إذا أراد- أي: من ليس بالحرم، فوق الميقات، أو دونه- العمرة، أحرم من الميقات؛ لقوله ﵇- في حديث المواقيت المتقدم: "وهن لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة .. " إلى آخره.
وقد تقدم ذكر سنن الإحرام من الغسل وغيره بما يغني عن الإعادة.
قال: فإن كان من أهل مكة، خرج إلى أدنى الحل، [أي:] ولو بخطوة؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم؛ كالخارج.
وقد استدل على وجوب ذلك في حقهما بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ..﴾ الآية [البقرة: ١٢٥].
أي: مرجعًا، وكل الحرم منسوب إلى البيت؛ فافتقر إلى القصد إليه من الحل.
وقد ادعى الصيدلاني: أن الجمع بين الحل والحرم في الحج من أركان الحج، وقاس عليه العمرة؛ كما ذكرناه؛ وهذا بخلاف ما إذا أراد المكي الحج، فإنه يحرم به من جوف مكة؛ حتى لو أحرم به من أدنى الحل، وجب عليه دم الإساءة، ولو أحرم به من خارج مكة في الحرم، ففي وجوب دم الإساءة خلاف مذك ورفي الطريقين.
واعلم أن قول الشيخ: "فإن كان من أهل مكة، خرج إلى أدنى الحل" يفهمك: أن [من] كان بالحرم، فحكمه كذلك وإلا لكان الخروج إلى الحرم كافيًا، وقد صرح
[ ٨ / ٣ ]
به الأصحاب حتى النواوي في "المناسك".
فرع: لو أراد من هو بمكة القرآن، فمن أي موضع يحرم؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين":
أحدهما: من أدنى الحل؛ لأنه يريد النسكين، وهو اختيار القفال.
والثاني- وهو الأصح عند القاضي الحسين والبغوي-: من جوف مكة؛ لأن العمرة تتبع الحج في القرآن؛ فتبعته في مكان الإحرام.
ولا خلاف عندنا في أنه إذا جاوز الميقات وهو يريد الحج والعمرة، ثم أحرم بالحج، ثم اعتمر من أقرب الحل: أنه يجوز، ولا دم عليه؛ لأجل إحرامه من أدنى الحل؛ كما لو لم يرد العمرة؛ قاله في "البحر".
قال: والأفضل أن يحرم من التنعيم؛ لأن النبي - ﷺ - بعث مع عائشة عبد الرحمن ابن أبي بكر في عام حجة الوداع، وأمرها أن تعتمر من التنعيم؛ كما أخرجه البخاري ومسلم [وغيرهما في حديث طويل.
وأخرج مسلم] عن جابر في حديث آخر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم"، وذلك ليلة الحَصْبَة.
وقال النواوي: مذهب الشافعي﵁- أن أفضل جهات الحل لإحرام العمرة: أن يحرم من الجعرانة، ثم بعدها التنعيم، ثم الحديبية، وهو المذكور في "تعليق" [القاضي أبي الطيب، والحسين، والبندنيجي، و"الحاوي"، و"الشامل"، و"الإبانة"، و"النهاية".
قال] القاضي الحسين وتبعه البغنوي وغيره: لم يَبْنِ الشافعي﵁- هذا على القرب والبعد؛ لأن الحديبية أبعد الأماكن، وإنما قدم فعله﵇- ثم أمره، ثم همه.
وأشاروا بالفعل إلى ما روي أنه﵇- أحرم بالعمرة من الجعرانة،
[ ٨ / ٤ ]
حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة؛ كما خرجه مسلم.
و[أشاروا] بالأمر: إلى أمره - ﷺ - عائشة بأن تحرم من التنعيم؛ كما تقدم.
و[أشاروا] بالهم: إلى أنه - ﷺ - هم بأن يحرم بالعمرة من الحديبية في سنة ست من الخهجرة، ويدخل مكة، فَصُدَّ، وهذا فيه منازعة من وجهين:
أحدهما: أن البندنيجي قال: أبعد الحل إلى الحرم الجعرانة، وهو الذي ذكره في "البحر".
وقال الرافعي: إن الجعرانة على ستة فراسخ من مكة، والحديبية كذلك، وهذا يؤذن بالتساوي.
