هذا الباب ترجمه صاحب "التلخيص" وغيره بكتاب "الجهاد"، وبعضهم بكتاب "السير"؛ لأن الأحكام المودَعة فيه متلقاة من سِيَرِ رسول الله ﷺ أو أكثرها.
والسيرة: الطريقة، وهي مِنْ: سار يسير، و"الفِعْلة": للهيئة، كالجِلسة والقِعدة.
وقد ذكر الشافعي - ﵁- وأصحابه -﵏ -[في صدر هذا الكتاب] مقدمة [لا غَنَاء عن] ذكرها، وهي أن رسول الله ﷺ لما بُعث أُمِرَ بالتبليغ والإنذار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر رمضان، وكان ابن أربعين سنة في قول الأكثرين، وفي قول الآخرين: ابن ثلاث وأربعين [سنة]، فبلغ ذلك زوجته خديجة، فآمنت به. ثم اختلف العلماء في أول من آمن به بعدها، فقيل: عليٌّ - كرم الله وجهه - وكان - إذ ذاك - ابنَ تسعٍ، وقيل: [بل] ابن عشرٍ، وقيل: أبو بكر - ﵁، وقيل: زيد بن حارثة.
ثم نزل جبريل -﵇-[يوم الثلاثاء] بأعلى مكة، فهم بِعَقِبِهِ [في ناحية] الوادي؛ فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل - ﵇- ليُريَه كيف الطهور، فتوضأ رسول الله ﷺ [منها، ثم قام جبريل يصلي، وصلى رسول الله ﷺ] بصلاته؛ فكانت هذه أول عبادة فُرضت عليه كما قاله الماوردي.
ثم جاء إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت، وصلى بها كما صلى به جبريل
[ ١٦ / ٣٤٢ ]
- ﵉- فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله ﷺ.
ثم أمر رسول الله ﷺ بتبليغ قومه بعد ثلاث سنين من مبعثه، واتبعه قوم بعد قوم، وكان القتال ممنوعًا عنه بـ"مكة" كما نقله ابن الصباغ، وأُمِرَ بالصبر على أذى الكفار واحتماله منهم، وكذل من آمن معه.
ثم أمر رسول الله ﷺ بالمهاجرة إلى المدينة، فهاجر إليها بعد أن أقام بـ "مكة" رسولًا ثلاث عشرة سنة في الرواية الظاهرة، وفي الأخرى عشر سنين، وذلك في [يوم] الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وأُمِر بقتال من قاتله بقوله – تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، [ثم لما] قوى الإسلام أُمِر بابتداء القتال، لكن في غير الأشهر الحُرُم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [الآية] [البقرة:١٩١]، ثم أمر به من غير تقييد بشرط وزمان ومكان؛ بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
واختلف أصحابنا في أن الجهاد في عصره ﷺ هل كان فرض عين أو فرض كفاية؟
والذي عليه عامة أصحابنا: المذهب الثاني.
وقال أبو علي الطبري كما حكاه أبو الطيب، وابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي – بالأول.
ثم غزا رسول الله ﷺ سبعًا وعشرين غزوة، قاتل منها [في] تسع غزوات كما حكاه الماوردي، [وفي "مسلم": أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ. كذا ذكره في أثناء حديث ابن عمرن في باب: كم حج
[ ١٦ / ٣٤٣ ]
النبي ﷺ].
وسرَّى ﷺ سبعًا وأربعين سرية كما نقله الماوردي، وفي "المهذب" وغيره: أنها خمس وثلاثون سرية، ولم يتفق في كل منها قتال؛ فلنذكر من غزواته ﷺ أشهرها:
ففي السنة الأولى من هجرته ﷺ لم يغزُ.
وفي السنة الثانية غزا غزوة بدر الكبرى المشهورة، وكانت في يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، وبها سُمِّي هذا العام: عام بدر، وفي هذا العام فرض الصيام وكان في شعبان، وكانوا يصومون عاشوراء، كذا نقله الماوردي. وفي "تعليق" [أبي الطيب و] "الشامل" وغيرهما: أن الصيام فُرِضَ بعد سنتين من الهجرة، وفيه – أيضًا –أقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر ركعتان؛ فجعلت أربعًا. وحولت القبلة إلى الكعبة في يوم الثلاثاء، النَصفَ من شعبان، بعد أن صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، بالمدينة، ثمانية عشر شهرًا؛ كما حكاه الواقدي. وقال قتادة وابن زيد: [حُوِّلت] بعد ستة عشر شهرًا [في رجب. وحكى القاضي الحسين في كتاب "الهدنة": أنه ﷺ صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا.] وفيه – أيضًا – فرضت زكاة الفطر، وخطب رسول الله ﷺ بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين، وفيه خرج رسول الله ﷺ وصلى بالناس
[ ١٦ / ٣٤٤ ]
صلاة العيد، وهو أول عيد صُلِّي، ثم صلى صلاة عيد الأضحى فيه – أيضًا- وضحى فيه بشاة، وقيل: بشاتين، وضحى معه ذوو اليسار بعد صلاة العيد، وهو أول عيد ضُحِّي فيه.
وفي السنة الثالثة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة أُحُد.
وفي السنة الرابعة غزا رسول الله ﷺ غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول، كذا نقله الماوردي، وفي "النهاية": أن غزوة بني النضير كانت في السنة السادسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في هذا العام.
وفي السنة الخامسة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة ذات الرقاع، كما نقله الماوردي، وكان خروجه في ليلة السبت العاشر من المحرم، وصلى بها صلاة الخوف، وهي أول صلاة صلاها في الخوف. وفيها غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب، وكانت – كما نقله الماوردي – في الثامن من ذي القعدة، وفيها ترك رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء لاشتغاله بالقتال، فلما انكف العدو أمر ﷺ بلالًا فأذن وأقام للظهر، وأقام لكل صلاة بعدها ولم يؤذن. والذي رواه البخاري – ﵁-: أن صلاة الخندق كانت في شوال سنة أربع من الهجرة، وبهذا اندفع سؤال المزني، ﵀. وفيها غزوة بني قريظة، اتفقت في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي القعدة. وفي هذه السنة ضاع عقد عائشة – ﵂ – ونزلت آية التيم.
وفي السنة السادسة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة الحديبية في يوم الاثنين هلالَ ذي القعدة، وفيها أحرم ﷺ بالعمرة، وصُدَّ عن البيت، وفيها أسلم من الناس أكثر من جميع من أسلم من قبل، ووقعت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وفيها فرض الحج، ومن أصحابنا من قال: إنه فرض في سنة خمس، وفي "النهاية" في كتاب الحج حكاية خلاف عن أصحابنا في أن الحج هل وجب قبل الهجرة أو بعدها؟ وهذا بعيد. ثم اختلف أصحابنا في أن الزكاة [فرضت] قبل الصوم، أو بعده وقبل الحج.
[ ١٦ / ٣٤٥ ]
وفي السنة السابعة غزا رسول الله ﷺ غزوة خيبر وفتحها، وفيها خرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء في هلال ذي القعدة، وخرج معه من شهد الحديبية وغيرهم، إلا من قُتِل منهم [أو مات] وأحرم من [قِبَل المسير] الذي صدر منه.
وفي السنة الثامنة فتح رسول الله ﷺ مكة، واختلف العلماء في أنه [هل] فتحها عنوة أو صلحًا؟
فذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى الأول، وهو الذي أورده في "الوجيز".
وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: إنها فتحت صلحًا بأمان عقد بشرط، فلما وجد – وهو الكف – لزم الأمان، وانعقد الصلح. وهذا قول مجاهد.
قال الماوردي: والذي أراه: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة؛ لأنه قوتل فقاتل، وأعلى مكة دخله الزبير صلحًا؛ لأنهم كفوا والتزموا شرط أبي سفيان؛ فكف عنهم الزبير، ولم يقتل أحدًا، ولما دخل رسول الله ﷺ مكة في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، واستقر بها – التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، وكذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة، فدخل عليٌّ – كر الله وجهه – ليقتلهما، فمنعَتْه، وأتت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال ﷺ: " [قَدْ] أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ أُمَّ هَانِئ"، ولو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.
[ ١٦ / ٣٤٦ ]
وقال الإمام: إن عني القائل بأنها فتحت عنوة: أنه مُنع فقاتل، فليس الأمر كذلك، وإن أراد أنه: دخلها معتديًا على هيئة الاستمكان من القهر، فهذا حق لا ينكر، لكنه أمر بقتل رجال مخصوصين [كان قد عزم على قتلهم].
وفي هذه السنة غزا رسول الله ﷺ بعد الفتح غزوة حنين إلى هوازن في السادس من شوال، وفيها اعتمر رسول الله ﷺ من الجِعرانة في ليلة الأربعاء الثامن عشر من ذي القعدة، وفيها – كما قال الماوردي – استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر﵁ –على الحج، وأمره أن يؤم الناس كلهم.
وفي السنة التاسعة من الهجرة، غزا رسول الله ﷺ غزة تبوك في الروم في رجب، وكان – ﵇ – إذا هم بغزوة ورّى بغيرها، إلا في تبوك؛ فإنه أباح بها؛ حتى يأخذ الناس أهبتهم؛ لبعد المسافة، واتفقت تلك الخرجة في شدة الحر، وفيها تخلف من نزلت فيهم الآية المشهورة، وفيها استعمل رسول الله ﷺ [أبا بكر] على الحج بالناس من المدينة، وفيها بعث العمال لجبي الصدقات من العرب.
وفي السنة العاشرة حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وعاش رسول الله صلى الله ليه وسلم بعد أن قضى حجه اثنين وثمانين يومًا، وتوفي ﷺ في سنة إحدى عشرة من الهجرة في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان ابتداء مرضه الذي مات فيه ﷺ الثامن والعشرين من صفر، حشرنا الله في أمته!
قال [الشيخ – ﵀ -:] من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب، أي: لكونه لا قوة له، ولا عشيرة تمنعه، وقدر على الهجرة، أي: إلى بلاد الإسلام- وجب عليه أن يهاجر؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧]، مع قوله ﷺ: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" كما خرجه أبو داود والنسائي عن معاوية.
[ ١٦ / ٣٤٧ ]
وروى أبو داود عن جرير، أن النبي ﷺ قال: "أَنَّا بَرِيءٌ مِنْ كُلٍّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ؟ قَالَ: لاَ تَراءَى نَارُهُمَا"، أي: لا يتفق رأيهما. فعبَّر عن الرأي بالنار؛ لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار، ومثله قوله ﷺ: "لا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ"، أي: لا تقتدوا بآرائهم.
وما روي عنه ﷺ [أنه] قال يوم فتح مكة: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، فهو محمول على الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت بعد الفتح دار إسلام أبدًا؛ فلا معنى للهجرة من دار إلى دار، مع أنه يحتمل أنه لا هجرة كاملة الفضل كالهجرة قبل الفتح؛ فإنهما لا يستويان، كما لا يستوي الإنفاق قبل الفتح وبعده.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون المسلم أسيرًا في أيدي الكفار في قيد أو حبس، أو قد أطلقوه بشرط المقام عندهم، أو بعد تحليفه على عدم مفارقتهم، أو لا يكون شيء من ذلك، ولا يحنث عند الحلف إن كان مكرهًا على اليمين، وفي معناه ما إذا حلَّفوه وهو في الحبس أو القيد، كما صرح به القاضي الحسين والماوردي، وحكى فيما إذا ابتدأهم باليمين على عدم الهرب وهو في القيد أو الحبس - وجهين في الحنث؛ وهما - أيضًا - في "التهذيب"، وجزم بأنه إذا قيل له: لا نطلقك حتى تحلف ألا تخرج إلى دار الإسلام، فحلف. وأطلقوه فخرج - بعدم الحنث، ولم يُقيِّدُه بحالة حبس وغيرها، لكنه قاسه على ما إذا أخذ
[ ١٦ / ٣٤٨ ]
اللصوص رجلًا، وقالوا: لا نتركك حتى تحلف ألا تخبر بمكاننا أحدًان فحلف وتركوه، فأخبر بهم؛ فإنه لا كفارة عليه، وإن كان قد حلف بالطلاق فلا يقع.
قال: ومن قدر على إظهار الدين، أي: لقوته وكثرة عشرته –استحب له أن يهاجر.
أما عدم وجوبها؛ فلقدرته على إظهار دينه والقيام بواجبه؛ ولهذا بَعَث رسول الله ﷺ يوم الحديبية عثمان [بن عفان] – ﵁ – إلى مكة؛ لأن عشيرته كانت أقوى بـ"مكة"، فأُكرِم، ولأنه – تعالى – لما أوجبها على المستضعفين دل على أنها لا تجب على غيرهم.
وفي "النهاية" وجه: أنه يحرم عليه الإقامة؛ لإطلاق الخبر؛ لأن المسلم بين أَظْهُر الكفار مقهورٌ مهان، فإن انكفوا عنه لعارض لم يؤمن عودُهم إليه، والمشهور الأول.
وأما كونها مستحبة؛ فلقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، ولأنه لا يأمن أن يميل إليهم، وفي بقائه [عندهم] تكثير لسواد المشركين وزيادة في عددهم.
ومن لم يقدر على إظهار الدين ولا على الهجرة، فهذا يسقط عنه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٨].
والكلام في الحالة الثانية مخصوص عند الماوردي بما إذا كان يرجو نصرة المسلمين بنصرته، ولم يتمكن من الدعاء إلى الإسلام في دار الحرب ولا القتال عليه ولا الانعزال عنهم.
وقال – فيما إذا قدر على الانعزال والدعاء والقتال -: إنه يجب عليه أن يقيم، وكذا إذا قدر على الانعزال ولم يقدر على الدعاء والقتال: يجب عليه المقام؛ لأن داره قد صارت بانعزاله دار إسلام، فإذا هاجر عنها صارت دار حرب، ولو لم يقدر على الانعزال أيضًا، فإن كان يرجو ظهور الإسلام بمقامه فالأولى به أن يقيم ولا يهاجر، وإن استوت أحواله في المقام والهجرة فهو بالخيار بينهما، وهذا كله في زماننا.
[ ١٦ / ٣٤٩ ]
وأما الهجرة في زمنه ﷺ فقد كانت في زمن مقامه بـ"مكة" لمن خشي على نفسه من المقام معه [بـ"مكة" جائزةً]، ولمن أمن على نفسه ودينه معصيةً، [إلا لحاجة]؛ لما في مقامه من ظهور الإيمان وكثرة العدد، وفي مدة مقامه بالمدينة قبل الفتح واجبةً على من خاف على نفسه [أو دينه، وهو قادر على الخروج بأهله وماله؛ للآية، ومستحبة لمن أمن على نفسه] كالعباس بن عبد المطلب.
وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: "أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب، ولم تكن فرضًا؛ لما روي أنه ﷺ أتاه أعرابي يسأله عن الهجرة، فقال ﷺ: "وَيْحَكَ إِنَّ شَانَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا" كما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما، ولأنه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة.
والهجرة: الانتقال من موضع إلى موضع، وسميت بذلك؛ لأنه يهجر فيها ما ألفه من وطن وأهل، وقيل: لأنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب. وهي على القولين مأخوذة من "الهجر"؛ وهو الترك.
قال: والجهاد فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، أي: يجاهدوا جميعًا في قولٍ، أو ما كان لهم إذا جاهد قوم أن يخرجوا
[ ١٦ / ٣٥٠ ]
معهم؛ حتى يتخلفوا لحفظ الذراري والأموال [في قولٍ، وقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].
فالآيات الأول دالة على خطاب جميع المؤمنين، [والآية الرابعة تبين] أن الجميع ليسوا مخاطبين، [وكذلك الخامسة]، ووجه الدليل منها: أن الله – تعالى – فاضل بينهم، ولايجوز أن يفاضل بين مأجور ومأزور، وإنما يحصل التفاضل بين مأجورَيْنِ؛ أحدهما أعظم أجرًا من الآخر، كما فاضل بينهم في الإنفاق.
وأيضًا فقد وعد كلًاّ من المجاهد والقاعد الحسنى، ولو كان القاعد عاصيًا لما وعده الحسنى، وهذا شأن فرض الكفاية، ولأنه لو فرض على الأعيان لتعطلت المعايش والمكاسب، وأدى ذلك إلى خراب البلاد؛ لأنه كان يجب ألا يتخلف صاحب صناعة، ولا من يحرث ويزرع، ولا من يحفظ البلاد من العدو، وفي هذا أعظم الفساد؛ والله لا يحب الفساد.
قال في "المرشد": والجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان.
وهذا إذا كان الكفار قارِّين في بلادهم غير متعلقين بأطراف بلاد الإسلام، أما إذا قصدوا بلادنا فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
قال: إذا قام به من فيه الكفاية سقط الفرض عن الباقين؛ لأن هذا شأن [فرض الكفاية] كما هو مقرر في الأصول، والكفاية في هذه الحالة تحصل – كما قاله الماوردي وأبو الطيب والرافعي وغيرهم – بشيئين:
أحدهما: شحن الإمام الثغور بجماعة يلقون من بإزائهم من العدو، ويكافئونهم؛ فيسقط بذلك فرض الجهاد عمن خلفهم، فإن ضعفوا واستشغروا وجب على كل من وراءهم من المسلمين أن يمدوهم من أنفسهم بمن يتقوَّوْن به على قتل عدوهم، ويصير جميع من تخلف عن إمدادهم داخلًا في فرض الكفاية حتى يمدهم بأهل الكفاية.
[ ١٦ / ٣٥١ ]
والثاني: أن يدخل دار الكفار غازيًا بنفسه، أو يبعث جيشًا يؤمر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة، كما سيأتي، وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام الشيخ.
ولو امتنع الكل من القيام لَحِق الحرجُ، لكن هل يعم الجميع أو يخص الذي يدنو إليه؟ حُكي عن رواية ابن كج فيه وجهان، المذكور منهما في "الحاوي" وكذا "تعليق" أبي الطيب: الأول؛ حيث قالا: ومتى لم يُخلِّ بالثغور من الرجال قدرًا يحصل بهم الكفاية لم يسقط الفرض عن الباقين، وكان الإمام وجميع الناس آثمين بذلك، وعلى الجملة: فالذي يلحقه الحرج من عَلِمَ وقدر على القيام به، ومن لم يعلم وكان قريبا ًمن الموضع بحيث يليق بحاله البحث والمراقبة – آثمٌ أيضًا من جهة ترك البحث.
قال الإمام: ويختلف هذا بكبر البلد وصغرها، وقد يبلغ التعطيل مبلغًا ينتهي خبره إلى البلاد؛ فيجب عليهم السعي في التدارك، فإن لم يفعلوا نالهم الحرج، وهكذا على التدريج الذي ذكرناه إلى أن يعم الخطة.
وإذا قام بالفرض جَمْعٌ لو قام به بعضهم لسقط الحرج عن الباقين، فكلهم مؤدون الفرض؛ لتساويهم في صلاحية القيام، وشمول الحرج للكل لو تعطل.
قال الإمام: وإذا صلى على الميت جمع، ثم صلى آخرون، فالوجه أن يجعلهم بمثابة المقاربين للأولين في الصلاة؛ فإن التنفل بصلاة الجنازة لا نرى له أصلا في الشرع.
قال: ومن حضر الصف [وهو] من أهل الفرض تعيّن عليه؛ لقوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ الآية، وقوله – تعالى-: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، أما إذا حضره من ليس من أهل الفرض، فكلام الشيخ يقتضي أنه لا يتعين عليه، وقد صرح به القاضي الحسين في كتاب قسم الفيء في أواخره، حيث قال: فأما الصبي والمجنون والعبد والمرأة والمريض والضعيف الذي لا يطيق القتال، لا يعطون من أربعة أخماس الفيء؛
[ ١٦ / ٣٥٢ ]
لأنهم ليسوا من أهل الجهاد بدليل أنهم لو حضروا الصف لم يتعين عليهم [القتال]. وقد صرح بذلك - أيضًا- الشيخ أبو حامد وغيره في المريض والأعمى والأعرج، وقال غيرهم خلافه، وسيأتي الكلام فيه، و[صرّح به] ابن يونس في العبد والكافر، وحكى القاضي الحسين هنا أن [النص في] العبد إذا حضر بإذن سيده تعين عليه كالحر، وإن كان بغير إذنه فلا يأثم بالانصراف، كما نص على أنه لا إثم على المرأة؛ لكونها ليست من أهل القتال.
[وجزم الإمام في "الغياثي" بأن العبد يتعين عليه المصابرة وإن حضر بغير إذن سيده، وكذلك الولد إذا خرج بغير إذن أحد أبويه إلى أن تضع الحرب أوزارها].
وقال [في "النهاية"] في أهل الذمة: الذي أراه أنهم يمنعون من الانصراف إذا حضروا بإذن الإمام؛ لما فيه من الضرر.
ثم ما المتعين بحضور الصف؟ الذي يظهر أنه الجهاد، وفي "تعليق" البندنيجي: أن المتعين جزمًا الثبات وعدم الانصراف، وأما القتال فإن كان في المسلمين قلة ولا يكفي بعضهم لقتال المشركين، فيتعين القتال أيضًا، وإن كان فيهم من يقوم بالقتال- يعني: وتقدم إليه - قال: فهو بالخيار إن شاء قاتل وإن شاء ترك. وسأظهر من كلام الإمام- من بعد - ما يقتضي إجراء خلاف في وجوبه في هذه الحالة أيضًا - إن شاء الله تعالى، وأن الصحيح وجوبه كما اقتضاه ظاهر كلام الشيخ، والله أعلم.
وكما يتعين الجهاد بحضور الصف يتعين أيضًا في حالتين، حكاهما الماوردي:
إحداهما: إذا حل العدو بلاد الإسلام -[والعياذ بالله]- ووطئها؛ فيتعين فرض قتاله على أهل البلاد التي وطئها وأذلها، وإن لم يكن بأهلها قدرة على دفعه تعين فرض القتال على كافة المسلمين؛ [حتى تنكشف البلاد من العدو
[ ١٦ / ٣٥٣ ]
إلى بلاده، وإن كان بهم قدرة على دفعه، لم يسقط بهم فرض الكفاية عن كافة المسلمين ما دام العدو باقيًا في ديارهم، وهل يتعين عليهم كما تعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان، فإن انهزم أهل ذلك الثغر عنهم، صار فرض جهادهم متعينًا على كافة الأمة، وجهًا واحدًا، حتى يردوه إلى بلاده إن لم يستصحب معه شيئًا للمسلمين، أو أسيرًا منهم، إلا فحتى يسترجع ذلك من أيديهم.
الحالة الثانية: إذا أطل العدو على بلاد المسلمين لقتالهم وخافوه؛ فيتعين فرض الجهاد على كل من أطاقه وقدر عليه من البلاد التي أطلها، وكذلك إذا لم يطل العدو لكنه قصد بلاد الإسلام، وبقي بينه وبينها [دون] مسافة القصر. ويدخل في هذا التعيين جميع من في الثغر من المجاهدين، سوى النساء إذا لم يكن فيهن قوة الدفع، وكذا الصبيان والمرضى، ويدخل فيه من عليه دين، ومن له أبوان لا يأذنان له؛ لأنه قتال دفاع وليس بقتال غزو، فيتعين فرضه على كل مطيق، وكذا يدخل فيه العبيد بدون إذن السادة، إن لم يكن في الأحرار مدفع.
قال الإمام: وبهذا يتبين أن العبد من أهل القتال، ولكن إذا لم يتعين فحق السيد مقدم. ولو أمكن مقاومة الأحرار لهم من غير موافقة العبيد، لكن بالموافقة تقوى القلوب – فوجهان حكاهما المراوزة، أحدهما: أن الجواب كذلك، وهو قضية [كلام] الماوردي، والنسوان اللاتي فيهن قوة [كالعبيد]، صرح به الإمام وغيره.
وفي "الرافعي" أن ابن أبي هريرة قال فيما إذا أطل العدو: لا يكون الجهاد فرض عين، بل هو فرض كفاية أيضًا، وهذا يأتي في الحالة الأخرى من طريق الأولى.
والمذهب: الأول، وعليه ينظر: إن كان عدد العدو أكثر من مثلي عدد من في الثغر – لم يسقط فرض الكفاية عن كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم
[ ١٦ / ٣٥٤ ]
بمن تقوم به الكفاية، وإن كان العدو مثلي أهل الثغر فما دون، قال الماوردي: فإن كان في صورة إطلال العدو كان في حق غير أهل الثغر فرض كفايةٍ باقيًا عليهم، وإن كان في الصورة الأخرى، فهل يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية عمن عداهم؟ حكى ابن أبي هريرة فيه وجهين:
أحدهما: [لا،] خوفًا من الظفر بهم؛ فيصير فرض القتال متعينًا عليهم وباقيًا على الكفاية في حق غيرهم، وفي "الوسيط" وغيره: أن أهل الثغر إذا كان فيهم كثرة في صور إطلال العدو، فخرج بعضهم وفيهم كفاية، فهل يتحتم على الآخرين المساعدة؟ فيه وجهان.
وأصحهما في "الرافعي": نعم؛ لعظم الواقعة وكون النصر غير منضبط.
وفي "الإبانة" وكذا في "العدة" كما حكاه العمراني: أن العدو إذا لم يدخل بلاد الإسلام، فقتاله فرض على الكفاية، وإن دخل كان على من يقربه فرض عين، وكذا على من بعد عنه إن كان يجد الزاد والراحلة، ويقوى أن يجاهدهم، وإن كان بعيدًا ولا يجد الزاد والراحلة، ولا يقوون على قصد العدو، فهل يلزم ذلك؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم، ويكون على أعيانهم؛ لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾؛ فإن القرب والبعد معتبر بمسافة القصر، وفي "الوسيط" إجراء الوجهين [فيما] إذا كان في أهل البلد كثرة، وخرج من تقوم به الكفاية في وجوبه على من هو خارج البلد فيما دون مسافة القصر.
ولو كان العدو قد سار في بلاده إلى نحو بلاد الإسلام، فإن كان غير متأهب للقتال، فقتاله فرض كفاية، كما لو أن مقيمًا في بلاده ولم يسر كما ذكرناه، ولكن ينبغي أن يتحرز من مكره، ولو انتهى إلى أن صار بينه وبين بلاد الإسلام يوم وليلة، فالفرض في جهاده كما لو كان مقيمًا في بلاده أيضًا، لكن يجب التأهب لقتاله.
قال الماوردي: وفرض هذا التأهب على أعيان [أهل] ذلك الثغر.
[ ١٦ / ٣٥٥ ]
فرعان: نزول العدو في موات دار الإسلام أو خرابها، هل ينزل منزلة دخوله بلاد الإسلام؟ فيه وجهان حكاهما الغزالي، والمذكور منهما في "النهاية" حكاية عن الأصحاب: الأول، والذي رآه لنفسه: مقابله.
وأسر المسلم أو المسلمين هل ينزل منزلة الدخول لدار الإسلام؟ فيه وجهان، أظهرهما عند الإمام: الأول؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين؛ فالاستيلاء على المسلم أعظم.
قال: ويستحب الإكثار من الغزو؛ لأنه طاعة، والإكثار من الطاعة مستحب، ولأن النبي ﷺ أكثر منه كما ذكرناه، وقد سأل ابن مسعود – ﵁ – رسول الله ﷺ: "أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "الصَّلاَةُ لِمِيقَاتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ".
وروى سهل بن سعد الساعدي: أنه – ﵇ – قال: "لَغَزْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ- تَعَالَى – خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، غير ذلك من الأخبار.
قال الماوردي: والذي [استقرت عليه سِيَر] الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل فصل غزوة، وأن النبي ﷺ كان بعد فرض الجهاد على هذا.
تنبيه: الغزو: مصدر: غَزَوْتُ العدو، وأصله: الطلب، يقال: ما مغزاك؟ أي: ما مطلوبك؟ والغازي يطلب إعلاء كلمة الله – تعالى – والثواب والغنيمة، والاسم: الغَزاة والغَزْوة، وهو غازٍ، وهم غُزَاة، وغُزَّى، وأغزيته: جهزته للغزو.
قال: وأقل ما يجب في كل سنة مرة:
أما وجه وجوبه في كل سنة فهو أن النبي ﷺ منذ أمر به لم يتركه في كل سنة، والاقتداء [رسول الله] ﷺ واجب، وأما كون أقل ذلك [في السنة
[ ١٦ / ٣٥٦ ]
مرة]، فوجهه قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ الآية [التوبة:١٢٦]، قال مجاهد: إنها نزلت في الجهاد، ولأن فرض الجهاد متكرر، وأقل الفرض المتكرر ما وجب في كل عام مرة كالصيام وزكاة المال والفطر، ولأن الجزية تؤخذ للكف عن القتال، وإنما تؤخذ مرة واحدة في السنة، وسهم الغزاة يؤخذ في كل سنة مرة؛ فلابد من غزوة واحدة، ثم الإمام فيها مخير: إن شاء خرج بنفسه، وإن شاء بعث قومًا وأمَّر عليهم أميرًا، على حسب ما تقتضيه المصلحة، قال ابن الصباغ: و[يلزم] الرعية طاعته فيما يراه من ذلك، وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ – وقال أيضًا: إنه يُغْزِي كل قوم إلى من يليهم من الكفار؛ لأنهم أعرف بقتالهم. وعلى ذلك جرى أصحابه وقالوا: للإمام تكليف أهل البر القتال في البر؛ لأنهم أعرف به، وتكليف أهل البحر القتال في البحر: لأنهم أخبر به.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره: أن الاعتبار بإرسال الجند مرة واحدة إلى أي جهة كانت من جهات العدو في إسقاط الفرض، ومن ذلك قول البندنيجي: وإذا غزا [جهة سنة غزا جهة] أخرى [في] السنة الثانية.
وكلام الإمام مصرح بأمر زائد على ذلك؛ فإنه قال: قال الفقهاء: يتعين على الإمام أن يقيم في كل سنة قتالًا مع الكفار، ويجب أن يغزي إلى كل صَوْبٍ منهم جندًا إذا أمكن ذلك، وزعموا أن فرض الكفاية يسقط بقتال واحد في كل صوب، والمختار – عندي في هذا – مسلك الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إدامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة في السنة، وإذا أمكنت الزيادة لا يعطل الفرض. وما ذكره الفقهاء حملوه على الغالب؛ لأن الأموال والعدد لا يتأتى تجهيزها للجند في السنة أكثر من مرة واحدة، وإذا اصطلى الرجال بنار القتال ونالوا من العدو، ونيل منهم – لم يعودوا ولا دوابهم إلى الاستعداد التام إلا في مدة السنة.
[ ١٦ / ٣٥٧ ]
قال: فإن دعت الحاجة إلى أكثر [من ذلك] وجب؛ لأنه فرض كفاية، فيقدر بقدر الكفاية.
قال: وإن دعت إلى تأخيره لضعف المسلمين، أخره؛ لأن النبي ﷺ أخر قتال قريش بالهدنة، وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة، ولأن ما يرجى من النفع بتأخيره أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه؛ فوجب تأخيره.
و[الضُّعْف و] الضَّعْف – بضم الضاد وفتحها – خلاف القوة، وتارة يحصل بقلة المسلمين، وعظم شوكة الكفار في هذا العام، وتارة لكون بلاد المسلمين مجدبة، ولا شيء لهم يتقوون به [على] عدوهم، وما أشبه ذلك، ولو أمكن قتال بعض الكفار [دون بعض] تعين على النعت المتقدم.
وهذا كله في الغزو، وأما حراسة حصون المسلمين، فمتعينة على الفور، ويجب إدامتها بلا فتور، وذلك بعمارة الثغور، وإعداد الكراع والأسلحة، وحفر الخنادق، وترتيب الرجال- كما قال ابن الصباغ – في أطراف البلاد، يلقون من بإزائهم من المشركين إذا أمكن، ويؤمِّر في كل ناحية أميرا يجيشهم في المقام، ويديرهم في أمر الحرب والجهاد، ويعتبر فيه أن يكون مسلمًا حرًّ ممن له رأي وعقل ونجده وبصيرة بالحرب، ومكايدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ناصح للمسلمين، وأن يكون من أهل الاجتهاد [في أحكام الجهاد].
وحكى الماوردي في اعتبار كونه [من أهل الاجتهاد] في الأحكام الدينية وجهين؛ بناء على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير، هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ ولو فوض إليه ولاية التنفيذ، وهي ما كانت موقوفة على رأي الإمام في تنفيذ أمره [فلا يعتبر] من الشرائط المذكورة الحرية، ولا أهلية الاجتهاد في أحكام الجهاد وغيرها.
