بدأ الشيخ﵀- بنفقة الزوجات؛ تبعًا للشافعي﵁- لأنها تجب بطريق المعاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان؛ فهي أقوى من غيرها؛ فلهذا بدأ بها.
قال: يجب على الزوج نفقة؛ زوجته للكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
والدليل فيها من وجهين:
الأول: قوله: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقيم على غيره هو المتكفل بأمره.
والثاني: قوله: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فنص على وجوبها بالولادة في الحال التي تتشاغل بولدها عن استمتاع الزوج؛ ليكون أدل على وجوبها عليه في حال استمتاعه بها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فدل على وجوب النفقة؛ لأنها من جملة الفروض.
ومن السنة: ما روى الشافعي﵁- بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، معي دينار؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْتَ أَعْلمُ".
[ ١٥ / ١٦٣ ]
وروى البخاري عن أبي هريرة أنه﵇- قال: "وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ؛ تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ المَمْلُوكُ: أَطْعِمْني وَاسْتَعْمِلنِي، وَيَقُولُ الابْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَي مَنْ تَدَعُنِي؟ " قَال: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَمِعْتُ؟ قَالَ: مَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيرَةَ.
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الزوجات على الجملة.
قال: فإن كان موسرًا لزمه مدان من الحب المقتات في البلد، أي: غالبًا، وإن كان معسرًا لزمه مد، وإن كان متوسطًا لزمه مد ونصف.
أما اعتبار التفاوت بين الموسر وغيره فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وأما اعتبار المدين في حق الموسر، والمد في حق المعسر- فقد تمسك الأصحاب فيه بأن الشرع قدر النفقة بالاجتهاد، ولا يجوز اعتبارها بقدر الحاجة؛ لأنه لو كان كذلك لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، وإذا بطل هذا المأخذ، وجب أن تلحق بما هو شبيه بها، وأشبه شيء بها الكفارات؛ لأن كل واحدة منهما طعام واجب بالشرع؛ لسد الجوعة؛ فيستقر في الذمة.
وأيضًا: فقد اعتبر الله- تعالى- جنس الإطعام في الكفارة بنفقة الأهل بقوله- تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ وذلك يدل على المشابهة والمقاربة، وأكثر ما أوجبه الشرع في الكفارة مدان للمسكين الواحد في كفارة الأذى، وأقل ما أوجبه للواحد فيها مد في كفارة اليمين والظهار والوقاع؛ فوجب أن يكون هاهنا كذلك.
وأما اعتبار المد والنصف في حق المتوسط؛ فلأنا لو أوجبنا عليه المدين، لأضررنا به، ولو أوجبنا لها المد لأضررنا بها، وهو متردد بينهما؛ فوجب عليه من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ دفعًا للضرر.
وأما اعتبار الحب المقتات في البلد؛ فلأن الله- تعالى- أوجب النفقة
[ ١٥ / ١٦٤ ]
بالمعروف، ومن المعروف أن يطعمها ما يطعم أهل البلد.
وأما اعتبار الحب، دون الدقيق والخبز؛ فبالقياس على الكفارات.
ولا فرق في ذلك بين القمح والأرز والشعير والتمر والأقط في حق أهل البوادي الذين يقتاتونه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن بعض أصحابنا قال: إن كان الأغلب في بعض البلاد أنهم لا يطحنون الأطعمة بأيديهم، لم يفرض لها إلا الدقيق، وإن كانت العادة أن المرأة تطحنه برحى يد فلا بأس أن يفرض لها الحنطة.
وعلى المذهب: هل يجب عليه أجرة طحن الحب وخبزه؟ ينظر:
إن لم تكن ممن جرت عادتها بتعاطي ذلك بنفسها وجبت، وإن كانت ممن جرت عادتها بذلك- كأهل البوادي- كان عليها دون الزوج، صرح به الماوردي.
وفيه وجه: أنها تجب مطلقًا.
ووجه: أنها لا تجب مطلقًا.
ولو نذرت الطعام أو باعته، فهل يسقط حقها من مؤنة إصلاحه؟ فيه تردد للإمام.
هذا هو المشهور من المذهب، ووراء ما ذكرناه في قدر الطعام قولان آخران:
أحدهما- عن رواية الشيخ ابي حامد: أنه يعتبر بقدر الكفاية كنفقة القريب، وقد يحتج له بقوله﵇- لهند، وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني من النفقة ما يكفين ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" كما رواه مسلم، فسوى بينها وبين الولد، وفي هذا الحديث فوائد نذكرها من بعد، إن شاء الله تعالى.
وبأن النفقة تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والتمين يعتبر بكفاية الزوج؛ فوجب أن يكون ما يقابله من النفقة مقدرًا بكفاية المرأة كالمقاتلة، لما لزمهم كفاية المسلمين في جهاد عدوهم استحقوا على المسلمين في بيت مالهم قدر كفايتهم.
[ ١٥ / ١٦٥ ]
والثاني- عن رواية صاحب "التقريب"-: أن الاعتماد فيه على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد في ذلك.
وروي عن ابن خيران وغيره: أن النفقة لا تتقدر بالمقادير المذكورة، ولكن يتبع فيه عرف الناس في البلد.
وزفي صفة الطعام- تخريجًا عن ابن سريج- وجه: أنه لا ينظر إلى الغالب، وإنما يعتبر ما يليق بحال الزوج إلحاقًا للجنس بالقدر، وهذا ما أبداه الإمام ترددًا فيما إذا كان الغالب قوتًا، ولكن الفقراء يعتادون اقتيات غيره.
وعلى المذهب: لو لم يكن في البلد قوت غالب، ففي "الرافعي": أن الواجب ما يليق بحال الزوج إن كان يأكل ما يليق به؛ فإن كان قوته أقل من الحال اللائق به كالمتزهدين فإنا نعتبر الائق به، قاله مجلي.
وفي "الحاوي": أنه إذا اختلف قوت بلدهما، وجب لها الغالب من قوت مثلها، فإن كان مختلفًا كان الزوج مخيرًا دونها.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون للمرأة منصب أو لا، ولا بين المسلمة
[ ١٥ / ١٦٦ ]
والذمية، والحرة والرقيقة: [والصحيحة والمريضة والصغيرة والكبيرة]؛ بل إنما يختلف باليسار وغيره- كما ذكرناه- وقد اختلفت عبارات الأصحاب في ضبط ذلك: فالذي ذكره الماوردي: أن الموسر من يقدر على نفقة الموسرين في حقنفسه وحق كل من يلزمه نفقته من كسبه، لا من أصل ماله.
والمعسر من لا يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه وعلى من تلزمه [نفقته، إلا] نفقة المعسرين، وإن زاد عليها كانت من أصل ماله، لا من كسبه.
والمتوسط هو: أن يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه، وعلى من تلزمه [نفقته] نفقة المتوسطين، فإن زاد عليها كان من أصل ماله، وإن نقص عنها فضل عن كسبه.
والذي ذكره القاضي الحسين: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمعسر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسط من يستوي دخله مع خرجه.
وقد أورده صاحب "التهذيب" مع وجه آخر: أنه يرجع في ذلك إلى العادة، والعادة تختلف باختلاف البلاد، وهذا ما حكاه المتولي.
قال الرافعي: وأحسن قيل فيه ما أورده الإمام والغزالي: أن من لا يملك شيئًا أصلًا، أو يملك من المال ما [لا] يخرجه عن استحقاق سهم المساكين فهو معسر، فإن ملك ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين: فإن كان لا يتأثر بتكليف المدين فهو موسر، وإن كان يتأثر بأن يرجع إلى صفة المسكنة لو كلف مدين فهو متوسط، أي: ولم يتأثر بالمد والنصف، كما صرح به الإمام، ولا بد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء.
والقدرة على الكسب الواسع لا تخرجه عن حد الإعسار في النفقة، كذا حكاه الغزالي.
وفي "المهذب": أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال.
قال مجلي: ومضمونه: أنه إذا كان يقدر على التكسب، كلفه؛ كما لو كان يقدر بالمال.
[ ١٥ / ١٦٧ ]
وأراد مجلي بذلك: نفقة المتوسط [أو الموسر] عن كان كسبه يفي بها، وسنذكر في الباب الثاني خلافًا في وجوب الاكتساب لأجل النفقة.
فإن كان الزوج عبدًا فليس عليه إلا نفقة المعسرين، وكذا المكاتب، وكذا من بعضه حر وبعضه رقيق، على أصح الوجهين في "البندنيجي" وغيره.
وفي الثاني: يوزع على الحصتين إن كان موسرًا بنصفه [الحر، أو متوسطًا.
والنظر في اعتبار اليسار وما عداه إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت] الذي يجب فيه تسليم النفقة، ولا نظر إلى ما يطرأ بعده من يسار أو إعسار؛ صرح به في "التهذيب".
ويجيء- على ما سنذكره عن "المهذب"-: أن يعتبر ذلك وقت طلوع الشمس.
فرع: لو اختلفا في يساره وإعساره، فإن لم يعرف له مال فالقول قوله، وإن عرف له مال أيسر به، فالقول قولها.
وهذا يظهر على قول من اعتبر وجود المال في اليسار، وأما على طريقة القاضي والماوردي فالذي يظهر أنه لا أثر لوجود المال أو عدمه.
تنبيه المد يجمع على: أمداد، ومداد، بكسر الميم.
[ ١٥ / ١٦٨ ]
قال: فإن رضيت بأخذ العوض، [أي]: من ذهب أو فضة- جاز على ظاهر المذهب؛ لأنه طعام مستقر في الذمة لمعين؛ فجاز أخذ العوض عنه، كالقرض.
وقيل: لا يجوز، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين؛ لأنه طعام واجب في الذمة بالشرع، فلم يجز أخذ العوض عنه كطعام الكفارة.
ولأنه طعام يثبت في الذمة ببدل؛ فلا يجوز العدول إلى بدله قبل القبض كالسلم.
وفيما ذكرناه من علة ظاهر المذهب- وهو قول أبي إسحاق- ما ينفي ذلك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه ثالث فارق بين النفقة المستقرة الثابتة في الذمة؛ فيجوز الاعتياض عنها، وبين النفقة المستقبلة؛ فلا يجوز. وكأنه يشير- والله أعلم- إلى نفقة اليوم قبل مضيه؛ فإنها متعرضة للسقوط بالنشوز.
وحكم أخذ الخبز والدقيق عند بعضهم حكم أخذ الذهب والنقرة؛ فيخرج على الخلاف، وهو ما حكاه ابن يونس والفوراني.
وفي "الشامل": أن الذي يجري على قول أصحابنا: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الربا.
وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني وغيره تابع العراقيين عليه، يعني: على عدم الجواز.
وفي "التهذيب": الجزم بأنها إذا رضيت بأخذ الدقيق والسوييق والخبز جاز.
ولعل وجهه ما ذكره مجلي: أنها بذلك قابضة لحقها، وليس من باب المعاوضات، وإنما أسقطت مؤنة الإصلاح.
وعلى هذا التعليل ينبغي أن تكون من جنس حقها.
وفي "الذخائر" حكاية الخلاف، لكنه مرتب على الخلاف في الفضة، وأولى بالمنع.
[ ١٥ / ١٦٩ ]
وعلى كل حال: فلا يجوز الاعتياض عن النفقة المستقبلة، ولا بيعها من الغير بحال.
ولو كانت تأكل مع الزوج على العادة، ففي سقوط نفقتها بذلك خلاف مبني على جواز بيع المعاطاة.
قال الغزالي: والأحسن السقوط، والقياس عدم الإجزاء، وهو الذي اختاره الروياني والمحكي في "تعليق" البندنيجي.
قال البندنيجي: وهذا إذا لم ترض بذلك عوضًا، فإن رضيت به عوضًا سقطت وجهًا واحدًا.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها ترجع عليه بالنفقة، ويرجع عليها ببدل ما أنفق.
قال: ويجب لها من الأدم ما تحتاج إليه من أدم البلد، أي: من زيت، أو سمن، أو شيرج، أو جبن، أو خل، أو لبن.
أما أصل وجوب الأدم؛ فلأن الله – تعالى- قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أن يدفع إليها القوت بلا أدم؛ فإن الطعام لا ينساغ أكله في الغالب إلا به.
وأما كونه يرجع فيه إلى أدم البلد؛ فلأن الشرع لم يضبطه بشيء، ولا له نظير في الشرع يقاس عليه؛ فتعين حمله على العرف كالحرز والإحياء، والعرف يختلف.
وقد قال الأئمة: [إن كان بالعراق فالأدم فيه الشيرج والزيت، و] إن كان بخراسان أو بالحجاز فالأدم فيه السمن، وإنكان بالشام – قال القاضي الحسين: أو مصر- فالأدم فيه الزيت.
وإنما خص بذلك؛ لأنه أصلح للبدن، وأخف مؤنة؛ فإنه لا يحتاج في التأدم به إلى طبخ ولا كلفة، هذا كلام ابن الصباغ، وظاهره يقتضي حصر الأدم في الأدهان.
قال مجلي: وكذلك كلام الشيخ أبي حامد؛ فإنه ذكر هذه العلة، وزاد فيها: أنه
[ ١٥ / ١٧٠ ]
قل طعام يطبخ إلا وفيه الدهن؛ فلهذا خص الدهن من سائر الآدام بالإيجاب، ثم قال: وهذا الذي قالاه ظاهر قول الشافعي في "الأم" رأيته.
وقال بعض أصحابنا: لا يختص بجنس الدهن. انتهى.
وهو ما حكاه الرافعي، وإليه أشار الماوردي، كما ذكرناه أولًا.
ثم ذلك يختلف- أيضًا- باختلاف الفصول، فقد تغلب الفاكهة في أوقاتها؛ فتجب.
قال القاضي الحسين: الرطب في وقته [واليابس في وقته].
قال الرافعي: والوجه المذكور في جنس القوت- أنه ينظر إلى عادة الزوج دون الغالب- يعود في الأدم أيضًا.
وأما قدر ما يؤتدم به فالمرجع فيه اجتهاد القاضي وفرضه، فإذا قيل: إنه يكفي في إدام كل مد من الطعام أوقية من الدهن مثلًا- أوجبنا لامرأة الموسر أوقيتين، ولامرأة المعسر أوقية، ولامرأة المتوسط أوقية ونصف.
وما نقل عن الشافعي من أنه قال: "مكيلة زيت أو سمن"، فقد قال الأئمة: إنه تقريب، لا تقدير.
وفي "الجيلي": أن بعض أصحابنا قال: المراد بمكيلة الزيت والسمن: أربعون درهمًا.
قال: ومن اللحم على حسب عادة [أهل] البلد، أي: فإن كان أهل البلد يأكلون اللحم في كل أسبوع مرة وجب [لها] كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وإن كانوا يأكلونه في كل أسبوع مرتين وجب كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وفي يوم الثلاثاء أخرى.
وإن كانوا يتأدمون باللحم كان تأدمها اللحم.
قال الماوردي: وكذلك إن كانت عادتهم أن يتأدموا بالسمك كان أدمها السمك.
والمرجع في قدر ذلك إلى العرف- أيضًا- حتى لو كان الواحد منهم يتأدم بأكثر من رطل من لحم فقدره معتبر بعرفهم، صرح به الماوردي.
[ ١٥ / ١٧١ ]
وما قاله الشافعي من أنه يطعمها في كل أسبوع رطل لحم، فهو محمول عند الأكثرين على عادة أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ.
وفي "الرافعي": أن الرطل محمول على المعسر، وعلى الموسر رطلان، وعلى المتوسط رطل ونصف.
وفي "التهذيب": أنه يجب في وقت [الرخص] على الموسر في كل يوم رطل، وعلى المتوسط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المعسر في كل أسبوع. وفي وقت الغلاء يجب في أيام مرة، على ما يراه الحاكم.
وقال قائلون: وحكاه الشيخ أبو محمد عن القفال-: إنه لا يزيد على [ما] ذكره الشافعي في جميع البلاد، ويجب عليه مع اللحم الملح والحطب وأجرة الطبخ إن لم تجر عادتها بالطبخ.
فرع: هل يجب لها في اليوم الذي يعطيها فيه اللحم أدم؟ أبدى الرافعي فيه ترددًا لنفسه.
فرع آخر: إذا تبرمت بالجنس الواحد من الأدم، لا يلزم [الزوج] إبداله على الأظهر.
وعلى هذا لو أبدلته بجنس آخر فلا اعتراض له.
وكذا لو صرفت ما أخذته من الطعام في الأدم، وبالعكس.
ومن الأصحاب من جوز له المنع من إبدال الأشرف بالأخس، وله على هذا منعها من بدل أكل الأدم من طريق الأولى.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها لو أرادت أن تصرف ما أخذته فيما يهزل بدنها، ويذهب حسنها- كان له منعها على أحد الوجهين.
قال: ويجب لها ما تحتاج إليه من الدهن للرأس والسدر، أي: أو ما في معناه من الخطمي والطين والمشط؛ لأنها تحتاج إلى ذلك لإصلاح شعرها؛ فوجب عليه كنفقة بدنها.
ويلتحق بما ذكرناه الأشنان والصابون والقلي للثياب؛ صرح به في "التهذيب".
[ ١٥ / ١٧٢ ]
والمراد بالمشط- على ما حكاه الماوردي- آلة المشط من الأفاويه والغسلة؛ إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
والذي يظهر أن مراد الشيخ به: الآلة المعروفة، وفيه لغات: مشط، ومشط-[بضم الميم وإسكان الشين وضمها] – ومشط بكسر الميم، وممشط، ويقال له: مشقأ ومشقا، مهموز وغير مهموز، ومشقاء، ممدود.
ثم المرجع في جنس الدهن وغيره إلى العرف، حتى لو كانت ممن لا يعتادون الادهان إلا بما طيب بالورد والياسمين وجب.
و[المرجع] في قدره إلى كفاية مثلها ووقته في كل أسبوع مرة. قاله الماوردي.
وفي "ابن يونس" أنه قيل: إن ذلك [لا] يجب- وأبداه الإمام وغيره احتمالًا في الدهن- فيما إذا قال الزوج: هذا للتجمل والتزين، وأنا لا أريده.
ويجب لى الزوج أجرة الحمام إن كانت عادتها بدخوله.
قال الماوردي: وذلك في كل شهر مرة.
وأشار بعض أصحاب الإمام إلى خلاف في وجوب الحمام، وبالمنع أجاب البندنيجي، وألحقه بالطيب.
وكذلك أطلق القاضي الحسين جوابه بالمنع.
والذي أورده الغزالي: أنها لا تجب إلا إذا اشتد البرد.
