إذا وطئ [أي:] [الحر]، جاريته أو جارية يملك بعضها، أي: وهو موسر بقيمة باقيها، [فأولدها] فالولد حُرٌّ.
لا شك في جواز وطء السادة الأحرار إماءهم، دلت على ذلك آي الكتاب، والسنة، والإجماع:
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وأمَّا السنة فما روي أنه ﷺ استولد جاريته مارية القبطية، وَوُلِدَ [له] منها إبراهيم.
ولم يختلف أحد من الأئمة في جواز ذلك.
[نعم، إذا قلنا: إن العبد يملك، وكان في ملكه أمة - فهل يحل له وطؤها؟ وكذا مَنْ نصفه حُرٌّ ونصفه رقيق؟ فيه كلام نذكره في باب ما يحرم من النكاح].
فإذا ثبت ذلك، فأتت أمته الكاملة له بولد من وطئه، أو باستدخال مائة، فهو حرٌّ، لقوله ﷺ:"من أشراط الساعة أن تلد الأمةُ رَبَتَها" أي: سيِّدتها، فأقام الولد مقام أبيه والأب حرٌّ؛ فكذلك هو، ولا يثبت عليه ولاءٌ لأحد؛ لأن مانع
[ ١٢ / ٤٢٦ ]
الرِّقِّ قارن سبب الملك فدفعه، بخلاف ما لو اشترى زوجته الحامل منه؛ فإن الولد يعتق عليهن ويثبت له عليه الولاء، وفائدته – كما قال القاضي الحسين – تظهر في شيئين:
أحدهما: إذا أوصى لموالي فلان دخل فيهم.
والثاني: [في] تحمل العقل عنه؛ فإن المولي يتحمل العقل والأب لا يتحمله، وهذا منه بناء على أنَّ البنوة عند وجود غيرها [مما] يقتضي التحمل لا تمنعه، كما سنذكره في بابه، إن شاء الله تعالى.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون قد علقت به من وطءٍ مباح – كما ذكرنا – أو من وطءٍ حرام: كما إذا كانت مرهونة، أو مزوجة، أو مسلمة وهو كافر، أو محرمًا له، ونحو ذلك، ووطئها وهو عالم بالتحريم. وكذا لا فرق في كونه [حرًّا] عند وجود التحريم بسبب المحرميِّة، [أو كونه كافرًا وهي مسلمة]، [أو كونها] مزوجة – بين أن نوجب عليه الحد كما حكاه البندنيجي قولًا، وحكاه الإمام عن القديم، [أوْ لا نوجبه] على الجديد الصحيح عند الطبري وغيره.
وحكى الرافعي والإمام عند الكلام في وطء جارية الابن: أنَّا إذا أوجبنا الحد في مملوكته المحرمة عليه برضاع أو غيره لا تصير أم ولد؛ لأنه وطء زنى، وفي كلام الإمام ما يفهم إفهامًا ظاهرًا أن السبب لا يثبت في هذه الحالة؛ تفريعًا على هذا، وقد صرَّح [به] في "البحر".
ثم حكى الإمام أنَّ من الأصحاب من ارتاع؛ فلم يستجز للإنسان أن يطأ [مملوكته وتأتي منه بولد، ولا تكون أمَّ ولد [له]، فحكم بثبوت النسب والاستيلاد.
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
وأما إذا وطئ] جارية يملك بعضها فالحكم كذلك عند العراقيين؛ لأنه وطء شبهةٍ بسبب الملك، وإن كان حرامًا فانعقد الولد فيه حرًّا كوطء أخته المملوكة.
قال الإمام: ويجب طرد القول القديم الذي ذكرناه في وجوب الحد على السيِّد إذا وطئ محرمة عليه مع العلم في هذه الصورة أيضًا، ومع هذا فلا يقدح في الاستيلاد والحرية على الجملة، وإن قدح فيما ذكرناه من قبل.
وحكى القاضي الحسين في المسألة تفصيلًا آخر فقال: إن كان الواطئ موسرًا كما ذكرناه، وقلنا بنفوذ الاستيلاد قبل أداء القيمة- فقد انعقد الولد كلُّه حرًّا؛ لأنَّا نقدر انتقال الملك في حصة الشريك إلى المستولد قبل الاستيلاد؛ فتكون قد علقت به، وجميعها ملكه، ولا يجب عليه قيمة شيءٍ من ولده، وإن قلنا: لا ينفذ إلاَّ بأداء القيمة، فهل نقول: انعقد جميع الولد حرًّا، أو انعقد منه قدر حصة الشريك من أمه رقيقًا، ثم يعتق بأداء القيمة؟ فيه قولان.