قال: ولا يجب الجهاد إلا على ذكر بالغ عاقل مستطيع، أي: مسلم،
[ ١٦ / ٣٥٨ ]
وسكت الشيخ عنه لوضوحه.
ووجه وجوبه على من هذه صفته: الاتفاق، وهذه الصفات جمعت شروط الأهلية وانتفاء الموانع الحسية والشرعية.
قال الماوردي: ولا فرق فيه بين أن [يكون] يحسن القتال أو لا؛ لأنه إن كان يحسنه حارب، وإلا كثَّر وهَيَّب.
ووجه عدم وجوبه على من لم يتصف بها سيأتي.
قال: فأما المرأة والعبد والصبي، فلا يجب عليهم:
أما المرأة؛ فلقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وإطلاق لفظ "المؤمنين" يتوجه إلى الرجال دون النساء، ولا يدخلن فيه، كما هو مذهب الشافعي – ﵁ – إلا بدليل يدل على إرادة دخولهن؛ كما نقله الماوردي.
وقد روي عن عائشة – ﵂ – أنها [قالت]: سألت رسول الله ﷺ عن الجهاد فقال: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ"، وروى أبو هريرة أنه ﷺ قال: "جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ؛: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ".
والخنثى المشكل في ذلك كالمرأة.
وأما العبد؛ فلقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]،وهذا الخطاب لا يتوجه للمملوك؛ لأنه لا يملك؛ فصار داخلا في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٩١]، وقد روي أنه ﷺ تَبِعَهُ مَمْلُوكٌ لاِمْرَأَةٍ مِنْ مُزَينَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "اسْتَاذَنْتَ مَوْلاَتَكَ؟ " فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ – عَلَيهِ السَّلاَمُ -: "لَو مِتَّ أُصَلِّ عَلَيكَ، ارْجِعْ فَاسْتَاذِنْهَا، وَاَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلاَمَ"، فَرَجَعَ فَاسْتَاذَنَها، فَأَذِنَتْ لَهُ.
وَرَوَى جَابِرٌ أن عَبْدًا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، فَقَدِمَ صَاحِبُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَهُ اَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعَبْدَينِ، فَكَانَ بَعْدُ إِذَا
[ ١٦ / ٣٥٩ ]
أَتَاهُ إِنْسَانٌ لاَ يَعْرِفُهُ لِيُبَايِعَهُ، سَأَلَهُ: أَحُرٌّ هُوَ أَمْ مَمْلُوكٌ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّن بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ، بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلَى الْجِهَادِ.
ومن جهة المعنى: أنه لو حضر الغنيمة لم يسهم له، بل يرضخ، ولو كان من أهل فرض الجهاد لأُسْهِمَ له، والمدبر والمكاتب.
ومن فيه جزء من رق – وإن قل في ذلك – ككامل الرق.
ولو أذن السيد للعبد في الجهاد، قال الإمام: فالوجه ألا يلزمه طاعته؛ فإنه ليس من أهل هذا الشأن بنفسه، والملك لا يقتضي التعرض للهلاك، وليس القتال من الاستخدام الذي يجب للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف، وإذا لم نوجب الدفع عن المسلم المقصود على التفصيل الذي قدمناه للفقهاء، فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده إذا كان في الدفع تعريض نفسه للقتل. نعم، له استصحابه لخدمته في السفر [وليسوس] دوابه. وهذا ما أورده الغزالي، وقال الرافعي: إن قوله: وليس عليه الذب عن سيده، ينبغي أن يعلم بالواو؛ فإنه جواب على أن الدفع عن الغير لا يجب.
قلت: ولا ينبغي أن يعلم بالواو؛ لأن موضع الخلاف في وجوب الدفع عن الغير إذا لم يخف على نفسه، أما إذا خاف عليها فلا يجب، والمسألة مصورة هاهنا بالخوف.
وأما الصبي؛ فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١] قيل: وهم الصبيان؛ لضعف أبدانهم، وقوله – ﵇ -: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ " الخبر المشهور.
وقد روي أنه – ﵊ – رد زيد بن ثابت ورافع بن خديج والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر –﵃ – [يوم بدر، استصغرهم.
[ ١٦ / ٣٦٠ ]
وروى نافع عن ابن عمر] قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي وَلَمْ يُجِزْنِي فِي القِتَالِ، وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَومَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي. خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قال: فإن حضروا جاز، أي: بإذن الإمام؛ لما في حضورهم من النفع.
وقد روى أبو داود عن أنس قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عيه وسلم يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْم وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، يَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
وحضور العبد منوط بإذن مولاه، وإلا فلا يجوز.
قال: ولا يجب الجهاد على معتوه؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [قيل: وهم] المجانين؛ لضعف عقولهم، وللخبر المشهور.
وأفرد الشيخ هذه المسألة عما قبلها؛ لافتراقهم في جواز الحضور؛ فإن المعتوه لا نحضره الحرب؛ لأن حضوره مظنة الضرر على المسلمين؛ فإنه قد يعبث فيهم فيشغلهم عن القتال، بخلاف غيره كما تقدم.
قال: ولا على غير مستطيع، وهو الأعمى والأعرج والمريض الذي لا يقدر على القتال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: ١٧]؛لأن سورة الفتح نزلت في الجهاد باتفاق المفسرين، وقول الشيخ: الذي لا يقدر على القتال، يعود إلى الثلاثة، وفيه احتراز عن أعمى إحدى العينين؛ فإنه يجب عليه القتال، كما يجب على الأعشى والأعمش ومن في بصره سوء وهو يدرك به الشخص والسلاح، وعن الأعرج الذي يقدر على الركوب والمشي معًا؛ فإنه يجب عليه،
[ ١٦ / ٣٦١ ]
دون ما إذا قدر على أحدهما كما صرح به ابن الصباغ وغيره.
وفي "الرافعي" وجه اختاره في "المرشد": أن الأعرج إذا كان عنده ما يركبه وقدر على ركوبه خاصة وجب عليه، يعني في موضع يمكن القتال فيه راكبًا، وهو ما حكاه الإمام عن العراقيين، وألحق في "المرشد" به ما إذا كان يقدر على المشي خاصة.
والظاهر: الأول وبه جزم البغوي والمراوزة، كما حكاه الإمام؛ لأن الدابة قد تهلك فيهلك.
وعن المريض مرضًا يسيرًا لا يمنعه عن القتال، كالحمى اليسيرة والصداع [اليسير]، ووجع الضرس؛ فإنه يجب عليه، بخلاف ما يخشى منه كالحمى الشديدة ورمد [ووجع العين]، كما حكاه أبو الطيب.
ومن طريق الأولى: لا يجب على مقطوع الرجل، وكذا مقطوع إحدى اليدين، ولو كان مقطوع بعض أصابعها، فإن كان المقطوع الأكثر فكذلك الحكم، وإن كان المقطوع الأقل وجبن قاله [المصنف] والماوردي.
وكذلك حكم الأنامل.
قال: والفقير الذي لا يجد ما ينفق على نفسه وعياله، ولا يجد ما يحمله، وهو على مسافة تقصر فيها الصلاة، أي: سواء قدر على المشي أو عجز عنه كما قاله الماوردي، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [الآية] [التوبة: ٩١] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: ٩٣]، وفي الآية – أيضًا – دليل على أن العادم إذا دفع له الإمام من بيت المال ما ينفقه عليه ويحمله يجب عليه الجهاد، وقد صرح به الأصحاب، وأنه لا يجب عليه إذا كان المدفوع من غير بيت المال، والفرق: أن له في مال بيت المال حقا؛ فلا تلحقه مِنَّةٌ، بخلاف مال غيره. نعم، لو قبله لزمه فرض الجهاد بعد القبول، وإذا
[ ١٦ / ٣٦٢ ]
كانت المسافة دون مسافة القصر لم يكن عدم الراحلة مانعًا من الوجوب إذا كان قادرًا على المشي، كما أن ذلك لا يمنع وجوب الحجز نعم، في هذه الحالة القدرة على النفقة شرط، إلا إذا كان العدو على باب البلد الذي هو فيه؛ فإنه يجب عليه القتال بكل حال، كما قاله أبو الطيب والمصنف والبندنيجي وغيرهم.
ثم المعتبر في النفقة نفقة الأهل وآلة الجهاد ونفقته في الذهاب، وكذا في الإياب؛ لأن الأصل بقاؤه، والنفس تحدثه بالرجوع إلى أهله وإن كان هذا السفر مظنة الموت. نعم، لو كان لا أهل له ففي اعتبار نفقة الإياب في مثله في الحج وجهان، قال الإمام: وهما جاريان هنا وقد يرتبان، وهاهنا أولى بعدم الاعتبار.
قال الأصحاب: وكل عذر يمنع [وجوب] الحج يمنع وجوب الجهاد إلا الخوف من طلائع الكفار في الطريق؛ فإنه يمنع الحج ولا يمنع الجهاد، وفي الخوف من متلصصي المسلمين وجهان في "النهاية"؛ أصحهما – وهو الذي أورده الغزالي وقال [الإمام]: إن ميل النص [والأئمة إليه]-: أنه لا يمنع؛ لان الخوف محتمل في هذا السفر، مع أن قصد المتلصصين من فروض الكفايات، فلعله أهم.
قال: ولا يجاهد من عليه دين، أي: حالًاّ أو مؤجلًا، إلا بإذن غريمه، أي: مسلمًا كان أو كافرًا، ووجهه: ما روى أبو قتادة: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبيلِ اللهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ"، وفي رواية: أَيَحْجُزُنِي عَنِ الْجَنَّةِ شَيءٌ؟ فَقَالَ: "لاَ، إِلاَّ الدَّيْنُ". [وما] حجز عن الجنة لم يتوصل بالجهاد إليها، ولأن فرض الدين إذا كان حالًاّ [فهو] متعين عليه، وفرض الجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية. وإذا كان مؤجلًا
[ ١٦ / ٣٦٣ ]
فمقصود الجهاد: طلب الشهادة ببذل النفس والاستسلام للقتل، وذلك يؤدي إلى إسقاط حق ثابت؛ فمنع منه. نعم، لو أذن له صاحب الدين صار من أهل الجهاد، وللإمام احتمال فيه مع جزمه بجوازه، وإذا جاهد لم يتعرض للشهادة، ولم يتقدم أمام الصفوف، ويقف في وسطها أو حواشيها، ليحفظ الدين بحفظه نفسه، قاله الماوردي، وهذا على وجه الاستحباب، كما صرح به البندنيجي.
وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه؛ لأنه في الحال مخاطب بفرض الكفاية، بخلاف الدين؛ فإنه لا يتوجه الخطاب به إلا بعد حلوله؛ فلا يترك أمرًا ناجزًا لشيء منتظر، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد".
والصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الأول؛ لما ذكرناه، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين، وما ذكره صاحب الوجه الثاني منتفض بما لو كان الدين الحالُّ على معسر؛ فإن المعنى المذكور موجود فيه، وقد قال الأصحاب: إنه لا يجاهد إلا بإذن الغريم، كما لو كان الدين حالًاّ وهو موسر، صرح به الماوردي، ومحل المنع عنده مصور بما إذا لم يستتب من يقضي الدين من ماله الحاضر، أو [استناب من يقضيه من ماله الغائب، أما إذا استناب من يقضيه من المال الحاضر] لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه كالمؤدين وعلى ذلك جرى في "التهذيب"، والحق به غيرهما قيام كفيل به كما ذكرناه في باب التفليس.
واعلم أن ظاهر نص الشافعي – ﵁ – الذي حكيناه، وكلام الشيخ هاهنا وفي "المهذب" وكلام البندنيجي والماوردي يقتضي أمرين:
أحدهما: منع نفس الجهاد، لا منع السفر له.
والثاني: إناطة المنع منه بعد الإذن، وعدم الإذن تارة يُعقل مع المنع من الجهاد، وتارة يعقل مع السكوت.
وبهذا التقرير يظهر لك: أن هذه المسألة مخالفة للمسألة المذكورة في هذا
[ ١٦ / ٣٦٤ ]
الكتاب في أول باب التفليس؛ لأنه ذكر ثم أن الممنوع السفر، وحينئذ لا يقال: إن إيراده ثم يقتضي تصحيح قول اقتضى إيراده هنا تصحيح مقابله، بل يقال: إن الخلاف المذكور في باب التفليس مرتب على الخلاف المذكور هاهنا، إن قلنا: [إن] الجهاد نفسه لا يتوقف على إذن الغريم، فالسفر إليه من طريق الأولى، وإن قلنا: يتوقف على الإذن - كما هو ظاهر النص - جاء الخلاف المذكور في باب التفليس، ويكون وجه الجواز الذي اقتضى إيراد الشيخ ترجيحه: [أن المحذور] المتوقع الناشئ من طلب الشهادة، وهو تعذر الدين [بالموت]- مأمون؛ لتوقف الجهاد على الإذن، ومن منعه، قال: إذا كان الجهاد ممنوعًا بدون الإذن، كان ما يتوصل به إليه كذلك؛ حسما للباب كالخلوة.
والفرق على الأول: أن الجهاد إنما تدعو النفس إليه لطلب الأجر، فإذا كان محرمًا لم يقدم عليه؛ لأن من طبعها كراهة الموت، بخلاف الزنى؛ [فإن] في النفس داعية إليه؛ فلذلك مُنعت الخلوة، [ويكون الفرق بين الصحيح في المسألتين: أن الجهاد نفسه مظنة المظنة؛ فإنه قد يحصل مع السفر للجهاد جهاد، وقد لا يحصل].
لكن في كلام الماوردي والمصنف شيء قد يفهم منه: أن الممنوع منه هاهنا جزمًا أو على أحد الوجهين، السفر للجهاد؛ فإنهما قالا فيما إذا كان الدين مؤجلا: أحد الوجهين: أنه يجوز أن يجاهد من غير إذن الغريم؛ كما يجوز أن يسافر لغير الجهاد [بغير إذنه]، وهو مصرح به كذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" في هذا الموضع، وفيهما في الدين المؤجل وجهان آخران ذكرناهما في باب التفليس [مع] غيرهما، وكلام القاضي أبي الطيب هنا ليس فيه تصريح بأحد الأمرين؛ لأنه ذكر فيما إذا كان الدين حالا: أن لرب الدين منعه من الخروج، وإذا كان مؤجلًا فهل له منعه من الخروج؟ فيه وجهان.
ولفظ "الخروج" يحتمل أن يريد به: [السفر، وهو الظاهر من قوة الكلام،
[ ١٦ / ٣٦٥ ]
ويحتمل أن يريد به]: إلى وجه العدو؛ فيكون مراده الجهاد كما هو [ظاهر] لفظ الشافعي، ﵁. و[على] هذا: فبين عبارة الشافعي – ﵁ – ومن تبعها، وعبارة أبي الطيب فرق؛ لأن عبارة الشافعي –﵁ – تقتضي كما ذكرنا أن المنع منوط بعدم الإذن، وهو أعم، وعبارة القاضي أبي الطيب وكذلك البندنيجي مصرحة بأن لرب الدين منعه، ومن هاهنا استشكل بعضهم الجمع بين كلامي الشيخ هاهنا وفي التفليس؛ بناء على أن المراد هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، والأشبه ما ذكرته أولا؛ لأن الأصحاب نسبوا قول المنع من السفر في الدين المؤجل إلى الإصطخري كما نقلته في التفليس، ولو كان المراد بما ذكره الشافعي – ﵁ – هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، لم يكن منسوبًا إلى الإصطخري؛ بل للنص في "المختصر"، فتأمل ذلك، والله أعلم.
قال: ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو بغير إذنه؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُجَاهِدُ؟ قَالَ: "أَلَكَ أَبَوَانِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ". وخرجه البخاري ومسلم. وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رجلا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن فقال – ﵇ -: "هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ " فَقَالَ: أَبَوَايَ، فَقَالَ – ﵇ -: "أَذِنَا لَكَ؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَاذِنْهُمَا، فَإِنْ أّذِنَا لَكَ فَجَاهِدُ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا".
[ ١٦ / ٣٦٦ ]
ولأن فرض الجهاد [على الكفاية]، وبر الوالدين وطاعتهما [فرض عين]، ولهذا [يأثم بترك كلامهما]، كما يعصي بترك صلاة الفرض، كما حكاه مجلي عن ابن الصباغ في طلاق المريض، وفرض العين آكد فكان الاشتغال به أولى.
ولو كان أبواه كافرين لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه، وقد جاهد أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة مع رسول الله ﷺ وأبوه عتبة يقاتل رسول الله ﷺ يوم بدر حتى قتل، ولا شك في كراهيته لذلك.
واستئذان الجد والجدة عند عدم الأبوين كاستئذان الأبوين، صرح به الماوردي والمصنف والبغوي وغيرهم، وهو ما أبداه الإمام احتمالًا، وقد مضى في إلحاقهما بالأبوين عند عدمهما في جواز التفريق بينهما وبين الطفل –خلافٌ كان لا يبعد عن القياس مجيء مثله هاهنا، ومع وجود الأبوين هل يلزمه استئذانهما مع الأبوين؟ فيه وجهان في "المهذب"، والصحيح فيه وفي "التهذيب": اللزوم؛ لأن بوجود الأبوين لا يسقط بر الجدين، ولا تنقص شفقتهما عليه.
ثم ظاهر كلام الشيخ إيجاب استئذان الرقيق من الأبوين كالحر منهما، وهو ما اختاره في "المرشد"، وأبداه في "المهذب" احتمالا لنفسه؛ لأن المملوك كالحر في البر والشفقة، فكان كالحر في الاستئذان، بعد أن قال: [إن] بعض أصحابنا قال: تشترط الحرية ولا يلزمه استئذان الرقيق، وهو ما أورده الماوردي؛ لأنه لا إذن للرقيق في نفسه فلم يعتبر في غيره، وحكى الشاشي في "حليته" في ذلك وجهين، وكذلك البغوي، وقال: إن الصحيح عندي انه لا يجاهد بدون إذنه، وعلى ذلك جرى الرافعي.
فرع: سفر غير الجهاد هل يلتحق به في وجوب استئذان الأبوين أم [لا؟]
قال الأصحاب: إن كان لأجل حج الفرض وقد استطاعه فلا، وادعى الإمام نفي خلافه، وفي "تعليق" القاضي الحسين هاهنا وجه: أنه يلتحق به؛ لأنه وإن وجب علهي لكن لم يتعين أداؤه في تلك السنة، والغزالي حكاه في كتاب الحج، وقال الرافعي: إنه غريب.
[ ١٦ / ٣٦٧ ]
وفي حج التطوع قولان رأيتهما فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي هاهنا.
وإن كان سفره لتجارة أو لطلب علم فقد أطلق العراقيون – ومنهم [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ –أن الاستئذان مستحب.
وقال في "الحاوي": إن كان الأبوان أو أحدهما ممن [لا تلزمه نفقته فلا يلزمه أن يستأذنهما في سفره، وإن كان ممن] تلزمه نفقتهما أو نفقة أحدهما، فهما كصاحب الدين؛ لأن وجوب نفقتهما كالدين لهما؛ فيجب استئذانهما [أو من وجبت نفقته منهما، مسلما كان أو كافرًا، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من ماله الحاضر، فلا يلزمه استئذانهما].
والمراوزة فصلوا قالوا: إن كان لطلب [علم هو] فرض عين كالعلم بالطهارة والصلاة، وقدر ما يبتلى به العامة، إذا لم يكن في بلده من يتعلم ذلك منه – فله ذلك من غير إذن من أحدهما، وإن كان من فروض الكفايات كما إذا خرج طالبًا لدرجة الفتوى، وفي البلد من يشتغل بالفتوى – فوجهان، أصحهما: عدم وجوب الاستئذان، فإن [كان] المفتي شيخًا جزم القاضي الحسين بجواز الخروج من غير إذن؛ لأن ذلك الشيخ يعرض أن يموت، وإن لم يكن هناك من يشتغل بالفتوى فطلب العلم واجب على الكل على الكفاية، والكل عصاة [ترك ذلك، ولو] خرج في هذه الحالة واحد لا غير لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه بالخروج يدفع الحرج عن نفسه، وادعى الإمام نفي الخلاف فيه، وإن خرج معه جماعة ففي الحاجة إلى الإذن وجهان مرتبان على الخلاف السابق وأولى بعدم الاحتياج، وهو الذي أورده القاضي الحسين، ووجهه: أنه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود، [والخارجون معه قد لا يظفرون بالمقصود].
وعد الإمام مقابل هذا الوجه بعيدًا، وادعى القاضي الحسين أن من تفقه يسيرًا وعلم بعض العلوم، وله خاطر بحيث إنه لو تكلف لبلغ درجة المفتين – يتعين عليه التفقُّه، وفي هذه الصورة يجوز له الخروج من غير إذنٍ وجهًا واحدا، وغيره
[ ١٦ / ٣٦٨ ]
قال: أصح الوجهين: أنه لا يتعين عليه النفقة.
وقالوا في سفر التجارة؛: إن كان قصيرًا فلا يحتاج فيه إلى الإذن بحال، وإن كان طويلًا نظر: إن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري المخطرة فهو كسفر الجهاد، ويجيء فيه ما حكيته عن "تتمة التتمة" في باب التفليس، وإن كان الأمن غالبًا فوجهان، الأظهر: الجواز بدون الإذن، وهذا ما حكاه الرافعي، وهو مستنبط من احتمال أبداه الإمام لنفسه بعد حكايته عن القاضي إطلاق القول بأن الأسفار المباحة لابد فيها من [إذن الوالدين]، وقد رأيت هذا في "تعليق" القاضي، ورأيت فيه أنه قال في كَرَّة أخرى: فيها وجهان، قال الإمام: والأبوان الكافران لا يبعد عندي إلحاقهما في الأسفار المباحة في الأمور الدنيوية بالأبوين المسلمين.
قال: فإن أذن له الغريم، [أي: أو أحد الأبوين]، ثم بدا له قبل أن يحضر الصف، أو أسلم أحد أبويه قبل أن يحضر الصف - لم يغز إلا بإذنهم؛ لأنه عذر يمنع وجوب الجهاد، فطرآنه يمنعه أيضًا كالمرض والعمى.
وفي كتاب ابن كج: أنه لا يلزمه الانصراف، ويتخير؛ كما لا يجب الانصراف على المرأة إذا أذن لها في السفر وطلقها بعد مفارقة البلد.
والمشهور الأول، وهو – كما قال الماوردي – مصور بما إذا لم يكن الخارج مُسْتَجْعَلا، أما إذا كان مستجعلا من السلطان على غزوة، [فإنه لا يرجع]؛ لما وجب عليه من حق الجعالة المشتركة بين حقوق الله – تعالى- وحقوق الآدميين، فكانت أولى ممن انفرد بحقوق الآدميين.
ثم إذا لم يمكَّن من الغزو فهل يجب عليه الانصراف؟ قال الرافعي: نعم، يجب إلا إذا خاف على نفسه أو ماله. وإنه ألحق به ما إذا خاف من انصرافه انكسار المسلمين فيعذر في المضي. ولو لم يمكنه الانصراف، لكنه قدر على الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جنود الإسلام – لزمه، صرح به
[ ١٦ / ٣٦٩ ]
الإمام وغيره، وأوهم الغزالي في "الوسيط" خلافًا في وجوب الإقامة بقوله: فالظاهر أنه يجب عليه الوقوف بقرية إن أمكن؛ إذ غرضهم ترك القتال.
قال: وإن كان قد حضر الصف، أي: وتحقق الزحف، وهو اختلاط البعض بالبعض – ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] لا يغزو؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنه يلزمه، وهو المختار في "النواوي" و"المرشد"، وبه جزم الفوراني والبغوي، وإليه مال الأكثرون كما قال الرافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]،وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، ولأنهما حقان متعبان، وتعين الجهاد سابق؛ فقدم.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا لا يجوز له أن يقف موقف طالب الشهادة ومن قد استسلم للقتل، ويكون في أواخر الصوف يحرس وما أشبه ذلك، وهذان القولان حكاهما أبو إسحاق في "الشرح"، وحكاهما الماوردي وجهين عن رواية القاضي أبي حامد، وقال: إن محلهما إذا كان متطوعًا بالقتال، أما إذا كان مستجعلًا فلا يرجع إذا كان مقامه أصلح من رجوعه، ولو كان رجوعه أصلح من مقامه لتشاغل المجاهدين به، فيرجع ولا يقيم.
وفصل القاضي الحسين تفصيلًا آخر، فقال: إن كان يخاف الفتنة من رجوعه وكَسْرَ قلوب المسلمين لم يجز له أن يرجع، وإن كان لا يخاف الفتنة فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: في جواز الرجوع وجهان، وفي "الوسيط" وغيره، في حال خوف الفتنة من الرجوع وجه: أنه يجب عليه الرجوع؛ فيكون في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: وجوب المصابرة.
والثاني: وجوب الرجوع.
والثالث: أنه مخير، وقد نسب الإمام هذا إلى اختيار القاضي الحسين.
وفي "الرافعي" وجه رابع: أنه يجب الانصراف إن رجع رب الدين، ولا
[ ١٦ / ٣٧٠ ]
يجب إذا رجع أحد الوالدين، والفرق: عظم شأن الدين.
وحكم تجديد الدين حكم إسلام أحد الأبوين، صرح به الغزالي والقاضي الحسين.
ورجوع السيد عن الإذن للعبد بعد الخروج يشبه أن يكون كرجوع رب الدين، بل أولى؛ لأن من عليه الدين يصير من أهل الجهاد بالإذن، بخلاف العبد، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي عكسه؛ فإنهم قالوا: لو خرج من عليه الدين بدون إذنٍ، وحضر الصف - ففي [وجوب] رجوعه خلاف مرتب على ما إذا خرج بالإذن ثم رجع في الإذن وهو في الصف، وأولى بوجوب الانصراف؛ لأنه متعدٍّ بالخروج، وقالوا: إذا خرج العبد بغير إذن سيده فيلزمه الانصراف ما لم يحضر الوقعة، فإن حضر فلا، كما صرح به في "التهذيب" وحكيناه عن الإمام من قبل، وعن القاضي الروياني في هذه الحالة في العبد: أنه يستحب له الرجوع.
ثم ما ذكرناه من الأعذار بالنسبة إلى حق غيره، وأما الأعذار المختصة بنفسه إذا طرأت، كما إذا حصل له مرض أو عمى أو نحو ذلك، فهو بالخيار بين التوجه والرجوع، ولا فرق فيه بين أن يكون مستجعلًا، وقد حصل العذر بعد استجعاله، أو لا يكون مستجعلا، قال الماوردي: ولا يجوز ما أخذه منه؛ لأنه استحقه من مال الله تعالى
وقال القاضي الحسين: إن هذا نص الشافعي، ﵁.
وقال أصحابنا: إنه كذلك إن كان من المرتزقة الذين يعطيهم من الفيء، فأما ما يعطيه من سهم سبيل الله - وهو سهم الغزاة في الزكاة - فإذا لم يَغز في تلك السنة يسترجع بما أعطاه إياه، نص عليه، والفرق: أن المرتزقة إنما يعطون من الفيء للاستعداد للقتال، والاستعداد قائم في مستقبل الأيام، فأما الذين لا ديوان لهم من أهل الصدقات فإنما يعطون للغزو، لا للاستعداد؛ فهو كما لو أعطى ابن السبيل فلم يخرج فإنه يسترد منه.
[ ١٦ / ٣٧١ ]
وقال القاضي أبو الطيب: إن حصل ذلك قبل التقاء الزحفين [فهو مخيّر، إلا أن يخاف التلف من الرجوع؛ فإنه يمضي، وإن حدث بعد التقاء الزحفين] وجب عليه الثبات.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الثبات، وله الرجوع إن اختار كما لو طرأ في الطريق، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى الشيخ أبي حامد، والبغوي إلى شيخه بعد تصدير كلامه بالمنع، والأخير أصح عند الفوراني، وكذا عند الإمام، ونسب الأول إلى رواية صاحب "التقريب"، والفوراني قال: إنه مخرج من رجوع الأبوين وصاحب الدين. وخصّا محل الخلاف بما إذا لم يوجب الانصراف انفلالا وانحلالا في الجند، فإن أورثه لم يجز الرجوع.
وطرآن العجز عن النفقة كطرآن المرض [ونحوه]، عند الماوردي وغيره من المراوزة، وقال صاحب "التقريب": ليس له أن يرجع. كما نقله القاضي الحسين عنه، ولعل ما قاله الماوردي محمول على ما إذا لم يلتق الزحفان بعدُ، وما قاله صاحب "التقريب" إذا حصل العجز بعد التقاء الزحفين، كما حكينا عن الأصحاب من قبل أنهم قالوا: إذا كان العدو على باب البلد لم يمنع من الجهاد العجز عن النفقة.
وطرآن العجز عن المركوب في حال القتال بموته أو بأخذه لا يجوز الرجوع-كما حكاه أبو الطيب وصاحب "المرشد" وكذا البغوي – إن أمكن أن يقاتل راجلًا، وألا فيجوز له الانصراف.
ولو انكسر سلاحه أو أُخِذَن قال القاضي أبو الطيب: قاتل بما وجد من السلاح، فإن لم يجد فبالأحجار وما أشبه ذلكن فإن لم يكن هناك ما يقاتل به فله الانصراف ولا إثم عليه، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وحكى الرافعي فيما إذا لم يقدر إلا على الحجارة، وجها: أنه يجوز [له] الانصراف، ووجها ثالثًا: أنه إن كان معه مقلاع يرمي به، فلا يجوز [له] الانصراف، وإلا فيجوز، وهذا ما
[ ١٦ / ٣٧٢ ]
حكاه القاضي الحسين مع الذي قبله، وقال: الأصح أن له الرجوع؛ لأنه ليس في الرمي بالحجارة كبير فائدة. وقال في موضع آخر: إن الأظهر المنع؛ لأنه يمكنه المقاتلة بالمقلاع، والله أعلم.
فرع:
إذا ذهبت دابته أو نفقته، فرجع، ثم أفاد ما ذهب منه -نظر: فإن أفاده في أرض العدو وجب عليه العود إلى الجهاد، وإن وجده في بلاد الإسلام فالأفضل له العود ولا يلزمه. ولو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه: فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود، فإن عاد ولم يقبل لم يجبر على القبول، وإن لم يعد أجبر على القبول والعود، وإن كان في بلاد الإسلام فهو مخير بين قبوله ورده: فإن قبل وجب عليه العود، وإلا فلا يجب.
آخر:
إذا غزا أرباب الأعذار ثم ارتفعت أعذارهم، فأبصر الأعمى، وصح المريض، واستقام الأعرج، وأيسر المعسر قبل التقاء الزحفين ودخول أرض العدو - فإن كان المشركون أظهر منعوا من العود، [وإن كان المسلمون أظهر خيروا بين المقام والعود، ولو كان [ذلك] بعد التقاء الزحفين منعوا من العود] إلى انجلاء الحرب.
قال: وإن أحاط العدو بهم، وتعين الجهاد - جاز من غير إذنهم؛ لأنه قتالُ دفاعٍ عن الدين وليس بقتال غزو؛ فتعين على كل مطيق، وأيضًا: فإن تركه يفضي إلى الهلاك؛ فقدم على حق الأبوين والغريم، وكذا حكم العبد مع سيده.
قال: ولا يجاهد أحد، أي: من المسلمين الأحرار عن أحد؛ لأنه متى حضر الصف تعين عليه، سواء كان قد جاهد ألف مرة أو لا، ومتى تعين الفرض عليه لم يَنُبْ عن غيره فيه كما في الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بجُعْلٍ أو بغير جعل، ويجب على كل من أخذ الجعل رده.
وماروي أنه - ﵇ - قال: "لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ،
[ ١٦ / ٣٧٣ ]
وَأَجْرُ الْغَازِي" – [كما خرجه] أبو داود عن ابن عمر – فهو محمول على الإعانة على الحرب تدفع إليه، ونفقةٍ تصرف إليه.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: قد أجزتم أن يدفع السلطان الجعل ليغزو، قلنا: الغزاة علىضربين: منهم من حقه الفيء، وهو من فضل الله-تعالى-[لا أنه] عوض عن جهاده، بل يقع جهاده عنه لا عن غيره، ومنهم [من] حقه في الصدقات يعطي إذا نشط ليغزو معونة له، ويقع غزوه عن نفسه.