ويجب عليه ثمن ماء الاغتسال، إن كان سببه جماعًا أو نفاسًا، على أصح الوجهين؛ لأن الحاجة إليه جاءت من قبله، بخلاف ما إذا كان سببه جنابة؛ فإنه لا يجب إذ لا صنع منه؛ وكذا لو كان حيضًا على أصح الوجهين.
قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب من جهته كاللمس، أو لا من جهته؟
واعلم أن تقييد الشيخ الدهن للرأس يفهم أنه لا يجب عليه الدهن للجسد؛ لأجل
[ ١٥ / ١٧٣ ]
أنه لا يراد للزينة، بخلاف الرأس؛ فإنه من الزينة التي تدعو إلى الاستمتاع بها.
وفي "الحاوي": إلحاق الدهن للجسد بالدهن للرأس في الوجوب.
قال: ولا يجب عليه ثمن الطيب، أي: الذي يقصد للزينة؛ لأن ذلك يراد للتلذذ والاستمتاع، وذلك حق له.
نعم: يجب عليها استعماله إذا أحضره لها، وكذا الخضاب في اليدين والرجلين.
وكذا الكحل لا يجب على الزوج، صرح به الرافعي، وقرنه بالخضاب.
وفي "الحاوي": أن الكحل الذي يراد للزينة كالإثمد يجب على الزوج الإتيان به.
أما الطيب الذي يقصد لقطع [الزهوكة]- إذا لم تنقطع بالماء والتراب- فيجب؛ لأنه من جملة آلة التنظيف؛ فأشبه المشط.
وكذا يجب المرتك وما في معناه؛ لقطع الصنان إذا لم ينقطع بالماء والتراب، وحكى فيه بعض أصحاب الإمام وجهًا.
فرع: يجب على الزوج أن يحضر لها ما تنتفع به من آلة الطبخ والشرب والاستعمال كالإبريق والمدية، ولا يتعين في ذلك نوع، بل يجري فيه الخزف والخشب والحجر.
وأبدى الرافعي احتمالًا فيما إذا كانت شريفة: أن يجب له الظروف النحاسية، وهو مستمد من قول الغزالي: "وأما النحاس فطلبه ترفه، وقد يليق بالشريفة؛ فهو كالزيادة على لبس الكرباس".
قال: ولا أجرة الطبيب- أي: والفاصد- ولا شراء الأدوية؛ لأنا لزوج بمنزلة [المستأجر، والزوجة بمنزلة] الدار المستأجرة والدواء وما في معناه لحفظ البدن؛ فلا يجب على الزوج كما لا يجب على المستأجر عمارة الدار، بخلاف الدهن وما في معناه؛ فإن ذلك في معنى غسل الدار وكنسها، وذلك على المكتري؛ فلا جرم وجب على الزوج.
[ ١٥ / ١٧٤ ]
[وفي "التتمة" في قسم الصدقات، عند الكلام في أنه هل يجوز أن يصرف لزوجة الغير من سهم الفقير شيء أم لا؟ إشارة إلى وجه في أن مداواتها تجب على الزوج]، ولعله [مفرع] على القول بأن نفقتها مقدرة بالكفاية؛ فإنها حينئذ تكون كالقريب، والله أعلم.
قال: ويجب من الكسوة ما جرت العادة به.
أما وجوب أصل الكسوة؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولما روى الترمذي عن أبي هريرة في حديث مطول: "أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ، أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ"، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
ولأن الكسوة كالقوت في كون البدن لا يقوم إلا بها.
وأما كون الواجب ما جرت العادة به؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] رد ذلك إلى العرف، ولأن الإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم، كما حكاه الرافعي؛ فامتنع إلحاقها بالكسوة في الكفارة؛ فتعين العرف.
قال: فيجب لامرأة الموسر من مرتفع، أي: بكسر الفاء- ما يلبس نساء [أهل] البلد، أي: من قطن، أو غزل، أو خز، أو حرير؛ لأن الشرع أوجب التفاوت بين الموسر والمقتر، والكسوة مقدرة بالكفاية في حق امرأة الموسر والمقتر؛ فلم يمكن الزيادة عليها؛ فيرجع بالتفضيل إلى انوعها؛ إذ العرف يقتضيه، بخلاف النفقة؛ فإنها لما لم يكن القصد منها الكفاية جاز اعتبار التفاوت بين الموسر والمقتر بالزيادة.
وفيما عدا القطن وجه: أنه لا يجب، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد؛ متمسكًا بظاهر ما روي عن الشافعي: أن الموسر يعطي من لين البصرة أو الكوفة أو واسط، والمعسر من غليظها، والمتوسط ما بينهما. وأراد: المتخذ من القطن؛ لأن هذا لباس أهل الدين، وما زاد عليه رعونة.
[ ١٥ / ١٧٥ ]
والجمهور حملوه على أن ذلك كان عادة ذلك الوقت.
نعم، لو كانت العادة لبس الثياب الرقيقة- كالقصب الذي لا يصلح ساترًا- فلا يعطيها منه؛ لأنه لا يعطيها إلا ثوبًا واحدًا؛ فلا تصح الصلاة فيه، ولكن يعطيها من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، كالدبيقي والكتان المرتفع.
قال: ولامرأة المعسر دون ذلك، أي: من غليظ القطن والكتان، ويجب لامرأة المتوسط ما بينهما، كما قلنا في النفقة، وفيهما الوجه الجاري على ظاهر النص، هذا هو المشهور.
قال الرافعي: وفي كلام أبي الفرج وإبراهيم المرورذي: أنه ينظر في الكسوة إلى حال الزوجين جميعًا، فيجب عليه ما يلبس مثله مثلها في العادة.
وفي "الذخائر": أن بعض أصحابنا قال: يعتبر حال الموجة، وأن يكون بحيث إذا فرض لها ذلك، لا يجاوز حد مثلها، [وإلا اقتصر] بها على ما يجب لمثلها.
ثم قال: وينبغي أن يفصل؛ فيقال: إن قلنا: إن الكسوة تمليك، فيعتبر العرف في جنس الواجب كالنفقة. وإن قلنا: إنها إمتاع، فوجهان:
أحدهما: يعتبر بالزوجة.
والثاني: يعتبر بالزوج – كالوجهين في المسكن.
قال: وأقل ما يجب، أي: لامرأة الموسر وغيرها- قميص وسراويل ومقنعة ومداس للرجل، وإن كان في الشتاء- ضم إليه جبة- أي: محشوة بالقطن- وهذا أكثر الواجب؛ لأجل حصول الكفاية به، وذلك يختلف بطولها وقصرها، وهزالها وسمنها.
ويجب أن يكسوها في السنة مرتين: كسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف إذا بليت عند انتهاء أمدها، وهو ستة أشهر الفصل، فإن بقيت بعده أو بليت قبله، فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: لم اعتبرتم في الكسوة الكفاية، ولم تعتبروها في القوت؟
[ ١٥ / ١٧٦ ]
قيل: لأن الكفاية في الكسوة متحققة بالمشاهدة؛ فاعتبرناها لضبطها، وكفاية القوت غير متحققة ولا مشاهدة؛ فلم نعتبرها للجهل بها، مع كونها وجدت بطريق المعاوضة المقتضية الصون عن الغرر بقدر الإمكان.
ويقوم مقام المداس المكعب والنعل، ومقام السراويل الإزار، ومقام الجبة الفرو إن كانت عادتهن بلبس ذلك.
وعن "المنهاج" للجويني: أن السراويل لا تلزم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء مع البرد.
وفي "الحاوي" خلافه، وإن كانت عادتهن ترك لباسه، بخلاف ما إذا كانت عادتهن ترك [لباس] شيء في أرجلهن كأهل القرى في البيوت؛ لأن في ترك السراويل هتك عورة، ويؤخذ بها في حق الله- تعالى- جميع النساء.
وقال أبو الفجر السرخسي: إذا لم تستغن بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود؛ فيجب من الحطب والفحم بقدر الحاجة.
ولا فرق في وجوب ما ذكرناه على المذهب بين الحضرية والبدوية، كما صرح به البندنيجي.
وفي "الحاوي": أن الاعتبار في الكسوة والطعام بموضع مقامها حتى لو كانت الزوجة بدوية، وهو حضري، وأقام بها في البادية- وجب عرفهم، وإن أقام في الحاضرة فعرف الحاضرة. وكذلك لو كان بدويًا، وهي حضرية: فإن أقام بالبادية اعتبر عرف البادية، وإن أقام في الحضر اعبتر عرف الحاضرة، وإيراد القاضي الحسين قريب من ذلك.
تنبيه: المقنعة والمقنع- بكسر الميم- من "التقنيع".
قال الجوهري: والقناع أوسع من المقنعة.
المداس: بفتح الميم، وحكى كسرها.
قال: ويجب لامرأة الموسر ملحقة، أي: إن كان صيفًا، وكساء تتغطى به- أي:
[ ١٥ / ١٧٧ ]
إن كان شتاء- ووسادة ومضربة محشوة بقطن لليل، وزلية أو لبد تجلس عليه بالنهار، أي: إذا كان شتاءً، ونطعًا إن صيفًا، وكانت عادتهم ذلك؛ لما ذكرناه.
وإيراد الغزالي ربما يفهم أنه يجب زلية غير اللبد تحت المضربة.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام الجمهور: أن المفروش على الأرض من الزلية أو اللبد أو الحصير واحد ليلًا ونهارًا.
وفي المضربة وجه: أنها لا تجب، بل تنام على ما تفرشه نهارًا، حكاه العراقيون.
وفي "النهاية" حكاية عنهم: أن المضربة تجب في الليل، وهل تجب لها زلية تفرشها بالنهار؟ فعلى قولين.
أما لو كانت ممن عادتهن الغطاء باللحاف في الشتاء، وجب.
ولو كانوا لا يعتادون في الصيف لنومهم غطاء غير لباسهم، لم يلزمه شيء آخر، حكاه الماوردي وغيره.
قال: ولامرأة المعسر كساء أو قطيفة؛ بحسب العرف.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه لا يجب لامرأة المعسر ما يجب لامرأة الموسر من آلة النوم وما تجلس عليه.
قال ابن يونس: وقد ذهب إليه بعض العراقيين، والجمهور على أن امرأة المعسر يجب لها النازل مما ذكرناه، ولامرأة المتوسط ما بينهما، وهو ما حكاه في "المهذب".
وفي "الحاوي": أن ذوي الإقتار وسكان القرى يكتفون في نومهم بالبسط المستعملة لجلوسهم؛ فلا يفرض لها فراش.
وفي "التتمة": أنه يجب لامرأة المعسر حصير في الصيف، ولبد في الشتاء.
تنبيه: الملحفة- بكسر الميم-: من الالتحاف.
الوسادة- بكسر الواو- والإسادة: [لغتان.
الزلية: بكسر الزاي، وتشديد اللام والياء، وجمعها: الزلالي.
اللبد: بكسر اللام، جمعه:] لبود.
[ ١٥ / ١٧٨ ]
القطيفة- بفتح القاف-: دثار مخمل، وجمعه: قطائف وقطف؛ كصحائف وصحف. [و] في "الجيلي": أنه كساء كبير عريض أبيض.
قال: وإن أعطاها كسوة مدة، وبليت قبلها، أي: [لا لسخافتها، بل لزيادة] في الاستعمال، كما صرح به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما- لم يلزمه إبدالها؛ كما لا يجب بدل طعام اليوم إذا نفد قبل انقضاء اليوم. [أما] إذا تلف لسخافته فيجب إبداله.
قال: وإن بقيت بعد المدة لزمه التجديد؛ كما لو بقي قوت يومها إلى غد؛ فإنها تستحق فيه قوتها، وهذا هو الأصح عند الجمهور، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
قال: وقيل: لا يلزمه، أي: حتى تبلى، بخلاف القوت.
والفرق: أن الكسوة معتبرة بالكفاية، وهي مكفية، والقوت معتبر بالشرع.
ولا فرق- على هذا القول- بين أن تكون قد لبستها في المدة أو لا، صرح به القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الماوردي، وتابعه ابن الصباغ: إن الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في الكسوة: فإن بقيت لجودتها لم تستحق بدلها؛ لأن الجودة زيادة، وإن بقيت لصيانتها عن اللبس، استحقت بدلها كما لو لم تلبسها.
وهذا كله فيما عدا الجبة، فأما الجبة: فإن كانت من القطن فتجدد في كل سنة، وإن كانت من الديباج ففي سنتين، والعرف في ذلك متبع.
وأما الدثار من اللحف والقطيفة والأكسية فهو أبقى من الكسوة، فيتبع فيه- أيضًا- العرف، هذا ما حكاه العراقيون.
وبنى المراوزة ذلك على أن الكسوة هل يجب تمليكها للزوجة كما يجب تمليك الطعام والإدام، أو لا يجب، وتكون إمتاعًا كما في المسكن والخادم؟ وفيه خلاف عندهم، والذي ذهب إليه ابن الحداد منهما، ويقال: إنه قضية نصه في "الإملاء"، واختيار القفال-: [الثاني].
[ ١٥ / ١٧٩ ]
قال ابن الصباغ: وقد وافق ابن الحداد بعض أصحابنا، وإيراد الفوراني والمسعودي يقتضيه.
وأصحهما عند الأكثرين، وينسب إلى النص: الأول.
وفي "التهذيب" طرد هذا الخلاف في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والشراب والمشط، وكلام الفوراني في المشط يوافقه.
وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي إلحاق الفرش ونحوه مما يخرج عن كسوة البدن بالمسكن؛ فإنه قال: لا يجب إبداله ما لم يبل ويتخرف ولا يتهيأ الانتفاع به.
وألحق في "البسيط" الفرش والظروف بالمسكن.
رجعنا إلى المقصود: فإن قلنا بالأول، وبليت قبل المدة من غير تقصير- لم يجب التجديد، وفيه وجه ضعيف. وإن قلنا بالثاني وجب، وإن كان بتقصير منها، كما إذا كثر تردادها وتحاملها عليها؛ فهو كما لو أتلفتها، وإتلافها مبني على الخلاف- أيضًا-: إن قلنا بالأول لم يجب لها ولا عليها، وإلا فتجب عليها القيمة، وعليه الإبدال.
وأبدى الإمام احتمالًا في وجوب البداءة بأيهما.
ولو بقيت بعد المدة: إن قلنا بالأول وجب الإبدال، وإن قلنا بالثاني فلا.
ويتفرع على هذا المأخذ عندهم مسائل يأتي بعضها في الباب، منها: لو استأجر لها كسوة، أو استعارها، إن قلنا بالثاني جاز، وكانت العارية مضمونة على الزوج دونها، وإن قلنا بالأول فلا.
قال: ويجب تسليم النفقة إليها في أول النهار؛ لأن الواجب حب؛ فتحتاج إلى طحنه وخبزه، فلو لم يسلم لها في أول النهار لم تنله عند الحاجة؛ فيلحقها الضرر.
ومراده بأول النهار: طلوع الشمس، كما صرح به في "المهذب"، وهو ما حكاه الرافعي في كتاب الضمان، وقضية كلام الماوردي في باب الإعسار بالنفقة؛ حيث قال: "الوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه؛ لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب شمسه أضر بها.
[ ١٥ / ١٨٠ ]
والجمهور على أنه تجب بطلوع الفجر.
قال في "البسيط" عند الكلام في وقت الفسخ:
فإن قيل: ما معنى قول الأصحاب: إن النفقة تجب بطلوع الفجر؟
قلنا: معناه: أنه تجب وجوبًا موسعًا كما في الصلاة، أو معناه: أنه إن قدر وجب عليه التسليم، وإن ترك عصى ربه، ولكن لا يحبس ولا يخاصم، ومن هذا يظهر أنه لا تلزم من طريق الأولى، كما صرح به الإمام.
قال: فإن سلفها نفقة مدة، فماتت قبل انقضائها- رجع فيما بقي؛ لأنه دفع عما يلزمه ويستقر عليه في المستقبل، فإاذ تبين خلافه استرد؛ كالزكاة المعجلة.
وهذا الحكم فيما لو بانت منه.
وفيه وجه: أنه لا يسترد؛ بناء على أنها ملكت ما سلفه لها كما ذهب إليه ابن الحداد، وصححه الرافعي، أما إذا قلنا: إنها لا تملك بالتسليف- وهو الأظهر في "النهاية"- فلا نزاع في أنه يسترد.
ثم هذا فيما عدا اليوم الذي حصل فيه الموت أو البينونة، أما ذلك اليوم فلا يسترد ما يقابله، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
وفي "الرافعي": حكاية وجه فيه، ولم يطرده فيما إذا مات، بل سكت عنه.
فرع: حيث قلنا: لا تملك، فكلما شرعت في يوم ملكت ما يقابله في وقت وجوب التسليم.
قال: ويجب تسليم الكسوة في أول الفصل، يعني: فصل الشتاء أو الصيف، كما ذكرناه؛ لأنه وقت الحاجة إليها.
قال: فإن أعطاها الكسوة، [ثم ماتت] قبل انقضاء الفصل؛ أي: الذي قبضت الكسوة له- لم يرجع؛ لأنه دفعها، وهي واجبة عليه؛ [فلم يرجع]؛ كما في نفقة اليوم، فإن الكسوة بالنسبة إلى الفصل كالنفقة بالنسبة إلى اليوم.
قال: وقيل: يرجع؛ لأن الكسوة لمدة لم تأت؛ فكان له الرجوع فيها؛ كما لو عجل نفقة أيام.
قال: والأول [أصح]؛ لما ذكرناه.
[ ١٥ / ١٨١ ]
والمراوزة قالوا: إن قلنا: إنها إمتاع، استرد، وإلا فلا.
وفي الرافعي: حكاية وجه: أنه يسترد وإن قلنا: إنها تمليك، ثم قال: ويمكن تنزيل وجه الاسترداد على الوجه الغريب الذي حكاه القاضي ابن كج في نفقة اليوم الواحد مع تسليم: أن كسوة الفصل كنفقة اليوم.
واعلم أنا حيث قلنا: يسترد، فذاك إذا كانت العين باقية، فإن كانت تالفة فالواجب [رد بدلها].
قال: وإن تصرفت فيما أخذت من الكسوة ببيع أو غيره- أي: مثل الهبة والإجارة- جاز؛ لأنه عوض مستحق بسبب النكاح؛ فجاز التصرف فيه؛ كالمهر، وهذا هو الصحيح.
وقيل: لا يجوز؛ لأن له غرضًا في جمالها، وعليه ضرر نقصانه، وهذا قول ابن الحداد، وقد وافقه عليه بعض أصحابنا كما حكاه ابن الصباغ، وهو مبني على أن الكسوة إمتاع، والأول على القول بأنها تمليك.
