فصلى بالمهاجرين والأنصار، وكان عبدًا لأنس بن مالك؛ فلم يكره إمامته أحد من الصحابة.
قال الماوردي: ولا يشترط إذن السيد في إمامته، إن كان ما يؤم فيه بقدر صلاته، وإن كان أزيد من ذلك كالجمعة، فلا بد من إذنه.
قال: والعدل أولى من الفاسق؛ لطيب النفس بأنه يأتي بالصلاة على أكمل حال.
ولفظ الشافعي: "وأكره إمامة الفاسق والمظهِرِ للبدع، ولا يعيد من ائتم بهما".
والمراد بالبدعة: بدعة لا يكفر بها، وهذا منه دليل على صحة الصلاة خلفه، وقد وجه ذلك بقول أبي ذر: قال لي رسول الله ﷺ: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: فقلت: ما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها؛ فإذا أدركتها معهم فصل؛ فإنها لك نافلة" أخرجه مسلم.
ورواية أبي داود السالفة تدل عليه أيضًا.
وروى الدارقطني أنه ﵇ قال: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله".
[ ٤ / ٢٠ ]
قال الشافعي: وقد صلى ابن عمر وأنس خلف الحجاج، وكفى به فاسقًا.
قال: لغير ولد الزنى أولى من ولد الزنى؛ لكماله.
ولفظ الشافعي: "وأكره أن ينتصب من لا يعرف أبوه إمامًا"، وإذا كرم إمامة من لا يعرف أبوه؛ فولد الزنى أولى، والشافعي وافق في قوله عمر بن عبد العزيز؛ فإنه روي عنه؛ أنه رأى رجلًا يؤم ناسًا بالعقيق، لا يعرف أبوه فيها؛ فنهاه، ولم ينكر عليه أحد.
وقد اختار ابن المنذر أنه لا تكره إمامته؛ لأنه روي عن عائشة أنها قالت؛ ما عليه من وزر أبويه شيء؛ قال الله [تعالى]: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وأجاب أصحابنا عن ذلك بأي ذنب للعبد [حتى] لا تقبل شهادته، ويُؤَخَّر، إذا اجتمع مع الحر في الصلاة، وكذلك المرأة أي ذنب لها؟
قال: والبصير أولى عندي من الأعمى؛ لأنه أشد توقيًا للنجاسة التي اجتنابها شرط في الصحة، وعِلمًا بالاستقبال، وهذا قد حكاه ابن الصباغ وغيره وجهًا للأصحاب، واختاره في "المرشد".
واختار أبو إسحاق المروري أن الأعمى أولى منه؛ لأنه أخشع، واختاره الغزالي.
قال: وقيل: هما سواء؛ لقابل الفضيلتين، وهذا ما نص عليه في "الأم" في كتاب الإمامة؛ حكاه كذا أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، [ولم يحك] البندنيجي غيره، وكذا الصيدلاني والإمام والبغوي.
وإذا عرفت [ذلك؛ عرفت]، أن الوجهين الالفين مخالفان لنص الشافعي؛
[ ٤ / ٢١ ]
كذا قاله ابن الصباغ.
وقال في الحاوي: إن الشافعي قال: ولا أوثر إمامة الأعمى، ولا أكرهها، ولا أوثر إمامته على غيره، ولا أكره إمامته، وأوثر غيره عليه.
قال: يريد أن إمامة الأعمى والبصير في عدم الكراهة سواء، غير أن إمامة البصير أفضل، وإن كانت إمامة الأعمى لا تكره، وعلى هذا لا يكون ما اختاره الشخ مخالفًا للنص، بل هو النص، ويكون قوله: "عندى" إشارة إلى حمل النص على الحالة التي حمله عليها الماوردي، وعلى هذا لو اجتمع حر ضرير، وعبد بصير، قال الماوردي: فالحر الضرير أولى
قال: ويكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون؛ لقوله ﵇: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، والمرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام يؤم وهم له كارهون" أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن غريب.
وروى أبو داود، عن ابن عمر أنه ﵇ قال: "ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ورجل اعتبد محررًا"، وفي رواية "محرره".
أما إذا كرهه أقلهم، فلا تكره إمامته لهم؛ لأنه لا يخلو أحد ممن يكرهه، وكذا لو كرهه النصف؛ قاله في "الروضة".
لكن في "تعليق" القاضي أبي الطيب أن الشافعي قال: "إذا أم قومًا وفيهم من يكرهه، كرهنا له ذلك، والأفضل ألا يصلي بهم". ثم قال: فإن قيل: قد قال الشافعي: إذا كره بعض الناس القاضي؛ فإن كان من يريده النصف أو أكثر؛ فلا يتخلف عنهم، بل يستخلف عليهم، وإن كان الأكثر يكرهونه، تركهم - هلا قلتم
[ ٤ / ٢٢ ]
فى الإمامة مثله؟
قلنا: الفرق أن القاضي إذا حكم، فنصف الناس يكرهونه؛ لأن من حكم عليه يكرهه، ومن حكم له لا يكرهه؛ فلو قلنا له: اترك القضاء؛ لما ولي أحد القضاء بحال، وليس كذلك إذا قلنا له بترك إمامة من كرهه؛ فإنه لا يؤدي إلى إبطال الإمامة.
وهذا من القاضي يدل على إجراء النص على ظاهره، والقول بالكراهة [ثَمَّ كرره] بعضهم.
ثم الاعتبار في الكراهة بأهل الدين دون غيرهم، حتى قال في "الإحياء": لو كان الأقلون هم أهل الدين والخير، فالنظر إليهم.
وبعضهم يقول: هذه الكراهة منوطة بمن ليس أهلًا للإمامة فيتغلب عليها، ويكره الناس إمامته، أما من هو مستحق لها؛ فاللوم على من كرهه.
وكلام الشيخ الذي اتبع فيه نص الشافعي في "الأم" ينبو عنه؛ إذ لو [كان] هذا مناط الكراهة، لما اختص بالأكثر، بل صور في التتمة المسألة بما إذا كان أهلًا للإمامة، واجتمعت فيه شرائطها.
وقال القاضي الحسين: إن ذلك منوط بما إذا كانوا يكرهون إمامته؛ لمعنى فيه من زنى، أو شرب، ونحوه؛ فأما إذا كانوا يكرهونه من غير موجب، لم يكره له أن يؤم بهم؛ لأن الذنب لهم، ووبال الكراهة عليهم.
وقد ادعى القفال أن محل القول بالكراهة إذا لم يكن منصوبًا من جهة الإمام؛ فإن كان منصوبًا من جهته؛ فلا يبالي بكراهة القوم [له]؛ كذا حكاه عنه الروياني في "وتلخيصه"، ولم يورد الإمام غيره.
قال في "الروضة": [والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه لا فرق بين من نصبه الإمام أو غيره.
ثم هذه الكراهة] الظاهر من كلام الجمهور أنها كراهة تنزيه، وكلام أبي الطيب السالف صريح في ذلك.
[ ٤ / ٢٣ ]
وفي "الحاوي": أن الشافعي قال: ولا يحل لرجل أن يصلي بجماعة وهم له كارهون؛ لأنه قد جاء في الخبر: "لا يصلي أحدكم بقوم وهم له كارهون" [وروي: "ملعون ملعون من صلى بقوم وهم له كارهون]، فإن أمهم أجزأهم وإياه".
فرع: لا يكره - عندنا - أن [يحفر المسجد من يكرهه أهل المسجد؛ حكاه في "الروضة" عن نص الشافعي، والأصحاب، وكذا لا يكره] [أن] يؤم قومًا فيهم أخوه الأكبر، أو أبوه؛ لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبد الله، وأنس بن مالك كان يصلي خلف ابنه أبي بكر، وأمر النبي ﷺ عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه.
قال: ولا تجوز الصلاة خلف كافر؛ لأنه لا صلاة له؛ فكيف يقتدى به، وهذا ينظم من كفره مجمعٌ عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة: كالقائلين بخلق القرآن، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش؛ كما حكاه القاضي الحسين هنا عن نص الشافعي، وقد وقع الكلام في هذا الباب، في كتاب الشهادات؛ فليطلب منه.
فإن قيل: هل تحكمون بإسلام الكافر بصلاته؟
قلنا: إن كانت صلاته في دار الإسلام؛ فلا نحكم به؛ كما لو صام رمضان، وحج البيت، أو صلى منفردًا، ونعزره على ذلك، وإن كانت صلاته في دار الحرب، قال القاضي أبو الطيب - وهو المذكور فى تعليق القاضي الحسين -: عندي أنه يكون مسلمًا؛ كما لو صلى المرتد في دار الحرب؛ فإن الشافعي نص على أنه يكون مسلمًا بذلك.
قال الرافعي: وقد حكي ذلك عن النص. وأشار بذلك [إلى ما] ذكره المتولي؛
[ ٤ / ٢٤ ]
فإنه قال: إن الشافعي نص عليه. لكن ابن الصباغ قال: إنه لم ير ذلك لغير القاضي، نعم لو تلفظ بالشهادتين في الصلاة، فهل نجعله مسلمًا بذلك؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم، وهو الذي جزم به القاضي الحسين، وكذا في الأذان، وصححه الماوردي وغيره.
وقال غيره -[وهو ابن أبي هريرة؛ كما قال القاضي أبو الطيب وغيره-:] لا؛ فإنه يجوز أن يكون [أتى بهما على سيل الحكاية، وهو جار فيما إذا] أتى بهما في الأذان، وفيما إذا أتى بهما من غير استدعاء وإشهاد على نفسه.