وكذا [فيما] لو كان المستولد معسرًا هل ينعقد جميع ولده حرًّا، أو قدر حصة المستولد من أمه لا غير؟ فيه قولان، [و] حكاهما البندنيجي وجهين فيما إذا وطئ أحد الشريكين وأحبل وهو معسر، ووطئ الآخر وأحبل وهو معسر، وهما مطردان فيما إذا رأى الإمام المصلحة في استرقاق بعض حربي هل يجوز؟ وفيما إذا أتت من بعضها رقيق بولد من نكاح أو زنى، هل ينعقد جميعه حرًّا، أو ينعقد كأمِّه في الحرية والرق؟
وأصل [هذا] المأخذ؛ أن تبعض الرق والحرية في الابتداء هل يمكن؟ فمن أثبته قال: كما يجوز أن يتبعض الرق والحرية بإعتاق المعسر، كذلك يجوز فيما نحن فيه، ومن منع قال: أحكام الرق والحرية متناقضان؛ فينبغي ألاَّ يختار التبعيض فيها، ويفارق إعتاق المعسر؛ فإنه لا سبيل إلى ردِّه، ولا سبيل إلى تنفيذه في نصيب شريكه؛ فكان محل ضرورة، وقياس بناء القاضي يقتضي
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
أنَّه يلزم المستولد قيمة حصة الشريك من الولد عند الوضع وإن أدَّى المال قبله إذا قلنا: إن الولد انعقد [جميعه حرًّا، أَمَّا] إذا قلنا بانعقاد قدر حصة الشريك من الأم رقيقًا فلا تجب؛ [لأنها تندرج] في قيمة الأم كما في البيع، وقد صرَّح البندنيجي بأنها إذا وضعت بعد الحكم بأنها أم ولد لكونه موسرًا، وقد أدَّى القيمة؛ فلا قيمة له، وإن وضعته قبل الحكم بأنها أم ولد لتأخير دفع القيمة، وقلنا: لا تصير أم ولد إلاَّ عند دفعها- لزمته القيمة، وهذا هو الحق، وما ذكرناه من قضية كلام القاضي ممنوع؛ لأن المفوت رقه لا يضمن إلا حين وضعه لمن له الأم، وهي إذ ذاك للمستولد، وإذا حكمنا بانعقاد جميع الولد حرًّا عند اعتبار الوطئ ثبت في ذمته للشريك قيمة قدر حصته من الأم من الولد.
قال: والجارية أم ولد [له] أي: يثبت لها حكم الاستيلاد، وهو العتق بعد موت السيد، وامتناع التصرف فيها بما ينقل الملك.
ووجهه في الأولى: ما روي الإمام في آخر النهاية بسنده عن خواتِ بن جبير أنَّ رجلًا أوصى إليه، وكان فيما ترك أم ولد له وامرأة حُرَّة، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعض الشيء؛ فأرسلت إليها الحرة: "لتُبَاعَنَّ رَقَبَتُكِ يا لَكَاعِ"، فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي ﷺ فقال: "إِنَّهَا لاَ تُبَاعُ"، وَأَمَرَ بِهَا فَأُعْتِقَتْ. وهذا السند فيه "الدارقطني".
وروى أيضًا بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ"، وهذا السند فيه أيضًا الدارقطني.
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
وقد روى عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "أُمُّ الْوَلَدِ لاَ تُبَاعُ، وَلاَ تُوهَبُ، وَلاَ تُوَرَّثُ، مُسْتَمْتِعٌ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ"، لكن هذا الحديث قال البيهقي فيه: إنه روى عن [ابن] عمرن وغلط من رفعه على رسول الله ﷺ.
وأمَّا في الثانية؛ فلأنها علقت منه بولد حرن وله فيها ملك؛ فأشبه ما لو علقت به وكلها له، وهذا الذي ذكره الشيخ هو الذي نصَّ عليه الشافعي حيث قال: "لو أحبل أحد الشريكين الجارية المشتركة وهو موسر، صارت أم ولد له"، [وهو] مفرع على أن السراية تحصل قبل أداء القيمة كما هو الصحيح في تنجيز العتق.
ومنهم من رتبه هنا على الخلاف في العتق وقال: الأولى التعجيل لكونه فعلًا، وهو أقوى من القول؛ بدليل نفوذ [استيلاد المجنون] دون عتقه.
ومنهم من قال: العتق أولى بالتنجيز، والفرق أنه عتق ناجز، والاستيلاد [سبب] عتق؛ فشابه التدبير، أمَّا إذا قلنا: لا يحصل إلا بدفع القيمة"، فنصيبه من الجارية يثبت فيه حكم أمهات الأولاد، ونصيب الشريك حكم الاستيلاد عليه موقوف على أداء القيمة: فإن أدَّاها حكمنا [بنفوذه في] وقت الداء على قولن وتبيَّنا نفوذه [من] حين العلوق على قول، وعلى هذا لا تجب قيمة الولد أيضًا - ولو كان معسرًا لم يسر الاستيلاد إلى نصيب الشريك جزمًا، فإذا أحبلها الشريك الآخر جرى على نصيبه حكم أم الولد، ولا يسري إلى نصيب المستولد أولًا، وإن كان الثاني موسرًا، وهل ينعقد حمله ولد الثاني حرًّا عند إعساره، أو
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
يكون بعضه حرًّا وبعضه ولد أم ولد؟ فيه الخلاف السابق.
ولو أيسر أحدهما، فنجَّز عتق حصته عتق نصيبه، وهل يسري إلى نصيب الآخر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لما في السراية من تقدير نقل الملك، والملك في المستولدة لا يقبل النقل، ولأن في السراية إبطال حقِّ الأول ووارثه من الولاء.
وهذا يشابه قولنا: إن أحد المكاتبين لعبدٍ واحدٍ إذا أعتق حصته إنما يسري عليه العتق بعد تعجيز المكاتب.
