لما ذكر الشيخ في الباب قبله صفة الصلاة عل الكمال من غير تمييز لفرض فيه من السنة-احتاج إلى رسم هذا الباب؛ لبيان ما هو الفرض من ذلك؛ ليفعله المصلي حتمًا إن كان يعرفه، ويتعلمه وجوبًا إن كان يجهله؛ [كما دل عليه] قوله في الباب قبله: "ومن لا يحسن التبكير بالعربية، بكر بلسانه، وعليه أن يتعلم"، وبه صرح الإمام عند الكلام في التكبير؛ فقال: ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن من أسلم، فعليه أن يبتدر تعليم شرائط الصلاة وأركانه، ويعرف ما هو سنة؛ ليتخير في فعله وتركه، وأيضًا لتصح نيته؛ كما أسلفناه.
وقد فعل مثل ذلك في الوضوء والحج، ولم يصنع كذلك في الغسل؛ لأن مضمون واجبه يحصره كلمتان؛ [فما رأي] أن يفرد صفته بباب، وتفصيله بباب آخر.
ثم "الفروض": جمع "فرض"، وأصله في اللغة: التقدير، يقال: فرض الخياط الثوب: إذا قدره، [و] لما كانت هذه الأمور مقدرة في الصلاة، سميت: فروضًا.
وقيل: أصله الحز في القدح وغيره، والقدح- بكسر القاف والحاء المهملة-: السهم إذا قوم واستوى قبل أن ينصل ويراش، فإذا ركب فيه النصل والريش فهو سهم؛ فلما كانت هذه الأشياء لازمة للصلاة ملازمة الحز للقدح سميت: فروضًا.
وبعضهم يعبر عنها بالأركان، ويقول: الصلاة تشتمل على شرائط وأركان وأبعاض وهيئات:
فالشرائط ست، وهي: الطهارة عن الحدث، والطهارة عن الخبث في البدن والثوب، وموضع الصلاة على الجديد، وستر العورة، والعلم بدخول الوقت،
[ ٣ / ٢٥٠ ]
أو ظنه، واستقبال القبلة في حال الأمن في الفرض دون النافلة في السفر؛ كما سلف.
وقيل: إنه ركن؛ حكاه الإمام عن صاحب "التلخيص"، ولم يذكر في "المهذب" في صفة الصلاة غيره.
قال الإمام: وهو الأقرب؛ من حيث إن الطهارة تتقدم على الصلاة، وستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ فلم تكن أركانًا، بل هي شرائط، ووجوب استقبال القبلة يختص بالصلاة، ولا يجب تقدمه على عقدها، وهذا ما استحسنه القفال.
وحكى القاضي الحسين أن بعض أصحابنا [قال] بمثله في الطهارة والستارة، وهو بعيد.
والسادس: الإسلام، فنه لابد من تقدمه على العبادة، ولو زال في أثنائها بالردة، بطلت.
والأركان: ما عده الشيخ فروضًا، وستتضح [مع] ما يتعلق بها.
والأبعاض والهيئات: هي ما عبر الشيخ عنها بالسنن وسنبينها.
وقد حاول بعضهم عبارة فارقة بين الشرط والركن في الصلاة؛ فقال: الشرط: ما يتقدم عليها، ويجب استدامته إلى آخرها، والركن: ما لا يتقدم عليها، ولو تركه عمدًا بطلت صلاته، ولو تركه سهوًا لزمه العود إليه، ولا ينجبر بالسجود، وإليه يميل كلام الإمام؛ حيث جعل القول بأن استقبال القبلة ركن أقرب؛ لكونه لا يجب تقدمه عليها؛ بخلاف الطهارة والستارة.
وقال الرافعي: إنه يرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير، وسائر المفسدات؛ فإنها لا تتقدم على الصلاة، وهي معدودة من الشروط دون الأركان. وظن أن هذا لا جواب عنه؛ فقال: ولك أن تفرق بين الركن والشرط بعبارتين:
إحداهنا: أن تقول: الأركان: المفروضات اللاحقة التي أولها التكبير، وآخرها
[ ٣ / ٢٥١ ]
التسليم، ولا يلزم التروك؛ فإنها دائمة لاتلحق ولا تلحق، والشروط: ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن تقول: [الشرط يعتبر] في الصلاة؛ بحيث يقارن كل معتبر سواه، والركن: [ما يعتبر لا على] هذا الوجه:
مثاله: الطهارة: تعتبر مقارنتها الركوع والسجود، وكل أمر معتبر ركنًا كان، أو شرطًا، والركوع معتبر، لا على هذا الوجه.
قلت: [وهذا يخرج] استقبال القبلة عن أن يكون شرطًا؛ لأنه لا يعتبر [في كل ما هو واجب في الصلاة؛ فإنه إنما يعتبر] في حال القيام والقعود دون الركوع والسجود؛ فإنه حينئذ يكون مستقبلًا موضع ركوعه وسجوده، وإن كانت جثته على هيئة مخصوصة يستقبل بها القبلة، لكنه غير الاستقبال في القيام والقعود، والمشهور: أنه شرط؛ كما قال الشيخ.
وما ذكره من أن ترك الكلام ونحوه شرطن وهو لا يتقدم الصلاة فيه مساهلة، والحق أن وجود ذلك مانع؛ كما هو مقرر في الأصول.
والغزالي ناقشه في عده ذلك ركنًا مع أنه أصولي، واعتذر عنه بأنه في ذلك اتبع الفوراني.
وقد يقال: ما كان وجوده مانعًا كان عدمه شرطًا، وإليه صار سيف الدين الآمدي﵀- لكنا لا نسلم [أن] ما كان وجوده مانعًا كان عدمه شرطًا.
وقد ادعى البندنيجي أن بين شروط الصلاة وأركانها [خصوصًا وعمومًا]؛ فقال: كل ركن فيها شرط، وليس كل شرط ركنًا، وهي طريقة حكاها الرافعي،
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقال: إن الأكثرين على أنهما يفترقان افتراق [العام و] الخاص.
قال: وفروض الصلاة ثمانية عشر، ودليل حصرها في ذلك ما سنذكره من الأدلة [على سنة ما عداها مما هو مشروع فيها]، ووراء ذلك وجوه سنذكرها، وأدلة فرضيتها منها ما تقدم في الباب قبله؛ كما سننبه عليه، ومنها ما سنذكره، والعمدة فيه في أكثر الفروض ما روى أبو داود عن أبي هريرة "أنه -﵇- دخل المسجد؛ فدخل رجل فصلى، ثم جاء، فسلم على رسول الله ﷺ، فرد رسول الله ﷺ [عليه] السلام، وقال: "ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"؛ فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي، ثم جاء إلى النبي ﷺ، [فسلم عليه]؛ فقال له [رسول الله] ﷺ: ["وعليك السلام"] ثم قال:"ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"، [حتى] فل ذلك ثلاث مرات؛ فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا؛ فعلمني؛ فقال: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا"، [وفي رواية-وهي التي ذكرها القاضي الحسين والإمام-: "ثم اجلس حتى تعتدل جالسًا]، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وفي رواية: "فإذا فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك".
وقال فيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، وأخرجه البخاري، ومسلم بنحوه، وهذا الخبر يعرف بخبر المسيء في صلاته.
قال: النية وتكبيرة الإحرام؛ لما تقدم من الأخبار، ومحلهما القيام في حق القادر، وما يقوم مقامه، وهو القعود ي حق العاجز، [و] في النفل، وكذا الاضطجاع في حق العاجز قولًا واحدًا، والمتنفل على وجه ستعرفه، والدال على أن محلهما القيام: قوله من بعد: "والترتيب على ما ذكرناه"، وعني في الباب قبله، وهو قد ذكر فيه أنه ينوي ويكبر بعد قيامه؛ فلو نوى الفرض وكبر، وهو
[ ٣ / ٢٥٣ ]
قائم وأتم التكبير في حال ركوعه؛ بأن كان مسبوقًا- لا تنعقد صلاته فرضًا، وهل تنعقد نفلًا؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، [و] المذكور منهما في "تعليق" أبي الطيب: الانعقاد، وخصهما الروياني في "تلخيصه" بحالة العلم؛ بأن ذلك لا يجوز، وان الأصح عدم الانعقاد مطلقًا؛ كما لو تحرم بالظهر قبل الزوال وهو عالم، أما إذاجهل ذلك، فالنص أنها تنعقد نفلًا، ولم يحك سواه.
ولو كان المسبوق قد كبر تكبيرة واحدة، نوى بها تكبيرة العقد [وتكبيرة] الهُوِيِّ؛ فهل تنعقد نفلًا، أو تبطل؟
قال الروياني: فيه وجهان، أصحهما: الأول، وهما في "تعليق" أبي الطيب مخصوصان بما إذا كنا ذلك في صلاة لانفل، وقال: إنه لو كان [ذلك] في صلاة الفرض، بطلت.
