هذا الباب يشتمل على ما يفعل بالميت، وعلى ما يفعل قبل الموت، وإنما اقتصر الشيخ في الترجمة على ذكر الأول؛ لأن المزني لم يذكر غيره وهو المتبع في التصنيف، والذي يفعل قبل الموت حكاه البويطي عن الشافعي كما قال أبو الطيب وغيره، فأراد [ألا يخلي] كتابه عنه، وهو مقدم في الوجود؛ فلذلك جعله كالمقدمة للباب.
قال: يستحب لكل أحد أن يكثر [من] ذكر الموت؛ لقوله﵇-: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات- أي: الموت- فإنه لا يذكر في كثير إلا قلله، ولا يذكر
[ ٥ / ٣ ]
في قليل إلا كثره". أخرجه النسائي، وأراد: أن المكثر من الدنيا إذا ذكر الموت قل عنده ما بسط له من الدنيا؛ لأنه يفارقه، وإذا ذكره المضيق عليه هان عليه عيشه وكثر عنده ما أوتيه؛ لأن فيه بلاغًا له، ولأن كثرة ذكر الموت أزجر له عن المعاصي وأحض له على فعل الخيرات، ولهذا روي عن عمر بن الخطاب أنه نقش على خاتمه: كفى بالموت [واعظًا] يا عمر.
قال القاضي الحسين: واستحباب الإكثار من ذكر الموت للمريض أشد استحبابًا،
[ ٥ / ٤ ]
وبالجملة فالاستعداد للموت بالخروج من المظالم المتعلقة بالأموال والأعراض، وتحصيل الأجور بالأقوال والأفعال- مطلوب؛ لقوله﵇- وقد اطلع على قوم يحفرون قبرًا: "إخواني لمثل هذا فليعمل العاملون".
وينبغي أن يكون الشخص في حال صحته بين الخوف والرجاء؛ فلا يغلب خوفه فيؤدي به إلى اليأس، ولا يغلب رجاؤه فيصير كالآمن، ولكن يكونان على السواء. قال المتولي: وقيل: يجب أن يكون الأغلب عليه الخوف، وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين.
والموت: مفارقة الروح الجسد.
قال: وأن يعود المريض؛ لما روى مسلم عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة"، وقال﵇-: "عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة إلى أن يعود" وروى أبو داود عن زيد بن أرقم قال: "عادني رسول الله - ﷺ - من رمد أصابني".
[ ٥ / ٥ ]
قال القاضي أبو الطيب: وهذا يدل على أن العيادة من الرمد تستحب، خلاف ما يقوله العامة.
قال في "الحاوي": ويستحب أن يعم بعيادته جميع المرضى، ولا يخص بها قريبًا من بعيد، ولا صديقًا من عدو، ويحوز ثوابهم جميعًا، وعلى هذا يكون الألف واللام في "المريض" للاستغراق لا للعهد.
لكن ابن الصباغ شرط في عيادة [المريض] أن يكون مسلمًا، وفيه نظر؛ لأنه﵇- عاد غلامًا يهوديًا. وقال الشاشي: الصواب عندي أن يقال: عيادة الكفار في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها قرابة أو جوار، ولم يورد الرافعي غير ذلك فإنه قال: وإن كان ذميًا جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما.
ويستحب أن تكون العيادة غِبًّا ولا يواصلها في جميع الأيام؛ لقوله﵇- "أَغِبُّوا عيادة المريض وأَرْبِعُوا".
[ ٥ / ٦ ]
قال: فإن رجاه دعا له، أي: بالعافية؛ لما روى أبو داود أنه﵇- قال: "من عاد مريضًا لم يحضره أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك الله إلا عافاه الله من ذلك المرض"، وروي أنه﵇- كان إذا دخل على مريض قال: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، اشف شفاءً لا يغادر سقمًا".
قال: وانصرف، أي: لا يطيل المكث عنده؛ كي لا يضجره.
قال: وإن خاف أن يموت أي: بأن رأى فيه علامات الموت رغبه في التوبة
[ ٥ / ٧ ]
والوصية، أي: حثه عليها؛ لأنه وقت ذلك. ويحثه على الخروج من المظالم؛ لأنها شرط التوبة، ويكون ذلك بالرفق والكلام الطيب. ثم يعجل الانصراف أيضًا، ويكره أن يكره المريض على تناول الدواء، قاله في "الروضة".