والثاني: نعم، وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب، ثم قال: وهو مشكل. وأبدي ما ذكرناه من علة القول [الأول ثم قال: وهو لا يخلو أن يقال: هو خطأ، أو جواز من يجوز بيع أم الولد، أو] بناء على أن أحد المكاتبين إذا أعتق العبد المكاتب هل يقوم عليه في الحال، أو بعد العجز؟ وفيه قولان، أو يقال: هو بناء على أن السراية تحصل بنفس اللفظ؛ فتكون كالإتلاف، ولو أتلفها ضمن قيمة [حصة الشريك].
ثم إذا نفذنا العتق فما حكم الولاء في هذا النصف؟ قال: إن قلنا: عن بيع أمهات الأولاد جائز، فالولاء فيه للمعتق، وإن قلنا: لا يجوز، فهل يكون الولاء له [أو للمستولد]؟ فيه وجهان ينبنيان على أن التقويم يفسخ الاستيلاد أَمْ لا؟ وفيه وجهان ينبنيان على أن أحد الابنين إذا أعتق نصيبه من عبدٍ [كاتبه أبوهما]، وقلنا: يعتق عليه نصيب أخيه في الحال – هل يكون فسخًا للكتابة أم لا؟ وفيه وجهان ذكرناهما من قبل، كذا حكاه في آخر باب التدبير.
ولو كان الثاني موسرًا حال استيلادها، ففي السراية إلى نصيب الشريك الكلام السابق فيما إذا أنجز أحدهما عتق حصته عند يساره ولو كان الذي
[ ١٢ / ٤٣١ ]
استولد أولًا موسرًا، وقلنا: سريان الاستيلاد يتوقف على دفع القيمة – فهل ينفذ استيلاد الثاني؟ [ذلك ينبني] على أنَّه إذا أعتق أحدهما حصته وهو موسر، وقلنا: لا يسري العتق إلاَّ بدفع القيمة، فأعتق الآخر حصته قبل دفعها – هل ينفذ؟ والمذهب: لان فإن قلنا به لم ينفذ استيلاد الثاني إلا أن يموت الأول عاجزًا أو يعسر، على تفصيل حكيناه في كتاب العتق. وإن قلنا: ينفذ عتقه – كما صار إليه ابن أبي هريرة – نفذ استيلاد الثاني، وكانت مستولدة لهما.
وهذا كله جمعته من كلام [القاضي] في مواضع من كتاب العتق وغيره، وكتاب "مختصر الكتابة".
قال: وإن أولد جارية ابنه أي: وهو حرٌّ؛ لأنه وطء لا يجب فيه الحد لأجل الشبهة؛ فانعقد الولد فيه حرًّا؛ كوطء جارية الغير [بشبهة]، والشبهة الثابتة له شبهة ملك، قال ﷺ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ"؛ وأيضًا: فإن الأب يستحق
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
على الابن جنس ما استوفاه؛ إذ يجب على الولد إعفافه؛ فكان شبهة، كمن سرق مال بيت المال، أو مال ابنه، وقد خرج الإمام وأبو سعيد الإصطخري
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
قبله قولًا في وجوب الحد مما إذا وطئ الإنسان أخته المملوكة؛ لأجل أن الوطء في الصورتين حرام بالاتفاق، ووجوبه فيما إذا كانت الأمة موطوءة للابن لقوة المشابهة، وهو ما حكاه الإمام فيها نصًّا عن القديم، وقد حكى الروياني في "البحر" عن الأصحاب القطع به فيما إذا كان الابن قد استولد الجارية، وخصَّ محل الخلاف بما إذا لم تكن مستولدة، وكانت موطوءة الابن، وعلى هذا فمفهوم التخريج أن ذلك لا يقدح في الحكم بحرية الولد كما ذكرنا في المسألة المخرج منها.
وقد حكى الإمام تفريعًا على القول بوجوب الحد: أن الولد ينعقد رقيقًا، وعلى قولنا بعدم وجوب الحد هل يثبت على الولد ولاءٌ؟ قال صاحب "التهذيب": إن قلنا بأنَّ أمَّه تصير أمَّ ولد - كما سنذكره - فلا، وإلاَّ فوجهان، وكأنهما دالاَّن على أنَّا في هذه الحالة هل نقول: انعقد حرًّا، وعلى وجه حكاه الشيخ أبو عليٍّ: أن الولد ينعقد رقيقًا، ثم يعتق بسبب الغرور، وهو غريبٌ جدًّا. ذكره في فروع العتق.
قال: وفي الجارية قولان:
أصحهما: أنها أم ولد [له]؛ لأنها علقت منه بحرٌّ بحق الملك، فأشبه ما لو علقت به في ملكه، وهذا ما نصَّ عليه هنا كما حكاه ابن كج وابن الصباغ.
والقول الثاني: أنها لا تصير أم ولد؛ لأنها ليست ملكًا له وقت الإحبال؛ فصار كما لو استولد جارية بالنكاح.
قال المزني: ولأن الأب لو وطئ جارية ابنه بنكاح وأحبلها لم تَصِرْ أمَّ ولد له، فإذا وطئها حرامًا كان أولى ألا تصير. وهذا ما نصَّ عليه في الدعاوى والبينات، [قيل]: وربما نسب إلى القديم.
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
وحكى ابن كَجٍّ أنَّه مخرج من نصه فيما إذا أحبل [أحد] الغانمين جارية من المغنم: أنها لا تصير أم ولد، كما خرج من نصه في وطء جارية الابن إلى هذه المسألة [قولًا]: أنها تصير أمَّ ولد.