فإذا قلنا بمذهب ابن الحداد فقد قال أبو إسحاق: إن لها أن تلبس ما دون المأخوذ كما في النفقة، [والظاهر المنع؛ لما للزوج من غرض التزين، وهل يجوز لها أن تتعوض عن الكسوة شيئًا إن قلنا: إنها تمليك؟ فيه وجهان كما في النفقة] قاله المتولي.
قال: ويجب لها سكنى مثلها؛ لأن المعتدة تستحقها؛ فالزوجة أولى.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الاعتبار فيها بما يليق بها، وهو ما حكاه المراوزة، وطردوه في كل ما الغرض منه الإمتاع حتى يجري في الكسوة على
[ ١٥ / ١٨٢ ]
رأي، بخلاف ما الغرض منه التمليك؛ فإنه يعتبر فيهجانبه لعظم الضرر فيه.
فعلى هذا: من لم تكن عادتها بسكنى الخان لابد من سكناها في دار أو حجرة، وينظر- أيضًا- إلى سعتها وضيقها.
والذي حكاه الشيخ في "المهذب"، وقال الجيلي: إنه في "الخلاصة"، وإنه خلاف المذهب- أن الاعتبار في المسكن بحاله في اليسار والإعسار والتوسط؛ كما في النفقة.
ومن أراد الجمع بين الكلامين سلك طريق المتولي، وقال: إنا نعتبر مسكنًا يليق بها [متفاوتًا بين] الغني والفقير والمتوسط؛ كما في النفقة، وهو يتضمن النظر إلى الجانبين معًا.
وعلى كل حال: فلا يشترط في المسكن أن يكون ملكًا له، بل يجوز أن [يكون] مستعارًا أو مستأجرًا.
قال: وإن كانت المرأة ممن تخدم، أي: في بيت أبيها، لمنصبها وشرفها، دون ما إذا طرأ لها ذلك في بيت زوجها؛ كما صرح به أبو حامد، أو من سكان الأمصار دون أهل البوادي؛ كما قاله الماوردي.
قال: وجب لها خادم واحد، أي: سواء كان الزوج موسرًا أو معسرًا، حرًا أو عبدًا؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقال﵇- لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" وهذا من جملة الكفاية.
ولأنه يجب عليه نفقتها؛ فوجب عليه إخدامها إذا كانت ممن تخدم؛ كالأب لما وجب عليه نفقة ولده وجب عليه نفقة من يخدمه، وهو الحضانة.
وأشار المزني إلى اختلاف قوله في وجوب الإخدام، وقد أثبته بعضهم، والجمهور قطعوا بالوجوب، وحملوا النصوص المشعرة بخلافه على ما إذا لم تكن ممن تخدم.
وفي "التتمة"- عند الكلام في دليل وجوب الخدمة-: أن اليسار شرط في
[ ١٥ / ١٨٣ ]
وجوب الخدمة، وإنما اكتفينا بخادم واحد؛ لأن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة- على ما قاله أبو الفرج السرخسي- الطبخ والغسل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشرب، وحمله إلى المستخدم؛ فإن الترفع عن ذلك محض رعونة لا عبرة بها.
وعلى ما حكاه في "التهذيب": بحمل الماء إلى المستخدم، وصبه على يدها، وغسل خروق الحيض ونحوها، وذلك كله يحصل بالواحد.
ولا يشترط في الخادم أن يكون مملوكًا له، بل يجوز ذلك، ويجوز أن يكون مستعارًا، أو حرًا يسمح بالخدمة أو مستأجرًا.
ولا يجب عليه أن يستأجره بأكثر من قدر نفقة الخادم، سواء كان المستأجر حرًا، أو رقيقًا، قاله مجلي.
وفي كلام الماوردي ما يدل على خلافه، وسنذكره في الباب.
نعم، يشترط أن يكون امرأة أو صبيًا أو محرمًا.
وقيل: يكفي الشيخ الهم ومملوكها، وهل يجوز أن يكون ذميًا؟ فيه وجهان.
والمرجع في تعيين الخادم إليه ابتداء، جزم به الماوردي، وهو الأظهر في الرافعي.
وفيه وجه حكاه القاضي أبو الطيب: أنه يرجع فيه إليها.
وأما في الدوام إذا توافقا على خادم في الابتداء فإليها، أو كانت قد حملت معها خادمًا، فأراد إبداله- لم يجز إلا إذا ظهرت ريبة وخيانة.
ولا خلاف أن له [أن] يمنع ما زاد على الخادم الواحد من دخول منزله؛ وكذلك إذا استخدمت من لا تخدم خادمًا فله منعه؛ كما له إخراج مالها من داره.
ولو كانت الزوجة أمة، واقتضى منصبها وجمالها أن تخدم- ففي وجوبه وجهان:
أظهرهما- واقتصر الأكثرون عليه-: المنع.
وفي "الوجيز": مقابله أصح.
[ ١٥ / ١٨٤ ]
ومن نصفها حر ونصفها رقيق في معنى الأمة، صرح به القاضي الحسين.
ولو كانت الزوجة ممن لا تخدم، لكن مرضت وعجزت عن خدمة نفسها- أطلق الأكثرون وجوب إخدامها، وهو مقتضى إطلاق الشافعي، ﵁.
ولا فرق فيه بين الحرة والأمة.
وإذا لم تحصل الكفاية بواحد فيزاد بحسب الحاجة.
وفصل بعضهم فقال: إن [كان] المرض دائمًا وجب الإخدام؛ لأن [العذر] الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة. وإن لم يكن دائمًا لم يجب؛ كأسباب المعالجة، وعلى ذلك [جرى] المبلغون عن الإمام.
وفرق الماوردي بينه وبين المعالجة بأن الخدمة من جنس ما يجب على الزوج بخلاف المعالجة.
قال: فإن قال الزوج: أنا أخدمها بنفسي، لم يلزمها الرضا به؛ لأنها تستحيي منه، وذلك يمنعها من استيفاء خدمتها، ولأن فيه عارًا عليها.
وقال أبو إسحاق، وأبو علي بن أبي هريرة: له ذلك. واختاره الشيخ أبو حامد.
وعن القفال، أو غيره: أن له ذلك، فيما لا تستحيي منه: كغسل الثوب، واستقاء الماء، وكنس البيت، وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها: كصب الماء على يدها، وحمله إلى المستخدم، ونحو ذلك، وهذا ما حكاه الغزالي.
والأظهر ما في الكتاب، وإن كان البندنيجي قد قال: إنه ليس بشيء.
قال: وإن قالت: أنا أخدم نفسي، وآخذ أجرة الخادم- لم يلزمه الرضا به؛ لأن القصد به ترفيهها، وذلك لا يحصل بخدمة نفسها.
وأشار الغزالي إلى خلاف فيه بقوله: فالظاهر: أنه لا يلزم.
وإذا قلنا بالظاهر، فلو توافقا على ذلك ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض عن النفقة.
ولو تبرع أجنبي عنها أو عنه، سقطت خدمتها؛ قاله الماوردي.
[ ١٥ / ١٨٥ ]
قال: ويجب عليه نفقة الخادم وفطرته.
أما وجوب النفقة؛ فقد وجه بأنه من المعاشرة بالمعروف.
ووجهه ابن الخل: بأن الواجب يقف على ذلك.
وأما وجوب الفطرة، فمحله كتاب زكاة الفطر.
وقد قال الإمام: ثم إن الأصح: أن فطرته لا تجب.
ثم المسألة مصورة في "الحاوي" وغيره بما إذا كان لها [خادم]، واتفقا على أن يخدمها بكفاية المؤنة وغيرها.
وألحق الرافعي والبندنيجي بذلك الحرة إذا رضيت بمثل ذلك.
أما لو كان الخادم له، فنفقته واجبة عليه بحكم الملك.
وإذا كان مستأجرًا أو مستعارًا، فنفقته عليه؛ إن كان حرًا، أو على سيده؛ إن كان رقيقًا.
والخادم يطلق على الذكر والأنثى، [بغير الهاء]، وجاء لغة قليلة في الأنثى: خادمة.
قال: فإن كان موسرًا لزمه للخادم مد وثلث من قوت البلد، وإن كان معسرًا أو متوسطًا لزمه للخادم مد.
وتمسك الماوردي- في اعتبار تقدير نفقة خادم امرأة الموسر بالمد والثلث- بأن نفقة المخدومة مدان، وهذه تابعة لها؛ فلا تساويها، ولا يمكن إيجاب مد ونصف؛ لئلا نساوي بينها وبين نفقة المتوسط؛ فاقتصر فيه على مد وثلث، وهو ثلثا نفقة المخدومة.
وتمسك في اعتبار المد في حق المتوسط بأنه ثلثا نفقة المخدومة على وزان ما سبق في المعسر، وإن كان مقتضى ما ذكرناه من القياس أن يكون الواجب له ثلثي مد كي لا تحصل التسوية بينهما وبين نفقة المعسر وأجيب [بأن المد لا يقوم بدن- في الغالب- إلا به؛ فسوينا بينهما فيه للضرورة الداعية للتسوية] كالعدد والحدود [تنقص بالرق] عن حال الحرية فيما يتبعض من الأقراء
[ ١٥ / ١٨٦ ]
والأشهر والجلد، ويسوي بينهما فيما لا يتبعض من الحمل وقطع السرقة.
وعن القفال الشاشي- في اعتبار المد والثلث-: أن للخادمة والمخدومة في النفقة [حالة] كمال وحالة نقص، وهما في حالة النقصان يستويان وفي حالة الكمال يزاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة؛ كما أن للأبوين في الميراث حالتي كمال ونقصان، وهما في حالة النقصان- وهو أن يكون للميت ابن- يستويان، ويكون لكل منهما السدس، وفي حالة الكمال- وهي إذا انفردا- يكون المال بينهما أثلاثًا [يزاد للأم] ثلث ما يزاد للأب.
وقال غيره في ذلك: إن نفقة الخادم على المتوسط ثلثا نفقة المخدومة؛ لأن نفقة المخدومة مد ونصف، ونفقة الخادم مد؛ فلذلك ينبغي أن تكون فقة الخادم على الموسر ثلثي نفقة المخدومة عليه، وذلك مد وثلث.
قال في "البسيط": وهذه المدارك بأصول أبي حنيفة أشبه بها من أصولنا، لكن لما بطلت الكفاية اكتفوا بمثل هذه التقديرات.
ووراء ما ذكرناه وجوه أخر:
أحدها: أن نفقة الخادم [مد لا] تختلف باختلاف الأزواج.
والثاني: أنه يجب على المتوسط للخادم مد وثلث؛ كالموسر، وهو ما حكاه البندنيجي، وفي "البحر" نسبه قائله إلى الغلط.
والثالث: [أنه يجب] على المتوسط مد وسدس.
وفي "الوسيط": أن اعتبار المد والثلث تقريب، لا تقدير؛ إذ لا تقدير للشرع فيه.
وأما اعتبار قوت البلد؛ فلأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد حكي فيه وجه: أنه يجعل دون ذلك؛ كما يأتي في الإدام.
واعلم أن المد والثلث، وكذا المد إنما يجب للخادم إذا قام بجميع ما يستحق من الخدمة الواجبة على مثله، أما إذا تعاطى الزوج بعضها- كما حكيناه- فهل يستحق الخادم- والحالة هذه- ما قدر له؟ فيه خلاف مبني على أن الأمة إذا
[ ١٥ / ١٨٧ ]
سلمت إلى الزوج ليلًا، دون النهار- هل تستحق تمام النفقة؟ وفيه كلام سيأتي، فإن قلنأ: لا تستحق التمام، وهو ما حكاه الغزالي- فقد قيل: يحتمل أن تشطر، ويحتمل أن توزع على الأفعال، كما حكاه أيضًا.
قال: ويجب عليه أدمه من دون جنس أدم المرأة- على المنصوص- وهو الأصح للعرف.
فعلى هذا: يكون أدم المرأة من الزيت الجيد، والخادم من الزيت الدون.
وقيل: من جنس أدمها؛ كما لزمه من جنس طعامها، وهذا ما حكاه الماوردي.
وقيل: لا يلزمه للخادم أدم أصلًا، بل يكتفي بما يفضل عن المخدومة.
وهل يجب للخادم اللحم؟ فيه خلاف بناه البندنيجي وغيره على أن الأدم يجب من أدم المخدومة أم لا؟ فإن قلنا: يجب منه وجب، وإلا فلا.
وأما قدر الأدم، فهو بحسب الطعام.
قال: ولا يجب للخادم الدهن والسدر والمشط؛ لأن ذلك يراد للزينة، والخادم لا تتزين له، بل اللائق بحال الخادم [أن تكون شعثة؛ كي لا تمتد إليها الأعين بخلاف الزوجة].
نعم، لو كثر الوسخ وتأذت بسبب الهوام، فعليه أن يعطيها ما تترفه به. وهذا ما استدركه القفال، واستحسنوه، وقريب منه ما حكي عن الصيدلاني: أنها إن احتاجت إليه عند تلبد شعرها وجب.
وأطلق صاحب "العدة" وجهين في أنه هل يعطي الخادم المشط والدهن؟
قال: ويجب لخادم امرأة الموسر قميص ومقنعة.
أما وجوب أصل الكسوة فبالقياس على النفقة؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف.
وأما القميص والمقنعة؛ فلأن ذلك أقل ما يحصل به الستر، وتقتضيه العادة.
وفي "التتمة": أن المقنعة تجب في الشتاء، وفي الصيف للحرة، وإن كانت أمة فلا إذا كانت عادة الإماء في البلد كشف الرأس. وهذا منه يدل على ما حكيناه عن الرافعي في إلحاق الحرة المتبرعة بخادمها.
ويجب لها مع ما ذكرناه في الشتاء: جبة صوف، [أو] محشوة قطنًا، أو فرو،
[ ١٥ / ١٨٨ ]
على حسب العادة؛ ليدفع عنها البرد.
قال: وخف، أي: إذا كانت تخرج إلى الطريق في الحوائج؛ لأنها محتاجة إلى الخروج لقضاء حاجتها، والمعهود في حق النساء لبس الخف عند الخروج.
وكذلك يجب لها إذا كانت تخرج ما تلتحف به؛ لما ذكرناه.
قال: ولا يجب لها سراويل؛ لأن المقصود منه الزينة وكمال الستر، والخادمة لا تحتاج إلى الزينة ولا إلى كمال الستر، إذا كانت أمة؛ فإن ساقها ليس بعورة، كذا علل به الرافعي.
ومقتضاه: أن يجب إذا كان الخادم حرة- إن لم يكن ما ذكره علة واحدة- كما حكيناه عن المتولي في المقنعة.
وفي "التهذيب" حكاية وجه: أنه يجب مطلقًا، وصححه ووافقه القاضي الروياني على تصحيحه.
قال: ويجب لها كساء غليظ أو قطيفة؛ أي: تتغطى بذلك، ووسادة، أي: تنام عليها.
وفي "التتمة": أنه لا بد لها من شيء تجلس عليه: كباريه في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء. وفي "البحر": أنه لا يجب لها فراش، ويظهر أن يكون اختيار الشيخ هاهنا؛ لأنه لم يتعرض له، وإن كان قد ذكر في "المهذب" وجوبه، كما سنذكره.
قال: ولخادم امرأة المعسر عباءة، أو فروة، والمرجع في ذلك كله إلى العرف.
وقال الغزالي: الغرض أن الكسوة تجب للخادم، إلا أنه [لا] تكون أحسن جنسًا من كسوة المخدوم.
ويختلف ذلك باختلاف البقاع، ومقتضى هذا: أن يساوي المخدوم في القدر والجنس، وإنما الاختلاف في النوع، كما قلنا في الأدم، وهو قضية كلام الشيخ في "المهذب"؛ فإنه قال: يجب لخادم كل زوجة من الكسوة والفراش والدثار، دون ما يجب للزوجة، ويستثنى منه السراويل.
[ ١٥ / ١٨٩ ]
وقد سكت الشيخ والأصحاب عن التعرض لكسوة خادم امرأة المتوسط، ويحتمل- على ما قاله الشيخ هاهنا في امرأة المعسر- أن تلتحق بها في القدر كما في النفقة. ويحتمل أن يجب لها ما بين كسوة امرأة الموسر والمتوسط، خصوصًا إذا قلنا بما حكاه في "المهذب".
تنبيه: العباءة: بفتح العين والمد، والعباية: بالياء- لغتان.
الفرو- بغير هاء-: هذا الملبوس المعروف، وجمعه: فراء. وقد استعمله الشيخ بالهاء، وهي لغة، وقيل: "الفرو" واحد "الفراء"؛ فإن كان كالجبة فاسمها: فروة.
قال: وتجب النفقة إذا سلمت نفسها إلى الزوج- أي: في الموضع الذي عينه- أو عرضت نفسها عليه- أي: وإن لم ينقلها إلى موضع، ولا استمتع بها- لأنها سلمت ما ملك عليها، فملكت واستحقت ما بإزائه؛ كالأجير إذا سلم الدار المكراة إلى المكتري، أو عرضها عليه- يستحق عليه الكرا.
وصورة العرض أن تقول: سلمت نفسي إليك، فإن اخترت أن تصير إلى، وتأخذني وتستمتع بي- فذاك إليك، وإن اخترت جئت إليك في أي مكان شئت. أو ما يؤدى هذا المعنى.
قال: وإن كانت صغيرة- أي: لا يوطأ مثلها- ففيه قولان:
أصحهما: أنها لا تجب؛ لأمرين:
أحدهما: أن فقد الاستمتاع بالصغر أغلظ من فقده بالنشوز [في الكبر؛ لإمكانه في حال النشوز، وتعذره في الصغر فكان إلحاقه بالنشوز] في سقوط النفقة أولى.
والثاني: أن النفقة في مقابلة التمكين والاستمتاع؛ فصارت بدلًا في مقابلة مبدل، وفوات المبدل موجب لسقوط البدل، وإن كان فواته بعذر كسقوط الثمن بتلف المبيع، وهذا القول هو المنصوص عليه في "الأم" وهو مع الثاني في "الإملاء".
والقول الثاني: أنها تجب؛ لأنها محبوسة عليه، وفوات الاستمتاع بسبب هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.
[ ١٥ / ١٩٠ ]
وبنى المراوزة القولين على القولين في أن النفقة تجب بالتمكين أو بالعقد.
واعلم أن المسألة مصورة في "المهذب"، "وتعليق" القاضي الحسين، و"الرافعي" بما إذا سلمت إليه، أو عرضت عليه، حتى قال الرافعي: لو لم تسلم إليه كانت كالكبيرة.
وفي "النهاية": أنه لا حاجة في الصغر في تقدير النفقة إلى وعد الزفاف، عند إمكان الاستمتاع، بل تستقر النفقة في الصغر مع السكوت وترك التعريض وفاقًا، وإذا جاز الإمكان كان الحكم كالكبيرة، وهذا قد يؤخذ من ظاهر كلام الشيخ هاهنا من حيث إنه جعله في مقابلة تسليمها نفسها.
