ومن الجواب الجملي في ذلك أن الشافعي أراد بفقهه ضبط أصول الاستنباط وقواعد الاجتهاد، ولم يكن من مقاصده حجر أحكام الفروع بما ترجح لديه هو وإن كان يرى الحق في رأيه، بل إنه نهى عن التقليد له أو لغيره، ودعا إلى الدوران مع السنة والدليل، فكان من منهجه في بعض المسائل ترديد الأقوال وعدم البت فيها، إما لعدم قطعه بحكمه، أو لكي يعلم الاجتهاد، ولهذا نجد المُزَني وهو ناصر مذهبه على ذات الطريقة متشوِّفًا إلى ترديد الأقوال، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١٥/ ٧٤): «المُزَني يتشوَّف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوع من التردد»، قال: «وهذه عادته»، ولا أُراهُ - والله أعلم - يفعل ذلك من جهة نسبة القولين إلى الشافعي كما قد يتوهَّم، وإنما فعل ذلك لتوسيع مجال
_________________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٢).
[ المقدمة / ١٨٤ ]
النظر والاجتهاد؛ لأن غرضه ليس تخريج قول واحد يقلد فيه، كيف وأول حكم في «مختصَره» النهي عن التقليد، وإنما المقصود النظر في محتملات النصوص، ثم التوصل إلى ما يهدي إليه الدليل.
وهذه نكتة أطبق على الإذعان بها عامة من تكلم في اختلاف أقوال الشافعي -﵁-، ثم سلكوا في تقسيم وجوهه مسالك مختلفة أورد هنا مختصَرها (^١)، حتى أنتقل إلى ما هداني النظر والاستقراء في كتاب المُزَني.