وحكى العمراني عن الطبري: أن الشافعي –﵁ – نصَّ فيما إذا وقع على جارية من المغنم أنها تصير أم ولد [له]، وأنَّه يجب عليه قيمتها ومهرها؟ وفي [قيمة] الولد قولان، والقولان في مسألة الكتاب جاريان بالاتفاق على قولنا: إن الأب لا يجب عليه الحدُّ.
أما إذا قلنا بوجوبه لأجل كونها مستولدة لم تصر أمَّ ولد له؛ لان المستولدة لا تقبل النقل، وإن أوجبنا مع كونها غر مستولدة للابن، فالحكم كذلك على الظاهر عند الإمام والمعظم؛ لما قررناه من أن الولد ينعقد رقيقًا.
وفيه وجه: أنها تصير أمَّ ولد في هذه الحالة، كما قيل بمثله في وطء الأمة المحرمة بسبب رضاع أو غيره.
فإن قيل: هل القولان يجريان في حالة يسار الأب وإعساره؟
قلنا: قد حكى الحناطي في محل القولين ثلاثة طرق:
أحدها: [أن محلهما إذا كان الأب] معسرًا، [أما إذا كان موسرًا] فتصير أم ولد له قولًا واحدًا.
[والثاني: أن محلهما إذا كان موسرًا، [فإن كان معسرًا] لم تصر أم ولد له قولًا واحدًا].
والثالث – وهو الأظهر -: طرد الخلاف مطلقًا، وإذا كان كذلك خرج من الطرق قول فارق بين الموسر والمعسر، كما يحكي عن صاحب "التقريب"؛ قياسًا على ما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة؛ فإنه فرق في استيلاد حصة الشريك بين الموسر والمعسر، لكن الأئمة ضعفوا الفرق من جهة أن
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
الاستيلاد هنا إنما ثبت لحرمة الأبوة وشبهة الملك، ولا يختلف هذا المعنى بالإعسار واليسار، وهناك ثبت الاستيلاد في نصيب الشريك لدفع الضرر عنه؛ فلو فقدناه في حالة الإعسار لعلقنا حقه بذمة خراب، وهو أضر من الأول.
التفريع:
إن قلنا بأنها لا تصير أم ولد وجب على الأب المهر كما لو لم يحبلها، ولا فرق فيه بين أن تكون الأمَة مطاوعةً أو مكرهةً إذا لم نوجب الحد [به].
وحكى الإمام فيما إذا كانت مطاوعة في وجوبه وجهين عن العراقيين، وغلطهم فيه؛ فإنهم قطعوا بنفي الحد، وهذا [يشابه ما حكيته] عنهم في وطء السيد المكاتبة.
ولا فرق في وجوب المهر بين أن يكون الأب موسرًا أو معسرًا. نعم، الموسر يؤخذ منه، والمعسر يثبت في ذمته إلى يساره.
وعن أبي الحسين حكاية وجه ضعيف: أنَّه إذا كان معسرًا لا يتبع به، ويجب عليه قيمة الولد باعتبار يوم انفصاله إن انفصل حيًّان وإن انفصل ميتًا فلا شيء عليه.
ولا يجوز للابن بيع الجارية ما لم تضع؛ بناءً على منع بيع الحامل بحرٍّ، وهل تؤخذ قيمة الجارية من الأب في الحال للحيلولة؟ [فيه] وجهان:
المذكور منهما في "الشامل" حكاية عن الأصحاب: نعم؛ كما في العبد الآبق.
وأصحهما في "التهذيب" وغيره – كما قال الرافعي [وغيره]-: لا؛ لأن يده محرمة عليها، وهو منتفع بها بالاستخدام وغيره، بخلاف ما إذا أبق العبد.
وهكذا الحكم في الجارية المغرور بحريتها، والموطوءة بالشبهة إذا أحبلها الواطئ.
ولو ملك الأب هذه الجارية يومًا من الدهر، فهل تصير أم ولده له؟ فيه
[ ١٢ / ٤٣٧ ]
القولان الآتيان.
وإن قلنا بالصحيح في أنها تصير أمَّ ولد، فلابد من نقل الملك فيها للوالد، وفي أي وقت ينتقل أوجه:
أحدها: قبيل العلوق؛ ليكون مسقط مائة [ملكًا له] [صيانة] لحرمته، وهو ما أورده في "التهذيب".
والثاني: مع العلوق؛ لأن العلوق هو علة نقل الملك، والمعلول يساوق العلة، وهذا ما ارتضاه الإمام.
والثالث: عند الولادة.
[والرابع: عند أداء القيمة بعد الولادة].
وهذا [والذي] قبله أوردهما الحناطي، وغيره حكى بدلهما وجهًا: أنها تنتقل إليه بعد العلوق.
وقضية كلام من فرق في الحكم بالاستيلاد بين الموسر والمعسر: أن يجيء في وقت الحكم بالاستيلاد الأقوال المذكورة في العتق، وهوا لذي قال الإمام: إنه يجب؛ تخريجًا على هذا القول، [ولا شك في وجوب قيمة الأم على هذا القول]، وكذا المهر عند الجمهور.
وأمَّا قيمة الولد فقد أطلق ابن الصباغ القول بأنها لا تجب، ووجهه: بأنها وضعته في ملكه. وبسطه: أن الولد إذا انعقد حرًّا إنما تضمن قيمته حالة وضعه، فإذا كانت الأم في تلك الحالة مملوكة للواطئ فلا شيء عليه؛ كما لو علقت به في ملكه.