أما إذا كانت الصغيرة يمكن وطؤها فيجب لها النفقة وجهًا واحدًا إذا سلمت إلى الزوج، أو عرضت [عليه، والمخاطب بذلك هو الولي. فلو سلمت هي] نفسها، [فتسلمها الزوج- وجبت، ولو عرضت نفسها] ولم يتسلمها الزوج، قال ابن الصباغ: ينبغي ألا تجب حتى يتسلمها؛ لأن بذلها لا حكم له. وهذا ما حكاه الرافعي عن المذهب، وأبداه مجلي عن بعض الأصحاب جزمًا، وذكر لنفسه احتمالًا في وجوبها.
قال: وإن كان الزوج صغيرًا، أي: لا يتأتى منه النكاح، وهي كبيرة- أي: وعرضت نفسها على وليه، لا عليه؛ كما صرح به الرافعي- ففيه قولان:
أصحهما: أنها تجب؛ لأن الاستمتاع مستحق عليها دونه، وقد وجد التمكين من جهتها؛ فوجبت النفقة، ولم تسقط بعذر من جهته؛ كما لو هرب.
وكما لو تعذر على المستأجر استيفاء المنفعة يعذر فيه بعد تسليم العين، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، وهو مع الثاني في "الإملاء".
والقول الثاني: أنها لا تجب؛ لأن التسليم أو التمكين لا معنى له إلا بتسليم أحد أو تمكينه منه، ولم يوجد.
ومن الأصحاب من جزم بالأول، وأجرى الخلاف [في الصورة الأولى. قال
[ ١٥ / ١٩١ ]
القاضي الحسين: وهو سديد، وذكر ما عللنا به] القول الثاني.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إن قضية القولين معًا في أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين.
ومن الأصحاب من قال: إن كانت جاهلة بصغره، وجبت وجهًا واحدًا، [وإلا فلا كذا قاله الغزالي.
وذكر الرافعي: وإلا فقولان. وهو موافق لرواية الإمام عن بعض المصنفين، فيحصل من ذلك مع إجراء كلام الغزالي على ظاهره أربعة طرق.
أما إذا كان الزوج يمكن جماعه كالمراهق فتجب النفقة وجهًا واحدًا] بالعرض على وليه والتسليم إليه، وإن كان بغير إذن الولي، كما صرح به البغوي.
ولو كان الزوجان صغيرين لا يتأتى منهما الجماع، ففي وجوب النفقة- أيضًا- قولان في "الإملاء" و"الأم"، أصحهما- عند الماوردي: الوجوب، وفي "الشامل": أن المنصوص عدمه.
وقال القاضي الحسين: إن قلنا في المسألة قبلها: لا تستحق، فهاهنا أولى، وإن قلنا تستحق، فهاهنا قولان.
قال: وإن كانت مريضة، أو رتقاء، أو كان الزوج عنينًا- وجبت النفقة.
أما إذا كانت مريضة أو رتقاء؛ فإنه وجد منها التسليم الممكن، ويمكن الاستمتاع بها من بعض الوجوه، مع أنها [معذورة بما يدوم فترك الإنفاق عليها مما يضر بها وتخالف الصغيرة من حيث إنها] في قبضته؛ لما يلزمها من تسليم نفسها إليه، والصغيرة ممنوعة منه؛ لأنه لا يجب تسليمها إليه، كذا فرق به الماوردي.
وقال القاضي الحسين: لأن المرض عارض بعد التسليم، فلا يكون حكمه حكم العارض الموجود في أصل العقد؛ ألا ترى أن العيب الحادث بعد التسليم لا يجعل له الخيار كالعيب الموجود في أصل العقد؟
ويظهر من الفرق الأول: أن تكون الصورة في الصغيرة كما حكيناه عن الإمام،
[ ١٥ / ١٩٢ ]
وأن محل الكلام في المريضة إذا سلمت إلى الزوج، وهو على طريقة من يوجب تسليمها إليه، أما على طريقة من لا يوجب تسليمها- كما حكيناه في موضعه- فنفقتها تجب، وإن لم يوجد عرض، ولا تسليم، وقد صرح به مجلي وغيره.
ويظهر من الفرق الثاني أن محل الكلام في المريضة إذا حدث المرض بعد التسليم، وكلام الأئمة يشعر بأنه لا فرق بين أن يحدث بعده أو قبله، وقد صور في "التهذيب" المسألة بما إذا سلمت نفسها وهي مريضة أو رتقاء، وألحق المفضاة بهما.
ثم هذا إذا لم يكن لها سبب في المرض، أما إذا تسببت فيه، ثم استمر- ففيه التردد المذكور في إحرامها؛ صرح به الإمام عند الكلام في نفقة المطلقات.
وأما إذا كان الزوج عنينًا؛ فلما ذكرناه من قبل، والفرق بينه وبين الصغير على رأي: أنه يحصل له بها الأنس، وبعض الاستمتاع، بخلاف الصغير.
ولأن العلة التي اقتضت عدم إيجاب النفقة على الصغير مفقودة هاهنا.
وحكم من يلحقها بالجماع شدة ضرر: إما لصلوبة جسدها وضيق فرجها، وإما لعظم خلقة الزوج وغلظ ذكره- حكم الرتق في وجوب النفقة، ولا يجب عليها تمكينه.
ولو اختلفا فيما يمنع من الوطء، فادعته [المرأة]، وأنكره الزوج- فلها أن تبينه بشهادة النسوة، وهل يكفي فيه شهادة امرأة واحدة أو لا بد من أربع نسوة؟ فيه وجهان، أظهرهما: الثاني.
قال: ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام؛ لأنها لا تعد مسلمة بدونه، ومعناه ما ذكرناه أولًا.
وقال الإمام: والتمكين أن تقول المستقلة، أو أهلها إن كانت محجورًا عليها: مهما أسقطت الصداق رفعنا إليك.
[ ١٥ / ١٩٣ ]
وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه خلاف يأتي.
واحترز الشيخ بلفظ "التمام" عما إذا قالت: أنا أسلم نفسي إليك [ليلًا دون النهار أو نهارًا دون الليل، أو: في البلد الفلاني دون غيره، أو في المنزل الفلاني- فإن النفقة لا تجب؛ بدليل أنه لم يحصل التمكين المقابل بالنفقة.
قال: فإن كانت أمة فسلمها السيد] ليلًا ونهارًا، أي إما في بيت الزوج، أو في البيت الذي بوأها إياها- إن قلنا بوجوبه- وجبت نفقتها؛ [لوجود التمكين التام كالحرة.
قال: وإن سلمها ليلًا ولم يسلمها نهارًا لم يلزمه نفقتها]؛ لقصور استمتاعه عن حالة الكمال؛ فالتحقت بالحرة إذا سلمت نفسها ليلًا دون النهار، وهذا قول أبي إسحاق وجمهور الأصحاب.
قال: وقيل: يلزمه نصف النفقة؛ اعتبارًا بما تسلمه، وهذا قول ابن أبي هريرة.
وقال الماوردي: هو أظهر عندي، وعبر عنه بأنه يجب على الزوج عشاؤها؛ لأنه يراد لزمان الليل، وعلى السيد غداؤها، لأنه يراد لزمان النهار، وعليه من الكسوة ما تتدثر به ليلًا، وعلى السيد منه ما تلبسه نهارًا.
وهذا الوجه قد حكي في الحرة مثله إذا سلمت نفسها في وقت دون وقت: أنها تستحق من النفقة بقدر ما سلمت، وهو ما أجاب به [أبو الفرج].
وقيل: يلزمه جميع النفقة، لوجود كمال التسليم المستحق عليها بالعقد، وهذا لا يجري فيالحرة؛ لأنه لم يكمل التسليم المستحق عليها.
نعم: لو كانت مستأجرة قبل العقد فقد حكى الماوردي أن الزوج لا يستحق تسليمها إلا ليلًا، ويثبت له الخيار في فسخ النكاح، إن كان جاهلًا بإجارتها، ولا يسقط برضا المستأجر من التمكين من الاستمتاع.
وإن كان عالمًا فلا خيار له، فإذا لم يفسخ فالذي يظهر مما ذكرناه: أن يكون حكمها حكم الأمة في جريان الوجه الثالث، ولم أره، بل المصرح به في
[ ١٥ / ١٩٤ ]
"التتمة" عدم الاستحقاق؛ تفريعًا على القول بأنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها تسقط نفقتها.
وفي "تعليق" إبراهيم المروزي حكاية وجهين فيما إذا تزوجها وهي صائمة، في استحقاق النفقة، وهو [نظير] المسألة، لكنه لم يبين؛ فيجوز أن يكون أحدهما: أنها تسقط.
والآخر: استحقاق الشطر.
ويجوز أن يكون غيره؛ فلا يتحصل من ذلك المطلوب.
قال: وإن كان الزوج غائبًا، فعرضت نفسها عليه، ومضى زمان، أي: بعد العرض، لو أراد المسير فيه لكان قد وصل، أي: ولا عذر في الطريق- وجبت النفقة من حينئذ؛ لأن التقصير من جهته؛ فأشبه ما لو عرضت نفسها عليه وهو حاضر.
قال الماوردي: وهذا قول البغداديين من أصحابنا.
وصورة العرض: أن تمضي إلى الحاكم، وتبذل التسليم بعد ثبوت الزوجية عنده، ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج، ليعلمه بذلك، فإذا أعلمه فقد حصل الغرض.
وفي "الرافعي": أن من الأصحاب من لم يتعرض للرفع إلى القاضي ولا للمكاتبة، وقال: تجب النفقة من وقت وصول الخبر إليه، وبمضي زمان إمكان القدوم عليها. وهكذا أورد صاحب "التهذيب".
ثم هذا إذا عرف مكانه، فلو غاب ولم يعرف مكانه، قال في "التتمة": فإذا جاءت المرأة إلى الحاكم، وأظهرت الطاعة له- فالحاكم يكتب إلى حكام البلاد التي تتردد إليها القوافل من تلك البلدة في العرف والعادة حتى ينادي في تلك
[ ١٥ / ١٩٥ ]
البلاد باسمه: فإن ظهر في بعض البلاد فالحكم كما سبق، ولو لم يظهر فرض الحاكم لها النفقة في [ماله، ولو كان له مال حاضر، وأراد الحاكم أن يصرف إليها النفقة في] حال غيبته- أخذ منها كفيلًا بما يصرفه؛ لأنه لا يؤمن أن يظهر وفاته أو طلاقه.
قال: ولا تجب النفقة إلا يومًا بيوم؛ إذ التمكين سببها مع تقدم العقد؛ لكونها تدور معه وجودًا وعدمًا عند النشوز، والتمكين كذل كيحصل وهذا قول البغداديين من أصحابنا.
وقال البصريون: تجب بالعقد والتمكين، فجعلوا الوجوب معلقًا بالعقد وحدوث التمكين معًا. وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أن كل واحد منهما جزء السبب، وهو الظاهر.
والثاني: أن السبب: العقد، والتمكين شرط، على عكس الوجه الأول، وبه صرح الماوردي عنهم وستظهر لك ثمرة هذا الاختلاف من بعد كما ظهرت من قبل.
قال: وقال في القديم: تجب، أي: نفقة مدة النكاح جميعًا بالعقد؛ كما يجب المهر به؛ ولأنها لو كانت تجب بالتمكين لما استحقتها الرتقاء والمريضة، لكنها لو نشزت سقطت؛ فيكون ضدها- وهو التمكين- شرطًا في استقرار الوجوب، وهو معنى قول الشيخ، إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين [يومًا بيوم]؛ كما أن الأجرة الحالة تجب بالعقد، ولا يستقر وجوبها إلا بالتسليم، لكن الأجرة يجب تسليمها بالعقد جملة؛ للعلم بها، وجملة النفقة غير معلومة.
وقد صرح بالمعنى الذي ذكرناه الماوردي في كتاب الرهن، حيث قال: وفي القديم تجب النفقة بالعقد جملة، وتستحق قبضها بالتمكين، والجديد هو الأول، وهو الصحيح. واستدلله بأن النبي ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ [وَدَخَلَ] بِهَا بَعدَ سَنَتَينِ، وما نقل أنه أنفق عليها قبل أن يدخل بها، ولو كان النقل، ولو
[ ١٥ / ١٩٦ ]
كان حقًا لساقه إليها، [ولما استحل أن يقيم على الامتناع من حق واجب عليه، ولكان إن أعوزه الحال يسوقه إليها] من بعد، أو يعلمها بحقها ثم يستحلها؛ لبراءة ذمته؛ وذلك يدل على عدم الوجوب بالعقد.
ولأن النفقة مجهولة، والعقد لا يوجب مالًا مجهولًا، وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يومًا فيومًا.
وهذان القولان ادعى ابو الفرج السرخسي أنهما منقولان في "الإملاء"، وادعى الإمام وغيره أنهما مستخرجان من معاني كلام الشافعي﵁- وادعى الرافعي أن من جملة ما يدل على ذلك ما حكيناه عن الماوردي أولًا.
وفيه نظر؛ لأن الماوردي صدر كلامه بأنها لا تجب بالعقد، وأن على قول البصريين تجب بالعقد والتمكين شرط، ومحال أن يجب الشيء قبل وجود شرطه.
نعم، يمكن رده إليه؛ بأن يجعل التمكين- على قول البصريين- شرطًا في التسليم، لا في نفس الإيجاب؛ كما حكاه عن القديم.
واعلم أن في هذه العبارة: "أن النفقة تجب بالتمكين [أو بالعقد] "- تساهلًا؛ فإن الإمام قال: إن النفقة الدارة لا تجري مجرى الأعواض- على التحقيق- وإنما هي كفاية في مقابلة ارتباط المرأة بحالة الزوجية؛ فإن للزوج سلطان منعها عن التسليط، فقابل الشرع ما أثبت له من الأحكام عليها بإيجاب كفاية وظييفتها عليه، والصداق هو المذكور على صيغة الأعواض في مقابلة البضع، ثم صح عند المحققين أنه خارج عن حقائق الأعواض، وإذا كان لا ينتصب الصداق عوضًا محققًا فالنفقات لا يتحمل ثبوتها عوضًا في العقد، ولكن انقدح معنيان:
أحدهما: احتباسها بالعقد على الزوج.
والآخر: تمكن الزوج من الاستمتاع.
ولم يختلف العلماء أنها لو نشزت فلا نفقة لها في زمان النشوز؛ فلما لم
[ ١٥ / ١٩٧ ]
تكن النفقة عوضًا لمنافع البضع حتى يتوقف استقرارها على توفية المنافع المقابلة مقابلة الأعواض على التحقيق- قال قائلون: تجب بالعقد النفقة، ومعناه أنها تجب بالاحتباس الذي أوجبه العقد. وقال آخرون: تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والله أعلم.
قال: فلو ضمن عنه نفقة مدة معلومة، أي: في المستقبل- جاز، أي: تفريعًا على القول القديم؛ لأن في القديم يصح ضمان الدين الذي لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فكيف وقد وجد الوجوب؟ وعلى هذا: فلا يضمن إلا نفقة المعسرين، وإن كان الزوج موسرًا أو متوسطًا؛ لأنها المنتفية.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه يصح ضمان نفقة المعسرين والمتوسطين؛ لأن الظاهر استمرار حاله.
ولو ضمن النفقة مطلقًا، ولم يقيد بمدة- قال الرافعي: لم يصح ضمان ما بعد الغد، وفي ضمان الغد وجهان؛ أخذًا من الخلاف فيما إذا قال: أجرتك كل شهر بدرهم.
قلت: وهذا لا يحسن إذا كان التفريع على القديم؛ لأن ضمان المجهول فيه جائز، كما تقدم.
وقد حكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال: لو قال الأب لولده: ضمنت لك النفقة أبدًا- فهذا ضمان مجهول. وقد أجازه كذا حكاه مجلي في الضمان.
وعلى القول الجديد: لا يصح ضمان نفقة الزمان المستقبل؛ لأنه ضمان ما لم يجب. وأشار الإمام إلى أنه على قولين، مع تفريعنا على أن ضمان ما لم يجب باطل؛ لأن سبب وجوب النفقة على تعاقب الأيام ناجز. وهذا ما أورده الغزالي حيث قال: وفي ضمان نفقة المرأة الغد- وكذا كل ما لم يجب ولكن جرى سبب وجوبه- قولان في الجديد.
قال الرافعي: "وفيه إشكال، لأن سبب النفقة إما النكاح أو التمكين في النكاح: إن كان الأول فالنفقة واجبة؛ فكيف قال: ولم تجب؟ وإن كان الثاني فالسبب غير موجود.
[ ١٥ / ١٩٨ ]
ويجوز أن يقال في الجواب: ليس المراد من سبب الوجوب هاهنا ما [يقترن به] الوجوب؛ بل المراد منه الأمر الذي إذا وجد، استعقب الوجوب ظاهرًا عند وجود أمر آخر، ويتأيد ذلك بأنهم نقلوا قولين فيما إذا ضمن أرش الجناية وما يتولد منها، ومعلوم أن الجناية ليست سببًا لما يتولد منها إلا على هذا التفسير. وأما عند قولنا: سبب الوجوب النكاح أو التمكين، فنعني به: ما يقترن به الوجوب، هذا آخر كلامه في كتاب الضمان.
قلت: [و] قد يظهر أن الخلاف الذي حكاه الإمام في الجديد يستنبط مما حكيناه عن البغداديين والبصريين في أن النفقة بماذا تجب؟ ويتفرع على القولين- الجديد والقديم- أيضًا [فوائد] عند المراوزة:
منها: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنت وسلمت نفسي من وقت كذا، وأنكر الزوج- فإن قلنا بالقول الجديد فالقول قوله، وعليها البينة، وإلا فقولها، وهو ما نسبه البغوي إلى "الإملاء".
وقد أشار الروياني إلى القطع بأن القول قوله، وهو الذي يقتضيه إيراد الشيخ على القول القديم- أيضًا- فإنه جعل التسليم شرطًا في وجوب التسليم، والقاعدة: أنه متى وجد الشك في الشرط لا يترتب الحكم، ويكون الشيخ نبه بقوله: "إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين يومًا فيومًا" إلى هذا الحكم.
ومحل الخلاف مصور في "الوجيز" و"الوسيط" بما إذا تنازعا في النشوز.
قال الرافعي: ولفظ الأكثرين كما صورناه فيه، ويجب أن يكون ما ذكره محمولًا عليه.