الثاني: أن مسلمًا روى أنه﵇- أحرم من الحديبية بعمرة أو زَمَنَها.
وقد قال الشافعي﵁- كما سنذكره: "إنه لا خلاف بين أهل التفسير أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله - ﷺ -، وحال المشركون بينه وبين البيت، فنحر، ثم حلق"؛ وهذا صريح في أنه أحرم منها إن لم تكن العمرة التي همَّ بها غير هذه العمرة، وهو الظاهر.
وإذا كان كذلك فما قدم الشافعي أمره - ﷺ - على همه، وإنما قدمه على فعله، وحينئذٍ فيقال:
[ ٨ / ٥ ]
لم قدم الشافعي﵁- أحد الفعلين على الأمر وأخر الآخر [عنه].
وكأن الغزالي- والله أعلم- استشعر ذلك؛ فخرج عنه بقوله- كما حكاه عنه ابن يونس، وابن التلمساني: إن الأفضل أن يحرم من الجعرانة، ثم من الحديبية، [ثم من التنعيم، وقدم فعله بالجعرانة على فعله بالحديبية؛] لأن إحرامه من الجعرانة كان في سنة سبع، ومن الحيبية في سنة ست، والعمل بالمتأخر أولى.
لكن الذي ذكره في "الوسيط"، و"الوجيز" ما حكيته عن الإمام وغيره، وما حكي عنه يمكن أخذه من قول الإمام: ولقائل أن يقول: ما نزل رسول الله - ﷺ - الحديبية عن اختيار، وإنما صُدَّ اضطرارًا، فتقديم ما أمر به على ما كان خاض فيه، ولم يتم له على اضطرار فيه بعض النظر.
قال: ولكن يوجه ما ذكره الشافعي أنه﵇- أعمر عائشة من التنعيم، وكان متمكنًا من إعمارها من الحديبية؛ فاقتضى ذلك تقديم [ما أمر به].
قلت: وهذا بعينه يمكن أن يكون مأخذ الشيخ في ترجيحه التنعيم على الجعرانة؛ لأن إحرام النبي - ﷺ -[منها] كان في سنة سبع في عمرة القضاء أو القضية؛ كما تقدم- وأمره - ﷺ - عائشة﵁- بالإحرام من التنعيم، كان في عام حجة الوداع في سنة عشر.
ويمكن أخذه من وجهٍ آخر: وهو أن الكلام فيمن كان بمكة، وأراد الإحرام بالعمرة، والذي وجد في سنة رسول الله - ﷺ - في هذه الصورة الأمر بالإحرام من التنعيم؛ فكان هو المتبع، ولا يعارضه إحرامه- علي السلام- من الجعرانة؛ لأنه حيث أراد الإحرام منها لم يكن بمكة، وخرج منها [إليها فأحرم منها]، وإنما كان ذلك حين قفل من حنين، كما قاله ابن الصباغ.
وأفهم كلامه أن الشافعي﵁- قاله.
لكن الإمام حكى عن الشافعي أن رسول الله - ﷺ - أتى بعمرة الجعرانة عام القضاء- أي: وهي سنة سبع كما تقدم- ثم قال الإمام: ولم أرَ لهذا التاريخ ذكرًا في كتب الحديث، وفيه إشكال من جهة أن ذا الحليفة كان على ممر رسول الله - ﷺ -،
[ ٨ / ٦ ]
وكان في قصده مكة للعمرة، فيبعد منه - ﷺ - مجاوزة الميقات مع قصده النسك.
والأظهر: أنه كان أحرم من ذي الحليفة لتيك العمرة، وعمرة الجعرانة عمرة أخرى برز لها رسول الله - ﷺ - من الحرم، واختار من الحل تلك البقعة؛ ولأجل هذا قال ابن الصلاح في مناسكه: إن قول الشيخ في التنبيه ليس مرضيًا دليلًا ومذهبًا.
وقال النواوي في "الروضة": إنه غلط.
