الجمعة: بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، ثلاث لغات حكاها الفراء والواحدي، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس لها؛ فإن الجمعة جمع الجماعات، وقد اجتمعت في ذلك اليوم.
وقيل: [إنما] سميت بذلك؛ لكثرة ما جمع الله- تعالى- في ذلك اليوم من خصال الخير.
والجمعة اسم شرعي، جمعها: جمعات وجمع، وكان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة.
قال في "الأم": و"اعلم أن يوم الجمعة اليوم الذي بين الخميس والسبت، من العلم الذي نقلته الجماعة عن الجماعة عن النبي ﷺ كما نقلت أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث".
وأراد بذلك بيان أن ذلك ثابتٌ بالتواتر؛ رادًّا على من قال بخلافه.
وقد دل على وجوبها- قبل الإجماع، وما سنذكره من الأخبار- من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] أي: فامضوا، من قولهم: فلان يسعى في الأرض مرحًا، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقد روي عن عمر أنه كان يقرأ: "فامضوا إلى ذكر الله"، [كذا] قال ابن الصباغ- ﴿إِلَى
[ ٤ / ٢٦٨ ]
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فأمر بالسعي إلى الذكر، وهو الصلاة أو الخطبة على اختلاف فيه، وظاهر الأمر الوجوب، وإذا كان السعي واجبًا، فكذلك ما يسعى إليه، ونهى عن البيع وهو مباح، ولا ينهى عن فعل المباح إلَّا لفعل ما هو واجب، ووبّخ تاركها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الآية [الجمعة: ١١] ولا يوبخ إلا على ترك واجب.
قيل: وكان السبب في نزول السورة أنه قيل: يا رسول الله، لليهود يوم، وللنصارى يوم؛ فاجعل لنا يومًا؛ فنزلت. وسبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الآية، ما رواه جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا، فأنزلت هذه الآية التي في "الجمعة": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [١١]، أخرجه مسلم.
ورواية البخاري عنه أنه قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا؛ فنزلت.
وقال﵇- وهو على أعواد منبره: "لينتهيَنَّ أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين"، أخرجه مسلم.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
وقال: "من ترك الجمعة ثلاث مرَّات تهاونًا بها، طبع الله على قلبه" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن رواية أبي الجعد الضمري.
وأول جمعة أقيمت في الإسلام بالمدينة قبل الهجرة، أنفذ إليها رسول الله ﷺ مصعب بن عمير أميرًا عليها، وأمره أن يقيم الجمعة، فنزل على أسعد بن زرارة، وكان من النُّقباء، فأخبره بأمر الجمعة، وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه، فصلى أسعد بالناس الجمعة في حيِّ بني بياضة، فهي أول جمعة صليت في الإسلام، ولم يقمها النبي ﷺ بمكة؛ لأنه لم يكمل عددها عنده، أو لأن الجمعة من شعارها
[ ٤ / ٢٧٠ ]
الإظهار والانتشار، وقد كان﵇- خائفًا من قريش، لا يقدر على مجاهرتهم؛ فلذلك لم يصلها.
قال الماوردي: على أنه يجوز أن تكون الجمعة قبل الهجرة [لم تفرض على الأعيان، ثم فرضت على الأعيان بعد الهجرة]؛ لأن جابرًا سمع رسول الله ﷺ يقول على منبره بالمدينة: "إنَّ الله﷿- فرض عليكم الجمعة في عامي هذا، في شهري هذا، في ساعتي هذه، فريضةً مكتوبةً"؛ فدل على أن الجمعة لم تكن فرضًا قبل ذلك اليوم.
وهي أفضل الصلوات، كما قاله الماوردي في باب صلاة التطوع.
ويومها أفضل أيام الأسبوع على وجه حكيناه عن رواية القاضي الحسين في باب صوم التطوع، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ*﴾ [البروج]، قال أهل التفسير: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة.
وقد روى ذلك عطاءٌ وابن المسيب عن النبي ﷺ، وهو ما ذكره البندنيجي.
[ ٤ / ٢٧١ ]
وقوله﵇-: "نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أوَّل من يدخل الجنَّة، بيد أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقِّ؛ فهذا يومهم الَّذي اختلفوا فيه هدانا الله له- قال يوم الجمعة- فاليوم لنا، وغدٌ لليهود، وبعد غدٍ للنَّصارى" أخرجه مسلم.
فقوله: "فهذا يومهم الَّذي اختلفوا فيه" بيان أنه ما من أمّةٍ من الأمم إلا أمروا بتعظيمه، إلا أن اليهود ضلوا عنه إلى يوم السبت، والنصارى إلى يوم الأحد.
وقوله﵇-: "خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم السَّاعة، وما من دابَّةٍ إلا وهي مصيخةٌ يوم الجمعة من حين تصبح إلى [حين تطلع] الشَّمس؛ شفقًا من السَّاعة، إلا الجنَّ والإنس، وفيه ساعةٌ لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي يسأل الله﷿- شيئًا إلا أعطاه" أخرجه أبو داود.
وزاد مسلم: "فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنَّة، وفيه أخرج منها".
وقال في شأن الساعة: "وهي ساعة خفيفة"، وقال: "لا يوافقها مسلمٌ قائمٌ
[ ٤ / ٢٧٢ ]
يصلِّي".
ومعنى "مصيخة"، أي: مستمعة.
ويروي: "مسيخة"، أي: جادَّة حذرة، وهي من الأضداد، يقال: أساخ: إذا أقبل، وأساخ، أي: أعرض؛ قاله القاضي الحسين.
وقال الخطابي: أصاخ وأساخ، بمعنىً واحدٍ.
قال: "من لزمه الظهر"، أي: في غير يوم الجمعة، وهو البالغ، العاقل، المسلم؛ كما قاله البندنيجي والماوردي، وهو رأي الشيخ- لزمه الجمعة؛ لقوله﵇-: "اعلموا أنَّ الله فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ؛ استخفافًا أو جحودًا- فلا جمع الله شمله، ولا بارك في أمره".
ولما تقدم من خبر أبي الجعد وغيره، [وسيأتي] ما يعضده.
وقد بين الشيخ بقوله: "من لزمه الظهر .. لزمه الجمعة" أنها فرض على الأعيان؛ لأن الظهر كذلك، وقد قال بعض أصحابنا: هي فرض على الكفاية؛ أخذًا من قول الشافعي: "ومن وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين"، والعيدان من فروض الكفاية؛ فكذلك الجمعة؛ حكاه القاضي أبو الطيب، وابن كجٍّ؛ ولأجله زعم بعض الأصحاب أنه قول للشافعي.
[قال في "البحر": وهو غلط منه، ولا يجوز حكاية هذا عن الشافعي]. وهو في ذلك متبع لأبي إسحاق؛ فإن القاضي أبا الطيب حكى عنه أنه قال: لا يحل أن يحكي هذا المذهب عن الشافعي، والذي قاله أخطأ خطأ عظيمًا، ولا يختلف المذهب أن الجمعة فرض على الأعيان، والعيدان سيأتي الكلام فيهما، وتأويل النص مذكور ثمَّ.
نعم، اختلف الأصحاب في أن الجمعة صلاة على حيالها أو هي ظهر
[ ٤ / ٢٧٣ ]
مقصور بشرائط؟ وكذا حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب".
وقال القاضي الحسين عند الكلام في مسائل الزحام: إن القفال قال: إنّ ذلك مستنبط من مسألة قالها الشافعي: لو أن جماعة شرعوا في صلاة الجمعة، فأخبروا في [خلال الصلاة] بأن طائفة أخرى قد سبقتهم بصلاة الجمعة، قال الشافعي: "أحببت لهم أن يستأنفوا الظهر؛ فإن أتموها ظهرًا، لم يبن لي أن عليهم الإعادة".
فقوله: جاز لهم أن يتموها ظهرًا- دليل على أن الجمعة ظهر مقصور.
وقوله: "أحببت لهم أن يستأنفوا الظهر"- دليل على أن الجمعة فرض آخر.
والماوردي حكى ذلك قولين، ونسب الأول إلى الجديد، والثاني إلى القديم.
وغيره عبَّر عن ذلك بأن فرض يوم الجمعة: الجمعة، أو الظهر والجمعة بدل؟ فيه قولان: الجديد الأول، والقديم الثاني، كذا حكاه البندنيجي وغيره.
وبنى صاحب "التقريب" على ما حكاه أمر النية، فقال: إن قلنا: إنها صلاة على حيالها، نوى الجمعة، ويكفيه. وإن قلنا: إنها ظهر مقصور، فإذا نوى الجمعة، فهل يتعرض لقصد القصر أم يكفيه؟ فيه وجهان، أصحهما: الاكتفاء أيضًا.
ولو نوى ظهرًا مقصورًا من غير تعرض لكونها جمعة؛ فعلى الأول لا تصح، وعلى الثاني وجهان:
وجه الصحة: أنه نوى الصلاة على حقيقتها.
ووجه المنع: أن القصد [بالنيات] التمييز ولم يحصل.
قال: إلا العبد؛ لما روى طارق بن شهاب عن النبي ﷺ أنه قال: "الجمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبي، أو مريضٌ". أخرجه أبو داود.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
[ ٤ / ٢٧٥ ]
فإن قيل: قد قال أبو داود: إن طارقًا لم يسمع من رسول الله ﷺ [فهو مرسل. قلنا: قد قال: إن طارقًا] صحابي، وإرسال الصحابي كالمسند عند الشافعي﵀- لأن الصحابة كلهم عدول بتزكية الله- تعالى- ورسوله ﷺ.
ولأنه ممنوع من التصرف لحق السيد؛ فأشبه المحبوس لحق الغريم.
ولا فرق في ذلك بين أن يأذن له السيد في الحضور أو لا.
وادّعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليه.
وفي "الجيلي" حكاية وجه في الوجوب في حالة الإذن، ولم أره في غيره.
نعم، قالوا في هذه الحالة: يستحب له الحضور.
وكذا لا فرق [فيه] بين القنِّ، والمكاتب، والمدبَّر، والمعلَّق عتقه بصفة؛ لانطلاق الاسم عليه. ومن بعضه حرٌّ وبعضه عبد كذلك عند الجمهور.
وقال البندنيجي: إنه قال في "الأم": إذا كان بينه وبين سيده مهايأة، ووافق يوم نفسه لم أرخص له في تركها، ولا يبين لي أن يخرج كما يخرج الحر.
قال: فكأنه جعلها في حقه آكد من العبد، وأما الوجوب فلا.
وقد حكى الفوراني- وتبعه المسعودي- قولًا في هذه الحالة في الوجوب، وكأنه- والله أعلم- أخذ ذلك من هذا النص.
ووجه المنع: أن فيه شعبةً من الرق.
وقال الإمام: إنه مدفوع في نوبة نفسه إلى الجدِّ في الكسب لنصيبه الحر؛ فهو في شغل شاغل لمكان الرق.
قال: والمرأة؛ للخبر، ولأنها مأمورة بالستر والانعزال، وحضور الجمعة يستلزم المخالطة؛ فلا يؤمن الافتتان.
قال القاضي أبو الطيب: ولأن الأنوثة نقص لازم لا يزول، والرق نقص يزول، فلما كان إجماعنا على أن ارق يسقط الجمعة؛ فالأنوثة بذلك أولى.
وقد ادعى ابن المنذر الإجماع على ذلك.
نعم، هل يستحب لها حضورها؟ ينظر: إن كان شابة فلا، وإن كانت عجوزًا فنعم.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
قال الشافعي في "الأم": وأحبُّ للعجائز- إذا أذن لهن أزواجهن- في حضورها.
والخنثى المشكل هل تجب عليه؟ فيه وجهان في "الذخائر":
أحدهما: نعم؛ لاحتمال كونه رجلًا، وأمر العبادات يؤخذ فيه بالاحتياط.
والثاني: لا، وهو ما حكاه الرافعي عن البغوي، ولم يذكر غيره؛ لأن الأصل عدم الوجوب إلا بالشرط، ولم يتحقق.
قال: والمسافر؛ لما روي عن تميم الداري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجمعة واجبةٌ إلا على خمسةٍ: امرأة، أو صبي، أو مريض، أو مسافر، أو عبد" خرَّجه رجاء بن المرجى الحافظ في "سننه"، وقد كان﵇- يكثر الأسفار، ولم ينقل أنه صلاها في سفره قط، ولو كانت واجبة على المسافر لفعلها، ولو فعلها لاشتهرت ونقلت.
ولأنه مشغول بالسفر وأسبابه، وفي توجُّه الجمعة عليه قطع له عن ذلك، وفيه إضرار به؛ فلم تجب.
ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير؛ صرح به القاضي الحسين.
قال: والمقيم في موضع، أي: خارج عن البلد، لا يسمع فيه النداء [من الموضع الذي يصح فيه الجمعة؛ لمفهوم قوله﵇- "الجمعة على من سمع النِّداء"] أخرجه أبو داود.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
قال الإمام: وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] مشعر باعتبار النداء.
والمراد بالنداء الذي يتعلق به وجوب حضور الجمعة، وبعدم سماعه عدم الوجوب- ليس الأذان كما قال المتولي؛ بل أن ينادي من له صوت عالٍ عرفًا غير متجاوز في العادة في وقت تكون الرياح فيه ساكنة؛ لأن الريح قد تمنعه أو توصله والأصوات هادئة وهو في جنح الليل كما قال الإمام، ويكون من ليس بأصم مصغيًا قاصدًا إلى الاستماع.
وكلام القاضي الحسين مصرح بأنه الأذان.
وعلى كل حال فأي موضع يعتبر أن يكون فيه المنادي؟ فيه أربعة أوجه، حكاها القاضي الحسين:
أضعفها: أنه يكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة.
والثاني- وهو دونه في الضعف-: يكون في الموضع الذي تقام فيه الجمعة.
والثالث- قال: وهو الأعدل-: يكون بوسط البلد، وقد حكاه الإمام عن رواية بعض المصنفين، وقال: إنه ساقط غير معتدٍّ به؛ فإن البلد قد تتسع خطته بحيث يكون صوت المنادي إذا كان وسطه [لا] يبلغ الأطراف، فضلًا عن أن يتعداها إلى قراها.
والرابع- وهو ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما من العراقيين
[ ٤ / ٢٧٨ ]
والغزالي، وقال في "الإبانة": إنه الأصح-: أنه يكون في موضع يجوز أن تقام فيه الجمعة من الجانب الذي يلي المستمع بحيث لا يكون إلى ذلك الجانب موضع يصح أن تقام فيه الجمعة أقرب منه.
ولا يعتبر أن يصعد على منارة أو موضع عال؛ لأن حد الارتفاع لا ينضبط.
قال القاضي أبو الطيب: اللهم إلا أن يكون البلد بين شجر وغياض، مثل طبرستان؛ فإن أصحابنا قالوا: لابد من أن يعلو المؤذن على السور والمئذنة؛ لأنه إذا نادى على وجه الأرض لا يسمع لاشتباك الشجر؛ فوجب أن يعتبر نداؤه على مكان عال؛ لأجل ذلك.
هكذا رأيته في "تعليقه"، وعبارة ابن الصباغ في حكاية ذلك عنه قريبة منه.
وقال الرافعي: إنه قال في طبرستان: ينبغي أن يقف على موضع يعلو عليها.
وأطلق القاضي الحسين القول [بأنه] يقف على نشزٍ أو مكان مرتفع، ولم يخص ذلك بطبرستان ولا غيرها.
وقد سكت الأصحاب عن الموضع الذي يقف فيه المستمع، والظاهر أنه موضع إقامته كيف كان.
وإذا لم يعتبر في [حقِّ] المنادي الصعود على موضع عالٍ، فهل يعتبر استواء الأرض؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وإليه ميل ابن الصباغ، حتى لو كانت قرية على جبل تسمع النداء؛ لعلوها، ولو كانت مستوية لم يسمع- لم تجب، ولو كانت في وادٍ لا يسمع النداء؛ لاستفالها، ولو كانت مستوية لسمع- وجبت، وهذا ما حكاه القاضي أب الطيب.
ومقابله: أنه لا يعتبر؛ فتجب على من سمع [كيف كان، ولا تجب على من لم يسمع]؛ ذكره الشيخ أبو حامد في "التعليق"، ولم يحك البندنيجي، والطبري في "عدته"، وكذا القاضي الحسين- غيره، وفرَّع عليه ما إذا كانت قرية على
[ ٤ / ٢٧٩ ]
جبل يقام فيها الجمعة، وبإزائها قرية على جبل لم يكمل فيها العدد وهم يسمعون النداء؛ [وبين الجبلين قرية لا تسمع النداء]، ولم يكمل فيها العدد- فإنه يجب على أهل القرية التي على الجبل الحضور إلى القرية التيتنعقد فيه الجمعة، وفي أهل القرية المستفلة وجهان:
وجه الوجوب: أنها إذا وجبت على الأبعد، فلأن تجب على الأقرب أولى.
وحكي الإمام عن شيخه أنه كان يقول: لو فرضت قريتان في جهة واحدة، وكانت إحداهما في وَهْدَةٍ، وكان النداء لا يبلغها لذلك، وكان يبلغ الأخرى الموضوعة على الاستواء، وهي في مثل مسافة القرية الأخرى- فيجب على أهل القرية الموضوعة في الوهدة [الجمعة]؛ نظرًا للمسافة، ومصيرًا إلى أنهم في محل السماء للنداء، ولكن انخفاض قريتهم مانع من السماع.
قلت: وقياس ذلك أن يقال: إذا ضبطت المسافة التي يسمع فيها النداء على الوجه السالف، يجب أن تكون تلك المسافة هي المعتبرة في سائر البلاد، ولا حاجة بعد ذلك إلى اعتباره في كل ناحية وقطر، ولا يقال: إن الناس يختلفون [في] الاستماع وحدَّته؛ لأنا إنما نعتبر المعتاد في ذلك، ولا ننظر إلى من جاوز العادة في حد السماع كما يحكي من حدَّة [نظر] زرقاء اليمامة، والله أعلم.
أما من هو داخل البلد، فيجب عليه الحضور، سواء سمع النداء أو لم يسمعه اتفاقًا؛ لأنه ما من موضع إلا وهو محل للنداء، [ومحل] لأن تقام فيه الجمعة، كذا قاله البندنيجي.
وغيره قال: إن البلد بني للجمعة الواحدة كما أن المسجدين للجمعة الواحدة.
قال: والمريض، أي: الذي يخاف الزيادة في المرض إذا حضر أو تلحقه مشقة غير محتملة؛ لخبر تميم الداري، وسنذكر ما يدل عليه أيضًا.
ولا يشترط في المشقة أن تبلغ الحد الذي يجوز لأجله القعود في الصلاة المفروضة، بل يكفي أن تكون مقيسة بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر، وبما
[ ٤ / ٢٨٠ ]
ينال من يفوته موت قريبه من المضض؛ قاله الإمام.
وأما من لا تلحقه مشقة في حضوره أو مشقة محتملة، وهي ما دون ذلك- فيلزمه الحضور.
وعبارة القاضي الحسين في التعبير عن ذلك: أن المريض إذا كانت داره قريبة من المسجد بحيث يمكنه حضور الجامع، فعليه أن يحضر، ويصلي الجمعة، ولا يجوز أن يصلي الظهر. وإن كانت داره بعيدة، وكان يجد مركبًا يركبه- إما ملكًا أو استئجارًا أو عاريَّة- فعليه أن يركب، ويحضر. وإن كان لا يجد وتلحقه المشقة، فلا يجب.
ومن لا يقدر على المشي لزمانةٍ أو كبر سنٍّ يلحق عنده بالمريض: إن قدر على من يحمله إلى الجامع، لزمه الحضور، وإلا فلا.
قال في "الحلية": وليس بصحيح.
وكذا حكي عنه في الأعمى أنه قال: إن كان يحسن المشي بغير قائد، لزمه الحضور، ثم قال: وليس بصحيح.
والمذكور في "المهذب": أنه إن قدر على قائد لزمه، وإلا فلا؛ لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد. قال في "التتمة" عند الكلام في صلاة المريض: ويجب عليه أن يستأجر القائد، أي: إن لم يتبرع.
قال: والقيِّم بمريض، أي: قريب له أو أجنبي يخاف ضياعه، أي: إن غاب، سواء كان لا خادم له غيره أو له خادم مشغول بشراء الأدوية ونحوها؛ لأن دفع الضرر عن المسلم من المهمَّات الدينية، ولا جابر لها في هذه الحالة، والجمعة لها بدل.
ولا فرق في ذلك بين أن يخشى معه الهلاك أو لا.
وقيل: إن كان لا يخاف على نفسه الهلاك، بل يلحقه ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ دفع فروض الكفايات- فهذا ليس بعذر؛ لأن ذلك مما يكثر، وتجويز التخلُّف بذلك قد يتداعى إلى تعطيل الجمعة.