قال الماوردي: وهذا القائل يشترط في الحكم يإسلامه بهما أن ينوي بهما الإسلام، ويأتي بهما قاصدًا بإتيانه إظهار الإسلام.
قال: ولا مجنون؛ لأنها إذا لم تصح خلف الكافر مع كونه مكلفًا؛ لعدم صحة صلاته؛ فالمجنون بذلك أولى.
قال: ولا محدث ولا نجس؛ لما ذكرناه.
والمراد بالمحدث: المحدث الذي لم تصح صلاته؛ فكذا بالنجس، وإلا فمن تيمم وصلى صلاة يسقط بها فرضه، يصح الاقتداء به مطلقًا بلا خلاف، وإن كان التيمم لا يرفع حدثه على المذهب، وكذا يصح الاقتداء بالمستجمر، وإن كان لو نزل في ماء قليل نجسه على الأصح. نعم تردد الشيخ أبو محمد في أن من لم يجد ماء، ولا ترابًا، وأمرناه بالصلاة، وقلنا: عليه الإعادة؛ هل يجوز أن يقتدي به [مثله]، أو لا؟
والذي جزم به الماوردي - عند الكلام في ظهور الإمام كافرًا - الصحة، والصحح خلافه، وبه جزم القاضي الحسين؛ كما اقتضاه كلام الشخ.
أما إذا قلنا: لا إعادة عليه؛ فيصح أن يقتدي به من هو مثله، ومن وجد الماء والتراب؛ كما يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم.
قال الرافعي: وفي معنى من لم يجد ماء، ولا ترابًا صلاة المقيم بالتيمم لعدم الماء، وصلاة من أمكنه أن يتعلم الفاتحة، ولم يتعلم، ثم صلى لحق الوقت،
[ ٤ / ٢٥ ]
وصلاة العاري، والمربوط على الخشبة؛ إذا ألزمناهم الإعادة.
قلت: وكذا المحبوس في حش.
وقد نبه الشيخ يقوله؛ "ولا محدث، ولا نجسًا، على أمور:
أحدها: أنه [لا] تجوز الصلاة خلف من أخل بشرط من شرائط الصلاة، مع قدرته عليه؛ كالستارة، واستقبال القبلة، أما إذا لم يكن قادزًا عليهما؛ كمن لم يجد سترة، ولو بطريق العارية، والمصلى في شدة الخوف إلى غير القبلة؛ فيصح الاقتداء به؛ لأن صلاته صحيحة، مسقطة للقضاء - كما تقدم؛ ويأتي - ولما اختلف حال المصلي مكشوف العورة وغير مستقبل القبلة إلى حال يصح الاقتداء به، وإلى حال لا يصح الاقتداء به - لم يعطفه الشيخ على المحدث والنجس.
ومراده بالنجس: المتنجس، وفى معناه حامل النجاسة، والواقف عليها حالة صلاته من غير حائل.
الثاني: أنه لا يجوز لمن اختلف اجتهادهما في الأواني أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ إذا غلب على ظنه أن ما توضأ به نجس؛ لأنه بزعمه محدث ونجس، وذلك يصور فيما إذا وقع في أحد الإناءين نجاسة، واجتهد شخصان فيهما؛ فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما، والآخر إلى طهارة الآخر، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
نعم، لو كانت الأواني ثلاثًا والأشخاص ثلاثة؛ فإن كان الطاهر منها واحدًا، فالحكم كذلك، وإن كان النجس واحدًا فقط، وأدى اجتهاد كل واحد إلى طهارة إناء: فإن غلب على ظن بعضهم طهارة إناء آخر غير الإناء الذي توضأ منه، صح اقتداؤه بمن توضأ به، وامتنع اقتداؤه بالذي توضأ بالإناء الثالث؛ لأنه يعتقد أنه محدث نجس.
وإن لم يغلب على ظنه إلا طهارة ما توضأ منه فقط، قال صاحب "التلخيص": لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه؛ لأنه متردد في أنه محدث ونجس، أو متطهر؛ فلم يصح اقتداؤه به؛ كالخنثى المشكل.
وقال أبو إسحاق وابن الحداد - وهو الأصح - يجوز لكل واحد منهم أن
[ ٤ / ٢٦ ]
يقتدي بواحد من صاحبيه؛ فإذا اقتدى به فى صلاة لا يجوز أن يقتدي بالآخر في صلاة أخرى.
وعلى هذا لو اقتدى يكل واحد في صلاة، قال أبو إسحاق: وجب عليه إعادة الصلاتين؛ لأن إحداهما باطلة لا بعينها؛ فيلزمه قضاؤهما.
وقال ابن الحداد والأكثرون: لا يجب إلا قضاء الثانية فقط؛ فإنه لو اقتصر على الاقتداء بالأول لما كان عليه قضاء.
ونظير الخلاف في هذه المسألة ما إذا باع الوكيل بأكثر مما يتغابن [الناس] بمثله، [فهل يضمن القيمة، أو الزائد على القدر الذي يتغابن بمثله، و] من حيث الصورة ما إذا كان له زوجتان؛ فأرضعت امرأة إحداهما بعد الأخرى؛ هل ينفسخ نكاحهما، أو نكاح الثانية فقط؟
وعن بعضهم: أن محل خلاف أبي إسحاق وغيره في قضاء الصلاتين أو الثانية فقط؛ إذا سمع بينهم صوت، وأنكر كل منهم أن يكون الخارج منه.
أما فى مسألة الأوانى [فلا يجب إلا قضاء الأخيرة فقط [بلا خلاف].
والفرق: أن الاجتهاد في الأواني] جائز؛ فكأن كل واحد اجتهد في إنائه وإناء إمامه إلى أن تتعين النجاسة في الأخير، ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت.
ولا يخفى بعد ما ذكرناه عليك الحكم فيما إذا كثرت الأواني، والمجتهدون.
الثالث - وهو فرع الأول-: لا يجوز لمن اختلف اجتهادهما في القبلة أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ لأنه بزعمه غير مستقبل، والحكم في الجمع هكذا؛ لأن جهة القبلة واحدة.
الرابع: أن صلاة الشافعي خلف حنفى [إذا] توضأ، ومس فرجه - لا تصح؛ لأنه بزعمه محدث، وهو ما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد، وقاسه
[ ٤ / ٢٧ ]
على [اختلاف] اجتهادهما في القبلة.
قال الرافعي: وهو أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر الرويائي في الحلية سواه.
وقال القفال: تصح صلاته خلفه؛ لأن صلاة الإمام صحيحة عند نفسه، وخطؤه عندنا غير مقطيع به؛ فلعل الحق ما ذهب إليه.
والخلاف جار فيما لو صلى الحنفي خلف شافعي على وجه لا يراه الحنفي صحيحًا؛ مثل أن فصد وصلى من غير وضوء.
وحاصله يرجع إلى [أن] الاعتبار في الصحة والفاد باعتقاد المقتدي، أو المقتدى به، وعلى هذا [المأخذ] يخرج ما لو صلى الحنفي على وجه لا يعتقده صحيحًا، فاقتدى به شافعي، وهو يعتقده صحيحًا - فعلى ما ذكره الشيخ أبو حامد يصح اقتداؤه، وعلى ما ذكره القفال: لا يصح. وعليه أيضًا يخرج ما إذا ترك الإمام قراءة الفاتحة، أو الاعتدال في الركوع والسجود؛ لاعتقاده عدم وجوب ذلك، هل يصح اقتداء من يرى وجوب ذلك به، أم لا؟ وسنذكره في الباب، إن شاء الله تحالى.
قال: ولا صلاة رجل ولا خنثى خلف امرأة؛ أما امتناع صلاة الرجل [خلف المرأة]؛ فلقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِسَاءِ﴾ [لنساء: ٣٤].
قال الشافعي - ﵀ -: فقصرن عن أن يكن لهن ولاية، وقيام، ولقوله ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن الله سبحانه".
فإذا أوجب تأخيرهن حرم تقديمهن، وإن صح قوله - ﵇-: "لا تؤمن امرأة رجلأ" أغنى في ذلك.
[ ٤ / ٢٨ ]
وقد حكي عن المزني وأبي ثور أنه يجوز أن تؤم الرجال في صلاة التراويح.
وبعضهم يضيف إلى ذلك شرطًا آخر: ولا يكون ثم قارئ غيرها، وأنها تقف خلفهم.
واحتجا على ذلك بما روي عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها؛ فجعل مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود.
وجه الدلالة منه أنه عام في التراوح وغيرها، وفي الرجال والنساء.
وجوابه: أن الدارقطني قال: إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها، ويجب الحمل على ذلك؛ فإنها كانت تؤم في الفرائض؛ [ولذلك] جعل لها مؤذنًا، والأذان إنما يشرع في الفرائض.
وامتناع صلاة الخنثى [خلفها]، لاحتمال أن يكون رجلًا.
قال: ولا خنثى، أي: ولا تجوز صلاة رجل ولا خنثى خلف الخنثى.
ووجه امتناع صلاة الرجل خلف الخنثى احتمال كون الخنثى امرأة.
ووجه امتناع صلاة الخنثى [خلف الخنثى] احتمال كون الخنثى الذي هو إمام امرأة، والخنثى الذي هو مأموم رجلًا.