وحكى الإمام وجهين في وجوب قيمة الولد، وجزم آخِرًا بأنَّا إذا حكمنا بثبوت الاستيلاد فلا تجب قيمة الولد، وبنى الرافعي الوجهين على وقت الحكم باتنقال الملك في الأم إلى الأب، [فقال: إن قلنا]: قبيل العلوق، فلا تجب، وإن قلنا: بعد العلوق، وجبت، وإن قلنا: مع العلوق، فالأصحاب على الوجوب.
[ ١٢ / ٤٣٨ ]
وقال الإمام: العلوق على هذا القول مصادف للملك، فكيف يقتضي إيجاب القيمة؟ وبنى على ذلك ما إذا فرض إنزال الماء مع تغييب الحشفة، فقد اقترن موجب المهر بالعلوق، فقال: ينبغي أن ننزل المهر منزلة قيمة الولد، ويكون إطلاق الأصحاب لزوم المهر محمولًا على ما إذا تأخر الإنزال عن موجب المهر كما هوا لغالب، ولا شك في أن الجارية إذا لم تكن موطوءة للابن، وفرعنا على هذا القول تنقلب حلالًا للأب.
فرع: إذا كان ولده يملك بعض جارية، فاستولدها الأب، وقلنا بأنها لو كانت بجملتها للابن كانت أم ولد له – فالجمهور على أنه إذا كان الأب موسرًا سرى إلى نصيب الشريك والولد حرٌّن وإن كان معسرًا لم يثبت الاستيلاد في نصيب الشريك، [والولد] نصفه حرٌّ ونصفه رقيق في أصح القولين.
وحكى أبو سعد الهروي وجهًا: أن الاستيلاد لا يثبت في نصيب الشريك [بحالٍ].
ولو كانت الموطوءة مكاتبة الابن: فمنهم من جزم بعدم نفوذ استيلاد الأب فيها؛ لأنها لا تقبل النقل؛ كأم الولد، ومنهم من أجرى الخلاف السابق فيها؛ لأنها تقبل الفسخ، بخلاف الاستيلاد، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول هو الذي أورده أبو سعد الهروي.
أمَّا إذا كان الأب رقيقًا ففي ولده وجهان:
أحدهما: أنه رقيق لرق أبويه.
والثاني- وبه أفتى القفال -: أنه حرٌّ كولد المغرور، وعلى هذا فتثبت قيمته في ذمّة الأب يتبع بها إذا عتق، وأمَّا الجارية فلا تصير أمّ ولد له، والمهر واجب عليه لأجل عدم وجوب الحد، ويتعلق برقبته.
قال: وإن أولد جارية أجنبيٍّ بنكاحٍ أو زنى فالولد مملوك لصاحب الجارية؛ لأن الولد يتبع الأم وهي مملوكة.
قال: ولا تصير الجارية أمّ ولد [له] أي: وإن ملكها؛ لأنها تثبت لها تبعًا
[ ١٢ / ٤٣٩ ]
لحرية الولد، والولد في هذه الحالة رقيق، ويدلّ على ذلك قوله ﷺ حين موته: "مَا خَلَّقْتُ دِينَارًا، وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًان وَلا أَمَةً"، فقالت له عائشة –﵂-: فمارية؟ قال: "تِلْكَ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا" وعني به ﷺ إبراهيمَ الذي أتَتْ به منه.
وهكذا الحكم فيما لو ملكها في حال الحمل كما صرح به القاضي الحسين.
قال البندنيجي وغيره: ولا يتصور عندنا أن تعلق الأمة بولد مملوك، ثم تصير أمّ ولد إلا في مسألة واحدة على أحد القولين، وهي إذا وطئ المكاتب أمته فأحبلها.
فرع: إذا أتت أمته التي اشتراها بولد لأقل من ستة أشهر من حين الشراء فالحكم أنَّه حرٌّن ولا تصير [الجارية] أمّ ولد كما ذكرنا، وإن كان لأكثر من ستة أشهر وهو يطؤها صارت أم ولدٍ، قال القاضي الحسين: قولًا واحدًا، ولو لم يطأها وادّعى الاستبراء فلا تصير أم ولد، والولد لاحقٌ به على أربع سنين، وإن لم يدع الاستبراء فهل تصير أمّ ولد [له]؟ فيه وجهان.
[قال:] [وإن كان] بشبهة أي: شبهة أنها زوجته الحرة، أو أمته، أو أم ولده –فالولد حرٌّ؛ نظرًا إلى ظن أبيه.
وحكى البندنيجي عن أبي إسحاق: أن أحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة بعد أن أحبلها شريكه، وحكمنا بسريان الاستيلاد على جميعها، وكان الثاني جاهلًا بالتحريم – أن الولد ينعقد رقيقًا، إذا كان الواطئ معسرًا، ثم قال: وفيه نظرٌ.
قلت: وقياس قول أبي إسحاق أن يطرده في كل وطء بشبهة، [ويحكم
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
برقه الولد إذا كان أبوه] معسرًا، إلا أن يكون القائل لهذا يلاحظ كون الموطوءة لا تقبل النقل؛ [فيختص جريانه بمملوكة لا تقبل النقل] كالموقوفة، لكن لو كان هذا المأخذ لَمَا فرَّق بين الموسر والمعسر.