وقيل في هذه الحالة: يفرق بين الأجنبي والقريب؛ لزيادة المشقة والرقة على القريب.
[ ٤ / ٢٨١ ]
والأفقه الأول، وهو اختيار الصيدلاني؛ لأنه ربما اعترضه أمر أفضى به على الهلاك.
قال: أو قريب يخاف موته؛ لأنه روي عن ابن عمر﵁- أنه تطيَّب للجمعة، فأخبر أن سعيد بن زيد منزولٌ به، وكان قريبًا له؛ فأتاه، وترك الجمعة.
والمعنى فيه: شغل القلب السالب للخشوع لو حضر.
وألحق القاضي الحسين والبغوي بذلك ما إذا كان لا يخاف موته، لكنه كان يستأنس به.
وكلام الشيخ يأبى التخلف لذلك، وكذا التخلف عند عدم الأنس به من طريق الأولى، وإن كان يلحقه شغل قلب عليه؛ لشدة مرضه، وبه قال أبو إسحاق في الأخيرة، وهو المذهب كما قال في "الفروع".
وعن [ابن] أبي هريرة: أنه يجوز له ترك الجمعة فيها.
وقد أفهم كلام الشيخ [أن ما ذكره] لا يجري في غير القريب مملوكًا كان أو زوجًا أو صهرًا أو صديقًا أو غير ذلك، ولاشك فيه عند انتفاء ما ذكرناه، وأما مع وجود الملك أو الزوجيَّة أو المصاهرة، فقد قال ابن الصباغ: إن ذلك كالقرابة، وطرده القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي والماوردي في الصديق.
وقال الإمام: لا يجوز الترك لمكان الصداقة أصلًا، وأبدى ما ذكرناه في المملوك والزوجة احتمالًا لنفسه، حيث قال: هما عندي في معنى القريب؛ لأن الأصحاب لم يفصلوا في القريب بين من يقرب إدلاؤه، وبين من يبعد.
قال: ومن تبتلُّ ثيابه بالمطر في طريقه؛ لأنه روي عن ابن عباس أنه أمر مؤذِّنه في يوم الجمعة في يوم مطر: "إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله ..، فلا تقل: حيَّ على الصلاة، وقل: صلُّوا في بيوتكم"، فلما استنكر الناس ذلك قال: "فعله من هو
[ ٤ / ٢٨٢ ]
خير مني". رواه مسلم.
وروى أبو داود عن أسامة بن عمير أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية يوم الجمعة، فأصابهم مطر، لم يبتلَّ أسفل نعالهم؛ فأمرهم أن يصلوا في رحالهم.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط مع ذلك الوحل، وقد اشترطه القاضي الحسين، وقال: لو وجد أحدهما لم يجز الترك.
نعم: لو ركب المطر سطوح الدكاكين في الأسواق، وتقطَّر الماء من سقوف الأسواق، فإنه يجوز ترك الجمعة لأجله؛ لأن الغالب نجاسته.
وحكى الروياني في "تلخيصه" في باب صلاة الجماعة: أنّ المطر والوحل لا يجوز عند اجتماعهما ترك الجمعة عند بعض أصحابنا، وليس بشيء.
قال: ومن يخاف من ظالم، أي: على نفسه، أو ماله؛ لسرقة، أو غصب، أو غير ذلك؛ لقوله﵇-: "من سمع النِّداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذرٍ"، قالوا: وما العذر؟ قال: "خوفٌ أو مرضٌ" رواه أبو داود عن رواية ابن عباس.
ومنهم من أوقفه على ابن عباس.
وروى أبو بكر بن المنذر عن عمر وأبي هريرة وأنس مثل ذلك.
وقد أفهم كلام الشيخ أن الخوف ممن ليس بظالم لا يمنع الوجوب؛ كالخوف من الإمام أن يستوفي منه [حدّ الزنى والسرقة ونحوهما، ومن المقذوف أن
[ ٤ / ٢٨٣ ]
يستوفي حد القذف منه] ومن مستحق القصاص عليه أن يستوفيه.
ولاشك في أن الخوف من استيفاء الإمام حد الزنى والسرقة لا يمنع الوجوب؛ لأنه يسوغ العفو عن ذلك بعد ثبوته، والخوف من استيفاء القصاص يسقطها إذا كان يرجو منه العفو على مال أو [غير] مال؛ كذا حكاه الإمام في باب صلاة الجماعة عن رواية شيخه عن النص.
وحكى الفوراني وغيره مثله في ترك الجماعة عن النص أيضًا، واستشكله الإمام [ثمَّ].
والخوف بسبب استيفاء حد القذف ألحقه ابن الصباغ وأبو الطيب ومجلي بالخوف من حد الشرب؛ لأنه لا بدل له.
وألحقه البندنيجي والعجلي بالخوف من استيفاء القصاص؛ لأنه يسوغ العفو عنه.
وإن لم يرج العفو عنه وعن القصاص لم يكن عذرًا؛ قاله البندنيجي [وغيره]، قالوا: وذلك يحصل بظهور الأمارات، والاختفاء في هذه الحالة معصية أيضًا.
وقد أحال الأصحاب الكلام في باقي الأعذار على ما قدموه في باب صلاة الجماعة، وقالوا: كل عذر رخَّص ترك الجماعة المسنونة، فإنه يرخص في ترك الجمعة أيضًا؛ قاله البندنيجي والإمام وغيرهما من أهل الطريقين.
والقاضي أبو الطيب [نسب] هذا القول لأبي إسحاق وقال: إن العلة الجامعة بينهما أنه عذر يبيح ترك السعي إلى المسجد.
قال: فلا جمعة عليهم وإن حضروا؛ لأن العذر الذي منع الوجوب قبل الحضور باق بعد الحضور فمنعه أيضًا.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الأعذار المذكورة تمنع الوجوب، وهو
[ ٤ / ٢٨٤ ]
الذي نص عليه الشافعي.
وقال بعض الأصحاب: إن الأعذار [المذكورة مرخصة للترك.
قال مجلي: وفائدة الخلاف أن هذه الأعذار] إن كانت موجودة قبل حدثان سبب الوجوب- وهو دخول الوقت- لم يتوجه الخطاب على أربابها بفعل الجمعة، وكانت مسقطة للوجوب على قول الشافعي.
وعلى قول الآخر: وجبت، ويجوز تركها إلى غيرها.
ولو دخل وقت الوجوب [ولا عذر، وجبت الصلاة، فإذا طرأت الأعذار قبل فعل الصلاة سقط عنه الوجوب] على قول الشافعي، وجاز الترك مع بقاء الوجوب على القول الآخر.
قال: إلا المريض، ومن في طريقه مطر، أي: ومن في معناه؛ فإنهما إذا حضرا لزمهما الجمعة؛ لأن منع الوجوب كان لأجل مشقة الطريق، وقد زالت.
وقد أطلق الأصحاب ذلك في حق المريض، ووافق الإمام عليه في حالة حضوره حالة إقامة الجمعة، وقال فيما إذا حضر قبل الوقت: إن الوجه القطع بأن له الانصراف.
قلت: وكان لا يبعد تخريجه على جواز المسافرة قبل الزوال سفرًا لا تصلي فيه الجمعة.
قال: ولو حضر بعد دخول الوقت، وقبل إقامة الجمعة، وكان بين ذلك مدة- نظر:
فإن كان لا يناله مزيد مشقة في مصابرته في الجامع حتى تقام الجمعة، فيلزمه ذلك.
وإن كان تناله مشقة في ذلك، فالذي أراه أن له الانصراف.
قال الرافعي: وهذا فقيه، فالوجه حمل ما أطلقه الأصحاب عليه.
وألحق القاضي الحسين بمن استثناه الشيخ المريض، وكل من له شغل مهم مثل: أن يخاف ضياعًا على ماله و[ما] أشبه ذلك، وفيه نظر.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وعن صاحب "التلخيص" أنه ألحق العبد إذا حضر بمن في طريقه مطر في لزوم الجمعة له.
قال الإمام: وهو غلط باتفاق الأصحاب.
ونقل صاحب "الفروع" وجهًا أن المسافر إذا حضر، تعين لعيه فعل الجمعة، وقال: إن المذهب الأول.
وعلى هذا لو تحرم بالصلاة لا يجوز له الانصراف كالمريض، وهل يجوز للمرأة والعبد ذلك بعد التحرم بالصلاة؟ فيه وجهان عن حكاية الصيمري أصحهما في "الروضة": المنع؛ لأن صلاتهما انعقد بعد فرضهما؛ فتعين إتمامها.
واعلم أن قول الشيخ: "من لزمه الظهر لزمه الجمعة .. " إلى آخره- يقتضي أمورًا:
منها: أن المقيم في موضع لا يسمع فيه النداء من الموضع الذي تصح فيه الجمعة إذا حضره، لا تلزمه الجمعة، وبه صرح البندنيجي، وقال: إنه يكره له الانصراف قبل صلاة الجمعة.
ومنها: أن المقيم في موضع لا ينعقد فيه الجمعة [لكنه يسمع فيه من الموضع الذي تصح فيه الجمعة] أنه يلزمه الجمعة، سواء أكان يوم الجمعة يوم عيد وقد حضر العيد أو لا.
وهو وجه حكاه العراقيون مع وجه آخر: أنها لا تجب عليه وإن حضر في ذلك الموضع لصلاة العيد.
وادعى البندنيجي والماوردي أنه المنصوص، أي في "الأم"؛ لأنه قال فيه: "فيخطب الإمام، فيأذن لأهل السواد في الانصراف إلى أهاليهم إن شاءوا، وليس ذلك لأحد من أهل المصر"، وهذا ما صححوه؛ لأنه روي عن أبي هريرة أنه قال: اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله ﷺ فصلى العيد، وخطب، فقال: "أيُّها
[ ٤ / ٢٨٦ ]
النَّاس، قد اجتمع عيدان في يومٍ، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف".
وفي هذا الحديث دليل على أن الجمعة تقام، ولا تسقط عن أهل المصر؛ لأنه قال: "فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد".
والمعنى فيه: أنا لو أمرناه بالقعود، لحقه المشقة بفوات المقصود في يوم العيد من الانقلاب إلى الأهل والأكل معهم، ونحو ذلك مما يختص به العيد.
وإن أمرناه بالمضيِّ والعود لأجل الجمعة- قطع يومه بالغدو ذهابًا ورجوعًا، وفي ذلك مشقة شديدة، والجمعة تسقط بالمشقة بسبب الطين والمطر، وهي دون ذلك، ولا يكره لهم- لأجل ما ذكرناه من التعليل- الانصراف.
والقائلون بالأول حملوا نص الشافعي على أهل السواد الذين لا يبلغهم النداء.
ومنها: المستأجر في يوم الجمعة يجب عليه الجمعة؛ لأنه يلزمه الظهر، ولم يستثنه، وهو المذهب، ويجعل وقتها مستثنى من الإجارة كأوقات الصلاة.
وعن ابن سريج فيما رواه أبو الفضل أنه يجوز [له] ترك الجمعة بهذا السبب؛ حكاه الرافعي في أواخر كتاب الإجارة.
ومنها: المحبوس تجب عليه الجمعة؛ لأنه يلزمه الظهر، ولم يستثنه.
ولا خلاف في عدم الوجوب إذا كان لا يقدر على الخلاص، فإن قدر وجبت عليه.
قال: ومن لا جمعة عليه [مخيَّر بين الظهر والجمعة، أي]: فهو مخير بين الإتيان بالظهر؛ لأنه فرض وقته، وبين الإتيان بالجمعة؛ لأنها أكمل من الظهر،
[ ٤ / ٢٨٧ ]
والشرع أسقطها عنه؛ رفقًا به.
ولفظ الشافعي: "أن الظهر صلاة المعذورين، والجمعة صلاة من لا عذر له، فإذا اختار من له عذر أن يصلي صلاة من لا عذر له لم يمنع من ذلك، وسقط بها فرضه؛ ألا ترى أن المريض له أن يصلي صلاة الصحيح بتمام الأركان والأفعال؟! فكذا ها هنا".
ثم ظاهر لفظ التخيير يقتضي استواء الأمرين في الفعل والترك، وليس الأمر كذلك فيما نحن فيه، بل المستحب في حق العبد إذا أذن له السيد [في] الحضور، وسكت الأصحاب عما إذا لم يأذن له، والظاهر: أنه لا يجوز له ذلك إذا كان حضوره يفوت على سيده منفعة مقصودة لا تفوت عليه إذا صلى الظهر.
وإن [كان لا يفوت] حضوره ذلك فالظاهر أن فعل الجمعة أفضل- أيضًا- لأن له الصلاة في أوّل الوقت.
وقد حكى القاضي الحسين في باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق: أن السيد لا يجوز له منع عبده من الجماعة إذا لم [يكن له] معه شغل، ويقصد بمنعه تفويت الفضيلة عليه، وهذا دليل على ما ذكرناه.
و[ما] ذكره الماوردي في باب اختلاف نية الإمام والمأموم أنه لا يجوز للعبد أن [يؤم الناس] في الجمعة إلا بإذن سيده؛ لما فيها من تفويت خدمته- فيه أيضًا ما يشير إلى ما ذكرته، والله أعلم.
والمرأة لا يستوي في حقها الأمران، بل حضور الشابة مكروه، والعجوز مستحبٌّ، كما تقدم.
والمسافر الأفضل في حقه الجمعة، وكذا المريض- كما قاله البندنيجي- وإن تحمل المشقة.
وأما الذي لا يسمع النداء، فلم أقف فيه على نقل، والظاهر أن المستحب له حضورها، خصوصًا إذا كان في موضع داخل فيما حدَّ به بعض الأئمة المكان الذي يلزم الحضور منه.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وعلى هذا يكون تقدير كلام الشيخ: فهو مخير فيما يسقط به الفرض بين الإتيان بالظهر أو الجمعة.
قال: والأفضل ألَّا يصلي- أي من لا يجب عليه الجمعة- الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأن الأفضل في حق المعذورين أن يصلوا الظهر جماعة، وفي إقامة الجماعة قبل فراغ الإمام من الجمعة تغيير لشعار اليوم وافتياتٌ عليه؛ فلذلك كان الأفضل ما ذكره الشيخ، وإلى هذا أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "ولا أحب لمن ترك الجمعة لعذر أن يصلي حتى يتأخى انصراف الإمام، ثم يصلوا جماعة".
ولأن من تلزمه الجمعة لا يجوز له فعل الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ فاستحب لمن لا تلزمه ألا يفعله حتى يفرغ الإمام من الجمعة.
ولأن الجمعة فرض عام، والظهر فرض خاص للمعذورين؛ فاستحب تقديم العام على الخاص.
وبما ذكرنا يندفع قول من قال: كان الصواب أن يقال: [قبل] فوات الجمعة، أو تحقق الفوات لو قصدها المعذور؛ لأن العلة في ذلك حثه على الجمعة؛ لأنها فريضة الوقت العامة، فإذا فاتت بالرفع من الركوع، أو تحقق فواتها؛ بأن يكون بينه وبين الموضع الذي تقام فيه مسافة يعلم أن الجمعة تفوته قبل قطعها- زالت على استحباب التأخير؛ فلا يبقى الحكم. وقد جعل بعضهم علة استحباب التأخير توقع زوال العذر قبل فوات الجمعة فيدركها؛ ولأجل ذلك خصه بمن يرجو زوال عذره قبل الفوات: كالعبد يعتق، والمريض يبرأ، ونحو ذلك.
وقال فيمن لا يرجى زوال عذره: كالمرأة، والزمن، والمريض الذي لا يرجى برؤه: المستحب في حقه التقديم، وعلى هذا جرى الماوردي، والإمام، ومجلي، والرافعي.
والأول عليه ظاهر النص، ولم يحك القاضي الحسين عن الأصحاب غيره؛
[ ٤ / ٢٨٩ ]
فإنه قال: قال أصحابنا: كل شخص لا يجب عليه حضور الجمعة الأفضل أن يصلي بعد فراغ الإمام.
قلت: وللكلام مجال فيما أورده الإمام من وجهين:
أحدهما: أنه أطلق القول بأن التعجيل في حق النساء أولى، وقد تقدم أن العجوز يستحب لها حضور الجمعة، وفي استحباب التعجيل حث لها على منع الحضور.
وجوابه: أن الكلام فيها إذا عزمت على عدم الخروج.
الثاني: أنه قد تقدم أن المعذورين الأفضل في حقهم فعل الجمعة، وحينئذ فلا يظهر أن يكون رجاء زوال عذره علة في استحباب التأخير؛ إذ هو متمكن في الحال من حيازة ذلك الفضل؛ فإنه إذا فعلها وقعت فرضًا، اللهم إلا أن يقال: إن فوات [الإحرام] بصلاة الجمعة بعد زوال العذر أكثر منه مع بقاء العذر، وهذا يحتاج إلى توقيف.
نعم، هذا يصلح أن يكون علة في العبد إذا لم يأذن له سيده في الجمعة، وكان يرجو الإذن أو العتق، وفي المريض إذا كان لا يقدر على الحضور أصلًا ويرجو زوال مرضه، والله أعلم.
وقد تقدم هنا أن الشافعي استحب فعل الظهر للمعذورين في جماعة، وقال في "الأم": "وأحب لهم إخفاء جماعتهم؛ كي لا يتَّهموا بالرغبة عن صلاة الجماعة خلف الأئمة".
قال الأصحاب: وهذا يدل على أنه يستحب الإخفاء لمن كان عذره في تركها خفيًّا، فأما من كان عذره واضحًا جليًّا فلا يستحب له إخفاء الجماعة، مثل: أن يجتمع عبيد معروفون بالرق أو قافلة نزلت فيجمع فيها مسافرون؛ كذا قاله أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال الماوردي: إنه يكره التظاهر بفعل الجماعة خوف التهمة؛ سواء كان ذعره ظاهرًا كالسفر والرق، أو باطنًا: كالمرض، والخوف.
وحكى الرافعي وجهًا: أنه لا يستحب فعلها في جماعة، وعليه يدل قول
[ ٤ / ٢٩٠ ]
البندنيجي: "لا يكره لهم فعل الظهر في جماعة"، وقول القاضي الحسين: "الأفضل الإفراد، فإن فعلوا ذلك في جماعة جاز".
فرع: إذا زال الرق قبل فوات الجمعة- وكذا المرض- وقبل فعل الظهر، وجب عليهما الجمعة، وإن كان فرضهما وقت الزوال الظهر؛ قاله الماوردي في باب صلاة المسافر.
ولو خالف المعذور ما ندب إليه، فصلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، ثم زال عذره قبل الفوات- أيضًا- لم تجب عليه الجمعة، نص عليه، وأشار الجيلي إلى خلاف فيه بقوله: "لا يلزمه على الأصح"، ولم أره في غيره.
نعم، الخلاف مشهور في الصبي إذا صلى الظهر، ثم بلغ، ولم تفت الجمعة، قال ابن الحداد: تجب عليه الجمعة؛ لأنه فعله وهو غير مكلف به. وغلَّطه الأصحاب فيه، وإطلاق القول بتغليطه فيه نظر؛ بل الوجه أن يقال: إن أراد بما ذكره من [التكليف]: التكليف من جهة الولي؛ لأنه مأمور من جهته يوم الجمعة بالجمعة لا بالظهر- فلكلامه وجه؛ فإن الأصحاب لما قالوا: إذا صلى الصبي الظهر في أول الوقت، وبلغ في آخره، أجزأه ذلك عن الفرض، وجهوه بأنه أدّى ما أمر به كما أمر به، وهو هاهنا لم يؤد ما أمر به كما أمر به؛ فلا جرم قال ابن الحداد: إنه يجب عليه الجمعة.
وإن كان ابن الحداد أراد بما ذكره من التكليف: التكليف من جهة الشرع، فالتغليط على وجهه؛ لأن الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى الظهر في غير يوم الجمعة، ثم بلغ ووقته باق، لا تجب عليه إعادة الظهر مع أنه صلاه وهو غير مكلف به من جهة الشرع.
والظاهر من كلام الأصحاب: أنه أراد ذلك؛ ولذلك ردوا عليه بما ذكرناه، وبه صرح الإمام، وقال: إنه فرعه على قياس مذهب أبي حنيفة في أن الصبي إذا صلى الظهر في غير يوم الجمعة في أول وقته، ثم بلغ في أثناء الوقت- تلزمه الإعادة؛ لأنه لم يكن مكلفًا لما صلى الظهر.