ثم كلام الشيخ مصرح بأن النية وتكبيرة الإحرام فرضان، وهو قياس الطريقة التي قلنا: إن الإمام يميل إليها؛ لأنهما من أجزاء الصلاة عندنا كالركوع والسجود.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي عدهما شرطين؛ لأنه قال: في الصلاة الرباعية خمس وأربعون خصلة، ثمان منها قبلا لدخول؛ وهي: الطهارة من الحدث، وطهارة البدن والثوب، والبقعة التي يصلي عليها من النجس، وستر العورة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية، والتكبير، ولم أر لغيره من أصحابنا خلافًا في [أن] التبكر ليس بشرط. نعم، النية، حكى البندنيجي؛
[ ٣ / ٢٥٤ ]
تبعًا للشيخ أبي حامد وغيره في كونها ركنًا أو شرطًا، وجهين: أولهما: هو ما ذكره الماوردي في باب: أقل ما يجب، وكذا البغوي، والقاضي الحسين، وعزاه -في موضع- إلى صاحب "التلخيص"، ولم يحك غيره، وقال الرافعي: إنه الأظهر عند الأكثرين؛ لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان. وثانيهما: هو ما حكاه الماوردي في أول باب صفة الصلاة؛ وكذا ابن الصباغ حكاه في باب: أقل ما يجزئ، موجهًا له بأنها ليست فعلًا [فيها] وإنما هي صفة؛ كسائر الشروط التي ذكرناها.
ووجهه الرافعي بأن النية تتعلق بالصلاة؛ فتكون خارجة عنها، وألا لكانت متعلقة بنفسها [ولافتقرت] إلى نية أخرى.
والقائلون بالأول قالوا: لا يبعد أن تكون من الصلاة، وتتعلق بسائر الأركان، ويكون الناوي إذا قال: "أصلي" معبرًا بلفظ الصلاة عن معظمها، وهو ما عداها من الأركان، وقد أشار في الوسيط بقوله: "إنها بالشروط أشبه"، إلى أنها آخذة شبهًا [من الأركان]، وشبهًا من الشرائط، لكنها بالشروط أشبه.
أما شبهها بالفرائض؛ فمن حيث إنا لا نعقل وجود نية الصلاة معتدًا بها منفكة عن جزء من الصلاة؛ فهي كالجزء الذي لا يعتد به دون بقية الأجزاء، خصوصًا وقد قال الماوردي في كتاب: الأيمان: إنها [إنما] تكون [نية] عند اقترانها بالفعل؛ فإن تجردت عن الفعل، كانت قصدًا.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
وأما شبهها بالشروط، فمن حيث إنه يشترط دوامها إلى آخر الصلاة حتى لو حصل تردد فيها في ركن من الصلاة، لم يعتد به؛ كما ستعرفه في باب: ما يفسد الصلاة؛ فهي كالطهارة من الحدث ونحوها.
ومن حيث إنه يشترط على الصحيح عندهم تقدمها على تكبيرة الإحرام؛ كما أنه لابد من تقدم الطهارة ونحوها على التكبير، وهذا كلام الإمام الذي أسلفناه ينازع فيه، وكلام غيره من طريق الأولى؛ [لأن الأكثرين] قالوا مع التقديم: يجب [استصحابها ذكرًا] إلى آخر التكبير، وذلك يكون بتوالي الأمثال، وحينئذ فالمعتد به إنما هو ما قارن التكبير لا ما قبله، وبه صرح الروياني في تلخيصه.
فإن قلت: قد عد الغزالي النية في الصوم ركنًا، وهو مخالف لما ذكره هنا.
قلت: يمكن أن يقال [في] الرق بينهما: إن النية في الصلاة صفة لأفعال؛ فكانت كالطهارة ونحوها، والصوم لا فعل فيه؛ بل هو ترك، والترك ليس بفعل؛ كما أن النية ليست بفعل؛ فلا يحسن أن تكون وصفًا له؛ ولذلك لم يعتبرها في باقي التروك، ولولا الخبر لما اعتبرناها في الصوم، وإذا كان كذلك، تعين أن تكون فيه ركنًا؛ لاستواء الإمساك والنية في عدم الفعلية، خصوصًا إذا قلنا: إن نية الخروج من الصوم لا تؤثر في إبطاله؛ فإنها-حينئذ-تصير كالركوع والسجود في الصالة، إذا وجد حصل مقصوده، ولا يشترط دوامه، وهذا بخلاف الصلاة؛ فإن قطع النية مؤثر في إبطالها بلا خلاف؛ فشابهت الطهارة ونحوها من الشروط، والله أعلم.
قال: والقيام؛ أي: وما يقوم مقامه، وهو القعود في حق العاجز، وصلاة النفل ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقوله﵇- لعمران بن الحصين: "صلّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع،
[ ٣ / ٢٥٦ ]
فعلى جنب". رواه البخاري.
وحده -كما قال في "الوسيط"-: الانتصاب مع الإقلال، واحترز بالانتصاب عما لو ثني شيئًا من حقوه ومحل نطاقه، لم يجزئه؛ وكذا لو ثني فقار ظهره، ولم يثن معقد النطاق إن أمكن. ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق؛ لأنه صح أنه -﵇- كان يطرق رأسه؛ ولذلك قال في "الخلاصة": إن الإطراق سنة.
وقد قال القاضي الحسين في باب سجود السهو باحتمال وجه: أنه يكفيه أن يقف على هيئة بين حد أقل الركوع والانتصاب.
وغيره صرح بحكايته وجهًا.
والأظهر: الأول، وهو ما حكاه القاضي في موضع آخر، ولم يورد الإمام غيره، وقال: إن بعض الناس قد يعتاد أن يتحرك قليلًا في صوب الركوع، وينحني قليلًا، ثم يرتفع؛ فمهما زال الاعتدال، وأوقع في حال زواله حرفًا من قراءته الواجبة- فلا يعتد بذلك الواقع خارجًا عن اعتدال القيام. فلو كان يفعل ذلك قبل اشتغاله بالقراءة المفروضة، ففي البطلان عندي تردد، والظاهر البطلان، وإن لم يبلغ حد الكثرة في الأفعال؛ لأنه يعدد القومات في ركعة واحدة؛ فيصير كما لو عدد الركوع في ركعة.
ثم قال: وهو عندي قريب من انحراف الرجل عن قبالة القبلة قصدًا، وقد ذكرت أن ذلك مبطل للصلاة؛ فالخروج عن السمت المرعي في القيام، يتنزل هذه المنزلة.
وسمعت شيخي يجعل الانحناء الذي لا ينتهي إلى الركوع بمثابة الأفعال؛ فإن
[ ٣ / ٢٥٧ ]
قل زمانه، لم يضر، وإن كثر، فهو كالفعل الكثير.
واحترز بالإقلال عما إذا اتكأ على شيء، أو استند له من غير ضرورة، ولا حاجة- لم يجزئه، وإن كان منتصبًا؛ لفقد الإقلال، وهذا ما حكاه الإمام، وحكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القطان.
وحكى صاحب "التهذيب، والقاضي الحسين، وغيرهما -كما قال الرافعي-: أنه إذا وجد الانتصاب، [لا يضر] الاستناد، وإن كان بحيث لو زال السناد لسقط، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، عن رواية أبي علي الطبري في "الإفصاح"، وقال: إنه الصحيح، ذكره عند الكلام في سبق الحدث.
نعم، يكره له ذلك.
وفي بعض "التعاليق" أنه إن كان بحيث لو أزيل السناد لسقط-لم يجزئه.
أما إذا كان الاستناد لعلة، فسيأتي في باب صلاة المريض.
فرع: لو وقف على إحدى قدميه، قال القاضي الحسين في "تعليقه": يجب أن يجوز؛ لوجود القيام، وقد صرح غيره، وقال: [إنه] مكروه، ويسمى ذلك: "الصُّفون"، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١].
ثم الواجب من القيام قدر قراءة الفاتحة، على النحو الذي يجزئه مع تكبيرة الإحرام، وقد دل على ذلك قول الشيخ في الباب قبله: "فإن لم يحسن شيئًا، وقف بقدر القراءة"؛ فلو زاد المصلي على ذلك، فهل يوصف الكل بالفرضية أم لا؟
حكى المتولي فيه وجهين؛ بناء على أن الوقص هل يتعلق به الواجب، أم لا؟ والإمام حكاهما عن رواية الشيخ [أبي] علي، وأنه بناهما على [أن] من استوعب رأسه بالمسح؛ فهل [نقول: وقع [مسح جميع] الرأس فرضًا أم
[ ٣ / ٢٥٨ ]
لا؟]
قال الإمام: وهذا عندي خارج عن الضبط؛ فإنه إذا جاز الاقتصار على ما ينطلق عليه اسم المسح؛ فكيف ينتظم القول بأن الزيادة عليه فرض، ثم إن تخيل متخيل ذلك؛ فشرطه عندي مع بعده أن [يوصل] الماء إلى رأسه دفعة؛ بحيث لا يتقدم جزء على جزء، حتى لا يكون جزء أولى بأن يضاف إليه الوجوب من جزء، أما إذا وصل الماء إلى رأسه شيئًا شيئًا حتى استوعبه؛ فتخيل الفريضة فيما عدا الجزء الأول محال، ووزانه مد القيام بعد قراءة الفاتحة، نعم ما لو خلا أول القيام عن قراءة الفاتحة، ثم افتتح القراءة فما هو [محل] قراءة الفاتحة مفروض، وما تقدم عليه فيه احتمال من جهة أنه كان يتأتى إيقاع القراءة المفروضة فيه، وكان لا يسوغ قطعه قبل جريان القراءة.
قال: وقراءة الفاتحة؛ لما ذكرناه من الأخبار.