وتأول بعضهم كلام الشيخ، فقال: إذا أراد المكي أن يقتصر في إحرامه بالعمرة على الواجب، وهو الإحرام [من أدنى الحل] فليكن من التنعيم؛ لأنه أقرب الحل إلى البيت؛ كما قاله ابن الصلاح، والإمام، والبغوي.
والتنعيم عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة، وهو الذي حكاه الرافعي.
قيل: سمي بذلك؛ لأن عن يمينه جبلًا يقال له: نعيم، وعن شماله جبل يقال: ناعم، والوادي: نعمان. والله أعلم.
قال: فإن أحرم بها- أي: بمكة وما في معناها من الحرم- ولم يخرج إلى أدنى الحل- أي: حتى تحلل- ففيه قولان- أي: منصوصان في "الأم".
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الشرط في النسك أن يجمع في إحرامه بين الحل والحرم- كما تقدم- ولم يوجد.
وعلى هذا يبقى على إحرامه إلى أن يخرج، ثم يأتي بالطواف، والسعي، والحلق أو التقصير؛ إن قلنا: إنه نسك؛ كما سيأتي وعليه دم الحلق؛ إن كان قد حلق؛ لأنه فعله قبل الطواف.
ولو كان قد جامع ظنًا منه: أنه تحلل ففي فسادها قولان.
والثاني: يجزئه-[أي: ما أتى به من طواف وغيره] وعليه دم؛ كالآفاقي إذا جاوز الميقات مريدًا للحج، فأحرم من مكة؛ وهذا ما قاله ابن الصباغ عند التفريع عليه: إنه الصحيح، وتبعه صاحب "البحر"، والرافعي، والنواوي، وصاحب "المرشد".
لكن القائلون بالأول، فرقوا بين ما نحن فيه وبين ما إذا أحرم [بالحج] من مكة: بأن الحاج لابد له من قصد الحرم من الحل، وهو عند رجوعه من عرفات
[ ٨ / ٧ ]
لطواف الإفاضة، وبه حصل الجمع بين الحل والحرم.
وقد توافق القولان على انعقاد إحرامه، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب، والماوردي، والبندنيجي، والقاضي الحسين، وادعى الإمام أنه لا خلاف في ذلك.
وفي "الإبانة" حكايتهما في أن إحرامه هل يصح أم لا؟
وتبعه المسعودي في ذلك، ولعله مئوّل على ما ذكرناه.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا خرج إلى أدنى الحل: أنه يجزئه قولًا واحدًا، ومحله إذا كان خروجه إلي قبل الطواف والسعي، كما صرح به الأصحاب، وقالوا: لا يجب عليه دم؛ لأنه زاد خيرًا؛ فإنه من طريق التمثيل بمثابة من أحرم قبل الميقات، ثم مرَّ عليه.
وحكى الإمام أن من أصحابنا من خرَّج إيجاب الدم على الخلاف المشهور في عود المسيء بالإحرام دون الميقات، ثم عاد إليه.
وذلك- أيضًا- إذا خرج بقصد النسك فلو لم يقصد بل خرج لبعض أشغاله، فالذي حكاه القاضي الحسين عن القفال: أن الحكم كذلك؛ لأنه [لا يراعي] القصد، وإنما المرعي حصوله به؛ كما لو حصل بعرفات، ولم يقصده، يحسب له الوقوف، وبهذا أجاب في "التهذيب".
ويظهر أن يجيء فيه ما ذكرناه في الوقوف.
واعلم أن قول الشيخ: "وإن كان من أهل مكة " إلى آخره يفهم مع قوله من قبل: "ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أراد أن يحرم، أهلَّ من موضعه" اختصاص إيجاب الخروج للإحرام بالعمرة من أدنى الحل بأهل مكة، دون الآفاقي، وليس كذلك، بل من كان بمكة، وأراد أن يعتمر، وجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، سواء كان أهلها، أو آفاقيًّا، نوى الإقامة بها أو لا؛ فاعلم ذلك.
قال: ثم يطوف-[أي: طوافًا]- مثل طواف القدوم السابق، ويسعى، ويحلق، وقد حلَّ، لما روى مسلم أن عبد الله بن عمر قال: "تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس مع رسول الله - ﷺ -[بالعمرة] إلى الحج؛ فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله - ﷺ -
[ ٨ / ٨ ]
مكة، قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد .. " وساق الحديث.