قال: والجارية ليست بأم ولد [له] في الحال؛ لأنها ليست مملوكة [له]، فإن نملكها ففيه قولان:
أحدهما: أنها تصير أمّ ولد له؛ لأن العلوق بالولد الحر في الملك سبب [في] الحرية بعد الموت؛ كما أنَّ القرابة عند وجود الملك سبب للعتق في الحال، ثم لَمَّا كان الملك إذا طرأ على القرابة حصل العتق في الحال كذلك الملك إذا طرأ [على الأمة] بعد انعقاد الولد حرًّا ثبت العتق بعد الموت، وهذا ما اختاره في "المرشد" والإمام في كتاب "السير"، وبه جزم البغوي ثم، وهو المحكي عن نصه في "حرملة" و"المختصر".
والثاني: لا تصير؛ لأنها علقت منه في غير ملكه، فأشبه ما لو علقت منه في نكاح.
قال الإمام: "ولأن هذا العلوق لو كان يثبت أمية الولد لما بعد أن [يقبضها على الفور] إذا كان الواطئ موسرًا، [وكنا ننقل] الملك إليه كصنعنا في تسرية العتاقة على القول الأصح، فإذا لم نفعل ذلك فلا اثر للعلوق في الثاني؛ كما لا أثر [له] في الحال.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره [في كتاب "السير"] عن نصه في "الأم"، وهذا الخلاف جارٍ فيما لو غر بنكاح أمة؛ فإن ولده منها ينعقد حرًّا، وهل تصير أمَّ ولد إذا ملكها؟
[ ١٢ / ٤٤١ ]
ورجح الإمام القول بعدم النفوذ هنا، أمَّا إذا ظنَّ الواطئ أنها زوجته الأمة فالولد ينعقد رقيقًا لظنه.
وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه عند الكلام في وطء جارية من المغنمه، ثم قال: ورأيت لغير شيخي ما يدل على أنَّه حر، كما لو وطئ المغرور زوجته التي حسبها حرة، [ووطئها جاريةً]، وقدَّر نفسه جاريته زانيًا –فإن الولد [ينعقد حرًّا]، وإن كان الواطئ [غيرَ بانٍ] أمره على وطء حرة، وهو عندي غلطٌ.
قال: وإن وطئ جارية، فوضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد أربع من القوابل أنه لو ترك لكان آدميًّا-ففيه قولان، ستقف على شرحهما في باب "العدد".
و"القوابل" جمع "قابلة": وهي التي تتلقى الولد عند الولادة، يقال: قَبِلَتِ القَابِلَةُ المرأَةَ – بكسرِ البَاءِ – تَقْبَلُهَا [-بفتحها-] قِبَالَةً، بكسر القاف.
قال الجَوْهَرِيُّ: "ويقال للقابلة أيضًا: قَبِيل، وقَبُول".
قال: ولا يجوز بيع أم الولد لما ذكرناه في أول [كتاب] "البيع".
قال أبو إسحاق: وليس للشافعيّ – ﵁ – فيها إلا هذا القول.
وقال المزني: إنه قطع في خمسة عشر كتابًا بعتق [أم الولد]، ووقف في غيرها. وهذا إنما هو قول حكاه الشافعي عن الغير، وليس بتوقفٍ منه فيه.
قال: ولا هبتها، ولا الوصية بها؛ لأن ذلك ينقل الملك فيها إلى الغير؛ فلم يجز كالبيع، وكما لا تجوز هذه التصرفات فيها لا تجوز في ولدها الحادث بعد ثبوت الاستيلاد من نكاح أو زنى قولًا واحدًا، ويعتق [ولدها] بموت السيد [كما تعتق هي، ولا يبطل سبب العتق في حقه بموت الأم قبل السيد].
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
ولو وطئ أمة الغير بشبهة، ثم حدث لها أولاد من غيره من نكاح أو زنى، ثم ملكها مع أولادها –لا يثبت حكم الاستيلاد [لهذه الأولاد].
ولو اشتراه وهي حامل بولد رقيق، قال الإمام: فهذا موضع النظر، يجوز أن يقال: يتعدى الاستيلاد إليه؛ كما في تعدي حرية التدبير إلى الولد، وإن في كلام الصَّيْدَلاَنِيّ رمزًا إليه.
قال: يجوز استخدامها وإجارتها، ويجوز وطؤها؛ لخبر ابن عمر –﵄ – وكذا يجوز أن يكاتبها؛ لأنه يملك كسبها، فإذا أعتقها على بعضه جاز، وهذا أخذ من نصّ الشافعيّ على أنه إذا استولد المكاتبة صارت أمّ ولد والكتابة بحالها.
وقال ابن القاص: لا تجوز كتابتها؛ لأنها عقد على رقبتها فأشبه البيع والهبة والرهن، وقال: قول الشافعي إنما دل على الاستدامة، فأمّا في الابتداء فلا؛ كما لا تنافي العدة والردة استدامة النكاح وتنافي ابتداءه.
فرع: إذا جوَّزنا كتابة أم الولد، فأدّت المال عتقت بحكم الكتابة، وتبعها أولادها الحادثون بعد الكتابة في العتق إن قلنا: المكاتبة يتبعها ولدها، وإن قلنا: لا يتبعها، تأخر عتقهم إلى موت السيد.