وقد رأيت في "تعليق" القاضي الحسين قبل صفة الصلاة: أن القفال قال:
[ ٤ / ٢٩١ ]
الفتوى على ما ذكره [ابن الحداد]، ولكن المعنى فيه غير ما ذكره، وهو أن الصبي مندوب بالحضور [إلى الجمعة] ومأمور بذلك، ومضروب عليه، بخلاف العبد والمسافر فإنهما غير مأمورين بالحضور، ولا مندوبين إلى الجمعة؛ فلهذا لا يلزمهما الإعادة؛ لأنهما لم يتركا ما ندبا إليه.
ولو صلى الخنثى الظهر، ثم تبين [أنه رجل قبل فوات الجمعة، قال في "البيان": يلزمه الجمعة؛ لأنه تبين] كونه رجلًا حين صلى الظهر، ومثل هذا لا يوجد في سائر المعذورين.
وما ذكره يظهر أنه فرعه على أن [من] يلزمه فرض الجمعة إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة لم يصح، أو يصح ولا يسقط عنه الخطاب بالجمعة كما سيأتي.
أما إذا قلنا: يسقط الخطاب عنه بالجمعة، فهذا أولى.
ولو صلى المعذور الظهر في أول الوقت، ثم زال عذره، وصلى الجمعة- قال ابن الصباغ وغيره: فالذي نص عليه الشافعي: أن الفرض سقط عنه بالظهر، والجمعة تطوع.
ونقل أبو إسحاق أنه قال في القديم: يحتسب الله بأيهما شاء.
والإمام قال: إن حكم ذلك حكم من صلى منفردًا، ثم صلى جماعة.
وقضية ذلك: أن يكون في المسألة ثلاثة أوجه أو أربعة، لكنه فسر ذلك بالقولين الماضيين لا غير، وعلى ذلك جرى الفوراني والرافعي.
ولو زال العذر [وهو] في أثناء الظهر، ولم تفت الجمعة، فقد أجرى القفال هذا مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصلاة، وهذا ما أورده في
[ ٤ / ٢٩٢ ]
"الوسيط"، وهو يقتضي إثبات خلاف في البطلان؛ لأنه مذكور في رؤية الماء في الصلاة، وقد حكى عن رواية الشيخ أبي محمد فيما علق عنه التصريح به في مسألتنا، وظاهر المذهب استمرار الصلاة على الصحة.
قال الإمام: وما قاله القفال مفرع على أن غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة، فإن صححناه فلا نحكم بالبطلان هنا بحال، وعلى ذلك جرى في "البسيط".
وقال مجلي: إن في هذا البناء نظرًا؛ لأن هذه الصلاة انعقدت على الصحة إذ لا مفسد، وإنما [طرأ] زوال العذر بعد ذلك، فكيف تعتبر بصلاة لم تنعقد أصلًا، والوجه: أن تبنى على الخلاف في أن الأعذار مسقطات [للوجوب، أو مرخصات للترك مع تقدم الوجوب؟ فإن قلنا: مسقطات]، فالصلاة صححية، وإن قلنا: مرخصات، فالقول ها هنا كالمتيمم يرى الماء في الصلاة.
قال: ومن لزمه فرض الجمعة لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأنه مخاطب بالسعي إليها، وفي إقامة الظهر قبل فراغ الإمام إذا فاته إدراكها، لكن ظاهر كلام الشافعي أنه لا يجوز إلا بعد فراغ الإمام.
والفوات بماذا يكون؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي محمد:
أحدهما: بالرفع من ركوع الإمام في الركعة الثانية.
والثاني: أن يكون في موضع يعلم أنه لا يصل إلى موضع الجمعة إلا وقد رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
قال: فإن صلاها قبل فوات الجمعة، لم تصح صلاته في أصح القولين؛ لقوله﵇-: "من سمع النِّداء فلم يجبه فلا صلاة له"، وقد قال الأصحاب: إن مأخذ الخلاف أن فرض الوقت الجمعة أو الظهر؟ وقد تقدم الخلاف فيه.
فإن قلنا: فرضه الجمعة، لم تصح صلاته ظهرًا؛ لأن المأتي به غيره، وهل تبطل أو تبقى نفلًا؟ فيه خلاف مشهور في نظائره.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وإن قلنا: فرضه الظهر، والجمعة بدل، صحت صلاته ظهرًا.
والصحيح: أن الفرض الجمعة؛ لأن الأبدال على ضربين: بدل مرتب، وبدل مخير، فلو كانت الجمعة بدلًا من الظهر، لم يكن عاصيًا بتركها إلى العصر، وهو عاصٍ بلا خلاف.
وهذا الخلاف جارٍ في المنفرد بلا خلاف، وهل يجري في أهل البلد إذا صلَّوا كلهم الظهر، وتركوا الجمعة؟ قال أبو إسحاق: لا، فيجزئهم ظهرهم وإن أثموا بترك الجمعة؛ لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة؛ كذا حكاه عنه في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب وغيره عند الكلام في انفضاض القوم [بعد الفراغ من الخطبة وقبل الصلاة].
والصحيح: أنه لا يجزئهم ظهرهم على الجديد؛ لأنهم صلوا وفرض الجمعة متوجه عليهم.
التفريع:
إن قلنا بالصحيح، فالأمر بحضور الجمعة قائم كما كان، فإن حضرها فذاك، وإن فاتت قضاها الآن بأربع.
والفوات في حق المنفرد بما تقدم، وفي حق أهل البلد يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الخطبتين والصلاة.
وإن قلنا بالقديم- وهو الصحة- فهل يسقط الخطاب بالجمعة؟ الذي حكاه الإمام في صدر الفصل: السقوط؛ لأن مع الصحة يستحيل بقاء الخطاب بغيره في وقته.
قال: وهذا [منه] أمر غريب؛ فإنه بالإقدام على الظهر في حكم الساعي في ترك الجمعة، وذلك معصية؛ فكان ما جاء به طاعة من وجه [و] معصية من وجه، والاختلاف في صحته قريب من الاختلاف في صحة الصلاة المقامة في الوقت المكروه، والذي أورده الجمهور: عدم السقوط.
وعلى هذا: إذا لم يصل الجمعة حتى فاتت، اعتدَّ له بما صلاه أولًا عن فرضه. وإن صلى الجمعة، قال ابن الصباغ: احتسب الله له بأيهما شاء. وهذا ما حكاه
[ ٤ / ٢٩٤ ]
البندنيجي عن نصّه في القديم؛ فإنه قال فيه: "وعند الله سعة أن يكتب له أجرهما وأجر أكملهما"، وهو كذلك واسع.
وقال الإمام: إذا صلى الظهر ثم حضر إقامة الجمعة، فلا شك أنه خرج عن المأثم الآن، ولكن المفروض من الصلاتين أيتهما؟ ذكر شيخي ها هنا أربعة أقوال:
أحدها: الأول؛ فإنه لو اقتصر عليها برئت ذمته، والتفريع على أن الظهر مجزئ.
والثاني: الفرض: الجمعة؛ فإنه بها خرج عن الحرج.
والثالث: أنهما جميعًا فرضان.
والرابع: أن الفرض أحدهما [لا] بعينه.
ثم قال: ولاشك أن من ضرورة القول بأنهما فرضان أن يقول: خطاب الجمعة باقٍ إلى الفوات، وإن فرعنا على إجزاء الظهر؛ ولأجل ذلك حكى الغزالي في سقوط الخطاب بالجمعة على قولنا بصحة الظهر قولين، وقال: إن الأربعة الأقوال في "أن الفرض ماذا؟ " مفرعة على القول بأن الخطاب بالجمعة لا يسقط، وإن أطلق الإمام حكايتها.
وقال الرافعي: ينبغي [أن] يجري فيما إذا قلنا بسقوط الخطاب بالجمعة بفعل الظهر، كما إذا صلى منفردًا، وأعاد في جماعة- فإنه غير مخاطب بالثاني.
وهذا منه يفهم أن الأقوال الأربعة جارية فيما إذا صلى منفردًا ثم في جماعة، والمشهور منها في هذه المسألة ما عدا الثالث.
وإن كان الثالث يجري فيها- كما حكيناه عن المتولي- قدح ذلك في قول الإمام: "إن من ضرورة القول بأنهما فرضان أن الخطاب بالجمعة [باقٍ] إلى الفوات" وحينئذ لا يكون في المسألة إلا قول واحد، وهو ما [صدَّر به] الإمام الكلام في أول الفصل من أنه بفعل الظهر سقط عنه الخطاب بالجمعة؛ فتأمل ذلك، والله أعلم.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لو صلاها بعد الفوات وقبل فراغ الإمام من الجمعة:
[ ٤ / ٢٩٥ ]
أنها تصح قولًا واحدًا؛ لأنه منع من إقامتها قبل الفراغ، وحكم بالبطلان في أصح القولين إذا فعلها قبل الفوات؛ فتعين ما ذكرناه.
قال: ومن لزمه فرض الجمعة، لم يجزئ له أن يسافر سفرًا لا يصلي فيه الجمعة، أي: في يومه بعد الزوال، وبعد الزوال متعلق بالسفر لا بالصلاة، والتقدير: لم يجز له أن يسافر بعد الزوال سفرًا لا يصلي فيه الجمعة.
ووجهه: أن الفرض توجه عليه بدخول الوقت- وهو الزوال- فلا يجوز تفويته بالسفر، وقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ: "من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة: لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته" أخرجه الدارقطني في "الأفراد"، ومثل هذا لا يكون على مباح.
فإن قيل: إذا زالت الشمس، لم تتعين إقامة الصلاة؛ فإن الصلاة إن وجبت فإنما تجب وجوبًا موسعًان وظاهر المذهب أن من أخّر الصلاة عن أوّل وقتها، ومات في أثناء الوقت، لم يمت عاصيًا؛ فهلا خرج وجه في جواز السفر بعد الزوال؟!
قال الإمام: قلنا: الناس تبع للإمام في هذه الفريضة، فلو عجلها تعينت متابعته، وسقطت خيرة الناس في التأخير، وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة؛ فتعين انتظار ما يكون منه.
وعلى هذا لو سافر، كان سفره معصية؛ فلا يترخَّص ترخُّص المسافرين ما لم يمض وقت الجمعة، ثم حينئذ من حيث بلغ يكون ابتداء السفر؛ قاله القاضي الحسين والبغوي.
ثم محل ما ذكرناه إذا لم يخش فوت الرفقة لو تأخر لأجل الصلاة، [أما إذا كان في تأخيره لأجل الصلاة] فوت الرفقة جاز له السفر قولًا واحدًا من غير كراهة؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وفي الرافعي حكاية وجهين فيه.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
قال: وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان، أي: في "الأم"؛ كما قال البندنيجي.
وجه الجواز أنه﵇- خرج لسفر يوم الجمعة أوّل النهار.
وروي عن عمر﵁- أنه رأى رجلًا عليه أهبة السفر، فقال الرجل: إن اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجت، فقال عمر: "إن الجمعة لا تحبس مسافرًا".
ولأن وجوبها بالزوال؛ فلا يحرم قبله؛ كبيع النصاب قبل تمام الحول من غير قصد الفرار، وهذا ما نص عليه في القديم وحرملة.
وقال في "العدة": إن الفتوى عليه.
وقال الغزالي: إنه القياس.
وإذا قلنا به قطعنا بكراهية الخروج؛ قاله القاضي الحسين.
ووجه المنع [مع] ما تقدم من الخبر: أنه وقت التسبب إليها؛ بدليل وجوب السعي فيه لمن بعد، وجواز الغسل لها فيه، ووجوب التسبب كوجوب الفعل، ولأن اليوم ينسب إليها.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن الجديد، وهو الصحيح عند العراقيين.
وقد قطع بعض المراوزة بمقابله، قال الفوراني: لأنه نص في موضع على أنه لا يسافر، [وقال في آخر: "أحببت ألا يسافر"، فنصُّه على أنه لا يسافر] محمول على نصِّه الآخر.
والمشهور طريقة القولين، ومحلهما- كما قال أبو إسحاق المروزي-: إذا لم يخف فوت الرفقة، ولم يكن السفر واجبًا، فإن خاف فوت الرفقة أو كان السفر واجبًا- كسفر الجهاد، جاز قولًا واحدًا؛ كذا حكاه البندنيجي عنه، ووجه بما روي أن عبد الله بن رواحة تخلف عن جيش جهزهم رسول الله ﷺ وتعلل
[ ٤ / ٢٩٧ ]
بصلاة الجمعة لما سأله﵇- فقال ﷺ: "لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت غدوتهم".
وألحق الصيدلاني والقاضي الحسين وكثير من أئمتنا- كما قال الرافعي والبغوي- سفر الطاعة بالسفر الواجب.
وقال الإمام: إن ما قالوه في السفر الواجب لاشك فيه، وهكذا كانت سفرة من جهزه رسول الله ﷺ؛ فإن امتثال أمر رسول الله ﷺ متعين، وكان رأى رأيًا، واتبع واجبًا. فأما القطع بذلك في سفر طاعة لا يجب، ففيه نظر، مع العلم بأن إقامة الجمعة مقدمة على الطاعات التي لا تجب، ولكن ما ذكره متجه من جهة أن الجمعة قبل الزوال لا تجب؛ فانتظارها قبل الزوال في حكم طاعة، غير أن مساق هذا تخيره في السفر؛ فإنّ الطاعة إذا لم تجب، جاز تركها بالمباح.
وقد أطلق ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب وغيرهما القولين من غير تفصيل بين سفر وسفر.
وقال بعضهم: الحكم مما أخرجه الترمذي، وضعفه، وقال شعبة: لم يسمع من مقسم إلَّا خمسة أحاديث، وليس هذا منها، وإن صح فلعله كان [قد] جهزهم قبل الجمعة، [وتأخر عبد الله إلى يوم الجمعة].
ولا خلاف في جواز السفر قبل طلوع فجر يوم الجمعة، وقبل الزوال وبعده؛ إذا كان يصلي في طريقه.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
فرع: يجوز البيع قبل الزوال من غير كراهة إذا لم تتعطل بسببه الجمعة؛ لأن الله- تعالى- أمر بالسعي بعد النداء، فأفهم أنه قبل النداء لا يجب، والنداء إنما يكون بعد الزوال لا قبله.
نعم، لو تعطلت بسببه؛ لبعد المسافة، وهو ممن يلزمه الجمعة، فهو كما لو وقع بعد جلوس الإمام على الموضع الذي يخطب فيه الخطبة، يحرم، ويصح؛ كما لو فوت صلاة غيرها بسبب البيع، والذبح بسكين الغير.
وبعد الزوال وقبل جلوس الخطيب يكره، وهذا إذا كان المتبايعان من أهل الجمعة.
ولو كانا من غيرها [كالمسافرين ونحوهم، فلا تحريم في حقهما ولا كراهية.
ولو كان أحدهما من أهلها، والآخر من غير أهلها] فحكم من هو أهلها كما لو كانا من أهلها، [وحكم من ليس من أهلها] كحكمهما إذا كانا كذلك، إلا في الصورة التي يحرم على من هو من أهلها البيع، فإنه يكره لمن ليس من أهلها مبايعته في تلك [الحالة؛ لإعانته] على المعصية؛ قاله البندنيجي.
وفي "المهذب": أنهما آثمان.
وحكم غير البيع من التصرفات فيما ذكرناه حكم البيع.
قال: ولا تصح الجمعة إلا بشروط، أي: خارجة عن شروط سائر الصلوات، وهي كما ذكر ستة، وبعضهم أضاف إليها سابعًا، وهو نية الإمامة ونية الخطبة، ويمكن أن يضاف إليها ثامن، وهو إذن الإمام في إقامتها؛ فإن صاحب "العدة" حكاه قولًا عن القديم.
قال: أحدها: أن تكون في أبنية مجتمعة؛ لأنه لم ينقل أنها أقيمت على عهد رسول الله ﷺ والخلفاء من بعده إلا في أبنية مجتمعة، ولو كان يجوز إقامتها في غيرها لفعلت، ولو مرة؛ لبيان الجواز، ولو فعلت لنقل.
والمراد بكونها في الأبنية: أنها تفعل بين الأبنية، سواء في ذلك المساجد
[ ٤ / ٢٩٩ ]
والساحات والرحاب المسقفة وغيرها، لا أنها تفعل في موضع بني لأجل الصلاة؛ فلو أقيمت خارج المصر في الصحراء لا يجوز، نص عليه الشافعي في كتاب صلاة الخوف.
قال البندنيجي ثمَّ: وقد كنا نحكي ذلك عن أبي إسحاق، وقد نص أصحابنا على المسألة، ولا فرق عندنا بين أن تكون الأبنية من خشب، أو حجر، أو لبن، أو سعف، أو جريد؛ كما قال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما؛ لأن [كل] ذلك مما يوضع للاستيطان وعدم النقل، وقد حكى الإمام ذلك عن مذهب العراقيين، وقال: إن هكذا معظم القرى في الحجاز، يعني: أنها تكون بزعف وجريد وقصب.
وفي "الحاوي": أن المبني بالقصب والسعف لا تنعقد فيه [الجمعة].
وكذا لا فرق عندنا بين أن يكون ذلك في مصر جامع أو قرية، وهو في المصر إجماع، وفي القرية مستدلٌّ عليه بما روي عن ابن عباس أنه قال: أول جمعة جمِّعت بعد جمعة المدينة بـ "جواثي": قريةٍ من قرى عبد القيس. أخرجه أبو داود.
وجه الدلالة منه: أن هذا [كان] في صدر الإسلام، ولا يجوز أن يفعل ذلك إلَّا بأمر رسول الله ﷺ؛ إذ فيه نقل فرض إلى فرض غيره خصوصًا، والخصم- وهو أبو حنيفة- لا يصحِّح إقامة الجمعة إلا بإذن الإمام.
ولأنه لو فعل بغير أمره لا يكره؛ إذ مثل هذا لا يخفى مع قلة الإسلام.
ولأن القرية موضع بني للاستيطان والاستقرار؛ فوجب أن تنعقد فيه الجمعة كالمصر.
فإن قيل: قد قال﵇-: "لا جمعة ولا تشريق إلا في
[ ٤ / ٣٠٠ ]
مصرٍ جامعٍ".
قلنا: يشبه أن يكون لأجله قال به الشافعي في القديم، كما حكاه في "الزوائد" عن رواية صاحب "التلخيص"، لكن المشهور الأول؛ لأن ذلك لا يصح عن النبي ﷺ بل هو منقول عن علي- كرم الله وجهه- مرسلًا، ولو صح عن النبي ﷺ لحملناه على أنها لا تقام خارج المصر.
وإن صح إسناده عن علي، قلنا: قد خالفه عثمان﵁- فإن أبا هريرة كتب إليه وهو أمير على البحرين يستأذنه في إقامة الجمعة، فكتب إليه عثمان: أن جمِّعوا حيثما كنتم.
أو نحمله على ما ذكرناه.
فإذا تقرر ذلك، فلو أقيمت خارج البنيان حيث يصلَّى العيد لم تصح؛ لما ذكرناه.
واحترز الشيخ بقوله: "مجتمعة" عما إذا تفرقت بحيث يجوز القصر لمن أراد السفر من بعضها قبل مفارقة باقيها؛ فإنه لا يجوز إقامة الجمعة فيها.
وعن "البحر" أنه حد التفرق بما زاد على ثلاثمائة ذراع، وما دون ذلك في حد الاجتماع.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: أنها لا تقام في الخيام وإن استوطنت شتاءً وصيفًا، وهو قضية كلامه في "الأم"؛ ولأجله حكاه بعض الأصحاب قولًا عن الشافعي، وأثبته البغوي وغيره وجهًا، وكيف قدِّر فهو الصحيح في "الرافعي"؛ لأن قبائل العرب
[ ٤ / ٣٠١ ]
كانوا يقيمون حول المدينة، وما كانوا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي ﷺ بها؛ ولأجل ذلك جزم به الماوردي والفوراني والإمام، وكلام القاضي أبي الطيب الذي سنذكره يقتضيه أيضًا، والذي حكاه البندنيجي عن رواية البويطي ولم يحك سواه: أنها تنعقد فيها.
الثاني: أنه لو احترق البناء الذي تقام في مثله الجمعة، وانهدمت جدرانه، وكان أهله مقيمين [في] موضعه عازمين على إعادته وتجديده- لا تصح إقامة الجمعة فيه، وقد نص الشافعي في "الأم" على انعقادها في ذلك الموضع، ولزوم الجمعة لهم، وهو مما لا خلاف فيه، بخلاف ما لو نزلوا موضعًا، وأقاموا فيه؛ ليعمروا بلدة أو قرية [لا] تنعقد لهم فيه الجمعة قبل البناء؛ استصحابًا لما كان الأمر عليه قبل ذلك في الحالين.
قال القاضي أبو الطيب: ولا تنعقد على مذهب الشافعي جمعة في غير بناء إلا في مسألة الاحتراق وحدها، وهي شاذة عن الأصول.
