البيوع: جمع بيع.
وهو في اللغة: إعطاء شيء في مقابلة شيء.
وهو في الشرع: مقابلة الماء القابل للتصرف بالمال القابل للتصرف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه.
وسمي البيع بيعا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد في العادة.
وسمي صفقة أيضًا؛ لأن أحد المتبايعين يصفق يده على يد صاحبه حالة العقد. كذا حكاه القاضي الحسين وغيره.
ورد ابن الخشاب الأول وقال: إنه غلط؛ لأن البيع من ذوات الياء تقول: باع يبيع بيعًا، [والباع من ذوات الواو تقول: بُعْتُ الشيء أَبُوعُه بَوْعًا.
وإنما جمع الشيخ البيع] وإن كان اسم جنس؛ لاختلاف أنواعه؛ لأنه يقع على أضرب: بيع عين، وبيع دين، وبيع منفعة، وإن شئت قلت: بيع صحيح قولًا واحدًا، وبيع فاسد قولًا واحدًا، وبيع في صحته قولان.
وكل واحد من المتعاقدين [فيه] يقال له: بائع وبيع ومشتر؛ قال الله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، وقال - ﷺ -: "المُتبَايِعَان بالخِيَار".
[ ٨ / ٣٦٧ ]
وتقول العرب: بعت، بمعنى: بعت ملكي من غيري، وبعت بمعنى اشتريت، وقد جاء "شرى" بمعنى: باع أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
والأصل في مشروعية البيع في الجملة قبل الإجماع من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وخص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه المصارف كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، ولا يختص الوعيد بالأكل.
وقرئ برفع ﴿تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] على أن "كان" تامة، تقديره "إلا أن تقع تجارة"، وبالنصب على أن "كان" ناقصة، و"إلا" استثناء من غير الجنس على الصحيح؛ لأن التجارة ليست من الباطل في شيء، وذلك جائز عند عامة العلماء إلا عند محمد بن الحسن.
وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَاثِيمًا (٢٥) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦].
وقال أبو إسحاق: هو استثناء من الجنس؛ لأن قوله: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، يتناول الأكل بالتجارة وغير التجارة؛ لأنه قد يؤكل المال بالباطل بتجارة فاسدة، فقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] استثناء من جنسها.
وضعف [نسخ ذلك بآية النور وهي قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إلى قوله ﴿أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، كذا رواه أبو داود عن ابن عباس].
[ ٨ / ٣٦٨ ]
[و] قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والألف واللام في ﴿الْبَيْعَ﴾: إما أن تكون للعموم أو للعهد أو لتعريف الماهية وأيًا ما كان فهي دالة على بيع ما، وهو المقصود هنا، والذي رجحه الشافعي، وصححه أصحابه: أن الآية عامة في كل بيع إلا ما خصه على لسان نبيه - ﷺ -، أو كان في معنى المنهي عنه، وإن كان الشافعي قد قال: إن احتمال تناولها لكل بيع على العموم أشبه، ونقل عنه أيضًا أنه قال: إنها مجملة؛ لأن السنة وردت مفسرة لها.
حكى هذا الخلاف القاضي الحسين وغيره.
وحكى أيضًا أنا إذا قلنا: إنها عامة، أو قلنا: إنها مجملة، فهل كانت السنة المخصصة أو المبينة متأخرة عن الآية أو متقدمة عليها؟ فيه قولان.
وإن فائدة الخلاف في الأصل تظهر في شيء واحد، وهو إذا وقع الاختلاف في مسألة من مسائل البيع أحلال هو أم حرام؟
إن قلنا: إن الآية عامة يجوز الاستدلال بها في المسألة وإلا فلا.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال ابن عباس: المراد به السلم.
ومن السنة ما روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الكسب أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" أي: لا غش فيه ولا خيانة.
[ ٨ / ٣٦٩ ]
وما روى الترمذي عن قيس الجهني أنه قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتبايع في [السوق] وكنا ندعي السماسرة، فقال [لنا]: "يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة" وقال: إنه حسن صحيح.
وغير ذلك من الأخبار التي تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.
[ ٨ / ٣٧٠ ]