ولو مات السيد قبل الأداء [أو العجز] عتقت بحكم الاستيلاد، وكذا أولادها، وحكى القاضي الحسين عن القفال: أنها تعتق بحكم الكتابة، وكذا أولادها إن قلنا: إن الولد يتبع أمه في العتق بالكتابة وإلا عتقوا بحكم الاستيلاد، كذا حكاه في كتاب الكتابة.
قال: وفي تزويجها ثلاثة أقوال:
أصحها: أنه يجوز؛ لأنه يملك رقبتها ومنافعها حتى الاستمتاع، فملك تزويجها برضاها وبدونه كالمدبرة. وهذا هو الجديد.
والثاني: لا يجوز؛ [أي]: وإن رضيت؛ لأنها ناقصة في نفسها، وولاية
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
الولي عليها ناقصة؛ فأشبهت الصغيرة إذا زوجها الأخ برضاها. وهذا منصوص في القديم، واختاره القفال. فعلى هذا: هل يملك الحاكم تزويجها [بإذنها وإّن] السيد كما قاله الإمام؟ فيه وجهان: اختيار أبي إسحاق والإصطخري: المنع، كما حكاه في "البحر"، وحكاه البندنيجي وابن الصباغ والمصنف عن [ابن] أبي هريرة، ونسبوا الجواز إلى الإصطخري.
والثالث: يجوز له برضاها؛ لأنه ثبت لها حق الحرية بسبب لا يملك [السيد] إبطاله، فلا يملك تزويجها بدون إذنها؛ لما فيه من الإضرار بها بعد العتق، وملكه بإذنها كالمكاتبة.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو القديم.
وحكم تزويج [بنت أمّ] الولد التابعة لها في الاستيلاد حكم الأم، وولدها لا يجبره السيد على النكاح، وهل يجوز تزويجه بإذن السيد؟ فيه وجهان في "البحر".
قال: وتعتق أم الولد بموت السيد من رأس المال:
أمَّا عتقها؛ فلما ذكرناه من خبر ابن عباس وابن عمر، ولأنَّا قد حكمنا بانعقاد الولد حرًّا، وهو من المستولِد ومنها، فقد انعقد [جزء منها] على الحرية فاستتبع الباقي؛ كالعتق، لكن العتق فيه قوة فأثر في الحال، وهذا فيه ضعف فأثر بعد الموت.
وأمَّا كونه من رأس المال؛ فلأنه إتلاف حصل بالاستمتاع فأشبه الإتلاف
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
بالأكل والشرب واللباس، وبالقياس على مهر مثل من تزوجها في مرض موته، وقد حكينا في كتاب "البيع" أن من أصحابنا من حكى عن القديم: أنها لا تعتق بموت السيد، ويكون الاستيلاد كالاستخدام، وهو – كما قال القاضي الحسين – مستنبطٌ من نصين للشافعي –﵁-:
أحدهما: في كتاب الرهن حيث قال: "أمْ الولد تعتق بموته في قول من [قال] بعتقها فمفهوم هذا أن له قولًا آخر: أنها لا تعتق بموته.
والثاني: قال في كتاب الظهار: "ولا تجزئ أمُّ الولد عن الكفارة في قول من لا يبيعها"؛ فدل على [أنّ له] قولًا آخر: أنها تباع، والأصح الأول، وإنما حكى الشافعي –﵁- ذلك عن مذهب الغير؛ فإن الإمام علي بن أبي طالب – ﵁ – خطب على المنبر بـ"الكوفة" فقال:"أجْمَعَ [رأيي] ورأيُ أمير المؤمنين عمر ألا تباع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى بيعهن"، فقال له عبيدة السَّلْمَانيّ: "رأيك مع أمير المؤمنين أحبُّ إلينا من رأيك وحدك"، وفي رواية: " [رأيك] مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك في الفرقة" فأطرق رأسه ثم قال: "اقضوا فيه ما أنتم تقضون؛ فإني أكره أن أخالف أصحابي". ومن هذا قال بعض أصحابنا: إنه رجع عنه، وبعضهم قال: إنه لم يرجع [عنه].
قال: وإن جنت أمُّ الولد أي خطأ أو عمدًا، وعفي عنها على مال فداها السيد بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش الجناية؛ لأنه منع بيعها بالإحبال، ولم يبلغ إلى حالة يتعلق الأرش بذمتها؛ فلزمه ضمان جنايتها، كما لو جنى الرقيق وامتنع مولاه من بيعهن وهذا ما جزم به العراقيون، ولم يجروا فيه القول المذكور فيما إذا جنى العبد وأراد السيد أن يفديه من أنه يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، بل نفوه؛ لأن ثَمَّ البيع ممكن فربما يرغب [زبون في شرائه]
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
بزيادة توفي أرش الجناية، وهاهنا البيع غير ممكن؛ فانتفى الاحتمال الذي لأجله أثبتنا الفداء بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، وقد أجرى المراوزةُ هذا القول هاهنا أيضًا.
فرع: لو ماتت أمّ الولد عقيب الجناية من غير فصل، فهل يجب على السيد الأرش أم يسق؟ فيه وجهان، أصحهما – وهو اختيار ابن الحداد-: أنّه لا يسقط، بخلاف العبد القن. ذكره الرافعي عند الكلام في جناية العبد الموقوف.