فإن قيل: الكتاب قد دل على أن الواجب قراءة ما تيسر من القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، والقرآن لا يجب في غير الصلاة؛ فتعين أن يكون الأمر به في الصلاة، ويدل عليه ما أسلفناه من خبر المسيء في صلاته؛ وقوله﵇-: "لا [صلاة إلا] بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب"؛ [فدل على أن الفاتحة غير متعينة، وكذا قوله: "لا صلاة إلا
[ ٣ / ٢٥٩ ]
بفاتحة الكتاب] أو بغيرها".
وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الواجب ما ينطلق عليه اسم القراءة؛ ولأن غيرها من الذكر كهي في كل الأشياء؛ فوجب أن يكون كهي في وجوب الصلاة.
قيل في الجواب: إن المراد بالقراءة [في الآية صلاة الليل]؛ كما ذكره المفسرون؛ [وإن ذلك] نسخ.
أو المراد بها: الخطبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وإن كانت قراءة الصلاة، فهي مجملة؛ فسرها قوله﵇-: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وغيره؛ كما أسلفناه.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
ولأن ظاهرها متروك إجماعًا؛ فإنه لو تيسر له قراءة سورة البقرة، لم يجب، ولو تيسر عليه بعض آية، لم يجزئه، وأما الفاتحة فهي متيسرة في الغالب؛ فنزل ظاهر الآية عليها.
وأما الخبر الأول: فقد ذكرنا [أن] رواية الشافعي: "ثم اقرأ بأم الكتاب وما تيسر"، فهو مشتمل على زيادة؛ فوجب قبولها.
وأما الخبر الثاني: فهو دليل لنا؛ لأنه دل على [أنه] لا أقل من الفاتحة يجزئ:
والخبر الثالث: نحمله على ما إذا لم يكن يحفظ الفاتحة، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص الفاتحة بالذكر معنى.
وأبو حنيفة وإن لم يوجب الفاتحة، فهو يرى أن تركها مكروه، ويجبر بالسجود، وانه لو نسيها، وقرأ ثلاث آيات، وركع وتذكر في الركوع أنه نسيها – كان عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وبهذا يقطع؛ إلحاقًا ببقية القرآن.
قال: والركوع؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وهو إجماع.
فرع: لو أراد الركوع فسقط من رأسه إلى الأرض، عاد وانتصب قائمًا، ثم يركع؛ فلو قام راكعًا، لم يجزئه؛ لأن الإهواء للركوع؛ يجب أن يكون مفصودًا؛ فلو كان قد انحنى للركوع فسقط إلى الأرض قبل انتهائه إلى حد الركوع؛ فعليه أن يعود إلى الموضع الذي سقط منه في حال انحداره، ويبني على ركوعه؛ قاله الماوردي.
قال: والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته، وروى البخاري، عن زيد بن وهب قال: "رأى حذيفة رجلًا لايتم الركوع والسجود، قال: ما صليت، ولو مت، مت على [غير] الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ ".
والطمأنينة فيه-كما قال ابن الصباغ-: أن يمكث [إذا بلغ حد الركوع قليلًا.
[ ٣ / ٢٦١ ]
وعبارة القاضي الحسين: "أن يمكث] بعد هويه لحظة؛ بحيث تنال يداه ركبتيه".
وقال الإمام: ليس يعني بها [لبث ظاهر]، ولكن ينبغي أن يفصل الراكع منتهى هويه عن حركاته في ارتفاعه وانحطاطه؛ فإذا فعل [ذلك] فقد اطمأن، وإن لم تنفصل حركات هويه عن أول حركات ارتفاعه، بل اتصل الآخر بالأول؛ فهذا لم يطمئن.
وعبارة بعضهم-وهي أرشق-: أنها السكون؛ بحيث يستقر كل عضو في محله، وينفصل هويه وركوعه من ارتفاعه، ولا يقوم مقامها زيادة في الهوى على أقل الركوع؛ لأن مقصود الطمأنينة تميز الركن عما قبله وما بعده، ولا يحصل بذلك تمييز.
واستغنى الشيخ عن ذكر الطمأنينة في الباب قبله في جميع الأركان بما ذكره من استحباب ما يأتي به فيها من الذكر.
وقد أفهم كلامه أن الواجب منا لركوع القدر الذي يحصل معه الطمأنينة وفيه إذا اقتصر عليه، أما إذا زاد عليه؛ ففي وصف الزائد بالواجب ما تقدم من الخلاف في الزيادة في القيام، وهو جار فيما إذا طول السجود؛ قاله في "التتمة".
وادعى في "الروضة" أن الصحيح في المواضع الثلاثة أن الكل واجب، وكذا في البعير المخرج عن الشاة في الزكاة" والبدنة المضحي [بها] بدلًا عن شاة منذورة.
قال: والاعتدال، أي: في الفرض؛ لخبر المسيء في صلاته، وقد روى أبو مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ظهره في الركوع والسجود" أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن [صحيح].
ولأن الرفع قيام مشروع في الصلاة؛ فوجب أن يكون واجبًا [في الصلاة]؛ كالقيام في حال القراءة، وهذا ركن قصير على المشهور، كما ستعرفه في باب سجود السهو وهل هو مقصود في نفسه، أم لا؟ فيه خلاف، سنذكره في [باب] صلاة الجماعة.
قال: والطمأنينة فيه؛ لأنه ركن في الصلاة؛ فكانت الطمأنينة ركنًا فيه؛ كالركوع.
وقال الإمام: في قلبي من عدها ركنًا في الاعتدال من الركوع، وكذا في الاعتدال من السجود [شيء]؛ فإنه﵇- لم يتعرض للطمأنينة فيهما في قصة المسيء في صلاته، وهما من الأركان القصيرة، ولو وجبت الطمأنينة فيه لما امتنع مذهبًا؛ كالركوع والسجود، ولاجرم لم يتعرض للطمأنينة فيهما الصيدلاني، لكن سماعي عن شيخي، وهو ما ذكره بعض المصنفين اشتراط الطمأنينة فيهما، وهو محتمل من طريق المعنى، وما ذكرته احتمال، والنقل الذي أثق به: اشتراط الطمأنينة.
قلت: ويدل عليه في الرفع من السجود ما ذكرنه من الرواية الأخرى، وفي
[ ٣ / ٢٦٣ ]
الرفع من الركوع القياس عليه، أما الاعتدال من الركوع والسجود في النفل فهل يجب؟
قال في "التتمة": فيه وجهان؛ بناء على ما لو صلى النفل مضطجعًا مع القدرة على القيام، وفيه خلاف يأتي، وكلام الشيخ يقتضي وجوبه أيضًا.
فروع:
لو ركع، واطمأن، ثم سقط على الأرض؛ فإنه يقوم منتصبًا، ولا يحتاج إلى إعادة الركوع والانتصاب منه؛ لأن الركوع قد أسقط فرضه، والانتصاب يحصل بقيامه إليه؛ قاله في "الأم" وفيه شيء يظهر لك مما سنذكره عن ابن سريج في آخر الباب.
ولو كان سقوطه قبل الطمأنينة، وجب عليه العود إلى الركوع، ولو أنه أتى بقدر الركوع؛ فاعترضته علة منعته من الانتصاب، ومن الرفع أيضًا؛ فإنه يسجد عن ركوعه، ويسقط عنه [الرفع]؛ فإن زالت العلة، نظرت: فإن زالت بعد ما حصلت جبهته على الأرض ساجدًا؛ فإنه لا ينتصب؛ فإن انتصب عالمًا بأنه لا يجوز، بطلت صلاته، وألا سجد للسهو، وإن لم يكن قد سجد، عاد إليه؛ قاله ابن الصباغ.
قال: والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]،والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته.
فرع: إذا أراد السجود؛ فوقع على الأرض، فهل يعتد به؟ نظرت:
فإن خر على وجهه، اعتد به عن السجود؛ نص عليه في الأم، واتفق عليه الأصحاب.
وإن خر على جنبه فاستدار، وأصابت جبهته الأرض، اعتد به؛ لأن الهوى غير مقصود.
وكذا لو انقلب حال وقوعه؛ فأصابت جبهته الأرض، ونوى حال الانقلاب- أجزأه؛ قاله في (المهذب) [كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد، وإن لم ينوه
[ ٣ / ٢٦٤ ]
أطلق في "المهذب"] أنه لا يجزئه.
وقال الغزالي: إن لم ينوه، ولم يقصد صرف ذلك عن السجود، بل قصد الاستقامة غافلًا عن الصلاة؛ فالنص أنه لا يجزئه؛ كما لو صرفه عن السجود ذاكرًا له.
وفيه وجه مخرج: أنه يجزئه، ويجري نظيره في اتباع الغريم في الطواف.
والإمام حكى هذا الوجه هاهنا، وفي الطواف عن الأصحاب الذين قالوا بأنه إذا قصد بوضوئه التبدر ذاهلًا عن العبادة، وعن قطعها.
قال مجملي: والواجب: بناء هذه المسألة على ما لو غسل رجليه في الوضوء، بنية التبرد، إن كان مع حضور نية الوضوء، قال العراقيون: فالنص: أنه يجزئه، [وفيه وجه].
وقال الخراسانيون: يجزئه قولًا واحدًا.
وإن تجردت نية التبرد، قال العراقيون: لايجزئه قولًا واحدًا.