ثم هذا مخصوص بالخنثى المشكل، الذي لم تبن رجولته ولا أنوثته؛ فإن بانت ذكورته جاز للرجال الاقتداء به مع الكراهة [وإن بانت أنوثته جاز له الاقتداء بالمرآة مع الكراهة]، ومع الإشكال قال القاضي الحسين والإمام: إنه من المسائل التي يلغز بها: إذا اجتمع جماعة من الخناثى، وأمّهم أحدهم أين يقف؟
واعلم: أن الشيخ لو قال: ولا تجوز صلاة ذكر خلف امرأة ولا خنثى، كان أولى من قوله: "رجل"؛ لأن لفظ "الرجل" مختص بالبالغ، والصبي في هذا كالبالغ؛ نص عليه في "الأم"، ولفظ "الذكر" يشملهما.
[ ٤ / ٢٩ ]
وقد أفهم كلام الشيخ جواز اقتداء المرأة بالخنثى، وذلك جائز اتفاقًا؛ لأنه كيف كان صحت قدوتها به.
قال في "الزوائد": وإذا صلى بنسوة لا يقف وسطهن، [بل] أمامهن، ولا يجوز أن يصلي بهن إلا أن يكون معهن محرم لإحداهن، ولو كثرن فهل تحرم الخلوة بهن؟ فيه وجهان حكاهما القاضي في كتاب الجنايات؛ بناء على أن المرأة إذا أرادت الحج، ووجدت نساء ثقات - هل يقمن مقام المحرم، والمذكور منهما في "البندنيجي": الجواز؛ لأنه قال: يكره للرجل أن يؤم نساء غير محرم لهن، ولا يكره إذا كان محرمًا لهن؛ فإن كان معهن رجل، لم يكره بحال. والذي حكاه الإمام في كتاب الحج، عن [نص الشافعي: المنع؛ فإنه قال:] نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء مفردات؛ فيصلي بهن، إلا أن تكون إحداهن محرمًا له.
قال: [ولا طاهر] خلف المستحاضة؛ لأن طهارتها طهارة ضرورة، وهى حاملة للنجاسة، وهذا ما ادعى أبو الطيب - عند الكلام في إمامة المرأة - أنه المشهور.
قال وقيل: يجور دلك؛ كما تجوز صلاة المستنجي خلف المتجمر، والغاسل للرجلين خلف الماسح للخف، والمتوضئ خلف المتيمم، وهذا أصح في "التهذيب"، و"الكافي" و"الرافعي".
وقال الإمام: إنه الذي كان يقطع به شيخي، وهو مذهب نقلة المذهب، وإن الأول ذكره بعض أئمة العراق، وهو زلل لا أصل له، والخلاف جار في اقتداء من لا سلس بول به بمن به سلس البول؛ قاله القاضي الحسين.
أما من به ذلك، فقد أفهم كلام الشيخ صحة اقتدائه بمثله، وهو نظير ما جزم به الأصحاب فى صحة إمامة الأمي بمثله.
وهذا إذا كانت المستحاضة غير مأمورة بالقضاء، أما إذا أمرناها بقضاء الصلوات؛ بأن كانت ناسية للعادة والوقت، وقلنات [نأخذ بالأحوط -] فيظهر أن
[ ٤ / ٣٠ ]
يكون حكم الصلاة خلفها كالصلاة خلف من لم يجد ماء ولا ترابًا، وقد سبق، ويرشد إلى ذلك تصوير الرافعي محل الخلاف في المستحاضة بالمعتادة، وقد رأيت النواوي في "الروضة" صرح به في كتاب الحيض؛ فقال: لا تجوز صلاة المتحيرة خلف مثلها على الصحيح.
قال: ولا تجوز صلاة قارئ خلف أمي، ولا أخرس، ولا أرت، ولا ألثغ في أحد القولين.
هذا الفصل ينظم أربع مسائل مشتركة في الحكم والتعليل:
فالأولى - وهى الأصل وما بعدها كالفرع لها-: صلاة القارئ، والمراد به هاهنا: من يحفظ الفاتحة، خلف الأمى، والمراد [به] هنا: من لا يحفظ الفاتحة، وإن كان حقيقة فيمن لا يكتب، قارئًا كان أو غير قارئ، سمى بذلك؛ لأنه على الهيئة التي ولدته أمه. وقد قال الشيخ: في صحتها قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لقوله ﵇؛ "يؤم القوم أقرؤهم" فلا يجوز مخالفته؛ بجعل الأقرأ مأمومًا، ولأن الإمام بصدد أن يتحمل عن المأموم القراءة لو أدركه راكعًا، والأمي لا يصلح للتحمل.
والقول الثاني: سكت عنه الشيخ هنا، والمتبادر إلى الفهم منه الجواز مطلقًا، وبه صرح هكذا في "المهذب".
ووجهه: القياس على جواز اقتداء القادر على القيام بالقاعد والمومئ بالركوع والسجود، وإن تورعنا في ذلك، قلنا: اقتداء القائم بالقاعد هو آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ فوجب اتباعه، ونأخذ جواز اقتداء القائم والقاعد بالمومئ بالقياس.
وهذا القول قد اختاره المزني، وابن المنذر، والقاضي أبو الطيب، كما رأيته في "تعليقه"، وادعى الغزالي أنه قول قديم، وهو في ذلك متبع لإمامه، [والقاضي الحسين]؛ فإنه قال هكذا في باب صلاة الإمام قاعدًا.
وغيرهم ذكر عوض هذا القول: أنه لا تصح صلاته خلفه في الجهرية، وتصح
[ ٤ / ٣١ ]
في السرية، وعزوا ذلك إلى نصه في القديم، وهو اختيار المزني، كما قال البندنيجي، وقال [إن] ابن سريج وأبا إسحاق قالا: هذا من الشافعي تفربع على أن المأموم لا يقرأ في الجهرية، ويقرأ في السرية. وأن القول بالصحة خلفه مطلقًا من تخريجهما، خرجاه في الجديد من معنى قوله في القديم؛ لأنه [رعى] القديم حيث جوز وجوب القراءة على المأموم، ومذهبه في الجديد أن القراءة تجب على المأموم في الجهرية والسرية؛ فوجب أن يكون له قول بالجواز مطلقًا، وقد حكاه هكذا الجمهور، وكذا القاضى الحسين فى باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وقال هو والصيدلاني; إن من الأصحاب من لم يثبت هذا القول المخرج، وسبب الاختلاف أن أصحابنا اختلفوا فيما إذا كان للشافعي نصان خالف الأخير منهما الأول هل يكون الآخر رجوعًا عن الأول؛ كما لو صرح بالرجوع عنه، أو لا؟
فمنهم من قال: يكون رجوعًا؛ فعلى هذا: لا يأتي في الجديد إلا قول واحد: أنه لا يصح اقتداء القارئ بالأمي.
ومنهم من قال: [لا] يكون رجوعًا؛ لأنه قد ينص في موضوع واحد على قولين، فيجوز أن يدكرهما متعاقبين؛ فعلى هذا: يكون له قول آخر في الجديد: أنه يصح.
والأصح في الطرق الأول، والفرق بين ذلك وبين اقتداء القاعد والقائم بالمومئ: أن سائر الأركان من القيام والركوع ونحوهما، لا مدخل للتحمل فيها، وكذا الطهارة، بخلاف القراءة.
قال الإمام: ولا يعارض ذلك سقوط القراءة عن المسبوق في القيام؛ فإن القيام تبع للقراءة؛ فإذا سقطت، سقط المحل. وهذا منه فيه نظر؛ لأنه قال في صلاة المريض: إن القيام في الصلاة عندنا [يجب] لنفسه وعينه.
وقد حكى ابن يونس طريقة أخرى في المسألة؛ وهى: تنزيل النصين على
[ ٤ / ٣٢ ]
حالين؛ فحيث قال: لا تصح؛ أراد: إذا كان يقدر على إصلاح لسانه، وحيث قال: تجوز، [أراد]: إذا كان لا يقدر على ذلك. [وهذه الطريقة لم أرها كذلك، بل الإمام جعل محل الخلاف إذا كان لا يقدر على ذلك،] وبه صرح في التهذيب أيضًا، قال: ويلتحق بذلك ما إذا كان يقدر، لكنه لم يمض عليه بعد إسلامه زمان إمكان التعلم؛ فإن مضى، ولم يتعلم، لم يصح الاقتداء به؛ فإن صلاته مفتقرة إلى الإعادة.
وظاهر كلام الشيخ والأصحاب: أن محل الأقوال مع علم المأموم بحال الإمام، أما إذا لم يعلم فسيأتي حكمه.
وقال في "الحاوي": إن علم ذلك، لم تصح صلاته قولًا واحدًا، ولا يختلف مذهب الشافعي في ذلك، وإن لم يعلم، فعلى الأقوال.
والذي دل عليه كلام الأصحاب الأول؛ فإنهم قالوا: إذا اقتدى القارئ بمن لا يعرف أنه قارئ أو أمي؛ هل يجب عليه البحث عن حاله، أو لا؟ وهل يعيد الصلاة، أو لا؟ ينظر:
فإن كانت الصلاة سرية، فلا [يجب عليه البحث] عن حاله؛ كما لا يجب عليه البحث عن طهارة الإمام، ولا يجب عليه إعادة الصلاة [إذا استمر اللبث]؛ لأن الظاهر من حاله أنه يحسن القراءة، وأنه تطهر.
وإن كانت جهرية، قال الإمام: فالذي ذهب إليه أئمتنا: أنه يجب البحث عن حاله؛ فإن أسر - والصلاة جهرية - يخيل أنه لو كان يحسنها، لجهر بها؛ فإن صلى خلفه من غير بحث؛ لم تصح صلاته.