[قال]: فإن فداها بقيمتها ثم جنت جناية أخرى ففيه قولان:
أحدهما: يفديها في الثانية أيضًا بأقل الأمرين؛ لأنه مانع من بيعها عند الجناية الثانية، كما كان مانعًا من بيعها عند [الجناية] الأولى. وهذا ما اختاره المزني وأبو إسحاق وقال: إنه أشبه بالحق. ورجحه [صاحب "التهذيب"]، وبه قطع بعضهم.
والثاني أنه: لا يلزمه شيء آخر: لأن استيلاده إتلاف، ولم يوجد [منه] سوى مرة واحدة؛ فلم يلزمه سوى فدية واحدة، كما لو جنى العبد جنايات عدة، ثم قبله سيده، وهذا هو الصحيح، والمختار في "المرشد" وغيره، وبه جزم بعضهم.
قال: يشارك المجني عليه ثانيًا المجني عليه أولًا فيما أخذ، ويشتركان [فيه] على قدر الجنايتين أي: على هذا القول؛ لتعين ذلك طريقًا لدفع الضرر، ولأن تسليم قيمتها كتسليم رقبة العبد، [ولو سلم رقبة العبد] فلم يبع [حتى] جنى جنايات – اشترك الجميع في ثمنه؛ فكذلك هاهنا، ولو جنت الجناية الثانية قبل أن يفديها سيدها عن الجناية الأولى، [وإن كان أرش الجناية الأولى] قدر قيمتها [أو أكثر]، فإن قلنا: إن المجني عليه ثانيًا لا يشارك، قال القاضي الحسين: فهاهنا وجهان:
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
أحدهما: أن الحكم كذلك كما هو مفهوم كلام الشيخ، [وبه جزم الإمام حيث جعل جميع الجنايات قبل الفداء كالجناية الواحدة].
والثاني: لا.
والفرق –كما قال -: إنه بالأخذ [قد] استقر ملكه على الأرش، ولو قلنا: يشاركه، أدّى إلى أن ينقض حكمنا السابق، بخلاف ما إذا لم يكن قد قبض.
وعن "شرح مختصر الجويني" للموفق بن طاهر حكاية طريقين في موضع الخلاف عند تخلل الفداء، فعن بعضهم: أنَّه إذا دفع الفداء بنفسه إلى المجني عليه [أولًا]، أمَّا إذا دفعه بقضاء القاضي، فنقطع بأنه لا يلزمه شيء آخر.
وعن ابن أبي هريرة أنه [قال]: لا فرق بين الحالتين.
قال: وإن أسلمت أم ولد النصراني حيل بينه وبينها أي: بأن توضع على يد امرأة عَدْلٍ أو محرم لها؛ لان البيع فيها متعذرٌ، إلزامه [إعتاقها] تخسير؛ فتعين ذلك طريقًا لدفع إذلال الكافر لها.
قال: وأنفق عليها إلى أن يموت؛ لأنها باقية على ملكه، ونفقة الرقيق على مالكه.
قال: فتعتق كأم ولد المسلم.
وفي طريقة المراوزة وجه: أنه يجبر على إعتاقها، وإيراده في "الوسيط" في أول كتاب البيع يفهم أنه تعتق بنفسها، وعلى المذهب أكسابها [قبل موت السيد] ملكه، وتكلف الاكتساب؛ كي لا يفوت حقه فيها.
ولو أرادت التزويج، [وجوّزنا تزويجها] برضاها زَوَّجَها الحاكم، وكان للسيد مهرها، وكذلك إذا قلنا: [له تزويجها] كرهًا، يزوجها [الحاكم] بإذنه.
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
وقال بعض الخراسانيين: لا يجوز للحاكم أن يزوجها، وهو الأظهر عند الروياني واختاره القفال.
وروى وجهًا آخر: أنه يزوجها الكافر؛ لأنه تصرف بالملك. فلا يمنعه اختلاف الدين، ونسبه الرافعي في كتاب "النكاح" إلى ابن الحداد.
فروع:
إذا أحبل جارية الغير بنكاح، ثم أوصى له بالولد فهل يجوز أن يشتري الأم [أم لا]؟
الأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يجوز؛ كما لو باعها من غيره.
إذا كانت له جارية، فقال: هذه [أم] ولدي، ومات قبل البيان – فهل تصير أم ولد [له]؟ فيه وجهان، قال القاضي الحسين: ينبنيان على ما لو قال رجل: هذه الجيرة ابنة أَمَتَي، وأقام بينة على ذلك، ولم يقل: إنها [ولدتها في ملكه، فهل يحكم له بالملك؟ فيه قولان: الجديد: لا، وعلى القديم: نعم، فعلى الأول: لا يحكم بأنها] أم ولده، وعلى الثاني: يحكم، قال: وهو الأصح هنا.
إذا شهد شاهدان على شخص بأنه استولد جاريته في ملكه، ثم رجعا – قال الشيخ أبو علي: لا يغرمان شيئًا؛ فإنهما لم يفوتا الماليَّة، ولم يحققا العتق في الحال، وإنما امتنع البيع بشهادتهما.
قال الإمام: وليت شعري ماذا يقول إذا مات المولى، وفات الملك؛ فإن [الملك فات] بسبب الشهادة، والذي نراه: أن الغرم يجب في هذه الحالة للذين كانت الرقبة تصرف إليهم لولا [وجود الحكم بالاستيلاد]، والله أعلم.
[ ١٢ / ٤٤٨ ]