قال: وإن رآه منزولًا به، أي: نزل به الموت وحضرت مقدماته- وجهه إلى القبلة؛ لأنها خير الجهات. ثم في كيفية توجيهه وجهان، حكاهما الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما:
أحدهما: أنه يلقى على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة كما يوضع في المغتسل، وهو ما قال الإمام: إن شيخه كان يقطع به، ولم يورد في "الوجيز" غيره، وإيراد "الوسيط" يقتضي ترجيحه، وكذلك قال الجيلي: إنه الأصح.
والثاني: أنه يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه: لأن [إضجاع] النبي - ﷺ - كان كذلك، ولأنه كذلك يضجع في قبره؛ فكذلك عند موته، ولأنه أبلغ في الاستقبال، وقد قال﵇- "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه"، وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين وقال: لست أثق به؛ فإن عمل الناس على خلافه، وإن كان منقاسًا في رعاية استقبال القبلة، ولم يورد البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمصنف غيره، وقال الرافعي: إنه الراجح عند الأكثرين، وحكوه عن النص.
[ ٥ / ٨ ]
نعم، إن كان في موضع ضيق لا يمكن وضعه فيه على جنبه، أو به علة تمنع من ذلك- فحينئذ يجعل على قفاه وقدماه إلى القبلة.
قال البندنيجي: ويوضع تحت رأسه شيء مرتفع؛ ليتوجه وجهه إلى القبلة.
قال: ولقنه قول "لا إله إلا الله"؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -::"لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله"، وروى أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله- دخل الجنة".
قال القاضي الحسين: فلو قال ذلك، ثم غشي عليه سنة عقيب قوله ذلك، ثم مات دخل الجنة.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يلقن أيضًا: محمد رسول الله، وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وسليم الرازي ونصر المقدسي والجرجاني والشاشي في "المعتمد".
وقال في "الروضة": والأصح: الأول، وهو الذي قاله الجمهور.
ويستحب أن يكون ذلك برفق من غير عنف ولا إضجار.
قال في "التتمة"- تبعًا للقاضي الحسين وغيره-: ولا يستحب أن يقول له: قل: لا إله إلا الله، ويلح عليه؛ كي لا يضيق صدره فيثقل عليه، ولكن يقول ذلك بحضوره.
قال الرافعي وغيره: فإذا قال ذلك مرة لا يكرره عليه ما لم يتكلم.
وقال البندنيجي: إنه يستحب أن يقول ذلك ثلاث [مرات] فإذا قالها لم يكلم
[ ٥ / ٩ ]
بعدها؛ لتكون آخر كلامه، فإن تكلم بعدها بشيء أعيد التلقين؛ ليكون آخر كلامه التوحيد.
وقد أفهم كلام الشيخ أن العائد يوجهه إلى القبلة، ويلقنه قريبًا كان أو غير قريب، والمذكور في "الحاوي": إذ قارب أن يقضي حضره أقوى أهله نفسًا وأثبتهم عقلًا، ولقنه الشهادتين من غير عنف ولا إضجار، ثم يوجهه إلى القبلة.
وقال في "التتمة" وغيره: يستحب أن يكون الملقن له غير وارث؛ حتى لا يسبق إلى فهمه أنه يستعجل موته فيغتاظ من ذلك فيجحد، فإن لم يكن عنده إلا الورثة فالأولى أن يلقنه أبرهم به وأحبهم إليه.
قال الجيلي: ويستحب أن يصب في حلقه ماء قليلًا، وأن يقرأ عنده سورة الرعد، كما قاله البندنيجي وصاحب "البيان"؛ لأنه قيل: إنه أسرع لخروج روحه، وابن الصباغ وغيره حكوا ذلك عن بعض التابعين.
وهذا مما يستحب لعائد المريض أن يفعله، فأما ما يستحب للمريض أن يفعله فقد قلنا: إنه يستحب له الإكثار من ذكر الموت، ويستحب له الصبر على ما نزل به، والتداوي من المرض كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وأن يحسن ظنه بالله، ويكون رجاؤه أغلب من خوفه لظهور العجز، ويكره له الأنين وأن يتمنى الموت ويدعو به لضر نزل به.
قال: فإذا مات استحب لأرفقهم به أن يغمض عينيه؛ لما روى مسلم عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، ولأن ذلك أحسن في كرامته؛ فإنه لو ترك مفتوحًا لقبح منظره.