قال الإمام: ومن أصحابنا من قال: لا يجب البحث في هذه الصورة أيضًا؛ فإن الجهر الذي تركه هيئة من هيئات الصلاة؛ فلا أثر له، وللإسرار محتمل آخر سوى جهل القراءة، وهو أنه نسي أن الصلاة جهرية؛ فأسر بها، وعلى هذا يكون الحكم كما لو كانت سرية.
[ ٤ / ٣٣ ]
والذي أورده العراقيون: الأول؛ لأن الأصل أنه لا يحسنها، وقد اعتضد بالظاهر، [نعم، إن]، قال: [أنا] أحسنها، ولكني لم أجهر؛ لعلمي بأن الجهر ليس بواجب، وقد قرأت - فلا تجب [عليه الإعادة].
قال القاصى الحسين: ويستحب.
الثانية: صلاة القارئ خلف الأخرس، وفيها الخلاف السابق؛ لأنه أمي حقيقة.
الثالثة، والرابعة: صلاة القارئ خلف الأرت، والألثغ، وفيهما الخلاف السابق؛ لأنه أمي في البعض الذي، [لا] يقدر على النطق به.
والأرت - بالتاء ثالثة الحروف -: الذي يسقط بعض الحروف في كلامه؛ كذا قاله بعضهم.
ويقرب منه ما حكاه فى "الحاوي"؛ عن الشافعى: أنه الذي لا يقدر على الكلمة إلا بإسقاط بعضها.
وقال غيره: هو الذي يبدل حرفًا بحرف [ولا يبين الحروف.
وقال في "الشامل": هو الذي في لسانه رتة؛ فيدغم حرفا في حرف، ولا يبين الحروف.
وفي "التهذيب": أنه الذي يبدل الراء بالياء.
والألثغ: هو الذي [يبدل حرفًا بحرف]؛ كإبدال الراء غينًا، والسين ثاء؛ قاله الجوهري.
[ ٤ / ٣٤ ]
وقيل: هو الذي] يبدل الراء باللام.
وقيل: هو الذي في لسانه رخاوة، ولا يمكنه الإتيان بالتشديدات كلها، كلسان الصبي.
قال القاضي الحسين: فعلى هذا ينظر فيه؛ فإن أمكنه أن يأتي بأصل التشديدات، ولكن لا يبالغ [فيها؛ فتكره الصلاة خلفه، وتجوز، وإن لم يمكنه الإتيان بأصل التشديدات]؛ ففي صحة الصلاة خلفه الخلاف.
وإذا قلنا بالجديد الصحيح في هذه المسائل؛ فلا تجوز صلاة الألثغ خلف الأرت، وبالعكس، قاله القاضي الحسين، وهل تصح صلاة من يبدل حرفًا بحرف خلف من يبدل حرفًا غيره بحرف آخر؟ فيه وجهان في "الحاوي"، أصحهما: المنع.
فرع: هل تجوز صلاة القارئ خلف من يلحن في الفاتحة؟ ذلك ينبني على أن صلاته مع اللحن هل تصح، وقد قال الأصحاب: إنه ينظر فيه:
فإن كان لحنه لا يخل بالمعنى؛ بأن ينصب الدال من ﴿الْحَمدُ﴾ [الفاتحة: ٢]، أو يرفع الهاء في اسم "الله" - تعالى - أو قال: الهمد لله؛ كما قال القاضي الحسين فى باب صفة الصلاة - صحت صلاته.
وقال القاضي الحسين هنا: يحتمل عندي فيما إذا قال: "الحمد لله" بالنصب أو الخفض، وجهين:
أحدهما: الصحة؛ لأنه خطأ فى الإعراب.
والثاني: لا تصح؛ لأنه لا يكون قرآنًا؛ لأنه كما يكون إعجازًا في نظمه؛ فكذا في الإعراب؛ فينبغي أن يأتي به نظمًا وإعرابًا.
وقد أقام المتولي هذين الاحتمالين وجهين في المألة في الاعتداد بالقراءة؛ هكذا قله فى صفة الصلاة.
وإن كان لحنه يحيل المعنى، أو يعطله، كضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وكسر الكاف في ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥]-لم تصح صلاته إن تعمد ذلك؛ لأنه كلام عمد، وإن كان ساهيًا سجد للسهو.
[ ٤ / ٣٥ ]
قال القاضي الحسين في باب صفة الصلاة: ويقطع [به] نظم الفاتحة.
وهذا إذا أمكنه التعلم فلم يتعلم، وصلى، وإن لم يمض عليه زمان يمكنه فيه التعلم، [أو كان] لا يطاوعه لسانه على الصواب صحت صلاته. وعلى هذين الحالين - أعني: حالة إمكان التعلم، وعدمه - حمل الأصحاب قول الشافعي هاهنا: "أجزأهم دونه"، وقوله في استقبال القبلة: "لا تجزئ صلاته، ولا صلاة من خلفه"، كذا قاله ابن الصباغ.
فإذا عرفت ذلك، قلنا: صلاة القارئ خلفه حيث لا تصح صلاته في نفسه، [لا تصح، وحيث تصح صلاته في نفسه]، صحت مسقطة للقضاء، [و] في صحة اقتداء القارئ به الخلاف في الأمي، وصلاة من هو مثله خلفه جائزة وجهًا واحذًا، نعم لوكان لحنه في آية من الفاتحة، ولحن من [خلفه فى] أخرى من الفاتحة، وقلنا: لا يجوز أن يقتدي القارئ بالأمي - ففي صحة القدوة هنا وجهان في "الحاوي":
وجه الجواز: اشتراكهما في اللحنين، وإن اخلف.
وأصحهما: المنع؛ لأنه يفضل على إمامه فيما قصر عنه، وهذا ما أورده الإمام؛ حيث قال: من يلحن في النصف الأخير، لا يقتدي بمن يلحن في النصف الأول. ولو كان لحنه في غير الفاتحة، قال الأصحاب: فصلاته صحيحة، وكذا صلاة من خلفه.
قال الإمام: وهذا إذا كان لا يقدر على تصحيح لسانه، أوكان قادرًا على الإتيان باللفظ معربًا، لكنه سبق لسانه إلى اللحن، أو جهل، أما إذا تعمد ذلك، وكان اللحن يغير المعنى؛ فصلاته باطلة وصلاة من خلفه، كالصلاة خلف المحدث.
ثم في منع من لا يقدر على إصلاح لسانه من القراءة نظر؛ لأن الكلمة التي يلحن فيها بمنزلة كلمة من غير القرآن، وهذا مادته ما حكيناه عن القاضي الحسين [من قبل، وبالجملة فإمامه من يلحن في قراءته مكروهة، قاله القاضي الحسين]، وغيره؛ اتباعًا لنص الشافعي.
[ ٤ / ٣٦ ]
والاقتداء بالعجمي الذي يأتي بالقراءة بالعجمية، كالاقتداء بمن يلحن في الفاتحة سواء؛ قاله الماوردي وغيره؛ اتباعًا للنص أيضًا.
واعلم أن ما ذكره الشيخ في هذا الفصل يفهم أمورًا:
أحدها: جواز صلاة الأمي والأخرس والألثغ والأرت، خلف مثله، نبه على ذلك قوله: "قارئ"، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
الثاني: أن صلاة القارئ خلف الفأفاء، وهو الذي يردد الفاء ثم ينطق بها، وخلف التمتام، وهو الذي يردد التاء ثم ينطق بها صحيحة، نبه عليه قوله; "ولا أرت، ولا ألثغ"؛ إذ لو كان غيرهما في الحكم كهما لذكره، وقد صرح الأصحاب بذلك، وقالوا: يكره أن يؤما؛ لأجل التطويل.
قال الشافعي: الاختيار في الإمام أن يكون فصيح اللسان، حسن البيان، مرتلًا للقرآن؛ فكذا يكره إمامة من ينطق بالحرف بين حرفين؛ كالعربى الذي ينطق بالقاف بين الكاف والقاف؛ قاله الروياني وغيره.
الثالث: منع اقتداء القارئ من الشافعية خلف الحنفي إذا لم يأت بالفاتحة؛ بناء على أن صلاته خلف الأمي لا تصح؛ لأنه كالأمي في [حقه، وكذا خلف المالكي؛ لأنه كالأمي في] البعض؛ بسبب أنه يسقط بعض الفاتحة، وهو البسملة.
وقد حكى الفوراني، وشيخه المسعودي، والمتولى فى صلاة الشافعى خلف الحنفى ثلاثة أوجه:
أحدها: الصحة مطلقًا؛ سواء قرأ الفاتحة أو لا؛ نظرًا لاعتقاد الإمام؛ كما تقدم، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن الداركي، واختاره القفال، واستشهد له- كما قال القاضي الحسين - بأن الشافعي نص على أن الإمام لو ترك [قراءة أم] القرآن مع القدرة عليها؛ بأن كان حنفي المذهب - صحت صلاة القارئ خلفه.
قال القاضي: وهذا صريح فيه.
قال في "التتمة": وعلى هذا لو ترك إمامه الاعتدال في الرمع والسجود،
[ ٤ / ٣٧ ]
وفعله هو؛ فهل تصح صلاته، أم لا؟ فيه وجهان.
ووجه المنع: أن المخالفة قد ظهرت في الأفعال؛ بخلاف ترك القراءة، والرافعي جعل المسألتين على السواء.
