فكان من أوائل من كتب دفاعًا عن الشافعي من أصحابه أبو العباس ابن القاص، ألف في ذلك كتابه الماتع «نصرة القولين للإمام الشافعي» (^٢)، بدأه ببيان متشابه القرآن والسنة الذي يوهم ظاهره التعارض، ممهدًا بذلك لما ذهب إليه أن ما رمي به الشافعي من اختلاف القولين ليس به في حقيقة الأمر، ثم ختمه ببيان اختلاف أقوال أبي حنيفة وأصحابه، مستدلًّا بذلك على أنه ليس الوحيد الذي اختلفت أقواله، وفيما بين البدء والختام جعل معاني القولين ووجوههما على عشرة أقسام:
_________________
(١) يلاحظ أن الشيخ أبا زهرة نعى على الشافعية محاولتهم تخريج اختلاف أقوال الشافعي على الأوجه المعروفة عندهم، قال: «يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنها»، والظاهر أن الشيخ غلبت عليه ثقافة عصره حيث اعتبر سعة الخلاف بمثابة كثرة الحلول واتساع الخناق، لكن الشافعية إذ يوجهون هذا الاختلاف لا ينطلقون على أساس الرياضة النفسية والاحتمالات العقلية، وإنما هي صور من ترديد الأقوال توجد في واقع نصوص الشافعي، فلا وجه لكلام الشيخ أبي زهرة، وإن كنت معه في قوله: «إن كثرة آراء الشافعي أمر مُتَّفِقٌ مع منهجه في الاجتهاد ومُتَّفِقٌ مع حياته الفكرية». انظر كتاب «الشافعي .. حياته وعصره .. آراؤه وفقهه» (ط: دار الفكر العربي، ص: ١٨٢ - ١٨٤).
(٢) الكتاب طبع في دار البيروتي بتحقيق مازن سعد الزبيبي، وله طبعة أخرى في مشروع (أسفار) مع «حقيقة القولين» للغزالي لم أتمكن من مراجعتها.
[ المقدمة / ١٨٥ ]
أحدها: ما قاله محاجَّة ليتبين به فساد الباطل وتحقيق القول الآخر.
القسم الثاني: ما قاله على طريق الحكاية واختلاف الماضين قبله.
القسم الثالث: ما قال فيه من القولين المتفاوتين ليمتحن المتعلمين باستخراجهما ثم ينص على يفتي به.
القسم الرابع: أن يكون أحد القولين من طريق خبر سبق والقول الآخر من طريق القياس.
القسم الخامس: ما قال فيه القولين والمرء فيهما مخيَّر.
القسم السادس: ما قاله على الترتيب (^١).
القسم السابع: قال فيه القولين ولم يبح بأحجِّهما نصًّا على جوابه من فساد الناس، ولكن بيَّن الأحج منهما بالحجج.
القسم الثامن: ما قال فيه القولين فيكون أحدهما على الإيجاب والآخر على الاحتياط.
القسم التاسع: ما كان على طريق المبهم والمفسر (^٢).
القسم العاشر: ما قاله ليقرب المطلب على المتعلمين دون النصوص تورعًا عن التقليد، وكلفهم التخليص ليتبيَّن به فضل المجتهد على البليد.
ويلاحظ على هذا التقسيم أن القسمين الثاني والعاشر لا قول للشافعي فيهما على حسبه، ويكون الشافعي تركهما لاجتهاد الأصحاب، كما يلاحظ عليه غياب ذكر الجديد والقديم، وكأنه لم يعتبر ذلك من اختلاف القولين.
_________________
(١) يريد حمل القولين على اختلاف الحالين.
(٢) يريد أن أحد قوليه تفسير للآخر.
[ المقدمة / ١٨٦ ]