أما إذا توافقا على حصول التمكين، واختلفا في أنها نشزت وخرجت عن الطاعة أم لا- قال: فينبغي أن يقطع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز، واستمرار الواجب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج بعدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله. وحكى مع ذلك وجهًا ضعيفًا: أن القول- أيضًا- قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة. هذا آخر كلامه، وما أبداه احتمالًا ونقلًا عن
[ ١٥ / ١٩٩ ]
القاضي هو ما حكاه الإمام، [و] هو- أيضًا- في نكاح المشركات.
ومنها: إذا لم يطالبها بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عرضت نفسها عليه، ومضت مدة- فتجب النفقة على القديم، وأما على الجديد، فلا، وهو ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به، وهو قضية ما ذكرناه من قبل، وبه يظهر تقوية الاحتمال، ثم قال: وليس من الممكن القطع به.
قال: وإن نشزت، أي: منعته من الاستمتاع بها في الموضع الذي أراده من غير عذر، أو سافرت بغير إذنه، أي: ولم تكن معه، أو أحرمت، أو صامت تطوعًا، أو عن نذر [في الذمة أو نذر] معلق بزمان بعينه نذرته بعد النكاح بغير إذنه- سقطت نفقتها؛ لأنها تجب بالتسليم، أو تستقر به؛ فسقطت بالمنع؛ كالأجرة إذا امتنع الآجر من تسليم العين حتى مضت مدة؛ فإنه يسقط ما بإزائها.
ولأنها وجبت؛ لكونها معطلة المنافع بسبب الزوج، محبوسة عنده؛ ولهذا لو امتنع من الإنفاق عليها كان لها أن تمتنع من التمكين؛ فإذا نشزت، سقط ما يقابل التمكين.
[ ١٥ / ٢٠٠ ]
ولا فرق في النشوز بين أن يكون من مكلفة أو غير مكلفة، ولا بين أن تكون حائلًا أو حاملًا.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن النفقة للحمل، وجبت.
والأصح خلافه؛ لأن ذلك بعد البينونة.
ولا فرق بين أن يكون في جملة اليوم، أو بعضه على الأصح.
وفي وجه: إذا وجد في أثنائه توزع نفقته على زمن التمكين والنشوز فيه، كما تقدم.
فعلى هذا: لو نشزت بالليل دون النهار، أو بالعكس- استحقت الشطر، ولا نظر إلى طول أحدهما وقصر الآخر.
ولا فرق في السفر بغير الإذن بين أن يكون في حاجتها أو حاجته. نعم، لو سافرت معه من غير إذنه، عصت، واستحقت النفقة؛ قاله الرافعي في قسم الصدقات.
وألحق في "التهذيب" عصيها بسفرها بغير الإذن، ولو خرجت من منزله بغير إذنه سقطت النفقة وإن لم يوجد السفر، اللهم إلا أن يكون لزيارة أبيها أو عيادته؛ فلا تسقط، كما صرح به البغوي.
وكذا لو خرجت لإشراف المنزل على الانهدام، أو كان لغير الزوج؛ فأزعجت.
ولو عادت إلى المنزل بعد غيبة الزوج فلا تعود نفقتها- على الأصح- ما لم تعرض نفسها عليه، كما تقدم.
وفيه وجه: أنها تعود بالعود، وقيده في كتاب "التهذيب" بما إذا كان الخروج في غيبته، وجزم بعدم العود فيما إذا كان الخروج في حضوره والعود في غيبته.
وقال الإمام: الذي أرى نظمه أن نشوزها إن ظهر وانتشر كان في عود النفقة بعودها إلى الطاعة الخلاف السابق، وإن جرى نشوز خفي من غير إظهار ثم فرض العود، ففي المسألة طريقان:
[ ١٥ / ٢٠١ ]
من أصحابنا من قطع بأنا لا نشترط الإعلام.
ومنهم من أجرى الخلاف.
وهذه المسألة شبيهة بما إذا تزوجت امرأة المفقود، ثم عادت إلى منزل الزوج الأول بعد فسخ نكاح الثاني، تفريعًا على الجديد، وقد حكيت فيها طريقين.
ولا فرق [في سقوط النفقة بالإحرام بغير الإذن بين أن يكون الزوج محرمًا أو غير محرم كما لا فرق] في نشوزها بخروجها من المنزل بين أن يكون الزوج حاضرًا أو مسافرًا، ولا بين أن يكون ما أحرمت به فرضًا- وقلنا: له أن يحللها منه- أو تطوعًا؛ كما تسقط نفقتها بالهروب، وإن كان قادرًا على الرد.
ثم المسألة مصورة في "الشامل" بما إذا خرجت مسافرة.
وفي كلام الماوردي إشارة إليه أيضًا، والمراوزة قالوا: إن أحرمت بفرض، وقلنا: له أن يحللها على الأصح، أو كان تطوعًا- فإن له أن يحللها وجهًا واحدًا، فإذا لم يحللها فلها النفقة: ما لم تخرج- على الأصح- فإذا خرجت: فإن كان- أيضًا- بغير إذنه فلا نفقة، وإن كان بإذنه: فإن سافر معها لم تسقط- على الأصح- وإن لم يكن معها فقولان.
واشترط القفال في وجوب النفقة ألا ينهاها عن الخروج.
وإن قلنا: إنه ليس له أن يحللها، سقطت نفقتها [بمجرد الإحرام على الأصح بخلاف ما إذا أحرمت بإذنه فإنها لا تسقط] بمجرده- على الأصح- ولا إذا خرجت على وجه، وفيه وجه: أنها لا تسقط ما لم تخرج.
قال الرافعي: وقد حكي وجه أو قول مطلق: أن الإحرام لا يؤثر في النفقة؛ لأنها تسقط فرضًا عن نفسها.
وفي صوم التطوع وجه محكي في "المهذب" وغيره: أنه لا يستقط النفقة.
وقال الماوردي: إن لم يدعها إلى الخروج منه بالاستمتاع فهي على حقها، وإن دعاها، فأبت، كانت ناشزة وسقطت نفقتها؛ إن كان ذلك في أول النهار، وإن كان في آخره فلا؛ لقرب الزمان والتحاقه بزمان الأكل والشرب.
[ ١٥ / ٢٠٢ ]
ويفهم من كلامه: أنه لو دعاها إلى الخروج لغير الاستمتاع، فلم تفعل- كانت على حقها؛ وهذا وجه حكاه في "العدة" ثالثًا.
قال الرافعي: وقد استحسن الروياني هذا التفصيل، والأكثرون سكتوا عنه.
ولا فرق في الصوم عن نذر في الذمة بين أن تكون نذرته قبل النكاح، أو بعده؛ لكونه غير واجب على الفور، وحق الزوج واجب على الفور؛ فأشبه الحج. وألحقه الماوردي بصوم الكفارة، والحكم فيه عنده: أنها إن دخلت فيه بعد أن نهاها سقطت نفقتها، وإن لم يمنعها منه حتى دخلت فيه- ففي [إجبارها على الخروج منه] وجهان:
أحدهما: [له] ذلك، فإن أقامت سقطت نفقتها.
والثاني: لا.
فعلى هذا ينظر:
إذا كان التتابع فيه مستحقًا سقطت نفقتها، وإلا ففي سقوط النفقة وجهان:
أحدهما: لا تجب كالتتابع.
والثاني: تجب.
وهما مأخوذان من اختلاف وجهي أصحابنا في وجوب نفقة الأمة إذا سلمت ليلًا ومنعت نهارًا: تجب نفقتها أو لا؟ على وجهين.
هذا آخر كلامه، ومقتضى هذا التخريج أن يجيء وجه آخر: أنها تستحق شطر النفقة
[ ١٥ / ٢٠٣ ]
كما حكيناه في الأمة، وطرده في "التهذيب" في كل صوم قلنا: إنه يسقط النفقة.
والصوم عن نذر تعلق بزمان بعينه بعد النكاح، له منعها منه؛ لأنه استحق الاستمتاع بها في وقته قبل لزومه، فقدم؛ لسبقه، فإن دخلت فيه سقطت نفقتها، وإن كان بإذنه، فليس له ذلك، وعليه النفقة.
ونقل إبراهيم المرورذي فيه وجهين، سواء نذرته قبل النكاح أو بعده.
[ولو] كان الصوم الذي شرعت فيه قضاء شيء من شهر رمضان، فإن لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليها [لم يكن له منعها، وكانت على حقها من النفقة كصومها في رمضان، وإن كان أكثر من ذلك] ولم تكن متعدية في الإفطار- فله منعها. وإن دخلت فيه ففي جواز إجبارها على الفطر وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في إجبارها على إحلالها من الحج، فإن قلنا: له التحليل- فامتنعت- سقطت نفقتها.
وفي "الشامل" حكاية وجه في كل صوم قلنا: إن له أن يمنعها منه، فلم تفطر – أن نفقتها لا تسقط، كما هو محكي في صوم التطوع.
وإن قلنا: ليس له، ففي وجوب النفقة [وجهان:
أحدهما:] لا كالحج.
والثاني: نعم.
والفرق من وجهين:
أحدهما: قرب زمان الصوم، وقدرته على الاستمتاع بها في ليله.
والثاني: أنها مقيمة في منزله، بخلاف الحج؛ فإنها خارجة منه.
وحكى الغزالي وغيره الخلاف في جواز المنع من المبادرة.
وإن كانت متعدية بالإفطار فالقضاء يجب على الفور، وهل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": عدم السقوط، وفي "التتمة": السقوط.
فرعان:
[أحدهما]: لو اعتكفت تطوعًان أو عن نذر في الذمة، أو زمانًا [عينته بنذرها] بعد النكاح بغير إذنه: فإن كان في مسجد بيتها، وجوزناه- لم تسقط
[ ١٥ / ٢٠٤ ]
نفقتها، وإن كان في المسجد سقطت.
وإن كان عن نذر متقدم على النكاح، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة، ولو كان بإذنه: فإن كان معها فنفقتها مستمرة، وإلا فقولان [يأتي] مثلهما في السفر في حاجتها.
وفي كتاب ابن كج [وجه]: أنه إن قصرت مدته بأن لم يزد على يوم، لم يؤثر، وإذا قلنا بسقوط النفقة فالساقط جميعها؛ كما في الإحرام، قاله الجيلي.
الثاني: إذا شرعت في الصلاة، فإن كانت صلاة فرض فليس له أن يحللها، وإن كانت قضاء، أو في أول الوقت، وإن جاز تأخيرها بخلاف فرض الحج.
والفرق: أن تعجيل الصلاة لأول وقتها فضيلة تتعلق بالوقت؛ فلم يكن له تفويتها عليها، وتعجيل الحج احتياطًا لا يختص بفضيلة تفوت؛ فافترقا.
وهل له منعها من الدخول فيها في أول الوقت؟ فيه وجهان، والأصح لا.
وليس له منعها من الشروع في قضاء الصلاة مطلقًا، ولكن لو أرادت أن تحرم بها، وأراد الاستمتاع، فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان.
اختيار الشيخ أبي حامد منهما: الزوج.
واختيار الماوردي: الزوجة.
ولو كانت الصلاة نفلًا؛ نظر:
فإن كانت من الرواتب التابعة للفرائض والضحى فليس له منعها ولا تحليلها.
وفيه وجه: أن له المنع من الاستدامة.
وصوم يوم عرفة وعاشوراء في الصيام ملحق بهذه الرواتب في الصلوات.
وإن كانت من الرواتب التي شرع لها الجماعة: كالعيدين والكسوفين والاستسقاء- فله منعها من الخروج من منزله، وليس له منعها [من فعل ذلك في البيت، وإن كانت لا سبب لها فله منعها] إذا دعاها إلى الاستمتاع، وله قطعها بعد الدخول، فإن امتنعت، فهل تسقط نفقتها؟ يتجه أن يخرج على الوجهين في صوم التطوع.
ويمكن أن يفرق بينهما بقصر المدة، كما تقدم.
[ ١٥ / ٢٠٥ ]
وصوم يوم الاثنين والخميس في الصيام ملحق بالنوافل غير الراتبة من الصلوات.
قال: وإن سافرت بإذنه، أي: في حاجتها من حج أو غيره، ولم يكن معها- ففيه قولان:
أحدهما: أنها لا تسقط، لأنها سافرت بالإذن؛ فأشبه ما إذا سافرت في حاجته، فإنه لا نزاع في وجوب النفقة، وهذا أظهر عند الماوردي- على ما حكاه- فيما إذا أحرمت بإذنه، ولم يسافر معها، وذكر هو وغيره أنه ظاهر النص هنا.
وأظهرهما عند أكثر الأصحاب: أنها تسقط؛ لأنها غير ممكنة، وبه قطع بعضهم، وحمل النص على ما إذا سافر معها، وهو متفق فيه على الوجوب.
قال الرافعي: وقد يبنى القولان على أن النفقة تجب بالعقد أو التمكين؟ إن قلنا بالأول وجبت؛ لأنه لا نشوز، وإن قلنا بالثاني لم تجب.
قلت: وما قاله متجه على طريقة المراوزة، أما على طريقة الشيخ، فلا.
ويجري القولان، على ما حكاه المتولي فيما إذا أجرت نفسها بإذن.
قال: وإن أسلم الزوج وهي في العدة، أي: شرعت فيها بإسلامه؛ لكونها غير كتابية ومدخولًا بها- لم تجب لها النفقة؛ لأنها ناشزة بالتخلف ممتنعة من التمكين.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه في الوجوب؛ وهذا إذا أخرت إلى انقضاء العدة.
قال: وإن أسلمت أي: في العدة؛ ففيه قولان:
أصحهما: [أنها] لا تستحق لما مضى، وهو الجديد؛ كما لو سافر الزوج، وأراد مسافرتها، فتخلفت، ثم عادت إلى الطاعة؛ فإنها لا تستحق لما مضى شيئًا.
والثاني- وهو القديم-: أنها تستحق؛ لأنها ما أحدثت شيئًا، والزوج هو الذي بدل الدين؛ فحصل بإسلامه تشعث في العقد وخلل، وقد زال بإسلامها، واستقرت له الزوجية؛ فاستحقت النفقة.
[ ١٥ / ٢٠٦ ]
فعلى الجديد: لو اختلفا: فقال الزوج: أسلمت من عشرة أيام، وقالت: بل من شهر- فالقول قوله مع يمينه.
وكذا على القديم لو قالت أسلمت في العدة، وقال بل بعدها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق.
ولو أسلمت المرأة أولًا، وتخلف الزوج- وجبت النفقة، سواء أخر إلى انقضاء العدة أو أسلم فيها؛ لأنها أدت فرضًا مضيقًا؛ فلم تسقط نفقتها به كصوم رمضان.
ولأنه متمكن من رفع هذا المانع بإسلامه؛ فكان عليه النفقة كما في الطلاق الرجعي.
وحكى ابن خيران وصاحب "الإفصاح" وغيرهما وجهًا: أنه لا نفقة لها في مدة التخلف إذا أسلم في العدة، لأنه استمر على دينه، وهي التي أحدثت المانع من الاستمتاع.
وإذا جرى هذا الوجه، وقد عاد إلى الإسلام في العدة- فلأن يجري إذا لم يعد كان أولى؛ لأنا نتبين- إذن- أن النكاح قد زال من حين الإسلام.
وإطلاق الشيخ في "المهذب" يقتضي جريانه فيها، وقد صرح به الإمام ورجحه، وضعف مقابله، وهو الذي رجحه الأكثرون، والمنصوص في "المختصر".
قال في "التتمة": ويخالف ما إذا سبقت إلى الإسلام قبل الدخول؛ حيث يسقط المهر، وإن أحسنت؛ لأن المهر عوض العقد، والعوض يسقط بتفويت [العاقد] مدة المعقود عليه، وإن كان معذورًا؛ كما لو باع طعامًا، ثم أكله وهو مضطر إليه، والنفقة في مقابلة التمكين، وإنما تسقط عند التعدي ولا تعدي.
واعلم أن الشيخ لم يتعرض لذكر هذه المسألة؛ لأنه في معرض بيان ما يسقط النفقة بعد وجود سبب وجوبها، والنفقة لا تسقط فيها؛ فلذلك لم يذكرها.
فرع: على المذهب: لو اختلفا في سبق الإسلام؛ فقال الزوج: أسلمت أولًا؛ فلا نفقة لك، وقالت: بل بعدي؛ فلي النفقة- فمن القول قوله؟ فيه وجهان: أشبههما وهو المذكور في "التهذيب"، والمحكي عن ابن أبي هريرة: أنه الزوجة مع يمينها؛ لأن النفقة كانت واجبة عليه وهو يدعي السقوط؛ فأشبه ما لو ادعى عليها أنها نشزت وأنكرت.
[ ١٥ / ٢٠٧ ]
قال: وإن ارتدت- أي: بعد الدخول- سقطت نفقتها- أي: في زمن العدة- لإساءتها ونشوزها، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، فقد قيل: لا تستحق؛ كما لو نشزت ثم عادت إلى الطاعة، وهذا ما أجاب به القاضي الحسين.
وقيل: على قولين- كالمسألة قبلها- لأنها على شرك تحرم به، وهو مسلم؛ فهو كما لو أسلم وتحته وثنية؛ هكذا عللها البندنيجي، وادعى ابن الصباغ أن هذه الطريقة أقيس.
والفرق على الطريق الأول، وهو الذي أجاب به الماوردي أيضًا، ونفيا مجيء خلافه: أنها ثم أقامت على دينها، ولم تحدث شيئًا يقتضي المنع، وهاهنا أحدثت الردة، وهي تقتضي المنع؛ فغلظ عليها.
ولا نزاع في أنها تستحق النفقة من حين عودها إلى الإسلام وإن كان الزوج غائبًا، [وكذا إن كانت وثنية وأسلمت والزوج غائب] ويخالف ما إذا نشزت، ثم غاب الزوج، ثم عادت؛ فإن النفقة لا تعود حتى تعود إلى يده أو يد وكيله، أو يرسل إليه الحاكم- كما ذكرنا- لأن النفقة هاهنا سقطت بالكفر، وقد زال بالإسلام، وثم سقطت بالامتناع والخروج عن اليد؛ فلم تعد إلا بالتسليم، هذا مذهب العراقيين.
وفي "النهاية": أن أئمة المراوزة لم يفصلوا بين أن يكون سقوط النفقة بالخروج من مسكن النكاح أو غيره.
ولو ارتد الزوج فعليه النفقة في مدة العدة.
وإن ارتدا [معًا]، قال في "التهذيب": هو كما لو ارتدت المرأة.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه خلاف؛ كما لو ارتدا معًا قبل الدخول:
ففي وجه: يسقط نصف المهر.
وفي وجه: لا يجب؛ كما لو ارتدت هي.
وإن طلقها طلقة رجعية وجبت لها النفقة والسكنى؛ لما روى الدارقطني عن فاطمة بنت قيس في حديث طويل، وقد طلقها زوجها ثلاثًا أنها قالت: فأتيت
[ ١٥ / ٢٠٨ ]
رسول الله ﷺ فلم يجعل لي سكنى، ولا نفقة، وقال: "إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ" وخرجه النسائي أيضًا.