والثاني; عدم الصحة مطلقًا؛ نظرًا لاعتقاد المأموم؛ فإنه إذا لم يأت بها، أخل بركن الصلاة بزعمه، وإن أتي بها، فكذلك؛ لأنه لا يعتقد وجوبها؛ فصار كأنه لم يأت بها.
قال المتولي: وهذه طريقة من يقول: إن الفرض لا يتأتي بنية النفل.
وعلى هذا قال القاضي الحسين; [النص محمول على ما إذا ترك الإمام القراءة ناسيًا. وهذا ما حكاه القاضي الحسين]، والرويانى، عن أبي إسحاق، وهو الإسفراييني؛ كما قال الرافعي، والقاضي الحسين قبل باب سجود الشكر بثلاث عشرة ورقة، لا المروزي؛ كما ستعرفه، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين أيضًا.
والثالث: إن لم يأت بها، لم يصح اقتداؤه [به]؛ لفقد الركن بزعم المأموم، وإن أتى بها، صح.
قال الغزالي في بعض كتبه: ولا أثر لقول من يقول: إنه لا يعتقدها ركنًا، واجبةً؛ لأن نية الصلاة شاملة لجمع أركانها، ولا يشترط إفراد كل فعل بنية.
قال المتولي: وهذه طريقة من يقول: إن الفرض يتأدى بنية النفل.
وقد نسب الماوردي وأبو الطيب هذا الوجه إلى أبي إسحاق المروري؛ حيث حكينا عنه أنه قال: إن تيقنا أنهم تركوا شرطا، مثل: النية في الوضوء،
[ ٤ / ٣٨ ]
و﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الفاتحة - فلا تصح الصلاة خلفهم؛ لأنا نتيقن بطلان صلاة من ترك ذلك، وإن تيقنا أنهم أتوا به، صحت الصلاة خلفهم، وقد اختار هذا الجمهور؛ كما قال الرافعي.
وعلى هذا: لو شككنا هل ترك ذلك، أو أتى به- صح أيضًا؛ كذا حكاه عن "فتاوي" الغزالي، وهو المعزيُّ إلى أبي إسحاق؛ موجهًا له بأن الظاهر منه أنه أتى به؛ لأنه يستحب عندهم، وقد اقتصر البندنيجي على حكاية هذا.
وفيه دليل على اختيار الوجه الثالث؛ لأن هذا فرعه.
وعن أبى الحسن العبادي: أن الأودني والحليمي قالا: إذا أم الوالي أو نائبه بالناس، ولم يقرأ التسمية، والمأموم يراها واجبة - فصلاته خلفه صحيحة، عالمًا كان أو عاميًّا، وليس له المفارقة؛ لما فيها من الفتنة.
قال الرافعي: وهو حسن، وقضيته: الفرق بين الإمام وخلفائه وبين غيرهم. يعني: فيما إذا ترك الوضوء بعد مس الذكر، أو الاعتدال في الركن والسجود، وقد قدمنا فيه وجهين فى الباب، ووعدنا ثم بذكر زيادة فيه، وهى ما ذكرناه هاهنا.
وعلى كل حال؛ فهل تكره صلاة الشافعي خلف الحنفي، أو لا؟
قال في "الكافي": لا تكرم.
وقال البندنيجي: تكره؛ لاحتمال أنه لم يأت فيها بما يعتقده ركنا.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى عن أبي إسحاق: أن صلاة الرجل منفردًا أفضل من الائتمام بالحنفي.
وقيل: بل الائتمام بالحتفي أفضل من الانفراد.
قال: ولا تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ أي: إتمامًا، آو قصرا؛ لأن الإمام شرط في الجمعة، ومصلي الظهر ليس في جمعة؛ فقد صارت الجمعة بغير إمام؛ فلم تصح.
وفى "المهذب" حكاية وجه آخر: أنه يجوز؛ لأن أكثر ما فيه أن نيته مخالفة لنية المأمومين، وذلك لا يمغ صحة الصلاة؛ كما قلنا في مصلي الفرض خلف المتتفل، والمقيم خلف المسافر.
[ ٤ / ٣٩ ]
وقد ادعى بعضهم أن هذا هو النص؛ أخذًا من قوله في "الأم": "وإذا أحدث الإمام في الجمعة، بعدما أحرم وأحرموا؛ فقدم رجلًا منهم لم يدرك الخطبة، إلا أنه كبر خلفه قبل الرمح في الركعة الأولى؛ فصلى [بالناس تمام الركعة، ثم أحدث؛ فقدم رجلًا لم يدرك معه الركعة الأولى، فصلى] هذا الإمام الثالث الركعة الأخرى -[تمت]، صلاة القوم، وأضاف هو إلى الركعة التي صلاها ثلاث ركعات، تكون له ظهرًا"؛ فقد جوز الجمعة خلف من يصلي الظهر.
ومن قال: إنه لا تجوز الجمعة خلف من يصلي [الظهر]، قال: يحتمل أن يكون الشافعي إنما أجاز هذا؛ لأنه انعقدت صلاته جمعة؛ فجاز تقديمه، ولم تجز جمعته؛ لأنه يكمل بنفسه إذا لم يدرك الركعة الأولى، ولم يكمل بإمامه؛ لأن إمامه لم يحضر الخطبة، وإنما هو تابع للإمام الأول؛ كذا قاله الروياني في "تلخيصه".
والجواب الصحيح ما قدمناه في مسألة الاستخلاف؛ فليطلب منه.
وقيل: إن كان يصلى الظهر مقصورة، جازت الجمعة خلفه؛ بناء على أن الجمعة ظهر مقصور، وهو ما ادعى فى "التتمة"، أنه ظاهر المذهب، قال: لأن الجمعة ظهر مقصور على ظاهر المذهب.
قلت: ويظهر أن يقال: إن تم العدد بالإمام، فلا تصح الجمعة خلفه؛ سواء أتى بالظهر قصرًا أو إتمامًا، وإن تم بدونه فهو محل الخلاف، ويشهد لذلك ما سنذكره في صلاة الجمعة خلف المحدث، والذي ذكره الشيخ لم يورد ابن الصباغ والماوردي- في باب اختلاف نية الإمام والمأموم- غيره، وهو ما حكاه البندنيجي عن الأصحاب، إلا الشيخ أبا حامد، وإلى ترجيحه يرشد كلام القاضي
[ ٤ / ٤٠ ]
أيي الطيب في مألة الاستخلاف.
وكون الجمعة ظهرًا مقصورًا، ستعرف ما فيه فى باب: صلاة الجمعة.
وقد أفهم قول الشيخ منعها خلف من يصلي غير الظهر من طريق الأولى؛ فإن الظهر أقرب إليها من غيرها، وإذا امتنعت كان غيرها بالامتناع أولى، والوجه المذكور فى صحتها خلف من يصلى الظهر مذكور فيه أيضًا.
قال: وفي جوازها خلف صبي، أو متنفل- أي: بها - كالعبد، والمسافر يصلي الظهر، ثم يصلي الجمعة؛ كما قاله البندنيجي- قولان؛ أي: إذا تم العدد بدونه.
ووجه المنع: أنه ليس من أهل فرض الجمعة؛ فلم تنعقد وراءه؛ كالمرأة.
وهذا ما رجحه الشيخ أبو محمد، وأبو القاسم الكرخي، وطائفة.
ووجه الجواز: أنه ذكر: [أنه]، تصح جمعته مأمومًا؛ فوجب أن تصح جمعته إمامًا؛ كمن هو من أهلها، وبالقياس على سائر الصلوات.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، قال الرافعي: وهو قضية كلام الأكثرين، [وأطبقوا على] أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي.
قلت: وفيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب وابن الصبلغ حكيا القولين في الصبي، ونسبا المنع إلى نصه في "الأم"، والجواز إلى نصه في "الإملاء"، وقاسا المنع على المتنفل، وهذا يدل على أنه لا خلاف عندهما في المتنفل في عدم الصحة، لكن المشهور طرد الخلاف فيه كما ذكره الشيخ؛ صرح به البندنيجي، والفوراني، والإمام، وغيرهم؛ وكذا القاضي أبو الطيب في باب اختلاف نية الإمام والمأموم، واستشهد للجواز فيه بنص الشافعي في صلاة الخوف؛ حيث قال: "ولو اشتد الخوف، وأحاط بهم العدو؛ فصلى الإمام [يوم الجمعة بهم] صلاة الظهر، ثم انكشف العدو، والوقت بعد باق؛ فخطب، وأم طائفة منهم لم يصلوا الظهر - جاز، والإمام متتفل؛ لأنه قد أدى فريضة الوقت".
وما ذكرناه من تصوير المتنفل مفرع على الجديد في أن أرباب الأعذار إذا
[ ٤ / ٤١ ]
صلوا الظهر، ثم الجمعة، كانت نفلًا دون ما إذا قلنا: إن الله يتقبل أيهما شاء؛ كما هو القديم.
وقد أفهم كلام الرافعي أن الخلاف في المتنفل غير الخلاف في العبد، والمسافر؛ إذا صليا الظهر، ثم أما في الجمعة.
أما إذا لم يمل العيد والمسافر [الظهر] جاز أن يكون إمامًا فيها؛ لأن بها يسقط فرض الوقت عنه، وعلى ذلك نص في "المختصر"، وكذا في "الأم" في حق المسافر؛ حيث قال: إذا تقدم مسافر؛ فصلى بالناس الجمعة، ثم إن مسافرًا آخر صلى خلفه، ونوى الظهر مقصورة - يلزمه الإتمام، وقد وجه بقوله – ﵇-: "صلوا الجمعة وراء كل بر وفاجر، وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما أقام لكم الصلاة".