وقال الخراسنيون: فيه وجهان؛ فكذلك هذه المسألة.
ثم إذا قلنا: لا يعتد بسجوده؛ فلو رام أن يديم السجود؛ ليقع عن فرضه، قال الإمام: فلا سبيل إليه، [وفيما] يلزمه احتمالان: أنه يقوم ثم يسجد؛ لأنه كما صرف سجوده عن الصلاة؛ فكذا هويه، وهذا أوجه الاحتمالين.
والأظهر عندي: أنه يعتدل جالسًا، ثم يسجد؛ لأن الجلسة كافية في الفصل بين السجدتين؛ فليقع الاكتفاء بها الآن.
ولاجرم قال الغزالي: [إنا] إذا قلنا: لا يعتد بالسجود؛ فيكفيه أن يعتدل جالسًا، ثم يسجد، ولا يلزمه القيام على الظاهر، وهو المختار في "المرشد"؛ فعلى هذا: لو قام ليسجد، قال الإمام: فهذا قد زاد قيامًا في صلاته من غير حاجة، وسيأتي حكمه.
قال: والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته، وقد
[ ٣ / ٢٦٥ ]
تقدم احتمال الإمام في الطمأنينة فيه.
قال: والجلوس في آخر الصلاة؛ للإجماع، والتشهد فيه؛ لقول ابن مسعود: كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فالتفت النبي ﷺ فقال: "الله السلام؛ فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات [لله والصلوات] " إلى آخره، [كما تقدم؛ فقول ابن مسعود: "قبل أن يفرض علينا التشهد"، صريح في أنه مفروض، وأيده قوله -﵇-: "فليقل التحيات لله " إلىخره].
قال: والصلاة على النبي ﷺ [فيه]؛ لما تقدم في الباب قبله.
وفي "الجيلي": أن صاحب "الشافي" حكى قولًا: أنها لا تجب فيه، وليس بمشهور، والخلاف: في الأول؛ كما تقدم.
قال: والتسليمة الأولى؛ لقوله –﵇-:"وتحليلها التسليم"، وتقرير الحصر فيه قد تقدم عند الكلام في التكبير في الباب قبله، وبالتسليمة الأولى [قد] حصل المسمى، وقد دل [عليه] ما ذكرناه من خبر عائشة وغيره من أنه -﵇- اقتصر على تسليمة واحة، [وأنه لا يجب غيرها.
ولأنه أحد طرفي الصلاة؛ فلم يجب فيه ذكران من جنس واحد]؛ قياسًا على الطرف الآخر، وما تمسك به الخصم من قوله -﵇-:"صلوا كما رأيتموني أصلي" فلا حجة فيه؛ لأنه كان يفعل في صلاته الواجب، والمستحب، وقد دل على أن الثانية مستحبة تَرْكُهُ ذلك مرة.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
فإن قيل: لا نسلم أن التسليمة الأولى واجبة؛ لأنه -﵇- لم يذكر السلام للأعرابي، وقال لابن مسعود حين علمه التشهد: "فإذا قلت هذا -أو قضيت [هذا]- فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم [فقم]، وإن شئت أن تقعد فاقعد" كما أخرجه أبو داود، والنسائي مختصرًا.
وروى أنه -﵇قال:"إذا رفع الإمام رأسه من آخر ركعة، وقعد، ثم أحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته".
وهذا يدل على أنها غير واجبة؛ ولأنه سلام للحاضر؛ فاقتضى أن يكون غير واجب في الصلاة كالتسلمية الثانية.
قلنا: أما كونه -﵇لم يعلمه للأعرابي، فيحتمل أن يكون [لأنه علم أنه يحسنه؛ فلم تكن به حاجة إلى تعليمه.
ويجوز أن يكون] ذكره لكن الراوي سكت عنه، وسكوت الراوي لا حجة فيه، وإنما الحجة فيما ينطق به.
وأما حديث ابن مسود، فعنه جوابان:
أحدهما: أن ابن مسعود هو القائل: "إن شئت أن تقم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام
[ ٣ / ٢٦٧ ]
ابن مسعود من كلامه ﵇.
والثاني: على تقدير أن يكون ذلك من كلام الرسول؛ كما حكاه الخطابي عن بعض العلماء، وأن فيه دلالة-[إن صح]- على أن الصلاة على الرسول لا تجب في التشهد- أن نحمل قوله: "فقد قضيت صلاتك" على: أنك قاربت قضاءها، أو: قضيت عظمها؛ لنجمع بذلك بين هذا وبين ما ذكرناه من الخبر.
وأما الحديث الثالث: فهو غير صحيح، وإن صح، حملناه على ما بعد التسليمة الأولى، وقبل الثانية.
والفرق بين الأولى والثانية: أنه لما لم يجب ما قام مقام الثانية، لم تجب، وليس كذلك الأولى.
قال: ونية الخروج من الصلاة؛ لأنه نطق وجب في أحد طرفي الصلاة؛ فلم يصح من غير نية كالتكبير، أو لأن السلام في وضعه مناقض للصلاة؛ فإنه [من] خطاب الآدميين، ولو جرى في أثناء الصلاة قصدًا، لأبطلها؛ فإذا لم تقترن به نية تصرفه إلى قصد التحليل وقع مناقضًا؛ فأفسد، وبهذا خالف الصوم؛ فإنه ينقضي بانقضاء زمانه، والحج؛ فإن ما يقع به التحلل فيه ليس من قبيل المفسدات.
وهذا ما يحكي عن نصه فيه "البويطي"؛ ولأجله ادعى الماوردي أنه الظاهر من مذهب الشافعي، وغيره قال: إنه المذهب.
وقيل: لايجب ذلك؛ لأن النية السابقة نسحبة على جميع الصلاة، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل، وأبي الحسين بن القطان، وهو الصحيح عند القفال، والقاضي الحسين، والبغوي، والروياني، وقال القاضي في موضع آخر: إنه المذهب، والإمام قال: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، وهو اختيار المتأخرين. وهؤلاء اختلفوا:
فمنهم من لم ينسب للشافعي في المسألة نصًا، ونسب الأول إلى صاحب "التلخيص".
[ ٣ / ٢٦٨ ]
ومنهم من يعزيه إلى ابن سريج.
ومنهم من يقول: النص محمول على الاستحباب.
والبندنيجي قال: إنه ليس للشافعي في المسألة نص.
والأكثرون على الأول.
التفريع: إن قلنا بالأول، فلا يختلف المذهب في أنها ركن، وافق عليه ابن الصباغ وغيره، وتكون النية ممتزجة بالتسليم، لا قبله ولا بعده؛ فإن قدمها عليه، بطلت صلاته، وإن سلم بدونها، بطلت أيضًا.
نعم لو نوى قبل السلام الخروج به، لا تبطل، ولكن لا يكفي [فليأت بالنية] مع السلام؛ قاله الإمام.
ولا يشترط تعيين الصلاة؛ لأنها قد تعينت بالشروع.
وإن قلنا بالثاني، كانت من جملة السنن بلا خلاف.
وعلى الوجهين: لو عين في نيته صلاة غير التي هو فيها عمدًا، بطلت صلاته.
قال القاضي الحسين: لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره.
نعم لو فعل ذلك سهوًا: فعلى الأول: يسلم ثانيًا ويسجد للسهو، وعلى الثاني: لا.
وفي "الرافعي": أن القول بالبطلان عند التعمد مفرع على القول بالوجوب.
أما إذا قلنا: لا يجب، فلا يضر الخطأ في التعيين.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وعلى الوجهين يتفرع أيضًا سلام المأموم مع الإمام؛ فإن قلنا بالأول، لم يجز؛ كما في تكبيرة الإحرام، وإلاجاز.
والمستحب تأخيره عن تسليمة الإمام الثانية، وفيه ما ذكرناه عن المتولي في الباب قبله.
وقد ذكر الجيلي أن الخلاف في وجوب النية ينبني على أن السلام من الصلاة، أم لا؟
قال: وفيه قولان؛ فإن قلنا: إنه منها، أوجبناها، وإلا فلا.
والذي رأيته فيما وقفت عليه: أنها من الصلاة عندنا مع حكاية الخلاف في وجوب النية.
نعم قال الإمام: إذا قلنا: لابد من نية الخروج، فيبعد عندي أن يكون قصد الخروج-مع خطاب هو مناقض للصلاة-من الصلاة-من الصالة، والعلم عند الله.
قال: والترتيب؛ أي: بين الأركان على ما ذكرناه؛ لأنه﵇قال
[ ٣ / ٢٧٠ ]
للأعرابي: "فإذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ كذا، ثم كذا" فذكر واجبات الصلاة بصيغة "الفاء" أولًا، ثم عقبها بصيغة "ثم" ومقتضاهما الترتيب.
وقد ادعى الإمام أن التعويل في وجوبه علىلإجماع.
أما الترتيب في السنن؛ فليس بركن فيها.
نعم، هو شرط في الاعتداد بها؛ كما تقدم.
وقد يقال: إنه في بعضها شرط؛ أخذًا مما سنذكره في باب: ما يفسد الصلاة، وسجود السهو.