ولأن الزوجية باقية، والتمكين من جهتها مستمر، وإنما المنع من جهته، وهو قادر على الإزالة.
قال الماوردي: وهذا إجماع.
قال الرافعي: ويجب لها مع النفقة والسكنى سائر المؤنات المختصة بالزوجات، إلا آلة التنظيف؛ فإن الزوج ممتنع عنها. قاله في "البسيط" وغيره.
فروع: لو ظهر بها بعد انقضاء الأقراء أمارات الحمل، فعلى الزوج الإنفاق عليها، قال الماوردي: يومًا بيوم وجهًا واحدًا.
فإذا أنفق، ثم بان أنه لم يكن حملا؛ فله استرداد ما زاد على مدة الأقراء، ويرجع إليها في الأقراء إذا ادعت جريانها على مقتضى عادتها، وكذا إن ادعت نقصانًا عن عادتها، وإن ادعت تباعد حيضها فكذلك على المذهب.
ونقل القاضيان أبو الطيب وابن كج أنها لا نفقة لها، وله الرجعة وعليها العدة على وجه، ولا يختص بهذه الصورة، بل يجري فيما لو ادعت ذلك ولا حمل أصلًا.
فإن قالت: لا أعلم متى انقضت الأقراء، رجعنا إلى عادتها المضبوطة في الطهر والحيض، فإن ادعت اختلافها رجعنا إلى أقل عادة، ورجع الزوج فيما زاد.
وإن قالت: نسيت عادتي، رجع بنفقة ما زاد على ثلاثة أشهر على النص، وقال الشيخ أبو حامد: يبنى الأمر على أقل ما يمكن انقضاء العدة به، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسي والماوردي.
قال الرافعي: وهو قريب من الخلاف في مدة المبتدأة.
ولو وضعت ولدًا لا يلحق الزوج، فإن ادعت أنه من زوج يلحقه بعد انقضاء العدة، أو من وطء شبهة فعليها رد ما زاد على مدة الأقراء، وإن ادعت أنه جرى
[ ١٥ / ٢٠٩ ]
في أثناء الأقراء فعليها بعد الوضع أن تتم عدة المطلق، وعليه النفقة فيها، وأما ما في مدة الحمل فقد جزم الماوردي بأنه يسترجع ما زاد على مدة [الأقراء].
وغيره بنى ذلك على أن هل له الرجعة فيها أم لا؟ فإن قلنا: لا رجعة له، فلا نفقة، وإن قلنا: له، فوجهان، وهذا أظهر.
وقيل: إن قلنا له الرجعة، وجبت، وإلا فوجهان، والظاهر أنه لا نفقة لها؛ فيسترجع ما أخذته بإزاء ذلك.
والحكم فيما ادعت أن وطء الزوج الثاني أو الأجنبي عقيب طلاق الأول كذلك؛ فتعتد عن الزوج بعد الوضع بثلاثة أقراء، ويجب عليه نفقتها فيها، وله الرجعة فيها إن صدقها، وإلا فلا رجعة له.
وأما نفقة مدة الحمل فيسترجعها على رأي الماوردي وعلى رأي غيره يظهر أن يجيء فيه ما ذكر في الصورة قبلها.
ولو أشكل الحال في وقت وطء الثاني، فالحكم كما في المسألة قبلها إلا في ثبوت الرجعة، صرح به الماوردي.
وإن قالت: وطئني الزوج الأول، فإن صدقها، لحق به الولد، وانقضت به العدة، وأما النفقة فتستحقها في مدة الأقراء، وفي مدة الحمل قولان؛ لأنه من وطء شبهة. وإن أكذبها فهو المصدق بيمينه، ولا يلحق به الولد، ولا تنقضي به العدة على الظاهر من المذهب، وهو قول جمهور أصحابنا، خلافًا للشيخ أبي حامد في انقضاء العدة.
وعلى القولين تسأل عن وطئه: فإن قالت: بعد مضي الأقراء، استرد ما أنفقه بعد اقنضائها، وإن قالت: عقيب الطلاق، وأمكن أن يكون الولد من ذلك الوطء- فقد بان أنها ما مضت عدتها؛ فترد ما أخذت، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، ولها النفقة فيها، كذا ذكره ابن الصباغ وغيره.
قال الرافعي: وإنما يستمر ذلك على قولنا: إن العدتين المختلفتين من شخص واحد لا تتداخلان.
[ ١٥ / ٢١٠ ]
وفي "الحاوي": أنها لا تستحق النفقة- أيضًا- في زمن الأقراء بعد الوضع؛ لإقرارها بانقضاء العدة بالولادة، والرجعة له فيها أيضًا؛ لإكذابها فيما ادعته.
[فرع] آخر: إذا وطئت المطلقة طلاقًا رجعيًا بشبهة، وظهر بها حمل يمكن أن يكون منهما- وجب [الإنفاق] عليهما إن قلنا: إن النفقة للحمل، ويجب التعجيل.
وإن قلنا: للحامل، فلا تجب على الزوج؛ لاحتمال أن يكون من الواطئ؛ [فلا تكون في عدته]، ولا على الواطئ؛ لأنه لا يجب عليه النفقة لو تحقق أنه منه، فكيف مع الشك؟
وإذا وضعته وأتمت الأقراء، قال الماوردي وابن الصباغ: يؤاخذ الزوج بنفقة أقصر المدتين؛ لاستحقاقها يقينًا، فإن كانت مدة الحمل أقصر أخذ بنفقتها في مدة حملها، وإن كانت مدة الأقراء أقصر أخذ بنفقة الباقي منها، ثم يراعى حال الحمل بعد الولادة كما سنذكره من بعد.
وإن قلنا: للحمل ولا يجب التعجيل، فيكون الحكم في الحال كما إذا قلنا: إنها للحامل. ولايخفى ما يترتب على ذلك من بعد.
فإذا وضعت: فإن ألحق بالزوج وجب عليه نفقة ما مضى. وإن ألحقوه بالواطئ لزمه نفقة ما مضى، وتعتد عن الزوج بالأقراء، ويجب عليه نفقتها في الأقراء، وهل تجب في مدة النفاس؟ فيه وجهان.
وإذا لم يلحقه القائف بواحد منهما فيجب لها على الزوج أقل الأمرين من نفقة الحمل أو نفقة الأقراء، ونفقة الولد عليهما نصفين، فإذا انتسب إلى الزوج، وكانت نفقة مدة الحمل أكثر-[رجعت عليه] بما بقي منها، وإلا فلا شيء لها.
وأما رجوع أحدهما على الآخر: فإن كان الذي لم يلحقه نسبه يدعي نسبه، لم يرجع على الآخر. وإن كان لا يدعي ذلك، فإن أنفق بقول الحاكم رجع وإلا لم يرجع.
وهكذا الحكم فيما إذا أنفقا في حال الحمل. كذا قاله ابن الصباغ في العدد.
وقال الماوردي: إذا أنفق بغير إذن الحاكم: إن شرط الرجوع في حال الإنفاق
[ ١٥ / ٢١١ ]
رجع وإن لم يشترط لم يرجع.
وحكى عن ابن أبي هريرة وجهًا: أنه يرجع بها؛ لأن بحملها من الاشتباه قد كان واجبًا عليه؛ فاستوى في الرجوع بها حكم الحاكم وعدمه. أما لو لم يظهر بها حمل فلا نفقة على الزوج إن تأخر اعتدادها عنه، وقلنا: لا رجعة له.
وإن قلنا: له الرجعة، فوجهان، [كذا قال في كتاب التهذيب].
[فرع] آخر: لو اختلفا: فقالت: وضعت قبل الطلاق؛ فلي النفقة، وقال: بل بعده؛ فلا نفقة لك- فالقول قولها، وليس له الرجعة.
ولو قالت: وضعت بعد الطلاق، وقال: بل قبله- فله الرجعة، ولا نفقة لها في العدة.
قال: وإن طلقها طلاقًا بائنًا- أي: بعد الدخول- إما على عوض، أو تمام ما يملكه من العدد- وجبت لها السكنى، أي: حائلًا كانت [أو] حاملًا؛ لما تقدم في باب العدد، وأما كون رسول الله ﷺ لم يجعل لفاطمة سكنى، فقد أجاب عنه سعيد بن المسيب حين قال له ميمون بن مهران: فاطمة بنت قيس طلقت؛ فخرجت من بيتها-: تلك امرأة فتنت الناس؛ إنها كانت لسنة؛ فوضعت في بيت ابن أم مكتوم الأعمى" على ما رواه أبو داود.
قال: وأما النفقة: فإن كانت حائلًا لم تجب؛ لأن الله- تعالى- لما جعلها لها إذا كانت حاملًا دل على سقوطها بعدم الحمل، ولحديث فاطمة.
وقد روى مسلم- أيضًا- "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً".
ولأن زوجتيها زالت؛ فلا تستحق النفقة بعد زوالها كالمتوفى عنها.
فرع: لو ادعت المرأة أن الزوج أبانها وأنكر- فالقول قوله- ولا تستحق عليه
[ ١٥ / ٢١٢ ]
نفقة قاله الرافعي في القسم والنشوز أصلًا مقيسًا عليه.
قال: وإن كانت حاملًا وجبت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولما روى أبو داود، عن فاطمة أنها قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقال: "لا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُوني حَامِلًا".
ثم محل وجوبها عند توافقهما على الحمل، أو شهادة أربع نسوة- عند إنكاره- فإن لم يكن ثم من يشهد فالقول قوله مع يمينه.
وتجوز الشهادة بالحمل وإن كان لدون ستة أشهر إذا عرفنا ذلك، وفيه وجه: أنه لا يعتمد على قوله إلا بعد مضي ستة أشهر، ووجه حكاه القاضي الحسين: أنها تعتبر بعد مضي أربعة أشهر.
قال: ولمن تجب؟ فيه قولان:
أحدهما: لها- أي: بسبب الحمل- لأنها تجب على المعسر، وتختلف بيسار الزوج وإعساره، ومقدرة لا بالكفاية، وذلك من شأن نفقات الزوجات، دون الأقارب.
ولأنها لو كانت للحمل لما وجبت على الأب إذا ملك الحمل مالًا من وصية أو ميراث، وفي إجماعهم على أنها على الأب دليل على أنها تجب للحامل دون الحمل.
ولأنها لو كانت للحمل، لوجبت على الجد، عند إعسار الأب، وهي لا تجب، كذا ذكر الماوردي التوجيه الثاني والثالث، وفيهما شيء سأذكره من بعد- إن شاء الله تعالى.
[ ١٥ / ٢١٣ ]
وهذا القول هو الصحيح، والمنصوص عليه في "الأم" واختاره المزني.
قال: والثاني: للحمل- أي: وصرفت لها- لأن غذاءه بغذائها، وإنما قلنا ذلك؛ لأنها لما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه دلت على وجوبها له دون أمه.
ولأن النفقة لما وجبت له بعد انفصاله، وجبت في حال اتصاله؛ لتحفظ بها حياته في الحالين، بل هو في حال الاتصال أضعف.
ولأن نفقة المرضعة لما وجب للمرضع دونها، وإن تقدرت بكفايتها- كانت نفقة الحامل بمثابتها تجب للحمل دونها، وتتقدر بكفايتها دونه، كذا قاله الماوردي.
وهذا القول منقول في "الإملاء"، وربما نسب إلى التقديم. ويتفرع على القولين مسائل نذكرها، إن شاء الله تعالى.
قال: ولا تجب إلا على من تجب عليه نفقة الولد، أي: على القول الثاني، لأنه ولده.
فإن [كان] المطلق عبدًا أو حرًا- والولد رقيق- فلا تجب عليه.
وتجب عليه على القول الأول؛ لأن نفقة القريب مواساة، وليس من أهل المواساة، ونفقة الزوجة معاوضة في الأصل، والعبد من أهل المعاوضات.
وقد استشكل الإمام قول الوجوب؛ لأنا وإن قلنا: إنها لها، فهي بسبب الحمل؛ فكان ينبغي ألا تجب كما في اللعان.
ثم أجاب عن ذلك باتباع ظاهر نص الكتاب في المطلقات؛ لأنه لا تفرقة [فيهن بين أن يكون الزوج حرًا أو عبدًا، ولا] بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة.
قال: وهل يدفع إليها يومًا بيوم، أو لا يجب شيء منها حتى تضع؟ فيه قولان- أي: سواء قلنا: إنها لها أو للحمل كما صرح به في "المهذب" والبندنيجي وغيرهما:
أحدهما- وهو الصحيح: الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
ووجه الثاني: أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سببًا متجددًا.
[ ١٥ / ٢١٤ ]
وبعضهم بناه على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ والصحيح أنه يعرف؛ بدليل رد الجارية المبيعة به، وتحريم وطء المسبية حتى تضع، ولا تؤخذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفة في الدية، ولا يقام الحد على حامل.
ومن الأصحاب من قال: القولان على اختلاف حالين: فالأول محمول على ما إذا تبين الظهور، والثاني: على ما إذا لم يتبين، بل ظهر أدنى ظهور؛ قاله الجيلي.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فدفع، ثم بان أن لا حمل- رجع.
وعلى الثاني إن كان الإنفاق بإذن الحاكم، أو صرح عند الدفع بأنها نفقتها إن كانت حاملًا، وأنه يرجع عليها إن لم تكن حاملًا- رجع، وإن فقد ذلك لم يرجع.
وإن صرح بأنها نفقة، ولم يشترط الرجوع عند ظهور أن لا حمل- فوجهان، أصحهما في "الحاوي" وغيره: أنه يرجع.
ولو لم ينفق عليها حتى وضعت الحمل، أو لم ينفق في بعض المدة: فإن قلنا بالثاني لم تسقط نفقة ما مضى، وإن قلنا بالأول فمنهم من قال: إن قلنا: إن النفقة للحامل فكذلك، وإن قلنا: للحمل، فتسقط؛ لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان؛ وهذا ما أورده المتولي، والغزالي. ومنهم من قطع بعدم السقوط وإن قلنا: إنها للحمل، وعلى ذلك جرى البندنيجي، لأن المرأة مستحقة لها، وانتفاعها بها أكثر من انتفاع الحمل؛ فكانت كنفقة الزوجة، وهذا هو الظاهر، والذي عليه الجمهور.
وحكى الإمام الوجهين عند الكلام في سقوط نفقة القريب بمضي الزمان.
قال: وإن لاعنها ونفى حملها، وجب لها السكنى، لأنها معتدة عن فرقة نكاح في حال الحياة؛ فأشبهت المطلقة.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا: أنها لا تجب؛ لأنها إنما تجب [لتحصين] الماء، والولد منتف عنه.
قال: دون النفقة؛ [لأن النفقة في حال] البينونة إنما تجب بسبب الحمل أو
[ ١٥ / ٢١٥ ]
له، وهو منتف عنه؛ فأشبهت الحائل.
وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنها تجب إذا قلنا: إنها للحامل.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون اللعان في حال الزوجية [أو بعد البينونة إلا في استحقاق السكنى فإن القاضي أبا الطيب قال: إن قلنا: إنها حال الزوجية]، ففي حال البينونة يحتمل وجهين، فإذا لم نجوزه إلا بعد الوضع، فحكمها كما تقدم إلى الوضع، فإذا لاعن استرد النفقة، ولو أكذب نفسه بعد اللعان، رجعت عليه بالنفقة في زمن العدة، كذا صرح به الماوردي وغيره.
وبعضهم قال: إن هذا بناء على أن النفقة للحامل، أما إذا قلنا: إنها للحمل، فلا ترجع.
ولو أكذب نفسه [بعد] ما أرضعته، رجعت عليه بأجرة الرضاع، نص عليه في "الأم" وفيه وجه.
وإن أنفقت عليه مدة، ثم رجع، رجعت عليه بما أنفقت؛ لأنها أنفقت عليه على ظن أنه واجب عليها، لا على سبيل التبرع، فإذا بان خلافه ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظن أن عليه دينًا، فقضاه، ثم تبين خلافه رجع.
أما إذا لاعنها ولم ينف حملها، فهي كالمطلقة ثلاثًا في استحقاق السكنى والنفقة، وهذا هو الصحيح.
وقد حكى الغزالي: أن فرقة اللعان تنسب إليها- على رأي- فتكون في استحقاقها السكنى والنفقة كما سنذكره فيما إذا انفسخ النكاح بسبب من جهتهاز
ولا يخفى على الطريقة [المرجحة] أن اللعان من قبيل العوارض، والفراق به ليس مستندًا إلى حالة العقد.
قال: ومن وطئ امرأة بشبهة، أي: سواء كانت شبهة نكاح فاسد أو غيره، وحملت منه- لم تجب لها السكنى؛ لأنها لا تستحقها في حال الاجتماع؛ فأولى ألا تستحقها بعد التفريق.
وحكى الماوردي أنه قيل: [إن] لها السكنى أيضًا، إذا [قلنا]
[ ١٥ / ٢١٦ ]
[إنها] تستحق النفقة، وذكره فيما إذا كانت الشبهة في نكاح فاسد.
قال: وفي النفقة قولان، أي: ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟ فإن قلنا: لها، لم تجب؛ [لأنها] لا تستحقها في حال التمكن فأولى ألا تستحقها بعده.
وإن قلنا: إنها للحمل، وجبت؛ إذ الحمل تابع له، وهذا ما علل به الجمهور، ولم يرتض الإمام ذلك، وقال: إنما وجبت لها من جهة قيامها بتربية الولد وتنزيلها منزلة الحاضنة، وطرده في كل موضع قلنا: إنها تستحق النفقة، وهذا المعنى يقتضي القطع بإيجاب النفقة.
ثم قال: وحاصل هذا الخلاف- عندي- يرجع إلى أن الولد إذا كان مجتنًا هل تجب مؤنته؟ فعلى قول: نعم كالمنفصل، وعلى قول: لا؛ لأنه جزء من الأم ما دام مجتنًا لا استقلال له.
قال الرافعي: وتنزيل نفقة الحالم منزلة مؤنة الحاضنة بعد الانفصال لا اتجاه له وإن ردده الإمام مرارًا؛ لأن الواجب هناك كفاية أمر من تحضنه، إما تبرعًا وإما بأجرة، من غير تقدير، وهذه النفقة مقدرة كنفقة الزوجات.
قلت: إن كان المراد بمن تحضنه: غير المرضعة فالاعتراض صحيح، وإن كان المراد به: المرضعة، فقد تقدم عن الماوردي- عند الكلام: في أن النفقة لمن؟ ما يدل على أنها مقدرة [فدفع الاعتراض] على أنه- أيضًا- مشكل.