قال: والثاني: أن تكون في جماعة؛ لقوله﵇- في حديث طارق السابق: "الجمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ"، وهو إجماع؛ لأنها إنما سميت: جمعة؛ للاجتماع.
قال: والثالث: أن تقام بأربعين نفسًا، أي: من الرجال؛ لما روى عطاء عن جابر قال: "مضت السنة أن في كل ثلاثة إمامًا، وفي كل أربعين وما فوق ذلك جمعة"، أخرجه الدارقطني.
وجه الدلالة منه: أن قول الصحابي: "مضت السنة" بمنزلة قوله: "قال النبي ﷺ".
وقد روي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: "كنت قائد أبي من بيته حين عمي، فكان إذا سمع [النداء] بالجمعة أكثر الترحم على أبي أمامة- سعد بن
[ ٤ / ٣٠٢ ]
زرارة- واستغفر له، فسألته عن ذلك؟ فقال: إنه كان أوّل من جمع بنا في هزم من [حرّة] بني بياضة، في نقيع الخضمان: قلت: يا أبه، كم كنتم؟ قال: أربعون"، أخرجه أبو داود، وأثبته الإمام أحمد.
وقد ذكر في "الحاوي" و"التتمة" أن سليمان بن طريف روى عن مكحول عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا اجتمع أربعون رجلًا فعليهم الجمعة، وسيكون بعدي أمراء يتواضعون .. " الحديث.
وذكر ابن كج أن الحناطي روى عن [أبي إمامة أن] النبي ﷺ أنه قال: "لا جمعة إلا في أربعين"، فإن صح هذان الخبران، أغنيا عما سواهما، وإن انتفت الأدلة المنصوصة على ما ادعيناه، قلنا: الأصل الظهر تمامًا، وإنما يرد إلى ركعتين
[ ٤ / ٣٠٣ ]
بشرائط منها: العدد، وأصله مشروط بالإجماع، ولم ينقل عن الشارع لفظ صريح في التقدير، وفهم منه طلب تكثير الجماعة؛ لأنه لم يشرع جمعتين في بلد فأكثر كما في غيرها من الصلوات، وأكثر ما قيل فيه: أربعون، فهو عدد توافقنا على عقدها به، فمن ادعى أنها تنعقد بأقل منه، فعليه إقامة الدليل.
وقد اعترض بعضهم على هذا، فقال: الإمام أحمد اشترط في عقدها خمسين؛ لأنه﵇- قال: "لا تجب الجمعة إلا على خمسين رجلًا، [و] لا تجب على ما دون ذلك"، رواه أبو بكر النجاد، عن عبد الملك الرقاشي، عن رجاء بن سلمة، عن عباد المهلبي، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة.
وبإسناده عن الزهري، [عن أبي هريرة] أنه قال: "لما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ خمسين، جمع بهم".
وجوابه: أن القاضي أبا الطيب والماوردي وابن الصباغ قالوا: إن مذهب الإمام أحمد مثل مذهبنا. وجعفر بن الزبير، قال عبد الحق: متروك الحديث.
وما ذكره الشيخ هو ما أورده العراقيون، وقد حكي قول أو وجه: أنه يشترط أن يكون الإمام وراء الأربعين، ولم يورد في "الحاوي" غيره عند لكلام في العدد.
وقال عند الكلام في إمامة الصبي: إن مذهب الشافعي ومنصوصه في جميع كتبه خلاف هذا، وإن القائل بأنه يشترط أن يكون وراء الأربعين هو ابن أبي هريرة.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وغيره قال: إن [ابن] أبي هريرة أخذه من قوله في "المختصر": "وإن خطب بهم وهم أربعون، ثم انفضوا عنه"، فأعاد قوله: "وهم أربعون" إلى من خطب بهم.
وقال في "التتمة": إنه مأخوذ من أحد القولين في صحة الجمعة خلف الصبي، ومقابله مأخوذ من عدم الصحة خلفه.
وعن صاحب "التلخيص" حكاية قول عن القديم: أنها تنعقد بثلاثة الإمام أحدهم، وأنكره الأصحاب عليه.
قال الإمام: وسببه أنهم بحثوا عن كتب الشافعي في القديم، فلم يجدوا هذا القول أصلًا.
وفي "الزوائد" للعمراني: أن من أصحابنا من سلَّم هذا النقل، ووجهه بأن الثلاثة جمع مطلق، ولعله أخذه من أحد الأقوال المنصوص في الانفضاض إذا بقي معه رجلان يصلون الجمعة؛ ذكره الطبري.
وقد حكى الماوردي أن المزني اختار أنها تنعقد بثلاثة سوى الإمام.
والصحيح في "التهذيب"، و"الرافعي"، وهو الأظهر في "النهاية": أن الإمام من جملة الأربعين، وهو اختيار القفال، وأعاد قوله: "وهم أربعون" إلى الخطيب والقوم، وهذا ما يفهمه قول الشيخ.
وقد يقال: إن الخلاف يؤخذ من قوله: "وفي جوازها [خلف] صبي أو متنفِّل قولان"، وليس كذلك؛ لما ستعرفه.
قال: أحرارًا، بالغين، عقلاء؛ أي لا تنعقد بالعبيد والمجانين لأنها لا تجب عليهم؛ لما بهم من نقص؛ فلم تنعقد بهم؛ كالنساء.
ولأن النساء والمجانين لا تنعقد بهم إجماعًا؛ فكذا العبيد بجامع ما ذكرناه من عدم الوجوب؛ لأجل النقص.
ولا يرد علينا المرضى؛ فإنها لا تجب عليهم، وتنعقد بهم على الأصح؛ لأنه لا نقص فيهم، وعدم الوجوب شرع؛ رفقًا بهم.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وعلى القول بعدم الانعقاد بهم- كما حكاه ابن كج عن رواية أبي الحسين عن الشافعي-[يحتاج إلى أحرار].
قال: مقيمين في الموضع، أي: الذي تقام فيه الجمعة، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده﵃- لم يأمروا بالجمعة من ظعن مع أمرهم أهل القرى بها، ولو كانت تجب عليهم لأمروا بها.
وقد وافق يوم الوقوف في حجة الوداع يوم الجمعة، ولم يصلها النبي ﷺ ولو وجبت على غير المستوطن لصلَّاها.
قيل: إن الشافعي ومحمد بن الحسن اجتمعا عند الرشيد، فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن صلاته﵇- بعرفة: هل كانت جمعة أو ظهرًا؟ فقال محمد: كانت جمعة؛ لأنه خطب قبل الصلاة. ثم سأل الشافعي عن ذلك؟ فقال: كانت ظهرًا؛ لأنه أسر فيها، فقال له: صدقت.
وقيل: إن ذلك [جرى] للإمام مالك وأبي يوسف، ﵃ أجمعين.
وقول الشيخ: "يظعنون": بفتح العين، يقال: ظعن يظعن، إذا سار.
واعلم أن هذا الشرط ينبه على مسألتين قد يخفي حكمهما على المبتدئ:
الأولى: ما إذا كان في بلدٍ أو قرية من هو بصفة من تنعقد بهم الجمعة، لكنهم أقل من أربعين، [وبقربهم بلد أو قرية أخرى فيها بهذه الصفة أقلُّ من أربعين]، ولو اجتمع أهل الموضعين [لبلغوا أربعين- فإنه لا تنعقد بهم الجمعة؛ لأن الأربعين غير مقيمين] في الموضع الذي يصح فيه الجمعة، وإن كان أهل كل ناحية يسمعون النداء من الأخرى، ويجب عليهم السعي إليها؛ لأجل الجمعة لو كان أهلها أربعين، وبه صرح في "الحاوي" و"التهذيب"- أيضًا- فإنه قال: "إذا كان في قرية أربعون بالصفات التي تنعقد بهم الجمعة، وهم يسمعون النداء من مصرٍ جامع، فهم مخيرون بين أن يحضروا البلد [إذا كانت الجمعة فيه
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد] لا يكمل بهم العدد؛ لأنهم في حكم المسافرين".
والمراد بما ذكره من التخيير: التخيير فيما يسقط به الفرض، لا أنهما في الفضيلة سواء، فإن الأولى فعلها في قريتهم اتفاقًا.
وبعضهم قال: إن فعلها في غير قريتهم والحالة هذه مكروه، ولعيه جرى القاضي الحسين.
وقال الماوردي: إنهم إذا فعلوا ذلك كانوا مسيئين، وأجزأتهم الصلاة.
الثانية: أن المقيم في بلد أو قرية لشغل، إذا نوى الإقامة بها أكثر من أربعة أيام؛ لأجل شغله، وعزمه العود إلى أهله عند نجاز شغله: كالمتفقِّهة، وغيرهم- تنعقد به الجمعة؛ لأنه حر بالغ عاقل مقيم، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
قال البندنيجي: وهو ظاهر قوله في "الأم": "وإن كان مسافرًا قد أجمع مقام أربع فمثل المقيم".
ولأنه يجب عليه الجمعة؛ فانعقدت به كالمقيم من أهل البلد.
وعلى هذا فالناس على ثلاثة أضربٍ:
من تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم.
ومن لا تجب عليهم، ولا تنعقد بهم.
ومن لا تجب عليهم، وتنعقد بهم، وهم المرضى على المذهب.
وقد حكي عن أبي إسحاق في المقيم في بلد؛ لأجل قضاء شغله: أن الجمعة تجب عليه، ولا تنعقد به.
وعلى هذا تكون الأقسام أربعة، هؤلاء رابعها.
وقد عكس القاضي الحسين المشهور، فنسب القول بالانعقاد إلى أبي إسحاق.
[قال]: من أول الصلاة إلى أن تقام [الجمعة].
مراد الشيخ: أن هذا الشرط- وهو قيامها بأربعين- يعتبر من أول الصلاة إلى
[ ٤ / ٣٠٧ ]
أن تقام الجمعة، أي: تفرغ وتتم؛ لأن الصلاة إنما يتم مقصودها بالفراغ؛ فأنيط حكم الاجتماع به.
وقد يقع في بعض النسخ والشروح: "من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة"، قال الشيخ محيي الدين النواوي: والذي ضبطناه عن نسخة المصنف الأول. وكذا قال غيره.
وقال: إن ما يوجد في بعض النسخ جاء لإشكال قوله: "إلى أن تقام الجمعة" وأن الخطبة يشترط فيها العدد أيضًا. وهذا يفسده قوله من بعد: "فإن انفضوا عنه، وبقي الإمام وحده، أتمها ظهرًا"، والتي تتم ظهرًا الصلاة [لا] الخطبة. ولأنه يقول: "والسادس: أن يتقدمها خطبتان"، وذلك عائد إلى الصلاة؛ فوجب هاهنا مثله؛ لأن الشروط واحدة، وكون العدد شرطًا في الخطبة قد صرح به عند ذكرها؛ فلو حمل الأول على إرادة الخطبة، لزم التكرار.
فرع: لو حضر من لا تنعقد بهم الجمعة مع من تنعقد بهم، فإن حرم الذين لا تنعقد بهم الجمعة قبل الذين تنعقد بهم، لا تصح؛ لأن الجمعة إنما تصح لهؤلاء تبعًا، وقبل انعقاد الصلاة للمتبوعين كيف يحكم بصحتها للتابع؟! فهو كالحمل في البيع يتبع الأم في البيع؛ فإذا لم يصح في الأم لا يبقى في الحمل؛ كذا قاله القاضي الحسين في "الفتاوى".
ولو أحرموا بعد إحرام أهل الجمعة، انعقدت لهم.
وينبغي لأهل الكمال ألا يؤخروا إحرامهم؛ لحيازة فضيلة تكبيرة الإحرام، وتيسير عقد الجمعة لغيرهم، فلو تأخروا عن تكبيرة إحرام الإمام، وأتوا به [بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع- فلا جمعة، وإن أتوا به] قبل ذلك، فقد قال الشيخ أبو محمد: الوجه أن يشترط ألا ينفصل تحريمهم بالصلاة عن تحريم الإمام بما يعد فصلًا طويلًا.
وقال القفال: الضبط المرعي فيه: أنه إذا أدركه في الركوع، صحت الجمعة.
قال الإمام: وما ذكره شيخي حسن، ويجوز أن يقال: ينبغي أن يتحرموا بحيث
[ ٤ / ٣٠٨ ]
لا يسقط عنهم من القراءة شيء، ولا يثبت لهم حكم المسبوق؛ فإنهم لو أدركوه [في الركوع، فحكم ذلك حيث يصح سقوط القراءة، وهو من أحكام المسبوقين، وإذا أدركوه] في بعض القيام بحيث لا يتأتى منهم إتمام القراءة، فهذه صورة الاختلاف فيما يفعله المسبوق؛ فلا يجوز الانتهاء إلى هذا الحد في التأخير، وهذا ما صححه الغزالي، لكنه جعل ذلك تفريعًا على قولنا: إنهم إذا انفضوا عنه في أثناء الصلاة، يتمها ظهرًا.
وعلى ذلك جرى الرافعي، وفيه نظر.
قال: فإن انفضوا عنها، أي: عن الصلاة، وبقي الإمام وحده- أتمها ظهرًا؛ [لأن الجماعة شرط في وقوعها جمعة في الابتداء، فإذا فقدت في أثنائها أتمها ظهرًا]؛ كالوقت إذا فات في أثنائها؛ وهذا ما نص عليه، ووراءه تخريجان للمزني:
أحدهما: أنه يتمها جمعة؛ لأنه ليس في قدرة الإمام ضبط القوم؛ فلم يعتبر اجتماعهم إلا عند العقد.
ولأن مراعاة ذلك عند العقد [ممكن، بخلاف الدوام، فشابه النية، لما أمكن اعتبارها عند العقد] دون الدوام، اعتبرت عند العقد فقط، وبهذا فارق الوقت؛ لأنّه يمكن أن يشرع فيها في وقت يعلم انقضاءها قبل زواله، وهذا خرجه من نصه الآتي من بعد فيما إذا بقي معه واحد؛ كذا أشار إليه ابن الصباغ، ومن نص الشافعي في القديم على أنه إذا أحدث الإمام، وانصرف، أتمها المأمومون جمعة؛ فإنه لا جمعة له إلا بهم، ولا جمعة لهم إلا به.
والثاني: أنهم إن انفضوا عنه، وقد صلى ركعة تامة بركوعها وسجدتيها- كما قال أبو الطيب وغيره- أتمها جمعة؛ كالمسبوق.
وقيل: إنه أخذه من قوله في القديم: "لو صلى بهم ركعة، ثم سبقه الحدث، وانصرف- لم يستخلف بهم، وأتموا لأنفسهم جمعة".
[ ٤ / ٣٠٩ ]
قال: فإذا جاز أن ينفردوا عن إمامهم بإتمامهم إذا انصرف عنهم، جاز أن ينفرد بإتمامها إذا انصرفوا عنه؛ لأن الجمعة لا تنعقد إلا بإمام ومأموم.
قال الإمام: وقد وافقه على هذا معظم أئمتنا.
وقال القاضي أبو الطيب: هو عندي أشبه.
وقال القاضي الحسين عند الكلام في خروج الوقت في أثناء الصلاة: إنه الأظهر، وقد وجه بقوله﵇-: "من أدرك من الجمعة ركعةً فليصل إليها أخرى".
ومن الأصحاب من منع ذلك، وقال: ووضع الشرع على أن يتبع المقتدي الإمام، [وهنا يلزم أن يتبع الإمام المقتدي] وفيه بعد.
ولأن المسبوق تبع لإمام صحت له جمعة تامة، والإمام تبع لقوم لم تصح لهم جمعة.
والفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الحدث: أن الإمام في القديم إذا سبقه الحدث في حكم الصلاة؛ فكأنه لم يفارقهم؛ فلهذا أتموها جمعة، وليس كذلك
[ ٤ / ٣١٠ ]
إذا انصرفوا عنه وبقي وحده؛ لأنهم خرجوا من الصلاة؛ فلهذا يتمها ظهرًا؛ قاله البندنيجي.
وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" في صلاة الخوف عند الكلام في صلاة الجمعة: أن ذلك قول للشافعي، وقد ذكرته ثم، وهذا مغن عن التخريج.
قال: وإن نقصوا عن الأربعين، أتمها ظهرًا في أصح الأقوال؛ لما ذكرناه، ولأن العدد شرط في استدامة الخطبة بلا خلاف، ففي الصلاة أولى؛ لأن الخطبة أخف حكمًا من الصلاة؛ ألا ترى أن الشخص يصلي وإن لم يحضر الخطبة؟!
ولا فرق في ذلك بين أن يبقى معه واحد أو اثنان أو أكثر من ذلك.
قال: وإن بقي معه اثنان، أتمها جمعة في الثاني؛ لأن الثلاثة جمع مطلق كالأربعين، وقد روي أنه﵇- انفض عنه أصحابه حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا- كما تقدم في الخبر- وأتم الجمعة، ولو كان بقاء الأربعين شرطًا لم يتمها جمعة.
والفرق على هذا بين الابتداء والدوام: أن الأصل في [سائر] الأيام الظهر، وإنما يعود إلى الجمعة بشرائط، [و] إذا وقع الشك: هل حصل مقصود الشرع أم لا؟ لم يعدل عن الأصل؛ فلذلك لم يحكم بانعقادها ابتداء، [و] في الدوام: الجمعة محكوم بانعقادها، ووقع الشك في أن ما نقص من العدد يبطلها أو لا؟ والأصل الصّحة.
وهذا القول والذي قبله نصّ عليهما في "الأم"، ونقلهما المزني.
قال: وإن بقي معه واحد، أتمها جمعة في الثالث؛ لوجود اسم الجماعة كالأربعين، ولأنه لما بطل أن يكون العدد المعتبر في ابتدائها شرطًا في استدامتها؛ لما ذكرناه في علة القول قبله، وافتقرت إلى الجماعة- كان أقلها في الشرع اثنين؛ لقوله﵇-: "الاثنان فما فوقهما جماعةٌ"، وهذا ما نص عليه في القديم.
[ ٤ / ٣١١ ]
وعلى هذا والذي قبله قال الإمام: فالظاهر: أنا نشترط فيمن بقي شروط الكمال المرعية في الانعقاد ابتداء.
وقال صاحب "التقريب": يحتمل أن نكتفي بالعبد والمسافر؛ فإنا اكتفينا آخرًا باسم الجمع والجماعة لا العدد؛ فلا يبعد ألا يشترط الكمال.
قال الإمام: وهذا مزيَّف غير معتد به.
وقد حكى الماوردي ما ذكرناه عنهما وجهين في المسألة، وأقام الصبي والمرأة في ذلك مقام العبد والمسافر.
ولاشك أن ما حكيناه من تخريج المزني- إذا صححناه- جارٍ فيما إذا نقصوا عن الأربعين من طريق الأولى.
وبعضهم لم يحكه إلا فيها.
وإذا جمعت بين هذه المسألة والتي قبلها مع تصحيحك التخريج، قلت: بقاء الأربعين في كل الصلاة هل هو شرط أو لا؟ قولان:
فإن قلنا: لا، فهل [يشترط بقاء عدد أم لا؟ قولان:
فإن قلنا: لا، فهل] يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا؟ قولان.
وإن قلنا: نعم، فكم عدد يشترط؟ قولان:
أحدهما: ثلاثة.
والثاني: اثنان.
وإذا أردت اختصار ذلك [كله] قلت: في المسألة خمسة أقوال:
أحدها: يتمها ظهرًا كيف كان، وهو الصحيح.
والثاني: جمعة كيف كان.
والثالث: إن بقي معه اثنان فما فوقهما أتمها جمعة، وإلا ظهرًا.
والرابع: إن بقي معه واحد فما فوقه، أتمها جمعة، وإلا ظهرًا.
والخامس: إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام ركعة له بسجدتيها، أتها جمعة، وإلا أتمها ظهرًا.
[ ٤ / ٣١٢ ]
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يحرم معه بعد الانفضاض أربعون لم يحضروا الخطبة أو لم يحرموا.
نعم، لو لحقهم أربعون على الاتصال ممن سمع الخطبة، استمرت الجمعة؛ قاله في "الوسيط"، وكذا لو حصل انفضاضهم بعد أن أحرم معه أربعون، أتمها جمعة بلا خلاف، وإن كان من بقي معه لم يسمع الخطبة؛ صرح به القاضي الحسين، وكذا الإمام وأبدى احتمالًا لنفسه في الصحة في هذه الصورة، وقال: ينبغي أن نشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة إذا اشترطنا بقاء العدد.
قلت: وهذا الاحتمال يعضده وجه حكاه هو وغيره في أنه يشترط فيمن يستخلفه الإمام في صلاة الجمعة عند حدثه وقد أدرك معه الركعة الأولى- أن يكون قد سمع الخطبة، لكن الجمهور [ثمَّ] على عدم الاشتراط.