قال: ويشد لحييه؛ كي لا يقبح منظره بفتح فيه، ويدخل فيه الهوام، ويكون الشد بعصابة عريضة أو عمامة تربط فوق رأسه.
قال: ويلين مفاصله؛ كي لا تيبس فيقبح ولا تبقى لينة على غاسله، فيرد ذراعه
[ ٥ / ١٠ ]
إلى عضده ثم يمدها، ويرد أصابع يده إلى كفه ثم يمدها، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدهما.
قال: ويخلع ثيابه أي [التي مات فيها] لأنه ربما حمي بها فتغير، وقد روي عن الشافعي أنه قال: سمعت أهل الخبرة يقولون: إن الثياب تحمي عليه فيسرع إليه الفساد، وأيضًا فقد تخرج منه نجاسة تلاقيها.
قال: ويسجيه- أي: يغطيه- بثوب، أي: ساتر لجميع بدنه؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: "سجِّي رسول الله - ﷺ - بثوب حبرةٍ".
قال البندنيجي وغيره: ويوضع تحت رأسه ورجليه وجوانبه منه شيء؛ كي لا ينكشف عنه إن هبت ريح، ويستحب بعد ذلك أن يوضع على سرير [أو شيء] مرتفع من لوح أو غيره. قال البندنيجي: بحيث لا يكون بين جلده وبينه شيء؛ لئلا يسرع إليه الفساد من عفونة الأرض، فإن كانت صلبة جاز، وإليه أشار الماوردي بقوله: "يوضع على نشز من الأرض أو شيء مرتفع"، ولأنه يبعده من الهوام.
قال: ويجعل على بطنه حديدًا أي: من سيف أو غيره، كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما أو طينًا رطبًا؛ لئلا يربو فينتفخ بطنه فيقبح منظره. وقد أمر بوضع الحديدة أنس حين مات مولاه، وروى أبو بكر بن المنذر أن ذلك من السنة، والطين الرطب في معناه، ولا يتعين شيء من ذلك، بل يجوز بكل ما يحصل المقصود، وقد حكى في "الذخائر" عن بعض أصحابنا أنه قدر زنة الموضوع بعشرين درهمًا.
ولا يجعل على بطنه مصحفًا؛ إكرامًا له. نعم، يستحب أن يقرأ عنده سورة يس؛ لقوله﵇-: "اقرءوا يس على موتاكم" أخرجه أبو داود.
[ ٥ / ١١ ]
قال القاضي الحسين: وقيل: تقرأ عند القبر، والأول أصح.
قال: ويسارع إلى قضاء دينه، أي: إن كان في التركة جنسه، والتوصل إلى [إبراء ذمته]، أي: بأن يحيل بها الولي على نفسه إن لم يكن في التركة جنسه، وسأله أن يبرئه منه كما قال البندنيجي، وعبارة القاضي أبي الطيب: أنه يتوصل إلى أن يحيل غرماء الميت، على من للميت عليه دين، ووجهه قوله﵇-: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه الترمذي، ومعنى معلقة، أي: مرتهنة، فيحرم روح الجنة والأمن في البرزخ حتى يترك الفضل من الدين. وكان﵇- يمتنع في ابتداء الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك وفاء به، حتى أفاء الله على رسوله فكان يقضيه. [قال الإمام].
[ ٥ / ١٢ ]
قال: وتفرقة وصيته؛ لكي تتعجل له منفعتها.
قال: ويبادر إلى تجهيزه، أي: إذا استبان موته بالعلامات؛ لقوله﵇-: "ثلاث لا تؤخر: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا وجدت كفئًا" أخرج الترمذي معناه، وقال: إنه غريب.
والعلامات: أن تسترخي قدماه فلا تنتصبان، وأن يتعوج أنفه، وينفرج عظما زنده، وينخسف صدغاه، وتمتد جلدة الولد، وهي جلدة الخصية، كما قال القاضي الحسين؛ لأن الخسية تتعلق بالموت وتتدلى جلدتها، فإذا وجد ذلك مع تقدم المرض استبان الموت.
قال: إلا أن يكون قد مات فجأة، أي بغتة من غير علة؛ فيترك ليتيقن موته، ومدة الترك يومان أو ثلاثة، كما أشار إليه الشافعي، وكذا يترك حتى يتحقق موته إذا كان قد أصابه فزع وخوف من عدو أو حريق أو ضرب شديد أو عذب؛ خوفًا من أن يكون [قد] غشي عليه ولم يمت، والله أعلم.
[ ٥ / ١٣ ]