وكذا لا يجوز للإمام أن يستأجر للجهاد من ذكرناه من سهم المصالح على الأصح؛ لما ذكرناه، وعن الصيدلاني وطوائف من الأئمة كما حكاه [الإمام] في موضع آخر جوازه.
ولو قهر الإمام جماعة من المسلمين وأكرههم على الخروج والجهاد، لم يستحقوا الأجرة كما أطلقه الأصحاب، [وقد] وافق على هذا الصيدلاني وغيره، كما حكاه الإمام واستعجب منه، وفي "التهذيب": أنه إن تعين الجهاد عليهم فالأمر كذلك، وألا فلهم الأجرة من حين أخرجهم إلى أن يحضروا الوقعة.
قلت: ولهذا الاختلاف شبيه، وهو ما إذا مات الأجير على الحج قبل الإحرام، وبعد قطع المسافة إلى الميقات، فالمنصوص – وهو الصحيح-: أنه لا يستحق شيئًا من الأجرة؛ لأن المقصود لم يحصل منه شيء، وعند الإصطخري حكيناه عن النص في مسالة الحج، مع ملاحظة أن الحر إذا حبسن لا يستحق شيئًا من الأجرة كما هو الأصح، وبه قال الجمهور كما تقدم، وما صار إليه البغوي مأخذه مذهب الصيرفي والإصطخري، أو أن الحر إذا حبس يستحق
[ ١٦ / ٣٧٤ ]
الأجرة، كما هو مذهب ابن أبي هريرة.
وقد قال الرافعي: إن تفصيل صاحب "التهذيب" حسن فليحمل عليه ما أطلقه الجمهور، والله أعلم.
ولو أراد الإمام أن يستأجر كافرًا، فسنذكر حكمه، وإن أراد أن يستأجر عبدا مسلمًا، وقلنا: لا يجوز إجارة الحر المسلم له – ففي جوازه وجهان، قال الإمام: خرجهما الحذاق على أنه إذا وطئ الكفار طَرَفًا من بلاد الإسلام، هل يتعين الجهاد على العبيد؟ إن قلنا: نعم، فهم من أهل فرض الجهاد، فإذا وقفوا في الصف وقع عنهم؛ فيكون استئجارهم كاستئجار الأحرار، وإلا فيجوز كأهل الذمة، وقد أجراهما البغوي في استئجار غير الإمام لهم.
قلت: وهذا الخلاف يظهر أنه مختص بحالة استقلال الأحرار بدفع من قصدهم من العدو؛ لأن الأصل المبني عليه الخلاف في صحة استئجار العبيد، وهو أن العبيد هل يتعين عليهم الجهاد إذا طرق العدو بلادهم، أم لا؟ محل الخلاف فيه إذا كان في الأحرار كفاية ويحصل بقتال العبيد قوة، كما حكيناه من قبل عن رواية الإمام، أما إذا لم تحصل الكفاية إلا بالعبيد، فقد حكينا عنه الجزم بتعين القتال عليهم، وأن به نتبين أن العبد من أهل القتال، وقضية البناء: ألا يجوز الاستئجار في مثل هذه الحالة جزمًا.
ثم من هاهنا يؤخذ الخلاف الذي أشرت [إليه] من قبل في أن من حضر الصف، وكانت الكفاية تحصل بنم تصدى لقتالهم، هل يتعين [عليه] القتال أيضًا أم لا؟ لأن الإمام جعل حضور الصف بمنزلة طروق العدو بلاد الإسلام، وقد تقدم أن العدو إذا طرق بلاد الإسلام وخرج له من تلك الجهة من يقوم بكفايته هل يتعين على الباقين القتال؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وهو الذي حكينا عن الماوردي الجزم به، وبهذا يستقيم التعليل الذي ذكرناه في امتناع جهاد أحد عن أحد.
[ ١٦ / ٣٧٥ ]
وقد أطلق ابن يونس جواز استنابة المشرك والعبد في القتال؛ لأنه لا يتعين عليهما الجهاد بالحضور، والله أعلم.
قال: ويكره أن يغزو أحد إلا بإذن الإمام، أي: أو الأمير المنصوب من جهته؛ لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد.
وفي "المرشد": أنه إذا جاهد بغير إذن الإمام لم يجز.
قال: ويتعاهد الإمام الخيل والرجال، فما لا يصلح منها للحرب، منع من دخول دار الحرب؛ لأنه تغرير من غير فائدة، وقد يكون في ذلك ضرر على المسلمين، واستدل الجيلي على ذلك بأن النبي ﷺ كان يتعاهدهم وينظر في خيولهم وأحوالهم، وكان يستصحب من يصلح، ويترك من لا يصلح.
قال: ولا يأذن لمخذل، ولا لمن يرجف بالمسلمين.
المخذل: هو المفشل عن القتال؛ بأن يقول: فالعدو كثرة ولهم شوكة، ونحن فينا قلة، أو يقول: خيول المشركين فيها قوة، وخيولنا فيها ضعف، وهذا وقت شديد الحر، ونخشى التلف إن خرجنا فيه، ونحو ذلك.
والمُرْجِف: من يشيع أقوالًا تدل على ظهور العدو أو الخوف منهم، مثل أن يقول: السرية التي بعثها الإمام قد أخذت، والجيش الذي بعده قد هلكوا، وللمشركين كمين في مكان كذا وكذا، ونخاف أن يهجم علينا، وما أشبه ذلك.
والأصل في منعهم قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ أي: بإيقاع الاختلاف بينكم، وبإسراع تفريق جمعكم، ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾ أي: الهزيمة أو التكذيب بوعد الرسول ﷺ من قبل، ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: من يستمع كلامهم ويطيعهم، أو: فيكم عيون مثلكم ينقلون أخباركم إليهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٩٥].
ومن جهة المعنى: أن المقصود من الانتفاع بهم معدوم، والمخوف من الضرر بهم موجود.
[ ١٦ / ٣٧٦ ]
وإذا منع هؤلاء؛ فمنع من دل على عورات المسلمين، وإرشاد العدو إلى أسباب الظفر، وتحذيرهم من وقوع الضرر – أولى، كما نص عليه الشافعي، ﵁. ومن هذا حالُه، قال القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما: إنه يعزر على ذلك إذا لم يكن من ذوي الهيئات، ولا يوجب ذلك قتله، وكذا إن كان يؤوي جواسيسهم، ويشهد لذلك حديث حاطب بن أبي بلتعة الثابت في "الصحيح".
فإن قيل: قد كان يخرج معه – ﵇ –أمثال هؤلاء من المنافقين، روي أن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول كان يقول يوم الخندق: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا"، ويوم بدر: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ويوم أحد: "لو أطاعونا ما قتلوا"، فهلا وجب والاقتداء به؟
قيل: لا لأن الله – تعالى – خص رسول الله ﷺ بأمرين عدما فيمن بعده من الولاة: كون جبريل – ﵇ – كان يخبره بما يقوله المنافقون، فكانوا لا يلتفتون إلى قولهم، ولا يكسر ذلك قلوبهم، ويدل عليه حديث حاطب، وكون أصحابه لا يخذلونه، ويبذلون أنفسهم دونه.
وعلى هذا: من دخل من هؤلاء في الجند أخرج، ولا يسهم له ولا يرضخ، ولو قتل كافرًا لم يستحق سلبه.
وعن رواية القاضي الروياني وجهان:
أحدهما: أن ذلك فيما إذا نهاه الإمام ولم ينته، أما إذا لم ينهه فيسهم له [كغيره].
والثاني: أنه يرضخ له.
ولا يلتحق الفاسق بالمخذل، وفي "الرافعي" في قسم الغنائم وجه: أنه لا يسهم له؛ لأنه لا يؤمن منه الغدر والتخذيل.
[ ١٦ / ٣٧٧ ]
قال: ولا يستعين بمشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وما روى جرير بن عبد الله عن أبيه [عن جده]، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَتَيْنُهُ [أَنَا] وَرَجُلٌ آخَرُ قَبْلَ أَنْ نسلم، [فَقُلْنَا:] إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ [يَشْهَدَ قَومُنَا] مَشْهَدًا [لاَ نَشْهَدُهُ]، فَقَالَ: "أَسْلِمَا"، قُلْنَا: لاَ، فَقَالَ: "إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِالْمشْرِكينَ"، فأسلمنا وخرجنا معه، وكنا ذلك في بدر.
قال: إلا أن يكون في المسلمين قلة، أي: بحيث تمس الحاجة إلى الاستعانة بهم؛ كما قاله البندنيجي وغيره، والذي يستعين به حسن الرأي في المسلمين، أي: فيجوز حينئذ؛ لظن تحصيل المقصود منهم، ولأن رسول الله ﷺ استعان بعد بدر بيهود بني قينقاع، فغزوا معه، وشهد معه صفوان بن أمية حنينا بعد الفتح، وهو يومئذ مشرك، وكان حسن الرأي في الإسلام، وقد استعار منه رسول الله ﷺ سبعين درعا عام الفتح، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: "لاَ، بَلْ عَاريةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ"، واستصحبه معه في غزوة هوازن، فسمع صفوان رجلا يقول: غلبت
[ ١٦ / ٣٧٨ ]
هوازن وقتل محمد، فقال: بفيك الحجر، لرب من قريش أحب، أو قال: خير من رب من هوازن. وأعطاه النبي ﷺ يومئذ مائة ناقة، فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
وهذان الشرطان اقتصر على اعتبارهما ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب – في هذا الباب- والبندنيجي، وزاد في "الحاوي" في هذا الباب عليهما ثالثا، وهو: أن يكون اعتقاده مخالفًا لمعتقد المشركين كاليهود والنصارى وعبدة الأوثان، فإن وافقهم لم يجز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: اشتراط علم الإمام بأن من يستعين به إذا انضم إلى طائفة الحرب يقوي على دفعهم، فأما إذا علم أنه لا يقاومهم إذا صاروا [حزبا] واحدًا، فليس له أن يستعين بهم على قتالهم، ولم يشترط – وراء ذلك – شيئًا آخر، وعلى ذلك جرى الفوراني والإمام، وكذا القاضي أبو الطيب في كتاب أهل البغي؛ تمسكا بقول الشافعي – ﵁ -: ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين. وهذا الشرط منافٍ للشرط الأول؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى؛ فكيف يقدرون على مقاوتمهما إذا التأمتا؟! فلا يظن أنه يجعل شرطا رابعا إذا انضم إلى غيره.
والذي اعتبره البغوي شرطان:
أحدهما: ما ذكرناه عن القاضي.
والثاني: حسن الرأي في المسلمين.
وعليهما اقتصر الماوردي في كتاب قتال أهل البغي.
ثم في هذه الحالة يستحب للإمام أن يستأجرهم مدة معلومة، كما دل [عليه] ظاهر نص الشافعي - ﵁ –لأن ذلك أحقر لهم وأصغر، ولا يجعلون كالمسلمين فيرضخ لهم؛ لأن لهم [في ذلك تشريفًا وتعظيمًا]، وتنعقد المعاملة إجارة، وإن كانت الأعمال مجهولة والمدة غير مضبوطة؛ لأن
[ ١٦ / ٣٧٩ ]
ذلك من عموم المصالح والمقاصد المرعية، ومقصود هذه الإجارة لا يقع إلا على الجهاد، ولا يتأتى فيها الإعلام، ولأن المعاملات التي تجري بين المسلمين والكفار يحتمل فيها الجهالة، ودليله مسألة العلج- كما سيأتي- وهذا ما مال إليه الجمهور.
وحكى ابن الصباغ في كتاب الفيء أنه: يجوز أن يستأجرهم، ولا يبين المدة.
وحكى الإمام أن آخرين قالوا: هذه جعالة؛ لأجل الجهالة، ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأنها لو كانت جعالة لتمكن المجعول له من الترك بعد الوقوف في الصف، وهذا لو جوزناه لأفضى إلى ضرر عظيم لا سبيل إلى احتماله.
قال الفوراني: ثم المال الذي يستأجر منه مال الرضخ؛ فيكون فيه ثلاثة أقوال، كما سيأتي. وعلى ذلك جرى القاضي أبوا لطيب، إلا أنه جعل بدل القول بأنها من أربعة أخماس الغنيمة: من أربعة أخماس الفيء، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنها من أصل الغنيمة، كالمؤنة، ونص الشافعي - ﵁ - دال على أنه من سهم المصالح؛ لأنه قال: يستأجر من مال لا مالك له بعينه، وهو سهم النبي ﷺ. وعلى ذلك اقتصر الماوردي، وقال: إنه يعطي من سهم المصالح الحاصل [قبل القسمة؛ لان الأجرة تستحق بالعقد الواقع] قبلها، وهل يجوز أن يعطي من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان؛ بناء على الخلاف في مصرفها، فإن قيل: إنه للجيش خاصة، لم يجز دفع الأجرة منه، وإن قيل: إنه للمصالح العامة، دفعت منها.
ويجوز أن تزيد الأجرة على سهم الراجل والفارس على الأصح في "الحاوي"، وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يجوز أن تبلغ سهم الراجل.
قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم، وسهام الغانمين تستحق من بعد؛ فهي مجهولة؛ فلم يصح أن تعتبر في عقد تقدمها.
وفي "التهذيب" في قسم الغنائم وجه: أنه يجوز أن تبلغ سهم راجل، ولا يبلغ بها سهم فارس، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنه يعطي ما يكون رصخا من
[ ١٦ / ٣٨٠ ]
الغنيمة، وما زاد من سهم [المصالح]، يعني: أن الأجرة إذا زادت على سهم الراجل أعطي من الغنيمة ما دون السهم، ويعطي الباقي من سهم المصالح.
ثم إذا صحت الإجارة وشهدوا الوقعة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، قال الماوردي: والفرق أن القتال هو المستأجر عليه، فوجب استيفاؤه جبرا؛ لأنه متعين على الأجر، وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين، فلم يجبر عليه، فإن قاتلوا استحقوا الأجرة، وإن لم يقاتلوا، أطلق في "الشامل" في كتاب: قسم الفيء في استحقاقهم الأجرة إذا حضروا الصف وجهين.
وقال في "الحاوي": إن كان عدم قتالهم لانهزام العدو، استحقوا؛ لأنهم [قد] بذلوا أنفسهم، فصاروا كمن أجر نفسه للخدمة فلم يستخدم.
قلت: وقضية التوجيه المذكور: أن يطرد في هذه الصورة الخلاف الذي ذكرته في إجارة الحر للخدمة وغيرها.
وإن لم يقاتلوا مع الحاجة إلى قتالهم، ردوا من الأجرة بالقسط، وفيما تقسط عليه الأجرة وجهان:
أحدهما: على القتال، وعلى المسافة من بلد الإجارة إلى موضع الوقعة من دار الحرب.
والثاني: على القتال ومسافة مسيره في بلاد الحرب إلى موضع الوقعة؛ لأن مسيره في دار الإسلام سبب يتوصل به إلى العمل، ومسيره في دار الحرب شروع في العمل؛ لأن كل موضع من دار الحرب محل لقتال أهله.
قال الماوردي: وهما ينبنيان على الخلاف في مسافة الحج هل تتقسط عليها الأجرة أم لا.
ولو صالح الإمام أهل الثغر الذين استأجر للغزو لأجلهم، فإن [كان] الصلح بعد دخوله بهم [دار الحرب – لم يسترجع منهم شيء من الأجرة، وإن
[ ١٦ / ٣٨١ ]
كان قبل مسيره بهم من دار الإسلام استرجع جميع الأجرة، وإن كان بعد مسيره بهم] من دار الإسلام وقبل دخوله بهم دار الحرب، ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان مأخذهما ما تقدم.
ولو لم يستأجرهم لكن جعل لهم جعالة وسماها – صح أيضًا، ودفع القدر المجعول من مال المصالح المأخوذ من هذا المغنم؛ لأن الجعالة تستحق بعد العمل، فوجبت من المال الحاصل بعده.
ولو قال لهم: أنا أرضيكم، أو: أعطيكم ما تستغنون به، قال الرافعي: استحقوا أجرة المثل، وقال القاضي الحسين فيما إذا قال: [أعطيك شيئًا]-: إنه يستحق جعلا، ولو لم يجعل لهم شيئًا بعد الاستعانة بهم استحقوا الرضخ؛ كما سنذكره.
فرع: إذا أكره الإمام أهل الذمة على الخروج، وحملهم على القتال معه –استحقوا أجرة المثل من وقت الخروج إلى وقت التخلية، كذا حكاه القاضي الحسين عن النص، وأنه لا يضمن أجرة مثلهم بعد التخلية إلى العود إلى وطنه، وعلى ذلك جرى الإمام، وهذا بخالف العبد يضمن أجرة مثله إذا أكرهه على الخروج إلى أن يعود إلى يد سيده، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وقال الرافعي: يشبه أن ينبني في العبيد على الوجهين السابقين إن جعلناهم من أهل فرض الجهاد، فليكونوا كالأحرار، ولو لم يقاتلوا أهل الذمة مع حضورهم مكرهين ففي استحقاقهم أجرة القتال وجهان، أصحهما في "الرافعي": المنع، وعلى هذا: إن لم يكونوا في حبس لم يستحقوا شيئًا عن الوقوف للقتال، وإن كانوا محبوسين ففي استحقاق أجرة مثل الوقوف وجهان، وأما أجرة مثل الذهاب فقد جزم الإمام بوجوبها.
فرع: هل يجوز للآحاد استئجار الذمي على الجهاد؟ فيه وجهان –حكاهما
[ ١٦ / ٣٨٢ ]
الإمام في كتاب قسم الفيء – مبنيان على جواز استئجارهم على الأذان، والذي حكاه في كتاب الصداق عن الأصحاب: أنه لا يجوز، ثم قال: وهذا فيه احتمال عندنا؛ تخريجًا على استئجار المسلم المسلم على الأذان، [ولا فقه] في انفصال أحد البابين عن الآخر؛ ولأجل [ذلك] حكى الغزالي والوجهين كما في استئجار الأذان، قال الرافعي: وأصحهما: المنع، وإن كان الأصح في الأذان الجواز؛ لأن الجهاد أعظم وقعًا، ويقع بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، مع كون أهل الذمة مخالفين للدين، وقد يخونون في الجيش إذا حضروا؛ ففوض أمرهم إلى الإمام.
قال: ويبدأ بقتال من يليه من الكفار لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣]، ووجه المصلحة في ذلك ظاهر.
قال: ويبدأ بالأهم فالأهم؛ لأنه أصلح للمسلمين والإسلام، وهذا ذكره جريا على المعتاد والغالب، فإن لم يكن ثم خوف مِمَّن يليه من الكفار، واقتضت المصلحة تجهيز الجند إلى الأبعدين؛ ليغتالهم – فعل الإمام ذلك، بعد أني فعل ما يأمن به الأقرب من مهادنة وأن يجعل بإزائه من يرده إن قصد.
وقد غزا رسول الله ﷺ قريشا، وخلف بني قريظة وهم على باب المدينة، بعد أن وادعهم.
ولو استوى الخوف من القربى والبعدي، فإن كانتا في جهة واحدة بدأ بالقربى، [وإن كانتا في جهتين ولم يمكن تفريق الجيش عليهما بدأ بالقربى]، وإن أمكن تفريقه عليهما قاتلهما.
قال: ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوى حتى يعرض عليه الدين، أي: دين الإسلام؛ [لأنه لا يلزمه الإسلام] قبل العلم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فلا يجز قتالهم على ما لايلزمهم.
قال البندنيجي: وإذا علم الإمام بقوم من هذه الجهلة لم يجز تأخير رسوله عنهم.
[ ١٦ / ٣٨٣ ]
قال: ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ﷺ:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ".
وقال القاضي الحسين: إنما يرتفع السيف عنهم بأن يقولوا هذه الكلمة، ويقروا بأحكامها، فأما بمجرد أن يقولوا هذه الكلمة فلا.
قال: أو يبذلوا الجزية.
ووجهه في أهل الكتابين قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، قال القاضي الحسين: والصغار عندنا: التزام أحكام الإسلام.
وأما في المجوس؛ فلأن عمر – ﵁ – امتنع من أخذ الجزية منهم لشكه في أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر أو نجران، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
[وقد] روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: إنه كان لهم كتاب يدرسونه، فسكر ملكهم فواقع بنته، فأنكر ذلك عليه أصحابه، فقال لهم: ما أرغب بكم عن سنة أبيكم آدم، إنه كان ينكح بنيه بناته، فقبل بعضهم، وأبى بعض أن يقبل، فأصبحوا وقد رفع كتابهم من بين أظهرهم ونسخ من صدورهم.
ولأجل ذلك اختلف أصحابنا في أنهم هل كان لهم كتاب ثم نسخ أم لا؟ وقال الرافعي في باب عقد الذمة: إن الأول أظهر؛ لما ذكره على﵁ – وإن منهم من قطع به، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم" و"المختصر"، وحكى عن البصريين نفي الخلاف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب، والذي عليه الجمهور: الطريق الأولى.
[ ١٦ / ٣٨٤ ]
ثم كيفية الحال في هؤلاء: أن يدعوهم أولًا إلى الإسلام، وهو على وجه الاستحباب إن كانوا قد علموا بالبعثة، كما قاله في "المهذب"، فإن امتنعوا دعاهم إلى بذل الجزية، فإن امتنعوا قاتلهم إلى أن يفعلوا أحد الأمرين.
فرع:
إذا بذلوا الجزية هل يجب قبولها وعقد الذمة أم لا؟ الذي أفهمه كلام الأصحاب هنا وصرحوا به في باب عقد الذمة الوجوب، وعن "البيان" و"العدة" حكاية وجه: أنه لا تجب الإجابة إلا إذا رأى الإمام المصلحة [في القبول] كما في الهدنة، والظاهر المشهور: الأول. نعم، إن كان يخاف غائلتهم، ويرى أن ذلك مكيدة منهم؛ فلا يجيبهم.
قال: ويقاتل من سواهم، أي: كعبدة الأوثان والنار والشمس، إلى أن يسلموا؛ لأن الآية والخبر عامان في قتال كل كافر، يخرج منهما من ذكرناه؛ لدليل مخصص؛ فبقيا فيما عداه على عمومهما، ولأن في قوله تعالى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١] ما يفهم خروج غيرهم من هذا الحكم، وكذا فيما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "أَنْ يَاخُذُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ دِيْنَارًا" – دَلِيْلٌ [عَلَى ذَلِكَ].
قال: ويجوز بياتهم، البيات، والتبييت: الإغارة ليلا، ووجه جوازها: ما روى أبو داود عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: "أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَبَيَّتْنَاهُمْ فَقَتَلْنَاهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةٌ أَهْلَ أبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ"، وخرجه النسائي وابن ماجه.
[ ١٦ / ٣٨٥ ]
وأيضًا: فإن أكبر ما فيه قتل الكافر بغتة، وقد أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَي سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، كما خرجه مسلم والبخاري وغيرهما، وبعث نفرًا فقتلوا ابن أبي الحقيق اليهودي غيلة.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ، [قَالَ: تَاذَن لِي أَنْ أَقُول شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ]، فَأَتَاهُ مَعَ ثَلاَثَةِ نَفَرِ أَوْ أَرْبَعَةٍ - والقصة طويلة -فقتلوه غيلة.
قال: ونصب المنجنيق عليهم، ورميهم بالنار، أي: وما في معنى ذلك من هدم البيوت، وإلقاء الحيات والعقارب عليهم، وإجراء السيل، وقطع الماء عنهم؛ لأنه - ﵇ - نصب على الطائف حين حاصرها بعد فتح مكة منجنيقا أو عرادة، ولأن أكبرما في ذلك قتلهم غيلة، وقد ذكرنا جوازه.
فإن قيل: فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل النسوان والولدان، وفي ذلك قتلهم.
قيل: إنما كان في السبي المغنوم أن يقتلوا صبر؛ فإنهم غنيمة، فأما وهم في دار الحرب وهي دار إباحة يصيرون فيها تبعا لرجالهم، فلان روى [أبو داود عن الصعب بن جثامة] أنه - ﵇ - سئل عن الدار من المشركين
[ ١٦ / ٣٨٦ ]
يبيتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: "هم منهم"، يعني: في حكمهم.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأن تتمة هذا الحديث: "ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ"، أخرجه البخاري ومسلم.
[ولأجل ذلك] قال القاضي الحسين: يستحب للإمام إذا علم ظاهرًا بكثرة المسلمين وقوتهم أنه يقهرهم ألا ينصب المنجنيق، ولا النار، ولا شيئًا يعمهم؛ لأن في ذلك قتل البهائم التي لا ذنب لها، وقتل نسائهم وأطفالهم، فأما إذا خاف منهم، وعلم أنه لو عمهم بشيء من ذلك يكون أقدر عليهم جاز ذلك من غير كراهة، وكذا إذا تحصنوا بحصن، فلم يتوصل إلى قتلهم إلا بما يعمهم.
قال: ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، [فأمر بصحبتهما بالمعروف] في حال دعائهما إلى الشرك.
وقد روي أن أبا حذيفة بن عتبة أراد أن يبارز أباه [يوم بدر]، فقال له النبي ﷺ: "اترُكْهُ يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكَ".
وروي أن عبد الرحمن بن أبي بكر – ﵄- قال يوم أحد: أين ابن أبي قحافة؟ يعني أباه، فاخترط أبو بكر – رضيا لله عنه – السيف، وهم بالخروج إليه، فقال له – ﵇ -: "شم سيفك"، أي: أغمده، و"متعنا بنفسك"، فرجع.
ولأن هذا يؤدي إلى قطع الأرحام، والله – تعالى –نهى عن قطع الرحم.
[ ١٦ / ٣٨٧ ]
وأيضًا: "فإنه ربما" إذا قاتله، تحمله الشفقة على الترك؛ فيكون ذلك سببًا لرجوعه.
وهذا [التجنب] على وجه الاستحباب، فإن لم يفعله، قال الأصحاب: فقد ارتكب مكروها، [لكن حكى الإمام قبيل كتاب الدعوى والبينات، أن الأصحاب اطردوا في أن الابن الجلاد هل يقتل أباه حدا؟ كما اختلفوا في أن شهادته عليه بما يوجب العقوبة هل تقبل؟ فالأصح: أنه يقتله، ويظهر أن يجيء مثل هذا الخلاف هنا].
قال: إلا أن يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله – تعالى- وذكر رسوله، أي: فلا يكره؛ لما روي أن أبا عبيدة بن الجراح سمع أباه يسب رسول الله [فقتله، وجاء برأسه إلى النبي]، فقال له: "لم قتلته؟ " فقال: لأني سمعته يسبك فلم أصبر. فلم ينكر عليه، وأنزل الله – تعالى- فيه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فأقره على قتله، وعذره فيه.
واعلم أن اقتصار الشيخ على تجنب قتل الأب والابن في هذا الموضع، وقوله في باب قتال أهل البغي: ويتجنب قتل ذي رحمه؛ كما نص عليه الشافعي – ﵀ – في "المختصر" في الموضعين – يفهم أن بين البابين فرقا، وقد قال لا لأصحاب منهم القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ والماوردي، في باب قتال أهل البغي: إنه لا فرق بينهما، واقتصر القاضي الحسين هاهنا على ذكر تجنب قتل ذي الرحم المحرم، وكذلك الماوردي، وقال: فيمن عداهم من الأقارب والعصبات كبني الأعمام والعمات – وجهان:
أحدهما: لا يكره [له] قتالهم كالأجانب، وهو قول ابن أبي هريرة.
والثاني: يكره.
ثم قال الماوردي: والذي عندي أن ينظر حالهم بعد ذوي الأرحام: فإن كان
[ ١٦ / ٣٨٨ ]
فيهم من يرث منه ويورث كره له قتلهم؛ لقوة النسب والتوريث منهم، وإن كان ممن [لا يرث و] لا يورث لهم يكره.
قال: ولا يقتل النساء و[لا] الصبيان؛ لما ذكرناه من الخبر الذي رواه الصعب ابن جثامة، [والصاد فيه مفتوحة والعين ساكنة]، وجثامة: بفتح الجيم والثاء المثلثة.
[قال]: إلا أن يقاتلوا؛ لما روي أنه ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةِ مَقْتُولَةٍ يَومَ خَيبَرَ – وَقِيلَ: يَومَ الْخَنْدَقِ – [فَقَالَ]: "مَا لِهَذِهِ تُقْتَلُ وَلاَ تُقَاتِلُ"، وفي رواية: "مَنْ قَتَلَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟! " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، غَنِمْتُهَا، فَأَرْدَفْتُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا رَأَتِ الْهَزِيْمَةَ فِينَا أَهْوَتْ إِلَى قَائِمِ سَيفِي لِتَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا، فلم ينكر عليه. وبالقياس على المسلمات.
والخنثى المشكل كالمرأة، والمجنون كالصبي.
[ ١٦ / ٣٨٩ ]
قال: وفي قتل الشيوخ، الذين لا رأي لهم [في القتال] ولا قتال فيهم، وأصحاب الصوامع، أي: شيوخًا كانوا أو شبابًا، كما قاله الماوردي وابن الصباغ وغيرهما – قولان:
أصحهما: أنهم يتقلون؛ [لأنهم] حربيون ذكور فاندرجوا في عموم الآية والخبر كالشباب.
وقد روي أبو داود عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ"، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا، وقيل: الشباب [أهل الجلد] الذين يصلحون للخدمة، ذكرهما أبو عبيد، وقد خرج الحديث الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح [غريب].
وهذا القول هو المنصوص عليه في "سير الواقدي"، واختاره المزني وأبو إسحاق.
والثاني: لا يقتلون؛ لما روي أنه – ﵇ – [قال]: "اقْتُلُوا [الشَّرْخَ، وَاتْرُكُوا الشَّيْخَ].
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "انْطَلِقُوا باسْمِ اللهِ، عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانيًا وَلاَ طِفْلًا صَغِيرًا وَلاَ امْرَأَةً".
وروي عن أبي بكر – ﵁ – [أنه] قال ليزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل لما بعثهم إلى الشام: لاَ تَقْتُلُوا الوِلْدَانَ وَ[لاَ] النِّسَاءَ وَلاَ الشُّيُوخَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا [حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا] حَبَسُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ.
[ ١٦ / ٣٩٠ ]
وهذا ما نص عليه في كتاب: حكم أهل الكتاب، وطرده القاضي أبو الطيب في الزمني والعميان، وغيره في العُسَفَاء – وهم – الأجراء- لأن أبا داود روى عن رباح – أو رباح – أنه – ﵇ – قال لخالد: "لا تَقْتُلْ امْرَأَةً، وَلا عَسِيفًا"، وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وطرد أيضًا في المحترفين المشغولين بحرفهم، ومقطوعي الأيدي والأرجل، وحكى الرافعي عن رواية ابن كج والقاضي أبي الطيب طريقة قاطعة بالقول الأول في الأجراء، وربما نسبت إلى ابن أبي هريرة، ثم قال: والحارفون في معناهم لا محالة.
والطريقان جاريان في السوقة، فعند الشيخ أبي محمد يجري فيهم القولان؛ لأنهم لم يمارسوا القتال ولم يتعاطوا الأسلحة، قال الإمام: وهذا لم يتعرض له الأئمة وإن كان متوجهًا، وعند غيره: القطع بأنهم يقتلون؛ لقدرتهم على القتال.
التفريع:
إن قلنا بقتل الشيوخ و[من] في معناهم، فالذي حكاه العراقيون: أن الإمام يتخير فيهم بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء. ويجوز سبي أموالهم، وأولادهم.
وإن قلنا بالقول الثاني، فهل يتعين الرق [فيهم]، أو يتخير الإمام فيهم بين الاسترقاق والمن والفداء؟ فيه قولان، كالأسير إذا أسلم، وهذا ما أورده الماوردي، وحكى أبو الطيب طريقة أخرى: [أنه] لا يتخير قولا واحدا، والفرق: أنه في الأسير قبل أن يسلم كان مخيرًا بين أربعة أشياء، فلما أسلم سقط القتل [وبقي الخيار في] الباقي، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه لم يثبت له الخيار من
[ ١٦ / ٣٩١ ]
قبل حتى يستصحب، بل هو ممنوع من قتله ابتداء؛ فصار كالصبيان والنساء.
وعن رواية صاحب "التقريب"، وأبي يعقوب الأبيوردي عن النص: أنه لا يجوز استرقاقهم ولا يتعرض لهم، وهذا ما أورده في "التهذيب" و"الإبانة"، وكذا القاضي الحسين، وهل يجوز سبي نسائهم وذراريهم؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز سبي النساء دون الذراري، [والذي حكاه القاضي الحسين والفوراني: منع سبي الذراري] وحكاية الخلاف في النساء، واختارا منه أيضًا المنع.