وحكى القاضي الحسين أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني خرج قولًا: أنها لا تصح خلفهما أيضًا، [قال]: وهو القياس.
ويقرب منه ما قاله الشخ أبو محمد: إن ذلك ينبنى على أن الإمام هو من الأربعين، أو لا:
فإن كنا لا نعده من الأربعين فلا يضر أن يكون الإمام عبدًا أو مسافرًا؛ إذا كمل العدد دونه.
وإن قلنا: إنه معدود من الأربعين، وكمل العدد دونه؛ ففي صحة إمامة العبد والمسافر وجهان:
أحدهما - وهو ظاهر المذهب-: الصحة؛ فإن العدد قد تم في كاملين، وجمعة العبد صحيحة.
[ ٤ / ٤٢ ]
والثاني: أنه لا يصح؛ فإن الإمام إذا عد في الأربعين، فهو ركن؛ فينبغي أن يشترط فيه الكمال، وإن كثر القوم وكملوا.
قال الإمام: وهذا، وإن أمكن توجيهه، فلا أعده من قاعدة المذهب.
وقد أفهم كلام الرافعي استشكال البناء المذكور؛ حيث قال: هذا البناء واضح لو كان الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط، أم لا؟ ولكن الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائدًا على الأربعين، أم يكتفى بأربعين أحدهم الإمام، ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحدًا من العدد المشروط إذا زاد على الأربعين.
قال: ولا تجوز الصلاة خلف من يصلي صلاة يخالفها في الأفعال الظاهرة: كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والكسوف خلف من يصلي الصبح؛ لما بينهما من الاختلاف المفوت لاتظام الاقتداء؛ ولأنه لا يمكن الاقتداء به مع المخالفة.
وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو الأصح عند المراوزة، وحكوا وجهًا آخر: أنه يجوز، وطردوه فى المصلي على الجنائز، وخلف الساجد للتلاوة والشكر؛ كما قاله القاضي الحسين أيضًا، وعلى هذا إذا اقتدى مصلي الصح خلف مصلي الكسوف تابعه في الركوع الأول؛ فإذا شرع الإمام في القيام الثاني للكسوف - انتظره راكعًا؛ فإذا رفع الإمام من الركوع الثاني، رفع معه وسجد، وهذا ما حكاه المسعودي عن القفال.
قال الإمام: وإنما انتظره في الركوع دون الرفع منه؛ لأن الركوع ركن طويل، والرفع منه قصير؛ [فلو انتظر فيه، لكان مطولًا لركن قصير].
وفي "الكافي" أن القفال قال: تصح القدوة، وإذا قام الإمام إلى [القيام] الثاني، فارقه.
قلت: وليس الأول على وجه الجزم، وكذا الثاني، بل الأمران إلى خيرة المقتدي: فإن رام ألا يفارق الإمام حتى يسلم معه، انتظره راكعًا، وإن رام أن يفارقه، فارقه عند القيام الثاني، وبه صرح الأصحاب.
قال الإمام: ولم يَصِرْ أحد من أصحابنا إلى أنه يوافق إمامه؛ فيركع
[ ٤ / ٤٣ ]
ركوعين، وإن كان المأموم قد يأتي بأفعال لا تحسب له؛ يسبب الاقتداء؛ كما في المسبوق يدرك الإمام بعد الرفع من الركوع، والسبب فيه: أن نظم صلاة الكسوف يخالفه نظم الصلاة التي تلبس المقتدي بها، وتلك الأفعال التي يوافق الإمام فيها المقتدي المسبوق، وإن كانت لا تحسب له من صلاة المقتدي في الجملة، والمقتدي بالمصلي على الجنازة لا يتابعه في التكبيرات وغيرها؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وفائدة اقتدائه به حصول فضيلة الجماعة.
وكل هذا تفريع على هذا الوجه البعيد، وإذا فرعنا على مقابله، وهو عدم صحة صلاة الظهر خلف من يصلي الكسوف؛ فهل صلاة الاستسقاء والعيدين، كصلاة الكسوف، أم لا؟
قال الرافعي: فيه خلاف: الذي ذكره ابن الصباغ في صلاة الاستسقاء: أنها كغيرها، وكذا الإمام، [و] قال القاضيان أبو الطيب والحسين: إنها كالكسوف.
قال في "الروضة": والصحيح [أنها كالصبح،] وبه قطع صاحب "التتمة".
وقد أفهم كلام الشيخ جواز اقتدائه بمن يوافقه في الأفعال الظاهرة، نإن اختلفت الأفعال الباطنة، وهي النيات، كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ مثل: أن يصلي الظهر [قضاء] خلف من يصلى العصر أو العشاء، وبالعكس، [وكذا صلاة الصبح والمغرب خلف من يصلي الظهر ونحوه، والمفترض خلف المتنفل، وبالعكس،] وهو المذكور في طريقة العراق والمراوزة في أكثر الصور، والأصل فيه أن معاذًا كان يصلى مع النبي ﷺ العشاء، ويمضي إلى قومه؛ فيصلي بهم، والقصة مشهورة، وصلاته في قومه نافلة [له]، ولا يقال: إنها الفرض والأولى نافلة؛ لأنه كان يحضر إقامتها، وقد قال ﵇: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، ومعاذ لا يترك ذلك، وقد قال جابر - وهو راوي الحديث-: "إن معاذًا كان يصلي خلف النيي ﷺ العشاء، ئم ينصرف، ويصلي بقومه، هي لهم فريضة، وله نافلة"، وهذا لا يقوله إلا عن علم منه بالحال،
[ ٤ / ٤٤ ]
ويوافقه إجماع الصحابة في زمن عمر - ﵃ - روي أن عمر سمع صوتًا خلفه في الصلاة؛ فلما فرغ أعاد والحاضرون الصلاة والوضوء، وكانت صلاته وصلاة من لم يخرج منه الصوت [الثانية نافلة، وصلاة من خرج منه الصوت] فرضًا، ولم ينكره نكير، بل وقع ذلك باتفاق الحضور عليه.
وقد حكى المراوزة وجهًا آخر: أنه لا يجوز أن يصلي المغرب أو الصبح خلف من يصلي صلاة رباعية؛ لأجل التخلف عن الإمام لو صحت القدوة، نعم لو كان الإمام قد سبقه بركعتين جاز أن يقتدي به في الصبح، أو سبقه بركعة، جاز أن يقتدي به في المغرب؛ إذ لا تخلف حينئذ، وقد حكى الإمام والمسعودي هذا قولًا للشافعي، وادعى القاضي الحسين أن ظاهر كلامه في "المختصر" يدل عليه، وعلى هذا فهل يجوز أن يصلي صلاة الفرض خلف من يصلي صلاة التسبيح؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يجوز؛ فإذا رفع الإمام [رأسه] في الركوع هل يلزمه الخروج عن متابعته؟ يحتمل وجهين: الأصح: لا.
والصحيح صحة صلاة الصبح [والمغرب] خلف من يصلي الرباعية، وعلى هذا إذا صلى الصبح خلفه، تخير المأموم عند رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية بين أن يفارقه ويقنت، وبين أن يتابعه، ولا محجوب عليه للسهو، وكذا في عكسه إذا صلى الظهر خلف من يصلي الصبح؛ فإذا قنت الإمام إن شاء أخرج نفسه من الجماعة، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل.
ولو صلى المغرب خلف من يصلي الظهر، جلس عند قيام الإمام [في الثالثة]، وتشهد وسلم؛ فلو أراد أن ينتظره حتى يقعد؛ فيسلم معه، قال الإمام: لم يكن له ذلك، [و] على ظاهر المذهب: فإنه فارقه لما جلس للتشهد؛ فلا يتتظره بعدما فارقه.
قال الرافعي: ومنهم من أطلق جواز الاتتظار أيضًا.
قلت: ومادته صحة صلاة الخوف على النحو الذي رواه ابن عمر؛ كما ستعرفه، وحينئذ يجيء الكلام في تحمل الإمام سهوه بعد قيامه، أو لا؛ كما هو
[ ٤ / ٤٥ ]
مذكور ثم، ولو انعكس الحال؛ فكان الإمام في المغرب، والمأموم في ظهر أو عصر؛ فإذا جلس الإمام [للثالثة]، جلى المقتدي معه؛ للمتابعة، ولا يبعد أن يوافقه في التشهد، وإن كان لا يحسب له، وإذا سلم الإمام، قام إلى الرابعة.
قال: فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء، ولم يعلم ثم علم، أعاد؛ لبيان فقد شرط القدوة بتقصير المقتدي؛ فإن على كل [ما منع] منها أمارة ظاهرة تدل عليها.
قال: إلا من صلى خلف المحدث، [أي: حدثًا أصغر أو أكبر]؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة؛ لما روي [أنه] ﵇: "خرج ذات يوم، وكبر لصلاة الصبح، وكبر الناس خلفه، ثم تذكر أن قد أصابته جنابة؛ فأومأ إلى القوم: كما أنتم، ثم دخل الحجرة، واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء؛ فأتم [بهم] الصلاة"٠
وجه الدلالة منه: أن القوم عقدوا الصلاة خلف رسول الله ﷺ، وهو حينئذ جنب، ولم يأمرهم بالاستئناف.