وقد عبر الإمام عن الترتيب بين الفروض بأنه واجب في الصالة، ولم يذكر أنه فرض، وعلى ذلك جرى كثيرون، ومنهم من قال يه كما ذكر الشيخ، وعليه جرى المتولي، وزاد؛ فقال: إن الموالاة في الأفعال فرض. وفيه نظر؛ لأن التفريق على وجه السهو [لا يقدح؛ كما سنذكره، والركن لا يغتفر فهي السهو]، نعم التفريق من باب المنهيات؛ فيختص بحالة الذكر؛ ولذلك لم يعده الشيخ من الفروض.
وقد أفهم كلام الإمام أن المراد بالموالاة عدم تطويل الركن القصير؛ كما ستعرفه في باب: سجود السهو.
وقد عد بعض الأصحاب الفروض أربعة عشر، وأسقط الطمأنينة من العدد، وقال: إنها بعض الركن، وعليه جرى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، وغيرهم.
وإسقاط الطمأنينة [من الأركان] هو ما حكاه القاضي الحسين عن صاحب "التلخيص" بعد [أن] صدر كلامه بعدها في [كل] محل ذكرناه ركنًا.
ثم كلام الشيخ كالمصرح بأن السجدة الأولى والثانية في الركعة الواحدة ركن [واحد] وهو الصحيح؛ كما قال ابن يونس، ومنهم من جعل الأولى ركنًا والثانية ركنًا آخر، وعليه جرى القاضي الحسين، وحكاه أيضًا عن صاحب "التلخيص"،وبه تكمل الفروض خمسة عشر؛ لأن قائله لا يعد الطمأنينة ركنًا، ويظهر [أثر] الخلاف فيما إذا سبق الإمام بذلك؛ كما سيأتي.
[ ٣ / ٢٧١ ]
ثم هذه الفروض لا تخلو صلاة ما عنها، فرضا ًكانت أو نفلًا، إلا ما نبهنا عليه. ولا فرق بين أن تكون الصلاة ركعة أو أكثر.
نعم إذا كانت ركعة واحدة لا يتكرر فيها شيء مما مضى، وإن كانت أكثر؛ فإن كانت ركعتين تكرر جملتها ما خلا النية، وتكبيرة الإحرام، ويزيد التكرار بزيادة الركعات.
قال: وسنن أربع وثلاثون:
هذه السنن قد تقدم الدليل على مشروعيتها في الباب قبله، ودليل عدم فرضيتها سنذكره، وبه يتعين أنها سنة، ثم منهم من يعبر عنها؛ كما ذكر الشيخ، ومنهم من يقول: ما عدا الفرائض والشروط في الصلاة مما هو مطلوب فيها تنقسم إلى أبعاض، وسنن، وهيئات:
فالأبعاض: ما يتعلق بتركه سجود السهو؛ وهي خمسة على الصحيح؛ كما سيأتي في بابه.
والسنن: ثمان وهي: رفع الدين في تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع، ودعاء الاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، ووضع اليمين على الشمال، وتكبيرات الانتقالات، والتسبيح في الركوع، والسجود.
والهيئات: باقيها؛ لأنها تابعة لغيرها.
وقال الروياني في "تلخيصه": والصحيح أن ما عدا الأبعاض هيئات، ثم لماذا سمي ما يتعلق السجود بتركه أبعاضًا؟
قال الإمام: لست أرى فيه توقيفًا شرعيًا، ولعل معناها: أن الأبعاض تنطلق على الأقل، وما يتعلق به سجود السهو من السنن اقل مما لا يتعلق به؛ فلذلك سماها الفقهاء: أبعاضًا، ثم قال: ويتم على مذهبنا في غير القنوت شيء، وهو أن كل سنة ذهب إلى وجوبها طائفة من الأئمة فهي من الأبعاض، وأحمد بن حنبل أوجب الجلوس الأول، والتشهد، والصلاة؛ فجرى ما ذكرناه، والقنوت في صلاة الصبح لم يبلغني فيه خلاف في الوجوب؛ فلعل المتبع فيه الآثار.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وقال بعضهم: إن ما ذكره لا يتجه طردًا وعكسًا:
أما الطرد؛ فلأن طائفة ذهبت إلى أن قراءة ثلاث آيات مع الفاتحة واجبة.
وطائفة قالوا بوجوب التحميد والتسبيح، والتكبير، وليس ذلك بعضًا.
وأما عكسًا؛ فبالقنوت؛ كما ذكر.
نعم يحسن أن يقال: إنما سميت: أبعاضًا مجازًا؛ لشبهها ببعض أجزاء الصلاة من حيث إن صورة الصلاة تنتقص بتركها [من] حيث كانت [شبيهًا بها] عمل البدن، وهو معنى قول الغزالي في تمييزها بأن تركها [يؤدي إلى تغيير شعار ظاهر خاص بالصلاة.
ثم مجموع هذه السنن لا يكون] في كل صلاة، بل في بعضها، وأنت إذا تأملت ذلك، لم يخف عليك.
قال: رفع اليدين، أي: إلى حذو المنكبين مفرقة الأصابع في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع، [أي: ورفعهما في الركوع والرفع] منه، ومنهم من يضيف إلى ذلك: [وحين] يرفع الرأس من السجدة الثانية إلى القيام، ومن التشهد الأول إلى القيام.
قال: ووضع اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع السجود، ودعاء الاستفتاح والتعوذ والتأمين؛ لأنه﵇- لم يأمر بذلك المسيء في صلاته؛ حين سأله عن تعليم ما يجزئه، ولو كانت فروضًا، لبينها؛ إذ لا يجوز مع ذلك تأخير البيان.
قال: وقراءة السورة؛ لقوله -﵇-:"أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضًا".
[ ٣ / ٢٧٣ ]
ومفهوم ما قدمناه من الأحاديث، يدل على ذلك أيضًا.
ولأن ما لم يتعين من القراءة لم يجب في الصلاة؛ كسائر السور.
فإن قيل: قد روي عن أبي هريرة أنه قال: "قال [لي] رسول الله ﷺ: "اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد".
وعنه قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة؛ فما زاد".
وعن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [الكتاب] فصاعدا" أخرجها أبو داود.
وأخرج البخاري ومسل وغيرهما حديث عبادة، لكنه ليس في حديث بعضهم: "فصاعدًا".
قلنا: هذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز ترك الفاتحة، لا على أنه تجب قراءة ما زاد عليها؛ كقول القائل لوكيله: بع بعشرة فما زاد؛ فإنه أذن في البيع بعشرة، وبما فوقها، ونهى عن البيع بما دونهاز
نعم ما رواه الشافعي في قصة المسيء في صلاته، يدل على الوجوب؛ فإنه قال: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ"؛ [وقد] أخرجه أبو داود.
قال: والجهر، والإسرار، أي: في القراءة، ودعاء الاستفتاح والتعوذ والتأمين، ونحو ذلك؛ لأنه -﵇- لم يذكره للمسيء في صلاته.
[قال: والتكبيرات؛ أي: على الصفة] [التي ذكرناها؛ لأنه –عليه
[ ٣ / ٢٧٤ ]
السلام- لم يذكر سواها في قصة المسيء في صلاته]؛ [كما] ذكرناها عن رواية أبي هريرة.
قال: والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع؛ لأنه﵇- لم يذكره للمسيء في صلاته في خبر أبي هريرة.
فإن قيل: قد ورد في هذه القصة ما يدل على وجوب ذلك، وهو ما رواه أبو داود، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلًا دخل المسجد فذكر نحوًا مما قاله أبو هريرة؛ فقال له النبي ﷺ: "إنه لاتتم صلاة لأحدكم حتى يتوضأ؛ فيضع الوضوء-يعني: مواضعه-ثم يكبر ويحمد الله-تعالى- ويثني عليه، ويقرأ بما شاء الله من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: [سمع الله لمن حمده]، حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه؛ فيكبر؛ فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته".
قيل: المحفوظ في هذا على بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، وهو حسن، والأول صحيح فكان العمل به أولى.
قال: والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود؛ لما ذكرناه في خبر المسيء في صلاته؛ ولأنهما هيئتان مخالفتان للهيئة المعتادة؛ فلذلك لم يشترط فيهما ذكر؛ بخلاف القيام والقعود؛ فإنه واقع في الاعتياد؛ فخصص بقراءة في العبادة.
فإن قيل: قد روي أنه -﵇- لما نزل قوله تعالى: [﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: "اجعلوها في
[ ٣ / ٢٧٥ ]
سجودكم"، وهذه صيغة أمر؛ فكانت مقتضية للوجوب.
قلنا: نحمله على الاستحباب؛ لما ذكرناه.
قال: ووضع اليد على الركبة في الركوع، ومد الظهر، والعنق فيه؛ لأنه -﵇- لم يذكره للمسيء في صلاته في خبر أبي هريرة، وهو مجمع على عدم وجوبه، وبه يعلم أن ما جاء في رواية عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع في قصة المسيء في صلاته أنه -﵇- قال: "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة، فكبر، ثم اقرأ أم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت؛ فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت، فمكن سجودك؛ فإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى"-بيان للاستحباب، لا للوجوب.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
قال: والبداءة بالركبة، ثم باليد في السجود؛ [لأنه﵇- لم يذكره للمسيء في صلاته.
قال: ووضع الأنف على الأرض في السجود]؛ لأن اسم "السجود" يصدق بدونه، وقد تقدم في وجوبه وجه.