والخلاف جارٍ في اغتنام أموالهم، والذي حكاه القاضي والفوراني: الجزم بالمنع، وقال الإمام: القائل بأنه لا يغنم أموال السوقة قارب خرق الإجماع.
أما الشيوخ الذين لهم رأي وتدبير ولا قتال فيهم فيقتلون قولا واحدًا؛ لأن دريد ابن الصمة قتله – أو ذبحه – المسلمون يوم حنين، وكان المشركون [جاءوا به] يستنجدون برأيه، وحملوه في شجار وهو الهودج؛ لأنه لم يكن يستطيع الجلوس، لبلوغه مائة وخمسًا وخمسين سنة، كما قاله الماوردي، وقيل: بلغ سنة مائة وخمسين سنة، والنبي ﷺ يراه، فلم ينكر قتله، ولا نهي عنه؛ فدل على إباحته.
ولأن التدبير علم بالحرب، والقتل عمل، والعلم أبلغ من العمل، قال الماوردي: وقد أفصح المتنبي [عن ذلك] حيث قال:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ هو أولٌ وهي المحل الثاني
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من أطلق في الشيوخ قولين.
قال الرافعي: ثم الذي يتقضيه كلام الأصحاب ويفهمه: أنه لا فرق بين أن يحضر ذو الرأي في [الصف للقتال] أو لا يحضر في أنه يجوز قتله، ولا بين أن يقدر على صاحب الحرفة منهم في صف القتال، أو يدخل بعض بلادهم وهم غارون، فيجده هناك في جواز قتله على القولين.
[ ١٦ / ٣٩٢ ]
وفي "الوسيط": أن موضع القولين في الشيخ الذي لا رأي له ما إذا لم يحضر للقتال، فإن حضر فالظاهر أنه يقتل، ويحتمل أن يطرد القولان، وأن ذا الرأي يقتل إذا حضر، وإن لم يحضر فالظاهر أنه يقتل.
فرع: الحربية إذا ترهبت، ففي استرقاقها قولان؛ بناء على قتل الراهب؛ لأن الاسترقاق في النساء بمنزلة القتل في الرجال، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنها تسترق؛ لأن الأصل أن الترهب للرجال دونهن.
قال: وإن تترسوا بالنساء والصبيان، أي: في حال القتال ودونه، لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، ولأنه يؤدي إلى تلف المسلمين؛ لأنهم يكفون عن رميهم، وأولئك لا يكفون، بل يرمون ويقاتلون؛ فيؤدون إلى الهزيمة، وكان الاحتياط لحق المسلمين أولى من الاحتياط لنساء الكافرين وأولادهم.
وقيل: إذا تترسوا بهم لا في حال القتال، لا يجوز رميهم وقتالهم؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك [داعية]، مع كونه يؤدي إلى قتل من نهى عن قتله فامتنع؛ كما [لو] تترسوا بأسارى المسلمين في هذه الحالة، وهذا القول أصح عند القفال.
والقول [الأول] مال إليه مائلون، وعضدوه بجواز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وبعضهم جزم به ورد قول [المنع] إلى الكراهة، وعلى هذا جرى الفوراني، وحكاه ابن الصباغ عن أبي إسحاق، قال الرافعي: وقد نُوزع في حكاية الكراهة عنه، وذكر أن عنده: يستحب التوقي عنهم لا غير، ومن أصحاب هذه الطريقة من قال: في الكراهة قولان.
وأظهر الطرق: أن القولين في الجواز، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب وأكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ، وخصهما الماوردي بما إذا قصدوا بذلك الدفع عن أنفسهم، أما إذا فعلوا ذلك نَكْدًا منهم فلا يمنع من قتالهم جزما، ولو تترسوا بهم وهم في القلعة، فمنهم من قال برميهم، ومنهم من قال: في جواز
[ ١٦ / ٣٩٣ ]
الرمي إليهم قولان وإن عجزنا عن القلعة إلا به؛ لانا في غنية عن أصل القلعة.
قال: وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين، أي: بالنسبة إلى عددهم، ولم يتترسوا بهم – لم يمنع من رميهم بالمنجنيق وما في معناه؛ لأن الظاهر سلامتهم، وأن الغالب أنه يصيب الكافرين [دونهم، مع أن [في منع] ذلك تعطيلا لأمر الجهاد؛ فإنهم لا يعجزون أن يمسكوا مسلمًا عندهم، ولأن الدار دار إباحة؛ فلا يحرم القتال بكون المسلمين فيها، كما أن دارنا لا تحل بكون المشركين فيها، وعلى ذلك ينطبق ما روي أنه ﷺ قال: "منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها"، وهذا هو المنصوص في "المختصر" والصحيح، وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي، لكن يكون الرمي كروهًا، كما قاله الرافعي، وحكى قولًا أنه يحرم؛ لأنه قد يصيب المسلمين، و"زوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم"، كما ورد [في] الخبر.
قال: وإن كان معهم كثير، أي: مثل أن كانوا مثل عدد المشركين أو أكثر – لم يرمهم؛ لأن الغالب أنه يصيب المسلمين.
قال: إلا إذا خاف شرهم؛ أي: خاف إن لم يقاتلهم انهزم المسلمون وهلكوا؛ لأن سلامة الأكثر مع تلف الأقل أولى، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وبه جزم الماوردي وغيره.
قال الرافعي: وقد ألحق بالضرورة ما إذا لم يحصل فتح القلعة إلا بذلك، وهذه طريقة. ومنهم من لم ينظر إلى الضرورة وعدمها، وقال: إن علم [أن] ما يرمي به من النار والمنجنيق يهلك المسلم، لم يجز [رميهم]، وإن كان ذلك موهوما، ففيه القولان.
وفي "التهذيب": أنه يجوز الرمي بما يعمهم في حال التحام القتال، والخوف على المسلمين أن يظفر بهم، وإن لم يكن ذلك، أو كانوا في حصن، فهل يجوز أن يفعل بهم ذلك؟ فيه قولان، ويجيء من مجموع ذلك في المسألة ثلاثة أقوال:
[ ١٦ / ٣٩٤ ]
أحدها: الجواز مطلقًا في حالة الضرورة [وعدمها.
والثاني: المنع في حالة الضرورة وعدمها].
والثالث: التفرقة.
ثم إذا رمي إلى القلعة أو البلد وقتل مسلما، قال الرافعي: فإن لم يعلم أن في أهلها [مسلمًا] لم تجب إلا الكفارة، وإن علم وجبت الدية والكفارة، حكاه الروياني.
قلت: وما حكاه في حالة عدم العلم هو قضية ما في "تعليق" البندنيجي في باب كفارة القتل؛ حيث قال: إذا قتل مسلمًا في دار الحرب ولم يقصد عينه، مثل أن بيَّتوهم ليلا [فقتلوهم] وكان فيهم مسلم، أو قتله في غارة -[فلا تجب إلا الكفارة]- وعلى ذلك جرى في "التهذيب" ثم، وزاد فقال: سواء عرف أن في الدار مسلمًا أو لم يعرف. وبه جزم القاضي أبو الطيب هاهنا، وعلله بأنه أبيح له الرمي إلى هذه الدار.
قال: وإن تترسوا بهم في حال القتال، أي: وخفنا من ترك قتالهم اصطلام أجناد الإسلام، واختلال ركن عظيم في الإسلام - لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يكون ذلك وسيلة إلى ترك فرض الجهاد والظفر بالمسلمين؛ فكان محظور الترك أعظم من محظور الفعل.
قال: غير أنه يتجنب أن يصيبهم، أي: فيكون القصد بالرمي والضرب المتترس دون الترس؛ قضاء للحقين بقدر الإمكان، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، حيث قال: إن تترسوا بمسلم، رأيت أن يكف إلا أن يكونوا ملتحمين، فيصيب المشرك ويتوقى المسلم جهده. وعلى ذلك جرى العراقيون والماوردي، وصدر به القاضي الحسين كلامه، وقيل: لا يجوز الرمي إذا لم يتأت ضرب الكفار إلا
[ ١٦ / ٣٩٥ ]
بضرب المسلم؛ لان غاية ما فيه أنا نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف، بدليل صورة الإكراه، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وبه أجاب الغزالي فيما إذا تترس كافر بمسلم، وأشعر إيراده بتخصيص الوجهين فيما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال، وأشار الإمام إلى الفرق بأن الإهلاك في حال تترسهم بطائفة أمر كلي لا يبعد أن يتساهل فيه في أشخاص من الأسارى؛ حفظا على الكليات.
التفريع:
إن قلنا بالمنع، فرمى وقتل مسلما، ففي وجوب القصاص طريقان:
أحدهما: تخريجه على قولي الإكراه.
والثاني: القطع بالوجوب كالمضطر إلى قتل إنسان ليأكله، ويفارق المكره فإن ملجأ إلى القتل، وهاهنا بخلافه، وأيضًا: فإن ثم من يحال عليه، وهو المكره، وليس هاهنا من يحال عليه.
وإن قلنا بظاهر النص، فرمى وقتل مسلما، قال الرافعي: فلا قصاص؛ لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان. وهذا ما أورده أبو الطب وابن الصباغ والبندنيجي، وقال القاضي الحسين: مع قولنا: إنه يجوز رمي المتترس دون الترس، إذا رمى فأصاب الترس كان في وجوب القود عليه الطريقان:
أحدهما: القطع بالوجوب.
والثاني: تخريجه على القولين في المكره.
ثم قال: وقيل على القول الذي يقول: يلزمه القود: ينبغي ألا يجوز له قصد المتترس؛ لأنه لا يأمن أن يفضي قصده إلى قتل محرم، فوجب للقود.
وفي "الحاوي" ما يقرب من ذلك؛ فإنه جزم بجواز الرمي إلى المتترس في حالة الضرورة، ثم قال: ولو دعته الضرورة إلى قتل الترس ليتوصل به إلى دفع المشرك عن نفسه، ففي وجوب القود عليه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة
[ ١٦ / ٣٩٦ ]
تخريجًا من اختلاف قوليه في المكره، وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة في آخر الفصل عن بعض: أنا إن لم نوجب القود على المكره، فهاهنا أولى، وإن أوجبناه على المكره، فهاهنا قولان، والفرق [: أن] المكره قتل لإحياء نفسه [وحده] لا غير؛ فكان كما لو قتله للمجاعة، وأما هاهنا: [فإنما] قتله لإعلاء كلمة الله تعالى، دفعًا عن المسلمين لا عن نفسه وحده، وهذه الطريقة تأتي في الحالة الأولى التي حكينا عنه فيها الطريقين من طريق الأولى، وأما الكفارة، فتجب على كل حال، وفي وجوب الدية خلاف سبق.
أما إذا تترسوا بهم في غير حال القتال، فالذي جزم به القاضيان أبو الطيب والحسين، وابن الصباغ والماوردي وغيرهم: منع الرمي، وأنه إذا رمى فأصاب مسلما قصده، [وجب] القصاص [قولا] واحدا، وكذا الدية عند العفو.
قال ابن يونس: [وقيل بجواز] رميهم بكل حال كما لو تترسوا بالنساء والصبيان، وليس بشيء؛ لأن حرمة المسلم آكد، وحكم المستأمن والذمي في دار الحرب في جميع ما ذكرناه حكم [المسلم] إلا في وجوب القود، قاله الماوردي والرافعي وغيرهما.
فرع: إذا تترس كافر بمال مسلم أو فرسه، فإن كان في غير القتال فلا يجوز أن يقصد المتترس، وفي حال القتال، إذا اضطر إلى قصد المتترس فلا يقصد الترس، فإن بلغ إلى حالة لا يصل إلى [المتترس] إلا بأن يقصد الترس، فله ذلك، وهل يجب عليه الضمان؟ قال القاضي الحسين: إن قلنا في النفس يجب القود قولا واحدا، [فهاهنا يجب الضمان قولا واحدا]، وإن جعلنا في القود قولين، فهاهنا لا يجب ضمان المال، وليس كما إذا أكره على إتلاف مال الغير؛ فإن قرار الضمان على المكره.
[ ١٦ / ٣٩٧ ]
و[هل] يكون المكره طريقًا في الضمان؟ فيه وجهان؛ لأن هاهنا لا يمكن أن يقال: إن الرامي يكون طريقا؛ لأن الحربي ليس عليه قرار الضمان، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
تنبيه: الأسارى: بضم الهمزة وفتحها، قال ابن فارس: وليس المفتوحة بالعالية. ويجمع أيضًا [على]: أٍرى، والواحد: أسير ومأسور، وهو مشتق من "الإسار" وهو القِدُّ، لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقِدِّ، فسمي كل أخيذ أسيرا، وإن لم يشد به، ويقال: أسرت الرجل أسرا [وإسارًا].
قال: ومن آمنه مسلم – هو بهمزة ممدودة – بالغ عاقل مختار، حرم قتله، أي: ما دام الأمان باقيا، سواء كان المؤمن إماما أو نائبه أو غيرهما، حرا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، عدلًا كان أو فاسقًا.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، أي: استأمنك فآمِنْه، أو: استعانك فأعنه، وكلام الله، قيل: [أراد به] سورة "براءة" خاصة، وقيل: جميع القرآن، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، أي: [بعد] انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، [أي]: الرشد من الغي، أو استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم. وقوله ﷺ: ["دَمُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدٌ، فَمَنْ خفر مُسْلِمًا، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"]، وقوله ﷺ: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ"، أي: عبيدهم، كما قاله أبو عبيد؛ لأنهم أدنى من الأحرار.
[ ١٦ / ٣٩٨ ]
وقد روي أن عمر – ﵁ – جهز جيشا، فنزلوا على قرية من قرى رامهرمز، فرأوا أنهم سيفتحونها، فرجعوا حتى يقيلوا ويرجعوا، فبقي عبد منهم فواطأ أهل القرية وواطئه، فكتب لهم كتابا في صحيفة، ونبذها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر – ﵁ – فقال: "العَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ"، ولم يخالفه فيه أحد؛ فكان إجماعًا.
وروي أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت – عام الفتح -: يا رسول الله، إني قد أجرت حَمَويَّ، وزعم ابن أمي أنه قاتلهما – تعني علي بن أبي طالب –فقال رسول الله ﷺ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، ومعنى هذا الخبر ثابت في "الصحيحين".
وحكى الرافعي عن ابن أبي هريرة: أنه لا يصح أمان الفاسق؛ لأنه ولاية، وليس هو من أهلها، ونسب القاضي الحسين هذا الوجه إلى ابن سريج، وأن غيره قال: إن كان فسقه بسبب معونته لهم على المسلمين فلا يجوز، وإن كان بزنى أو شرب خمر صح.
وظاهر المذهب ما دل عليه كلام الشيخ، ويشهد له قصة العبد السالفة.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ هنا يقتضي أمورًا:
أحدها: جواز تأمين بعض الرعية لأهل بلد، وأكثر من ذلك؛ لإتيانه بلفظة "مَنْ" الصالحة لذلك، وأنه لا فرق في المُؤَمَّن الكافر بين أن يكون قد أسر أم لا، وقد قال الأصحاب: إن نفوذ أمان أحد الرعية منوط بشرطين:
[ ١٦ / ٣٩٩ ]
أحدهما: ألا يتعطل الجهاد [به]، وذلك مثل أن يؤمن نفرا يسيرًا من الواحد إلى العشرة، وكذا المائة والقافلة، وكذا القلعة الصغيرة، كما حكى عن "البيان"، ويشهد لذلك قصة العبد السابقة.
وفي "الرافعي": أن الأشبه في القلعة المنع، وما جاوز ذلك لا يصح أمانه فيه، بل هو منوط بالإمام ونائبه، والشيخ نبه على ذلك في باب عقد الهدنة.
وألحقوا بذلك ما إذا أمن مائة ألف من المسلمين مائة ألف من الكافرين، فظهر انحسام الجهاد أو نقصانه بذلك، وأبطلوا أمانهم، قال الرافعي: ولك أن تقول: إن أمنوهم [معًا، فردُّ الكل متوجهٌ، وإن أمنوهم] علىلتعاقب، فينبغي أن يجوز أمان الأول فالأول إلى ظهور الخلل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إنما يجوز أمانه لواحد واحد، فإذا فعل كذلك جاز، وإن أمن ثلاثمائة أو أكثر، فأما إذا أمن أهل بلدة أو قرية أو قبيلة كلهم لم يجز، قلوا أو كثروا؛ لأن طريق هذا طريق الهدنة. ثم قال: ويحكي هذا عن أبي إسحاق. وهذا قد حكاه الرافعي عن الروياني حيث قال: إذا أمن واحدا واحدًا جاز، وإن كثروا حتى زادوا عن عدد أهل البلدة
[ ١٦ / ٤٠٠ ]
الواحدة، أو القرية الواحدة.
والشرط الثاني: ألا يكون الكافر المُؤَمَّن قد أسره المسلمون، سواء في ذلك عدم إشرافه على الأسر أو إشرافه عليه، كما إذا كان في مضيق أو في حصن، أو في جوف بئر أو في القتال وقد انهزموا، فإن كان مأسورًا فقد أطلق معظم الأصحاب القول بأنه لا يصح إلا من الإمام؛ لما فيه من إبطال التخيير الثابت له، وفي "الحاوي" أن الأمر كذلك إذا انتهى إلى يد الإمام، وكذلك إذا انتهى إلى يد نائبه، لا يصح تأمينه من غيرهما، وإن لم يصل إليهما لا يصح من غير [من] أسره من الرعية، ويصح ممن أسره، ومن الإمام، وكذا من نائبه إن كان الأسير من ثغره، وإن كان من غير ثغره فلا يصح منه؛ لخروجه عن ولايته.
الأمر الثاني: اختصاص الأمان بالرجال من الكفار دون النساء؛ لأن المتصف بحل القتل قبل الأمان الرجال دون الذراري والنسوان، وفائدة الأمان- لو صح مع النساء –مَنْعُ الاسترقاق، وما أفهمه كلام الشيخ فيهن صرح به الغزالي، ووجهه بأن أمان المرأة إنما يصح تبعًا للرجال؛ فلا يستقل، والماوردي جزم بصحة أمان المرأة، قوال القاضي الحسين: إنه يتخرج على قولين؛ بناء على أنه إذا صالح أهل حصن ليس فيه إلا نسوة وقد أشرفن على الاسترقاق، على مال حتى لا يسترقهن-فهل يسقط حق الاسترقاق ببذل المال؟ فعلى قولين، فإن قلنا: إنه يسقط به سقط بالأمان، وإلا فلا، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
الأمر الثالث: أن الأمان لا يفيد غير تحريم القتل، وقد قال الأصحاب: إنه يفيد معه منع الاسترقاق والمفاداة، وهل يفيد عصمة ماله وأهله؟. قال الغزالي وإمامه: إن شرط ذلك في الأمان، فنعم، وإلا فلا يدخل الذي في دار الحرب فيه، وفي دخول ما معه من المال فيه، فيه وجهان، المذكور منهما في "تعليق" البندنيجي: الدخول، وكذلك هو في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب في عقد الهدنة، وقال: إنه لا يدخل فيه زوجته، وألحق البندنيجي الذرية بالمال.
وفي "الحاوي": أنه يدخل في الأمان على نفسه ما يباشره من ثيابه التي لا
[ ١٦ / ٤٠١ ]
يستغني عنها، وما يستعمله من آلته التي لابد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه لضرورته إلى ذلك، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، وكذا ذراريه.
وسواء كان المؤمِّن الإمامَ أو غيره، ولو أمنه على نفسه وماله، فإن كان ماله حاضرًا صح أمانه عليه، سواء كان المؤمن إمامًا أو غيره، وإن كان غائبًا فلا يصح إلا من الإمام، أو من قام مقامه من وُلاة الثغور، وكذا حكم الذرية في حال الحضور والغيبة على ما فصلناه.
الأمر الرابع: أن تحريم قتل المؤمن يعم جميع المسلمين في جميع الأماكن والأزمان، والأمر كذلك عند الماوردي في الأماكن، إذا شمل الأمان بالتصريح جميع بلاد الإسلام، سواء كان المؤمن إمامًا أو غيره، أما إذا أطلق الأمان: فإن كان المؤمن إمامًا فالحكم كذلك أيضًا، وإن كان نائبًا عنه شمل الأمان بالتصريح جميع محل ولايته حالة الأمان، ولا يزول عن بعضها بعزله منه، ولو كان من آحاد الرعية تناول موضع سكن المؤمن من بلد أو قرية، ولا يتعدى ذلك إلى غيره إلا إلى الطريق الموصلة [إليه] من دار الحرب، ويكون أمنه فيه في حالة اجتيازه [فيه] بقدر الحاجة، دون حال الإقامة، وكذا الحكم فيما إذا عين له المؤمن موضعًا بعينه.
وأما الزمان فهو مقدر بما سنذكره في الهدنة، فإن صرح المؤمن بما يجوز منه لم يتعداه، ويجوز له أن يستوي المدة بمقامه في المكان الذي عينه له، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، اللهم إلا أن يكون الأمان عامًا في بلاد الإسلام كلها؛ فإن المدة إذا نقضت لا تكون في أمان إلى عوده إلى بلده، وهذا ما حكاه الماوردي هنا، وأفهمه كلام البندنيجي وغيره في كتاب عقد الهدنة، وقال الماوردي ثم: إن أمانه مقصور على حقن دمه وماله دون مقامه، ولم يكن لمن أمنه من المسلمين تقدير مدته، فإذا رأى الإمام من المصلحة إخراجه، [أخرجه] آمنا حتى يصير إلى مأمنه.
[ ١٦ / ٤٠٢ ]
ثم على الأول لو صرح بقدر زائد على ما يجوز عقده من المدة بطل الأمان في القدر الزائد، [وفي] الباقي طريقان حكاهما [الماوردي] وسنذكرهما عن غيره في باب [عقد] الهدنة:
أحدهما: القطع بالصحة فيه.
والثاني: تخريجه على قولي تفريق الصفقة.
وإن أطلق الأمان تناول المدة الثابتة بالنص، وهي أربعة أشهر لا غير، بوعدها يعلم أن أمانه قد انقضى؛ فيرد إلى مأمنه، والله أعلم.
قال: وإن أمنه صبي، لم يقتل.
الصبي لا يصح أمانه؛ لأنه عقد فلم يصح منه كسائر عقودهن ولكن المؤمن لا يقتل، كما قال الشيخ.
غير أنه يعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لأنه دخل معتقدًا أنه في أمان، فكان شبهة في منع قتله.
وهكذا الحكم فيما إذا أمنه مجنون أو مكره لا يصح، ولا يقبل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لما ذكرناه.
ولو أمن الذمي كافرًا لم يصح أمانه؛ لأنه متهم، وليس له العقد علينا، وقد روي أنه - ﵇ – قال: "يجبر على المسلمين بعضهم".
تنبيه: في قول الشيخ: "ويعرف أنه لا أمان له:، ما يعرفك أن المسألة مصورة بما إذا لم يكن عالمًا بعدم صحة أمان الصبي، أما لو كان عالمًا به، حل قتله في الحال؛ لأنه حربي دخل بغير أمان، قاله في "المهذب" والقاضي الحسين وغيرهما.
قال: ومن أمنه أسير قد أطلق، أي: من القيد والحبس، وأمنوه على ألا يخرج من دارهم فبقي فيها غير قادر على الخروج منها.
[ ١٦ / ٤٠٣ ]
قال: باختياره، أي: حصل الأمان باختيار من الأسير؛ فلم يكن مكرهًا فيه.
قال: حرم قتله؛ لعموم الأخبار. ويظهر من هذه الصورة والحكم فيها جواز أمان التاجر في دار الحرب. لكن في "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا أمنهم لا يكون أمانا يلزم إمضاؤه المسلمين، لكنه يكون أمانًا لهم منه، حتى لا يجوز له أن يغتالهم، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وطرده فيما إذا دخل مسلم لدار الحرب بأمان، فأمن كافرًا منهم، وقضية ذلك أن يطرد هذا الحكم بجملته في الأسير في الصورة التي ذكرناها من طريق الأولى؛ ولأجل ذلك أطلق بعضهم في صحة أمان الأسير وجهين، أصحهما: المنع.
ثم في صورة مسألة الكتاب التي ذكرناها لا يكون الكافر المؤمن آمنًا من المسلمين، إلا في دار الحرب في الموضع الذي فيه الأسير كما صرح به الماوردي، إلا أن يصرح بأمانه في غيره، فيأمن فيه، ولو لم يؤمنهم، وقد أمنوه، كما ذكرنا، ولا شرطوا عليه أن يكونوا في أمان منه – فهل له أن يغتالهم؟
المذهب: لا؛ كما لو شرطوا عليه عند إطلاقه أن يكونوا في أمان منه، وقد عزاه القاضي الحسين في قتال أهل البغي إلى النص، وغيره نسبه إلى نصه في "أمالي حرملة".
وعن ابن أبي هريرة: أن له أن يغتالهم؛ لأنهم لم يستأمنوهن فأشبه ما لو أطلقوه من غير شرط أصلًا، ولو خرج من ديارهم فاتبعه قوم منهم فله قتلهم في الأحوال الثلاثة.
تنبيه: في قول الشيخ: قد أطلق، ما يفهمك أنه إذا كان في قيد أو حبس لا يصح أمانه، وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب"؛ لأنه مقهور في أيديهم لا يعرف وجه النظر والمصلحة، ولأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمن آمنا، والأسير في أيديهم ليس بآمن.
قلت: ولأن القيد والحبس كالإكراه على الفعل، دليله ما إذا ارتد المسلم وهو [في] قيدهم أو حبسهم لم يحكم بصحة ردته؛ لجعل ذلك كالإكراه عليها، وإن لم يطلب منه، والذي أطلق القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ أبو
[ ١٦ / ٤٠٤ ]
حامد القول به: أنه يصح أمان الأسير قال البندنيجي: ولو كان محبوسًا. ونسبه إلى نصه في "حرملة"، موجِّهًا له بأنه ما حبس ليؤمن، فإذا تبرع به فهو مختار، وهذا ينتقض بمسألة الردة؛ فإنه ما حبس ليرتد، ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا أمن من لم يأسره، والقطع بالمنع [إذا] أمن من أسره؛ لأنه كالمكره من جهته، وعلى ذلك جرى الغزالي، ويقرب منه قول الماوردي: عندي أن أمانه يعتبر بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمان لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
ثم إذا قلنا: لا يصح أمانه عموما، فهل يصح بالنسبة إلى الأسير حتى لا يجوز أن يغتال من أمنه كما في التاجر، أم لا يصح؟ فيه وجهان، والذي أورده الغزالي: الأول، والذي مال إليه الأكثرون – ومنهم القفال -: مقابله، وفرق القاضي الحسين بينه وبين التاجر: بأن التاجر في أمان منهم، وليس كذلك الأسير، وقضية الأمان: التساوي.
واعلم أن الأمان يصح بالصريح كقوله: أمنتك، أو: أنت آمن، أو: في أمان، أو: أنت مجار، أو: قد أجرتك، أو: لا بأس عليك، أو: لا خوف عليك، وما شاكله كما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وفي إيراد بعضهم ما يقتضي أن قوله: لا بأس عليك، كناية، وهذا خلاف ما دل عليه قول الصحابة؛ فإنه روى أن عمر –﵁ – قال للهرمزان: "تَكَلَّمْ وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ"، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، [قَدْ أَمَّنْتَهُ]، فَقَالَ عُمَرُ: كَلاَّ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيرُ: قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ؛ فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ – ﵁ – القَتْلَ.
ويصح بالكتابة والرسالة مع الكافر والمسلم، وعد ذلك من الصرائح، ويصح أيضًا بالكناية مع النية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو: كن كيف شئت، أو: لا تخف ولا تحزن، [عند الماوردي، وعند الروياني قوله:"لا تخف ولا تحزن"] من الصرائح.
[ ١٦ / ٤٠٥ ]
والإشارة المفهمة عند الماوردي والبندنيجي وأبي الطيب والقاضي الحسين من الكنايات حتى قالوا: إنه لو أشار ثم مات قبل أن يبين مراده، لم ينعقد الأمان، وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في "سير الواقدي". نعم، لا يقتل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه.
وفي "المهذب": أنه يحصل الأمان بالإشارة المفهمة من غير تقييد بأن يصرح المشير بالأمان. نعمم، لو قال المشير: ما أردت الأمان، قبل قوله، وعرف أنه لا أمان له. ولا فرق في الإشارة بين أن تصدر من ناطق أو أخرس، كما صرح به الإمام.
وكما يصح الأمان منجزا، يصح معلقا ولو على الأخطار وبالغرر.
ويعتبر من جانب الكافر المؤمن أمران:
أحدهما: أن يبلغه الأمان، فإن لم يبلغه فلا أمان له، حتى لو ابتدر المؤمن فقتله جاز، صرح به القاضي الحسين والرافعي وغيرهما، وبنى القاضي [على ذلك] ما لو أشار المسلم إليه قاصدًا الأمان، وقال الكافر: لم أفهم منه الأمان – أنه لا ينعقد له أمان.
والثاني: ألا يرد الأمان، فإن رده ارتد، كالإيجاب في البيع والهبة.
وفي اعتبار النطق بالقبول أو الإشارة به أو الأمارة تردد عند الإمام، وقال: إن الظاهر أنه لابد من ذلك، وهو المذكور في "الوجيز"، ومقابله هو المذكور في "التهذيب"، وقول المؤمن للمؤمن بعد قبول الأمان: لست أؤمنك، فخذ حذرك مني، قائم مقام رد الأمان عند الإمام؛ لأنه لا يثبت في أحد الطرفين دون الآخر.
قال: ومن اسلم منهم في حصار أو مضيق، أي: رجلًا كان أو امرأة، كما صرح به في "التهذيب" وغيره –حقن دمه وماله، أي: صانه ومنعه أن يستباح؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي
[ ١٦ / ٤٠٦ ]
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ﷿"، وأخرجه مسلم وغيره، وقوله – ﵇ -: "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ".
قال: وصان صغار أولاده، أي: الأحرار عن السبي؛ لما روى الشافعي – ﵁ – بإسناده أن النبي ﷺ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَسْلَمَ ابْنَا سَعْيَةَ، وَهُمَا ثَعْلَبَةُ وَأُسَيدُ، كَمَا قَالَهُ القَلْعِيُّ فِي المستَغرب، فَأَحْرَزَ إسْلامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَأَوْلادَهُمَا الصِّغَارَ، وفي روايَةِ الشَّعْبِيِّ: وَالدُّور وَالشَّجَرَ.
وفي "التهذيب" و"الإبانة" قول الشافعي –﵁ -: "إن المرأة لا تصون أولادها الصغار"، قال الرافعي: وإن صح هذا، فيشبه أن يقال: لا يستتبع الولد في الإسلام، والأظهر: الأول.
والمجنون المتصل جنونه بصباه في حكم الصبي، وإن جن بعد البلوغ ففي صيانته بإسلام الأب وجهان في "التهذيب" وغيره؛ بناء على عود ولاية المال إليه، وأصحهما فيما نحن فيه: نعم، وقياس البناء: ألا يتبع الأم إذا أسلمت، وقلنا: لا ولاية لها كما هو المذهب.
وحكم الحمل فيما ذكرناه حكم الولد الصغير؛ لأنه حر مسلم، فوجب أن يتبع أباه كما لو كان منفصلًا. نعم، هل يجوز استرقاق أمه في حال اجتنانه إذا كان المسلم أباه؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وجزم الإمام بأنها إذا لم تكن زوجة: أنها تسترق.
وولد الولد هل يلحق بالولد فيما ذكرناه؟ فيه وجهان في "التهذيب"، وأظهرهما في "الرافعي": نعم، وقيل: هما فيما إذا كان أبوه حيا، فإن كان ميتا أحرزه وجها واحدا، وهذا ما صححه الروياني، وفي "الإبانة" أن القفال قال مرة
[ ١٦ / ٤٠٧ ]
أخرى: "إن الوجهين فيما إذا كان أبوه ميتا، فإن كان حيا لم يصنه قولا واحدا".
ولا تلحق بالأب في ذلك ابنته البالغة العاقلة، وإن تبعته في عقد الذمة؛ لأنها متمكنة من الإسلام، بخلاف عقد الذمة.
وكذا لا يمنع إسلامه استرقاق زوجته على المنصوص في "سير" الواقدي والأوزاعي كما قاله البندنيجي، وهوا لذي صححه القاضي أبو الطيب، وجزم به الماوردي، وحكى فيما إذا تزوج المسلم حربية في جواز سبيها واسترقاقها وجهين:
أحدهما: الجواز؛ كما لو أسلم زوجها بعد كفره.