وما ذكره الشيخ من اشتراط الحلق في الحل تفريعًا منه على أنه نسك؛ كما هو الصحيح، ويقوم مقامه التقصير، وعلى ذلك يدل الحديث.
أما إذا قلنا: إنه استباحة محظور، فلا يتوقف الإحلال عليه، وعليه يدل ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا"، فقدمت مكة وأنا حائض .. " وساقت الحديث إلى أن قالت: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلقوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدا".
قال في مختصر السنن: وقد أخرجه البخاري ومسلم.
فإن قلت: قد دلَّ الحديث على أن من ساق الهدي، وكان قد أحرم بالعمرة في أشهر الحج: أنه لا يحل بما ذكرتم، فهل تقولون به؟
قلنا: لا، وإنما قال به أبو حنيفة وأحمد حيث قالا: إذا ساق الهدي، لا يتحلل، بل يحرم بالحج إذا كان قد أراده، ثم يتحلل منهما جميعًا.
ودليلنا: أنه متمتع فرغ من [أعمال] عمرته؛ فحل من إحرامه؛ كما لو لم يسق الهدي.
وأما الخبر، فجوابه: أنه - ﷺ - وأصحابه، كانوا قد أحرموا إحرامًا مطلقًا، فأمر من لم يسق الهدي يجعله عمرة، ومن ساقه بجعله حجًّا، وحينئذ فلا حجة لهم فيه؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب عن الشافعي، وعزاه في "البحر" إلى نصه في "الأم".
[ ٨ / ٩ ]
فإن قلت: قد نقل البخاري في صحيحه: أنه﵇- وأصحابه كانوا [قد] أحرموا بالحج، فأمروا أن يفسخوه بعمرة، فقالوا: يا رسول الله، هذه لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: "بل لكم خاصة"؛ وهذا معارض لما رواه الشافعي.
قيل: وجه الجمع [أنه يحتمل] أن يكون﵇- أمر بعض أصحابه لا جميعهم بالفسخ، فإن جابرًا روى أن رسول الله - ﷺ - أمر الركب الذين كانوا معه بالفسخ، ولم يأمر الباقين بالفسخ، بل أمر من كان ساق معه الهدي: أن يجعلها حجة، ومن لم يكن ساق الهدي: أن يجعلها عمرة؛ فنقل الشافعي إحدى القضيتين، ونقل البخاري الأخرى.
قال أبو الطيب: ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - ومن كان معه جميعًا أحرموا إحرامًا مطلقًا، وأن جبريل﵇- أمره أن يصرف إحرامه إلى الحج، ويأمر بذلك أصحابه، ففعلوا.
ونقل الشافعي هذا القدر من الخبر.
ثم أمرهم النبي - ﷺ - أن يفسخوا حجهم بعمرة، وقصد بذلك خلاف المشركين [في قولهم:] إن العمرة في أشهر الحج [من] أفجر الفجور، وكان الفسخ آكد في باب البيان.
ونقل البخاري هذا القدر من الخبر دون ما قبله.
[ ٨ / ١٠ ]
نعم: يستحب لمن ساق الهدي أن ينحره قبل الحلق، سواء قلنا: إنه نسك أم لا، ويستحب أن يكون عند المروة؛ كما تقدم.
وقد تقدم أن المعتمر يقطع التلبية عند الشروع في الطواف، لأن به يأخذ في التحللل؛ وقد روى أنه﵇- قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر".
وتقدم- أيضًا- أن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، بخلاف الحج، و[تقدم] الفرق بينهما.
فرع: القارن بين الحج والعمرة صفة ما يفعله صفة المفرد بالحج؛ فيكفي عنهما طواف واحد وسعي واحد، لرواية مسلم عن عائشة: أنها حاضت بسرف، وتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وعن طاوس أنه كان يحلف بالله ثلاثة: ما أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - قرن، وطاف طوافين.
وبالقياس على الحلق، فإنه يكفي فيه [حلق] واحد بالاتفاق، وبذلك يبطل مذهب المخالف، [والله أعلم سبحانه].
[ ٨ / ١١ ]