قال: ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود -أي: في حق الذكور- والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة- أي: على الصحيح- لأنه ﵇ لم يذكر ذلك للمسيء في صلاته.
قال: والافتراض في سائر الجلسات؛ لأنه لم يذكره للمسيء في صلاته [في خبر أبي هريرة، ولم يقل أحد بوجوبه، وبه يعلم أن ما جاء في رواية علي بن يحيى بن خلاد في قصة المسيء في صلاته]: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد" –بيان للاستحباب.
قال: والتورك في آخر الصلاة؛ لأنه لم يقل أحد بوجوبه، نعم، اختلفوا في استحبابه.
قال: ووضع اليد اليمنى على الفخذ [اليمنى] مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة؛ لقوله -﵇- لابن مسعود لما علمه التشهد: "فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك"، ولم يأمره بذلك؛ فدل على أنه غير واجب، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: والتشهد الأول- أي: والجلوس له- لأنه ﵇ جبره بالسجود،
[ ٣ / ٢٧٧ ]
ولو كان ركنًا لما جبر به؛ كغيره من الأركان.
قال: والصلاة على النبي ﷺ فيه؛ لأنها تبع للتشهد؛ فإذا لم يجب، فالتابع أولى، وقد تقدم [قول]: أنها لا تستحب.
قال: والصلاة على آله في التشهد الأخير، [أي: على الصحيح]، لما ذكرناه في الباب قبله.
قال: والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح-أي: والقيام له-لأن الإجماع على أنه لا يجب؛ فتعين أن يكون سنة.
وما ذكرناه من الجلوس للتشهد، والقيام للقنوت يظهر لك معناه من بعد.
قال: والتسليمة الثانية -أي: على الجديد- لما ذكرناه، وبه يقع الرد على الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال بوجوبها.
قال: ونية السلام على الحاضرين؛ لأنه لا يجب في غر الصلاة؛ في الصلاة أولى، وقد ذكر في "المهذب"سنة أخرى، وهي الاعتماد على الأرض عند القيام، ولم يعدها هنا، وإن كان قد ذكرها في الباب قبله، وكذا ذكر فيه ترتيل القراءة، ولم يعده هنا؛ لأنه لا يختص بالصلاة.
قال: وإن ترك فرضًا ساهيًا، وهو في الصلاة- أي: وتذكره وهو في الصلاة-لم يعتد بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم يأتي بما بعده؛ أي: فيعتد به؛ لما قدمناه من وجوب الترتيب، وقد قال -عليه السالم-: "لا صلاة لمن عليه صلاة".
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ولنضرب لذلك مثالًا؛ وهو: إذا تذكر في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الركعة الأولى -حسبت له ركعة إلا سجدة، ثم ينظر:
إن تذكر قبل أن يسجد في الثانية فالمذهب: أنه يسجد من قيام، وقال أبو إسحاق: بل يجلس، ثم يسجد من قعود؛ لأن السجدة هكذا تجب، وهذا يشبه ما قاله ابن سريج فيما إذا قام إلى خامسة ناسيًا بعد تشهده: إنه يقعد، ويعيد التشهد، ويحكي عن النص، وأن المعنى في رعاية الموالاة بين التشهد والسالم؛ فإن تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة؛ فلابد من إعادته؛ ليليه السلام؛ فكذا هنا لابد من إعادة الجلوس ليليه السجود، وهذا مطرد في سائر الأركان، حتى لو ترك الركوع، [ثم تذكر] في السجود، يجب عليه أن يعود إلى القيام، ويركع منه.
ومنهم من قال: معنى النص في مسألة ابن سريج: أنه لو لمي عد التشهد، لبقي السلام فرداص غير متصل بركن، لا قبله ولا بعده، وهذا المعنى لا يوجد في مسألتنا.
وقضية من قال به ألا يوجب في مسألتنا العود إلى الجلوس، وإن قال به في مسألة ابن سريج، وهو [المذهب كما ذكرناه، وقد قيل بمثله في مسألة ابن سريج وهو] الذي قال به معظم الأصحاب؛ فيجلس، ويسلم من غير تشهد.
قال ابن الصباغ: وما قاله أبو إسحاق في مسألتنا ليس بصحيح؛ لأنه قد أتى بالجلوس بين السجدتين؛ فلا يبطل بما حصل من السهو بعده، بل يعفي عنه، ويكون كأنه سجد عقيبها.
وأيضًا فقد سلم أنه لو نسي أربع سجدات من أربع ركعات؛ ثم تذكر، تحسب له ركعتان؛ وإن كانت السجدة الأخيرة من كل ركع منها إنما حصلت
[ ٣ / ٢٧٩ ]
عن قيام، نعم، لو كان [لم] يجلس بين السجدتين، وجب عليه الجلوس مطمئنًا، ثم يسجد عقيبه، على أصح الوجهين.
وقيل: إن القيام يقوم عند السهو مقام الجلوس بين السجدتين.
قال الإمام: وهذا الخلاف يئول إلى أن الجلسة بين السجدتين هل المقصود منها الفصل؛ فيكفي القيام فاصلًا مع النسيان، وأما مع العلم فلا، أو هي مقصودة في نفسها؛ كالسجود؛ فلا ينوب عنها القيام.
ولو كان قد ظن أنه سجد السجدتين؛ فجلس للاستراحة، ثم ظهر له أنه لم يسجد غير واحدة؛ وأنه لم يجلس جلسة الفصل بعد الأولى-قال القاضي الحسين: فمنهم من رتب الخلاف على الخلاف في المسألة قبلها، وهاهنا أولى بألا تقوم جلسة الاستراحة مقام جلسة الفصل؛ لان القيام ركن؛ فجاز أن يقوم مقام ركن آخر، وجلسة الاستراحة سنة؛ فلا تقوم مقام فرض.
ومنهم من قال: إن قلنا: يقوم القيام مقامها، فهاهنا أولى، وألا فوجهان؛ لأن الجلوس من جنس الجلوس؛ وهذه الطريقة هي المشهورة التي ذكرها العراقيون، ونسبوا المنع إلى ابن سريج، وانه وجهه بأنه اعتقدها نافلة؛ فلا تجزئه عن فرضه؛ كما قلنا فيمن عليه سجدة من صلاة؛ فسجد للتلاوة: لا تجزئه عنها.
وقال في "التهذيب": إن قول ابن سريج هو المذهب، والصحيح عند العراقيين: الإجزاء؛ لأن هذه الجلسة وقعت في محلها؛ فلا يضر اعتقاد سنيتها؛ كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظن أنه الأول، ثم تذكر عقيب التشهد؛ فإنه يحسب له عما عليه، وإن أتى به على وجه السنة، وهذا منهم يدل على أنه لا خلاف في المسألة المستشهد بها.
لكن الرافعي حكى عند الكلام فيما إذا قام إلى خامسة-الخلاف فيها أيضًا؛ وحينئذ يتعين أن يكون قياسهم عليها، إما لأن المخالف هنا -وهو ابن سريج- قد وافق عليها، وإن خالف غيره، أو لأن الشافعي نص عليها؛ فيحسن الرد على ابن سريج [به.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
قال الشيخ أبو حامد: وما استشهد به ابن سريج] من أن من عليه سجود لا تجزئه عنه سجدة التلاوة ليس للشافعي فيه نص، ويحتمل أن يقال: تجزئه.
قلت: وابن الصباغ قد حكاه في باب النية في الوضوء وجهًا في المسألة مع الوجه الآخر.
قال الشيخ أبو حامد: ثم إن سلمناه، فالفرق: أن سجود التلاوة من غير جنس سجود الصلاة؛ لأنه ليس براتب فيها؛ فلم يقع عما هو راتب فيها، وجلسة الاستراحة راتبة في الصلاة؛ كجلسة الفصل؛ فحسبت عنها، وبهذا فرق الماوردي أيضًا، وأيده في موضع بأنه لو ترك سجدتين من آخر صلاته سهوًا، ثم سجد في آخر الصلاة؛ للسهو، لا تحسبان له؛ لأنه غير راتب فيها.
قال ابن الصباغ: وما قاله أبو حامد: من أنه لا نص للشافعي في المسألة المستهشد بها، سهو؛ فإن الشافعي نص على أن ذلك لايجزئه، والفرق: أن سجود التلاوة وقع في موضعه؛ فلا يقع عن غيره؛ بخلاف جلسة الاستراحة؛ فإنها لم تقع في موضعها؛ لأنه لا يعتد بها قبل تمام المتروك؛ فوقعت عنه، ولا يقال: إن القراءة أيضًا لا تقع موقعها؛ فلا تقتضي سجودًا؛ لأن السجود منوط بالقراءة التي ليست بمكروهة، سواء اعتد بها، أم لا، وهذه كذلك.
واحترزنا بقولنا: "ليست بمكروهة" عن القراءة في الركوع والسجود؛ فإنها لا تقتضي سجودًا؛ كما ستعرفه.
وقد شبه الخلاف في المسألة بما لو أغفل المتوضئ لمعة في المرة الأولى، وغسلها في الثانية، أو الثالثة، والأصح -عند العراقيين-: الإجزاء، بخلاف ما إذا انغسلت في تجديد الوضوء؛ لأن قضية نيته في ابتداء الوضوء: ألا يقع شيء عن السنة حتى يرتفع الحدث؛ كذلك ها هنا قضية نيته السابقة، ألا يكون الجلوس عن الاستراحة إلا بعد الفراغ من السجدتين.