والثاني: لا يجوز؛ كما أن المسلم لو استأجر أرضًا من دار الحرب، لا تغنم حتى تنقضي مدة إجارته.
قال القاضي أبو الطيب: والفرق بينها وبين منفعة البضع المملوكة بالنكاح: أن مدة الإجارة تنقضي؛ فليس لهم أن يغنموها حتى يستوفي ما ثبت له من الحق، وليس النكاح كذلك، فإنه ليس له غاية ولا هو مؤقت، ولو قلنا: لا يملكونها، أدى إلى إبطال حقهم.
وكلام الماوردي والرافعي وغيرهما مصرح بجواز اغتنام الأرض، ولكن الإجارة لا تنفسخ، وفرق بأن المنفعة تثبت عليها اليد؛ هي كالمال، ومنفعة البضع لا تثبت عليها اليد؛ فلم تكن كالمال، قال في"التهذيب": وكذلك لا تضمن بالغصب.
وقد أجرى هذا الوجه المصنف والقاضي أبو الطيب والإمام وغيرهم، في منع استرقاق زوجة الحربي إذا أسلم وتخلفت، والفوراني حكاه قولًا مخرجًا؛ فإنه حكى فيها النص المتقدم، وقال: إن الشافعي –﵁ – نص على [أن] معتق المسلم إذا التحق بدار الحرب، أنه لا يسترق ولا يغنم، فمنهم من جعل المسألتين على قولين:
[ ١٦ / ٤٠٨ ]
أحدهما: لا يغنم واحد منهما؛ لتعلق حق المسلم بالزوجية والولاء فيهما.
والثاني: يجوز؛ لأنهما بالغان حربيان، صارا كسائر من يجوز اغتنامه.
ومنهم من فصل، فقال: تسبى الزوجة؛ لأن النكاح قابل للفسخ، ولا يسبي المعتق؛ لأنه لا سبيل إلى دفع الولاء وفسخه، وهذه طريقة الشيخ أبي علي.
قال الرافعي: والظاهر ما نص عليه في الصورتين، وإن قدر الخلاف هكذا، قال الجمهور: والذي أورده العراقيون والماوردي في مسألة الولاء: المنصوص. نعم، حكوا الخلاف في جواز استرقاق معتق الذمي، وصحح البندنيجي الجواز، وفرق بينه وبين معتق المسلم [بأن الذمي يجوز أن يحدث عليه الرق؛ فلم يمنع ولاؤه من الاسترقاق، بخلاف المسلم] والذي اختاره ابن كج في الزوجة: امتناع الاسترقاق أيضًا.
قلت: وهو قضية ما صححه القاضي الحسين والفوراني، في: أن زوجة من لا رأي له ولا قتال فيه [ومن] في معناه – لا تسبي ولا تسترق إذا قلنا: إنهم لا يقتلون؛ لأن نعمة الزوج بالإسلام مقطوع بها؛ فكان المسلم [بإحراز الزوجة أولى].
قال: ومن عرف من المسلمين من نفسه بلاء في الحرب، أي حماية فيه وقوة له كما قاله الأزهري جاز له أن يبارز، أي: من غير كراهة ولا استحباب؛ لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا﴾، وهو: الإسراع في المبارزة ﴿وثقالا﴾ أي: في الثبات والمصابرة.
وروى أبو هريرة – ﵁ – أنه – ﵊ – سئل عن المبارزة بين الصفين، فقال: "لا بأس به".
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أن هذه المبارزة مكروهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
[وحكى القاضي أبو الطيب وغيره، في باب "ما يكره لبسه"، عن أبي عليٍّ
[ ١٦ / ٤٠٩ ]
الطبري، أنه حكى وجهًا في "الإيضاح": أن ذلك لا يجوز، وأنه اختاره؛ موجِّهًا له بألاَّ يؤمن أن يخرج إليه من هو أقوى منه؛ فيقتله؛ فيوهن ذلك المسلمين].
والمذهب: الأول، وهو مشروط بما إذا بارز بإذن الحاكم على الجيش، وبما إذا لم يدخل [بقتل] المبارز ضرر على المسلمين؛ لكونه أميرهم الذي تختلُّ بفقده أمورهم، فإن عدم شيء من ذلكن لم يجز ابتداء، قاله الماوردي، وحكى غيره وجهًا في جوازه بغير إذن الإمام، لكن المستحب استئذانه، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ [هنا]، وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه أظهر الوجهين، [وقال الرافعي: إنه أصح الوجهين]، وإن عليه الأكثرين، وإن عليهما بنى الأصحاب الخلاف في أن المبارز [لو آمنه المستبد] بالمبارزة من المسلمين، هل يصح أم لا؟ وكذا حكى الخلاف في جواز مبارزة الضعيف، والمذكور منهما في "تعليق" القاضي الحسين: المنع، [وكذا في "تعليق" أبي الطيب كما حكاه في باب ما يكره لبسه]، وفي "الرافعي" حكاية عن النص أنه مكروه، وقال في "المهذب": إنه صحيح.
قال: وإن بارز كافرًا، استحب لمن عرف من نفسه بلاء أن يخرج إليه؛ لما روى أبو داود عن علي –﵁ – قال: تقدم – يعني: عتبة بن ربيعة – وتبعه ابنه وأخونه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقالوا: [لا] حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بنى عمنا، فقال رسول الله ﷺ: "قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيدَةُ بْنُ الْحَارِثِ"، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَاَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَة، وَاخْتُلِفَ بَينَ عُبَيدَةَ وَالوَلِيدِ ضَربَتَانِ، فَأَثْخَنَ
[ ١٦ / ٤١٠ ]
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الوَلِيدِ، فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلَنَا عُبَيْدَةَ.
وقد اخرج مسلم في "صحيحه" من حديث قيس بن عبادة قال: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًان إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الذِينَ بَرَزُوا يَومَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
وروى ابن المنذر بإسناده عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: كنت مع النبي ﷺ [يَومَ خَيبَرَ، فَخَرَجَ مَرْحَبُ يَطْلُبُ مَنْ يُبَارِزُهُ، فَخَرجَ إِلَيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَربَهُ عَلِيٌّ – كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ – فَعَلَّقَ رَأَسَهُ، ثُمَّ حَزَّهُ وَجَاءَ بِهِ بْنُ مَسْلَمَة، بأمر النبي ﷺ فقتلهن وهي رواية جابر بن عبد الله.
ولأن في تركها إضعافًا لقلوب المسلمين وتقوية لقلوب الكافرين، ولو خرج إليه من يضعف عن لقائه، كره له ذلكن قاله أبو الطيب.
وفي "الرافعي": أن ابن كج أطلق استحباب المبارزة، ولم يفرق بين الابتداء والإجابة.
قال: فإن شرط ألا يقاتله غيره، أي: شرط الكافر ألا يقاتله غير من برز إليه مجيبًا أو مبتدئًا، وفي له بالشرط؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله – ﵇ -: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ".
قال: إلا أن يثخن المسلم [أو ينهزم]، فيجوز قتاله؛ لأنه شرط الأمان حالة القتال، فانقضى بزواله، ولأن الوليد بن عتبة بن ربيعة لما أثخن عبيدة بن الحارث في يوم بدر، ولم يبق فيه قتال – مال على
[ ١٦ / ٤١١ ]
وحمزة – ﵄ – على الوليد، فقتلاه.
ولو أثخن المسلم الكافر، فهل يجوز أن يقتل غيره؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج.
والإثخان: انتهاؤه بالجرح إلى سقوط قيامه، بحيث لا يبقى له حراك ولا متناع.
وهذا الحكم فيما إذا لم يشترط الكافر عدم التعرض إليه، لكن جرت العادة بأن من برز لا يقاتله غير من برز إليه، فتجعل العادة كالشرط، كما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ عن نص الشافعي – ﵁- وغيرهم قال: إنه منصوص عليه في "سير" الواقدي، وبه جزم الروياني، وهو ما اختاره في "المهذب"، بعد أن حكى عن بعض أصحابنا أنه يستحب ألا يتعرض له غيره في هذه الحالة.
ولو لم يَجْرِ شيء من ذلك جاز للمسلمين قتله مع المبارزة، ولو شرط ألا يقاتله غيره وإن أثخن المسلم وتمكن منه، فالشرط فاسد؛ لما فيه من الضرر، وهل يفسد به أصل الأمان؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج.
قال: فإن شرط ألا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف، وفي له بذلك؛ عملا بالشرط، قال الماوردي: إلا أن يصدر من الكافر إحدى خصال ثلاث، فيجوز التعرض له:
إحداهن: إن تولى عنه المسلم فيتبعه.
والثانية: أن يظهر المشرك على المسلم، ويعزم على قتله؛ فيجب علينا أن نستنقذه [منه]؛ لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدرنا على ذلك بغير قتله، لم يجز أن نقتله، وإن لم نقدر على استنقاذه إلا بقتله، جاز قتله لاستنقاذ المسلم منه؛ لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدرنا على ذلك بغير قتله، لم يجز أن نقتله، وإن لم نقدر على استنقاذه إلا بقتله، جاز قتله لاستنقاذ المسلم منه؛ لأنه لا أمان [له] على قتل مسلم.
والثالثة: أن يستنجد الكافر أصحابه من المشركين في معونته على المسلم،
[ ١٦ / ٤١٢ ]
وفي هذه الحالة تكون إعانة المسلم للمسلم واجبة، كما صرح به القاضي أبو الطيب عن النص. نعم، لو أعانوه من غير أن يستنجدهم، فنهاهم عن ذلك، فلم ينتهوا – لم يجز أن يتعرض له، وكان لنا قتال من أعانه، وإن لم يمنعهم كان إمساكه عن [المسلمين] رضًا بمعونتهم؛ فصار كما لو استنجدهم، وبهذا صرح أبو الطيب والبندنيجي.
ولو كانت العادة جارية بألا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف، كان الحكم كما لو شرط ذلك، كما نص عليه الشافعي، ﵁.
قال: وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين.
الأصل في وجوب الثبات قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية، وقوله – ﵇-: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ – وَعَدَّ مِنْهَا -: التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ".
وفي اعتبار الاثنين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بمعونة الله، أو: بمشيئة الله، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أي: على القتال في معونتهم على عدوهم، وهذا أمر بلفظ الخبر، وألا لوقع خلاف الخبر، وهو محال.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾، ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، ولأن التخفيف لا يدخل إلا فيما هو أمر، ولا يدخل في الإخبار إلا عن متقدم، ويعضده ما روى أبو داود عن ابن عباس – ﵄ –قال: نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ [اللهُ] عَلَيهِمْ أَلاَّ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَة، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ، فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الآية.
قال]: فَلَمَّا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنَ العدة، نقص مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.
[ ١٦ / ٤١٣ ]
وروي عن ابن عباس – ﵄ – أنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر.
قال الشافعي – ﵁-: وهذا في معنى التنزيل. قال القاضي الحين: ولعل المعنى فيه أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين: إما أن يقتل فيفوز بالجنة، أو لا يقتل فيفوز بالدنيا والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا، وهذا بَيَّن في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية [التوبة: ٥٢].
فأوجب على كل مسلم المصابرة مع مشركين [لهذا].
قال: إلا متحرفًا لقتال، أي: مثل أن يكون الموضع الذي هو فيه لا يتهيأ له فيه القتال لضيقه، أو لكون عين الشمس أو الريح الناقل التراب في وجهه؛ فينحرف إلى مكان يتهيأ [له] فيه القتال.
قال: أو متحيزًا إلى فئة، أي: مثل أن ينهزم ليضم نفسه إلى قوم، ليعود معهم إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ [الآية] [الأنفال: ١٦].
ولا فرق في المتحيز إلى فئة بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة، كالحجاز وخراسان على الأصح، وبه جزم أبو الطيب والماوردي والمصنف وغيرهم.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر – ﵄ – أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةٌ، وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَاك كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ؟ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ صلاَةِ الفَجْرِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ وَقُلْنَا: نَحْنث الفَرَّارُونَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا وَقَالَ: "لاَ، بَلْ أَنْتُمُ الكَارُّونَ"، قَالَ: فَدَنَوْنَا، فَقَبَّلْنَا يَدَهُ، فَقَالَ: "أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ".
[ ١٦ / ٤١٤ ]
ومعنى "حاص الناس حيصة"، أي: جالوا جولة يطلبون الفرار، وهي بفتح الحاء المهملة والصاد المهملة.
وروي: "فجاص" [بفتح] الجيم، بمعنى: فر، وقد روي عن عمر – ﵁ – أنه قال::"أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ"، وكان بالمدينة والمجاهدون بالشام.
وفي طريق المراوزة وجه: أنه لا يجوز إلى الفئة البعيدة، وهو الذي أفهم كلام الفوراني الجزم به.
وعلى كل حال: فهل يجب عليه أن يحقق العزم بالقتال مع الفئة التي تحيز إليها؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، فلو انصرف عن اثنين لا لما ذكرناه فقد باء بسخط من الله، وفعل كبيرة.
قال الشافعي – ﵁ -: إلا أن يعفو الله عنه.
قال ابن أبي هريرة – كما رواه أبو الطيب -: وهذا دليل على بطلان قول من زعم أن الشافعي – ﵁ – يرى مذهب الاعتزال.
وفي "الحاوي": أنه هل يشترط في توبته معاودته للقتال؟ فيه وجهان، وعند من لم يشترطه: لابد من نية أنه متى عاد لا ينهزم، إلا كما أمر الله تعالى.
وعند الإمام أن محل جواز التحيز إلى فئة أخرى: إذا استشعر الموَلِّي عجزًا محوجًا إلى الاستنجاد؛ لضعف جند الإسلام، [فإن لم يكن كذلك فلا حاجة إلى التحيز؛ فإن تحيزه قد يقل جند الإسلام].
ويظهر أن يكون الغزالي أخذ من هنا ما أطلقه من أن الانصراف إذا كان فيه انكسار المسلمين لم يجز، فإن لم يكن فيجوز إن قصد التحيز والانحراف، قال
[ ١٦ / ٤١٥ ]
الرافعي: ولم يشترط غيرهما ذلك.
قال: فإن خاف أن يقتل، أي: وغلب على ظنه ذلك، فقد قيل: له أن يولي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
والمذهب: أنه ليس له أن يولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، ويكون معتمدًا على تفضل الله – تعالى – بالنصر، ولا فرق في ذلك – كما قاله الماوردي – بين أن يكون المسلمون فرسانًا والكفار رجالة أو بالعكس، وهذا مقيد في "الرافعي" بما إذا أمكن كذلك.
قال: وإن كان بإزائه أكثر من اثنين، وغلب على ظنه أنه لا يهلك – [أي]: بكسر اللام – فالأولى أن يثبت؛ حتى لاتنكسر قلوب المسلمين، ويفوز بالجهاد، وإنما لا يجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦].
وحكى المراوزة فيما إذا كان من المسلمين مائة من الأبطال، وفي مقابلتهم من الكفار مائتان وواحد من الضعفاء: أنه يجب الثبات على أصح الوجهين؛ لأنهم يقاومونهم، وإنما يراعى العدد عند تفاوت الأوصاف، والخلاف عندهم جار في عكس ذلك، وهو ما إذا كان مائة وتسعة وتسعون من الكفار الأقوياء ومائة من ضعفاء المسلمين.
قال: وإن غلب على ظنه أنه يهلك، فالأولى أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وإنما لم يجب؛ لأنه بصدد إذا قتل فاز بالشهادة.
وقيل: يجب عليه؛ لظاهر الآية.
والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبندنيجي بنوا القولين في الوجوب وعدمه على القولين فيما إذا صال عليه إنسان وقصد دمه، هل يجب عليه الدفع أم لا؟ فيه القولان، وقضية هذا البناء: أن يكون الصحيح عند أبي
[ ١٦ / ٤١٦ ]
الطيب الوجوب كما حكيناه عنه ثم، لكن الصحيح عنده وعند غيره هاهنا عدمه، ثم في البناء نظر من وجه آخر؛ لأنا قد ذكرنا ثم أن القاصد لو كان كافرًا لوجب دفعه جزمًا، وكأن قضيته أن يجزم هنا بوجوب الانصراف، وقد أطلق القاضي الحسين القول بأنه إذا كان في مقابلته أكثر من اثنين: أن الأفضل له المصابرة.
وفي "النهاية" فيما إذا زاد العدد: أن الثبات إن كان فيه الهلاك [المحض من غير نكاية في الكفار لزم الفرار، وإن كان في الثبات نكاية فيهم ففي جواز المصابرة الخلاف].
تنبيه: قول الشيخ: وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين، ليس المراد به – كما قال الشيخ أبو حامد -: أن كل واحد على الانفراد يصابر اثنين [منفردين]، وإنما المراد: أن جيش المشركين إذا كان ضعف جيش المسلمين فعليهم المصابرة، وهذا ما أورده البندنيجي، وكذا الماوردي وقال: إنه مذهب الشافعي – ﵀ – وبه قال ابن عباس﵄ – وعليه ينطبق قول الشيخ في "المهذب": إنه إذا التقى الزحفان، ولم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، ولم يخافوا الهلاك – تعين عليهم. ونازع ابن الصباغ في هذا، وعضد قوله بما ذكرناه من أثر ابن عباس.
وفي "الحاوي" و"المهذب" و"التهذيب": أنه إذا لقي الرجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب، فإن طلباه ولم يطلبهما فله أن يولي؛ لأنه غير متأهب للقتال، وإن طلبهما ولم يطلباه ففيه وجهان:
أحدهما: أن له أن يولي؛ لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد، وقال الماوردي: إن هذا ظاهر مذهب الشافعي، ﵁. وفي "البحر": أنه الأظهر.
والثاني- وهو المختار في "المرشد"-: أنه يحرم عليه أن يولي عنهما؛ لأنه مجاهد لهما، فإن تولى عنهما كان كما لو كان مع الجماعة.
فرع: إذا غزا العدو بلاد المسلمين، فتركوا البروز إليهم ولم يخرجوا، قال الشافعي – ﵁ -: كان كتوليهم.
قال القاضي الحسين: قال أصحابنا: وهذا إذا كان بإزاء كل مشركين مسلم
[ ١٦ / ٤١٧ ]
فأكثر، فأما إذا كان المسلمون أقل من ذلك فلا يعصون.
ثم قال الشافعي – ﵁-: ولا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا [وإن كانوا قاهرين للعدو إذا ظنوا أن ذلك يزيد في قوتهم، ما لم يتناول العدو من المسلمين [أو] أموالهم، وإن كان العدو قاهرين فلا بأس أن يتحصنوا] إلى أن يأتيهم مدد أو تحدث لهم قوة.
قال: وإن غرر من له سهم بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال، أي: وقع القتل في حال القتال- استحق سلبه، أي: سواء شرط له الإمام ذلك أو لم يشرطه؛ لما روى أبو داود عن أبي قتادة –﵁ – في حديث مطول أن رسول الله ﷺ قال في غزاة حنين بعد انقضائها: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ"، وأخرجه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ – يعني يوم حنين -: "مَنْ قَتَلَ كَافِرًا [فَلَهُ] سَلَبُهُ"، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم، أخرجه أبو داود.
قال القاضي الحسين: والمعنى فيه: أن يقتله ذلك الكافر مخاطرة بالروح وكفاية شره المسلمين، وفيه إظهار للفتاء من نفس.
قال: وإن كان لا سهم له وله رضخ، [أي]: كالصبي والمرأة والعبد والكافر إذا حضر بإذن الإمام - فقد قيل: يستحق؛ لعموم الخبر، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وعليه جرى النواوي إلا في الذمي؛ فعلى هذا: لا يستحق مع السلب الرضخ قولا واحدًا كما نص عليه الشافعي – ﵁ – في "سير"
[ ١٦ / ٤١٨ ]
الواقدي. [و] إذا كان القاتل عبدا صرف السلب إلى سيده.
وقيل: لا يستحق؛ لأنه لا يستحق السهم الراتب المجمع عليه؛ فلألا يستحق السلب – وهو غير راتب ومختلف فيه –أولى، فعلى هذا: يرضخ له ويزيد فيه لأجل بلائه في قتلهن قاله الماوردي، وقال: عن الوجهين مبنيان على اختلاف أصحابنا [في قول] رسول الله ﷺ: "السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ"، هل هو ابتداء عطية منه، أو بيان لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فعلى الأول: يستحق من له الرضخ اسلب، وعلى الثاني: لا.
وفي "التهذيب": أن الذمي إذا قلنا: إنه يستحق الرضخ من بيت المال، لم يستحقه، وإن قلنا: يستحقه من الغنيمة، فهو كالعبد، ومن ذلك يجيء فيه طريقة جازمة بالمنع، والأظهر عند القاضي الحسين وغيره في العبد: أنه يستحق السلب [وإن لم يستحقه الصبي] والمرأة؛ لأنهما ليسا من أهل القتال، وبه جزم في "الرقم".
ولا خلاف أن من لا سهم له ولا رضخ كالمخذْل ونحوه، والكافر الذي حضر [بدون إذن] الإمام، إذا غرر بنفسه في قتل كافر لا يستحق [سلبه].
فرع: إذا كان القاتل خنثى مشكلا، وقلنا: المرأة لا تستحق السلب – توقفنا فيه إلى أن يتبين حاله، قاله في "التهذيب".
قال: وإن لم يغرر بنفسه، كأن رماه من الصف فقتله، أو قتله وهو أسير أو مثخن – لم يستحق؛ لأن ابن مسعود – ﵁ – قتل أبا جهل، وكان قد أثخنه شابان من الأنصار يوم بدر، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، فلم يدفع النبي ﷺ سلبه إليه ودفعه إلى الشابين كما حكاه الإمام، أو إلى أحدهما كما حكاه الماوردي.
[ ١٦ / ٤١٩ ]
ولأن دفع السلب لكونه قد كفى المسلمين شره، وهذا مكفي الشر.
وهكذا الحكم فيما لو قتل شيخًا أو مريضًا لا قتال فيه.
وقضية ما ذكره الشيخ: أنه إذا أغرى على الكافر كلبا عقورا فقتله أنه لا يستحق سلبه، وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه يستحقه؛ لأنه خاطر بروحه حيث صبر في مقابلته حتى عقره الكلب.
قال: وإن قتله وقد ترك القتال وانهزم، أي: غير متحرف [لقتال أو متحيز] إلى فئة - لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يكف المسلمين شره فالتحق بالأسير والمثخن، وهذا بخلاف ما [لو] قتله [وهو] مول ليكر أو ليتحيز إلى فئة، فإنه يستحق سلبه؛ لأن الحرب كرٌّ وفر.
وفي "التهذيب": أنه إذا قاتله، فهرب من بين يديه، فقتله مدبرًا - استحق سلبه، وهو ظاهر المذهب في "النهاية"، ونسب على [رواية] الشيخ أبي علي، وأنه قال: المنهزم الذي لا يستحق قاتله سلبه هو الذي لم يخض في القتال، وولى أو انهزم مع جملة الجيش. نعم، لو قتل هذا المنهزم غير قرنه لم يستحق سلبه واحد منهما، قال الإمام: وهذا بخلاف ما لو كان الكافر يقاتل مسلما، فجاء آخر وقتله من ورائه؛ فإنه يستحق سلبه؛ لان أبا قتادة - ﵁ - هكذا فعل. وقضى له رسول الله ﷺ بالسلب.
قال: وإن اشترك اثنان في قتله اشتركا في سلبه؛ لأنهما لما اشتركا في السبب اشتركا في المسبب، وكذا لو اشترك جمع في قتله اشتركوا في سلبه.
وعن رواية أبي الفرج الزاز وجه: أنه لو وقع فيما بين جماعة لا ترجى نجاته منهم، لم يختص قاتلوه [سلبه]، لأنه صار مكفي الشر بالوقوع فيما بينهم، وذكر أنه لو أمسكه واحد وقتله آخر كان السلب بينهما؛ لأن كفاية شره حصلت منهما، ويخالف القصاص؛ فإنه منوط بالقتل.
[ ١٦ / ٤٢٠ ]
قال الرافعي: وكأن هذا التصوير فيما إذا منعه [من] أن يذهب ولم يضبط، فأما الإمساك الضابط فإنه أسر، وقتل الأسير لا يستحق به السلب.
قال: وإن قطع أحدهما يديه ورجليه، وقتله الآخر – فالسلب للقاطع؛ لأنه الذي كفى شره فأشبه ما لو قتله، وهكذا لو أثخنه إنسان أو فقأ عينه فقتله آخر كان السلب للأول، قاله في "التهذيب".
قال الإمام: ولو أصاب الكافر ضربة؛ فسقط ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك لعاش – فالذي أراه: أن هذا ليس بإثخان يستحق به السلب، فإن قيل: أليس النبي ﷺ قال:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلُبهُ"، فعلق استحقاق السلب بالقتل، وما ذكرتموه ليس بقتل، فلم استحق به السلب؟ قال الإمام: قلنا: هذا منزل على غالب العرف، والغالب: أن القاتل هو الجارح أو المذفف ابتداء؛ فاتجه تنزيل الخطاب عليه، ويشهد له ما ذكرناه في قصة أبي جهل.
قال: وإن قطع أحدهما إحدى يديه وإحدى رجليه، وقتله الآخر – ففيه قولان:
أحدهما: أن السلب للأول؛ لأنه الذي عطله وكفه عن كمال الكيد، وهذا أصح في "الجيلي" وعند النواوي، وقال الرافعي: إن هذا ما أورده المزني، وبه أجاب جماعة من الأصحاب ومنهم الروياني.
والثاني: أنه للثاني؛ لأنه الذي كفى شره؛ فإنه بعد القطع يمكنه أن يمشي ويجلب ويركب ويقاتل، وهذا ما حكاه المزني كما حكاه القاضي أبو الطيب، وقال: إن الأصحاب قالوا: إنه الصحيح، وهو المختار في "المرشد".
والقولان جاريان – كما حكاه العراقيون والشيخ أبو علي – فيما لو قطع أحدهما يديه أو رجليه وقتله الآخر.
وحكى الشيخ أبو علي طريقة أخرى: أن المسألة ليست على قولين، ولكنها على حالين:
فحيث قال: السلب للأول، أراد به: إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال.
وحيث قال: إنه للثاني، أراد به: إذا لم يسقط قتاله بقطع يديه أو رجليه.
[ ١٦ / ٤٢١ ]
قال الإمام: وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرها؛ فإن الأزمان يختلف باختلاف الأشخاص، ولا خلاف أنه إذا قطع أحدهما إحدى يديه أو إحدى رجليهن ثم قتله آخر: أن السلب للثاني.
قال: وإن قتل امرأة أو صبيًّا، فإن كان لا يقاتل لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يغرر بنفسه، وإن قتله وهو يقاتل استحق سلبه؛ لعموم الخبر مع كونه غرر بنفسه، وهذا ما جزم به القاضي الحسين في باب قسم الفيء.
وفي "التهذيب" وغيره وجه آخر: أنه لا يستحق، وهذا ما أبداه الإمام احتمالًا، وادعى أن المقتول لو كان عبدًا فلا خلاف في استحقاق سلبه.
وفي "الرافعي" إجراء طريقة الخلاف فيه أيضًا.
قال: والسلب: ما تثبت يده عليه، أي: يد القتيل، في حال القتال: من ثيابه، وحليه، ونفقته، وفرسه، وسلاحه؛ لثبوت يده عليه، فالتحق بجنة الحرب.
وقيل: لا يستحق الحلي والمنطقة والنفقة؛ لأن ذلك مما لا يستعان به في القتال غالبًا، ولا هو من آلة الحرب؛ فأشبه المتاع والخيمة، وهذا ما أومأ إليه في "الأم".
قال: والأول أصح، وهو الذي اختاره البويطي في "مختصره" وأبو إسحاق، كما حكاه أبو الطيب؛ لما روي أن عمر بن الخطاب –﵁ – أَتَى بِسِوَارَيْ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، فَأَلبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْشَمَ، وَقَالَ لَهُ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ وَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ الذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَي بْنَ هُرْمُزَ، وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ مِالِكٍ، أَعْرَابِيًا مِنْ بَنِي مُدْلَج.
وجه الدليل منه: أنه سماهما سلبا.
والسبب في إلياس عمر سراقة ذلك: أن سراقة يوم فتح مكة حسر كمَّيْه عن ذراعيه، وكان اشعر الذراعين وقد لحقه الخجل، فأراد النبي ﷺ أن يرد الخجل
[ ١٦ / ٤٢٢ ]
عنه، فقال: "كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ أُلْبِسْتَ سِوَارَي كِسْرَى"، وعمر بن الخطاب – ﵁- حاضر، فلما أخذ عمر غرائبه أراد أن يحقق قول النبي ﷺ لسراقة. كذا قاله القاضي الحسين.
ومن المعنى: أنه متصل به؛ فوجب أن يكون من جملة السلب كالسيف والرمح.
والقولان يجريان – كما قال الشيخ أبو حامد والماوردي – في الجنيبة الواحدة، وجزم القاضي أبو الطيب فيها وفي المملوك الذي يحجبه بأنه ليس له، وحكى في "التهذيب" ذلك طريقين في الجنيبة، وقال الإمام في الغلام: إن كان حاملا لسلاحه تناوله متى شاء، فيجوز أن يكون السلاح بمنزلة الجنيبة، ويجوز أن يقال: لا، وإنا إذا جعلنا الجنيبة من السلب، ففي السلاح الذي [عليها] تردد.
والمراد بالثياب: ما على [الجسد من ثياب] البدن حتى الخف والرانات.
وبالحلي: التاج الذي على رأسه والخاتم في إصبعه، وكذا الطوق الذي يعمل في الرقبة من ذهب أو فضة إذا لم يقصد منه وقاية الرقبة، فإن قصد فهو ملحق بالسلاح، والمنطقة – بكسر الميم -: ما يكون في الوسط من ذهب أو فضة وغير ذلك، وجمعها: مناطق.
والمراد بالنفقة: الدراهم ونحوها مما يكون في كيس مربوط على وسطه.
والمراد بالفرس: الذي هو راكبه أو في يده، وقد نزل عنه في مضيق أو غيره، كما صرح به البغوي وكذا ابن الصباغ عن النص، ويدخل في ذلك ما على الفرس من سرج ولجام ونحوهما.
والمراد بالسلاح: السيف والرمح والقوس والخوذة والجوشن، ونحوه مما يعد جنة، وفي الحقيبة المشدودة على فرسه وما فيها من الدراهم والأقمشة طريقان، أظهرهما القطع بعدم الدخول، والثانية: طرد القولين.
[ ١٦ / ٤٢٣ ]
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي [أن تمام السلب يستحقه القاتل] ولا يخمس، وهو الذي أورده العراقيون؛ استدلالًا بما روى أبو داود عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ، وروي أنه – ﵇ – دفع إلى سلمة ابن الأكوع سلب قتيله أجمع.
وفي "التهذيب" وغيره من كتب المراوزة في تخميسه قولان:
أحدهما: نعم؛ كسائر الغنائم، فيكون خمسه لأهل الخمس، والباقي للقاتل.
وأصحهما: لا، ويكون الجميع للقاتل؛ لظاهر الخبر. نعم، هل يستحق مع ذلك سهم الغنيمة؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وقال: إن ظاهر النص هاهنا أنه يستحق ذلك، وعلى مقابله: إن كان السلب قدر السهم فلا كلام، وإن كان أكثر من السهم فلا شيء له سواه، وإن كان أقل السهم تمم له.
قال: وإن أسر صبيا رق، لأنه – ﵇ – كان يقسم السبي كما يقسم المال، فإن [كان] للصغير زوجة انفسخ نكاحها، وهكذا الحكم فيما لو أسر مجنونًا، صرح به القاضي الحسين.
قال: فإن كان وحده تبع السابي في الإسلام.
قال أبو حامد: وهذا إجماع. وقال ابن الصباغ: إنه لا خلاف فيه. [وعلته] – كما قال في "المهذب" -: أنه لا يستقل بنفسه؛ إذ لا حكم لكلامه، فجعل تابعًا للسابي؛ [لأنه] كالأب في الحضانة والكفالة، وقال الإمام: وهذا يتم بأن يعلم أن السبي يقلبه عما كان عليه قلبا كليًا؛ فإنه كان محكوما بحريته متعلقًا بسبب الاستقلال إذا بلغ، والآن قد رق بالسبي حتى كأنه عدم عما كان عليه واستفتح له وجود بحسب ولاية السابي، وعلى هذا فما حكم إسلامه؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي هاهنا:
[ ١٦ / ٤٢٤ ]
أحدهما: أنه مقطوع به في الظاهر والباطن، فإن بلغ ووصف الكفر لم يقر عليه، وبه قال المزني، وهو الظاهر من مذهب الشافعي – ﵁ – وإليه صار جمهور البغداديين.