وهذا حكم الانفضاض في الصلاة، وحكم الانفضاض في الخطبة أو بعدها وقبل الصلاة سنذكره- إن شاء الله تعالى- عند ذكرها.
قال: والرابع: أن يكون وقت الظهر باقيًا؛ لأن الوقت شرط لافتتاحها؛ فكان شرطًا في دوامها؛ كالطهارة.
ولا يرد غيرها من الصلوات؛ لأن الوقت ليس بشرط فيها؛ لجواز قضائها في غير الوقت.
وقد أفهم قول الشيخ أن وقت الظهر هو وقتها ابتداء وانتهاء، وبه صرح غيره؛ لأنهما [صلاتا وقتٍ] على البدل؛ فكان وقت إحداهما وقتًا للأخرى؛ كصلاة الحضر والسفر.
ولأن آخر وقتهما واحد [إجماعًا؛ كما قال ابن الصباغ؛ فوجب أن يكون أول وقتهما واحدًا]، كصلاة السفر والحضر؛ فلا يجوز فعلها قبله، خلافًا لأحمد حيث جوز إقامتها في الخامسة أو السادسة أو في وقت صلاة العيد؛ كما حكاه أصحابه عنه.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وحجتنا عليه ما تقدم، وقد روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت، ثم نرجع نتبع الفيء"، وصح عنه أنه قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
فإن قلت: كلام الشيخ كالمصرح بأن هذه الشرائط شرائط الصلاة، [و] إذا كان كذلك، فكيف يقال: إن وقتها يدخل بزوال الشمس، ولابد أن يتقدمها خطبتان؟! نعم: يحسن أن يقال: الذي يدخل بالزوال وقت الخطبة لا الصلاة؛ فإن وقتها إنما يدخل بعد فعل الخطبتين.
قلنا: قال الأصحاب: لا يمتنع ذلك؛ ألا ترى أن وقت الظهر يدخل بالزوال وإن لم يتمكن الشخص من الفعل إلا بعد تقدم الطهارة، خصوصًا عند فقد الماء؛ فإنه لا يمكنه فعلها إلا بعد دخول الوقت.
لكن لقائل أن يقول: تقدم الطهارة على دخول الوقت في الجملة ممكن؛ ولذلك تعقب الصلاة الزوال، ولا كذلك ها هنا؛ فإنه لا يعقل جواز [إقامة] الصلاة عقيب دخول الوقت، والله أعلم.
قال: فإن فاتهم الوقت، أي: فات الذين انعقدت بهم الجمعة الوقت وهم في الصلاة- أتموها ظهرًا.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن الجمعة فائتة في هذه الحالة، سواء كان قد مضى من الصلاة ركعة، أو أقل منها، أو أكثر حتى لم يبق إلا تسليمة الإمام.
ووجهه عند بقاء الأكثر الإجماع، وعند بقاء ما دونه: أنه خرج وقتها قبل الفراغ من فعلها؛ ففاتت كما إذا كان الماضي أقل من الباقي.
ولأن ما كان شرطًا في الركعة الأولى من صلاة الإمام، وجب أن يكون شرطًا
[ ٤ / ٣١٤ ]
في جميع صلاته، أصله: الطهارة، وستر العورة.
فإن قيل: قد قال﵇-: ["من أدرك من الصَّلاة ركعةً فقد أدركها".
وقال﵇]-: "من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمَّت صلاته".
قلنا: هما محمولان على المسبوق، على أن بعض أصحابنا قال- إذا فرغ الإمام من الجمعة، وأدرك معه مسبوقٌ ركعة تامة، وخرج الوقت قبل أن يتمَّ المسبوق صلاته-: إن الحكم كما لو وقع ذلك للإمام ومن معه من ابتداء الصلاة، وهو الصحيح في "الرافعي".
الثاني: أن الصلاة لا تبطل، بل يتمها ظهرًا أربعًا.
ووجهه: أنهما صلاتان يسقط فرض إحداهما بفعل الأخرى؛ فجاز أن يبني التام منهما على المقصور، أصله: إذا أحرم المسافر بالصلاة، ثم صار مقيمًا قبل إتمامها.
ولأن الوقت شرط كالعدد، وهي لا تبطل بنقص العدد؛ فكذلك لا تبطل بخروج الوقت، وهذا ما نص عليه، ولم يورد العراقيون غيره.
وقال في "الإبانة": إنه الظاهر، لكن هل يحتاج إلى تجديد نية الظهر، أو لابد من نقلها ظهرًا من حينئذ؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "الفروع" و"العدة":
أصحهما: الأول.
ومقابله: مفرع على المشهور في [أن] الظهر لا تنعقد بنية الجمعة.
قال الرافعي: أما إذا قلنا: إنها تنعقد بها- كما هو وجه ضعيف- فهاهنا أولى. وفيه نظر.
وعلى كلا الوجهين يسرُّ بالقراءة من حينئذ، وقد حكي أبو علي في "شرح
[ ٤ / ٣١٥ ]
التلخيص" عن بعض الأصحاب وجهًا: أن الصلاة تبطل بخروج الوقت كمذهب أبي حنيفة.
والفرق بين ما نحن فيه والمسافر إذا نوى القصر ثم أقام- حيث له أن يكمل الصلاة قولًا واحدًا، وليس عليه الاستئناف-: أن للمسافر في الابتداء أن يصليها أربعًا؛ فلهذا قلنا في الانتهاء: له ذلك، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه ليس له أن يوقع الصلاة أربعًا ابتداء عند جهله بخروج الوقت قبل التمام.
والفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الانفضاض: أن الاحتراز عن خروج الوقت في أثناء الصلاة ممكن، بخلاف الانفضاض؛ فلذلك لم نحكم بالبطلان عند وجده.
وسلك القاضي الحسين في ذلك طريقًا آخر، فقال: القول بعدم البطلان صحيح إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، أما إذا قلنا: صلاة مستقلة بنفسها، فهل تنقلب نفلًا أو تبطل؟ يخرج على وجهين، أو يقال: له قول في الجديد: أن الجمعة ظهرٌ مقصور؛ لتنصيصه في هذا الموضع، وهذا منه جواب لسؤال مقدر، وهو أن كون الجمعة ظهرًا مقصورًا هو قوله في القديم، ونصه على أنه يتمها ظهرًا قاله في الجديد، فكيف يكون مبنيًّا عليه؟! فلذلك قال: "أو نقول: له قول في الجديد: أنها ظهر مقصور"؛ لنصه هنا. قال: أو نقول: يتمها ظهرًا وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة؛ لأنها والظهر فرضَا وقتٍ واحد وإن اختلفت التسمية، ولا كذلك أداء الظهر بنية الصبح.
وقال بعد ذلك: إن أحدًا من أصحابنا لم يقل بأنه إذا دخل وقت العصر في خلال الجمعة: إن الصلاة تبطل. وإن قلنا: إنها فرض آخر، وجب أن تبطل. وما قال به أحد من أصحابنا.
فروع:
الأول: إذا وقع سلام الإمام في الوقت، وسلام المأمومين بجملتهم خارج
[ ٤ / ٣١٦ ]
الوقت، [أو سلم معه في الوقت] من لا يتم العدد به- قال الرافعي: فالصورة شبيهة بمسألة الانفضاض.
ولو سلم معه في الوقت تمام العدد، حصل لهم الجمعة، وفيمن وقع صلاته خارج الوقت الخلاف السابق.
الثاني: إذا تحقق في الوقت أنه لو شرع في الخطبتين والصلاة مع الاقتصار على ما يجزئ، خرج الوقت وهو في أثناء الصلاة؛ ففرضهم الظهر، ويفعله في الوقت، نص عليه في "الأم".
الثالث: إذا شك بعد السلام هل وقع السلام في الوقت أو بعده، صحت الجمعة للكل.
ولو حصل الشك قبل السالم، فهل يتمها جمعة أو ظهرًا؟ فيه [قولان، وقيل:] وجهان، أصحهما: الأول، وهو ما حكاه الماوردي هنا، والقاضي الحسين في كتاب الصيام لا غير، وهو قول الأكثرين؛ كما قال الرافعي.
وقال الإمام في كتاب الصيام: إن الصيدلاني حكاه عن النص وهو غريب، وقد ذكر صاحب "التلخيص" في مسائله التي استثناها في ترك اليقين بالشك هذه المسألة، ثم قال الإمام: والوجه عندي أنا إن قلنا: [إن] الجمعة صلاة على حيالها، فيتجه ما ذكره الصيدلاني. وإن جعلناها ظهرًا مقصورًا، فالأصل الظهر، فمهما طرأ الشك لم تصح الجمعة؛ رجوعًا إلى الأصل.
الرابع: إذا وقع الشك في بقاء الوقت قبل عقدها، قال في "الإشراف": ففي جواز التجميع خلافٌ، أصله: أن الجمعة فريضة على حيالها [أو ظهر مقصور؟ إن قلنا: فريضة على حيالها]، جازت، وإن قلنا: ظهر مقصور، فلا.
والذي حكاه الإمام في كتاب الصيام في هذه الصورة: أن الجمعة لا تنعقد، وأن الصيدلاني قال: إنما كان كذلك؛ لأن الوقت يخرج وهم في أثناء الصلاة غالبًا.
[ ٤ / ٣١٧ ]
قال: والخامس: ألا يكون قبلها ولا معها جمعة أخرى، أي: في البلد.
قال الشافعي: لأنه لو جاز فعلها في مسجدين، لجاز في مسجد العشائر، وذلك لا يجوز إجماعًا؛ فكذا هنا، والعشيرة: المحلَّة، والعشائر: جماعة.
ولأن القدوة في هذا بالرسول ﷺ والخلفاء من بعده، ولم ينقل أنهم جمَّعوا في أكثر من موضع واحد في المدينة.
ولأن الجمعة إنما سميت؛ لاجتماع الجماعات من الجوانب.
قال الأصحاب: وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] يدل عليه؛ فإن الظاهر أنّ هذا أمر بالسعي إلى صلاة واحدة عند نداء واحد.
ولا فرق في ذلك بين أن يقل الجمع في البلد أو يكثر.
فإن قيل: قد دخل الشافعي﵀- بغداد، وصلى الجمعة في جامع المنصور، وكانت الجمعة تقام في الجانب الغربي في الرصافة، ولم ينكر ذلك ولا غيره؛ فدل على جواز إقامة جمعتين في البلد الكبير.
قلنا: اختلف أصحابنا في جواب ذلك على أربعة أوجه:
أحدها- قاله أبو الطيب بن سلمة-: أن ذلك إما جاز فيها؛ لأنها ذات جانبين يفصل بين كل منهما النهر الذي لا يخوضه غير السابح؛ فكلُّ جانبٍ بلد بنفسه، والشافعي إنما منع إقامة جمعتين في البلد إذا كان ذا جانب واحدي، وهذا منه يقتضي أن البلد إذا كان ذا جانبين- كبغداد- يجوز إقامة جمعة في كل جانب، وقد صرح به عنه القاضي أبو الطيب، وأنه لا يجوز أن يقام ببغداد أكثر من جمعتين، قال القاضي أبو الطيب وغيره: وما ذكره ليس بشيء، بل هما كالبلد الواحد؛ بدليل أنا أجمعنا على أن من سافر من أحد الجانبين لا يقصر حتى يفارق الجانب الآخر، لكن في الرافعي أن ابن كج نقل أنه ألزم هذه المسألة، فقال بها، وقال: يجوز القصر.
[ ٤ / ٣١٨ ]
والثاني- حكاه أبو إسحاق عن بعض الأصحاب-: أن ذلك إنما جاز؛ لأنها كانت قرى متفاصلة، [فحدث العمارات الواصلة]؛ فاستمر الحكم، ومقتضاه: منع إقامة أكثر من جمعة واحدة في بلد أنشئ دفعة واحدة كبيرًا، وجواز إقامة جمعة في كل ما كان قرية منفردة قبل اتصال العمارة كبغداد ونحوها.
وقد حكي عن أبي حامد أنه [قالي: لو كان كذلك، لجاز القصر قبل مفارقة كلها لمن أراد السفر من بعضها، وهو لا يجوز.
لكن لمن قال بذلك أن يلزم جواز القصر كما ألزمه ابن سلمة حيث أورد عليه مثل ذلك، ويؤيده أن الإمام حكى عن صاحب "التقريب": أنه قال: إذا جرينا على ما ذكره الأصحاب في هذا، فيحتمل أن يقال: لو جاوز هامٌّ بالسفر قريةً من تلك القرى إلى أخرى، والعمارة متصلة، ينبغي أن يترخص [ترخص] السفر؛ فإنه لم يثبت لها حكم الاتحاد، لكن يحتمل أن يقال: إذا اجتمعت البلاد، زال حكم التفرق منها، وصارت البقعة كأنها بنيت على الاتحاد.
والثالث- حكاه أبو إسحاق عن بعض الأصحاب أيضًا؛ كما قال البندنيجي-: أنه إنما جاز ذلك ببغداد؛ لعسر الاجتماع في موضع واحد، فإذا وجد ذلك في غيره من البلاد، ولم يمكن اجتماعهم في موضع واحد لكبر البلد، جاز إقامتها في موضعين؛ لدفع المشقة وخفاء أفعال الإمام عن المأمومين.
ولأنه لو منع ذلك، لأدّى إلى أن يجب التبكير إليها قبل الفجر؛ لبعد الجامع وأحد لا يقول هذا، والشافعي حيث منع من إقامة جمعتين في بلد، إنما منعه عند إمكان الاجتماع في موضع واحد من غير مشقة.
وقد نسب القاضي أبو الطيب وغيره هذا القول إلى أبي إسحاق نفسه وابن سريج.
وقال الماوردي: [إنه به أفتى] أبو إبراهيم المزني، وهو اختيار ابن كج، والحناطي، والروياني.
[ ٤ / ٣١٩ ]
قال الرافعي: وعليه يدل قوله في "الوسيط".
والرابع- قاله الشيخ أبو حامد-: أن مذهب الشافعي أنه لا يجوز إقامة جمعتين ببغداد أيضًا، وإنما ترك الكلام في هذا حين دخلها؛ لأنها مسألة خلاف؛ فإن أبا يوسف قال: إذا كان البلد ذا جانبين، ليس بينهما جسر، فلكلٍّ حكم نفسه.
وكل ما ذكر من التأويل يخرَّج على مذهب الشافعي، وهذا الجواب قد ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أيضًا.
وعلى هذا قال الشيخ: فإن كان قبلها جمعة، فالجمعة هي الأولى؛ لأنها أقيمت بشرائطها، والثانية باطلة؛ لفقد شرطها؛ فيجب على من صلاها الظهر إن لم يتمكن من إدراك الأولى.
ولفظ الشافعي: "فعليهم أن يستأنفوا الظهر، وليس كالمسافر ينوي القصر أربعًا؛ لأن أصل فرضه أربعٌ، ولو أتموا أربعًا لم يبن لي أن عليهم الإعادة؛ لأنه قد يحرم بالجمعة ثم يخرج الوقت؛ فيصليها ظهرًا".
قال الطبري: فقد حصل فيها قولان حكاهما الإمام- أيضًا- والذي حكاه البندنيجي عن نصّه الثاني فقط، وقال: إنه يستحب أن يستأنف الظهر أربعًا.
[والرافعي] قال: إن الحكم في ذلك كما لو خرج الوقت وهم في صلاة الجمعة، وقد سبق.
ثم هذا فيما إذا لم يكن الإمام مع الثانية، أما إذا كان معها، فسيأتي حكمه.
ثم بماذا تعتبر القبليّة؟ فيه قولان حكاهما العراقيون:
أحدهما: بالفراغ من الصلاة، وهو ما ذكره المزني في "جامعه".
والصحيح- بالاتفاق-: بالإحرام.
وعلى هذا: هل الاعتبار باستكمال تكبيرة الإحرام، أو بالشروع فيها؟ فيه وجهان:
أصحهما في "الرافعي": الأول.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وحكى المراوزة مع الثاني في الأصل وجهًا بدلًا عن الأول: أن المعتبر الشروع في الخطبة، وبه يحصل في المسألة أربع مقالات.
وقد أشار الإمام والقاضي الحسين إلى أنّ الخلاف الذي حكيناه عن المراوزة له التفات على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أولًا؟
قال: وإن كان معها جمعة أخرى، [ولم تُعلم السابقة] منهما، ولم تنفرد إحداهما عن الأخرى بإمام- فهما باطلتان.
هذا الفصل ينظم صورتين كل منهما مصورة بما إذا لم تنفرد إحداهما [بإمام:
فالأولى: إذا وقعت الجمعتان معًا فهما باطلتان اتفاقًا؛ إذ لا مزيّة لإحداهما] على الأخرى؛ فيستأنف جمعة أخرى إن اتسع الوقت، وإلا صلوا الظهر، ويقع النظر في هذه الحالة في أن كل طائفة تستأنف الظهر، أو تبني على ما مضى؟ ولا يبعد تخريجه على ما سبق.
الثانية: إذا وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم تعلم السابقة منهما- فقد قال: إنهما باطلتان أيضًا؛ لما ذكرناه.
فعلى هذا يجب على كل من الطائفتين إعادة الصلاة كما نص عليه.
وقال المزني: لا إعادة عليهما؛ لحصول الجمعة لهما في الظاهر؛ فلم يجز إبطالها بالشك الطارئ.
قال الماوردي: وهذا خطأ؛ لأن اليقين ثبوت الصلاة في الذمة، والشك طارئ في سقوطها عن الذمة؛ فوجب أن يكون الفرض باقيًا لا يسقط إلا بيقين.
وعلى هذا: فما الصلاة التي يجب إعادتها؟ حاصل ما قيل فيه طريقان:
[ ٤ / ٣٢١ ]
إحداهما- قالها البندنيجي-: أنها الظهر، ولا يجب إعادة الجمعة بلا خلاف، لكن هل يجوز للطائفتين إقامتها؟ فيه قولان:
قال في "الأم": يجوز.
وقال الربيع: فيه قول آخر: أنها لا تقام؛ لأنا وإن جهلنا عين السابقة فما جهلنا أن فيهما سابقة؛ فلا تقام بعدها جمعة.
والثانية- حكاها الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم-: أن الواجب إعادة الظهر أو الجمعة؟ فيه قولان، نص عليهما في "الأم"؛ كما قال الماوردي.
وادّعى الإمام والغزالي: أن الأظهر إقامة الجمعة، وهو ما يقتضيه كلام الشيخ.
وإذا قلنا بمقابله، كان معنى قول الشيخ: "فهما باطلتان" بالنسبة إلى الإجزاء، وإلا فالأولى صحيحة؛ ولذلك منعت انعقاد جمعة أخرى.
ولو وقعت إحداهما بعد الأخرى، وعلمنا السابقة ثم أشكلت، [فالذي] قاله البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ: أن الحكم كما لو [لم] نعلم ذلك ابتداء، ووقعت إحداهما بعد الأخرى، ومقتضاه: مجيء الطريقين.
وقال الإمام: الذي صار إليه الأصحاب: أنهم لا يقيمون الجمعة، ويجب على جميعهم صلاة الظهر. وذكر شيخي في بعض دروسه أن من أصحابنا من ألحق هذه الصورة بما إذا تقدمت جمعة قطعًا، ولم تتعين المتقدمة. وهذا وإن كان متجهًا في المعنى، فهو بعيد في الحكاية، والقاضي الحسين حكى الطريقين عن القفال، فقال: إنه أجاب في كرَّة بمنع إقامة الجمعة ثانيًا، وقال في موضع آخر: إن محل القولين في إقامة الجمعة ثانيًا إذا عرف عين السابقة ثم اشتبه الحال. وأما إذا لم تعرف، وتحقق السبق، فهو يترتب على هذه الصورة، وأولى بالبطلان، وبإعادة الجمعة.
ولو وقعت الصلاتان، واحتمل أن تكون إحداهما وقعت بعد الأخرى أو وقعتا
[ ٤ / ٣٢٢ ]
معًا- فالذي أورده ابن الصباغ وأبو الطيب: أن الحكم كما لو وقعتا معًا، وهذا يوافقه قول الماوردي: إن عليهم إعادة الجمعة قولًا واحدًا. وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب حيث قال: الذي قطع به الأئمة تنزيل هذا منزلة ما لو وقعتا معًا؛ فلا جمعة لواحد، ثم قال: والجمعتان إذا وقعتا معًا أمرناهم بإعادة الجمعة عند اتساع الوقت، ويسقط بها الفرض. والقول بمثل هذا هنا فيه إشكال؛ فإنا نجوز أن إحدى الجمعتين تقدمت على الأخرى، وإذا كان كذلك فلا يصح عقد جمعة أخرى، وإذا فرض ذلك فلا تحصل البراءة يقينًا، والذي يقتضيه الاحتياط في ذلك أن يقيموا جمعة ثم يصلوا [من] عند آخرهم الظهر؛ فيخرجون عما لزمهم قطعًا، هذا حكم القياس في طلب اليقين في الخروج عما يلزم، لكن الذي ذكره الأئمة: أنهم إذا أقاموا الجمعة مرة أخرى- والصورة كما ذكرنا- كفتهم؛ كما لو وقعت الجمعتان معًا.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام من الاحتمال إنما يتم على قولنا بأ، الجمعة تقام عند تحقق سبق إحداهما، ولم تتميز عن الأخرى كما ادعى أنه الأظهر. أما إذا قلنا بأن الواجب إعادة الظهر- كما حكاه الربيع- فلا.