ثم هذا كله فيما إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحة، وحملت من وطء الشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوج، وإن لم نوجبها عليه ففي سقوطها عن الزوج وجهان:
أفقههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه، وهذا ما جزم به في "التهذيب".
والثاني: لا تسقط؛ لأنها معذورة فيه، وهذا ما أورده في "البسيط".
قلت: ويجوز أن يكون مأخذ هذا الخلاف أنه هل يحل له التلذذ بها، أم لا؟ وفيه خلاف تقدم في باب العدد.
[ ١٥ / ٢١٧ ]
فإن قلنا: يحل، لم يفته جميع [وجوه] الاستمتاعات، [فتجب؛ كالمريضة.
وإن قلنا: لا يحل فقد فاته جميع وجوه الاستمتاع]، فلا تجب؛ كالمحرمة.
واستحسن الإمام توسطًا، وهو أنها إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة.
وإن مكنت على ظن أنه زوجها، فهذا فيه التردد الذي حكاه الأصحاب.
وما قاله قريب مما قاله الشيخ أبو علي فيما إذا وطئ زوجة أبيه؛ [كما ذكرناه في باب: ما يحرم من النكاح.
وحكم أم الولد، إذا أعتقها سيدها]، وهي حامل- حكم الموطوءة بالشبهة، صرح به القاضي الحسين.
قال: وإن توفي عنها لم تجب لها النفقة في العدة- أي: وإن كانت حاملًا-[لأنها إذا كانت حائلًا بانت بالموت؛ فأشبهت البائن بالطلاق، وإن كانت حاملًا]، فهي إنما تجب إذا كانت الفرقة بالطلاق، إما للحمل وإما بسببه، ونفقة القريب تنقطع بالموت.
قال: وفي السكنى قولان:
أحدهما: أنها لا تستحقها؛ لأنها تجب يومًا بيوم؛ فلم تجب كالنفقة، وهذا ما اختاره المزني، وصححه منصور اليمنى في "المستعمل" والغزالي في "الخلاصة". وروي "أَنَّ عَلِيًّا-[﵁]- نَقَلَ أَمَّ كُلْثُوم بَعْدَمَا اسْتُشْهِدَ عُمَرُ﵁- بِسَبْعِ لَيَالٍ".
والثاني: أنها تستحقها، وهو الأصح عند العراقيين، وتابعهم الروياني وغيره.
ووجهه: ما روى أبو داود أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها؛ فسألت رسول الله ﷺ أن ترجع إلى أهلها، فإنه لم يتركها في مسكن
[ ١٥ / ٢١٨ ]
يملكه، ولا نفقة، فقال لها رسول الله ﷺ: "نعم"، فخرجت حتى صارت إلى الحجرة أو في المسجد، فدعاها وقال: "كَيْفَ قُلْتِ"؟ فأعادت عليه القصة، فقال: "امْكُثِي فِي بِيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" قال: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان عثمان أرسل إلي، فأخبرته القصة؛ فقضى به واتبعه.
قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
ومن قال بالأول، قال: قوله: "امكثي في بيتك" ندب لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكور أولًا بيان أنه لا سكنى لها.
وقد ذهب كثير من الأصحاب إلى بناء القولين على التردد في أن حديث فريعة منزل على هذا الترتيب، أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخرًا ينسخ الأول.
وفي "الجيلي": أن صاحب "الحلية" قال: تجب لها السكنى إن كانت حاملًا، على الأظهر.
ولم يذكر أحد من المصنفين هذا التقييد سواه.
ومحل الكلام في المسألة إذا لم يتقدم الموت طلاق، أما إذا تقدمه طلاق بائن فلا نزاع في وجوب السكنى لها، ولا نفقة لها إن قلنا: إنها للحمل، وإن قلنا: إنها للحامل، فوجهان:
اختيار ابن الحداد- وهو الأصح عند الإمام-: أنها تسقط أيضًا؛ لأنها كالحاضنة، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت.
وعن الشيخ أبي علي: أنها لا تسقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوفا’، بخلاف الرجعية، بل تعتد عن الطلاق، والطلاق كان يوجب هذه النفقة دفعة واحدة؛ فتصير كدين عليه، وهذا أقيس عند الغزالي.
واعلم أن الشيخ – ﵀- سكت عن نوع آخر من المعتدات، وهن المفسوخ نكاحهن بعد الحكم بصحته، وللأصحاب في استحقاقهن السكنى طرق:
أحدها: أنها تستحق وجهًا واحدًا، وهو ما حكاه في "المهذب"، قال في "التتمة": وهو الصحيح.
[ ١٥ / ٢١٩ ]
والثاني: إطلاق قولين:
في قول: تستحق، كالمطلقة؛ تحصينًا لمائه.
وفي قول: لا؛ لأن إيجاب السكنى بعد زوال النكاح كالمستبعد، وهي إنما وجبت بالنص في المطلقة؛ فيبقى حكم غيرها على الأصل.
والثالث: إن كان لها مدخل في ارتفاع النكاح؛ بأن فسخت بالعتق، أو بالعيب، أو فسخ بعيبها- فلا سكنى. وإن لم يكن لها مدخل [كما إذا انفسخ بإسلام الزوج، أو ردته، أو رضاع من أجنبي- فقولان.
والرابع: إن كان لها مدخل] – كما ذكرناه-[لم تجب وإن لم يكن] وجبت.
والخامس: أن الفرقة إن كانت بعيب أو غرور فلا سكنى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو مصاهرة أو خيار عتق، فوجهان، المذهب منهما: أنها كالمطلقة، وهذه طريقة صاحب "التهذيب".
وفرق بأن الفرقة بالرضاع والصهارة وخيار العتق لم تكن بسبب موجود يوم العقد، ولا بسبب يستند إليه الفسخ حتى يجعل مفسوخًا من أصله، بدليل وجوب المسمى، وفي العيب والغرور كانت بسبب في العقد؛ ولذلك نوجب مهر المثل.
وأما النفقة ففيها- أيضًا- طرق:
أحدها: حكاية قولين مبنيين على أن النفقة للحامل أو للحمل:
إن قلنا بالأول لم تجب.
وإن قلنا بالثاني؛ وجبت.
وهذا ما أورده ابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، والقاضي في "التعليق".
والثاني: إن كان لا بسبب من جهتها، كردة وما في معناها، فهي كالمطلقة، وإن كان بسبب من جهتها، كالفسخ بخيار العتق، وما ذكرناه معه- فقولان ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟
والثالث: نسبه أبو علي إلى عامة الأصحاب، وهو المحكي في "التهذيب"- إن كان بسبب عارض، فهو كالطلاق، وإن كان بسبب قارن العقد كالعيب والغرور، فقولان.
[ ١٥ / ٢٢٠ ]
قال الإمام: وهذا فيه غموض من جهة أن المفسوخ نكاحها؛ كما لا تستحق النفقة في حال الحيال؛ كذلك المطلقة لا تستحقها، إذا كانت بائنًا، وهذا مما يعسر الفرق فيه، والذي أراه في المسائل إذا غمضت الرجوع إلى ما اقتضاه القرآن [العزيز]؛ فإنه أوجب النفقة للمطلقات، والمفسوخ نكاحها ليست مطلقة.
وقد ينقدح وجه آخر، وهو أنها كالمتسببة إلى رفع النكاح، فأثر ذلك في سقوط النفقة، كما أثر في سقوط المهر قبل الدخول.
والرابع: أنها تستحق النفقة حيث تجب السكنى، وحيث [لا تجب] السكنى ففي نفقتها قولان.
والخامس: أنها تستحق النفقة وجهًا واحدًا؛ كالمطلقة، وهذا ما أبداه الماوردي من عند نفسه.
ثم ما أطلقناه في المفسوخ نكاحها بسبب اختلاف الدين هو المذكور هاهنا.
وفي "النهاية"- في نكاح المشرك- حكاية خلاف عن الأصحاب:
فمنهم من يقول: سبيلها سبيل الرجعيات؛ فلا يخفى حكمها مما تقدم.
ومنهم من يقول: سبيل البائن.
تنبيه: ما أطلقه الشيخ من استحقاق النفقة [يشمل الطعام والإدام والكسوة، وما أطلقه من استحقاق النفقة] والسكنى محمول على من تستحق ذلك في حال الزوجية، أما إذا كانت ممن لا يستحق ذلك: إما وفاقًا كالناشز أو على راي كالصغيرة، والأمة إذا سلمت ليلًا دون النهار- فحكهما في استحقاق السكنى كذلك.
وزاد المتولي فقال: إن المعتدة لو نشزت في العدة سقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى.
وقال الإمام شيئًا عبر عنه بعضهم بأنها إن نشزت على الزوج وهي في بيته، فلها السكنى في العدة، وإن خرجت من بيته واستعصت عليه مطلقًا، فلا سكنى لها، وأما النفقة فلم أر للأصحاب فيها [نقلًا] هاهنا.
[ ١٥ / ٢٢١ ]
وحكى الإمام في فرع سأذكره في باب الحضانة عن الشافعي أن الرجعية تسقط نفقتها بما تسقط به نفقة الزوجات.
فائدة تقدم الوعد بها: وهي ذكر المسائل التي تتفرع على القولين بأن النفقة للحامل، أو للحمل؟
فمنها: أن الحمل لو كان موسرًا فهل تجب النفقة على الأب؟ قال في "الزوائد": إن قلنا بالأول لم تسقط، وإن قلنا بالثاني، قال أبو يعقوب: لا تسقط أيضًا. وقال الشاشي: تسقط وهو ما حكاه القاضي في "التعليق"؛ تفريعًا على هذا القول.
وقال ابن كج: إن قلنا: إنها للحمل، وإنها تؤخر إلى الوضع، فإذا وضعت سلمت إليها النفقة من مال الصبي.
وإن قلنا: يجب التعجيل، فلا تؤخذ من مال الحمل؛ كما لا نوجب فيه الزكاة والمؤنات، ولكن ينفق الأب عليها، فإذا وضعت ففي رجوعه في مال الصبي وجهان.
ومنها: لو كان الأب ميتًا وله أب غني، فعلى الأول: لا تجب عليه، وهو ما قطع به في "التهذيب" على القولين معًا، وعلى الثاني تجب.
وبهاتين المسألتين يظهر الاعتراض على الماوردي، فيما ذكره من الدليل على القول بأنها للحامل.
ومنها: لو نشزت، فإن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا؛ قاله ابن كج.
والصحيح السقوط، وكذا لو ارتدت أو أسلمت، ومنهم من قطع بالسقوط.
ومنها: لو أبرأته من النفقة، قال المتولي: إن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا.
وجزم في "الزوائد" بأنها تسقط على القولين معًا، ويظهر أن تكون صورتها إذا أبرأته من نفقة اليوم، بعد طلوع الفجر، أو الشمس، وبهذا يندفع ما أورد على ذلك من سؤال، ولا نزاع في أنها تملك المطالبة بها على القولين معًا.
ومنها: هل تتقدر بالكفاية، أم هي؟ كنفقة الزوجة؟ الذي أجاب به الأكثرون الثاني.
وحكى الإمام ومن تابعه طريقين:
[ ١٥ / ٢٢٢ ]
أحدهما: إن قلنا بأنها للحامل فهي كنفقة الزوجة، وإن قلنا: للحمل فوجهان.
والثاني: إن قلنا: إنها للحمل، تقدرت بالكفاية، وإن قلنا: للحامل فوجهان.
ومنها: لو كانت ممن تخدم هل تستحق الخادم؟ قال الروياني: إن قلنا: إنها للحامل، فنعم، وإلا فلا.
قال: وإن اختلف الزوجان في قبض النفقة فالقول قولها؛ لأن شغل ذمته متحقق، والأصل عدم القبض.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة.
قال ابن الصباغ: لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح، فكان الرجوع فيه إليها، كالمطالبة بالإيلاء والعنة.
فلو اختلفا في نفقة ماضية، وادعى أنه سلمها، وأنكرت هي وصدقه المولى- قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولى، وإنما يكون شاهدًا له بذلك.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن النفقة حق يتعلق بالنكاح لا حق للأمة فيها، وإنما حقها في النفقة بالمستقبل، وإذا ثبتت النفقة كان للسيد قبضها؛ فينبغي أن يقبل إقراره فيها.
قال: وإن اختلفا في تسليمها نفسها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التسليم، وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بذلك.
قال: وإن ترك الإنفاق عليها مدة، صار- أي: الذي تنفقه- دينا في ذمته؛ أي: سواء طالبته بذلك أو سكتت؛ لأنه مال يجب بطريق البدل في عقد معاوضة؛ فلم يسقط بمضي الزمان؛ كالثمن والأجرة والمهر، واستدل له الماوردي بما روي أن عمر﵁- كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: "إِمَّا أَنْ تُنْفِقُوا، أَوْ تُطْلِقُوا وَتَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسْتُمْ"، ولم يخالفه في الصحابة أحد؛ فكان إجماعًا.
ولا فرق فيما تنفقه بين أن يكون طعامًا أو كسوة، ولا بين أن تكون نفقتها
[ ١٥ / ٢٢٣ ]
أو نفقة خادمها، هذا هو المشهور.
وفي "الرافعي" في كتاب العدد: أن الشافعي نص على أن مدة العدة إذا مضت، أو بعضها، ولم تطلب حق السكنى- سقطت، ولم تصر دينًا، ونص في نفقة الزوجة على أنها لا تسقط بمضي الزمان، [وتصير دينًا] وللأصحاب فيهما طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولين نقلًا وتخريجًا.
والثاني: المنع؛ كنفقة الأقارب.
وأظهرهما: تقرير النصين، وفرقوا بأن النفقة في مقابلة التمكين، وقد وجد.
ولا تسقط بترك الطلب، والسكنى؛ لتحصين مائه، على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقق.
وعن القفال الفرق بأن السكنى كفاية الوقت، وقد مضى، والمرأة لا تملك المسكن، والنفقة عين تملك وتثبت في الذمة. وذكر أن حكم الكسوة حكم السكنى، وظاهر هذا يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكرت في العدد شيئًا يتعلق بذلك؛ فليطلب منه.
وما قاله القفال في الكسوة هو ما صححه المتولي، وهو بناء على اعتقاده أنها إمتاع.
قال: وإن تزوجت بمعسر، أو بموسر فأعسر بالنفقة- أي: نفقة المعسر- فلها الخيار: إن شاءت أقامت على النكاح، وتجعل النفقة-: [أي: إذا مكنته]- دينًا عليه، وإن شاءت فسخت النكاح.
والدليل على أن لها حق الفسخ من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] خيره بين أحد الأمرين؛ فإذا عجز عن الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان.
ومن السنة: ما روى حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سئل عمن أعسر بنفقة امرأته، فقال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا". خرجه الدارقطني.
[ ١٥ / ٢٢٤ ]
وسئل سعيد بن المسيب عن رجل أعسر بنفقة زوجته، فقال: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" قيل: سنة؟ فقال: سنة.
قال الشافعي: وقول الراوي: "سنة" يقتضي سنة رسول الله ﷺ فصار كروايته عنه، وقد ذهب إلى ذلك عمر وعلي وأبو هريرة.
وكتب عمر إلى أمراء الأجناد في رجال غابو عن نسائهم: "أن ينفقوا، أو يطلقوا، وليس لهم مع انتشار قولهم في الصحابة مخالف؛ فكان إجماعًا؛ كذا قاله الماوردي.
ولأنه حق مقصود بكل نكاح؛ فوجب أن يستحق الفسخ بإعوازه؛ كالاستمتاع من [المجبوب والعنين]، بل من طريق الأولى؛ لأن البدن يقوم بدون الجماع، ولا يقوم بترك الغذاء.
ولأن الحق مشترك في الجماع، وفي النفقة خاص بها، ولا يقال: الجماع لا تقدر على تحصيله من غيره؛ فيلحقها الضرر، والنفقة تقدر على تحصيلها من غيره؛ فلم يلحقها كبير ضرر؛ لأنا نقول: نفقة الزوجة لا تحصل بها أيضًا من غيره.
وقولنا: مقصود بكل نكاح؛ ليخرج القدر الزوائد على نفقة المعسر، ونفقة الخادم، هذه طريقة أهل العراق.
وفي طريقة المراوزة حكاية قول: أنه لا خيار لها، [ووجهه قوله] تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فكان على عمومه في وجوب إنظار كل معسر بحق.
ولأنه مال وجب بحق الزوجية؛ فوجب ألا تملك به الفسخ؛ كالصداق بعد الدخول.
ولأن النفقة في مقابلة التمكين، ولو أعوزه التمكين منها بنشوزها لم يستحق الزوج به خيار الفسخ، [كذلك إذا أعوزت النفقة من جهته بالإعسار لم تستحق
[ ١٥ / ٢٢٥ ]
الزوجة به خيار الفسخ].
قال الروياني: قال [جدي]: وبهذا أفتى.
وجزم بعض الأصحاب بالقول الأول، وحمل الثاني على حكاية مذهب الغير.
قال ابن كج والروياني: وهذه أظهر.
[و] أجيب عن الآية: بأن ذلك عائد إلى ما استقر ثبوته في الذمة من ماضي نفقتها، ونحن نقول به، ولا خلاف فيه- عندنا- في أكثر الكتب إلا ما حكاه في "التتمة": أن الحكم فيها حكم الصداق بعد الدخول على رأي.
وعن القياس على الصداق بأنا نقول به.
وعن النشوز: بأن ذلك دليل عليكم؛ لأن النشوذ لما أسقط ما في مقابلته [من النفقة، وجب أن يكون إعواز النفقة يسقط ما في مقابلته] من الاستمتاع، والله أعلم.
وحكم غيبة المال في مسافة القصر، أو مرض مرضًا يزيد مدته على ثلاثة أيام في حق المكتسب- حكم الإعسار.
قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما إذا كان الزوج غائبًا وهو موسر؛ فلا فسخ لها- على الأصح- لأن الزوج هناك قادر على الأداء، وتعذر الوصول إليه من جهة المرأة، وإذا كان المال غائبًا فالعجز عن الإنفاق من جهة الزوج؛ فكان لها أن تفسخ.
وقد اختار القاضي أبو الطيب في الغيبة مع اليسار أن لها الفسخ أيضًا، وإليه ميل ابن الصباغ.
وذكر القاضي الروياني وابن أخيه صاحب "العدة"- أن المصلحة الفتوى به.
وحكم امتناعه ظلمًا، مع إخفاء ماله، وعسر تحصيله منه بالقاضي- حكم غيبته مع اليسار.
وكذا لو كان كسوبًا، فامتنع من الاكتساب؛ لأجل النفقة، وقلنا بوجوبه على أحد الوجهين.