والثاني: أنه مجرى عليه في الظاهر دون الباطن، فلو بلغ ووصف الكفر أقر عليه بعد إرهاقه. وهذا قول جمهور البصريين.
وقد حكى ابن الصباغ الخلاف المذكور في باب اللقيط، وكذلك الإمام حيث جعل إسلامه بتبعية السابي كالمحكوم بإسلامه تبعًا لأبيه.
و[قد] حكى في "المهذب" وجها آخر: أنه باق على حكم كفره لا يتبع السابي، وقال: إنه ظاهر المذهب؛ لأن يد السابي يد ملك فأشبهت يدالمشتري. وهذا قد حكاه الماوردي هكذا في كتاب اللقيط، وحكاه البغوي وجها في كتاب الظهار، وقال: الأول هو الأصح.
فإذا قلنا به، فلو كان السابي مراهقًا أو مجنونًا حكم بإسلام المسبي أيضًا تبعًا لهن كذا حكاه البغوي في قسم الغنائم، ولو كان السابي ذميًا في بلاد الإسلام ففي الحكم بإسلام المسبي وجهان في "النهاية" في كتاب اللقيط، وأصحهما: المنع.
وحكم المجنون إذا بلغ كذلك واستمر جنونه حكم الصبي، وإن بلغ عاقلًا ثم جن ففي تبعيته للسابي وجهان كالوجهين في تبعيته لأبيه في الإسلام، قال القاضي الحسين: وهما مبنيان على عود الولاية للأب.
قال: وإن كان معه أحد أبويه تبعه في الدين؛ لأن الاعتبار بأحد أبويه أولى من الاعتبار بسابيه لأجل البعضية، ويفارق ما إذا كان وحده؛ لأنا في تلك الحالة لا نتحقق كفر واحد من أبويه، بخلاف ما إذا كان أحدهما معه فإنا نتحقق كفره؛ فلذلك ألحقناه بهن كذا قاله أبو الطيب.
ولا فرق في ذلك بين أن يموت الأبوان أو أحدهما أو لا يموت؛ لأن الاعتبار بحالة السبي.
[ ١٦ / ٤٢٥ ]
ولو سبى الولد واحد، وسبي أحد الولدين آخر - قال في "التهذيب" في كتاب "الظهار" [والقاضي في "الفتاوى"]: فإن كانا في عسكر واحد لم يتبع الولد السابي في الإسلام، وإن كانا في عسكرين تبعه.
[ولو كان مع الصغير جده فهل يتبعه أو يتبع السابي؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في [باب] دعوى الأعاجم؛ بناءً على أنه يتبع الجد في الإسلام أم لا، فإن قلنا: يتبعه في الإسلام، تبعه هاهنا، وإن قلنا: لا يتبعه في الإسلام، تبع السابي هنا].
قال: وإن سبى امرأة رقت بالأسر؛ لأن النبي ﷺ كان يسم السبي كما يقسم المال.
[قال الماوردي في "الأحكام": وهذا إذا كانت كتابية، فإن كانت من قوم ليس لهم كتاب كالدهرية وعبدة الأوثان، فإن امتنعت من الإسلام قتلت عند الشافعي. قلت: ويظهر أن يجيء فيها ما سنذكره في الأسير].
قال: فإن كان لها زوج انفسخ نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والمراد بالمحصنات هاهنا: ذوت الأزواج؛ لأن الإحصان يطلق على التزويج؛ قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، ومراده: المتزوجون بالاتفاق، ووجه الدليل من الآية: أنه حرم المتزوجات إلا ما ملكت أيماننا بحدوث السبي؛ فإن سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين يوم سبي أوطاس امتنعوا من وطء النساء؛ لأن لهن أزواجًا في دار الحرب، فلو كان لنكاح باقيًا لما جازت الإباحة ولكان التحريم باقيا، ولأن النبي ﷺ سَبَى أَوْطَاسَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ جَمِيعًا، فَقَسَّمَ السَّبْيَ، وَأَمَرَ أَلاَّ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ"، ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها، ومعلوم أن فيهن من كان لها زوج، فلو لم ينفسخ نكاحها لما حل وطؤها بعد الوضع والحيض، قال
[ ١٦ / ٤٢٦ ]
الشافعي بعد أن قال ما ذكرناه من الخبر: وليس قطع العصمة بينهن من أزواجهن بأكثر من سبيهن.
وهذا إذا كان الزوج كافرًا، سواء سبي معها أو لا؛ لعموم الآية والخبر، ولأنه رق طرأ على نكاح؛ فوجب أن يبطل به كما لو أسر أحدهما.
وقد وافق [الخصم وهو] أبو حنيفة – على انفساخه في حالة الانفراد.
ولو كان الزوج مسلما، فإن قلنا: لا تسترق زوجته، فليست المسألة، وإن قلنا: تسترق، فقد أطلق الإمام في هذا الكتاب أن المذهب انفساخ نكاحه، وهو ظاهر كلام الشيخ، وإن صاحب "التقريب" روى وجها أن النكاح لا ينفسخ؛ لأن الجمع بين ثبوت الرق وبين استيفاء النكاح ممكن، فوجب القضاء بالأمرين. وحكى القاضي الحسين والفوراني أن هذا قول صاحب "التقريب" نفسه، قال الإمام: وصاحب هذا الوجه لا يشترط أن يزول الرق في مدة العدة إذا كانت مدخولًا بها.
وقال في آخر"النهاية": إن السبي إن كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعده فمنهم من قال: إن الحكم كذلك، ومنهم من قال: إذا اتفق العتق والإسلام قبل انقضاء العدة فالنكاح قائم؛ كما لو ارتد أحد الزوجين بعد الدخول، فإن عتقت وأسلمت قبل انقضائها استمر النكاح، وإن عتقت ولم تسلم فكذلك؛ فإنها حرة كتابية، ولو أسلمت ولم تعتق: فإن كان الزوج ممن يحل له استدامة النكاح على الأمة المسلمة؛ ففيه وجهان، أصحهما: أن له الاستدامة.
ولو كان الزوجان مملوكين أو أحدهما، ففي "تعليق" القاضيين أبي الطيب والحسين، و"الحاوي": في انفساخ النكاح وجهان، وفي "تعليق" البندنيجي: أنه لا نص في ذلك. وقال الشيخ – يعني أبا حامد -: الذي يقتضيه قياس المذهب: أنه لا ينفسخ. وكذلك قال في "المهذب"، وعدم الانفساخ هو الذي صححه القاضي الحسين والإمام وغيرهما.
ووجه مقابله – وهو المختار في "المرشد" -: أن هذا في حكم رق جديد؛ لأن الأول لم يكن مستقرا إذ كان معرضًا للبطلان بقهره مولاه ومراغمته إياه.
[ ١٦ / ٤٢٧ ]
وحكى الإمام وغيره الوجهين فيما إذا كان الزوجان رقيقين مسلمين لأهل الحرب [وغنما]، وجزم القاضي الحسين بأن المسبي لو كان مستأجرًا لمسلم لا تنفسخ الإجارة، كما ذكرنا مثله فيما إذا غنمت الأرض، ولو كان مستأجرًا لحربي انفسخت، ولو كان مستاجرًا لذمي ففيه وجهان؛ بناء على القولين السابقين في أن ولاء الذمي هل يبطل باسترقاق معتقه أم لا؟ [والذي حكاه البندنيجي في كتاب التدبير: أنه يجوز استرقاق من للذمي عليه ولاء؛ لأنه يجوز أن يسترق مولاه إذا كان في دار الحرب؛ فمعتقه أولى، وابن الصباغ حكى ثم في جوازه وجهين].
وفي "التهذيب" وغيره إجراء الوجهين في انفساخ إجارة المسلم أيضًا؛ كما في انفساخ نكاحه، ثم قال: والمذهب الأول.
واعلم أن ما ذكرناه من عدم [انفساخ] نكاح المسلم إذا سبيت زوجته محله إذا لم يكن الزوج هو السابي، أما إذا كان هو السابي فهذا ينبني على أنه يملك المسبية بالسبي [أم لا]، وكلام الأصحاب يفهم اختلافًا فيه، فإن الذي حكيناه عن "المهذب" في تعليل الحكم بإسلام المسبي تبعًا للسابي، يقتضي أنه يملكه بالسبي، وكذلك ما حكاه الرافعي من أن المسبي لو كان عليه دين للسابي، فهل يسقط بالسبي؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الوجهين فيما إذا كان له دين على عبد غيره، فملكه هل يسقط أم لا – يقتضي ذلك أيضًا.
وقد صرح به البندنيجي حيث قال: إن المرأة إذا سبيت كانت مملوكة لسابيها، وإذا سبي الطفل وحده كان في الدين تبعًا للسابي؛ فيكون له مملوك صغير مسلم ينفذ تصرفه فيه، وله بيعه من المسلمين، وليس له بيعه من المشركين، فإن خالف وباعه فهو على القولين.
وكلام ابن الصباغ قبيل باب المبارزة مصرح به أيضًا؛ حيث قال: إذا سبي صغير من دار الحرب لا يعرف له نسب، فإنه يكون للسابي ويتبعه في دينه، فإن
[ ١٦ / ٤٢٨ ]
أعتقه السابي نفذ عتقه، وثبت له عليه الولاء. وعلى هذا ينبغي أن ينفسخ نكاح المسلم قولًا واحدًا، وهذا مما لا خفاء فيه.
وكلام الإمام والبغوي والرافعي وغيرهم في قسم الغنائم مصرح بأن الصبي والمجنون والرقيق والمرأة يصيرون أرقاء بنفس الأسر ويقسمون كسائر الأموال، ويشهد لذلك ما ذكرناه في صدر الفصل حكاية عن الشافعي – ﵁- أن النبي ﷺ سبي أوطاس وبني المصطلق النساء والرجال، فقسم السبي، وهذا يدل على أن السابي لا يملك المسبي بالسبي، وهو قضية ما ذكره الأئمة في أنه يبدأ من الغنيمة بالسلب فيدفع إلى القاتل، ويقسم الباقي، فإن صح هذا فينبغي ألا ينفسخ النكاح إلا إذا وقعت في قسمته أو بعضها، وعندي أنه يمكن الجمع بين الكلامين بالحمل على حالين دل عليهما كلام الأصحاب:
فالأول محمول على ما إذا دخل المسلم دار الحرب وسرق المرأة والصبي؛ على رأي من يرى أن المسروق لا يخمس.
والثاني محمول على ما إذا استولى عليهما مع جملة الجيش بالقهر والغلبة، فإن كان وحده ملك منهما أربعة أخماسها، والخمس الباقي لأهل الخمس.
وهكذا إذا قلنا: إن المسروق يخمس، يكون الحكم كذلك، ويشهد له أن الفوراني قال: إذا دخل المسلم دار الحرب وحده، وانتهز الفرصة فسبي ابنه الصغير – فقد ملك بنفس الأسر وعتق عليه. وكذا حكاه القاضي أبو الطيب فيما إذا ملك ابنه الصغير أو ابنته البالغة أو أمه، لكنه قال: إنه يؤخذ منه الخمس يدفع لأهل الخمس. وهذا منه محمول على ما إذا كان موسرا، أما إذا كان معسرًا بقدر الخمس من قريبه فلا يعتق منه إلا أربعة أخماسه، وهكذا أجاب ابن الصباغ في العتق، لكنه شرط أن يختار السابي الملك، قوال فيما إذا لم يختره: إن الأخماس الأربعة تكون لمصالح المسلمين والخمس لأهل الخمس، وفي هذا شيء يظهر لك في أوائل الباب التالي لهذا الباب، وقضية هذا أن ينفسخ النكاح إذا اتفق أنه انفرد بسبي زوجته على هذا النعت إن اختار التملك، وإلا فلا، وقضيته – أيضًا – أن خمس الدين لا يسقط فيما إذا كان السابي رب الدين،
[ ١٦ / ٤٢٩ ]
ويكون الخلاف في الأخماس الأربعة.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كان المسبي ابنه البالغ أو أباه لم يعتق؛ لأنه ما ملكه وإنما ملك أن يتملكه، وللإمام فيه الخيار، فإذا اختار الاسترقاق ودفعه إلى سابيه عتق عليه إن اختار التملك، ونسب ذلك إلى ابن الحداد، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وكذلك الرافعي، وقال: إن الأصحاب جعلوا إلحاقه الابن الصغير بالأم فيما ذكرناه هفوة؛ لأن الأب المسلم يتبعه الولد الصغير في الإسلام فلا يتصور منه سبي ولده. وهذا قد تعرض له الإمام – أيضًا – في آخر "النهاية"، وفيما قاله نظر؛ فإن الولد وإن جعل مسلما بإسلام أبيه فهو إذا كان رقيقًا للكفار، والإسلام لا يمنع من سبيه، كما قال الأصحاب فيما إذا أسلم عبد للكفار في أيديهم ولم يخرج إلى دار الإسلام؛ فإنه يغنم، بخلاف ما إذا قهر سيده بعد الإسلام فخرج إلينا؛ فإنه يحكم بعتقه كما حكاه أبو الطيب وابن الصباغ عن ابن سريج وغيرهما، وإذا كان كذلك فلعل ما ذكره ابن الحداد محمول على حالة رق الولد؛ فلا هفوة إذًا، والله اعلم.
قال: وإن أسر حرًّا، أي: مكلفًا من أهل القتال، فللإمام: أي: أو أمير الجيوش، كما قاله الماوردي وغيره، أن يختار ما فيه المصلحة من القتل والاسترقاق والمن والمفاداة بمال، أي: للمأسور أو غيره أو بمن أسر من المسلمين.
الأسر – كما قال البندنيجي في أواخر الكلام في الأمان -: أن يحصل في يد المسلمين مكتوفًا، أو في حبس، أو ممسكًا باليد، والدليل على جواز القتل إذا رآه مصلحة لكون المأسور من الشجعان أو من أصحاب الرأي، قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَمَا رُوِي أَنَّهُ ﷺ قَتَلَ يَومَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيطٍ صَبْرًا، وَكَانَ قَدْ بَزَقَ فِي وَجْهِهِ، وَقَتَلَ النَّضِرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِنْدَةَ".
والدليل على جواز الاسترقاق إذا رآه لكون المأسور كثير العمل ولا رأي له
[ ١٦ / ٤٣٠ ]
ولا شجاعة فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد: ٤]، [أي بالظفر، وقيل: بالأسر] ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] أي: بالاسترقاق كما حكاه الماوردي، وفيه نظر؛ لأن المن بعد الاسترقاق ممتنع، وقد دلت الآية بعد شد الوثاق على جوازه. وما روي أن رسول الله ﷺ اسْتَرَقَّ بَنِي قُرَيظَةَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُوَازِنَ يَوم حنين، وادعى القاضي أبو الطيب أنه لا خلاف فيه بين المسلمين.
والدليل على جواز المن إذا رآه لكون المأسور فيه ميل إلى الإسلام، قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، أي: حتى ينزل عيسى ابن مريم فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وقيل: حتى يسلم جميع من على وجه الأرض، كذا قاله أبو الطيب، وفي "الحاوي" في "أوزارها" تأويلان:
أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام.
والثاني: أثقال السلاح بالظفر.
وروي أنه ﷺ مَنَّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أَبِي العَاص بْنِ الرَّبِيعِ، وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ عَلَى أَلاَّ يُقَاتِلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ قَالَ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ، وَقَاتَلَهُ يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اللهُمَّ لاَ تَقْتُلْهُ"، فَمَا أُسِرَ يَومَئِذٍ غَيْرُهُ؛ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بيِيَدِهِ.
ورَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ سَيِّدَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، وَرَبَطُوهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِطْلاَقِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وأخرجه البخاري ومسلم.
[ ١٦ / ٤٣١ ]
وثمامة: بثناء مثلثة مضمومة، وأثال: بضم الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة مفتوحة، وبعدها لام.
و"ذم" في هذه الرواية بذال معجمة، وفي رواية أخرى لأبي داود: بدال مهملة.
والدليل على جواز الفداء – إذا رآه – لكون للمأسور أموال كثيرة أو شرف في قومه، قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وما روي أنه – ﵇ – فَادَى يَومَ بَدْرٍ بِالأَمْوَالِ.
ولا يقال: إن الله – تعالى- أنكر ذلك، فلا يستدل به؛ لأن الله – تعالى- قيد إنكاره بشرط حيث قال: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وفي ذلك تأويلان:
أحدهما: كثرة القتل.
والثاني: الاستيلاء والظفر.
وقد أنعم الله – تعالى – بهما؛ فزال الإنكار، وارتفع المنع.
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْنِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَأَوْثَقُوهُ وَطَرَحُوهُ فِي الْحِرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ [فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فقال: بِمَ أُخِذْتُ وأُخِذَتْ سَابِقَةُ الحَجِّ؟!
يعني: ناقة [له] تسبق الحاج كما قاله أبو الطيب. وقال الماوردي: إنها العضباء، كانت لرسول الله ﷺ] وصارت إلى العقيلي، فأخذت منه بعد أسره، فأراد بذلك أن: سابقة الحاج قد أخذت منين فلم أوخذ بعدها؟!
فقال له النبي ﷺ: بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفَ"، يعني: بجناية حلفائكم التي رضيت بها، وشاركتهم فيها، وكانوا قد أسروا رجلين من المسلمين، ومضى النبي ﷺ فناداه: يا محمد يا محمد، فرحمه، فعاد إليه فقال: إني مسلم، فقال له رسول الله ﷺ: "أَمَا إِنَّكَ لَو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ لأَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلاَحِ" ومضى.
[ ١٦ / ٤٣٢ ]
وقد روي أن المسلمين فادوا به الرجلين اللذين أثرتهما ثقيف.
ثم المال المفادي به يقسم كالغنائم، ولا يتخير الإمام فيه، وما ذكرناه في الاسترقاق محله – بلا خلاف – إذا لم يكن الأسير من العرب، وكان له كتاب أو شبهة كتاب، فإن كان [من] العرب، فالجديد – كما حكاه البغوي – أن الأمر كذلك، ولم يحك الماوردي سواه، وفي القديم: أنه لا يجوز استرقاق العرب؛ لما روي أنه – ﵇ – قال يوم حنين: "لَو كَانَ الاسْتِرْقَاقُ ثَابِتًا عَلَى العَرَبِ، لَكَانَ اليَومَ، إِنَّمَا [هُوَ] إِسَارٌ وَفِدَاءٌ".
وإن كان من العجم ولا كتاب له، ولا شبهة كتاب، فالمشهور – وبه جزم في "التهذيب" -: أنه يرق أيضًا، وفي كتب العراقيين والحاوي حكاية عن الإصطخري: أنه إذا كان من عبدة الأوثان لا يجوز استرقاقه؛ لأنه لا يقر على عبادة الأوثان بالجزية؛ فكذلك بالاسترقاق كالمرتد، وهو جارٍ – كما حكاه الماوردي- في العربي الذي يعبد الوثن، والمذهب الأول؛ لأنه كافر يجوز أن يفادي به ويمن عليه، فجاز استرقاقه كأهل الكتاب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين خصلة خامسة يثبت للإمام الخيار فيها، وهي تخليده السجن إلى أن يرى فيه ما يراه، وفي "تعليق" أبي الطيب: أن الشيخ أبا حامد كان يحكي أن [الشيخ] أبا الحسين الطبري كان قد سئل عن البالغين إذا أسرهم الإمام، فقال: قد صاروا أرقاء بنفس الأسر كالصبيان والنسوان. وهذا غلط، قال القاضي: وأنا رأيته وكنت صبيا، ومثل هذا لا يخفى عن ذلك الرجل.
أما إذا كان المأسور عبدًا، فلا يجوز التخيير، وليس إلا الاسترقاق، فلو رأى أن يمن عليه لم يجز إلا برضا الغانمين.
وفي "الحاوي" أنه لو أراد أن يفادي به أسرى من المسلمين، ويعوض عنه الغانمين جاز.
[ ١٦ / ٤٣٣ ]
وفي "المهذب": أنه لو رأى قتله – قتله، وضمن قيمته للغانمين؛ لأنه مال لهم.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا أسر جماعة من العبيد العقلاء البالغين، فهل يجوز قتلهم؟ يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو سبي الزوجان الرقيقان، هل ينفسخ النكاح أم لا؟ وفيه وجهان، أحدهما: ينفسخ؛ لأن ذلك الرق قد زال، وحدث بالسبي رق آخر، فعلى هذا قد زال رق العبد؛ فيجوز للإمام قتله.
فروع: هل يجوز استرقاق بعض الشخص؟ فيه وجهان مبنيان على ما إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة، وهو معسر، هل يكون الولد كله حرا، أم الحر نمه قدر ما يملكه أبوه من أمه؟ وفيه قولان – أو وجهان – محكيان في "تعليق" أبي الطيب وغيره، فإن لم تجوزه، فإذا ضربه على بعضه كان كله رقيقًا.
إذا وقع في الأسر من شككنا في بلوغه كشفنا عن مؤتزره، فإن لم يكن [قد] أنبت الشعر الخشن فهو من السبي، وإن أنبته فهو بالغ؛ فللإمام فيه الخيار، فلو ادعى انه استعجل ذلك ففي "الإبانة" الجزم بأن القول قوله، وفي غيرها: [أنا] إن جعلنا ذلك عين البلوغ لم يقبل منه، وإن جعلناه علامة على البلوغ – وهو الأظهر – قبل منه، لكن باليمين، وحلف على إنبات الصبي وإن كان القياس منعه؛ لأن وجود الشعر الخشن أمارة ظاهرة على بلوغه، وهذا ما حكي عن النص.
وفي "الذخائر" في كتاب الأقضية: أن من أصحابنا من قال: يحبس حتى يبلغ، فإن حلف إذ ذاك وإلا قتل.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن هذه اليمين احتياط واستظهار.
وفي "الحاوي": أنه لو أقام بينة في هذه الحالة على عدم استكمال خمس عشرة سنة، فهل يقبل قوله بها؟ فيه قولان مرتبان على القولين في أن إنبات الشعر بلوغ أو علامة؟
[ ١٦ / ٤٣٤ ]
ولو شككنا في رجولته بأن كان خنثى مشكلا وقف أمره.
إذا وقع سلاحنا في أيديهم جاز أن يفادي المشرك به، ولا يجوز إذا وقع سلاحهم في أيدينا أن نعيده إليهم بمال، وهل يجوز بمن أسر من المسلمين؟ فيه وجهان في "التهذيب".
إذا قتل مسلم الأسير قبل أن يختار [الإمام] خصلة لم يجب عليه سوى التعزير، وكذا إذا قتله بعد أن اختار قتله، ولو قتله بعد الاسترقاق ضمن قيمته، وتكون [قيمته] غنيمة للمسلمين. وإن قتله بعد المن: فإن كان قبل وصوله إلى مأمنه ضمن ديته لأهله، وإن كان بعد وصوله إليهم فلا شيء عليه. ولو قتله بعد المفاداة على مال أو أسرى: فإن كان القتل قبل فدائه ضمن ديته وتكون غنيمة، وإن كان بعد [فدائه وقبل إطلاقه ضمن ديته لورثته، وإن كان بعد] قبض فدائه وإطلاقه إلى مأمنه فلا ضمان؛ لعوده إلى ما كان عليه قبل أسره.
قال: فإن استرقه وكان له زوجة انفسخ نكاحها؛ لأنه رق طرأ على أحد الزوجين فانفسخ به النكاح كما إذا طرأ على الزوجة، وقبل استرقاقه لا ينفسخ إذا بقيت في دار الحرب؛ لأن العلة حدوث الرق ولم يوجد بعد.
فرع: إذا كان عليه دين فهل يسقط باسترقاقه؟ قال الأصحاب: إن كان لمسلم فالظاهر من المذهب: لا، وحكى الإمام عن الخلافيين أنهم شببوا بسقوطه كمذهب أبي حنيفة؛ لأنه انقلب عما كان [عليه] حتى كأنه عدم ثم وجد، قال: وهذا [لا] يلتحق بالمذهب، والمقطوع به الأول، ولو كان لحربي سقط، وللإمام احتمال فيه على الصحيح في الأولى إذا غنم دون ماله كان حق المسلم باقيًا في عين ماله، حتى لو ظفر به المسلمون قضى منه حقه.
ولو غنم المال أولا أو غنم المال معه، وكان المغنوم امرأة أو صبيًا، أو وقع غنم المال حال ضرب الإمام الرق [على] البالغ – بقي الدين في ذمته يتبع به
[ ١٦ / ٤٣٥ ]
إذا عتق، ولا يقضي من عين المال؛ لتعلق حق الغانمين بعينه، وتعلق حقه بالذمة.
وفي "التهذيب" الجزم فيما إذا غنما معا: أنه يقدم الدين كما يقدم على حقوق الورثة، وهو ما أبداه الإمام احتمالًا لنفسه، وأشار [إليه] الغزالي بقوله: ولا يقضي من عين المال على الظاهر.
وهل يحل الدين المؤجل بالاسترقاق؟ فيه وجهان مرتبان على حلوله بالفلس، وأولى بالحلول؛ لأن الرق يزيل الملك كالموت، بخلاف الحجر، ومال الذمي فيما ذكرناه كمال المسلم، قاله الإمام.
قال: وإن أسلم في الأسر سقط قتله؛ لقوله ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ " الحديث.
قال: وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين؛ لأن سقوط الخيار في أحد الأشياء – وهو القتل هاهنا- لا يوجب سقوطه في الباقي؛ كالكفارة إذا سقط خياره في العتق لتعذر لم يسقط خياره فيما عداه.
وهذا ما نص عليه في كتاب الأسرى والغلول، وقال أبو الطيب: إنه المشهور من المذهب. وهو أصح في "النهاية"، و[في] "الحاوي"، وعند النواوي، وحكى الفوراني طريقة قاطعة به، وعلى هذا لا يجوز أن يفادي به إلا أن يكون له عشيرة يأمن معها على دينه ونفسه.
[قال:] ويرق في الآخر، [أي]: بنفس الإسلام؛ لأنه أسر حرم قتله فرق بالأسر كالصبي والمرأة، ولأنه لو جاز أن يفادي به لأدى إلى أن يرد المسلم إلى دار الحرب.
[وهذا ظاهر النص في "المختصر"].
والقائلون بالأول ردوا ذلك بما ذكرناه من حديث عمران بن الحصين، وفرقوا
[ ١٦ / ٤٣٦ ]
[بينه و] بين الصبيان والنسوان بأن الإمام لم يكن مخيرًا فيهم في الأصل، بخلاف ما نحن فيه.
وفي "الوجيز" ما يقتضي جريان خلاف في جواز الاسترقاق بعد الإسلام؛ لأنه قال فيما إذا نزل أهل قلعة على حكم حاكم: لو أسلم واحد منهم قبل الإرقاق ففي جواز إرقاقه وجهان، وكذا الخلاف في كل كافر لا يرق بنفس الأسر إذا أسلم قبل الإرقاق.
قال الرافعي: وهذا لا ذكر له في كلام الأصحاب، إنما الكلام في أنه هل يرق بنفس الإسلام أو لا يرق؟
فرع: هل يقوم بذل الأسير الجزية وطلب عقد الذمة – إذا كان ممن يجوز عقدها معه – مقام الإسلام في تحريم القتل؟ فيه قولان في "التهذيب"، ووجهان في "الحاوي" عن رواية ابن أبي هريرة:
[فإن قلنا بالمنع، بقي الإمام على خيرته كما كان.
وإن قلنا بتحريم القتل – وهو ما حكاه القاضي الحسين عن النص في "المختصر"، وقال الرافعي في كتاب عقد الذمة: إنه الأولى – ففي "الحاوي": أنه يبقى على خيرته – فيما عدا القتل – وجها واحدًا، بخلاف المسلم في أحد القولين؛ لأن بقاء الكفر يوجب بقاء حكمه.
وقال في "التهذيب": على هذا القول، هل يجوز استرقاقه؟ فيه وجهان]، قال الفوراني: إنهما مبنيان على ما إذا حاصر حصنا، وليس فيه إلا النساء، وبذلوا الجزية، فهل يجب قبول ذلك؟ فيه قولان، ووجه البناء: أن الأسير خرج بالأسر عن أن يكون من أهل الجزية كالمرأة، فإذا بذل الجزية، هل ينتفي إرقاقه؟ وهذا البناء نسبه الإمام إلى القفال.
ثم أصح الوجهين عند البغوي: الجواز، وعلى مقابله يتعين عقد الذمة له ويطلق، وهذا ما حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب"، وأنه زيفه، والفرق
[ ١٦ / ٤٣٧ ]
على هذا بينه وبين من أسلم؛ حيث لا يمنع رقه قطعا: أن الجزية من آثار الكفر، فإذا عقدنا له الذمة لم نخله عن صغار الكفر، ولو خلينا المسلم حتما لكان الإسلام محبطًا لآثار الأسر بالكلية، وهذا لا سبيل إليه.
ثم إذا قلنا بالصحيح، فلو أراد الإمام أن يمن عليه لمصلحة رآها – فعل، وإن أراد مفاداته، وهو لا يبغيها، ويأبي إلا الجزية وقبولها – قال الإمام: فلا سبيل إلى إجباره؛ فإن الكلام لا ينتظم؛ فإنه لا يجبر عليها إلا بالقتل، وهذا عود إلى القتل الذي حكمنا بسقوطه، فتعين – حينئذ- قبول الجزية منه، فإن قيل: هذا عين الوجه الذي نقله صاحب "التقريب"، قيل: [إن] الفرق [بينهما]: أن ذلك الوجه يرى إسعاف باذل الجزية، وإن كان الصلاح في إرقاقه، ونحن نقول: إن [كان] الصلاح في إرقاقه، [أرقه] ونفذ الرق عليه قهرا.
قال: وإن غرر بنفسه في أسره؛ فقتله الإمام أو من عليه – ففي سلبه قولان:
أحدهما: أنه [لمن] أسره؛ لأن المخاطرة بالروح فيه أكبر منها في القتل، وهذا أظهر وأصح عند القاضي الحسين، والشيخ أبي حامد، والقفال، ولم يورد الفوراني سواء.
والثاني: ليس له؛ لأنه جعل للقاتل، أو لمن مهد سبيه الإثخان ونحوه، ولم يوجد شيء من ذلك، وهذا مذكور في "الأم".
قال: وإن استرقه أو فاداه بمال، فهل يستحق من أسره رقبته أو المال المفادي به؟ فيه قولان، ووجههما: أنه مال حصل بسبب تغريره؛ فكان فيه قولان كالسلب، وهما – في "تعليق" القاضي الحسين و"الشامل" – مبنيان على القولين السابقين، وقضية البناء: أن يكون الظاهر عند القاضي أن الرقبة والمال للآسر، وعلى ذلك جرى الجيلي.
لكن الذي صححه النواوي مقابله، وهو ما قال الرافعي: إنه يشبه أن يكون
[ ١٦ / ٤٣٨ ]
الأظهر، وفي "النهاية": أن الأوجه أنه يستحق السلب والرقبة إذا رقت، وأن الأظهر: أنه لا يستحق المال المفادى به؛ لأنه لم يسلبه، ولا هو عين المأسور.
وكلام الشيخ في "المهذب" يدل على أن القولين في الرقبة والمال [المفادى به] مفرعان على قولنا: إنه يستحق السلب. وعلى هذا جرى الفوراني؛ حيث جزم بأن السلب له، وفي رقبته القولان، فإن قلنا بأن ذلك يكون للآسر، فيجيء في تخميسه الخلاف السابق في تخميس السلب.
قال الإمام: ولو اتفق الأسر من جميع الجند، فرقاب المأسورين مغنومة مردودة إلى المغنم، وإنه لو قال قائل: إذا رأينا صرف رقبة المأسور – وقد أرق – إلى الآسر، ثم رأينا عدم تخميس السلب؛ فينبغي ألا تخمس الرقاب – لم يكن ذلك بعيدا، لكن [الظاهر] التخميس؛ فإن التخصيص إنما صادفناه عند اختصاص بعض رجال القتال بوجه العناء، ولم يوجد.