ولو كان تذكره ترك السجدة الثانية من الأولى بعد سجوده في الثانية، كملت الركعة الأولى بسجدة من سجدتي الثانية، وأبطلنا بقية الثانية، لكن بأي السجدتين
[ ٣ / ٢٨١ ]
يكمل؟ هي على ما مضى.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق، كان التكميل بالسجدة الثانية.
وكذا إن قلنا بمقابله، ولم يكن قد جلس بين السجدتين، و[قلنا]: إن القيام [لا] يقوم مقامها، [وإن كان قد جلس بين السجدتين، وقلنا: إن القيام يقوم مقامها] فالذي حصلت به التكملة السجدة الأولى، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد الساهي بسجوده في الثاني السجود للركعة الثانية، أو لا.
وقال أبو إسحاق: إنما تتم الركعة الأولى بالسجود في الثانية؛ إذا لم يقصد به السجود فيها؛ فإن قصد به السجود للثانية، فلا تتم به؛ لأن نية الصلاة مستدامة، وقد حدثت نية أخرى حقيقة تخالف تلك النية؛ فكانت الحقيقة مغلبة، وهذا في "تعليق" القاضي الحسين و"تلخيص" الروياني منسوب إلى ابن سريج، وانه استشهد له بنص الشافعي، على أنه لو هوى إلى السجود؛ فسقط على الأرض؛ إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود.
قال الروياني: وهو صحيح، والذي عليه الجمهور: الأول.
قالوا: ونظيره ما لو نوى التنظيف في أثناء الوضوء بعد عزوب النية حقيقة، لا حكمًا، وذلك لا يؤثر، لكن لأبي إسحاق أن يمنع في مسالة الوضوء أيضًا، ويتمسك فيها بظاهر ما نقله المزني؛ فإنه قال: يجزئه ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف.
فإن قيل: إذا حصل التذكر لترك سجدة من الأولى، وهو في سجود الثانية: [لم] لا أبطلتم الأولى، وجعلتم السجود لثلانية؛ كما قلتم فيما إذا زوحم عن السجود في الجمعة في الأولى حتى ركع الإمام في الثانية؛ فإنه يتابعه على قول، ويحسب الركوع عن الركعة الثانية، لا عن الأولى، على قول؟
قلنا: إنما حسبنا الركوع عن الركعة الثانية في مسألة الزحام؛ لحاجته إليه حتى
[ ٣ / ٢٨٢ ]
لا تكون الركعة ملفقة؛ فلا يدرك بها الجمعة، ولا حاجة به هاهنا، وقد صحت الأولى؛ فكيف تلغي؟! مع أنا ثم نأمره بالركوع قصدًا، وفيه إبطال لما سلف، وهاهنا ركع وسجد في الثانية وهو غير عالم بأن عليه شيئًا؛ فكان فعله سهوًا؛ فصح ما يلي فعله على وجه الصحة، وهو السجود.
ثم الحكم فيما لو تذكر أنه ترك ركوعًا؛ كما ذكرناه في السجود، ولو تذكر أنه ترك القراءة، فسيأتي الخلاف فيه. فإن قلنا: لا تسقط بالنسيان، كان الحكم كما في الركوع والسجود.
فرع: لو تذكر [وهو] في الركوع أنه ترك قراءة الفاتحة؛ فعليه أن يعود في الحال؛ فإن تأخر ساعة، بطلت صلاته.
ولو تذكر وهو قائم أنه تركها؛ فتباطأ ساعة، لا تبطل؛ لأن القيام محل القراءة؛ بخلاف الركوع؛ قاله القاضي الحسين في باب: سجود السهو.
قال: فن لم يعرف معوضه، بني الأمر على أسوأ الأحوال موجبًا لطلب اليقين الذي دل على اعتباره الخبر الذي سنذكره في أول سجود السهو.
قال: فإن كان المتروك سجدة من أربع ركعات، جعلها –أي: قدر أنها- من غير الأخيرة، ويأتي بركعة؛ لأنه الأحوط؛ فإنه لو جعلها من الخيرة، لم يلزمه إلا سجدة [واحدة]، ويعيد التشهد وما بعده، وإذا جعلها من غير الأخيرة، لزمه ركعة؛ كما ذكر؛ لأنها إن كانت من الأولى، انجبرت بسجدة من الثانية [إما الأولى، أو الثانية؛ على الخلاف السابق، وبطل باقي الثانية]، وصح ما بعدها؛ فحصلت له الركعة الأولى؛ وصارت الثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، وبقي عليه ركعة فيأتي بها.
وإن كانت السجدة من الثانية، انجبرت بسجدة [من الثالثة وبطلت، فصارت الرابعة ثالثة، يأتي برابعة.
وإن كانت السجدة من الثالثة، انجبرت بسجدة] من الرابعة، وبطلت؛ فيأتي برابعة.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
قال: [ويسجد للسهو]؛ لخبر ابن مسعود، وغيره، الذي سنذكره في باب سجود السهو.
قال: وإن كان سجدتين، جعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثاثلة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقي الثانية، وتنجبر الثالثة بسجدة من الرابعة، وتبطل الرابعة، وحينئذ تكمل له ركعتان؛ فيبقى عليه ركعتان؛ فيأتي بهما.
نعم، لو علم أن السجدتين من ركعة واحدة، جعلهما من غير الأخيرة، وأتى بركعة؛ لأن هذا أسوأ الأحوال، ولو علم أنهما من ركعتين متواليتين؛ فالأحوال كلها في حقه سواء، ويلزمه ركعة كيف جعلها، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: [ويسجد للسهو]؛ لما ستعرفه.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
قال: وإن كان ثلاث سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل ما بقي منها، وتنجبر الثالثة بالسجدة التي في الرابعة، ويبطل ما أتى به بعدها، وحينئذ تكمل له ركعتان [فيبقى عليه ركعتان]، فيأتي بهما، ويسجد للسهو.
ولو جعل واحدة من الأولى، واثنتين من الثالثة، كان الحكم كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، [وواحدة من الثانية]، وواحدة من الثالثة- كان الحكم كذلك.
قال: وإن كان أربع سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدتين من الرابعة، ويأتي بسجدة، وركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقيها، ومعه قيام الثالثة، وركوعها، والرفع منه؛ فيأتي بسجدتين تتم بهما، وتكون ثانية له؛ فيبقى عليه ركعتان، وهذا تفريع على المذهب في أنه لا يعيد الركن الذي قبل المتروك.
أما إذا قلنا: إنه يعيده-كما هو وجه مفرع على ما اختاره ابن سريج من أنه
[ ٣ / ٢٨٥ ]
إذا قام إلى خامسة بعد التشهد الأخير يعيد التشهد-فهاهنا يلزمه أن يركع، ثم يسجد سجدتين، ويأتي بركعتين.
وما ذكره الشيخ من أنه يجعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثالثة، وثنتين من الرابعة- لا يتعين في كونه أسوء الأحوال، بل لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدة من الرابعة-كان كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة، أوجعل ثنتين من الأولى، وواحدة من الثانية، وواحدة من الرابعة.
وحكى الإمام عن الشيخ أبي محمد أنه كان يقول: يلزمه-إذا كان المتروك أربع سجدات من أربع ركعات-أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين؛ لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثانية، وثنتين من الرابعة، ولو كانكذلك، لكان عليه أنيسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعة أخرى؛ فيجب أن يسجد سجدتين؛ لجواز أن يكون المتروك على وجه يقتضي ذلك، ثم لا يجزئه إلا ركعتان؛ لجواز أن يكون الترك على وجه آخر؛ فيصلي ركعتين أخريين؛ ليكون آتيًا بكل ما قدر وجوبه.
قال الإمام: وهذا عندي غير سديد؛ فإن السجدة الثانية التي أمر بها لا تقع وقع الاعتداد، ويعارض ما ذكره أن السجدة الثانية قد تكون زائدة، والإتيان بسجدة في غير أوانها يبطل الصلاة؛ فإذا تعارضا، تعين صرف الأمر عند الإشكال إلى ما يقدر وقوعه معتدًا به.
قال العجلي: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنا لا نعلم كون هذه السجدة زائدة [وهو المبطل بدليل أن السجدة الواحدة يجب الإتيان بها، ويحتمل أنها زائدة].
قال: ويرد على هذا: أن فيما ذكره الشيخ أبو محمد زيادة قطعًا: إما سجدة، وإما ركعة.
[قال]: ويجاب عنه: بأن الزائد غير متعين، ولا يمكن ترك واحد منهما؛ كي لايكون إخلالًا بالواجب، وقد اتبع الشيخ في اقتصاره على ذكر هذه الصور الشيخ أبا حامد، والماوردي.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وغيرهم ذكرها، وزاد عليها؛ فقال: ولو كان المتروك خمس سجدات من أربع ركعات، فقد قيل: الحاصل له ركعتان إلا سجدتين؛ فإن أقل أحواله أنه أتى بواحدة في الأولى وثنتين في الثانية؛ فتتم الأولى بالانية، ولم يأت للثالثة ولا للرابعة بسجود؛ فيلزمه سجدتان وركعتان.
قال بعضهم: قال صاحب "الشامل": هكذا ذكره أصحابنا.