قال الرافعي: وقد روي أنه ﵇ قال: "إذا صلى الإمام بقوم وهو على غير وضوء، أجزأتهم ويعيد هو".
والفرق بين الحدث وغيره: أنه لا تقصير من جهة المقتدي بالمحدث؛ إذ لا أمارة على الحدث.
ولا فرق بين أن يكون الإمام عالمًا يحدثه، [أو جاهلًا.
وعن صاحب "التلحيص" حكاية قول: أنه إن كان عالمًا بحدثه]، أعاد من صلى خلفه. وهو بعيد.
[ ٤ / ٤٦ ]
قال: ويجب في الجمعة؛ لأن الإمام شرط فيها ضرورة؛ فوقف حصول الجماعة التي هي شرطها عليه، ولم يوجد؛ ولأنها لما لم تصح خلف من يصلي الظهر، مع أنه في صلاة؛ فَلاأَلأَّ تصح خلف من ليس في صلاة أصلًا أولى.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين أن قد تم به العدد، أو تم بغيره، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب فى باب الصلاة بالنجاسة، وادعى القاضي الحسين [ثم] أنه المذهب، وحكاه الماوردي في كتاب الجمعة، وقال القاضي الحسين ثم، والشيخ أبو علي، وأبو محمد: إنه الأصح. ولا يخفى عليك وجهه مما سبق عن الشيخ أبي محمد، وقد ادعى ابن الصباغ أن صاحب "التلخيص" قال: إنه قول مخرج. وأشعر كلام الإمام في باب الغسل للجمعة أن الشافعي نص عليه؛ فإنه قال: اختلف قول الشافعي في أن [إمام الجمعة] لو بان محدثًا، هل تصح جمعة القوم، أم لا؟
وحكى في الباب قبله القولين أيضًا، ثم قال: وكان شيخي يرتب القولين [على القولين] في صحة الجمعة خلف صبي أو متنفل، وهنا أولى باليطلان، والذي رجحه العراقيون وذكروه عن نصه في "الإمام"، وبه جزم أبو الطيب [في كتاب الجمعة]- أنه ينظر: فإن تم العدد به، فالحكم كما ذكر الشيخ، وإن تم بدونه صحت.
وبنى المتولي الخلاف فى هذه الصورة بعد حكاية القول المنصوص والمخرج، على أن الصلاة خلف المحدث تكون جماعة، أو فرادى؟
قال: وفيه وجهان:
فإن قلنا: جماعة، وهو ظاهر ما قله المزني- قلت: ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ غيره - لم تجب الإعادة، وإلا وجبت.
وعليهما ينبني أيصًا ما إذا أدرك المسبوق في غير الجمعة الإمام المحدث راكعًا، وعلم ذلك بعد فراغه: فإن قلنا: إن صلاتهم جماعة، كان مدركًا
[ ٤ / ٤٧ ]
للركعة، وإلا فلا، وهو الأصح؛ كما ذكرناه في باب صلاة الجماعة.
[وما] إذا سها الإمام المحدث، والمأموم خلفه، أو سها المأموم خلفه؛ هل يسجد المأموم في الأولى، ويتحمل عنه في الثانية، أم لا؟
[والحكم فيما إذا كان القوم أربعين لا غير، وبان حدث أحدهم - كما لو بان حدث الإمام، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره في باب الصلاة بالنجاسة؛ فتجب الإعادة قولًا واحدًا].
وقد أفهم كلام المتولي أن القول بعدم الإعادة جار فيما لو كان العدد قد تم بالإمام المحدث؛ فإنه قال بعد حكاية القولين; ومأخذهما- كما ذكرناه-: أنه لو بان بعض المأمومين محدثًا في صلاة الجمعة؛ فإن قلنا: إذا كان الإمام محدثًا، [فالصلاة جماعة، فإذا كان المأموم محدثًا]، كان كذلك؛ فلا تجب الإعادة على الإمام، وعلى من كان متطهرًا.
وإن قلنا: الصلاة صلاة انفراد؛ فعليه إعادة الجمعة.
قال: وصورة المسألة إذا لم يتم عدد الأربعين دون المحدث.
وعلى هذا جرى صاحب البيان؛ فقال: إذا قلنا بأنه لا يضر حدث الإمام [المأمومين، فلو صلى بأربعين، وكان القوم كلهم محدثين، صحت صلاة الإمام] دونهم، بخلاف ما لو كانوا عبيدًا أو نساء؛ فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه. كذا حكاه الرافعي عنه، ئم قال: وقياس من ذهب إلى المنع أنه لا تصح جمعة الإمام؛ لبطلان الجماعة. وهذا منه تقرير لما قاله قي "البيان"، وهو عجيب من نجيب؛ فإنه جعل محل الكلام في حدث الإمام [إذا كان زائدًا عن الأربعين، وجزم القول بأنه لو كان من الأربعين أنه يجب عليهم الإعادة؛ فكيف يسعه مع هذا أن يسكت عما ذكره صاحب "البيان"؟!
نعم، لو كان الخلاف فيما إذا بان حدث الإمام] فيما إذا تم العدد به، لم يظهر على ما قاله قي "البيان" اعتراض.
[ ٤ / ٤٨ ]
واعلم أن قول الشيخ: "فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء، ولم يعلم، ثم علم، أعاد"، يقتضي أن كلامه في الإعادة عائد إلى ما ذكره من قوله: "ولا تجوز صلاة رجل، ولا خنثى " إلى قوله: "في الأفعال الظاهرة؛ لأنه ثم تعرض للمقتدي، والمقتدى به، ولا يدخل [في ذلك من صلى خلف الكافر، والمجنون، والمحدث، والنجس، ثم علم بذلك؛ لأنه] حين منع من الاقتداء بالمذكورين لم يخص المنع بأحد، وحينئذ فيكون كلامه يقتضي أمرين:
أحدهما: أن الإعادة عند ظهور الحال في سبع صور:
الأولى: ظهور الإمام امرأة أو خنثى، والمقتدي ذكر.
والثانية: ظهور إمام المرأة الطاهر مستحاضة؛ كما اقتضى كلامه ترجيحه.
والثالثة: ظهور إماما القارئ أميًّا أو أخرس، أو أرت، آو ألثغ.
والرابعة، والخامسة، والسادسة: ظهور إمام الجمعة صبيًّا، أو متنفلًا، آو مصليًا ظهرًا.
والسابعة: ظهور الإمام مصليًا صلاة تخالف صلاة المأموم في الأفعال الظاهرة.
والمسائل الست تارة يُفرض ظهور حال الإمام فيها بعد فراغ الصلاة، وتارة فيها.
وإذا كان بعد فراغها، أعاد، وإذا كان فيها استأنف.
والسابعة يكون الظهور في أثنائها فقط؛ إذ لا يمكن أن يخفى ذلك على المصلي في كل الصلاة، ولو فرض خفاؤه عليه؛ بأن يكون المقتدى ائتم به، وهو في القيام الثاني من الركعة الثانية، وقلنا: إنه يسجد في صلاة الكسوف؛ كما يسجد في غيرها، وأتم المأموم صلاته بعد سلام الإمام، ثم اطلع على الحال- فيظهر أن يقال قي هذه الحالة بصحة القدوة، بل مع العلم بالحال؛ إذ علة المنع المخالفة، ولا مخالفة.
[و] يشهد لذلك أن من منع من أصحابنا اقتداء من يريد صلاة المغرب خلف من يصلي الظهر أربعًا قال: لو كان الإمام قد صلى ركعة من الظهر؛ فاقتدى به من يريد صلاة المغرب - جاز. وهذا ما ظهر لي، وقد ينقدح لذي
[ ٤ / ٤٩ ]
خاطر شيء آخر؛ أخدًا مما سنقف عليه في أن مدرك الإمام في صلاة الكسوف في الركوع الثاني هل يكون مدركًا للركوع الأول؟ والله أعلم.
الأم الثاني - وهو ما يقتضيه مفهوم كلامه-: أنه لا إعادة على من بان إمامه كافرًا، أو مجنونًا، أو محدثًا، أو نجسًا، لكن قوله: "إلا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه" [يقتضى إذا جعلنا الاستثناء متصلًا - وهو الظاهر - دخول المحدث] قي كلامه الأول، ومتى دخل، [دخل] الكافر ومن بعده من طريق الأولى، وهذا هو الظاهر، وحينئذ فيضم إلى الصور السبع أربع بها تكمل الصور إحدى عشرة، استثنى الشيخ منها صورة واحدة، وهي ما إذا ظهر كونه محدثًا في غير الجمعة، وقد استثنى غيره معها صورًا:
الأولى: الكافر إذا لم يكن متظاهرًا بكفره، وهو المرتد، والزنديق - قال القاضى الحسين: فلا تجب عليه الإعادة؛ كما لو بان محدثًا؛ لأنه يعرس عليه الاطلاع على كفره، وهو وجه حكاه في "التتمة"، وقد صححه في "التهذيب"، وكذا أبو الطيب [وغيره] فى باب الصلاة بالنجاسة، وبه قال المزنى [فيما] لو ظهر كافرًا متظاهرًا يكفره أيضًا.