قال: وإن حاصر قلعة، فنزل أهلها على حكم حاكم – جاز؛ لما روي أن النبي ﷺ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيظَةَ، رَضُوا بَأنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيهِمْ؛ لأنَّ أُمَّةُ كَانَتْ مِنْ بَنِي قُرَيظَةَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِياتِيَهُ وَكَانَ مُثْخَنًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الأَمْرُ، قَالَ: لَقَدْ حَانَ لِسَعْدِ أَلاَّ تَاخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةٌ لاَئِمٍ، وَرَكِبَ حِمَارًا، وَأَتَى، فَلَمَّا بَدَا لِكُفَّارِ بَنِي قُرَيظَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ"، فَقَامُوا نَحْوَهُ، فَقَالَ: رَضِيتُمْ بِحُكْمِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَرَضِيتُمْ بِحُكْمِي فَقَالَ: حَكَمْتُ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِم، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، [وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ]، فكان يكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري، فقال النبي ﷺ: "لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعةٍ" أي: سماوات؛ لأن السماء تسمى رقيعا؛ لأنها مرقعة بالنجوم، وتقول العرب: ما تحت الرقيع أرفع من فلان، قال أبو الطيب: ويعنون السماء. وقتل منهم يومئذ زهاء من ستمائة، وكانوا مكتوفين مكبين على وجوههم.
[ ١٦ / ٤٣٩ ]
قال: ويجب أن يكون الحاكم حرًّا مسلما ثقة، من أهل الاجتهاد؛ لأنها ولاية حكم، فشرط فيها هذه الصفات كولاية القضاء، وقد اشتمل كلام الشيخ على اعتبار سبع شرائط صرح بها الماوردي وابن الصباغ وغيرها:
الحرية والإسلام والعدالة، وهي مأخوذة من قوله: حرا مسلمًا ثقة، ومن هذا اللفظ يؤخذ اعتبار الذكورية أيضًا.
والثلاثة الباقية – وهي: البلوغ، والعقل، والعلم – تؤخذ من قوله: من أهل الاجتهاد، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن يكون المعتبر من استجمعت شرائط الفتوى فيه، وعليه ينطبق قول ابن الصباغ: إنه يعتبر فيه من الشرائط ما نعتبره في الحاكم، إلا كونه بصيرًا.
وحكى الإمام أن العراقيين قالوا: ينبغي أن يكون مجتهدًا، وما أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي، فإن عنوا بالاجتهاد: التهدي إلى طلب الصلاح، والنظر للمسلمين، فهذا لابد منه، وإن أرادوا استجماع شرائط الفتوى، فهذا غلط غير معتد به؛ ولأجل ذلك قال الغزالي ومن بعده: يعتبر فيه أن يكون عارفًا بمصالح القتال، فلو أخل بشرط مما ذكرناه لم يصح حكمه، لكن يردون إلى مأمنهم.
ولا يضر كونه أعمى وإن ضر في ولاية القضاء على المذهب؛ لأنه هاهنا يحكم بما اشتهرت به أحوالهم، وتظاهرت به أخبارهم، فاستوى فيه الأعمى والبصير، كما استويا في الشهادة بالاستفاضة.
وكذا يجوز أن ينزلوا على حكم اثنين؛ لأن اجتهادهما أقوى، فإن اتفقا فذاك، وإن اختلفا لم ينفذ حكمهما، وردوا إلى القلعة، إلا أن يتفقوا على حكم غيرهما.
ويجوز أن ينزلوا على حكم من لم يتعين في الحال إذا شرط تعيينه للمسلمين، أو لهم وللمسلمين في ثاني الحال، دون ما إذا شرط تعيينه للكفار خاصة، قال
[ ١٦ / ٤٤٠ ]
في "المرشد": إلا أن يشترطوا فيمن يعينونه الصفات التي ذكرناها؛ فيجوز، وكذا هو في "الرافعي".
ولو صولحوا على تحكيم أسير في أيديهم، قال الماوردي: فإن كان في وقت اختيار التحكيم أسيرًا، لم يصح، وإن كان قد أطلق قبل تحكيمه كرهناه وصحن وكذا لو عقد الصلح على تحكيم رجل قد أسلم منهم قبل الصلح، يصح ويكره.
قال: ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء؛ ليعلو الإسلام على الشرك، حكى الروياني: أنه لا ينفذ حكمه بالمن على جميعهم، واستغربه.
ويجوز أن يحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، كما فعل سعد بن معاذ، وتكون أموالهم غنيمة.
ويجوز أن يحكم باسترقاق من أسلم منهم، وقتل من أقام على الكفر، وهذا في حق المقاتلة، أما غيرهم من النسوان والصبيان والمجانين، فالتخيير فيهم يكون بين المن والاسترقاق، فإن اختار الاسترقاق لمي كن له بعد المن إلا برضا الغانمين، كما فعله – ﵇ – حين جاءه وفد هوازن، فلم يترك لهم سبيهم حتى استطاب قلوب الغانمين، وأخبره عرفاؤهم بإذنهم، صرح به الماوردي وغيره، والحديث أخرجه البخاري وأبو داود.
قال: وإن حكم بعقد الذمة لم يلزم؛ لأنه عقد معاوضة فلم يجز بدون الرضا، وهذا ما جزم به الماوردي، وهو الأصح في "الجيلي"، فعلى هذا: لو رضوا بعقدها، لزم الصلح، وإن امتنعوا بلغوا المأمن.
وقيل: يلزم؛ لأنهم نزلوا راضين بحكمه، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد"، وقال الرافعي: إن الميل إليه أكثر، فعلى هذا: إن تابوا كانوا بمثابة أهل
[ ١٦ / ٤٤١ ]
الذمة إذا التزموا الدية، ثم امتنعوا عن أدائها، وسيأتي حكمهم إن شاء الله تعالى، قاله الإمام وغيره.
قال الرافعي: وقد أجري الوجهان فيما إذا حكم بالمفاداة.
قال: وإن حكم بقتل الرجال، ورأى الإمام أن يمن عليهم – جاز؛ لأن النبي ﷺ وهب لثابت الأنصاري الزبير بن باطا اليهودي وذريته وماله، بعد أن حكم سعد بقتل الرجال من بني قريظة، وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم.
وهكذا لو رأى الحاكم أن يمن عليهم، جاز كما قاله في "المهذب".
ولو حكم بالقتل وأخذ المال، فعفا الإمام عن واحد منهم وماله – جاز؛ لحديث ثابت، صرح به ابن الصباغ.
ولو أراد الإمام أن يسترق من حكم بقتله، قال في "المهذب" و"التهذيب": لم يجز؛ لأنه [لم] ينزل على هذا الشرط. وهذا ما حكى عن الصيدلاني، وحكى الإمام معه وجهًا آخر: أنه يجوز؛ لأنه دون القتل، والإمام لا يزيد على حكم الحاكم، وله أن ينقص عنه إذا رأى فيه المصلحة.
قال: وإن نزلوا على حكم حاكم، فأسلموا قبل أن يحكم بشيء – عصم، أي: الإسلام دماءهم وأموالهم، وحرم سبيهم؛ لما ذكرناه من خبر ابني سعية.
قال: وإن أسلموا بعد الحكم، أي: بقتل الرجال وسبي الذراري وأخذ الأموال، كما صوره أبو الطيب – سقط القتل؛ لزوال سببه، هو الكفر، وبقي الباقي؛ لأنه لا ينافي الإسلام كما ذكرناه في الأسير ولأنه متعلق بحقوق المسلمين؛ فلا يجوز إبطاله عليهم.
ويجوز أن يكون مراد الشيخ: سقط القتل إن كان قد حكم به، وبقي الباقي إن كان المحكوم به غير القتل؛ لما ذكرناه، وكذا صور الجيلي، وعلى هذا: إن كان المحكوم به القتل، فقد قلنا: إنه سقطن قال ابن الصباغ والروياني وغيرهما:
[ ١٦ / ٤٤٢ ]
وليس للإمام أن يسترقه.
وقال الإمام: إن هذا بناء على منع استرقاقه مع بقائه على الكفر كما ذكرناه، أما إذا قلنا بجواز استرقاقه مع بقاء الكفر فهاهنا يجوز [له] أن يسترقه، وإن حكم بالاسترقاق، فإن أرقه قبل إسلامه فلا كلام، وإن أسلم قبل أن يرق، فكلام الشيخ يقتضي بقاءه، وهو الأشبه في "الرافعي" وفي "الوسيط"، أما إذا قلنا: الاسترقاق فوق القتل، لم يجز استرقاقه.
ثم محل بقاء حكم المفاداة إذا كان له عشيرة [يأمن] معها على نفسه ودينه كما ذكرناه في الأسير.
قال: وإن مات الحاكم قبل الحكم ردوا إلى القلعة، أي: إن لم يتفقوا على حاكم غيره؛ لأنه لا يجوز تحكيم غيره لعدم الرضا به، ولا يجوز اغتيالهم؛ لأنهم نزلوا على أمان؛ فتعين درهم إلى مأمنهم وهي القلعة.
فرع: لو صالح زعيم القلعة على أمان مائة نفس منهم، صح الأمان للحاجة، ويعين الزعيم مائة، فإن عد مائة وأغفل نفسه جاز قتله.
روي أن أبا موسى الأشعري – ﵁ – حاصر مدينة السوس فصالحه دهقانها على أن يؤمن مائة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه، فلما عينهم قال له أبو موسى: أفرغت؟ قال: نعم، فأمنهم وأمر بقتل الدهقان، فقال: أتغدرني وقد أمنتني؟! فقال: أمنت العدة التي سميت، [ولم تسم] نفسك.
قال: ويجوز لأمير الجيش أن يشترط للبدأة والرجعة ما رأى على قدر عملهم. البدأة –بفتح الباء وإسكان الدال وبعدها همزة -: السرية الأولى التي ينفذها الحاكم على الجيش أول ما يدخل بلاد العدو.
[ ١٦ / ٤٤٣ ]
والرجعة – بفتح الراء – السرية الثانية التي ينفذها بعد رجوع الأولى.
وقيل: البدأة: ابتداء السفر، والمراد بها السرية التي يبعثها متولي الجيش قبل دخوله دار الحرب مقدمة له، والرجعة: التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش إلى دار الإسلام.
وهذا ما أورده الإمام، وقال الرافعي: إنه المشهور، ووجه ما ذكره الشيخ: ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سلمة الفهري قال: شهدت النبي ﷺ [نَفَلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ والثلث فِي الرَّجْعَةِ، وروي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ] كَانَ ينفل فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ. وفاضل بينهم؛ لأنهم في البدأة مستريحون لم يطل بهم السفر والكفار في غفلة، والإمام [من] ورائهم يستظهرون به، وكل ذلك في الرجعة بخلافه، قال الإمام: وقد يكون الأمر على العكس بأن يقدر الكفار على أهبتهم في الابتداء؛ فتعظم مصادمتهم، ويقدرون مفلولين في الانتهاء؛ فيسهل الكر عليهم.
ولا يتقدر النفل بالثلث والربع؛ لأن ما فعله [رسول الله] ﷺ كان اتفاقًا لرأي رآه [في] ذلك الوقت لا تقديرا، فرجع فيه إلى رأي الإمام كما تقتضيه المصلحة حتى يجوز له أن يجعل للبدأة أكثر مما يجعل للرجعة إذا مست الحاجة إليه.
قال: من خمس الخمس، أي: الحاصل عند الإمام، أو من الذي يحصل من
[ ١٦ / ٤٤٤ ]
المشركين على حسب ما تقتضيه المصلحة، ووجهه: ما روى أبو الزناد عن سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من [خمس] الخمس، ولأنه سهم المصالح وهذا من المصالح.
والنفل: بالتحريك والتخفيف كما قاله المحاملي، وسمي بذلك؛ لأنه زيادة على السهم الراتب، كما سميت صلاة التطوع نافلة؛ لأنها زيادة على الصلاة الراتبة، ثم هل يشترط أن يكون ما يشترطه معلوما؟
قال الأصحاب: إن كان من المال الحاصل عند المسلمين فلابد من معرفته؛ للقدرة عليه، وإن كان من المال الذي يؤخذ من المشركين جاز أن يكون مجهولًا لكن مقدرًا بالجزية كالثلث والربع، كما ذكرناه من حديث حبيب.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: قد روى ابن عمر أنه – ﵇ – بعثه في سرية قبل نجد، [فغنموا] إبلًا كثيرًا وكانت سهامهم اثني عشر بعيرًا، [أو أحد عشر بعيرًا] ونفلهم بعيرًا بعيرًا، وذلك أكثر من خمس الخمس – قيل: يحتمل أمرين:
أحدهما: أن الغنيمة كانت إبلًا وغير إبل، وإنما كان السهم من الإبل اثني عشر بعيرًا.
والثاني: أنه يحتمل أن يكون نفل ما زاد على خمس الخمس من بيت المال، [أو من المال] الذي يختص به وهو أربعة أخماس الفيء، وهذا ما أورده العراقيون، والقائل به جعل الثلث والربع في الحديث قدر ثلث سهامهم [وربع سهامهم] من خمس [الخمس]؛ لأن الغنيمة مقسومة على جميع الجيش، ولا يجوز هذا القائل أن يكون ما يجعله للسرية من غير خمس الخمس، حتى [إنه] لو رأى أن يخصصهم بأعيان ما أتوا به غرم لباقي الجند مقدار
[ ١٦ / ٤٤٥ ]
النفل من خمس الخمس كما صرح به الإمام، وقد أول آخرون الثلث والربع في الحديث على ثلث خمس الخمس وربعه، ووراؤه – فيما إذا كان النفل من أموال المشركين- قولان أو وجهان، أو قول ووجه حكاهما الرافعي، وكذا الماوردي حيث حكى عن ابن أبي هريرة أنه [قال: "إنه] كالرضخ":
أحدهما: أنه من رأس مال الغنيمة كالسلب ونحوه ثم يقسم الباقي، وينسب هذا إلى رواية القاضي الحسين عن القديم، والقائل به قال: إنما جعل رسول الله ﷺ للبدأة والرجعة ثلث ما غنموا أو ربعه.
وكان يليق أن يذكر في طريقة العراق أيضًا؛ لأن هذا التأويل مذكور في "الشامل" وغيره من كتبهم.
والثاني: أنه من أربعة أخماس الغنيمة، ثم يقسم الباقي منها بين أصحاب النفل وسائر الجيش، والقائل به جعل الثلث والربع في الحديث ثلث أربعة أخماس الغنيمة وربعها، ويشهد له ما خرجه أبو داود وابن ماجه عن حبيب بن سلمة أنه – ﵇ – كَانَ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وفي رواية لأبي داود عنه: أنه – ﵇ – كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ.
ومحل جواز النفل إذا دعت غليه الحاجة، وهو أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، ولهم شوكة؛ [فيشترط ذلك] تحريضًا لهم على القتال، فأما إذا كانوا مستظهرين عليهم فلا حاجة به.
قال الشافعي – ﵁-: وذلك أن أكثر مغازي رسول الله ﷺ لم يكن فيها أنفال؛ فعلم أنه إنما فعل ذلك عند الحاجة، ولأنه من سهم المصالح، فلا يدفع إلا عند المصلحة.
[ ١٦ / ٤٤٦ ]
ولو فعل بعض الجيش البدأة أو الرجعة من غير أن يشترط لهم الإمام شيئًا لم يستحقوا النفل، صرح به الإمام.
قال: ويجوز أن يشترط، أي الحاكم على الجيش لمن دله على قلعة، أي: للكفار لا يعرفها أو لا يعرف طريقها ٠ جعلا، أي: من خمس الخمس الذي في أيدي المسلمين، أو مما يغنمه من القلعة، لأن في ذلك مصلحة للمسلمين، وكذا يجوز اشتراط الجعل لمن دله على طريق قريب من الكفار، أو سهل كثير الماء والعشب، كما صرح به أبو الطيب وغيره.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه اقتضى إيراده ترجيحه: أنه لا يجوز أن يكون المجعول له مسلما؛ لأنه إذا حضر يندب إلى الدلالة أو يؤمر بها، ونسب الجواز إلى قول أبي إسحاق.
قال: فإن كان المجعول له كافرًا؛ جاز أن يجعل له جعلا مجهولا، أي: مما يأخذه من القلعة، كقوله: لك ثلث ما تغنمه منها أو ربعه، كما قاله أبو الطيب، أو لك منها جارية سماها له كبنت رئيس القلعة أو جاريته، أو لم يسمها، بل قال: جارية، وأطلق، ونحو ذلك؛ لأنها معاملة مع الكفار جوزت للضرورة فاغتفرت فيها الجهالة، وقد روي أنه – ﵇ – صالح بني النضير على أن يأخذوا ما يسوقونه من الإبل إلا المال والسلاح، وهذا مجهول وغير مملوك.
وعن ابن كج وجه فيما إذا لم يسم الجارية: أنه لا يجوز، وهو محكي في "تعليق" القاضي الحسين – [أيضًا] – وإيراد الماوردي مائل إليه؛ حيث قال في تصوير المسألة: إذا سمي الجارية، وكذا البندنيجي وأبو الطيب صوراها بما إذا [كان] شرط بنت رئيس القلعة، لكن الذي صححه القاضي الحسين والرافعي: الأول، أما إذا كان الجعل مما في [يد] المسلمين من المال؛ فلا يجوز أن يكون مجهولًا، كما صرح به أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما؛ للقدرة على نفي الجهالة، وهذه المسألة تلقب بمسألة العلج، والعلج: اسم للكافر الفظ الغليظ
[ ١٦ / ٤٤٧ ]
الشديد، مأخوذ من المعالجة وهي المجالدة، ومنه قوله – ﵇-: "الدعاء والبلاء يعتلجان في الهواء"، أي يضطربان ويتدافعان، فيدفع الدعاء البلاء، وسمي العلاج علاجًا؛ لأنه يدفع الداء.
ولو كان المجعول له مسلمًا فيجوز شرط الجعل المعلوم له، وهل يجوز شرط المجهول؟ فيه وجهان حكاهما الفوراني:
أحدهما: وينسب إلى ابن أبي هريرة: أنه لا يجوز؛ لأنه عقد يشتمل على أنواع من الغرر فلا يجوز مثله مع المسلم الملتزم للأحكام، ويخالف الكافر؛ لأنه إنما جاز معه للحاجة؛ فإنه أعرف بطرق قلاعهم غالبًا. وهذا أصح عند القاضي الحسين والإمام، وهو الذي يفهمه كلام الشيخ.
والثاني: أنه يجوز؛ لأنها جعالة يجوز عقدها مع الكافر؛ فجازت مع المسلم كسائر الجعالات، وأيضًا فللعقد تعلق بالكفار فاحتملت فيه الجهالة، وإن جرت مع مسلم كشرط النفل للبدأة والرجعة، وهذا ما قال الرافعي: [إن أصحابنا العراقيين قالوا به] وهو كذلك في كتبهم، وقد يستدل له بما روي أنه – ﵇ – قال: "مُثِّلَتْ لِيَ الحِيرَةُ، وَأَنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَهَا"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَبْ لِي بِنْتَ بُقَيْلَةَ، فَقَالَ: "هِيَ لَكَ"، فَلَمَّا فَتَحَهَا أَصْحَابُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَعْطَوهُ الْجَارِيَةَ، فَقَالَ أَبُوهَا: أَتَبِيْعُهَا مِنِّي، فَقَالَ: نَعَمْ بِأَلْفٍ، فَأَعْطَاهُ الأَلْفَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ طَلَبْتَ ثَلاَثِينَ أَلْفًا أَعْطَاكَ، فَقَالَ: وَهَلْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنَ الأَلْفِ.
ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا جوزنا استئجار المسلم على الجهاد،
[ ١٦ / ٤٤٨ ]
فإن لم نجوزه لم تصح هذه المعاملة مع المسلم، ولا يستحق أجرة المثل؛ كما لا يستحق الجارية المسماة.
[قال:] وإن قال: من دلني على القلعة الفلانية، فله منها جارية، أي: بالشرط الذي ذكرناه، فدله عليها ولم تفتح – لم يستحق شيئًا؛ لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين: الدلالة، والفتح، فلم يستحقها بأحد الشرطين، وهذا بخلاف ما لو جعل لمن دله على القلعة شيئًا في غيرها؛ فإنه يستحقه بالدلالة، وإن تعذر الفتح، كما قاله الماوردي وابن الصباغ؛ لأنها معلقة بشرط واحد، وهو الدلالة وقد وجد، وهذا ما جزم به الماوردي وصححه القاضي أبوا لطيب والإمام.
وقيل: يرضخ له؛ لأجل تعبه ودلالته للمسلمين وليس بشيء؛ لما ذكرناه.
وفي "الحاوي": أنه يستحب أن يرضخ له، وفي "إبانة" الفوراني وجه: أنه يستحق أجرة المثل للدلالة.
ومحل ذلك: إذا أطلق العقد، أما إذا شرط له منها جارية إذا فتحت فلا يستحق شيئًا قولًا واحدًا. نعم، لو أمكننا الفتح فلم نقاتل، فهل يستحق الدلال والحالة هذه شيئًا؟ قال الإمام: هذا محل التردد. ولو لم يتفق الفتح في تلك الدفعة، فعاد الأمير مرة أخرى وفتحها – ففي استحقاق الجعل وجهان في "الحاوي" وغيره، وقال الإمام: إن كان عودنا إليها مستندًا إلى الدلالة الأولى ولولاها لما عدنا، فيظهر هاهنا تسليم الجارية إليه، وإن اتفق ذلك لكوننا رُمنا غيرها؛ فوقعنا عليها من غير استمساك بالإعلام الأول، فهاهنا يظهر الاحتمال، والأصح: أنها لا تسلم له؛ فإن المعاملة الجارية بيننا وإن كانت مطلقة فهي من طريق العرف مقيدة باتصال الفتح بالدلالة، وهذا الظهور جرى منقطعًا، وبالجملة فلا يبعد ترتيب بعض الأحوال على بعض، ولا يخلو كل منها عن الخلاف.
[ ١٦ / ٤٤٩ ]
وعن ابن كج حكاية الوجهين فيما إذا دلنا على قلعة ابتداء، ولكنا فتحناها بطريق آخر لا بدلالته، وبناهما على أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة، أو لا يستحق إلا إذا حصل الفتح بدلالته.
ولو فتحها غير المدلول؛ لم يستحق الدليل شيئًا؛ لأن الشرط لم يجر معه.
قال: وإن تحت صلحا، وامتنع صاحب القلعة من تسليم الجارية، أي: لدخولها في شرط الصلح معه، مثل أن يصالحه المسلمون على أنه وأهله آمنون، والباقون يسبون، وكانت الجارية من أهله.
قال: وامتنع المجعول له من قبض قيمتها، أي: أو مثلها - فسخ الصلح؛ لتعذر الوفاء به، فإنه اجتمع أمران متنافيان ولا سبيل إلى إسقاط أحدهما، فعلى هذا يردون إلى القلعة، ولهم تحصينها كما كانت بغير زيادة ولا نقصان، وهذا ما أورده الفوراني والقاضي الحسين والإمام، وحكاه [القاضي] أبو الطيب عن النص، وقال هو والفوراني: إنا نبدأ بالعرض على الرئيس، ونشترط له فيه إعطاء عوضها، فإن أبي عرضنا الأمر على [الدليل.
وفي "الحاوي" و"النهاية": أنا نبدأ بالعرض على الدليل، فإن امتنع عرضنا الأمر على] صاحب القلعة.
وفي "المهذب" و"الشامل" حكاية وجه عن أبي إسحاق: أن الجارية للدليل، وشرطنا في الصلح لا يصح؛ لأن الدليل استحقها قبل الصلح؛ فأشبه ما لو تزوج امرأة ثم زوجت من غيره. قال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن الدليل لو عفا أمضينا الصلح، ولو فسد؛ لم يصح إلا بعقد جديد.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فردوا إلى القلعة، ثم فتحها الإمام عنوة - استحق الدليل الجارية، ولو لم يفتحها، ففي الغرم للدليل قولان في "تعليق" القاضي الحسين،
[ ١٦ / ٤٥٠ ]
ووجه الغرم: أنها وصلت إلى يد الإمام، فتفويتها عليه سببه الأمان، ولو رضي صاحب القلعة بتسليم الجارية، غرم له قيمتها من بيت المال. صرح به القاضي الحسين والبغوي، وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي: أنها تكون من مال الرضخ؛ فيكون فيه الأقوال الثلاثة.
قال: وإن فتحت عنوة، أي: قهرا، وعينها مفتوحة، وقد أسلمت الجارية قبل الفتح، أي: وكانت حرة – دفع إليه قيمتها؛ لأنها بالإسلام منعت نفهسا من الاسترقاق، فلا يمكن دفعها إليه، ودفعت إليه قيمتها؛ لأن كل عين لو كانت باقية على الرق، استحق أخذها، فإذا كانت كالفائتة بالحرية، رجع إلى قيمتها؛ كما إذا فسخ البائع البيع بعيب في الثمن، وقد أعتق المشتري المبيع، وأيضًا فإن النبي ﷺ صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من نسائهم من أسلم، فكان يردهن عليهم، فلما أنزل الله – تعالى – تحريم ذلك ورد ما أنفقوا، بقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية، فكان من أسلم من النساء يبعث رسول الله ﷺ إلى أزواجهن بمهورهن. وهذا ما أورده القضاة الماوردي وأبو الطيب والحسين، وصححه الفوراني والإمام.
قال الماوردي: وسواء في ذلك الدليل المسلم والكافر، وقيل: لا يستحق شيئًا؛ لأن الشرع منع من استرقاقها؛ فألحقت بالمعدومة.
وفي "الرافعي" حكاية [وجه] عن ابن سريج: أن في المسألة قولًا آخر، [وهو] أن الجارية تسلم إليه؛ لأنه يستحقها قبل أن أسلمت، والمذهب: الأول.
فأما لو أسلمت بعد الفتح، سلمت إلى الدليل إن كان مسلما، وإن كان كافرًا انبنى على صحة شراء الكافر المسلم، فإن صححناه استحق الجارية، ويمنع منها حتى يزيلها عن ملكه، أو يسلم فيستحلها، فإن لم يفعل ذلك بيعت عليه جبرا
[ ١٦ / ٤٥١ ]
ودفع إليه ثمنها، وإن منعنا البيع فلا يستحق الجارية ويدفع إليه قيمتها، فإن أسلم من بعد لم يستحقها؛ لانتقال حقه منها إلى قيمتها. قاله الماوردي.
وفي "الرافعي" حكاية طريقة أخرى عن أبي الطيب بن سلمة: أن في استحقاقه البدل في هذه الحالة الخلاف المذكور في الموت.
وقد أشار إليه الإمام؛ حيث قال في بعض التصانيف: جعل إسلامها – إذا كان المجعول له كافرًا – كموتها على وجه. فيجيء فيه التفصيل الذي سنذكره في الموت.
قال: وإن ماتت قبل الفتح، ففيه قولان:
أحدهما: يدفع إليه قيمتها كما لو أسلمت؛ لأنه ممنوع منها في الحالين، وقاسه البندنيجي على ما لو كان الجعل ثوبًا فبان مفقودًا.
والثاني: لا شيء له؛ لأن الميتة غير مقدرو عليها، فصار كما لو لم يكن فيها جارية؛ فإنه لا يستحق شيئًا، وخالفت التي أسلمت؛ فإنه منع الشرع منها مع القدرة على تسليمها.
[قال الماوردي: وعندي أن الأولى من إطلاق هذين القولين: أن ينظر: فإن ماتت بعد القدرة على تسليمها] استحق قيمتها، وإن ماتت قبل القدرة على التسليم فلا شيء له، ويجوز أن يكون إطلاق الشافعي محمولًا على هذا التفصيل.
وسلك الفوراني طريقًا آخر، فقال، إن ماتت [قبل الظفر بها فلا شيء له، وإن ماتت [بعد الظفر، فقولان:
أحدهما: يستحق قيمتها.
والثاني: لا شيء له.
وفي "النهاية"، طريقة أخرى: أنها إن ماتت]] بعد الظفر بها دفع إليه قيمتها، وإن ماتت قبل الظفر فقولان. ولم يورد القاضي الحسين في تعليقه سوى هذه، وحكى الإمام وجهًا: أنا إذا غرمنا له إنما نغرم [له] أجرة مثله،
[ ١٦ / ٤٥٢ ]
ومحل الغرم: مالُ الرضخ، [صرح به الإمام].
فرع: إذا لم يكن في القلعة سوى الجارية، ففي "الإبانة" حكاية وجهين:
أصحهما- في "الرافعي" -: أنها تسلم للدليل؛ عملًا بالشرط.
الثاني: لا؛ لأن هذا تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة، قال الإمام: وهذا إذا لم يتمكن من ملك تلك القلعة؛ لكونها محفوفة بالكفر، ويعسر تخليف جمع يقومون بحفظها عن الكفار، أما إذا أمكن فيجب القطع بتسليم الجارية.
ولو لم يكن في القلعة جارية أصلًا في حال العقد، قال الماوردي: فإن وجدت في غيرها، فإن كانت من أهلها فهي كما لو كانت فيها، وإن لم تكن من أهلها فلا شيء للدليل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يرضخ له؛ لأنه فعل ما أمكنه، ولا ذنب له في عدمها؛ لأنه بالجملة أعاننا.
ولو قال: من دلني على القلعة فله كذا، وكانت بقربه، فقال له شخص: ها هي ذي – ففي استحقاقه الجعل وجهان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره:
وجه المنع: أن الدلالة لا تكون في الشيء الذي نشاهده، وإنما يسمى هذا إخبارًا.
[وعن] ابن كج: أن المذهب استحقاق الجعل إذا فتحت؛ كما لو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا، فوجده إنسان في البلد وجاء به.
قال: ويجوز قطع أشجارهم، [أي]: بعد الفراغ من القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ الآية [التوبة:١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ﴾ الآية [الحشر: ٥]، وسبب نزولها: أنه ﷺ لما أمر بقطع نخل بني النضير، قال واحد من الحصن: إن هذا فساد يا محمد وإنك تنهي عن الفساد،
[ ١٦ / ٤٥٣ ]
فقال المسلمون: يا رسول الله، هل لنا من أجر أو علينا من وزر في ذلك؟ فنزلت. وقطع رسول الله ﷺ النخيل بخيبر وبالطائف، وهي آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ كُفِيَ فيها القتال.
قال: وتخريب ديارهم؛ لقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] وبالقياس على قطع النخيل.
قال: فإن غلب على ظنه أنه يحصل لهم، فالأولى ألا يفعل ذلك؛ حفظًا لها على المسلمين، وهذا ما روي عن الشيخ أبي حامد.
وقيل: يحرم؛ نظرًا لهذه العلة، وهو ما أورده القاضي الحسين، وحمل ما جرى منه – ﵇ – على حالة غلبة الظن بعدم بقائها للمسلمين.
وقد حكى الوجهين جميعًا في "المهذب"، ومحلهما: إذا دخل مُغِيرًان أما إذا فتحها وأمن أهلها فلا يجوز قطعها جزمًا، وكذلك التخريب.
وفي "الحاوي": أن محل الجواز إذا كان القطع والتخريب يضعفهم وينفعنا، وكذا لو كان لا ينفعنا، لكن مع كراهة، ولو كنا نعلم أنا لا نصل إليهم إلا بالقطع والتخريب وجب، وإن فقد ذلك كله فهو محظور؛ لان [ذلك] مغنم.
قال: ولا يجوز قتل البهائم؛ لما روي الشافعي – ﵁ – بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا [فَمَا فَوْقَهَا] بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللهُ – تَعَالَى- عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَاكُلَهَا، وَلاَ يَقْطَعَ [رَاسَهَا] فَيَرْمِيَ بِهَا".
وقد نهى [النبي] – ﵇ – عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة، ولأنها ذات روح لها حرمة؛ فلم يجز إتلافها غيظًا للمشركين، كما في النساء والصبيان.
ولا فرق في ذلك بين ألا يقع في أيدينا، أو يقع ويخشى أن ينزع، أو تعذر سوقها ونقلها إلى دار الإسلام، كما ذكره أبو الطيب وغيره، وهذا بخلاف ما ليس بحيوان؛ فإنا إذا تعذر علينا حمله أو خشينا أخذه أتلفناه.
