وهو في الحقيقة شرح غريب لغة الشافعي، لكن أصحابه جعلوا كتاب المُزَني عمدتهم في تتبع الغريب.
وأجلُّ من كتب فيه: أبو منصور الأزهري، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الهروي (ت ٣٧٠ هـ)، صاحب «تهذيب اللغة»، كان إمامًا في اللغة، بصيرًا بالفقه، عارفًا بالمذهب، شديد الانتصار لألفاظ الشافعي، صنَّف كتاب «تفسير حروف المختصَر»، وقال في مقدمته: «أما بعد: فإني لما كثر تصفحي لجوامع آيات التنزيل وما أودعها الله تعالى من البيان الذي لا يستغني عنه عباده، ثم ما درسته من سنن المصطفى -ﷺ- المبينة جمل تلك الجوامع، ومن آثار صحابته -﵃- وأخبار التابعين لهم بإحسان ما ازددت به بصيرة فيما علمناه من الكتاب .. عطفت على النظر في المؤلفات التي صنَّفها فقهاء أمصار المسلمين من الحجازيين والعراقيين وغيرهم، من الأئمة المتقِنين، وذوي البصائر المميزين، فدرستها، وأخذت حظي من فوائدها، وألفيت أبا عبدالله محمد بن إدريس الشافعي أنار الله برهانه ولقاه رضوانه أثقبهم بصيرة، وأبرعهم بيانًا، وأغزرهم علمًا، وأفصحهم لسًانا، وأجزلهم ألفاظًا، وأوسعهم خاطرًا، فسمعت مبسوط كتبه وأمهات أصوله من بعض مشايخنا، وأقبلت على دراستها دهرًا، واستعنت بما استكثرته من علم اللغة
_________________
(١) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٨٤) وابن قاضي شهبة، و«المهمات» (١/ ٢٨١).
[ المقدمة / ١٣٧ ]
على تفهمها، إذ كانت ألفاظه ﵀ عربية محضة، ومن عجمة المولدين مصونة، وقدرت تفسير ما استغرب منها، فعلمت أني إن استقصيت تخريجها كثر حتى يملَّ قارئه، فأعملت رأيي في تفسير ما استغرب منها في الجامع الذي اختصره أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى ﵀ من جميعها، وزادني رغبة فيما أردته حرص طائفة من المتفقِّهة على استفادتها، غير أني لم أقصد بالذي تحرَّيته المبتدئ الريض، دون المرتاض الذي خرجت جوارحه، وأعانه ذكاؤه على معارضة المناظرين، ومحاورة المميزين، بل جعلت لكل منهم فيما كشفته وبيَّنته حظًّا وافيًا، وبيانًا شافيًا، والله المعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه أتوكَّل وإليه أنيب» (^١).
وممن كتب في غريب «المختصَر»: أبو سليمان الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي (ت ٣٨٨ هـ)، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي وأبي علي بن أبي هريرة، ونقل ابن السُّبْكي عنه أنه قال في كتابه «تفسير اللغة التي في مختصَر المُزَني» في «باب الشفعة»: «بلغني عن إبراهيم بن السَّرِيّ الزجاج النحوي أنه كان يذهب إلى أن الصاد تُبدل سينًا مع الحروف كلها لقرب مخرجهما، فحضر يومًا عند علي بن عيسى فتذاكرا هذه المسألة واختلفا فيها، وثبت الزجاج على مقالته، فلم يأتِ على ذلك إلا قليل من المدة فاحتاج الزجاج إلى كتاب إلى بعض العمال في العناية، فجاء إلى علي بن عيسى الوزير ينتجز الكتاب، فلما كتب علي بن عيسى صدر الكتاب، وانتهى إلى ذكره كتب: وإبراهيم بن السَّرِيِّ من أخسِّ إخواني، فقال الرجل: أيها الوزير، الله الله في أمري، فقال له علي بن
_________________
(١) انظر «الزاهر» (٩٣)، وانظر في تحقيق اسم الكتاب مقدمة المحقق (٥٧)، وانظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٩٣).
[ المقدمة / ١٣٨ ]
عيسى: إنما أردت (أخص)، وهذه لغتك، فأنت أبصر، فإن رجعت، وإلا أنفذت الكتاب بما فيه، فقال: قد رجعت أيها الوزير، فأصلح الحرف، وطوى الكتاب» (^١).
وممن كتب في غريب «المختصَر»: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (ت ٣٩٥ هـ)، له كتاب «حلية الفقهاء»، وهو لطيف مختصَر، وعامته يتفق مع كتاب الأزهري، ويظهر أنه أخذه منه.
وممن كتب في الألفاظ المنتقدة على الشافعي في اللغة: الحافظ أبو بكر البَيْهَقي (ت ٤٥٨ هـ)، له كتاب «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة».
وكتاب «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي يتضمن غريب لغة «المختصَر» مع كتب أخرى.