ويحتمل أنه أتى بسجدة في الأولى، وسجدتين في الرابعة؛ فتتم الأولى بالرابعة، ولا يعتد فيها بقيام ولا قراءة ولا ركوع! والحاصل له- على هذا التقدير- ركعة واحدة؛ فيلزمه ثلاث ركعات. وهذا ما حكاه القاضيان: أبو الطيب، والحسين، وغيرهما، وهو المذكور في "المرشد"، وإن كان المذكور في "المهذب" الأول.
ولو ترك ست سجدات لزمه ثلاث ركعات أيضًا.
ولو ترك سبع سجدات لزمه سجدة، وثلاث ركعات.
ولو ترك ثماني سجدات؛ بأن كان بين جبهته والمصلى حائل، لزمه سجدتان، وثلاث ركعات.
ولو ترك الجلوس بين السجدتين في الأربع؛ فإن لم يكن جلس للتشهد، ولا للاستراحة.
فإن قلنا: إن القيام يقوم مقامها، كان الحكم كما لو ترك من كل ركعة سجدة.
وإن قلنا: لا يقوم، فقد حصل له قيام، وركوع، ورفع منه، وسجدة واحدة، وحينئذ ينظر إن كان جالسًا، سجد الثانية، وتمت له ركعة، وإن كان قائمًا، جلس وسجد وتمت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات، وإن كان قد أتى بالتشهد الأول، أو جلس للاستراحة مرة، أو أكثر-فلا يخفى تفريعه مما تقدم.
فرعان:
لو كان يصلي المغرب، فصلى أربعًا ناسيًا، ثم تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة-حصلت له ركعتان؛ فيأتي بركعة أخرى؛ قاله في "الحاوي".
ولو كان يصلي الظهر قصرًا؛ فصلاها أربعًا سهوًا، وتذكر أنه ترك من كل ركعة.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
سجدة-حصلت له ركعتان، وأجزأته؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن ذكر ذلك بعد السلام، ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] يبني على صلته ما لم يتطاول الفصل؛ لأنه -﵇- "سلم من اثنتين، وقام ومشى إلى مقدم المجلس، وجلس متفكرًا؛ فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: "كل ذلك لم يكن"، وسأل النبي ﷺ [أصحابه] عن ذلك؛ فأخبروه به؛ فعاد، وأتم صلاته".
ولأنه إذا لم يطل الفصل، كان في حريم الصلاة؛ فألحق بها، وهذا ما حكاه الماوردي وغيره، وعليه نص في "المختصر"، ولم يورد الجمهور غيره.
وعلى هذا فلا فرق فيه بين أن يقوم من المجلس، أو لا، ولا بين أن يستدبر القبلة ويتكلم، أو لا، نعم، يشترط ألا يدوس نجاسة على المذهب في "التتمة"، وهو ما أورده القاضي الحسين؛ فإن مشى عليها، لم يبن.
والفرق بين ذلكن ويبن ترك الاستقبال، والكلام: أن القبلة يجوز تركها في النافلة في السفر، ولا تبطل الصلاة بالكلام ناسيًا، وتبطل على الصحيح إذا كان عليه نجاسة لم [يعلم بها] قبل الدخول في الصلاة.
وليس له العود عن تذكره إلى موضع صلاته أولًا؛ لأن عوده ليس من الصلاة. قال: والثاني: يبني ما لم يقم من المجلس.
هذا القول لا يوجد في الكتب المشهورة في هذه المسألة، بل هو مذكرو في سجود السهو؛ كما ستعرفه.
[قال بعضهم: فيجوز أن يكون الشيخ قد أخذه من ثم؛ لما ستعرفه]، ومجلي قد حكاه في هذه المسألة، عن رواية العراقيين، عن القديم.
قال: فإن ذكر بعد ذلك، استأنف؛ لأن الفصل الطويل مغير لنظم الصلاة، ثم
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الإشارة بـ"ذلك" يجوز أن تكون إلى المجلس، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون الفصل قد طال، أو لم يطل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو.
ويحتمل أن يكون عائدًا إلى ما ذكر أنه حد التدارك: إما التدارك: إما قرب الفصل، أو المجلس، وهو الأقرب.
وقد حكى القاضي الحسين طريقة أخرى، حاكية لقول آخر: أنه يبني [وإن تطاول] الفصل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو.
ومنهم من يجعله قولًا مخرجًا من ثم، وبه يظهر صحة القول الذي ذكره الشيخ في اعتبار المجلس.
ومنهم من قطع بأنه إذا طال الفصل لا يبني، وإن بنى في سجود السهو، والفرق: أن سجود السهو تتمة لفضيلة، لو حذف لم يضر؛ فتساهلنا فيه، ولا كذلك ما نحن فيه، والصحيح- وإن ثبت الخلاف-الأول، والوجه للثاني أصلًا، مع ما صح في مسلم أنه﵇-: "قام فدخل حجرته، ثم صلى ما نسبه"، وعلى هذا بماذا يعتبر قصر الفصل وطوله؟ فيه أقوال:
أحدها-وعليه نص في "مختصر" البويطي-: أن القصير قدر ركعة معتدلة، لا طويلة ولا قصيرة.
والثاني- وعليه نص في "الإملاء" كما قال أبو الطيب-: أن القصير ما دون ركعة تامة، والطويل بمقدار فعل ركعة كاملة.
وعبارة البغوي: أن الشافعي قدر طول الفصل بقدر ركعة لا طويلة، ولا قصيرة.
والثالث- وهو ظاهر نصه في "الأم"-: أنه يرجع فيه إلى العرف، وهو المختار في "الحاوي" و"المرشد" و"تلخيص" الروياني.
وقال: إن ما نص عليه في "مختصر" البويطي تقريبٌ، لا تحديدٌ؛ وكذا نقول فيما ذكره في "الإملاء" أيضًا، ووراء ذلك أوجه:
أحدها: أن حد القريب ما بين الخطبة والشروع في صلاة الجمعة، أو ما بين
[ ٣ / ٢٨٩ ]
الصلاتين إذا أراد الجمع؛ قاله القاضي الحسين.
ويقابله ما حكى عن ابن أبي هريرة: أن القصير قدر الصلاة المتروك منها ما ذكر؛ كذا حكاه ابن الصباغ عنه.
والثالث -قاله المتولي، واختاره-: أن قدر ما صدر من النبي ﷺ في قصة ذي اليدين قصير، وما زاد عليه طويل.
قال بعضهم: وفي هذا رد إلى جهالة؛ فإنا لانعلم قدر ذلك، وهذا الفصل هو الذي احترز عنه الشيخ بقوله أولًا: "وهو في الصلاة"، ومنه يؤخذ أن كلامه فيما إذا لم يكن المتروك تكبيرة الإحرام، ولا النية؛ إذ عند فقد واحد منهما لا يكون في صلاة، ولا بعدها، وبه صرح الأصحاب؛ حيث قالوا: لو كان الذي تذكره النية، أو تكبيرة الإحرام، استأنف قولًا واحدًا.
وألحق الروياني به ما إذا تذكر أنه ترك ركنًا من [صلاته، ولم يعرف عينه، ومثله: ما لو تذكر أنه ترك ركنًا من] ركعته، ولم يعرف [عينه، يقدر] أنه أول ركن منها، وهو الفاتحة، حتى يلزمه إعادة ما بعدها؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن ترك سنة-أي: ولم يفت محلها-فإن ذكر [ذلك] قبل التلبس بفرض، عاد إليه؛ أي: إلى ما تذكره [ندبا].
قال: وإن تلبس بفرض، لم يعد إليه؛ أي: وجوبًا؛ مثاله: إذا ترك التشهد الأول، وتذكره قبل أن ينتصب قائمًا، يعود إليه، وإن تلبس بالقيام، لم يعد إليه؛ لقوله ﵇: "إذا قام الإمام في الركعتين؛ فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو" رواه أبو داود.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
أما إذا تذكرها بعد فوات محلها؛ كما إذا تذكر أنه ترك رفع اليدين في تكبيرة
[ ٣ / ٢٩١ ]
الإحرام بعد فراغها.
ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الفرض الذي شرع فيه بين أن يكون فعليًا، أو قوليًا، والفعلي شهد له الخبر، والقولي إن قلنا: إن تكرره مبطل كالفعلي كان في معناه، وألا فينبغي أن يعود إلى المتروك، وبه صرح القاضي أبو الطيب وغيره في صلاة العيد؛ حيث قالوا: إذا تذكر تكبيرات العيد بعد شروعه في الفاتحة، كان له العود إليها؛ على القديم.
وحكى الغزالي ثم: أن من الأصحاب من طرده فيما إذا تذكر أنه ترك دعاء الاستفتاح بعد شروعه في الفاتحة، وهو بعيد، وستعرف وجه بعده.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه إذا تذكر بعد أن تلبس بسنة، يعود إليها، وهو يقتضي أنه إذا تذكر دعاء الاستفتاح بعد التلبس بالتعوذ: أنه يعود إليه.
وقد صرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يعود إليه، وعليه ينطبق قوله في "المهذب": إنه إذا ذكر قبل التلبس بغيره، عاد إليه، وإن تلبس [بغيره لم يعد إليه].
والمنع في مسألة دعاء الاستفتاح يؤخذ مما أسلفناه؛ لأن محله أول الصلاة، وقد فات، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٩٢ ]