[ ١٦ / ٤٥٤ ]
قال: إلا إذا قاتلوا عليها، أي: فيجوز قتلها؛ توصلًا إلى قتلهم؛ لما روى أبو داود ومسلم "أَنَّ فِي غَزَاةِ مُؤتَةَ، رَأَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ وَعَلَيهِ لأمَةٌ حَسَنَةٌ، تَلْمَعُ بِالذَّهَبِ، وَهُوَ مُعَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ وَالنِّكَايَةِ فِيهِمْ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَطَائِفَةً مِنَ جِلْدِ جَمَلٍ كَالدَّرَقَةِ، وكَمَنَ لَهُ وَرَاءَ حَجَرٍ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ ذَلِكَ الرُّومِيُّ خَرَجَ مِنْ وَرَائِهِ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَسَقَطَ إِلى الأَرْضِ، فَجَلسَ عَلَى صَدْرِهِ وَذَبَحَهُ، وَأَخَذَ لامَتَهُ وَسِلاَحَهُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ؛ فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ ﷺ عَقْرَه الفَرَسَ".
وكذلك يجز قتل الخيل إذا حصلت في أيدينا وخشينا أن يأخذها العدو [ويقاتلنا] عليها، على الصحيح في "ابن يونس"، وفي "تعليق" البندنيجي أنه لا نص في ذلك، والذي يجيء على المذهب: أنه يجوز قتلها إذا خشينا من أخذها الهزيمة، دون ما إذا لم نخش الهزيمة إذا أخذوها، والله اعلم.
قال: وتقتل الخنازير؛ لأنه يحرم الانتفاع بها، وقيل: إذا لم يكن فيها عدوى لم تقتل، وهذا ما أفهمه نصه في "سير" الواقدي؛ حيث قال: يقتل إن كان فيه عدوى.
وأما الكلاب فقد قال الشافعي – ﵁-: إنها تقتل أو تسيب.
قال القاضي أبو الطيب: وليس هذا على ظاهره، وإنما أراد أنها تقتل إن كانت عقورة، وتسيب إن لم تكن كذلك، يعني: ولا منفعة فيها، وإلا فإذا كانت منتفعًا بها فسنذكر حكمها، إن شاء الله.
قال: وتراق الخمور، وتكسر الملاهي، كما لو وجدت في يد مسلم.
قال القاضيان الحسين وأبو الطيب: فلو كانت ظروف الخمور جوابي يزيد كراء نقلها على قيمتها كسرت؛ كي لا ينتفعوا بها.
[ ١٦ / ٤٥٥ ]
قال: ويتلف ما في أيديهم من التوراة والإنجيل؛ لأنه لا يحل للمسلمين تمولها كما نقله البندنيجي، ولا حرمة لها؛ لتبديلها؛ فوجب إتلافها كالخمور.
وكذا كتب السحر [وما لا] منفعة فيه كما قاله أبو الطيب، وكتب الهجو كما قاله القاضي الحسين.
ثم إتلافها يكون بغسلها إن أمكن الانتفاع بوعائها، بأن كانت في رق، وإن كانت في ورق مزقها، بحيث تصلح لعمل الكاغذ، وتباع، ولا يجوز إحراقها؛ لما في ذلك من إتلاف ماليتها.
والقاضي أبو الطيب خص ذلك بما إذا أمكن بيعها بعد التحريق، فإن كانت مما لا يشترى أحرقت.
وعن "البحر": أن التوراة والإنجيل لا يحرقان على الصحيح؛ لما يهما من اسم الله تعالى.
قال: ويجوز أكل ما أصيب في الدار، أي: دار الحرب، من الطعام، أي: سواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر – ﵄ – "أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ".
وروي أن عبد الله بن أبي أوفى سئل عن طعام خيبر: أَخَمَّسَهُ رسول الله ﷺ؟ قال: "كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ أَحَدُنَا يَاخُذُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَيَتْرُكُ البَاقِي".
وروى أبو داود عن عبد الله بن مغفل قال: "دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شِحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لاَ أُعْطِي مِنْ هَذا أَحَدًا الْيَوْمَ شَيْئًا قَالَ: فَالْتَفَتْ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْتَسِمُ إِلَيَّ" وأخرجه البخاري ومسلم.
وروي عن عبد الله بن عمر قال: "كُنَّا نُصِيبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ العَسَلَ وَالفَوَاكِهَ،
[ ١٦ / ٤٥٦ ]
فَكُنَّا لاَ نُعْطِي أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا".
وروي أن سلمنا الفارسي جاء إلى مولاه سويد في نفر من المسلمين يوم المدائن، فقال: يا سويد، عندك ما نأكل؟ فقال: ما عندي شيء ولكني خرجت في آثار المشركين، فوجدت سلة مخيطة لا أدري ما فيها، ففتحت فإذا فيها خبز وجبنة، وسكرة، فجعل سلمان يلقي إليهم من الخبز ويقطع من الجبنة بالسكين، ويلقي إليهم يأكلون.
والمعنى فيه: أن الحاجة تدعو إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب، وقد يفسد إلى أن ينقل، أو يتعذر نقله، أو تزداد مؤنة نقله على ثمنه؛ فجعله الشرع لأجل ذلك على الإباحة.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن جميع الطعام مباح أكله لهمن ويدل عليه قوله: وتعلف منه الدواب. [والذي] أطبق [عليه الأصحاب: أن المباح] الطعام المحتاج إليه عادة كالقوت وأدمه من زيت أو شيرج وسمن ولحم وجبن؛ للحديث، وفي الفواكه وجهان في "النهاية".
قال الإمام: ويمكن أن يفصل بين ما يتسارع إليه الفساد ويشق نقله وبين غيره.
وفي "الوسيط" في إباحة الفواكه الرطبة وجهان، وهو يفهم الجزم بالمنع في غيرها، والجمهور جوزوا البسط في الكل، ولم يذكروا خلافًا، وألحقوا بذلك الحلوى.
وأما ما لا يحتاج إلى أكله عادة، بل للتداوي، ففي إباحته ثلاثة أوجه في "الحاوي":
أحدها: أنه ممنوع منه إلا بقيمته، وبحسب على [من أخذه] من سهمه،
[ ١٦ / ٤٥٧ ]
وهذا ما أورده القاضيان أبو الطيب والحسين وكذا الإمام، وقال: إن الكر والفانيذ من ذلك.
والثاني: أنها مباحة؛ لأن الضرورة إليها أدعى، فكانت بالإباحة أولى.
والثالث: إن كان لا يؤكل إلا تداويا حسب على الآخذ من سهمه، وإن كان يؤكل للدواء وغيره، لم يحسب عليه.
وقطع بالمنع في الدواء الذي يطلى به في حق نفسه ودابته.
وفي "النهاية" حكاية وجهين في جواز أخذ الشحوم والأدهان كتوقيح الدواب، وهو مسحها بالذائب والمغلي منها؛ لجربها، وأصحهما – وهو المنصوص في "سير" الواقدي -: المنع.
قال الرافعي: وعلى مقابله ينبغي أن يجوز الأذهان بها.
قال: ويعلف منه الدواب التي لا يستغني عنها في الحرب: كفرسه، والبهيمة التي يحمل عليها [قماشه] وسلاحه وماءه؛ لأن أمير جيش لعمر – ﵁ – كتب إليه يستأذنه في طعام بلد دخلوه، فكتب إليه: "فَلْيَاكُلُوا وَلْيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ، وَلاَ يَبِيعُوا بِذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ".
والتبن والقت ملحق في هذا بالشعير، فيجوز.
أما ما لا يحتاج إليها في الحرب، بل هي مستصحبة للزينة والفرجة: كالفهود والنمورة والبزاة، فلا يجوز أن يطعمها من مال أهل الحرب، وما حمله استظهارًا لحاجة ربما دعت إليه كالجنيبة "يستظهر بها" لركوبه، أو دابة يستظهر بها لحمولته، ففيها وجهان في "الحاوي"، والمذكور منهما في "تعليق" أبي الطيب في الجنيبة: الجواز، وهو الذي رجحه الرافعي، وفي "تعليق" البندنيجي الجزم بالمنع.
قال: ويجوز ذبح ما يؤكل للأكل؛ لأنه مما يؤكل في العادة فهو كاللحم، وذبحه منزل منزلة معاناة طبخ اللحم، وهذا ما جزم به القاضيان [الحسين
[ ١٦ / ٤٥٨ ]
وأبو الطيب] والبندنيجي.
قال: من غير ضمان، يعني: لا ضمان عليه في الصور الثلاث التي ذكرناها؛ لما ذكرناه من الأدلة.
وقيل: يجب ضمان ما يذبح؛ لأن الأخبار إنما وردت في الطعام، وليس المذبوح بطعام في عينه؛ ولذلك يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وليس كذلك اللحم، ولأن اللحم لا يمكن نقله، وهذا يمكن نقله.
قال: وليس بشيء؛ لأنه لو وجب الضمان لم يجز الذبح، ولجرى مجرى سائر الأموال، وقد وافق هذا القائل على جوازه كما حكاه الإمام وأفهمه إيراد الشيخ وابن الصباغ، وفي "الرافعي" حكاية وجه في "البيان": أنه لا يجوز؛ لأن الحاجة إليه تندر، وهو محكي في "تعليق" أبي الطيب؛ لأنه يمكن نقلها.
ثم على المذهب: يجب رد الإهاب إلى المغنم إن لم يكن مأكولا مع اللحم.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين الغنم وغيرها، وهو ما قال الرافعي: إنه الذي يوجد للمعظم تصريحًا [ودلالة] وإنه الوجه، ولم يورد ابن الصباغ والبندنيجي غيره، والقاضي أبو الطيب صور المسألة في الغنم، وسكت عما عداها.
وقال الإمام: إن الذي يتيسر سوقه من الحيوانات يساق، والأغنام تذبح، والأصح: أن مسلكها مسلك الأطعمة؛ فإن الأغنام في الشرع كالأطعمة الضائعة؛ ولهذا قال- عليه الصلاة والسالم – في ضالتها للسائل عنها: "هِيَ لَكَ أَوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ".
وقال العراقيون: الأغنام تذبح وإن تيسر سوقها، ولكن هل يغرم؟ فيه وجهان، وعلى ذلك جرى الغزالي.
وتلخيص ذلك: أن غير الغنم لا يذبح إذا أمكن سوقه، والغنم تذبح، وعند المراوزة: لا ضمان كما في اللحم، وعند العراقيين في الضمان في حالتي إمكان السوق وعدمه وجهان.
وقال الرافعي: إن إيراد الغزالي يفهم اختصاص الوجهين بما إذا أمكن السوق،
[ ١٦ / ٤٥٩ ]
والقطع بعدم الضمان إذا لم يمكن، ثم قال: ولا يبعد على قول من يمنع مِنْ ذبح ما سوى الغنم أن يمنع من ذبح الغنم التي يمكن سوقها.
أما الذبح لغير الأكل كما إذا احتاج بعض الغزاة إلى جلد جمل أو بقرة؛ ليَقُدَّ منه سيورا، أو يعمل منه دَرَقة وما أشبهه - فلا يجوز له الذبح لأجل ذلك؛ لنهيه ﷺ عن ذبح الحيوان لا لمأكلةٍ، فإن خالف وذبح فهل يضمن اللحم أم لا؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وغيره.
وأما الجلد فيجب رده إلى المغنم، فإن قد منه مراده، ضمن ولزمه رده وأجرة مثله في تلك المدة، وما نقص من أجرة الجلد بالاستعمال، نص على ذلك الشافعي - ﵁ - قال القاضي أبو الطيب: وهذا بمنزلة ما قال الشافعي في كتاب الغصب: إذا غصب رجل ثوبًا ولبسه وأخلقه، ما الذي يجب عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: رده وأجرة مثله في تلك المدة وما نقص من قيمته باللبس.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في إباحة الطعام والعلف بين أن يكون الآكل والعالف محتاجًا إلى ذلك، أو لم يكن محتاجًا إليه؛ لكون ما معه قدر حاجته من ماله، كما أن له أخذ الماء المباح وإن كان معه، وهو الظاهر من المذهب. نعم، يشترط ألا يأخذ إلا قدر ما يكفيه في الحال، أو فيما بين يديه لقطع المسافة كما قاله في "التهذيب"، وقد يستدل له بما ذكرناه من حديث عبد الله بن مغفل.
وعن [ابن] أبي هريرة: أنه لا يجوز إذا لم يكن [به] حاجة، كما لا يجوز [للمضطر] أكل طعام الغير إلا للحاجة.
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لوجهين:
أحدهما: أن المضطر لا يباح له إلا عند خوف التلف، وقد أباح هاهنا وإن لم يخف التلف.
والثاني: أن المضطر ضامن، وهذا غير ضامن، وأيضًا فإنه غير مقتصر فيه
[ ١٦ / ٤٦٠ ]
على ما يحتاج إليه، بل يجوز أكل الفاكهة والحلوى عند الجمهور.
وعلى كل حال لا يملك المأخوذ ما دام في دار الحرب كما صرح به البندنيجي والإمام وغيرهما، وإن جاز له أكله، ويدل عليه: أنه لو أتلفه أو أطعمه لغير الغانمين ضمنه، كما صرح به الرافعي وغيره، ولا يجوز أن يأكل فوق الحاجة، فلو فعل فقد حكى الروياني عن النص: أنه يؤدي ثمنه إلى المغنم.
الأمر الثاني: أنه لا فرق بين أن يجد المسلمون في دار الحرب أسواقًا يتمكنون من الشراء منها أو لا، وقد حكى الغزالي في حالة التمكن وجهين.
ورأى الإمام القطع بالجواز؛ لأنهم نزلوا دار الحرب في أمر الطعام منزلة السفر في الترخص؛ فإن القصر وإن ثبت لمشاقِّ السفر، فالمترفه الذي [لا] كلفة عليه يشارك فيه المشقوق عليه.
قلت: والخلاف في هذه الصورة قريب الشبه من الخلاف فيما إذا كان معه قدر حاجته من الطعام، بل ينبغي أن يترتب فيقال: إن جوزنا البسط له ثم فهاهنا أولى، وألا فوجهان؛ لأن ثمَّ المحتاج إليه في ملكه، وهاهنا يحتاج إلى تحصيله، وقد يتعذر. نعم، قال الأصحاب: لو كان لجماعة من الكفار معنا مهادنة، وكانوا لا يمتنعون عن المبايعة والمشاراة مع الذين يطرقونهم من المسلمين – فالأظهر: وجوب الكف عن أطعمة المغنم وإن لم تكن ديار المهادنين معزية إلى دار الإسلام.
فرع: إذا قل الطعام وازدحم الجند فقد حكى الإمام عن المحققين أن قائد الجند إذا استشعر النزاع أثبت يده على الطعام، وقسمه على قدر الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: اكتف بما معك [ولا] تزاحم أصحاب الحاجات، وإن كنت تشاركهم فيه لو اتسع الطعام.
آخر: هل يلحق ما بين عمران دار الإسلام ودار الحرب [بدار الحرب] في جواز أكل الطعام وعلف الدواب؟ فيه وجهان، أشبههما – وبه أجاب
[ ١٦ / ٤٦١ ]
الروياني -: نعم؛ لبقاء الحاجة الداعية إليه؛ فإنهم لا يجدون من يشترون منه، ولا يصادفون سُوقًا.
قال: وإن خرجوا إلى دار الإسلام ومعهم شيء من الطعام ففيه قولان:
أحدهما: يجب رده إلى المغنم، أي: إن كان قبل القسمة، وإلا فإلى الإمام، كما قاله ابن الصباغ وغيره.
ووجهه: أنه أبيح له أخذه في دار الحرب؛ لأجل كونها مظنة الحاجة، وقد زالت، وهذا ما نص عليه في "المختصر" ورجحه القاضي الحسين والرافعي.
والثاني: لا يجب؛ لما روي أبو داود عن القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: "كُنَّا نَاكُلُ الْجَزُورَ فِي الغَزْوِ وَلاَ نَقْسِمُهُ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلأَةٌ"؛ ولأن ما كان أحق به في دار الحرب كان أحق به في دار الإسلام؛ [كما لو احتطب أو احتش أو اصطاد وخرج به إلى دار الإسلام]، وهذا ما نص عليه في "سير" الأوزاعي.
قال البندنيجي: وعلى هذا: فيكون قد ملكه بالإخراج ملكا ينفرد به، وقيل: القولان إذا كان قليلًا، أما لو كان كثيرا، وجب رده قولا واحدًا، وهذا ما اقتصر الغزالي على إيراده، وهو منسوب إلى الشيخ أبي محمد، وقال في "المهذب" بعد حكايته: والصحيح الأول، وعليه جرى الجمهور.
ورأى الإمام القطع بالقول الأول فيما إذا حمل الغازي من الطعام ما يغلب على الظن – مع السير الدائم وتواصل التناقل – أنه يفضل منه شيء عند الاتصال بدار الإسلام، وأن محل التردد إذا كان المحمول لا يبعد استنفاق كله، وهذا يؤخذ من كلام الفوراني؛ حيث صور محل القولين بما إذا أخذ قدر كفايته فلم يتفق أكله، ولو صح الحديث الذي ذكرناه لكان فيه رد عليهما.
لكن القاسم تكلم فيه غير واحد، والوصول إلى دار يقطنها أهل الذمة أو العهد – وهي في قبضة المسلمين – بمثابة ديار الإسلام فيما نحن فيه؛ لأن
[ ١٦ / ٤٦٢ ]
الرافعي جعلها كذلك في منع التبسط بأكل الطعام فيها.
فرع: إذا لحق الجند مدد بعد انجلاء الحرب وحيازة المغنم، هل لهم أن يتبسطوا في أطعمة المغنم كما يتبسط فيها الغانمون؟ فيه وجهان في "النهاية"، وأصحهما في "الرافعي": المنع.
تنبيه: المغنم: الموضع الذي تجمع فيه أموال الغنيمة، ويقال [له]: القَبَض، بقاف وموحدة مفتوحتين وضاد معجمة.
مسألة: إذا أقرض واحد من الغانمين الطعام الذي أخذه لكفايته واحدًا من الغانمين، فعند الشيخ أبي حامد والجمهور: أن القرض لم يصح، وكذلك البيع، لكن المقترض أحق به. لثبوت يده عليه، ولا يلزمه رده إلى الأول، فإن رده إليه صار أحق به؛ لثبوت يده عليه.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه يصح البيع والقرض؛ لأن الشافعي – ﵁- نص على أنه: إذا تبايع رجلان طعامًا بطعام في بلاد العدو، فالقياس: أنه لا بأس به. ثم قال: وإذا قلنا بصحة البيع والقرض، كان بدلهما لنفسه.
وهذا الكلام منه يحتمل أنه أراد به: ما داما في دار الحرب، ويحتمل أنه أراد به ذلك، وما إذا خرج إلى دار الإسلام، والذي يرجح الثاني ما حكاه المحاملي: أنه إذا خرج المقترض من دار الحرب معه الطعام، إن قلنا: إن له أن ينتفع بما معه من الطعام، لزمه أن يرده للمقرض.
لكن الذي حكاه الإمام عمن صحح القرض – وهو الصيدلاني وغيره من المحققين – أن محل جواز المطالبة دارُ الحرب إذا كان عين المقرَض باقية، أو وجد مثلها من طعام دار الحرب ون مال نفسه، أما بعد الخروج إلى دار الإسلام، أو عدم الطعام في دار الحرب، فلا مطالبة، ثم قال: وللإمام إذا كان الطعام المقترض باقيًا، وقد دخل به [إلى] دار الإسلام – أن يأخذه ويرده إلى المغنم، فإن تفرق الجند وعسر فض ذلك عليهم، فقد قال الصيدلاني: يضمه
[ ١٦ / ٤٦٣ ]
إلى خمس الخمس، وقيل: سبيله سبيل الفيء، ولو كان الطعام تالفًا حين خرجوا إلى دار الإسلام، فالذي قطع به كل محقق: أنه لا يطالب المقترض بشيء. ثم قال: والحكم في البيع كالحكم في القرض.
ولو باع الطعام بغيره من نقد وغيره، لم يصح جزمًا، صرح به ابن الصباغ، ويشهد له أثر عمر، ﵁.
قال: وما سوى ذلك من الأموال، أي: وإن قلت، لا يجوز لأحد أن يستبد به، أي: ينفرد به ويستقل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والاستبداد مخالف لها.
وروي أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث طويل: "أن النبي ﷺ دنا من بعير فأخذ وَبَرَةً من سنامه، ثم قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلاَ هَذَا- وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ – إِلاَّ الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ؛ فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ"، فقام رجل في يده كبة من شعر، فقال: أخذت هذه؛ لأصلح بها بردعة لي، فقال رسول الله ﷺ: "أَمَّا [مَا] كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ"، فَقَالَ: أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلاَ أَرَبَ لِي فِيهَا وَنَبَذَهَا" وأخرجه النسائي.
[ ١٦ / ٤٦٤ ]
وروى أبو داود عن رويفع بن ثابت: أنه – ﵊ – قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ] حتى إذا اخلقه رده فيه".
قال: فمن أخذ [منه] شيئًا، وجب [عليه] رده إلى المغنم؛ لما ذكرناه، فلو دعت حاجته إلى استعمال شيء منه، أخذه بإذن الإمام وحسب عليه.
قال الروياني: ويجوز أن يستأذنه في لبس ما دعت حاجته [إليه] مدة حاجته بالأجرة، ثم يرده إلى المغنم.
قال: وله قول آخر، إذا قال الأمير: من أخذ شيئًا فهو له – صح، ومن أخذ شيئًا ملكه؛ لقوله ﷺ يوم بدر: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ"، وهذا أخذ من قول الشافعي – ﵁- في "الأم": وذهب بعض الناس- يعني: أبا حنيفة – إلى جوازه، ولو ذهب إليه ذاهب لكان له تأويل، أو لكان مذهبا. قال الإمام: وهذا متجه في طريق الإقالة، وله [نظير في مورد] الشرع، وهو
[ ١٦ / ٤٦٥ ]
اختصاص القاتل بالسلب، وعلى هذا قال الإمام، فيكون بمثابة التنفيل الذي سبق، ويزول الخلاف في وجوب الجبران من خمس الخمس كما تقدم في البدأة والرجعة، ومحله قبل حيازة المغانم، فأما بعدها فلا، [هكذا اقتضاه] كلام الأصحاب كما قاله الإمام، وفي "الحاوي": [أن] محله إذا قال الإمام ذلك قبل الوقعة.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه مع قوله – ﵇ -: "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ"، فلم يجز أن يختص بها بعضهم، ويخالف السلب؛ فإن سبب التخصيص به التحريض على القتال وكفاية الشر، وهذا عكسه؛ لأنه يشغل وأطبق الأصحاب على ترجيحهن وقالوا: ما روي أنه – ﵇ – قاله يوم بدر لا يثبت، وإن ثبت لم يكن فيه دليل؛ لأن غنائم بدر كانت خالصة له ﷺ يضعها حيث شاء؛ ولذلك أسهم فيها لعثمان وكان بالمدينة، وهذا فيه نظر؛ لأن هذا القول إن صح فالظاهر أنه قاله قبل حيازة الغنائم، وغنائم بدر إنما جعلت له بعد ذلك، ويدل عليه أنه جاء في مسلم: أن مصعب بن سعد – وهو ابن أبي وقاص – روى عن أبيه قال: جئت إلى رسول الله ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفي صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف ليس لي ولا لك"، فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يُبْلِ بلائي، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال: أجبن فجئتن فقال لي النبي ﷺ: "إِنَّكَ سَأَلْتَنِي هَذَا السَّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لِي لَكَ وَإِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَهُ لِي فَهُوَ لَكَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإذا كان كذلك،
[ ١٦ / ٤٦٦ ]
لم يكن جعلها له قادحًا في دلالة الخبر. نعمن الجواب الصحيح: أن الآية الدالة على التخميس نزلت بعد بدر؛ فكان العمل عليها، وقد يمنع أن قوله – ﵇-: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ" كان قبل نزول الآية.
قال: ومن قتل من الكفار، [كره] نقل رأسه من بلد إلى بلد؛ لأنه لم يعهد في زمن رسول الله ﷺ ولا له فائدة، وقد روي أن جماعة نقلوا رءوس الكفار من قتلى دمشق في زمن أبي بكر – ﵁ – إلى المدينة، فقال: لا تنقلوا هذه الجيف إلى حرم رسول الله ﷺ. ولم يخالفه أحد، وهذا ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد.
[ ١٦ / ٤٦٧ ]
قال الإمام: وهذه المسألة لا نص فيها للشافعي﵁ – والكراهية قياس مذهبه.
وقال شيخي: قصة أبي بكر –﵁ – يمكن حملها على تنزيه الحرم عن نقل جيف الكفار، فلو [كان] نقل الرءوس فاجعًا في الكفار، فهو ضرب من التنكيل، فإذا رآه الإمام، لم يكن في تجويزه بعد، مع نفي الكراهة، وما صار إليه الشيخ أبو محمد قد أبداه الماوردي احتمالًا لنفسه، وزاد عليه فقال: إن ذلك مستحب، بعد أن قال: إنه لا نص للشافعي – ﵁ – في المسألة، كما قاله الإمام.
قال: وإن غلب الكفار المسلمين على أموالهم، لم يملكوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ فلو ملكوها لكان لهم عليهم سبيل.
وقوله﵇ -: "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، وكما لا يملكونها لا يضمنونها إذا أتلفوها، وهم أهل حرابة على المشهور.
وحكى القاضي الحسين أن المزني قال في "المنثور": إذا عقدت الذمة للمتلف ضمن ما أتلفه؟ فلو كان المغلوب عليه أمةً، وقد وطئها الكافر، فعلقت منه [بولد- فإن] الولد لسيدها المسلم، ولا يلحق نسبه بالحربي، فلو أسلم الواطئ، قال الشافعي – ﵁ -: كان الولد له. قال ابن سريج: وهذا أراد به الشافعي – ﵁ – إذا كانت قد علقت [بعد أن أسلم]، وأما إن علقت قبل الإسلام فلا يكون له، قال أبو الطيب: والفرق أنها إذا علقت بعد
[ ١٦ / ٤٦٨ ]
الإسلام فهو معتقد أنها ملكه، وله في مال المسلم [شبهة، والنسب] يلحق بالشبهة، والكافر لا شبهة له في مال المسلم بحال.
فرع: لو دخل واحد من المسلمين دار الحرب، فرأى مالا لغيره قد استولى عليه المشركون –جاز له أخذه؛ ليرده إلى صاحبه، وهل يضمنه؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين؛ كما في أخذ العين المغصوبة ليردها [إلى صاحبها].
والثاني: القطع بعدم الضمان، والفرق: أنه في الغصب ينقلها من يد ضامنها، وليس كذلك هاهنا، قاله القاضي الحسين وغيره.
قال: فإن استرجعت، أي: استرجعها المسلمون من الكفار، وجب ردها على أصحابها؛ لما روى الشافعي – ﵁ – بسنده عن عمران بن الحصين – ﵁ -: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ أُسِرَتْ، وَكَانَتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَضْبَاءُ أُصِيبَتْ قبلَهَا، فَكَانَتْ تَكُونُ فِيهِمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي انْفَلَتَتْ مِنْ وَثَاقِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى الإِبِلِ، فَرَكِبَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَطَلَبَتْ نَاحِيَةَ الْمَدِينَةِ، فَطُلِبَتْ مِنْ لَيْلَتِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيهَا، فَجَعَلَتْ للهِ عَلَيهَا إِنْ نَجَّاهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، قَالُوا لَهَا لاَ تَنْحَرِيهَا حَتَّى تُخْبِرِي النَّبِيَّ ﷺ، فَأُخْبِرَ ﷺ بِخَبَرِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ، بِئْسَ مَا جَازَتْهَا"، قَالَ: [لاَ] وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ العَبْدُ، وَلاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ"، وَأَخَذَهَا مِنْهَا.
وكذا [لو] لم تسترجع، [ولكن] من هي في يده أسلم؛ فإنها تنزع من يده، فترد لمالكها، فإن تلفت في يده بعد التمكن من الرد ضمنها، وإن تلفت قبلهن قال القاضي الحسين: يجب أن يقال: لا تضمن.
قال: فإن لم يعلم حتى قسم عوض [صاحبها] من خمس الخمس؛ جبرا
[ ١٦ / ٤٦٩ ]
لحقه، ولا نفسخ القسمة؛ لحصول المقصود، والمراد بالصاحب هاهنا: من وقعت في سهمه من الغنيمة لا مالكها الأصلي.
قال القاضيان الماوردي والحسين: وهذا [إذا] شق نقض القسمة، فأما إذا لم تشق نقضت ولا تعويض.
وفي "الجيلي" وجه: أنه يسترد من كل سهم بقدر حصته بالتوزيع.
ولو غلب بعض الكفار على بعض، فالمقهور يصير مملوكًا للقاهر، حتى لو قهر العبد سيده، عتق العبد وصار السيد رقيقًا له، كما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب الجزية، والهدنة، والإمام في آخر "النهاية"، لكن أبا الطيب فسر القهر بإخراجه إلى دار الإسلام، وللإمام شرط أن توجد صورة قهر الاستعباد، وأنه لا يشترط قصد الاسترقاق، ثم قال: وفيه نظر؛ فإن القهر قد يجري استخدامًا، فلا يتميز قصد الرق إلا بقصد الإرقاق، ثم قال: ولو قهر حربي ابنه، وباعه من مسلم، فهل يصح ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب أبو زيد-: أنه يصح، ولا يعتق عليه؛ لان القهر سبب الملك، فإذا دام القهر دام السبب.
والثاني- وهو اختيار ابن الحداد -: أنه لا يجوز البيع ولا يبقى [له] عليه ملكن وبهذا جزم أبو الطيب في كتاب "السير"، قال الإمام: وعلى هذا فيتجه أن نقول: لا يملك الأب ابنه بالقهر؛ لاقتران السبب المقتضي للعتق بالقهر، ولا يقال: قياس هذا ألا يصح - أيضًا - شراؤه؛ لأن جواز ذلك ذريعة إلى تخليصه من الرق، وهو لا يتأتى مع استمرار القهر [هنا]، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بذكر فروع يسيرة تتعلق به:
إذا قال الأمير: من غزا معي فله دينار، استحق كل من غزا معه دينارًا إذا كان مسلمًا ليس من أهل الفيء، أو ذميًا دون أهل الفيء والمعاهدين.
[ ١٦ / ٤٧٠ ]
قال الماوردي: ولا يدخل في ذلك النساء.
بخلاف ما لو قال: من قاتل معي فله دينار؛ فإنه يستحقه من قاتل [معه] من الرجال والنساء؛ لأن الغزو حكم فتوجه إلى أهله، والقتال فعل فتوجه إلى من وجد منهن ولا يستحقه الصبيان في الحالين؛ لأن الجعالة عقد، فلم تصح إلا مع أهل العقد.
ولا يدخل في ذلك العبيد إلا بإذن السادة، ولو حضر من يستحق الجعل [الصف] ولم يقاتل، فإن كان لفظه: من غزا معي، استحق، وإن قال: من قاتل، فلا. ولا يختص جواز هذه الجعالة بقدر الدينار، بل تجوز بما يراه الإمام، وإن زاد على سهم راجل أو فارس، إن كان المجعول له مسلمًا وكذا إن كان كافرًا على المذهب، وعند ابن أبي هريرة: لا يبلغ بها سهم راجل.
ولو قال: جعلت لجميع من غزا معي ألف دينار، فإن كان المال في الذمة، استحق ذلك من اتصف بما ذكرناه في الجعالة السابقة، ويسوى بين المسلم والذمي، ومن يسهم له ومن لا يسهم له، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لم يدخل فيها سيده؛ كيلا يؤدي إلى تفضيل السادة على غيرهم؛ لأن ما يجعل للعبد فهو لسيده.
ويدخل في هذه الجعالة الصبيان، إذا لم يدخل فيها أولياؤهم.
ولو كان الجعل معينًا بأن قال: قد جعلت لجميع من غزا معي هذا المال الحاضر، صح، وإن كان مجهولًا.
لكن إن كان المال من مال الصدقات، لم يدخل فيها أهل الذمة ولا أهل الفيء من المسلمين، وإن كان من سهم المصالح فالحكم كما لو كان المال في الذمة، وإن كان المال من أربعة أخماس الفيء ففي الجعالة المعقودة به قولان من اختلاف القولين في وجوب مصرفه، فإن قلنا: مصرفه الجيش، بطلت، وإن [قلنا]: مصرفه المصالح، صحت.
[ ١٦ / ٤٧١ ]
ثم إذا غزا من أخرجه الشرع من هذه الجعالات، فهل يستحق شيئًا؟ قال الماوردي: إن كان عالمًا بإخراجه فلا، وإن كان جاهلًا فوجهان، أحدهما: يستحق جُعل مثله؛ لأنه دخل في جعالة فاسدة، والله أعلم.
[ ١٦ / ٤٧٢ ]