[ ١٥ / ٢٢٦ ]
وكذا لو غاب، ولم يعلم إعساره، لم يثبت لها الاختيار، على الأصح في "المهذب" وغيره، وهو قول الأكثرين على ما حكاه الماوردي؛ لأن سبب ثبوت الفسخ- وهو الإعسار- لم يتحقق.
ولو كان لا مال له إلا دينًا: فإن كان على مليء حاضر فلا خيار لها، وإن كان غائبًا فوجهان؛ بناء على ما لو كان الزوج موسرًا غائبًا، قاله الماوردي.
ولو كان معسرًا، ثبت.
وكذلك لو كان عليها وهي معسرة.
ولو كان عليه ديون وله مال قدرها يقبل الوفاء، لا خيار لها، وبعده يثبت.
ولو كان معسرًا، فتبرع عنه أجنبي بأدائها- ثبت الخيار على الأصح، خلافًا لما أفتى به الغزالي، ﵀.
وكذا لو ضمن بإ ذنه على وجه محكي في كتاب "التهذيب".
والمجزوم به في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا خيار، إن كان الضامن مليئًا، وكذلك في "التتمة".
وإن كان بغير إذنه فوجهان.
التفريع:
إن قلنا: لا فسخ لها، سقط عنها حق الحبس بسبب الزوجية، سواء كانت موسرة أو معسرة.
وكذا لو أثبتنا لها حق الفسخ، فلم تفسخ، لكن يجب عليها أن تأوي إلى المنزل ليلًا، وله أن يستمتع بها في الليل؛ لأنه زمن الفرغة، دون النهار؛ لأنه زمان الاكتساب، فلو امتنعت [عليه في النهار دون الليل لم تكن ناشزًا، وكانت على حقها في النفقة؛ وإن امتنعت] بالليل كانت ناشزًا.
فإن قيل: هلا إذا سقط حقه من الاستمتاع بها نهارًا أسقط عنه نفقتها؛ كما يسقط نفقتها لو كانت أمة فاستخدمها بالنهار سيدها؟
قيل: لأن منع الأمة من جهتها، فجاز أن تسقط به نفقتها، ومنع المعسر من
[ ١٥ / ٢٢٧ ]
جهته؛ فلم تسقط به نفقتها، كذا حكاه الماوردي.
وفي "المهذب": أنه لا يلزمها التمكين من الاستمتاع، فلعله أراد: بالنهار؛ [لأنه قال: ولها أن تخرج من منزله، والخروج بالنهار].
وإن قلنا: لها حق الفسخ، فلا فرق في ذلك- أيضًا- بين أن [يكون معسرًا أو موسرًا]، ولا بين أن يعجز عن كل المد أو عن عشره.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إذا قدر على نصف مد لا خيار لها.
وفي "التهذيب": أنه إذا كان يجد في يوم نصف مد، وفي يوم يقتصر عليه، وفي يوم يجد قدر الكفاية- فلا خيار.
وأجرى الرافعي فيه الوجه السابق، وأجراهما فيما إذا كان يجد في يوم مدًا، وفي يوم لا يجد شيئًا.
ولو كان يجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها- فوجهان في الطريقين، والأصح في "التهذيب": أنه لا خيار.
ولو كان يكتسب في يوم قدر ما يكفيه ثلاثة أيام، ويبقى بعده يومين أو ثلاثة لا يكتسب، [ثم يكتسب] ما يكفي الأيام الماضية، أو كان نساجًا ينسج في كل أسبوع يومًا تكفيه أجرته الأسبوع- فلا خيار؛ لأنه ليس بإعسار، بل هو تأخير حق من وقت إلى وقت.
ولو تعطل عليه العمل في بعض الأسابيع، ففي ثبوت الخيار وجهان في "التتمة"، وقال: الصحيح الثبوت.
ولو كان بيده صنعة، [ولم يجد من يستعمله في صنعته]: فإن كان يعد ذلك نادرًا فلا خيار، وإن كان غالبًا؛ فلها الخيار؛ قاله الماوردي.
وكذا لو كانت صنعته محرمة؛ كعمل آلة الملاهي- فهو لا يستحق ما سمي من الأجرة [ولا بد] أن يستحق لتفويت عمله أجرًا؛ فيصير به موسرًا.
قال: ولا يكون لزوجته خيار. وكذا المنجم والكاهن قد يوصل إليه شيء بسبب محظور، لكنه قد أعطي عن طيب نفس المعطي؛ فأجري مجرى الهبة، وإن
[ ١٥ / ٢٢٨ ]
كان محظورًا لسبب؛ فساغ له إنفاقه.
ولو قدر على مد من شعير دون غيره: فإن كان في بلد يقتات فيه فقراؤه الشعير لم يفسخ، سواء جرت عادتها [باقتيات الشعير أم لا وإن كان في بلد لا] يقتات الشعير كان لها الخيار، وهل هذا الرفع طلاق أو فسخ؟
حكى الطبري: أن الذي قاله الشيخ أبو حامد، ولم يذكر غيره: أنها لا تفسخ بنفسها، بل ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يأمره بالطلاق، أو يطلق عليه.
وفي "الشامل": أن الحاكم يفسخ بينهما النكاح.
وحكى المراوزة فيه وجهين:
أصحهما في "التهذيب": أنه فسخ، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "التعليق"، وضعف الإمام مقابله؛ بأنه إذا طلق أو طلق عليه إنما يكون رجعيًا، وذلك لا يسقط النفقة، ثم أجاب بأن ذلك محل ضرورة؛ فإن العدة لا بد منها.
وقد يستدل له بما روي أنه﵇- قال: "ابْدَأ بمَنْ تَعُولُ" فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَأتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمْني وإلَّا فَارِقْنِي" كما خرجه النسائي.
واستدلله أبو يعقوب الأبيوردي بما كتبه عمر إلى أمراء الأجناد.
وبنى في "التتمة" الوجهين على القولين في أن المولي يطلق الحاكم عليه، أو يحبسه ليطلق؟
إن قلنا: يطلق، فيطلق هاهنا، وإن قلنا: يحبسه، فهاهنا لا يمكن الحبس؛ لأنه عاجز؛ فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ.
قال الرافعي: ولك أن تقول: العاجز عن الإنفاق لا يجوز حبسه لينفق، ولكن لا يبعد أن يحبس؛ ليكلف الإنفاق، أو يطلق كما ذكر في الكتاب- يعني: "الوجيز"-: حتى يحسبه؛ لينفق، أو يطلق.
وعلى كلا الوجهين لا بد فيه من الرفع إلى القاضي.
أما إذا قلنا: إنه طلاق، فليعرض عليه أن ينفق بالإقراض أو غيره، أو يطلق، فإن أبى ذلك طلق عليه طلقة رجعية؛ كما في المولي- على الأصح- أو يحبسه ليطلق، فإن راجعها طلق عليه ثانية إلى أن يتم الثلاث، إلا أن ينفق عليها.
[ ١٥ / ٢٢٩ ]
وأما إذا قلنا: إنه فسخ، فليثبت إعساره عنده، وليسلطها على الفسخ فإنه مجتهد فيه، وفي كلام الإمام ما يدل على أنه إذا ثبت إعساره لا حاجة إلى تسليط الحاكم، وعزاه إلى المحققين.
وجزم في "الحاوي" قبيل باب شهادة النساء بأنه لا بد أن يحكم الحاكم بجواز الفسخ، وإذا حكم به فوجهان:
أحدهما: لا يصح إلا أن يتولاه.
والثاني: يجوز أن تتولاه الزوجة.
وهل يحتاج إذا كان الزوج غائبًا أن يبعث إليه ليحضر أو ينفق، أو لا يحتاج؟ فيه وجهان، أظهرهما الثاني، وهو المذكور في "التتمة".
وفي "التهذيب": أنه قيل: لها أن تفسخ بنفسها، وحكاه في "التتمة" أيضًا.
وقال الغزالي: لو فسخت؛ لعلمها بإعساره، لم ينفذ ظاهرًا، وهل ينفذ باطنًا، حتى إن اعترف الزوج أو قامت بينة- تبين نفوذه واحتساب العدة من ذلك الوقت؟ فيه تردد، ولا خلاف أنه ينفذ ظاهرًا إذا لم يكن في الناحية حاكم، أو عجزت عن الرفع إليه، هذا لفظه.
ولا يثبت هذا الخيار لولي الصغيرة والمجنونة، وكذا لسيد الأمة- في الأصح- لكن لا يجب عليه أن ينفق عليها.
وفي "تعليق البندنيجي": أن الخيار إلى سيدها، وليس كالعنة، وهذا يشعر بأنه لا يثبت لها، وهذا إذا لم تكن معتوهة أما إذا كانت معتوهة فقد حكى ابن الصباغ عن ابن الحداد أنه لا خيار، وينفق المولى عليها، وتكون النفقة في ذمة الزوج، فإذا أيسر وعقلت، قال القاضي أبو الطيب: تطالبه بها وإذا قبضتها كان للسيد أخذها.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الأمة إذاك انت لا تملك العين فكذلك الدين؛ فيجب أن يكون ما يثبت من الدين للسيد، وله المطالبة به.
قلت: وما قاله القاضي قريب مما ذكرناه عن الأصحاب عند اختلاف في قبض النفقة.
قال: وإن اختارت المقام، ثم عن لها أن تفسخ- أي: بدا لها- جاز، أي:
[ ١٥ / ٢٣٠ ]
بعد يوم الاختيار؛ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم، فرضاها بما يتعلق بالآتي إسقاط شيء قبل ثبوته؛ فلا يسقط.
أما اليوم الذي اختارت المقام فيه فلا خيار لها فيه، صرح به البندنيجي.
وبهذا يظهر لك أنها إذا كانت عالمة بإعساره حالة العقد ثبت لها الخيار على هذا النحو.
قال: وإن اختارت الفسخ، ففيه قولان:
أحدهما: تفسخ في الحال، وهو القديم؛ لأنه فسخ لتعذر العوض؛ فثبت في الحال؛ كفسخ البيع بالإفلاس بالثمن.
والثاني- وهو الأصح-: أنها تفسخ بعد ثلاثة أيام؛ لتحقق العجز؛ فإن الإنسان قد يتعسر عليه وجه الإنفاق لعوارض، ثم تزول، وهذه مدة قريبة لا يصعب تزجيتها باستقراض وغيره.
وقد نقل عن "الإملاء": أنه يمهل يومًا، وجعله أبو الفرج السرخسي قولًا ثالثًا، والأكثرون امتنعوا منه، وقالوا: المراد منه: أنه لو أمهله يومًا- جاز، لا أنه [لا] يزيد عليه.
وفي "الوسيط" – تفريعًا على القول بعدم إمهال الثلاث-: أنه لا خلاف أنها لا تبادر إلى الفسخ صبيحة اليوم؛ فإن أكثر الناس يكتسبون قوت اليوم في اليوم، ولكن إلى متى التأخير؟ يحتمل أن يقال: إلى وسط النهار، ويحتمل أن يقال: إلى الليل، ويحتمل أن يقال: حتى يمضي يوم وليلة، وأراد: التي تليه؛ كما صرح به الرافعي، وقال: إن النفقة لهما، وبمضيهما تستقر.
قال الغزالي: فرجع هذا إلى أنه يمهل يومًا واحدًا، وهذا ما رجحه الإمام على هذا التقدير، بعد أن قال: إن هذا يدل على فساد المفرع عليه.
وفي كتاب "التهذيب" تفريعًا على هذا القول- حكاية وجهين في أنها تفسخ في أول النهار أو آخره؟
قال الغزالي: [نعم]، لو أقر صبيحة اليوم بأني عاجز، ولست أتوقع شيئًا،
[ ١٥ / ٢٣١ ]
فيحتمل أن يقال: [لها المبادرة، ويحتمل أن يقال] يمهل إلى تحقق العجز بانقضاء اليوم.
ولو كان يعتاد الإتيان بالطعام لها ليلًا فلها الفسخ؛ لأن هذا صيام الدهر.
وفي "العدة" فيه وجه، ولو وجد ذلك مرة أو مرتين لم يثبت لها حق الفسخ.
ويتفرع على القول بإمهال الثلاث مسائل:
إحداها: يجوز لها في مدة الإمهال أن تخرج لتحصيل النفقة، وليس له منعها، وإن قدرت على الإنفاق من مالها، أو كانت تكتسب بما لا يحوجها إلى الخروج كالغزل والخياطة، وفيه ذه الحالة وجه، وهو قضية ما في كتاب "التهذيب" فإنه قيد ذلك بما إذا كانت معسرة.
وذكر وجه مطلق: أنه يدام حق الحبس في المدة، وعليها أن ترجع إلى المنزل ليلًا، والحكم في الاستمتاع كما تقدم.
وذكر في "التهذيب":أن لها المنع، لكن إذا منعت لا تستحق النفقة لمدة الامتناع، ولم تصر دينًا.
الثانية: إذا اختارت المقام بعد [مضي] الثلاث، ثم عن لها أن تفسخ- فلا بد من تجديد الإمهال.
وفيه احتمال للإمام، وللقاضي الروياني، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المولي إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة، لا تستأنف مدة الإيلاء؛ لأن المدة هناك منصوص عليها، غير موقوفة على طلبها وهاهنا مدة الإمهال تقع بعد طلبها، وإذا تعلقت بطلبها، سقط أثرها برضاها.
الثالثة: إذامضت الأيام الثلاثة، فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يسلم نفقته، وإن سلمها لم يجز الفسخ بما مضى، وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة؛ لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي.
[ ١٥ / ٢٣٢ ]
ولو توافقا على جعلها عما مضى، قال الرافعي: يمكن أن يقال: لها الفسخ، ويمكن أن تجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة؛ وهذا بناء على أن الزوجة لا تفسخ بنفقة المدة الماضية، وهو الصحيح، كما حكيناه من قبل.
الرابعة: لو مضى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلمها، وعجز في الرابع- فتستأنف المدة أو تبني؟ فيه وجهان، أظهرهما: البناء؛ فعلى هذا تصبر يومًا آخر، وتفسخ في اليوم الذي يليه.
الخامسة: لو لم يجد نفقة يوم، ثم وجد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع- فيلينف أيام العجز، فإذا تمت أيام المهلة كان لها الفسخ.
السادسة: لو مضت ثلاثة أيام على العجز [ثم] أيسر في الرابع، وأعسر في الخامس- فالأظهر- وبه قال الداركي-: أن لها الفسخ، ويكتفي بالإمهال السابق، وهو ما أبداه ابن الصباغ احتمالًا.
وذكر الروياني وجهًا: أنه يمهل مرة أخرى، قال: وهذا إذا لم يتكرر، فإن تكرر لم يمهل؛ [لأنها لا تعد إمهالًا].
قال: ولو أعسر بنفقة الموسر أو المتوسط- لم تفسخ، قال الماوردي: وهذا
[ ١٥ / ٢٣٣ ]
مجمع عليه، ولم يصر دينًا في ذمته؛ لأن ما زاد على المد غير مستحق مع الإعسار.
وكذا لو منعها من القدر الزائد على المد، وهو واجب عليه- لم يثبت لها حق الفسخ، لكن يصير دينًا في ذمته.
قال: وإن أعسر بنفقة الخادم لم تفسخ؛ لأن الخدمة مستحقة للدعة والترفه، ويمكن تحمله، ويقوم البدن بدونه؛ فجرى مجرى المد الثاني من المستحق باليسار؛ بخلاف نفقتها.
وقيل: لها الفسخ؛ لأنها نفقة مستحقة بالنكاح؛ فأشبهت نفقة المخدومة.
قال ابن يونس: وليس بشيء.
قال: ويصير ذلك دينًا في ذمته؛ لأنه مستحق عليه، مع الإعسار.
وفرق البندنيجي بينه وبين القدر الزائد على المد بأن ذلك معتبر به، واعتبار نفقة الخادم بها.
وفي "التتمة": أنها لا تصير دينًا في ذمته.
ولا فرق- على المذهب- بين أن تخدم نفسها أو تستأجر من يخدمها أو تنفق على خادمها، لكن إذا كان الخادم مملوكًا، رجعت عليه عند اليسار بنفقته، وإن كان حرًا، فبأجرته؛ وإن باشرت هي الخدمة، فبأقل الأمرين؛ كذا قاله الماوردي.
قال: وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ؛ [لأنه لا يقوم بدنها إلا بأمر يقيها الحر والبرد؛ فثبت لها الفسخ كالنفقة. وفيه وجه.
قال: وإن أعسر بالأدم لم تفسخ؛ لأنه تابع، والنفس تقوم بدونه.
وفيه وجه لمعسر: الصبر على الخبز البحت دائمًا، وبه قال الداركي، ورجحه الروياني، والأول أصح عند الإمامين أبي حامد والقفال وغيرهما، وتابعهما الإمام والغزالي والفراء.
وقال الماوردي: إن كان قوتها ينساغ للفقراء أكله على الدوام بغير أدم لم تفسخ، وغن كان لا ينساغ أكله على الدوام إلا بأدم؛ فسخت، وإذا لم تفسخ؛ بقي ذلك في ذمته.
[ ١٥ / ٢٣٤ ]
قال: وإن أعسر بالسكنى احتمل أن تفسخ] لتضررها بعدمه، واحتمل ألا تفسخ؛ لأن النفس تقوم بدونه، فإنها لا تعدم مسجدًا، أو موضعًا مباحًا؛ وهذا ما حكاه الشيخ أبو علي [عن الشيخ أبي حامد سماعًا، ورجحه صاحب "التهذيب".
فعلى هذا: هل يبقى في ذمته؟ فيه وجهان في "التتمة" وأصحهما: أنه لا يبقى، والأول هو الأصح عند الرافعي والقاضي الروياني واختاره الشيخ أبو علي] ولم يحك ابن الصباغ غيره؛ لأن الإنسان لا بد له من كن يئويه ومن الحر والبر يقيه، والحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤال [والتقاط السابل].
قال: وإن كان الزوج عبدًا، وجبت النفقة [في كسبه] إن كان مكتسبًا، أو فيما في يده إن كان مأذونًا [له] في التجارة، فإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا له في التجارة- ففيه قولان:
أحدهما: في ذمة السيد، وهذا هو القديم.
والثاني: في ذمة العبد يتبع بها إذا أعتق، وتعليل ذلك، وما يترتب عليه ويتفرع مذكور في كتاب الصداق، فيطلب منه.
وحكى الماوردي- عوضًا عما حكيناه عن القديم-: أنها تتعلق برقبته، فيباع فيها إلا أن يفديه السيد.
قال: ولها أن تفسخ إذا شاءت- أي: على القول الثاني- لتضررها؛ كزوجة الحر.
ويجيء فيه القول المحكي عن المراوزة في أنه لا فسخ بسببها، والله﷿- أعلم.
[ ١٥ / ٢٣٥ ]