وقد ادّعى البندنيجي أن الحكم في هذه الصورة كما إذا وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم يعرف عين السابقة في جميع ما ذكرناه.
[وإن كان الإمام مع الثانية، ففيه قولان:
أحدهما: أن الجمعة جمعة الإمام؛ لأن في تصحيح خلاف جمعته إفضاءً إلى فتح باب الافتيات عليه؛ إذ لا يؤمن أن تقوم كل شرذمة وتعقد جمعة في طرف البلد تبطل عليه جمعته.
وعلى هذا: إذا كان الإمام مع إحدهما ووقعتا معًا، فالجمعة جمعة الإمام، والأخرى باطلة.
والثاني: أن الجمعة هي السابقة؛ لأن حضور الإمام وإذنه في عقدها ليس بشرط في صحتها على المذهب، كما في الحج.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وعلى هذا: إذا وقعتا معًا، والإمام مع إحداهما بطلتا أيضًا.
ويجري الخلاف فيما لو وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم تعلم السابقة منها، والإمام مع إحداهما. والمراد بالإمام الذي يرجح به: الإمام الراتب المنصوب من جهة الإمام الأعظم، والإمام الأعظم لو كان مع إحداهما كان أولى بالترجيح.
ولو أقيمت الجمعتان بإمامين من جهة الإمام فهو كما لو لم يكن الإمام مع واحدة منها].
قال: والسادس: أن يتقدمها خطبتان.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن من شرطها: الخطبتان، ودليله: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله، وذلك يتضمن الخطبة والصلاة؛ فاقتضى أن يكون الأمر بهما واجبًا.
أو نقول: الذكر في الآية مجمل يفتقر إلى بيان، وقد بين النبي ﷺ ذلك بفعله، فخطب خطبتين، وصلى ركعتين، وأيّده بقوله: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، ولم ينقل أن النبي ﷺ والصحابة من بعده أقاموها إلا بخطبتين، ولو جاز بغيرهما لفعل مرة؛ لبيان الجواز.
وقد روي عن عمر وغيره﵃- أن الصلاة إنما قصرت للخطبة.
والخطبة- بضم الخاء-: الكلام المؤلف المتضمن وعظًا وإبلاغًا، وخطبة المرأة- وهي طلب نكاحها-: بالكسر.
والثاني: أن من شرط الاعتداد بهما وقوعهما قبل الصلاة، خلافًا للحسن البصري فقط.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
ووجهه- قبل إجماع من قبله ومن بعده- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فأباح الانتشار بعد انقضاء الصلاة، وقد ثبت أن الخطبتين شرطان فيها، ولو كانتا بعد الصلاة، لما جاز الانتشار بعد الصلاة؛ فتعين أن تكونا قبلها، وعلى ذلك جرى فعل النبي ﷺ.
وفرق الأصحاب بين الخطبتين في الجمعة، وبين الخطبتين في العيد حيث كانتا فيه بعد الصلاة، وكذا سائر الخطب- بفرقين:
أحدهما: أن خطبة الجمعة واجبة؛ فقدمت؛ ليجلس الناس لسماعها قبل الصلاة؛ فلا ينتشروا قبل ذلك، وخطبة العيد ونحوها غير واجبة، فإذا انتشر الناس عنها، لم يقدح فيها.
والثاني: أن الجمعة لا تؤدي إلا في جماعة مرة واحدة، ولا تقضي؛ فقدمت الخطبة عليها؛ ليمتد الوقت، ويلحق الناس الصلاة، وصلاة العيد تؤدي من غير جماعة.
وكما يشترط وقوعهما قبل الصلاة يشترط وقوعهما بعد الزوال أيضًا؛ لأنه﵇- كان يخطب يوم الجمعة بعد الزوال، ولو جاز التقديم لقدمهما ﷺ؛ تخفيفًا على المبكرين، وإيقاعًا للصلاة في أوّل الوقت.
قال: ومن شرطهما الطهارة، أي: عن الحدث والخبث المشترطين في الصلاة، والستارة، [أي:] المشترطة في الصلاة في أحد القولين.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: الطهارة من الحدث والخبث هل شرط فيهما أو لا؟ وقد حُكي فيها قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن النبي ﷺ كان يخطب، ويصلي من غير فاصل؛ فعلم أنه كان يخطب على طهارة، وإذا كان كذلك، وجب إتباعه؛ لما تقدم من التقرير؛ وهذا ما نص عليه في "الأم".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ومقابله: أن ذلك ليس بشرط كما لا يشترط فيهما استقبال القبلة.
ولأنهما ذكر يتقدم الصلاة؛ فلم يشترط فيهما الطهارة؛ كالأذان. وهذا ما نص عليه في القديم.
قال في "الوسيط": وهو الأقيس.
وقد روى الإمام هذا الخلاف وجهين، وكذا القاضي الحسين، وبناهما على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ وهما قولان صرح بحكايتهما الإمام:
فإن قلنا: إنهما بدل عن الركعتين، اشترطت، وإلا فلا، وهذه الطريقة هي المذكورة في الوسيط، وكلام العراقيين يرشد إليها.
[و] قال الإمام: هذا البناء لا أرضاه مع القطع بأن الاستقبال ليس مشروطًا فيهما. والوجه أن يقال: هذا مبني على أن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلابد أن يكون متطهرًا؛ لأنه يحتاج بعد الخطبة إلى الطهارة؛ فتختل الموالاة. وإن قلنا: لا تشترط الموالاة، فلا تشترط الطهارة.
وقد وافق بعض المتأخرين الإمام على تضعيف البناء الأوّل، وأيّد تضعيفه بأن الكلام جائز فيهما، ولو كانتا بدلًا عن الركعتين لم يجز.
وهذا لا يصح؛ لأن القاضي الحسين قال: في جواز الكلام فيهما جوابان مبنيان على أنهما بدل أم لا؟
وقد أفهم كلام الشيخ: أنّه لا فرق في جريان القولين في الطهارة من الحدث بين الصغرى والكبرى، وبه صرّح في "التتمة"، لكن المذكور في "التهذيب": أنه لو خطب جنبًا، لم تحتسب له قولًا واحدًا؛ لأن القراءة شرط، ولا تحسب قراءة الجنب، قال الرافعي: وهذا أوضح.
قلت: ستعرف أن المنقول عن "الإملاء" أن أركان الخطبة: الحمد [لله]، والصلاة على رسول الله ﷺ، والوعظ. ولم يذكر القراءة، وكذلك لم يعدها صاحب "التلخيص" من أركان الخطبة، وبه قال أبو إسحاق.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وإذا كان كذلك فلعل الشافعي حيث قال بأن الطهارة ليست بشرط قال بأن القراءة ليست من الأركان، وحينئذ فلا إشكال.
ثم على تقدير اشتراط القراءة وإجراء القولين في الطهارة مع ذلك، فما قاله البغوي ينبغي أن ينبني على أن قراءة الجنب [القرآن] هل يخرج بها عن نذر القراءة أم لا؟ وفيه خلاف حكاه القاضي الحسين في كتاب الاعتكاف:
فإن قلنا: إنه يخرج بذلك عن نذره، فقد جعلنا قراءة الجنب معتدًّا بها؛ فكذا هنا، ولعل القائل بالاعتداد بها ثمَّ أخذه من القول بعدم اشتراط الطهارة في الخطبة.
وإن قلنا: لا يعتد بقراءة الجنب- وهو الأصح- فينبغي أن ينبني ذلك على أن الموالاة شرط أم لا؟
فإن قلنا: إنها شرط، فلا وجه إلا ما قاله البغوي.
وإن قلنا: [إن] الموالاة لا تشرط فيها؛ فيجيء القولان في اشتراط الطهارة [فيما عدا القراءة، وتشترط في القراءة قولًا واحدًا.
وهذا إذا قلنا: إن القولين في الطهارة] ليسا مبنيين على أن الموالاة تشترط أم لا؟ أما إذا قلنا: إنهما مبنيان [على ذلك] فلا يجيء على القول باشتراط الموالاة إلا ما قاله البغوي، وعلى عدم اشتراطها إلا الجواز فيما عدا القراءة، والوجوب في القراءة.
وقد أفهم كلام الماوردي أن القول القديم في عدم الاشتراط إنما هو في الحدث الأصغر؛ كما قاله البغوي؛ لأنه قال: فأما الطهارة للخطبة فمأمور بها، فإن خطب من غير طهارة، فقد أساء، وفي إجزائها قولان: أحدهما- وهو قوله في القديم: تجزئه لأنه قال في القديم: "وإذا أحدث الإمام على المنبر، أحببت أن ينزل، ويتطهر، ويعود؛ ليبني على خطبته، وإن لم ينزل، ومضى على خطبته، فقد أساء، وأجزأه".
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وفي "الروضة": أن الصحيح- أو الصواب- قول صاحب "التتمة"، وبه جزم في "المحرّر"، وأيد ذلك بأن أبا حامد والماوردي وآخرين قالوا: لو بان لهم بعد فراغ الجمعة: أن إمامها كان جنبًا أجزأتهم، ونقله أبو حامد والأصحاب عن نصه في "الأم"، ولا شاهد له في ذلك؛ لأن الكلام في اشتراط الطهارة فيهما مع العلم لا مع الجهل، [وإلا فكون] الإمام متطهرًا شرطٌ في صحة الصلاة بلا خلاف، ومع ذلك لو بان محدثًا لا إعادة عليهم، والله تعالى أعلم.
والثاني: أن الستارة: هل هي شرط [فيهما أم] لا؟ وقد حكى الشيخ فيها قولين، ولم أر أحدًا من الأصحاب حكاهما قولين، بل وجهين.
والقاضي الحسين بناهما على أنهما بدل عن الركعتين أم لا؟
والإمام لما رأى ضعف هذا البناء وجه الاشتراط بذم الخطيب، وما فيه من هتك الانكشاف لو لم يستتر، مع العلم بأن النبي ﷺ لم يخطب إلا مستترًا، وقال "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
والوجه الآخر يوجه بما وجهنا به مثله في الطهارة.
والستارة: بكسر السين، وهي السترة، وتقديره: لبس الستارة، فحذف المضاف، ولو قال: الستر، كان أوضح وأخصر.
فرع: على قولنا باشتراط الطهارة، فسبقه الحدث في الخطبة، فهل يبني غيره عليها إذا جوزنا الاستخلاف في الصلاة؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره، وهما في "تعليق" القاضي الحسين في أثناء فصل من الباب، ومبنيان على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أو لا؟ وهما جاريان كما حكاه الإمام والقاضي الحسين- أيضًا- فيما لو أحدث بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الشروع في الصلاة: هل يجوز أن يستخلف من يصلي أم لا؟ وان شيخه مال إلى المنع وإن كان يجوز الاستخلاف في نفس صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة لما
[ ٤ / ٣٢٨ ]
انعقدت فقد اشتمل عقدها على الإمام الأول، والمستخلف بدله، والنظر إلى اتحاد العقد، وإذا فرض التعدد في الخطبة والمصلي، فقد انقطع شرط الصلاة- وهو الخطبة- عن الصلاة؛ فلم يقم بهما واحد مع تميز أحدهما عن الثاني.
والذي أورده ابن الصباغ وأبو الطيب والبندنيجي: الجواز، [حتى] قال البندنيجي: إنه لو خطب بهم واحد، وقبل أني حرم أحرم بهم من حضر الخطبة، صحت صلاتهم خلفه مع بقائه على الطهارة.
وقيل: [إنه] يجوز أني ستخلف من يصلي بهم وإن لم يكن قد سمع الخطبة؛ حكاه القاضي الحسين [وكذا] الماوردي.
وقال الروياني في "تلخيصه": إنه قول.
والأصح اشتراط سماعه الخطبة.
ولو تطهر الأول وعاد فيما إذا كان حدثه في أثناء الخطبة، فهل يبني؟ نظر: إن طال الفصل فلا، بل يستأنف الخطبة إن شرطنا الموالاة، وإن لم نشرط الموالاة، ولم يطل الفصل- فوجهان:
أظهرهما: الاستئناف- أيضًا- لأنها عبادة واحدة؛ فلا تؤدي بطهارتين كالصلاة؛ كذا قاله الرافعي تبعًا للغزالي، وهو منهما بناءً على [أن] اشتراط الطهارة في الخطبتين ليس مبنيًّا على اشتراط [الموالاة، ومن بناه على ذلك لا يحتاج إلى أن يقول: [إن شرطنا] الموالاة بطلت.
ولا يقال: إن القولين في اشتراط] الطهارة إنما بنيا على القولين في أن الموالاة بين الخطبة والصلاة: هل هي شرط أم لا؟ لا على أن الموالاة بين آخر الخطبة هل هي شرط أم [لا]؟ لأن من اشترطها بين الخطبة والصلاة، اشترطها في آخر الخطبة من طريق الأولى، والله أعلم.
قال: والقيام، أي: شرط، بلا خلاف؛ لأن النبي ﷺ ومن بعده لم يخطبهما إلا
[ ٤ / ٣٢٩ ]
قائمًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
وقد روى مسلم أن الترك كان والنبي ﷺ [قائم] يخطب.
قال الشافعي: ولم أعلم مخالفًا من أهل العلم: أنهم انفضوا عنه ﷺ في حال قيامه في الخطبة، وإذا كان كذلك، وجب إتباعه؛ لما تقدم من التقرير.
ولأنه ذكر يختص بالصلاة، ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام؛ كالقراءة، والتكبير.
وقولنا: "ليس من شرطه القعود" احترزنا به عن التشهد.
وهذا هو المشهور، ولم يورد العراقيون غيره، وحكى القاضي الحسين فيه وجهًا آخر: أنه غير واجب فيهما؛ بناءً على أن الخطبتين غير بدل عن الركعتين، وقد حكاه القاضي ابن كج أيضًا، وحكاه بعضهم قولًا معزيًّا إلى "حلية" الروياني.
وعلى الأول: لو عجز عن القيام، جاز أن يخطب قاعدًا؛ كما في الصلاة، والأولى له أن يستنيب، وإن عجز عن القعود، خطب مضطجعًا، ويجوز للناس الاقتداء به في حالة قعوده واضطجاعه، سواء صرح لهم بأنه عاجز عن ذلك أو سكت عنه؛ فإن الظاهر [أنه] إنما يفعل ذلك لعجز، فإن بان أنه كان قادرًا، فهو كما لو بان جنبًا.
قال: والقعود بينهما، أي: شرط- أيضًا- بلا خلاف؛ لأنه [يحصل به التمييز] بين الخطبتين.
ولأن الباب باب إتباع، وقد كان النبي ﷺ يفعله، روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب. قال: فمن نبَّأك أنه كان
[ ٤ / ٣٣٠ ]
يخطب جالسًا، فقد كذب؛ فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. أخرجه مسلم.
ورواية أبي داود عنه: [أنه] كان يخطب قائمًا، ثم يقعد قعدةً، فلا يتكلم. وساق الحديث.
قال الأصحاب: ويكون جلوسه بقدر قراءة سورة الإخلاص.
حكاه البندنيجي، وعزاه الإمام والقاضي الحسين إلى نصه في "الكبير"، وهذا أكمله.
وأقله- كما قال الإمام-: أن يقعد مطمئنًا؛ كما في الجلوس بين السجدتين.
وفي "الرافعي": أنّ الروياني حكى في "البحر" أنه يجب أن يكون جلوسه بقدر قراءة سورة الإخلاص، ولا يجوز أقل من ذلك، ونسبه إلى النص.
وقد حكى ابن كج عن رواية ابن القطان عن بعض الأصحاب: أنها لا تجب، وأنه يكفي الفصل بينهما بسكتة خفيفة وهو قائم.
[وفي "زوائد" العمراني، في باب صلاة العيد: أن صاحب "الفروع" ذكر: إذا خطب للعيد قائمًا جلس بين الخطبتين؛ على معنى السنة، وقيل: الجلسة بعينها ليست بمعتبرة في شيء من الخطب، وإنما المعتبر حصول الفصل، سواء كان بجلسة أو بسكتة أو كلام من غير ما هو فيه، والمشهور ثمَّ] ما ذكره الشيخ.
نعم، يكفي السكوت فاصلًا في حال خطبته قاعدًا؛ للعجز عن القيام، وهل يجب ذلك أو هو مستحب؟ فيه وجهان:
أصحهما: الأول.
والذي أورده القاضي أبو الطيب: الثاني لا غير.
فإن قيل: لم عددتم [القيام والقعود] هنا من الشروط، وهما في الصلاة
[ ٤ / ٣٣١ ]
يعدَّان من الأركان.
قلنا: قال الإمام: الأمر فيهما قريب، ولا حجر على من يعدُّهما من الأركان كما في الصلاة، ولا على من يعدهما من الشروط في الصلاة أيضًا.
أو نقول: المقصود ما يقع فيهما، وهما محلَّان.
ويجوز الفرق بأن الغرض من الخطبة: الوعظ، وهو أمر معقول، ولا يتضح في الصلاة أمر معقول، فجعل القيام [ثم] بمثابة ما فيه، وهاهنا عدّ شرطًا ومحلًّا لما هو المقصود.
وقال بعض المتأخرين: الفرق: أن المطلوب بالصلاة الخدمة بحالتيه اللتين يلابس فيهما شئونه ويقضي مآربه وهما القيام والقعود، فلا جرم عدا ركنين؛ لكون المقصود بهما التعظيم، بخلافهما في الخطبة؛ فإن مقصودها الموعظة، والقيام فيها لا يعد وعظًا، ولا له مدخل فيه، والقعود مقصود بالفصل؛ فكان بالشروط أشبه.
قال: والعدد الذي تنعقد به الجمعة؛ لأنه قد جعل شرطًا في صحة الجمعة؛ فكان من شرطهما حضور العدد فيهما: كتكبيرة الإحرام، وإذا ثبت أن العدد [شرط فيهما]، فلو انفض القوم بجملتهم في أثنائهما، أو بعضهم بحيث نقص العدد عن الأربعين- فالذكر المأتي به في حال غيبتهم غير معتد به، بلا خلاف.
قال القاضي الحسين: اللهم إلا أن تبدر منه لفظة أو لفظتان.
والفرق بين الخطبة إذا انفضوا فيها، وبين الصلاة إذا انفضوا فيها حيث لا يضر ذلك على رأي: أن كل مصل يصلي لنفسه؛ فجاز أن يسامح في نقصان العدد في الصلاة، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، وإنما الغرض إسماع الناس وتذكيرهم، فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع- فات فيه مقصود الخطبة؛ فلم يحتمل ذلك.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وإذا ثبت ذلك نظرت: فإن لم يعد المنفضون ولا غيرهم، امتنعت إقامة الجمعة.
وإن عاد غيرهم، فقد قال في "التهذيب" و"التتمة": إنه لابد من استئناف الخطبة، طال الفصل أو لم يطل.
وقال في "الوسيط": إنه إن عاد مكانهم آخرون، فالحكم كما لو عادوا بأنفسهم.
[ولو عادوا بأنفسهم]، نظرت: فإن كان الفصل يسيرًا، بنى على الخطبة؛ لأن رسول الله ﷺ كلَّم سليكًا الغطفاني في الخطبة، وكذلك كلم قبله أبا الحقيق في أثنائها- كما سنذكره- ثم بنى، ولم يجعل للفصل اليسير حكمًا.
وأيضًا: فالفصل اليسير كعدم الفصل؛ ألا ترى أنه لو سلم ناسيًا، ثم تذكر، ولم يطل الفصل، جاز البناء؟! فكذلك يحتمل الفصل اليسير بين صلاتي الجمع.
[وحد القرب بقدر ما بين صلاتي الجمع] كما قاله القاضي الحسين.
وابن الصباغ جعل المرجع فيه إلى العرف.
وإن عادوا بعد طول الفصل، فهل يبني أو يستأنف؟ فيه قولان جاريان فيما لو سكت قدر ذلك، والقولان مخرجان- كما قال الإمام؛ حكاية عن الأصحاب- على قولين في أن الموالاة في الخطبة هل تشترط أم لا؟
أحدهما- وهو ما قال البندنيجي: إنه القديم-: [لا]؛ لأن الغرض الوعظ والذكر، وذلك حاصل مع تفريق الكلمات.