وما ذكره الشيخ هو ما ادعى الماوردي أنه مذهب الشافعي، والذي عليه أصحابه، والعلة فى الإعادة عند ظهوره متظاهرًا بكفره - ما أشار إليه الشافعى، وهو أنه ربط صلاته بصلاة من لا يصلح أن يكون إمامًا له بحال؛ أي: مع العلم [بحاله]؛ كما قال الماوردي، وهذه العلة تقتضى أنه لا فرق بين أن يتظاهر بكفره، أو يخفيه؛ ولذلك استحسنها ابن الصباغ، وخالف الاقتداء بمن ظهر محدثًا؛ [فإنه] ربط صلاته بمن يصلح أن يكون إمامًا له في حال مع علمه لحدثه، وهو كما قال [الماوردي والمتولي: إذا اقتدى المتوضئ بالمتيمم الذي تسقط صلاته بالتيمم القضاء؛ فإنه محدث عندنا.
الثانية: من على بدنه نجاسة، قال] في "التهذيب"، و"التتمة"، والنهاية في باب الصلاة بالنجاسة; إنه كالمحدث؛ نظرًا إلى أنه لا أمارة على ذلك، [وطرد في "التتمة" ذلك] بما إذا كانت على ثوبه أيضًا، وادعى القاضي الحسين أنه
[ ٤ / ٥٠ ]
ظاهر المذهب.
وما ذكره الشيخ هو مقتضى علة الشافعي في الكافر؛ إذا جرينا على الأصح في أنه لا يجوز أن يقتدي به مثله.
وهذا فى النجاسة التى يخفى مثلها، أما الظاهرة فمقتضى العلتين -[وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة]- وجوب الإعادة، وقد قال الإمام; فيه احتمال عندي؛ لأنها من جنس ما يعفى عنه. وهذا منه يدل على أن المنقول وجوب الإعادة.
الثالثة: [المستحاضة]، ادعى الماوردي أن ظهور حالها كظهور حدث الإمام؛ فلا إعادة على المرأة الطاهرة إذا اقتدت بها؛ لأن الاستحاضة مما يخفى؛ إذ لا أمارة عليها، ويصح أن تقتدي بها مثلها؛ فانتفت العلتان في حقها.
الرابعة: ظهوره أميًّا، قال الإمام: هو كظهوره جنبًا. وعليه جرى ابن يونس، وهذا في السرية، وكذا في الجهرية إذ لم نوجب عليه البحث عن حال الإمام عند إسراره فيها.
والذي ذكره القاضي الحسين والبغوي: ما ذكره الشيخ، وفرق القاضي بينه وبين الجنب؛ فإن الحدث، والطهارة يتعاقبان على الإنسان؛ فإنه يكون متطهرًا في حالة؛ فيصير محدثًا فيها، ثم يصير متطهرًا، وهو مما يخفى، ولا يظهر؛ فلا يمكنه أن يطلع عليه غالبًا؛ فلم ينسب إلى تفريط، وإن غفل عنه؛ بخلاف ما نحن فيه؛ فإن كونه أميًّا، وقارئًا لا يتعاقبان؛ فإن الإنسان لا يكون قارئًا، ئم يصير أميًّا، ثم يعود قارئًا، وهو مما يظهر، ويطلع عليه في الغالب، وقد حكينا عن الماوردي أن محل الخلاف ما [إذا] ظهر بعد الصلاة أميًّا.
الخامسة: إذا بان إمام الجمعة متنفلًا، أو مصليًا ظهرًا مقصورة، يشبه إلحاقه بالجنب؛ لفقد العلتين فيه أيضًا.
السادسة: إذا ظهر اختلاف الصلاتين في النظم، قال بعض الشارحين: يجب على المأموم أن ينوي المفارقة عند العلم فإن دام؛ بطلت صلاته.
ثم حيث لم نوجب عليه الإعادة فيما ذكرناه عند جهله بالحال، تم علمه؛ فلو
[ ٤ / ٥١ ]
كان قد علم حال الإمام، ثم نسي؛ فاهتدى به، وعرفه بعد ذلك - وجبت عليه الإعادة؛ لتقصيره؛ قاله الرافعى وغيره.
فرع- عكس ما نحن فيه-: إذا صلى الرجل خلف خنثى، أو خنثى خلف امرأة، طولب بالقضاء؛ فلو بان ذكورة الإمام في الأولى، وأنوثة المأموم في الثانية قبل الإعادة؛ فهل يبقى مخاطبًا به أيضًا، أو لا؟
حكى الإمام فيه قولين، واقتصر في "الوسيط" على حكايتهما في الأول، وهما يجريان - كما قال الرافعي - فيما لو اقتدى خنثى بخنثى، ثم بانا رجلين، أو امرأتين، أو بان المأموم امرأة، أو الإمام رجلًا، وذلك فيما لو أقدم المأموم على الاقتداء، مع علمه بالحال؛ ألا ترى إلى قول الإمام؛ لو اقتدى برجل، وهو شاك، لا يدري أنه مقتد بغيره، أو لا - فلا تصح قدوته مع هذا التردد؛ كما لو اقتدى بخنثى مشكل، ولو استمر على القدوة [ثم] بان أن إمامه لم يكن مفتديًا؛ فهل يجب على المفتدي قضاء الصلاة، والحالة هذه؟
فعلى قولين؛ كالقولين فيه؛ إذا اقتدى يخنثى، ثم لم يقض حتى يبين أن الخنثى ذكر، وأصحهما - كما قال [ثم-: وجوب الإعادة.
قال] الرافعي: ولهذه الصورة نظائر:
[منها؛ إذا باع مال أييه على ظن أنه حي، فبان ميتًا.
و] منها: إذا وكل وكيلًا بشراء شيء معين، وباع ذلك الشيء من إنسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد ما كان اشتراه وكيله فى الصحة قولان.
والذي جزم به الماوردي فيما [إذا] كان المقتدي عالمًا بخنوثة الإمام - البطلان، سواء ظهر امرأة أو رجلًا، وحكى القولين فيما إذا اقتدى به جاهلًا، ثم ظهر أنه خنثى، ثم أنه ذكر، وكذا فيما إذا اقتدى الخنثى بمن ظنه رجلًا، ثم بان [له] أنه امرأة، وبانت أنوثة الخنثى، وأن القول بعدم الإعادة مخرج من [اختلاف] قول الشافعي فيما إذا رأوا سوادًا فظنوه عدوًّا.
[ ٤ / ٥٢ ]
وإذا جمعت بين النقلين جاءك في المسألة ثلاثة أقوال؛ أصحها: وجوب الإعادة مطلقًا.
وقد أفهمك كلام الإمام أنه لا يجوز أن يقتدي بالمقتدي مع العلم بالحال، وبه صرح الأصحاب، وفرعوا على ذلك فروعًا:
منها: أنه إذا دخل المسجد، فوجد صفًّا طويلًا؛ فنوى الداخل الاقتداء بالإمام منهم، ولم يعرفه- لا تصح صلاته؛ لعدم التمييز.
قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما إذا كان شخص في المحراب؛ فنوى الاقتداء به، ولم يعرفه تصح القدوة؛ للتمييز بينه وبين غيره.
ومنها: لو التبس على الواقفين الحال؛ فاعتقد كل واحد منهم أنه المأموم، بطلت صلاتهم، ومن طريق الأولى: إذا أحرموا في الابتداء كل منهم بنية أنه مأموم، وهذا بخلاف ما لو اعتقد كل واحد منهم أنه إمام، صحت صلاة الجميع؛ لأن كل واحد [منهم] لم يربط صلاته بصلاة غيره، ولو اعتقد أحدهما أنه مأموم، وشك الآخر أنه إمام [أو مأموم - بطلت صلاتهما ولو انعكس الحال؛ فاعتقد أحدهما أنه إمام، وشك الآخر في أنه مأموم]، أو إمام - صحت صلاة من لم يثك، وبطلت صلاة الشاك.
[وهذا] كله تفريع على ما حكاه العراقيون من أن مجرد الشك في النية يبطل الصلاة، وآما على طريقة المراوزة المفصلة بين أن يمضي مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة، أو لا؛ فقياسها أن يأتي ذلك هنا، وبه صرح القاضي الحسين؛ فقال فيما إذا شكَّا معًا: إن تذكرا قبل أن يحدثا شيئًا من أفعال الصلاة، وقرب الزمان -[صحت صلاتهما جميعًا، وإن طال الزمان]، ولم يفعلا شيئًا؛ فعلى وجهين.
وإن لم يذكرا إلا بعد ما فعل أحدهما فعلًا مع الشك، وتابعه الآخر، ثم تبين أنه تابع الإمام - فعلى وجهين؛ [بناء] على من اتبع الإمام في الأفعال من غير نية.
[ ٤ / ٥٣ ]
قال مجلي: وهذا لا يصح؛ لأن المتابعة في الأفعال فقط، وهذا نوى الاقتداء مع المتابعة؛ فبطلت صلاته؛ لأنه ائتم بمن لا يعتقده إمامًا، وإن بقيا على الشك، بطلت صلاتهما.
ومنها: لو اقتدى مقيمون بمسافر، أو مسبوقون بإمام، وسلم الإمام؛ فهل يجوز لهم أن يقدموا من يؤمهم في بقية صلاتهم؟ إن كان ذلك في صلاة الجمعة، لم يجز، وإن كان فى غيرها، فوجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب، والبندنيجى، وابن الصباغ في كتاب الجمعة، وفي "المهذب" في باب صلاة الجماعة، والأصح: المنع.
وإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أن ضابط من يصح الاقتداء به في الجملة على المذهب: كل من صحت صلاته في نفسه صحة مُغْنِيَةً عن القضاء صح الاقتداء له إلا المقتدي، وما لا فلا، وإن أردت التفصيل، فطالع ما ذكره الشيخ مع ما ذكرناه، يحصل لك المقصود، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٤ ]