والثاني- وهو ما قال البندنيجي: إنه نص عليه في "الأم"، وهو الجديد؛ كما قال غيره-: نعم؛ لأن للولاء وقعًا في استمالة القلوب، ولأن الأوّلين خطبوا على الولاء؛ فيجب إتباعهم، وهذا هو الأصح بالاتفاق، وبه جزم الماوردي، وقال: إن غرض الخطبة باقٍ، وأنه لا يختلف المذهب في ذلك.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وقد بنى المتولي وآخرون الخلاف في المسألة على أن الخطبتين [بدل عن] الركعتين أو لا؟ إن قلنا: نعم، وجب الاستئناف، وإلا فلا.
وقال الفوراني: إنهما مبنيان على المولاة في الوضوء.
وقال في "الوسيط":إنهما يقربان من [قولي] الموالاة في الوضوء. ولم يبنهما عليهما، لكن ظاهر المذهب ثمَّ: أنها لا تجب، وهنا: أنها تجب، ويدل على الفرق بين البابين: أن الفصل بالعذر ثمَّ لا يقدح على أظهر الطريقين، وهنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر؛ كما أبداه الإمام احتمالًا لنفسه، فقال: الذي أراه ذلك، ولولا ذلك لما ضر الفصل الطويل هاهنا؛ لأن سببه عذر الانفضاض.
وجعل الإمام الفرق بين ما ادعاه هنا وبين الوضوء: أن الطهارة غير معقولة المعنى، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض، ولكن من حيث إن الطهارة عهدت متوالية كما عهدت مرتبة، اشترطناه في قول [فيها]، فإذا فرض عذر لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة.
على أنه قد ورد على حسب ذلك أثر عن [ابن] عمر، ﵁.
وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة، فإنه متعلق بمعنى معقول، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره.
ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة، نظر: فإن لم يعودوا، وحضر غيرهم، فليس له إقامة الجمعة بهم من غير إعادة الخطبة، بلا خلاف.
قال القاضي الحسين: لأن من شرط الجمعة أن تنعقد جمعة بأولئك الذين سمعوا الخطبة؛ لأن الصلاة والخطبة في معنى واحد [و] كالشيء الواحد.
وإن عادوا بأنفسهم، نظرت: فإن عادوا قبل طول الفصل، صلى الجمعة بتلك الخطبة؛ لأن الخطبة والصلاة بمنزلة صلاتي الجمع، والفصل بينهما في يسير لا يقطع الجمع.
وإن عادوا بعد طول الفصل، ففي وجوب الجمعة- والحالة هذه- خلافٌ
[ ٤ / ٣٣٤ ]
مأخذه: أن الموالاة: هل هي شرط بين الخطبتين والصلاة أم لا؟ وفيها وجهان أو قولان، أصلهما: أن المزني نقل أن الشافعي قال: "فإن خطب بهم وهم أربعون، ثم انفضوا عنه، ثم رجعوا مكانهم صلى الجمعة، وإن لم يعودوا حتى تباعد أحببت أن يبتدئ خطبة، فإن لم يفعل صلاها بهم ظهرًا" واختلف الأصحاب في ذلك:
فذهب بعضهم إلى الأخذ بظاهر النص، وقال: إعادة الخطبة مستحبة، وهو بالخيار بين أن يخطب ويصلي الجمعة، أو لا يخطب ويصلي الظهر أربعًا؛ لأنه لا يأمن في القضاء ما لحقه في الأداء.
وهذه الطريقة تنسب إلى أبي علي صاحب "الإفصاح".
وقال البندنيجي: إنها أضعف الطرق.
وقال في "الحاوي": إن بها قال أكثر أصحابنا، وهي أصح الطرق، وأولاها؛ لأن ظاهر كلام الشافعي عليها، وكذا قال ابن الصباغ: إنها ظاهر كلام الشافعي.
قال الماوردي: ولا يجوز له عندها، ولا إذا خطب بهم وفي الوقت اتساع: أن يصلي الظهر؛ بل يصلي الجمعة.
وذهب ابن سريج إلى أن الخطبة التي فعلها قد بطلت، ويجب عليه استئنافها والإتيان بالجمعة إذا بقي الوقت؛ لأن الخطبتين بمنزلة صلاتي الجمع أو ركعة من ركعتي الصلاة، ولو فصل بين ذلك فصلًا، بطل ما أتى به، ووجب الاستئناف، فكذا هنا.
وقول المزني: إن الشافعي قال: "أحببت أن يبتدئ خطبة" لا نعرفه للشافعي، وقد أخطأ فيه.
وبعضهم يروي عنه: أنه قال: ويجوز أن يكون خطأ من الناقل، وإلا فهو: "أوجبت عليه أن يبتدئ خطبة"، أو [يكون] قال: "أحببت"، وأراد: أوجبت؛ لأنه يقول: "أحب" ويريد الإيجاب، كما يقول: "أكره"، ويريد: المحرم، كما جاء في
[ ٤ / ٣٣٥ ]
قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] أي: محرمًا.
وقوله: "فإن لم يفعل، صلى بهم ظهرًا"، أراد به: إذا لم يرجعوا حتى ضاق الوقت، ولم يمكن فعل الجمعة فيما بقي منه، وهذه طريقة القفال- أيضًا- والأكثرين؛ كما قال الرافعي.
وقال في "الحاوي": إنها وإن كان لها وجه، فالأولى أظهر، وقد أخطأ في تخطئة المزني؛ لأن الربيع والبويطي والزعفراني هكذا نقلوا عن الشافعي: أنه قال: "أحببت"، ولم ينقل عنه أحد: "أوجبت"؛ فعلم أن المزني لم يخطئ في قوله، وإنما أخطأ أبو العباس في تأويله.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنّ الخطبة التي فعلها لا تبطل بطول الفصل، وأنّ إعادتها مستحبة له، ولكن عليه أن يصلي الجمعة، فإن صلاها ظهرًا، أجزأه- كما قال الشافعي- قولًا واحدًا؛ لأن للإمام إقامة الظهر مكان الجمعة، ولو ابتدأ الإمام هذا، فقد سقط الفرض قولًا واحدًا، وليس هذا كمن صلى الظهر [في يوم الجمعة قبل صلاة الإمام الجمعة على أحد القولين؛ لأنه ترك الجمعة ليقيمها غيره، وصلى هو الظهر]، وها هنا ما يترك الجمعة ليقيمها غيره؛ فلهذا أجزأه.
وهذا الطريق لم يذكره [الماوردي]، وذكر عوضه طريقًا آخر بعد تصوير مسألة الخلاف فيما إذا كان انفضاضهم لعارض من فتنة أو غيرها: إن عادوا والعذر باقٍ خطب استحبابًا، وإن زال العذر خطب واجبًا. قال: وهذا لا وجه له؛ لأنّ ما لم يكن عذرًا في سقوط الخطبة ابتداء، لم يكن عذرًا في سقوطها انتهاء.
فإذا عرفت ذلك عرفت أنّ ابن سريج وأبا علي توافقا على أنّ الموالاة شرط، وهو الأصح، لكن ابن سريج يوجب استئناف الخطبة وعقد الجمعة، وأبو علي يستحبهما، وأن أبا إسحاق لا يشترط الموالاة، ويوجب عقد الجمعة؛ فصح ما قلناه: إن في وجوب عقد الجمعة والحالة هذه خلافًا، وهو وجهان:
أحدهما- وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق-: أنها تجب.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
والثاني- وهو قول أبي علي صاحب "الإفصاح"-: أنها لا تجب، بل تستحب.
وأن في اشتراط الموالاة بين الخطبتين والصلاة وجهين.
وعبارة الغزالي في [حكاية ذلك]: أنهم إن انفضوا بعد الخطبة وقبل الصلاة، وطال الفصل ففي جواز بناء الصلاة قولان يعبر عنهما بأن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل تشترط؟ [فإن قلنا: تشترط] فلابد من إعادة الخطبة، فإن لم يعد أثم المنفضُّون، وفي إثم الخطيب قولان.
[و] قال القاضي الحسني: لا خلاف في أنه لا يصلي بهم الجمعة بتلك الخطبة، [ولا خلاف في أنه لو صلى بهم الظهر صح]، ولا خلاف في أنه لو أعاد الخطبة، وصلى بهم الجمعة جاز، والخلاف في أنه: هل يجب عليه أن يعيد الخطبة حتى لو لم يعد يأثم بذلك؟ وقال: إنّ الحكم فيما لو انفضوا بعد فراغ أركان الخطبة، وقبل استكمال سننها كالحكم فيما لو انفضوا بعد فراغ الجميع.
قال: وفرضها: أن يحمد الله- تعالى- لما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: خطب النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله".
وروي عنه ﷺ أنه كان يقول في خطبته: "الحمد لله، نحمده ونستعينه
[ ٤ / ٣٣٧ ]
ونستغفره، ونؤمن به ونتوكَّل عليه"، وقد قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
وقوله: "يحمد الله" هو بفتح الياء والميم.
ولا يقوم مقام لفظ "الحمد" سائر ألفاظ الثناء، قال الإمام: وهذا هو اللائق بقاعدة الشافعي في بناء الأمر على الإتباع.
وفي بعض التصانيف- في ذكر أركان الخطبة- إطلاق القول باستحباب الثناء على الله، وهو مشعرٌ بأن الحمد لا يتعين، بل يقوم غيره مقامه، وهذا لا أعده من المذهب، ولا أعتد به.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
وهل يقوم قوله: "الحمد للرحمن الرحيم" مقام قوله: "الحمد لله"؟
قال الرافعي: الذي يقتضيه كلام الغزالي: لا؛ وذلك مما لا بعد فيه؛ كما في كلمة التكبير، لكني لم أره مسطورًا.
قال: ويصلي على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، قيل في تفسيره: لا أذكر إلا وتذكر معي، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وهذا أمر، وظاهره الوجوب.
والمخالف لا يوجب الصلاة عليه في غير الجمعة؛ [فيجب أن يكون واجبًا في الجمعة، ولأنها عبادة مفتقرة إلى ذكر الله تعالى] فافتقرت إلى ذكر الرسول ﷺ كالأذان والصلاة.
وقد تعجب بعض المتأخرين من أصحابنا من كون الشافعي أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة، والخطبة التي نقلت عنه ﷺ ليس فيها صلاة عليه، والآية وإن دلت على الصلاة عليه، تعين حملها على الاستحباب؛ لترك النبي ﷺ لها.
والمنقول الأول.
ولا يقوم مقام الصلاة ذكره بالرسالة والنبوة، وسائر وجوه المناقب التي خصه الله تعالى بها، وهذا مما اتفقت عليه الطرق.
قال الإمام: ويشهد لتعيُّنها تعيُّنها في الصلاة بعد التشهد. وحكى عن العراقيين أنهم ذكروا ذكر الله تعالى وذكر الرسول ﷺ، ولم يتعرضوا للحمد ولا للصلاة. قال: وظني أنهم أرادوا الحمد، ولكن لفظه ما نقلته.
قلت: والأمر كما ظنه؛ لأن البندنيجي وأبا الطيب وغيرهما صرحوا به، ولا يتعين ذكر "الرسول"، ويكفيه أن يقول: الهم صل على محمد، أو على النبي، كما نص عليه في "المختصر".
قال: ويوصي بتقوى الله تعالى؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين يجلس بينهما: يحمد الله، ويقرأ آية،
[ ٤ / ٣٣٩ ]
ويذكِّر الناس.
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه [حتى] كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسَّاكم، ويقول: "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين" ويقرن بين أصابعه: السَّبابة والوسطى، ويقول: "أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ".
وروي عنه﵇- أنه قال: في خطبةٍ: "الدُّنيا عرضٌ حاضرٌ يأكل فيها البرُّ والفاجر، والآخرة وعدٌ صادقٌ يحكم فيها ملكٌ قادرٌ، ولكلِّ واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدُّنيا".
ووجه الدلالة من ذلك قد سبق تقريره.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
قال الفوراني: وهذا الغرض هو مقصود الخطبة، والحمد والصلاة وإن وجبا وفاقًا [فهما] في حكم الذريعة إليه.
قال الإمام: ولا أصل لهذا الكلام ولا فائدة فيه، مع إيجاب الجميع، ولا يتعين للوصية ذكرٌ؛ لأن النبي ﷺ نوعها لينبه على عدم تعين نوع منها، وهل يتعين لفظ الوصية؟ فيه وجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: لا، وهو المذكور في "الإبانة".
والفرق بين ذلك وبين كلمات التشهد: أن مقصود الخطبة الاتِّعاظ، فلو التزم فيها شيئًا واحدًا، أنس الناس به؛ لتكرره على مسامعهم، وذلك يوشك ألا يحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، لكن اتفق الأصحاب على أن الخطيب لو لزم شيئًا واحدًا، أجزأه؛ لأنه قد يحضره من لم يسمع ذلك، ويغيب من سمعه؛ فيحصل المقصود.
ثم الوصية بتقوى الله تعالى؛ لجمعها الأمر بإتيان المأمورات، واجتناب المحرمات، وفي أحدهما إشعار بالثاني، فيكتفي بأحدهما؛ كذا قاله الإمام.
وفي "الوسيط": أن الشافعي قال ذلك، واستشهد به على أن فرض ذلك يسقط بقوله: أطيعوا الله.
وقال الإمام: إن كلام الأئمة مؤذنٌ بأنه لو اقتصر على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه- كفى؛ لصدق الاسم. ولكني لم أر هذا القول من أبواب المواعظ التي تنبِّه الغافلين، وتستعطف القلوب الأبية العصية إلى مسالك البر والتقوى، وإن كان المتبع مسالك الأوّلين في العُصُر الخالية فالغرض فضل مجموع نهر، ويقدر واقعًا من السامعين موقعًا.
وقد بالغ الشافعي في الإتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، وليس يليق بمذهبه أن يجعل قول الخطيب: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أطيعوا الله- خطبة تامة.
وقد قال في "الوسيط": إن ذلك يكفي فيها.
ثم قال الإمام: وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في "الإملاء"، وفيه إشعار بما
[ ٤ / ٣٤١ ]
ذكرته، ثم الذي يظهر لي أنه لا يكفي في هذا الفرض الاقتصار على ذكر التحذير والاغترار بالدنيا؛ فإن المنكرة للبعث يتواصون به، وكذلك ذكر الموت وما فيه من الفظاعة والألم.
نعم، لو اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له، فهو كاف.
وذكر الأمر بالإحسان المطلق من غير تعرض لذكر الله تعالى ما أراه مجزئًا؛ وذلك مثل أن يقول: "أحسنوا".
قال: فيهما، أي: يفعل جميع ذلك فيهما؛ لظاهر الأدلة.
قال: ويقرأ في الأولى شيئًا من القرآن؛ تأسيًا به ﷺ فإن الأثرم روى عن الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس، وقال: السَّلام عليكم"، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب، ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر﵄- يفعلانه.
والسورة لا تجب؛ لأنه اقتصر على قراءة آية كما دل عليه خبر جابر بن سمرة السابق؛ فتعين أن الواجب شيء من القرآن.
وهذا الذي ذكره الشيخ في القراءة هو نصه في "المختصر"؛ فإنه قال فيه: وأقل ما يقع عليه اسم خطبة منهما: أن يحمد الله، ويصلي على محمد النبي ﷺ ويوصي بتقوى الله، [ويقرأ آية في الأولى]، ويدعو في الآخرة؛ لأن معقولًا أن الخطبة تجمع بعض الكلام من وجه إلى بعض. وهذا أوجه.
وقال الروياني في "شرح التلخيص": إن تعين القراءة في الأولى هو الذي نص عليه في "الأم". وهذا الوجه لم يورد القاضي أبو الطيب غيره، وقد قال بعضهم:
[ ٤ / ٣٤٢ ]
إنه حكاه في "الإفصاح"، وهو غريب.
وقيل: تجب القراءة فيهما كالتحميد، ولأن الخطبتين قامتا مقام الركعتين، وقد ثبت أن القراءة تجب في الركعتين؛ فكذلك في الخطبتين، وهذا الوجه مشهور في طريق العراقيين، وهو خلاف النص؛ كما قال الروياني في "شرح التلخيص".
والذي ادّعى البندنيجي وابن الصباغ أنه المنصوص: أن القراءة تجب في واحدة منهما، إما الأولى أو الثانية، وهو ما ادعى الإمام: أنه الظاهر.
وحكى الروياني عن بعض الأصحاب القطع به، وقد قال في "الحاوي": إنه نص عليه في "المبسوط"، فقال: ولو قرأ في الأولى، أو قرأ في الثانية دون الأولى، أو قرأ بين ظهراني ذلك مرة واحدة، أجزأه.
ولا خلاف [في] أن الأولى الإتيان بها في الأولى؛ لأن الذي نقل عن النبي ﷺ أنه قرأ في الخطبة الأولى حسب، فإن فاتته في الأولى، قرأها في الثانية، وقد حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، واستحب الأصحاب له أن يقرأ سورة "ق" في الأولى؛ لأن بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. أخرجه مسلم.
فإن لم يقرأ ذلك، فيستحب أن يقرأ آية هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] قاله البندنيجي.
وقد أطلق الأصحاب القول بالاكتفاء بآية.
وقال الغزالي: يحتمل ألا تجزئ إذا لم تكن مستقلة بالإفهام: كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١].
ولفظ الإمام في ذلك: "أنه لا شك في أنها لا تكفي إذا لم تستقل بالإفهام".
[ ٤ / ٣٤٣ ]
ولو قرأ شطر آية طويلة، فليست أبعد كفاية ذلك، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكر من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب.
نعم، لو قرأ ذلك في أثناء قصة، وهو لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
وقد عرفت مما ذكره الشيخ: أن الحمد والصلاة على النبي ﷺ والوصية بتقوى الله- تعالى- فرض في كل خطبة منهما والقراءة فرض، لكن في الأولى فقط أو فيهما؟ فيه خلاف.
وأفهم كلامه: أنه لا فرض غير ذلك، ووراء ما ذكره وجوه:
أحدها: أن القراءة لا تجب في الخطبتين، ولا في واحدة منهما؛ قاله أبو إسحاق، وعليه يدل ما حكاه الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" عن "الإملاء": أن أركان الخطبة: الحمد لله، والصلاة على رسول الله ﷺ، والوعظ. ولم يذكر القراءة؛ وكذلك لم يعدَّها في "التلخيص" من الفروض، ويؤيده- أيضًا- قوله في القديم: "أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن".
الثاني: أن فرض القراءة واجب في واحدةٍ لا بعينها، كما تقدم.
الثالث: أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في واحدة منهما، فإن أتى بها في الأولى أو الثانية أجزأه؛ حكاه الحناطي.
الرابع: اشتراط النية فيما حكاه القاضي الحسين؛ بناءً على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.
وقال في باب صلاة الكسوف: إن قول الشافعي فيما إذا اجتمع الكسوف وصلاة الجمعة: "إنه يخطب للجمعة"- دليل على أن النية لخطبة الجمعة شرط.
الخامس: أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فرض في الثانية، لا يعتد بها دونه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ كما تقدم ذكره.
وحكي الروياني في "شرح التلخيص" طريقة قاطعة به، ولم يورد الفوراني والقاضي الحسين غيرها.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
قال الإمام: ولم أر من [ترك] عدَّه من الواجبات إلا صاحب "التلخيص"، ولا يحمل سكوته عنه على غفلة؛ فإن المقصود الأظهر من كتابه الحصر والعدد والاستثناء، وقد ظهر وفق قوله في "الإملاء"؛ فإنه عدّ الأركان ولم يذكر الدعاء، ولو تأمل الناظر مقصود الخطبة ألفاه راجعًا بعد ذكر الله وذكر رسوله إلى حمل الناس على مراشدهم بالموعظة في كل جمعة، وهذا ليس ما قاله بعض المصنفين.
وأما الدعاء: فلا يبعد خروجه عن الأركان، ولكن هذا غريب.
وهذا مجموع ما وقفت عليه مما قيل في ذلك.
وقد أفهم ما حكيته من نص الشافعي في "المختصر": أنه لو اقتصر الخطيب على الإتيان بالقراءة في الخطبة، وقرأ محل كل ركن من الأركان [آية] مشتملة على المعنى المطلوب- لا يجزئه ذلك، وبه صرح الشيخ أبو محمد.
وقال الإمام: إنه مقطوع به في المذهب؛ فإن ما جاء به لا يسمى خطبة.
نعم، لو أوقع القراءة مقام ركن واحد: كما إذا أوقع التحميد آيةً، فليس يمتنع ذلك، وكذا لو أوقع الوعظ آية أو آيات مشتملة على مواعظ، وقد نص عليه الشيخ أبو محمد.
قال الإمام: ولكن لا ينبغي أن تحسب القراءة وعظًا، ويعتد بها عن جهة القراءة أيضًا؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا. وأبدى احتمالًا في اشترط إيقاع الوعظ ذكرًا، لمأخذ لم أره قويًّا؛ فلذلك لم أذكره.
واعلم أن بعض الأصحاب عدّ من أركان الخطبة رفع الصوت فيها.
وقال آخرون: إن ذلك مستحب، [وعليه ظاهر نصه في "المختصر"، وليس ذلك باختلاف في المسألة، بل مراد من قال: إنه مستحب]، أن يبالغ فيه حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن، وإلا فقدر طاقته؛ لما تقدم أنه﵇- كان إذا خطب علا صوته، وقد صرح بذلك البندنيجي.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ومراد من قال: إنه ركن، الرفع بحيث يسمع أربعين، حتى لو خطب في نفسه، ولم يسمع أحدًا لا يجزئ؛ وبذلك صرح القاضي الحسين [وغيره]، وهو الأصح.
وحكي الروياني وغيره وجهًا آخر: أنها تجزئ، وهو ما يفهم من كلام الماوردي الذي سنذكره عند الكلام في الإنصات.
والمشهور: الأول. نعم، اشتهر خلاف الأصحاب في أنه لو خطب بأربعين كلهم صمٌّ أو أحدهم، هل يجزئ أم لا؟ وقاسوا وجه عدم الإجزاء- وهو الصحيح- على ما لو تباعدوا عنه بحيث لا يبلغ صوته إليهم؛ فإنه لا يجزئ.
ووجه الإجزاء على ما لو كانوا عربًا لا يفقهون معنى ما يقوله وهم يسمعون، والخطبة بالعربية؛ [فإن الظاهر أنه يجزئ، بخلاف ما لو كان الخطيب لا يعرفها، فإن الظاهر- كما قال القاضي الحسين- أنه لا يجزئ] وقال القاضي: إن الوجهين كالوجهين فيما لو كانوا بعيدين من الإمام: هل يجب عليهم الإنصات أم لا؟
فرع: هل تجوز الخطبة بالفارسية؟ فيه وجهان في "التتمة":
أصحهما: لا، وبه جزم الفوراني والروياني في "شرح التلخيص"، وهذا إذا كان القوم عربًا، فإن كانوا لا يفقهون إلا الفارسية، فخطب بها أجزأه؛ قاله القاضي الحسين وغيره.
ثم على الصحيح: يجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية كالعاجز عن التكبير بالعربية، فلو مضت مدة إمكان التعليم، ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم إقامة الجمعة؛ قاله الرافعي.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
تنبيه: إتيان الشيخ بالواو في قوله: "وفرضهما: أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ، ويوصي بتقوى الله تعالى فيهما، ويقرأ في الأولى شيئًا من القرآن"- يؤذن بأن الترتيب ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطًا لأتى بالفاء، أو بـ "ثم"؛ لأن ذلك هو الذي يقتضيه، وقد صرح به الماوردي، والروياني في "شرح التلخيص"، وصاحب "العدة"، والقاضي أبو الطيب عند الكلام في التكبير، وكثيرون من العراقيين؛ كما قاله في "الروضة".
وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ لأن لفظه كلفظ الشيخ.
وقال في "التتمة": إن الترتيب بين أركان الخطبة واجب؛ فيقدم حمد الله تعالى، ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم الوصية، ثم تلاوة القرآن، ثم الدعاء.
وحكي الرافعي عن صاحب "التهذيب" وغيره أن البداءة بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ولا بينهما وبين غيرهما، وهو ما ذكره القاضي الحسين أيضًا.
والذي صححه في "الروضة": الأول.
قال: وسننها: أن تكون على منبر؛ لما روى مسلم عن سهل بن سعد- وذكر له المنبر- قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: "أن مُرِي غلامك النَّجار يعمل لي أعوادًا أكلِّم النَّاس عليها"، فعمل هذه الثلاث درجات، وقد كان النبي ﷺ يخطب عليها؛ فتواترت بذلك الأخبار، قال القاضي الحسين: وقد كان قبل أن يعمل المنبر يخطب في المسجد عند جذع نخلة يابسة، ويجعلها على يساره، ويعتمد عليها، فلما عمل المنبر، ودخل المسجد، جاوز الجذع؛ فحنَّ الجذع حنين الوالهة؛ فعلًا البكاء من أصحاب النبي ﷺ فرجع النبي ﷺ واحتضنها،
[ ٤ / ٣٤٧ ]
وسارَّها، ثم أصغى إليها كالمستمع، ثم قال لأصحابه: "هل سمعتم صوتها؟ " قالوا: نعم، قال: "إنَّها تأسف على مفارقتي، فخيَّرتها بين شيئين: بين أن أدعو الله تعالى حتَّى يجعلها شجرةً خضراء في الدُّنيا إلى يوم القيامة، أو تكون شجرةً من أشجار الجنَّة، فاختارت أن تكون من أشجار الجنَّة". فأمر النبي ﷺ به حتى قطع، ودفن تحت المنبر.
وخطبته ﷺ على الأرض قبل عمل المنبر تدل على أنها على المنبر سنة.
والمنبر- بكسر الميم-: مشتق من "النبر"، وهو الارتفاع.
وقد كان منبر النبي ﷺ ثلاث درجٍ، غير الدرجة التي تسمى المستراح، وهي التي يجلس عليها، [و] كان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح.
ثم إن أبا بكر كان يقف على الثانية دون موقف رسول الله ﷺ بدرجة، ثم جاء عمر، فوقف على الدرجة الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان، فصعد على الثانية موقف أبي بكر، ثم جاء علي، فوقف على الثالثة موقف رسول الله ﷺ ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية، وزاد فيه ست درجٍ، [فصار] عدد درجه تسعًا، وكان الخلفاء يقفون على الدرجة السابعة، وهي أوّل مراتب الخلفاء الراشدين.
واستحب الشافعي للخطيب أن يقف على الدرجة التي تلي المستراح إن كان
[ ٤ / ٣٤٨ ]
المنبر قصيرًا، فإن كان طويلًا، قال في "الحاوي": وقف على الدرجة السابعة.
والسنة: أن يكون وقوفه على يمين المنبر [وبقية المنبر على يساره؛ كذا قال القاضي الحسين. وليكن المنبر على يمين القبلة] وهي الجهة التي تلي يمين المصلي؛ لأن منبر النبي ﷺ كان في تلك الجهة.
ومن خطب على الأرض، فيستحب له أن يكون هناك مقامه؛ [قاله أبو الطيب وغيره.
وقال الماوردي: إنه يكون مقامه] على يسار القبلة، [وهي] [الجهة] التي تلي يسار المستقبل، وأين وقف جاز.
قال: أو على موضع عالٍ؛ لقيامه مقام المنبر في تحصيل المقصود، وهو الإبلاغ التَّام.
قال: وأن يسلم على الناس إذا أقبل عليهم؛ لحديث الشعبي السابق.
وقد روى جابر أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجة، لكن في رجاله ابن لهيعة.
وقد حكي عن الشافعي أنه قال: "إذا وقف على الثالثة، أقبل بوجهه على الناس، وسلم؛ لأن هذا يروى عاليًا".
واختلف أصحابنا في مراده بالعالي:
فقيل: إسناد ذلك.
وقيل: أراد السلام؛ فإنه يفعل عاليًا.
وقيل غير ذلك.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وقد استحب الشافعي أن يسلم عند قربه من المنبر على من حضره؛ فإنه روي عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر، استقبل الناس بوجهه، ثم سلم"، أخرجه أبو أحمد، وحسن السلام الثاني ليبلغ من لم يبلغه الأول.
ولأنه في حال صعوده المنبر كالمفارق لهم، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسلم بعضهم على بعض إذا حالت بينهم الشجر.
قال: وأن يجلس إلى [أن] يؤذن المؤذن؛ لما روى ابن عمر﵄- أن النبي ﷺ كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم، فيخطب. رواه أبو داود.
وهذا الجلوس للاستراحة، وليس بفرض اتفاقًا.
وقد أشعر كلام الشيخ هذا أن الأذان يكون بعد جلوسه على المنبر بين يديه، وهو كذلك؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج قعد على المنبر فأذن بلال، فإذا فرغ من خطبته، أقام الصلاة". ذكره أبو أحمد.
وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث،
[ ٤ / ٣٥٠ ]
فأذن به على الزوراء وثبت الأمر على ذلك.
وفي طريق أخرى: "الثاني" بدل "الثالث".
وفي "الحاوي": أن الشافعي حكى عن عطاء أنه أنكر أن يكون عثمان أحدثه، والذي فعله عثمان إنما هو تذكير، والذي أمر به إنما هو معاوية، وبه قال بعضهم.
قال الشافعي: وكيف كان ففعل رسول الله ﷺ أحب إلي. واستحب الأصحاب- لأجل ذلك- أن يكون المؤذن بين يدي الخطيب واحدًا دون الجمع.
قال: ويعتمد على قوس أو سيف أو عصا؛ لأن النبي ﷺ كان إذا خطب في السفر [اعتمد على قوس، وإذا خطب في الحضر] اعتمد على عنزةٍ، وهي عصا في طرفها حديدة.
[ ٤ / ٣٥١ ]
وروي أنه اعتمد على السيف، وإن لم يثبت، فهو في معنى القوس.
قال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: ويجعل ما يعتمد عليه في يده اليسرى؛ لأنه﵇- جعل يساره على الجذع، واعتمد عليه، ويجعل يده اليمنى على حرف المنبر.
ولو لم يعتمد على شيء استحب [له] أن يسكِّن جسده، ويجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
والعصا: مقصور، ولا يقال: عصاة، قال الفراء: أول لحن سمع: هذه عصاتي.
وقال غيره: إنه يلي ذلك قولهم: "لعل لها عذر وأنت تلوم"، والصواب: "عذرًا".
قال: وأن يقصد قصد وجهه، أي: فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، لا في الصلاة على النبي ﷺ ولا [في] غيرها؛ كما صرح به الماوردي وغيره؛ روى البراء بن عازب قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب يستقبلنا بوجهه، ونستقبله
[ ٤ / ٣٥٢ ]
بوجوهنا".
ولأنه إذا التفت يمينًا قصر سماع يسرته، وإذا التفت شمالًا قصر سماع يمنته، فإذا قصد قصد وجهه، كان أعم [لسماع] الجميع.
وقد أفهم كلام أبي الطيب: أن الالتفات لا يجوز؛ لأنه قال: إن في التفاته إعراضًا عن بعض الحاضرين، وذلك لا يجوز؛ لما فيه من سوء الأدب.
ومن طريق الأولى: لا يستدبر القوم ويستقبل القبلة، فلو فعله، فهل يعتد به؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "الوسيط" تبعًا للإمام: الاعتداد بها، لكن مع الكراهة.
والذي ذكره القاضي الحسين: أنه لا يعتد بها؛ كما لو خطب جالسًا مع القدرة على القيام، وهو في "البيان" وغيره؛ كما قال الرافعي.
وكلام القاضي أبي الطيب يرشد إليه.
والفرق على هذا بين الخطبة والأذان حيث نقول: لو ترك المؤذن استقبال من حضره يجوز-: هو أن الأذان دعاء للغيب، وليس بمختص بالحاضرين،
[ ٤ / ٣٥٣ ]
والخطبة يقصد بها الحاضرون؛ فكانت مختصة بهم.
ويستحب للناس أن يحولوا وجوههم إلى الإمام؛ لما تقدم من خبر البراء بن عازب، ولرواية علقمة عن ابن مسعود أنه قال: "كان إذا استوى رسول الله ﷺ على المنبر، استقبلناه بوجوهنا"، قال ابن المنذر: واستقبال الناس الخطيب بوجوههم إجماع؛ ولهذا استحب أن يوضع المنبر في جهة القبلة، لأنه لو وضع أمامها، لكان الإمام مستقبلًا القبلة، والقوم إن استقبلوا القبلة استدبروه وهو قبيح، ولأنه في حكم الإعراض عنه. وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، كان قبيحًا- أيضًا- فجعل في تلك الجهة. و[أن] يكون الإمام مستدبرًا القبلة أهون من استدبار جميع المستمعين لها، فلو جعل المأمومون ظهورهم إلى الإمام لم يقدح ذلك في صحتها.
وقال في "الروضة": إن الدارمي طرد الوجه السالف فيه.
قال: وأن يدعو للمسلمين، أي: في الثانية؛ لأنه روي أنه﵇- كان يقول في خطبته عند الفراغ منها: "وأستغفر الله لي ولكم"، وإنما لم يجب؛
[ ٤ / ٣٥٤ ]
لأن مقصود الخطبة التذكرة والموعظة، وليس هذا المعنى موجودًا في الدعاء؛ فلذلك لم يجب؛ وهذا ما حكي عن أبي حامد، ولم يورد البندنيجي غيره.
قال الروياني في "شرح التلخيص": وهو خلاف النص، وقد قطع بعضهم بالوجوب؛ لقوله﵇-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
قال: وحكى آخرون فيه قولين، وقد تقدم الكلام فيه.
وليكن مما يتعلق بالآخرة، غير مقتصر فيه على أوطار الدنيا.
والدعاء لشخص معين- كالسلطان- لا يستحب فيها.
وأطلق الشيخ في "المهذب" وغيره لفظ الكراهة؛ لما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: "هو محدثٌ، وإنما كانت الخطبة تذكيرًا"، والكراهة أخذت من قول الشافعي: "فإن دعا لرجل بعينه، أو على رجل بعينه فيها كرهته، ولا إعادة عليه".
وقيَّد القاضي الحسين ذلك بما إذا لم يقطع نظم الخطبة، وخص في "الروضة" الكراهة بما إذا جازف في الوصف والدعاء له، وقال: "الاختيار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، ولا يجوز ذلك؛ فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمور"، وكذلك قال غيره من المتأخرين؛ لأن ضبة بن محصن روى أن أبا موسى كان [إذا] خطب فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ،
[ ٤ / ٣٥٥ ]
أخذ يدعو لعمر، فأنكر عليه ضبة البداءة بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: "أنت أوفى منه وأرشد".
وروي عن الحسن البصري أنه قال: "لو علمت أن لي دعوة مستجابة، لخصصت بها السلطان؛ فإن خير غيره خاص، وخيره عامُّ".
قال: وأن يقصر الخطبة؛ لما روى مسلم عن عمار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة، واقصروا الخطبة؛ فإنَّ من البيان سحرًا".
والمئنة: العلامة، وقيل: ذكاؤه وفطنته بالفقه.
ولا ينبغي أن يخرجهما عن القصد؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا"، زاد في طريق آخر: "يقرأ آيات من القرآن، ويذكِّر الناس".
قال البندنيجي: ويستحب أن يخطب بما رواه ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ [يومًا] فقال: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونستنصره،
[ ٤ / ٣٥٦ ]
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فمن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، حتى يفيء إلى أمر الله".
فإن قال "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"، كره له ذلك حتى يقول: "ومن يعصِ الله ورسوله"؛ لأن النبي ﷺ أنكر ذلك.
ولفظ الشافعي: "كرهت ذلك له؛ حتى يفرد اسم الله، ثم يفرد بعده اسم رسوله، لا يذكره إلا منفردًا".
قال الشافعي: "وقد قال رجل عند رسول الله ﷺ: وما شئت؛ فنهاه النبي ﷺ عن العطف في المشيئة بالواو، ونقله إلى حرف "ثم"؛ ليدل بذلك أن مشيئته بمشيئة الله تعالى، [وأنه إنما يشاء؛ لأن الله شاء أن يشاء، ولا يشاء شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى"].
قال البندنيجي: وقد دلل الشافعي﵀- بذلك على أن مذهبه مذهب
[ ٤ / ٣٥٧ ]
أهل الحق، وأن قول من قال: الإنسان يشاء ما لا يشاء الله تعالى- محالٌ من القول.
ويستحب أن تكون الخطبة المأتي بها بكلام معربٍ، مبين، من غير تمطيط وتقطيع لها، ومن غير عجلة، ولا يكون لفظها مرذولًا، ولا غريبًا مستثقلًا، [بل] بين الأمرين؛ لأن ذلك أسرع إلى فهم من حضره.
ويذكر في كل أوان ما يليق به.
وإذا حصر الإمام وأرتج عليه في الخطبة أو القراءة، فقد نقل المزني أنه يلقَّن.
وقال في موضع [آخر]: لا يلقن.
وليست على قولين، بل على اختلاف حالين:
فحيث: قال: "لا يلقن"؛ إذا كان بصفة من [لو] فتح عليه لازداد حصره، وإذا ترك استدرك غلطه؛ فهذا يترك، ولا يلقن، وهو معنى قوله﵇- لعلي: "إذا حصر الإمام فلا تلقنه".
والموضع الذي قال: "يلقن"؛ إذا انغلق الكلام عليه، فسكت، وكان بحيث لو لقن زال حصره، ومضى في خطبته وقراءته، وكان الراد يحفظ ما يرد به عليه؛ فهذا يلقن، [ويفتح عليه]؛ لما روي أنه﵇- كان يقرأ في الصلاة، فأرتج عليه، فلما فرغ قال: "أفيكم أبيٌّ؟ " قالوا: نعم. قال: "هلَّا ذكّرتني؟ " فقال: ما كان الله- سبحانه- يرى أننا نلقن رسول الله ﷺ.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وإذا فرغ من الخطبة الثانية شرع المؤذن في الإقامة بحيث يكون فراغه منها عند دخول الإمام المحراب؛ قاله الإمام وغيره.
وقد حكى في "الروضة": أن الجهلة من الخطباء يفعلون أمورًا مكروهة: كالدق على المنبر في حالة الصعود، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والإشارة باليد.
قال: والجمعة ركعتان؛ لما روي عن عمر قال: "صلاة الجمعة ركعتان [تمام] غير قصر، على لسان محمد ﷺ".
[ ٤ / ٣٦٠ ]
ولأن الخلف نقلوا عن السلف أن صلاة الجمعة كانت ركعتين، وهو إجماع؛ كما قاله ابن المنذر.
وأفادنا قول عمر: أنه لا يجوز أن يتمها أربعًا كالصبح.
قال: إلا أنه يسن أن يجهر فيهما بالقراءة؛ لنقل الخلف عن السلف.
وقد روي أنه﵇- قال: "صلاة النَّهار عجماء إلا الجمعة والعيدين".
قال: [ويقرأ بعد الفاتحة في الأولى] [سورة] "الجمعة"، وفي الثانية "المنافقين"؛ لما روى [مسلم] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "الجمعة" و"المنافقين".
وروى عن أبي هريرة أنه كان ﷺ يقرأ في الأولى "الجمعة" وفي الثانية "المنافقين". أخرجه مسلم.
[ ٤ / ٣٦١ ]
وهذا ما حكاه الإمام عن الجديد، وأن الصيدلاني حكى عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سبح اسم ربك الأعلى .. " وفي الثانية "هل أتاك حديث الغاشية .. "؛ لأنه روي أنه﵇- قرأ في الجمعة بـ "سبح" و"الغاشية"، أخرجه مسلم عن رواية النعمان بن بشير.
قال: وكان إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين؛ وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي في "الإملاء".
وقال في "الروضة": عجب كيف جعلت المسألة ذات قولين: قديم وجديد؟! والصواب أنهما سنتان تفعلان، ثبت كل ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله ﷺ فكان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت؛ ومما يؤيده أن الربيع- وهو راوي الكتب الجديدة- قال: "سألت الشافعي عن ذلك؟ فذكر أنه يختار "الجمعة" و"المنافقين"، ولو قرأ بـ "سبح .. " و"هل أتاك حديث الغاشية .. " [كان حسنًا].
قلت: وكلام الأصحاب ينازع في أنهما ليسا على السواء، وأن الأولى ما ذكره الشيخ، ووجهوه بأن في سورة "الجمعة" الأمر بالسعي عند سماع النداء، وذم الانفضاض عن الإمام، وفي سورة "المنافقين" تقريعهم والذم لهم، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
فرع: لو قرأ في الأولى سورة "المنافقين"، قرأ في الثانية "الجمعة"، ولو قرأ في الأولى غيرهما قرأهما في الثانية؛ نص عليه في "الكبير"، ويخالف ما إذا ترك الجهر في الأوليين لا يفعل في الأخريين؛ لأنه مكروه فيهما، وإذا ترك الرمل في الأشواط الأول، لا يفعله في الباقية؛ لأن تركه فيها سنة، وفعله مكروه، ولا كذلك صلاة الجمعة؛ فإنه لا يكره قراءتهما في الركعة الثانية.
ويستحب أن يقرأ في صلاة صبح يوم الجمعة في الأولى ﴿الم ﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ ﴾ فإنه﵇- كذا صح عنه أنه فعل.
***
[ ٤ / ٣٦٣ ]